← Адаб

Адаб · id 10003

فن المقال الصحفي في أدب طه حسين

عبد العزيز شرف

Полный текст (424 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الشعب ملك للشعب، يبتئس بها حين تفرض عليه الابتئاس، ويبتهج بها حين تثير في نفسه الضحك. وليس للناهضين بأعباء هذه الحياة أن ينكروا ذلك أو يضيقوا به، فهم حين يقبلون النهوض بأعبائهم لا يشترطون على الشعب ألا يضحك منهم حين تدعو سيرتهم للضحك، وألا يتنَدَّر بهم حين تدعو سيرتهم للتندر, وكما أن الكاتب والشاعر والفيلسوف والعالم لا يشترطون على قرائهم قبل أن يقدموا إليهم آثارهم أن يعفوهم من النقد، فالساسة والقادة والموظفون لا يشترطون على الناس قبل النهوض بأعمالهم أن يعفوهم من النقد, سواء كان هذا النقد مرًّا أم حلوًا وجدًّا أم مزاحًا١". ومن ذلك يبين أيضًا أن طه حسين قد وجد في الصحافة الفرنسية نموذجًا للنزال الصحفي، كما وجد في "خصومتها السياسة لذة، لأن فيها ذكاء حادًّا, وفيها رقة في اللفظ, وفيها إصابة في الجدال، وفيها على هذا كله براءة من السب والشتم ولغو الكلام وهراء الحديث٢". فإذا أضفنا إلى ذلك تمثله للأسلوب الديكارتي في مقاله الصحفي بصفة عامة، وفي مقاله النزالي خاصة، فسيتضح لنا الأثر الفرنسي في مقال طه حسين، وهو الأثر الذي ينمي الأثر العربي ويقوّمه، كما أثَّر التيار الصحفي في طور التكوين في توجيه مقاله النزالي، ذلك أن هذه البيئة الصحفية -كما تَقَدَّم- قد شهدت معارك قلمية ترتبط بنشأة الأحزاب السياسية في مصر، كما ترتبط بالحياة الأدبية في القرن الماضي وأوائل هذا القرن، على نحو ما نجد في معارك: عام الكف، وعام الكفء، وعام الكفر٣. وقد تعَرَّفنا على أثر هذه البيئة من خلال تشجيع الشيخ جاويش للأسلوب النزالي في مقال طه حسين، ذلك أن مذهب الشيخ جاويش هو "مذهب الغُلُوِّ والإسراف٤، فكان يحبب العنف إليه ويرغبه فيه، ويحرضه عليه تحريضًا٥. على أن هذه المؤثرات الخارجية قد تضافرت جميعًا مع مقومات شخصية طه حسين ومصادر ثقافته على تطوير الأسلوب النزالي, الذي استجاب له طه حسين نتيجة لاتجاهه الشبيه بالفطري؛ فقد وجدنا من حادثة "اللقمة الشهيرة" أثر البيئة الأولى في اكتسابه صفة الجلد، التي جعلته يُحَرِّمُ على نفسه ضروبًا من اللعب وألوان الطعام والشراب١، وإلى هذه الصفة، ذهبنا إلى إرجاع جلده

стр. 282

في النزال العنيف، متى أتيحت له الوسائل, وملك أن يفصح عن حقيقته ومشاعره وآرائه في صبره على النزال وجرأته في مواجهة الخصوم، يرتبط بهذه الخصائص الشبيهة بالفطرية، ميل طه حسين الشديد إلى أن يكون في صفوف "المعارضة" أكثر مما يميل إلى صفوف "الإجماع", نجد ذلك الميل لديه منذ سافر إلى القرية أول مرة وهو طالب بسيط في الأزهر، فاستخفَّت به القرية وهي تحتفي بأخيه كلما شقَّ دروبها, بل تحتفي به غائبًا فترفع الصوت في السؤال عنه والاطمئنان عليه. فآذى نفسه ذلك فمضى ينقد كل شيء: دلائل الخيرات التي كان يعتز والده بقراءتها، ومجالس الشيوخ، وامتدَّ نقده إلى المحكمة الشرعية نفسها، فانتقم لنفسه صبيًّا وخرج من عزلته؛ وشغل الناس في القرية والمدينة بالحديث عنه والتفكير فيه. وتغيَّر مكانه من الأسرة، مكانه المعنوي إن صحَّ هذا التعبير، ولم تعرض عنه أمه وأخواته، ولم تقم الصلة بينهم وبينه على الرحمة والإشفاق، بل على شيء أكثر وآثر عند الصبي من الرحمة والإشفاق، وانقطع ذلك النذير الذي سمعه الصبي في أول الإجازة بأنه يبقى في القرية، ينقطع عن الأزهر, ويصبح فقيهًا يقرأ القرآن في المآتم والبيوت١. فاتجاه طه حسين إلى صحافة المعارضة منذ عودته إلى وطنه بعد ثورة ١٩١٩، سواء في صحافة الأحرار الدستوريين، أو في صحافة الوفد حين كان الوفد في معارضة صدقي، اتجاه أصيل في نفس طه حسين، منذ كان يجادل شيوخه في الأزهر حتى خرج منه عقب جدال. حتى السلطان نفسه عارضه فكان إذا غضب على شيخ انتصر له وأعلن انتصاره له في الصحف, وسعى إلى داره, ولزم درسه فيها, لا حبًّا في علمه" ولا تهالكًا على شيخه، ولكن تحديًا لذلك السلطان الذي كنا نراه جائرًا متحكمًا, ولا نريد أن نذعن لجوره ولا لتحكمه"٢ وقد تعرفنا على آثار هذا الاتجاه في النزاليات الأولى لطه حسين، حين هاجم المنفلوطي الذي كان الناس "يجمعون" على الإعجاب به، إن جاز هذا التعبير، وكما تبيَّنَ من مساجلة "الحرب والحضارة" في السفور؛ وهي مساجلة "صنعها" طه حسين، على نحو ما تقدَّم تفصيل ذلك، يتوسَّل بها إلى القراء ليثير فيهم "الجدل والتفكير", ولم تلبث هذه النزاليات "أن تمثَّلت عناصر الثقافة القديمة والحديثة، والمقومات الشخصية, لتؤصل بعد عودته إلى وطنه فن المقال النزالي الصحفي في مزاج جيله, وتقيمه على تقاليد مكينة، كما تبيَّن من دراستنا لمصادرها في القديم والحديث، وهو فن يتوسَّل به رغم حزبيته إلى التعبير عن أفكار تتعلق بالمبادئ العامة، وتدور حول اتجاهات جديدة في إطار من "التعقيل" و"التنوير", ذلك أن قالب "النزال" في نهاية

стр. 283

الأمر وسيلة لدعوة القراء إلى "التفكير", و"متابعة" ما يكتب الكُتَّاب؛ ليؤدي المقال وظائفه "التوجيهية" و"التقويمية" و"الإقناعية" على أفضل نحو ممكن. ولعل في كلمة "أندريه جيد" تليخصًا لمحور النزال في مقال طه حسين، ونعني قوله: "لتكن حياتك ثائرة مثيرة، لا تجعلها هامدة ساكنة"، فالقالب النزالي في مقال طه حسين وسيلة ثورية يتوسّل بها إلى هدم الهدم، والتقليد والمحاكاة، وهو لذلك ينتقل من الاعتماد على المنطق الأرسطي في طور التكوين، والذي كان يتخذ منه سلاحًا ذا حدَّيْن في مقاله النزالي، من حيث تنظيم التفكير والتسلُّح بعدته في النزال، إلى منطق جديد يتوسَّل بالأسلوب الديكارتي الوظيفي، حيث لم يعد يكتب "حبًّا في الكتابة ورغبة فيها"١ كما كان يفعل في طور التكوين الصحفي، ولكنه أصبح يكتب من خلال رؤيا وظيفية للمقال، تتغَيَّا التبسيط والتوجيه والتقويم والتثقيف، وما إلى ذلك من الوظائف التي تسهم في تكوين الرأي العام المصري، الذي يريده طه حسين على أن يكون "أشد أنواع الإصلاح سطوة وأعظمهم بطشًا"٢. ذلك أن دوافع الكتابة والتحرير عند طه حسين، تأتي من أن "موضوعًا من الموضوعات مشكوك فيه, فلا بُدَّ من أن يثيبت, أو غامض فلا بُدَّ أن ينجلي، فلا بد من أن يعرف, أو ضعيف فلا بد من أن يقوى, أو قوي فلا بد من أن يضعف"٣. فهذه الدوافع للكتابة والتحرير عند طه حسين تقتضي التوسُّل بوسائل جديدة "لهداية الذهن", كما ذهب إلى ذلك "ديكارت" في معارضة المنطق الأسططاليسي، ذلك أن هذه الوسائل تتيح للمقال الصحفي، وللقالب النزالي منه خاصة، السير على هدى؛ وخطة مرسومة، ومنهج محدد، ذلك أن ديكارت يذهب إلى أن أوَّل ما يلزم للمعرفة، وللإنسان الواعي، هو الشعور بضرورة المنهج، ثم إيجاده، وتطبيقه في مجالي النظر والعمل جميعًا, ويتحدد هذا المنهج في "قواعد مؤكدة تعصم الذهن الباحث من الوقوع في الخطأ، وتمكنه من بلوغ اليقين في جميع ما يستطيع معرفته، دون أن يستنفد قواه في جهود ضائعة"٤، وهذه القواعد عند طه حسين هي التي تحدد منهجه المقالي في المعرفة ليبدد آثار ما تبقَّى من "عصور الظلمة المظلمة, والجمهور القبيح"٤.

стр. 284

وقد استطاع طه حسين بقواعد المنهج الديكارتي أن يثير لدى القراء الرغبة في "التفكير؛ لأن الإنسان الذي يشك لا بُدَّ أن يفكر، والشك هو دليل الفكرة, كما أن الفكر دليل الوجود، وتأسيسًا على هذا الفهم تصبح الكتابة أمرًا محتَّمًا -عند طه حسين؛ إذ لا بُدَّ من وجود "قوم يكتبون وكثرة من الناس لا بد من أن تقرأ"١. وهذه القراءة ليست "لقطع الوقت"٢, ولكنها غذاء "العقل والذوق والقلب"٣. ومن أجل هذه الغاية يصبح النزال في قاموس الكلمات الكاشفة، إن صحَّ هذا التعبير، يقابل "الخصام" في قاموس طه حسين٤، ذلك أن الصحف في سبيل إثارة "التفكير" كانت تشترك "في درس موضوع واحد أثاره كاتب من الكُتَّاب, فأنكر عليه كاتب آخر بعض ما قال, أو كل ما قال، وأسرع إلى هذا الكاتب وذاك أنصارهما فاختصموا وأطالوا الاختصام، وانتفع القراء والكُتَّاب جميعًا بهذه الخصومات"٥. بل إن هذه الخصومات أو النزاليات هي التي بنت لجيل طه حسين "مجدًا, وجعلتها من قادة الرأي"٦. ذلك أن من طبيعة الكاتب نفسه أن "يكتب, ومن طبيعة نفسه أن يتصل بالناس، ليقرأوه ويشاركوه في الحس والذوق والشعور"٧. والكاتب لذلك -عند طه حسين- ليس محتاجًا إلى أن "يرضي الناس عنه فحسب، ولكنه محتاج إلى أن يرضوا عنه ويسخطوا عليه"٨, بل إنه يذهب إلى أن "الخصومة قوام الحياة, ولأمر ما قال الناس منذ أقدم العصور: إن الحياة صراع، وإن الحياة صراع، وإن الحياة جهاد"٩. وفي ضوء الرؤية الوظيفية للنزال عند طه حسين، نحاول أن ننظر في عجالة سريعة، في خصائص المقال النزالي في صحافته, والتي تميز بها في أداء الوظائف الصحفية للمقال: أولًا: إن طه حسين يتوسّل بالنزال توسُّلًا وظيفيًّا في مقاله, فقد أراد إلى أن "يستيقظ النائم ويتنبه الغافل ويخرج الهادئ من هدوئه, ويزعج المطمئن الراضي عن اطمئنانه، ورضاه"١٠, وهو لم يرد إلى ذلك في النزال السياسي فحسب، ولكنه ذهب إلى ذلك في النزال الأدبي والثقافي أيضًا، ذلك أنه كان يذهب إلى أن لا شيء "أضرَّ بالحياة وأدفع لها إلى البلادة والجدب من هذا الذي يتورَّط فيه المثقفون من الخمود والركود، والرضى بما كان" والاطمئنان

стр. 285

إلى ما هو كائن، والاستخفاف بما يمكن أن يكون١". ويصرح طه حسين أنه كان يؤثر دائمًا "سخط العقول على رضاها، وأن أحب لها القلق وأكره لها ما يمكن أن تضطر إليه من هذا الأمن المخيف الذي ينتهي بها إلى الفتور وإيثار الدعة, والاطمئنان الذي يحبب إليها الراحة, ويغريها بالكسل, ويزين لها الاستسلام والتسليم أيضًا٢". وفي ضوء هذا الفهم الوظيفي للنزال، فإن طه حسين في كثير من الأحيان هو الذي يطلق "السهام" الأولى، ويتخذ مكان "الهجوم" قبل أن يكون في "الدفاع"، ذلك أن النزال عند طه حسين إنما يكون "في سبيل الرأي أو في سبيل كلمة تقال, وليس من قالها٣" ويتمثَّل في ذلك بقول الشاعر القديم: يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجل٤ وعثرة اللسان هذه -عند طه حسين, إنما يكون مصدرها "حب الحق والحرص على النصح للناس وإن كرهوا النصح والناصحين٥، وهي لذلك في المقال النزالي تُعَرِّضُ الكُتَّاب والمصلحين للمحن "لأنهم يقولون ما لا يرضى الناس٦"؛ ولأنهم يحاولون "أن يلقوا في روع الناس ما لم يألفوا, وما لم يحبوا ويريدون أن يحملوهم على منهج جديد من مناهج الحياة, مخالف للمناهج التي آثروها بالحب ووصلوا بها قلوبهم وعقولهم وصلًا, وكرهوا أن يزعجهم الناس عنها بعد أن طال اطمئنانهم إليها٧". تلك هي الرؤيا الوظيفية للنزال في مقال طه حسين، حين يتجه في الاتجاه الثقافي والسياسي أو الاجتماعي، وهي الرؤية التي تجعله كما يقول الدكتور هيكل عنه "مهاجمًا" أبدًا، وكما ظهر أثر تلك الرؤية النزالية في مساجلاته الأولى حول "الحرب والسلام", ومع الرافعي وجورجي زيدان والمنفلوطي, وكما ظهر أثر الرؤيا في مقاله السياسي أو الاجتماعي من بعد، ذلك أنه كما يقول -يستطيع أن يحمل نفسه "على الصمت؛ لأنها تأبى إلا الكلام حين يوجد موضع الكلام"٨؛ ولأنه إن "أكرهها على ما لا تحب" واضطرها اضطرارًا إلى الصمت, وحملها على الإغراق فيه, جاءه الراضون عنه والساخطون عليه: "فاستكرهني على القول وأخرجوني من العزلة", وخلطوني بأنفسهم, وأشركوني في خصوماتهم ومشكلاتهم التي لا تنقضي"٩.

стр. 286

ذلك أن النزال -عند طه حسين- هو مصدر المذاهب الأدبية المختلفة, والمذاهب الفلسفية على اختلافها١، ولم تكن الخصومة بين العقاد والمازني وشوقي عنده -تجريحًا، لأنها "فتحت للمعاصرين من الأدباء المصريين أبوابًا جديدة في الفن, وآفاقًا جديدة في النقد, وعلمتهم أن الشعر لا ينبغي أن يكون تقليدًا للقدماء ومحاكاة لهم في رصانة اللفظ وجزالة الأسلوب وروعة النظم مهما تكن, ومكانة هؤلاء الأدباء, ومهما يعظم حظهم من التفوق والنبوغ. وإنما ينبغي أن يكون الشعر مقتطعًا من الحياة التي يحياها الناس في العصر الذي يقال فيه، مقتطعًا منها وسابقًا لها أيضًا؛ وفاتحًا لقرائه وسامعيه آفاقًا جديدة في التصور والحسِّ وفي الشعور والخيال"٢. على أن النزال في مقال طه حسين يرتبط كما تَقَدَّم برؤية وظيفية، تبين من موقف مقاله من زوال المجتمع التقليدي، وهي الرؤيا التي جعلته يتخذ أسلوب الاستقراء الديكارتي أسلوبًا لمقاله النزالي، على النحو الذي أشرنا إليه، لأنه أنسب الأساليب في التغيير ومواجهة عوامل التدعيم الوسيطة، الأمر الذي يجعلنا نذهب إلى أن النزال في مقال طه حسين لا ينفصل عن الاستراتيجية الحضارية العامة التي صدرت عنها جميع مقالاته الصحفية في الاتجاهات المختلفة. ثانيًا: إن طه حسين -تأسيسًا على ما تَقَدَّم- لم ينازل أحدًا لمجرد الرغبة في التجريح، ولكنه يتمثل وظيفة النزال قبل أن يقدم عليه، وهو لذلك حين يتهيأ لنزال يدرس الأمر مليًّا، حتى يتمكَّن من تحقيق الإقناع المنشود، ومن ذلك أنه خاصم العقاد في غير "موطن من مواطن الخصومة"٣. خاصمه في "السياسة, وخاصمه في الأدب، وخاصمه في غير السياسة والأدب أيضًا"٤، ولكن هذه الخصومة كما يقول: "لم تغض من قدر العقاد في نفسي, وما أظن أن بين لدات العقاد وأترابه ومعاصريه من يقدره ويكبره مثل ما أقدره أنا وأكبره"٥. وسبق أن أشرنا إلى أنه أثنى على أدب العقاد في جريدة "السياسة" حين كانت "الخصومة بين الوفديين والدستوريين كأعنف ما تكون الخصومات". لم يمنعني ذلك من أن أسجل أنه كاتب عظيم وشاعر ممتاز, وقد كانت الحرب سجالًا بينه وبيني, فلم يمنعه ذلك من أن يقوم مقام الرجل الكريم في مجلس النواب، فيدافع عني حين كان الوفديون جميعًا عليَّ حربًا"٦. وقد خاصم الرافعي كما خاصمه العقاد, وخاصم المازني وهيكلًا وغيرهم كما خاصموه: "ولكن ذلك لم يمنعنا في يوم من الأيام من أن نكون أصدقاء يعرف بعضنا لبعض حقه, ويضمر بعضنا لبعض ما يضمر الصديق للصديق من

стр. 287

الوفاء"١، كما خاصم توفيق الحكيم أو خاصمه توفيق الحكيم٢: "وسله إن شئت عَمَّا تركت هذه الخصومة في نفسه, ولا تسلني أنا عَمَّا تركت هذه الخصومة في نفسي، فكل الناس يعرف أن الخصومة بين الناس وبيني مهما تشتد, فهي أهون شأنًا وأقل خطرًا من أن تترك في نفسي أثرًا". وتفرض هذه القواعد الأخلاقية على النزال أن يقضي كاتبه فيما يقضي فيه بعلم، وأن يحكم فيما يقدر على الحكم فيه"٣، ويذهب طه حسين إلى أن القواعد هي التي جعلت كُتَّاب المقال النزالي في صحافتنا "بنَّائين، فهم لم يكونوا هدامين حين اختصموا"٤، ذلك أن الخصومة في نهاية الأمر "قوام الحياة"٥. على أن هذه القواعد النزالية، لم تشمل النزال الأدبي فحسب، وإنما تخطته بالتجاوز لتشمل النزال الصحفي عامة، في الأدب والسياسة والاجتماع والاقتصاد، وغيرها من ميادين النزال، وهي القواعد التي تمثَّلت في "دستور للنزال" تمثلته المدرسة الحديثة بصفة عامة, ومدرسة "السياسة" بصفة خاصة، ويتلخص هذا الدستور النزالي، كما يقول طه حسين في: "أن تفرغ الصحيفة للمسائل ذات الخطر التي يُعنى بها الناس في هذه الأيام -أي وقت صدروها- والتي قد تفيد الكتابة فيها بعض الشيء"٦، وهو لذلك ينكر على "السياسة" أن تكتب فيها "لا يستوجب كل هذه الجهود"٧، فرب واحد جيد يكفي "لإذاعة ما تريد السياسة أن تذيع من المناقشة والجدال"٨، وتأسيسًا على هذا الفهم ينكر على "السياسة" أن تنشر فصلًا لكاتب "فيما يظهر لا يملك نفسه, كما ينبغي للذين يريدون أن يخوضوا في غمار الكتابة في السياسة، ويصنفوا بنوع خاص آراء الأحرار الدستوريين، الذين عرفناهم في قديم الزمان، لا يحبون همزًا ولا غمزًا، ولا يؤثرون شتمًا ولا سبًّا، موقوفًا على الهمز واللمز، وعلى التعريض السخيف، والتلميح الذي كنت أحب أن أجل السياسة عنه"٩. ذلك أن "فن الكتابة السياسية على مذهب الأحرار الدستوريين خاصة، وعلى مذهب المثقفين عامة"١٠ يأبى الأسلوب الذي يتنافى مع القواعد الأخلاقية لفن النزال، وهي القواعد التي يصدر عنها طه حسين في نزاله، لذلك، فهو يؤثر الأسلوب العقلي في النزال، الذي يعصم ذهن الكاتب

стр. 288

من الوقوع في الخطأ، ويمكنه من بلوغ الإقناع في جميع ما يستطيع معرفته، دون أن يستنفد قواه في جهود ضائعة. وقد وجد طه حسين في منهج ديكارت الفكري، وقواعد "هداية الذهن"١ أسسًا تحقق لمقاله النزالي خطة مرسومة، ومنهجًا محددًا، في مجال النظر والعمل, وهو في المجال السياسي أنسب المناهج التي تجعله يبدأ النظر من جديد حتى يتبين الحقيقة، ولكن هذا المنهج الديكارتي في نزال طه حسين يقابل وسيلة أخرى توسَّل بها في مقاله لاجتناب الخطأ في النزال، "حين يتحتم أن تُسْتَخْدم للتمحيص مع كثير من العناية والتأمل طريقة يعرفها المسلمون جيدًا, هي طريقة "التجريح والتعديل Inadmissible et Intole'rable, وطريقة التجريح والتعديل ابتدعها رواة السنة النبوية, مؤداها البحث الدقيق الذي يجب إجراؤه للتحقق من أمانة المحدِّث وصدقه، وكلما أريد التحقق من صحة حديث روجعت تلك المعلومات الخاصة بمن رواه من المحدثين, وقد انتهى الأمر بأن جعل من تلك المعلومات شبه معجمات يستطيع مراجعتها كل عالم, فيستخرج منها بعض القواعد التي تساعد في تقدير قيمة كل حديث. وتؤلف هذه القواعد عما يعرف "بمصطلح الحديث"١. ويقول طه حسين: "ويجب تطبيق هذه الطريقة على الوقائع التاريخية التي تأتي بها الرواية, فإذا كان الراوية أمينًا صادقًا.. سليم الذهن, أمكن تصديق ما يرويه.. إلخ٣. ونجد آثار هذه الطريقة، وآثار المنهج الديكارتي في مقال طه حسين، بصفة عامة، وفي مقاله النزالي خاصة، ليكتشف الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية بأداة العقل، وليزيل الأوهام العالقة بالمجتمع التقليدي، على أن توكيده أن العقل ليس هو الملكة الوحيدة للمعرفة، يؤكد ما ذهبنا إليه من قبل، من ارتباط منهجه العقلي بإحساس عملي واقعي وظيفي، يتابع الظواهر ويتقرَّاها ويسيطر عليها من خلال مقاله الصحفي في نهاية الأمر. ومن نماذج هذا المقال الصحفي النزالي، مقال بعنوان "موقفان"٤, يقول فيه: "الناس يقولون ويسرفون في القول، ويؤكدون ويلحون في التأكيد أنَّ صاحب المعالي وزير الأشغال لا يحب خزان جبل الأولياء ولا يطمئن إليه، ولا يرى على أقل تقدير العجلة في إقامته وتشييده وتكلف ما سنتكلفه من النفقات في

стр. 289

تلك الإقامة وهذا التشييد، وفي هذه الأيام التي تشتد فيها الحاجة، لا أقول إلى الاقتصادر والتدبير, بل إلى البخل والتقتير١. ومن تعبيراته في هذه الفقرة من المقال يبين المنهج الديكارتي في التوسُّل بالشك الذي يتضح من قوله: "الناس يقولون" و"يؤكدون" إلخ. وهذا الأمر الذي يميز مقالاته النزالية حيث يبدؤها بالشك، والمضي فيه إلى أبعد الحدود، وتعليق رأيه حتى يتبين الحقيقة. وهو لذلك يقول في المقال المتقدِّم بعد استعراض "شكوكه": وقد يكون من الحق على الحكومة لنفسها أولًا, ولمصر ثانيًا, وللإنجليز ثالثًا, أن تصدر بلاغًا تريح الناس فيه من الكلام حول موقف المستشار المالي في هذه المسألة, كما أراحتهم من الكلام حول موقف وزير الأشغال.. إلخ"٢. إلى أن يقول في خاتمة المقال مؤكدًا على "استجلاء الحقيقة": "ونستطيع أن نؤكد للحكومة أن موقف المستشار المالي من خزان جبل الأولياء له خطره, وهو خليق بأن يتحدث فيه إلى رئيس الوزراء على شدة حاجته إلى الراحة والهدوء، هو خليق أن يسأل رئيس الوزراء عن الطريقة المثلى المعقولة التي ينبغي أن تسلك تجاهه وتوضيحه أمام الرأي العام"٣. ويتفق هذا الأسلوب العقلي في النزال عند طه حسين مع اتجاهه الديمقراطي, ذلك أن "الذين يحبون الحياة الديمقراطية، ويحصرون عليها مخاصين، لا ينبغي أن يستمتعوا بخيرها ويضيقوا بشرها إلى هذا الحد، وإنما ينبغي أن يقبلوها كما هي، وأن يجدوا ما استطاعوا في إصلاح شرورها وعيوبها، لا بالعنف ولا بالشدة ولا بضيق النفوس وحرج الصدور، ولكن بالأناة والحلم، وبضبط النفس وقهر الهوى، وبالدعوة إلى الخير بالحجة والموعظة الحسنة، لا بالاستعداء ولا بالنذير"٤. وتأسيسًا على هذا الفهم يذهب إلى تأييد الصحف الهازلة، في مواجهة رفض الدكتور هيكل لها، ذلك أن النزال في مفهوم طه حسين يقتضي أن تقول جميع الاتجاهات ما تشاء, وأن تتوسَّل إلى ذلك القول بما تشاء من وسائل صحفية؛ فحزب الوفد -كما يقول طه حسين- "كغيره من الأحزاب الديمقراطية، له صحفه الرسمية التي تصف آراءه، وتصور مذاهبه، وتدعو بلسانه، فهو مسئول عن هذه الصحف، ولكن هناك أشياعًا للوفد كثيرين، يتصلون به، وينتصرون له، ويدعون إليه بالكلام حينًا, وبالكتابة في الصحف حينًا آخر، وهؤلاء لا يستشيرون الوفد، ولا يصدرون فيما يكتبون عن وحي من الوفد،

стр. 290

ولا يوجههم الوفد في الطرق التي يسلكونها، ومن حق الوفد لنفسه أن يشجعهم حين يدعون إلى مذهبه، وينتصرون لمبدئه، وليس من حق أحد أن ينكر ذلك على الوفد أو يلومه فيه"١. ذلك أن الأسلوب العقلي في النزال يقتضي مناخًا ديمقراطيًّا يتمكَّن فيه من أن يتناول الأشياء على النحو الذي يُبَيِّنُ "الحقيقة" ويكشف عنها، ذلك أيضًا أن "اليقين يقتضي الشك"٢، الأمر الذي يصل بين النزال ووظيفة "المعارضة" من حيث تبيان "خطأ الوزارة"٣ وطلب إصلاح هذا الخطأ، فإذا "قصرت الوزارة" فإن المقال النزالي مطالب بإظهار تقصيرها٤، وإذا "شطت الوزارة"٥ فإنه مطالب كذلك بتبيين "شططها, وطلب إليها أن ترتَدَّ إلى شيء من القصد والاعتدال"٦, ومن أجل ذلك يأخذ المقال النزالي على "ديكتاتورية" صدقي كل سبيل، كما أخذ على التبشير والمبشرين كل سبيل كذلك، لأن مقاومة الاستبداد، لا تقل خطرًا عن مواجهة الخطر الذي يهدد معتقدات الناس، على أن هذا الفهم يدحض الزعم, روجت له صحف الوزارة بأن "المعارضين يتخذون قصة المبشرين وسيلة إلى إحراجها، وإنما الحق الذي لا شك فيه أن المعارضين قد أرادوا وما زالوا يريدون وسيريدون دائمًا أن تنهض الحكومة بما خلقت له، وهي إنما خلقت قبل كل شيء لحماية المواطنين من العدوان الخارجي، ومن فساد النظام واضطراب الأمن في داخل البلاد، وليس حماية للمواطنين من العدوان الخارجي أن يترك المبشرون يقدرون عليهم من كل مكان, فيعبثون بصبيانهم, ويسيئون إليهم في الدين والكرامة والأخلاق"٧. على أننا لا نجد في مقالة النزالي مجرد فكر ليسعى للتفسير، وإنما نَحُسُّ به فكرًا يسعى للسيطرة على الواقع التاريخي والاجتماعي، إنه يعيد صياغة الأحداث وترتبها وتبويبها على نحوٍ منطقي عقلي صارم، بحيث نجد في مقاله النزالي رجل سياسة خبير بنفوس الرجال وأحوال الحياة، وذلك على الرغم من كثرة العبارات الظنية التشككية، التي يتوسَّل بها في التعبير عن "مواقفه" العملية المدروسة، ومن ذلك مقال بعنوان: "عناد"٨ يقول فيه:

стр. 291

"زعم المصريون أن المستشار المالي نصح للحكومة المصرية ألا تتعجل إنشاء خزان جبل الأولياء، ثم أكد المصريون هذا الزعم وجعلوه يقينًا، ثم نشرته الصحف, وطلبت وطلبنا معها إلى الحكومة أن تبين للناس وجه الحق فيه، وقد أخذ الإنجليز يزعمون وينشرون كما كان المصريون يزعمون وينشرون أن المستشار المالي لا ينصح بالمضي في هذا المشروع الآن، وكل شيء يدل على أن الإنجليز سيستقلون بعد ما زعموا كما زعم المصريون ثم استيقنوا، وإذن فمن المحَقَّق "إلى أن تقول الحكومة غير هذا"، أن الرجل الذي تصر الحكومة الإنجليزية على بقائه في منصبه بمصر رقيبًا على تصرفات مصر المالية أن يحتمل تبعة الصمت: على هذا التصرف الغريب في هذه الأزمة المنكرة، معنى ذلك كما قلنا من قبل أن هذا المستشار الإنجليزي لا يتردد في أن يقهر عواطفه الإنجليزية، ويعرض عن المنافع الإنجليزية، ويعلن إلى الحكومة رأيه مكتوبًا، وهو النصح بتأجيل المشروع الآن. "كل هذا حق إلى أن تنفيه الحكومة نفيًا صريحًا واضحًا لا يحيط به الغموض والإبهام مثل ما أحاط بموقف وزير الأشغال من هذا المشروع١". وتكاد بعض الألفاظ والتعبيرات في هذا القسم من المقال تشير إلى الأسلوب الديكارتي في استجلاء الحقيقة، ولكن هذه الحقيقة عند طه حسين هي الحقيقة العملية الواقعية، التي تحدد المعالم الأساسية للرؤيا الوظيفية عند كاتب المقال. ذلك أن الشك الديكارتي في مقال طه حسين، يتوسَّل بالأسس المنهجية، التي يضيف إليها طه حسين طريقه العقلي العملي العام، الذي يتسم بسمات ديكارتية أخرى غير الشك, مثل الوضوح والتميز في الحكم والتعبير والتحليل، كما يبين من المقال المتقدم حين يعتبر "الصمت" تبعة, وأن "النفي" يجب أن يكون "صريحًا واضحًا لا يحيط به الغموض والإبهام". وما إلى ذلك مما يشيع في مقالاته الأخرى. ومن هذه المقالات يمكن تفسير الحاجة المستمرة في نزالياته، على أن يكون لكل وزارة "برنامج واضح" يمكن أن "يناقش ويناله التنقيح والتمحيص"٢. ذلك "أن لأمة المصرية قد كسبت في هذا العصر الجديد حقًّا جديدًا, وهي حريصة على أن تحتفظ بهذا الحق وتستمتع به, هذا الحق هو أن تقرأ لكل وزارة جديدة برنامجها الذي تبيِّنُ فيه آراءها السياسية, وخطتها في تحقيق هذه الآراء٣".

стр. 292

وفي سبيل هذا المطلب الدستوري يكتب بعنوان "وزارة بلا برنامج١" مؤكدًا منهجه في الوضوح والتعبير والتحليل: "إنما وزارة الأقوال تلك التي تعرض عن كل حركة منتجة, وتكتفي بضروب القول الحسن تبذلها من غير حساب, ولم يطالب أحد الوزارة بذلك, وإنما نطالبها ويطالبها معنا الجمهور كله بأن تبين لنا ماذا تريد أن تعمل, وكيف تريد أن تعمل للخير حقًّا. فإن الرأي العام إذا عرف برنامجها وخطتها استطاع أن يراقبها عن كثب, فيؤيدها إن أصابت, ويرشدها إن تعرَّضت للخطأ قبل أن تقع فيه؛ لأنه يعلم ما تريد, ويعلم خطتها في تحقيق ما تريد. وهو بهذا التأييد والإرشاد لا ينفع الوزارة وحدها, بل ينفع الأمة قبل كل شيء؛ لأنه ينبه الوزارة إلى ما تتعرَّض له من الخطأ, فإذا سمعت له هذه الوزارة أمَّنت منافع الأمة أن تضيع, وإذا لم تسمع له كان الرأي العام قد أدى واجبه, وبيِّنَ وجهة نظر الجمهور, فأصبح غير مسئول عَمَّا تتورط فيه الوزارة من الأغلاط٢". ويتوسَّل طه حسين في سبيل الوضوح والتبسيط بطريقة التجريح والتعديل عند المسلمين كما تقدم، كما يتوسّل بالمنهج الديكارتي في النزال، ف"الصمت" و"الغموض" في الأعمال السياسية من أبغض الأمور لمقاله النزالي، ومقاومتهما للإشارة إليه، من مقال يكشف عنوانه عما ذهبنا إليه, ونعني مقال: "تكلم نسيم! ٣ " "وكلام نسيم عجب من العجب, فقد عرفناه صامتًا إلّا عن ذكر الله والتسبيح بحمده والاعتماد عليه في القليل والكثير، والدقيق والجليل. تكلَّم نسيم وقد كان صامتًا، وسكن نسيم وقد كانت متحركًا, ذلك أن صاحب الدولة ورئيس وزارة الشعب يجمع خصلتين متناقضتين ولكنهما تميزان عظماء الرجال؛ فهو ساكت إذا تحرَّك, ساكن إذا تكلَّم. وآية ذلك أنه حكم شهرين وأكثر من شهرين فعمل كثيرًا. كثيرًا جدًّا, ولكنه لم يقل شيئًا إلا الاعتماد على الله والاستعانة بالله, ثم أقيل وسكن فبدأ يتكلم, ولست أزعم الآن أنه عمل خيرًا أو قال خيرًا, ولكني أثبت قبل كل شيء أن نسيم

стр. 293

باشا صامت إذا عمل، ناطق إذا لم يعمل. فلننظر ماذا قال بعد أن رأينا, أو بعبارة أصح, بعد أن احتملنا نازلة القضاء بما عمل. لننظر ماذا قال, لا لنستفيد ولا لنعتبر, فليس الكلام الذي نطق به نسيم اليوم موضعًا للفائدة أو العبرة. لننظر ماذا قال لنضحك, نعم لنضحك، فقد قال نسيم باشا شيئًا مضحكًا, ومضحكًا جدًّا, وليته عمل كما قال فأضحك ولم يبك, وسر ولم يحزن, ولكن الله أراد أن تكون أعمال نسيم باشا مبكية مؤلمة, وأقوال نسيم باشا مضحكة تبعث البهجة في النفوس. "تكلم نسيم. وهل تدري إلى مَنْ تَكَلَّمَ؟ "تكلَّم إلى الخواجا دورماني, وإلى مَنْ تريد أن يتحدث نسيم إذا لم يتحدث إلى الخواجا دورماني وإلى الخواجا كاسترو؟ فقد خلق كاسترو ودورماني بوقين لنسيم, وخلق نسيم أنفخ في هذين البوقين, وبين هذا النافخ بنت اليوم ولا بنت أمس. ولكنها قديمة. فكثيرًا ما نفخ نسيم قبل الحكم وأثناء الحكم. وكثيرًا ما زمَّر كاسترو ودورماني قبل الحكم وأثناء الحكم, وما يزالان يزمران بعد الحكم, ولكل مزمار سامع, كما أن لكل بوق نافخًا. فلكاسترو ودورماني ناس يسمعون ويطربون, كما أن لكاسترو ودورماني ناس يوحون وينفخون. "تكلم إذن نسيم باشا وهو بطبيعة الحال يدفع عن وزارتيه, نعم وزارتيه: عن وزارته الحديثة التي أضاعت نُصَّ السودان, ومسحت الدستور, وألقت على الكثرة المطلقة جرائم القتل رسميًّا, وعن وزارته القديمة التي حاولت قتل الروح الوطني وإفساد الخلق الوطني, وكادت توفق من هذا كله إلى شيء كثير. "نعم يدفع نسيم عن وزارتيه ولكنه لا ينهض بحجة, ولا يعتز بدليل, وإنما يصيح بأنه بريء, وبأنه مظلوم, وبأنه مخلص, وبأنه صادق, وبأنه مستجمع كل صفات الخير, وبأنه أراد أن يكون مسخ الدستور والعبث بحق الشعب محققًا لسلطان الأمة وسيطرتها على أمورها, وأن يكون النزول عن نص السودان مؤيدًا لحقوق مصر في السودان, مثبتًا لمركز المفاوض المصري يوم تدرس مسألة السودان, وأن يكون اتهام الكثرة المصرية بجرائم القتل موصلًا إلى تحسين الصلات بين المصريين والإنجليز. ولكن نسيمًا هو الذي ينفخ ودورماني هو الذي يصيح, وإذا صاح هذا ونفخ ذاك فليس لنا إلّا أن نضحك١! ". ومن ذلك النموج يبين توسُّل طه حسين بأدوات السخرية في التجريح

стр. 294

والتعديل الذي يقوم على العقل، على أننا نجد في مقاله النزالي كذلك، اتجاهه وفق المنهج الديكارتي من "المعاني" إلى "الأشياء"١, أي: ألَّا ننسب إلى الأشياء إلّا ما ندركه إدراكًا بديهيًّا في معاني تلك الأشياء, وأن نرتب جميع أفكارنا في نسق خاص، بحيث يكون كل معنى منها مسبوقًا بكل المعاني التي يستند إليها، وسابقًا لجميع المعاني التي تستند إليه. ونجد نموذج هذا الاتجاه في المقال النزالي عند طه حسين، في مقال بعنوان: "نجدة"٢ يقول فيه: "إذا قويت الوزارات آثرت الصراحة والحزم في القول والعمل، وإذا ضعفت الوزارات لجأت إلى الحيلة والالتواء فيما تعمل أو تقول, ويظهر أن وزارتنا قوية أشد القوة، عزيزة أشد العزة، ولكن قوتها تسمى ضعفًا في غير مصر، وصراحتها تُسمى التواء، وحزمها يُسمى حيلة ومداورة. وقد قلنا غير مرة أن للأمور العامة وضعين مختلفين، أحدهما: هذا الوضع القديم المألوف الذي تُسمى فيه الأشياء بأسمائها، هو هذا الذي نشهده في بلاد الأرض كلها، والأخر: هذا الوضع البديع الشاذ الذي تُسمى فيه الأشياء بنقائضها، وهو الذي نشهده في بلدنا السعيد، فنحن أحرار، ولكننا لا نستطيع أن نقول, ولا أن ننتقل, ولا أن يلقى ضحية الحركة الوطنية الحاضرة. وإليك بعض ما قال نسيم باشا مترجمًا ترجمة صادقة: -كلا! كلا! لن أقول شيئًا. "لقد أديت واجبي, واجبي كله على عسرة ومشقة أحيانًا, فإذا هدأت الشهوات وأحسن خصومنا فهم الحقائق فسيَرَوْنَ أن السياسة التي اتبعتها كانت "رسميًّا" السياسة الوحيدة الممكنة, وكانت على كل حال بمقتضى الظروف أحسن سياسة تعين الشعب على تحقيق الغاية التي يسعى إليها بكل قواه"٣. ثم ينتقل بعد هذا الجزء الذي يتوسَّل فيه بوسائل طريقة الشك الديكارتي، إلى تقويم أقوال "نسيم", يقول طه حسين: "أقرأت! أفهمت! أمَّا أنا فقد قرأت وفهمت, كان سياسة نسيم باشا السياسة الوحيدة الممكنة, وكانت سياسة نسيم باشا السياسة الوحيدة التي تعين الشعب على تحقيق آماله, كانت السياسة الوحيدة الممكنة لأن السفر إلى لوزان كان مستحيلًا؛ ولأن إصدار الدستور كاملًا كان مستحيلًا؛ ولأن الاحتفاظ بنص السودان كان مستحيلًا.

стр. 295

"كان يجب أن يقعد نسيم باشا عن لوزان, وكان يجب أن يمسح نسيم باشا الدستور, وأن يضحي بسلطان الشعب لرجال البلاط, وبنُصِ السودان للإنجليز, كان هذا واجبًا. ولكنا نستطيع أن نقول لدولة الباشا: إن هذا لم يكن واجبًا, وإن قومًا غيره كادوا يسافرون إلى لوزان, ويحتفظون بنص السودان, ويصدرون الدستور كاملًا، وإن قومًا غيره استطاعوا أن يبرئوا هذا الدستور من كثير من ضروب المسخ والتشويه, ولكن الأغرب من هذا أن تكون سياسة نسيم باشا هي السياسة الوحيدة التي تعين مصر على تحقيق آمالها, وأن يكون الفرد في لوزان معفيًا لمصر من ديون الجزية بعضنا بعضًا، ولا أن يجتمع بعضنا إلى بعض في حفل عام، أو خاص، إلّا إذا أذنت الوزارة ورضيت، والوزارة تأذن وترضى ولكن لأصدقائها وأنصارها، فأما خصومها فذلك شيء ليس لهم أن يستمتعوا به أو يفكروا فيه. ونحن آمنون, ولكن جرائم القتل والشروع في القتل يذاع بعضها كل يوم، فإذا هو مروّع مخيف, أشبه بما تشتمل عليه بعض البلاغات الرسمية حين تصور خسائر الأعداء من القتلى والجرحى في بعض المواقع الحربية المنظمة. فقد كانت خسائر مصر يوم كذا خمسة عشر أو ستة عشر أو أربعة عشر، منهم القتيل, ومنهم الجريح المشرف على الموت، ومنهم الجريح الذي يُرجى له الشفاء, ولا تذكر السرقات, ولا تذكر خطف الأطفال, ولا تذكر الاعتداء على الترع، فكل ذلك شيء لم يبق له خطر. ونحن موسرون, ولكن امرأة تكلف من يعرض ابنتها للبيع، ورجلًا يعجز عن أن يعول أهله، ومنهم زوجه وأطفاله فيصب عليهم الزيت ويشعل فيهم النار. ونحن مدبرون، ولكن الدول الأجنبية تأبى أن تجيبنا إلى فرض الضرائب على رعاياها؛ لأنها ترى من إسرافنا وتبذيرنا وإلقائنا للمال باليمين والشمال ما يقنعها بأنا أغنياء، فلا ينبغي أن نشق على سادتنا الأجانب بفرض الضرائب عليهم، والتسوية بينهم وبين عبيدهم المصريين. ونحن أعزة في بلادنا، ولكن طائفة من الأجانب يعتدون على ديننا وأخلاقنا وأعراضنا، سرًّا وجهرًا، فإذاحاولنا أن نرُدَّهم عن ذلك, أو نَحُول بينهم وبينه, قامت من دونهم قوى خفية وأخرى ظاهرة فردتنا نحن وصدتنا، وقالت: إياكم وفرض الرقابة على هؤلاء الناس، حتى تنظم لكم هذه الرقابة تنظيمًا برأي الإنجليز, وبعد استئذان المبشرين. "وعلى هذا النحو تجري أمورنا كلها معكوسة مقاومة, والناس عنها راضون، وإليها مطمئنون, ومنهم من يفاخر بها, ويتخذ منها الأدلة الواضحة على هذا الشأو البعيد، الذي قطعناه في سبيل الحرية والاستقلال، وعلى هذا المنزل الرفيع الذي نزلناه من التقدُّمِ والرقي حتى كدنا نبلغ الكمال، ونحن بالغوه من غير شك في آنٍ قريب جدًّا، متى فرغ رئيس الوزراء من الاصطياف والاستشفاء١".

стр. 296

وهكذا ينتقل المقال النزالي من "المعاني" إلى "الأشياء"، وهذه الأشياء في مقال طه حسين، "شواهد" مشتقة من الواقع، وتعتمد على الأخبار والماجريات، ويتم الانتقال بين "المعاني" وبين هذه "الأشياء" من خلال ذهن عملي واقعي، يتوسّل بهذه الأشياء توسُّلًا وظيفيًّا لأداء المعاني التي يهدف إلى توصيلها لقارئه، بغرض "الإقناع" أو بغرض "التغيير". ثالثًا: استخدام الأسلوب الجدلي في غرض غير مباشر، لإحداث تأثير أقوى على القارئ من جهة الإقناع بفساد دعوى الخصوم، وقد أشرنا فيما تقدَّم إلى أثر الثقافة العربية في توجيه أسلوبه الجدلي، وجهة تقوم على تمثُّل فنون الجدل واستخدام أسرار اللغة العربية استخدامًا وظيفيًّا في أداء أغراض هذا الجدل من خلال النزال الصحفي، فمن مظاهر الأصالة في مقال طه حسين تمثُّله مناظرات المتكلمين والفلاسفة ورؤساء الفرق السياسية وجدلهم في الكوفة ومسجد البصرة في أول القرن الثاني للهجرة، ويؤيد كلٌّ منهم "مذهبه السياسي باللسان, بعد أن كان يؤيده بالسيف،١ والتأييد باللسان، هو النزال القولي في مقابل النزال الحربي، ولكن هذا النزال القولي يدعو "الناس إلى شيء كثير من التفكير والاعتبار والعظة"٢. فالأسلوب الجدلي أسلوب إقناعي يتوسَّل به طه حسين في مقاله النزالي، الذي يتحدد مفهومه الجدلي بأنه يتوسَّل في تأييد رأيه بالبرهان وإبطال رأي منازله ودحض حجته. "والأصل فيه أن يكون حديثًا غير مكتوب، ولكن بعضه يكون كتابة كالجدل في الرسائل والجرائد والمجلات"٣, ويقوم هذا الجدل المكتوب على "علم أدب البحث, وعلم الجدل لتنظيم الكلام على وجهٍ يعطي كل مجادل حقَّه"٤. والجدل في مقال طه حسين النزالي، أسلوب يعتمد على الكشف عن "الحقائق, وتبين ما في الكلام من دخل, فترى الحجة قوية في ظاهرها حتى يدحضها بفكر دقيق ونظر ثاقب، فلا تجدي الفكرة الغامضة والعبارة المبهمة، بل تحدد الفكرة وتصاغ لها العبارة, لا تزيد عليها ولا تنقص، ويستولي الفكر لا الوهم على الكلام, فيصرفه تصريفًا لا يقوى عليه إلا من أوتي حظًّا من العقل الناقد والبيان القدير"٥. وتأسيسًا على هذا الفهم، نجد أن الأسلوب الجدلي في نزاليات طه حسين غير مباشر، بمعنى أنه قد يتوسَّل بالحوار، كما أنه قد يتوسَّل بقالب الوصف والتصوير، أو القالب القصصي، كما سنجد في المقال الكاريكاتيري. على أن

стр. 297

هذه القوالب الفنية في النزال تشترك في عدة سمات نزالية تتغيَّا الإقناع، منها: ١- إن طه حسين حين يجادل يرتبط بخصمه، ويتقيد بأفكاره إلى حدٍّ ما، يستمع إليها، ثم يناقشها، ولذلك يردد في عبارته كثيرًا من ألفاظ منازله وعباراته، إذا كانت موضوع النزال. ومن ذلك مقال بعنوان: "همج"١، يستخدم فيه كلمه مهجورة عنوانًا لمقاله، من ألفاظ خصومه في مجلس النواب "في عهد صدقي", يقول طه حسين: "نعوذ بالله أن نحب هذه الكلمة، أو أن نؤثرها، أو أن نتخذها عنوانًا لفصلٍ من الفصول عن رضى بها أو ميل إليها، ولكنها كلمة أصبحت رسمية, أو كسبت حقًّا من الحقوق المدنية, فلم يبق بد من أن نقر لها بهذا الحق الذي كسبته أن نؤمن لها بهذه المزية التي ظفرت بها, أو أي حق أعظم من أن ينطق بهذه الكلمة نائب من النواب في مجلس النواب، على منبر النواب، وتحت قبة البرلمان, أو أيّ مزية أميز، وأي فضيلة أفضل من أن تسجَّل هذه الكلمة في مضبطة مجلس النواب، ومن أن تسجَّل على أن نائبًا قذف بها في وجه الوزراء وزملائه من النواب! "نعم امتازت هذه الكلمة، وكسبت حقوقًا، وليس على الصحف بأس أن تستعمل الألفاظ المهجورة، وتتخذها عنوانًا لما تكتب من الفصول بعد أن يمنحها النواب الحقوق المدنية، فيجب أن يقوم مجلس النواب الآن مقام المجمع اللغوي الذي أعلن تكوينه ثم لم يكن، وعزم على تأليفه ثم لم يؤلف، وأكبر الظن أن وزير التقاليد قدَّر في نفسه أن مجلس النواب يستطيع أن يستغني عن هذا المجمع، فيحيي المهجور من الكلام -وقد كدت أن أملي الهجر- ويضيف إلى اللغة ما ليس فيها، وما دام مجلس النواب قادرًا على أن يشرع في كل شيء، ويراقب كل شيء، ويقضي في كل شيء، فهو بإذن الله قادر أن يشرع في اللغة ويراقبها ويقضي فيها!!. "ولكن مجلس النواب لم يحدد أمس -ولعله يريد أن يحدد اليوم- معنى كلمة الهمج هذه، فليس لكلمة من الكلمات قيمة إلّا أن يُحَدَّدَ معناها، ويضبط ما تدل عليه، وكان النائب الذي نطق بهذه الكلمة وأدخلها في معجم البرلمان، مغضبًا ثائرًا، منغص المزاج، فيجب إذن أن لا يكون قد أراد بها دعابة ولا فكاهة ولا مزاحًا، وفضلًا عن أن يكون قد أراد بها تحية للمجلس أو ثناء عليه!

стр. 298

"وغضب رئيس المجلس حين سمع هذه الكلمة لنفسه, ولنواب الأمة، ووزراء الدولة، فطلب إلى النائب المحترم أن يسترد كلمته هذه، ويظهر أن النائب المحترم من تلاميذ أستاذنا الشيخ محمد المهدي ﵀، فقد أساء إلى بعض الناس بكلمة ساقها إليه، فلما طلب سحبها كما يقولون أجاب" "يا ولدي كلمة قيلت فكيف أسحبها" لذلك أبى النائب أن يسحب كلمة بعد أن قالها، وقد غضب المجلس، أو بعبارة أدق, اختلف المجلس في وقع هذه الكلمة، أكان شديدًا فينبغي أن يألم له النواب؟ أم كان خفيفًا فينبغي أن يغضي عنه النواب؟ لذلك لم يثوروا بصاحب الهمج هذه! وإنما ألحوا عليه في رفق ولطف في أن يستردها، ويعتذر منها، ولم يكن يعدل لين المجلس إلا شدة النائب! فقد كان المجلس يلح في الاعتذار، وكان صاحب الهمج، يكرر الهمج، حتى إذا أثقل زملاؤه عليه، لم يسحب الكلمة، وإنما سحب نفسه، وخرج من المجلس جديدًا شديدًا، يمزق بيديه مشروع القانون الذي كان يعرضه وزير التقاليد! وكان يدرسه المجلس ويظهر الميل إليه، والتأييد له، وكان النائب ينكره، ويرى أن الهمج لا يعرضونه ولا يقبلونه!! "هناك كانت حِدَّة وشدة، وهناك كانت ثورة وفورة، ولكنها لم تكن عامة ولا شاملة، وإنما كانت مقصورة على جماعة من النواب، لهم فيما يظهر أمزجة حادة، وحِسٌّ سريع التأثر، وكانت كثرة المجلس آخذة بالعفو، آمرة بالعرف، ميالة إلى الصفح، ولا سيما إذا قبل صاحب الهمج أن يتَقَدَّم بالاعتذار، وسترى اليوم إلى أين تبلغ هذه القضية: أيسحب النائب كلمته فيبقى في المجلس؟ أم يأبى النائب سحب كلمته فيسحبه المجلس من بين أعضائه سحبًا موقوتًا أو غير موقوت؟! ". ثم يختم المقال بهذه النتيجة الساخرة التي طرح معطياتها فيما تَقَدَّم من القول: "وإذن فستشهد القاهرة مساء اليوم ثورتين، ثورة في مجلس النواب، وثورة في مجلس الشيوخ، ولكنهما ستكونان بإذن الله خفيفتين كل الخفة، هادئتين كل الهدوء، لن تضطرم فيهما النار حتى يطفئها الاعتذار!! ثم يمضي الليل ويشرق النهار، ونقرأ أن نوقشت القوانين وأبواب الميزانية في المجلسين في سرعة دونها مر القطار السريع"١. ويبين التزامه بمناقشة الأفكار والآراء التي يطرحها خصمه، وترديده عبارات منازله في إطار من السخرية من مقال يكشف عنوانه عن هذه السمة بوضوح، ونعني مقال:

стр. 299

"حديث وتصحيح أو تورط كاسترو"١. يقول فيه: "نحن مضطرون إلى أن نضع هذين العنوانين لما نريد أن نكتبه اليوم, مضطرون إلى ذلك لأنه حق, فبين يدينا حديث لصاحب الدولة رئيس الوزراء"١ مع كاسترو. وبين يدينا تصحيح لهذا الحديث, نُشِرَ الحديث يوم الجمعة, وصُحِّحَ يوم السبت, وتناول الناس الحديث وتصحيح الحديث راضين مبتهجين يوم الجمعة, ثم مغضبين متشائمين يوم السبت. "فهذا شأن العنوان الأول, فأما العنوان الثاني فحق أيضًا, حق كالعنوان الأول, كاسترو متورط. ومتورط جدًّا.. والله يعلم أننا مخلصون في الإشفاق عليه, بريئون من الشماتة فيه, فأما إنه متورط فيظهر ذلك إذا قرأت مقدمة الحديث ومقدمة التصحيح, فهو في مقدمة الحديث يقول بالحرف: "مع أن هذا الأمر يظهر مخالفًا لأدب اللياقة فقد أقدمنا عليه, وطلبنا مساء الأمس إلى صاحب الدولة توفيق باشا نسيم أن يستقبلنا". "أفهمت؟ طلب كاسترو٣ إلى رئيس الوزراء مقابلة, وهو لم يطلب هذه المقابلة إلى وزير يؤلف وزارته ليتحدث إليه في الجو والمطر, وإنما أراد أن يتحدَّث, وقد تحدَّث بالفعل في السياسة, وتلطف الوزير فأجاب, وأجاب بصراحة في بعض المسائل, وبإجمال وغموض في بعضها الآخر. أي: أن كاسترو زار الوزير زيارة صحفي, وعلم الوزير أن هذه الزيارة صحفية, فتحدث إلى الزائر كما يجب أن يتحدث وزير إلى صحفي, فصرَّح حين يَحْسُن التصريح والتفصيل, وأجمل حين يحسُن الإجمال والغموض. وأكثر من هذا أن كاسترو نفسه قد صرَّح للوزير بأنه يحدثه كمعبِّر عن الرأي العام "كذا". "فأنت ترى أن كاسترو ذهب ليعلم علم رئيس الوزراء, ولعل رئيس الوزراء هو الذي خص كاسترو بأول حديث سياسي له في هذه الوزارة. فأنت تعلم وأنا أعلم أيضًا كيف تُلْقَى الأحاديث السياسية في مصر وفي غير مصر، ذهب كاسترو إذن ليعلم علم رئيس الوزارة بهذا يحدثنا يوم الجمعة, ولكن ما أمسى المساء, وما أشرقت شمس السبت, وما توافد الناس على رياسة الوزراء حتى استحالت الحال وتبدَّلت الأمور, وأراد الله أن يغيِّرَ كل شيء فظهر

стр. 300

إن كاسترو لم يذهب يوم الجمعة محدِّثًا ولا صحفيًّا, وإنما ذهب مهنئًا لا أكثر ولا أقل. "نستغفر الله! بل هناك أكثر من هذا, فإن كاسترو الذي كان صحفيًّا فأصبح مهنئًا, تحدَّث إلى الوزير في مسائل سياسية, ونشر الحديث على غير ما ألقاه الوزير, غيَّرَ وبدَّلَ, أضاف إلى الوزير ما لم يقل, وحمله ما لا يريد أن يحتمل١. ثم يقول بعد تفصيل المناقشة فيما قال "كاسترو": "الحق أنَّا لا نشمت في كاسترو ولا نلومه على تسرُّعِه في نشر شيء لم يتثبَّت صحته, فهو صحفي, وهو يعلم مقدار كلف الأمة بحرية المعتقلين والمبعدين, وحرصها على هذه الحرية, وهو بعد هذا كله مؤيد للوزارة الجديدة, فمن حقه ومن حق الأمة والوزارة عليه أن يسرع فينشر من الأحاديث ما من شأنه أن يرضي الأمة ويمهِّد للوزارة تمهيدًا حسنًا. "إذن فالرجل لم يفعل شيئًا غريبًا, وإنما أدَّى واجبًا واستمتع بحق, ولكن للسياسة شرها وخيرها. وللصحافة عرفها ونكرها, وقد أراد سوء الحظ أن يخطئ كاسترو فهم حديث الرئيس, أو أن يكون الرئيس قد تعجَّل ثم بدا له فاستأنى. أراد سوء الحظ على كل حال أن يعدنا كاسترو باسم رئيس الوزراء يوم الجمعة, وأن يخلف وعده بأمر رئيس الوزراء يوم السبت"٢. على أن هذا التقيد بأفكار المنازل أو الخصم، يرتبط في المحل الأول -عند طه حسين- بالوظيفة الإقناعية، ولذلك نجده يردِّدُ في عباراته في هذا المقال الذي ينازل فيه رئيس تحرير صحيفة معبرة بالفرنسية، ألفاظًا من تعبير منازله، ويسجلها بلفظها الفرنسي, ولا يكتفي بترجمتها إلى العربية، ومن ذلك قول طه حسين: "وليس في ذلك شيء من المبالغة, فقد كان جواب رئيس الوزراء يوم الجمعة حين سُئِلَ عن الاعتقال والإبعاد, أن هذا الأمر لا يمكن أن يُقْبَلَ ولا يمكن أن يحتمل" ووددنا لو استطاع الناس جميعًا أن يشعروا بقوة هذين اللفظين في اللغة الفرنسية, كذلك كان جواب رئيس الوزراء يوم الجمعة. ولكن ظهر يوم السبت أن رئيس الوزراء لم يقل هذا ولم ينطق بهذين

стр. 301

اللفظين القويين, بل كان أشد من ذلك حذرًا ومهارة في الجواب, فقال: "بديهيٌّ أن هذه الحال لا يمكن أن تدوم". "أترى الفرق بين الجوابين؟ أترى أن الأول كان جذوة مشتعلة, وأن الثاني هادئ هدوء السياسي الذي لا يريد أن يعدك, ولا يريد أن يدخل اليأس عليك, إذن فباسم رئيس الوزراء وعدنا كاسترو يوم الجمعة, وباسم رئيس الوزراء أخلفنا يوم السبت"١ ... إلخ. ٢- إن موضوع النزال والجدل يكون مقسمًا تقسيمًا منطقيًّا، وفق المنهج الديكارتي كما تقدَّم، في تقسيم الموضوع ما وسعه التقسيم، ليدور الجدل حول أقسامه واحدًا بعد الآخر من خلال نظام الأسباب، الذي يجعل للموضوع "وحدة" عضوية، وطه حسين باستخدام الأسلوب الاستقرائي يقابل استخدام "الترديد والأقيسة المنطقية الأرسططاليسية في المناظرة العربية القديمة". والتي كان يستخدمها في طور تكوينه الصحفي قبل سفره إلى فرنسا، ذلك أن الاستقراء الديكارتي -كما تقدَّم- حل في منهج مقاله محل المنطق الأرسطي، لما يتمتع به الاستقراء من وسائل تعين كاتب المقال على "هداية الذهن", ومن ذلك مقال بعنوان: "خصومتان"٢, يبين لنا أثر التقسيم الاستقرائي في تطوير الأسلوب الجدلي للنزال. "ثارت في مجلس النواب خصومتان عنيفتان في هذا الأسبوع, ذهبت إحداهما لغوًا كأن لم تكن, وكادت الأخرى تفسد الائتلاف بين حزبي الحكومة, لولا أن الذي بيده عقدة هذا الائتلاف لم يأذن بعد بالطلاق بين الحزبين الشقيقين٣ كما تسميهما بعض الصحف. "فأما الخصومة العنيفة التي ذهبت لغوًا كأن لم تكن, فهي التي أثيرت حول سياسة التعليم, فقد خطب النواب وردَّ عليهم نواب آخرون. وتكلَّم وزير المعارف وخُيِّلَ إلى الذين قرأوا كلام أولئك وهؤلاء أن تغييرًا عظيم الخطر سينال سياسة التعليم في أصولها وفروعها، ثم سكنت العاصفة وصفي الجو وابتسمت السماء, ومضت سياسة التعليم كما تريد وزارة المعارف أن تمضي, إن كانت وزارة المعارف تعرف وجهًا تمضي فيه بسياسة التعليم". ثم ينتقل من ذلك إلى تقسيم "سياسة التعليم" إلى قسمين:

стр. 302

"فالواقع أن وزارة المعارف في هذا العهد السعيد قد اضطربت بين سياستين؛ إحداهما سياسة الوزير السابق وكانت تعتمد على التجديد والرقي، وكانت تعتمد أيضًا على تعرُّف العلل التي يشكو منها التعليم في مصر.. إلخ". إلى أن يقول: "ولكن وزير المعارف السابق ذهب إلى بروكسل, وخلفه الوزير القائم فذهب إلى بروكسل أيضًا, سياسة التعليم الأولى وقام التقليد مقام التجديد؛ فأقفلت معاهد، وألغيت أعمال.. إلخ"١. ثم ينتقل بعد تفصيل ذلك ما وسعه التفصيل إلى الخصومة الثانية والتي تتعلق بدار "الأوبرا", ويعلق بعد تفصيل هذه الخصومة الثانية كذلك بقوله: "وما كنت أظن أن سياسة التعليم تثير عاصفة لا تلبث أن تهدأ، وأن دار الأوبر تثير عاصفة تتجاوز مجلس النواب إلى أندية الأحزاب وإلى دور الوزراء القائمين والمستقلين, وتزعج حتى رئيس الوزراء الذي هو في أشد الحاجة إلى الراحة وهدوء البال, ولكن يريد أن تنعكس الأشياء دائمًا في مصر, فيهون التعليم كله وتعزّ الأوبرا, ويلقي وزير التقاليد في الدفاع عن التجديد "وأيّ تجديد" ما يطاق وما لا يطاق من خصومة الشعبين"٢. ٣- الأسلوب الجدلي في نزاليات طه حسين يعبِّر عن المعاني السياسية والمناظرات بين الأحزان وفي "المناظرات متسع للتهاون والتبسط في القول. فأما عندما تتكلف اللغة التعبير عن الفلسفة والعلول الدقيقة، فالتجوّز والتساهل والاتساع ليس من الأشياء التي تحتمل، بل من الأشياء التي تجد فيها اللغة كثيرًا من المشقة"٣. ولعل في ذلك ما يفسِّر قول طه حسين أن المقالات النزالية يسَّرت اللغة العربية "تيسيرًا غريبًا"٢ كما تقدَّم، على أن طه حسين، كان يتمثَّل الوظيفة الإقناعية للمقال النزالي، ولذلك كان يحذر كل الحذر من استعمال الغلوّ أو الصنعة، وما إليها من أدوات التأثير، الأمر الذي يجعل من لغة المقال النزالي تمثِّلُ تحولًا جديدًا في الصحافة المصرية بصفة عامة، وصحافة طه حسين بصفة خاصة لما يتيحه لها "الجدل" من مرونة! تتجاوز لغة الأدب, ولتصبح لغة "عملية" وظيفية مستقلة بنفسها، ومن ذلك أن طه حسين قد استحدث تراكيب جديدة في لغة الصحافة المصرية لم تخطر للأدباء الأولين على بال. فمن ذلك قوله:

стр. 303

"للظروف السياسية ذوق كثير جدًّا، دقيق جدًّا"١. وقوله: "ولكن الناس يحبون للحكومات أن تملك نفسها، وتضبط عواطفها، وتصطنع الحكمة والرفق فيما تقول"٢. وقوله: "لنبين مواضع العوج في سياسة الوزارة القائمة"٣. وقوله: ذاق مجلس النواب لذت الاستجواب! وقوله: "فقد يدعو فساد الظروف السياسية الداخلية للحكومة إلى أن تدور وتضطر، فتمضي حينًا، وترجع حينًا٥.. إلخ". و.. "كل هذا يمكن تفسيره وتأويله في السياسة الداخلية؛ لأن السياسة الخارجية لا ينبغي أن تعتمد على مداورة الأحزاب ولا مصانعة الأصدقاء ومدافعة الخصوم"٦. وقوله: "يظهر أن في جوَّ السياسة المصرية الخارجية غيومًا، لعلها خفيفة رقيقة ليس وراءها شيء، ولعلها ثقيلة ضعيفة وراءها أشياء"٧ إلخ. وقوله: "والظاهر أن الوزارة المصرية القائمة تقف الآن مواقف مريبة"٨. ومن ذلك أيضًا استحداث صفات ونعوت تكتسب مدلولات سياسية جديدة من خلال مقاله النزالي. مثل: -الوزارة الإدارية٩. - المضاربة السياسية١٠. - الغموض السياسي١١. - الصمت السياسي١٢. - الوحي السياسي١٣.

стр. 304

- التمثيل السياسي المضحك١. - المؤتمر السياسي٢. - أزمة سياسية.. أزمة اقتصادية٣.. أزمة وزارية٤. - الترقيع الوزاري٥. - نادي سياسي٦. - الحرج السياسي٧. - الآلام السياسية والاقتصادية٨. - سياسة المعاذير٩. - وزير التقاليد١٠. - الجو الوزاري١١. - الاضطراب السياسي١٢. - الوحدة الوطنية١٣. - الوزارة الميتة١٤. - البرنامج المرن١٥. - السياسة السلبية١٦. - الوطنية الزجاجية١٧. ثم من ذلك مما نراه من معان جديدة لبعض الأفعال. كما في قوله:

стр. 305

ويظهر أن الأسلاك تضطرب بين الندرة والقاهرة١. والشاهد في قوله: "يضطرب", فقد أصبح لهذا الفعل معنًى جديدًا في لغة السياسة في الصحافة المصرية. وقوله: "فإذا أضفت إلى هذا أن الله قد سلَّط على مصر هؤلاء الإنجليز المقيمين في لندرة, والقابعين في وزارة الخارجية"٢. معبرًا بذلك عن سلطات الاحتلال البريطاني في مصر. وقوله: "وهو الذي جعل في مصر هيئات سياسية مختلفة تحترب فيما بينها وتقتتل"٣, فاستخدام فعلي "تحترب" و"تقتتل" هنا استخدام صحفي. وقوله: "يستمتع صغار الموظفين بالحرمان"٤. وقوله: "وكذلك تستقبل مصر هذا النبأ"٥. وقوله: "ويسكت رئيس الوزراء على هذا النبأ الثاني أيامًا٦. وقوله: "ما أجدر المصريين جميعًا ألا تخرجهم المحنة عن أطوارهم, وألا تكدِّر الأزمة ما كانوا يتعزون به من مودة وحب وصفاء٧". وقوله: "إنما النضال الصحيح يعصم الروح الوطني من الضعف"٨. وقوله: "وضع الوزراء أصابعهم في آذانهم". وقوله: "فقد فتح باب الأزمة الوزارية مرات ثم أغلق٩.. إلخ.. ومن ذلك يبين أن هذه الأساليب التي شارك طه حسين في استحداثها من خلال مقاله الصحفي، جاءت ثمرة للنزال الذي يسَّر اللغة، وابتعد بها عن لغة الأدب, وجعلها لغة صحفية عملية وظيفية، تخدم الوظيفة الإقناعية في النزال بصفة خاصة، ووظائف المقال الصحفي بصفة عامة.

стр. 306

رابعًا: الاستيثاق من أضعف الجوانب في كلام الخصوم نتيجة ما طُبِعَ عليه من قدرة جدلية، فما يلبث طه حسين أن يأخذ بتلابيب هذا الجانب ويظل في تحليله, ومجاراة منطقه في اشتقاق النتائج حتى يظهر كل ما يحمله هذا العنصر من الضعف ومن الحاجة إلى التقويم, ومن ذلك ما كتبه في "حديث المساء" بعنوان: "إذن"١ إلخ.. يقول: "سأل سائل في مجلس النواب الإنجليزي عن أمر المبشرين أمس، فأجابه وزير الخارجية جوابًا نحب أن نقف عند آخره؛ لأن آخره خليق بالتفكير، جدير أن يزيل بعض الغموض الذي يحيط بموقف الوزارة المصرية من مسألة التبشير, فالناس يذكرون أن المبشرين أثاروا غضب الناس في العام الماضي، وأن هذا الغضب استطاع أن يصل إلى البرلمان، وأن يثير لنفسه صدى في مجلس النواب، والناس يذكرون أن رئيس الوزراء أراد أن يردَّ على هذا الصدى، فأعلن أن الحكومة تفكِّر في إصدار قانون يمكن الدولة من مراقبة التعليم, ويمكنها بعد ذلك من إلقاء التبشير. "انتظر الناس أن يصدر هذا القانون في الدورة الماضية فلم يصدر، وانتظر الناس أن يذكر هذا القانون في خطبة العرش لهذا العام البرلماني فلم يذكر، وانتظر الناس أن يعرض القانون على البرلمان في دورته الأخيرة فلم يعرض. وأثار المبشرون غضب المصريين مرة أخرى، وكان غضب المصريين في هذه المرة عنيفًا وكان إجماعيًّا، فلم يكن بُدٌّ من أن يصل إلى البرلمان، ومن أن يحدث لنفسه صدى في المجلسين، ولم يكن بُدٌّ من أن تتكلم الوزارة، ومن أن تعمل لتسكت غضب المصريين, وترد على صداه في البرلمان، وانتظر الناس أن تتحدث الوزارة عن هذا القانون الذي وعدت به منذ عام فلم تتحدث، وكتبنا نحن وكتبت الصحف الأخرى تطلب إلى الحكومة أن تصدر هذا القانون، فلم تقل الحكومة شيئًا، ولكن صحيفتها لامتنا على ذلك أشد اللوم، وأنَّبَتْنَا على ذلك أشد التأنيب، وزعمت أننا نطالب الحكومة بما لا قِبَلَ لها به، ولأننا نتحداها ونتعمَّد تعجيزها وإحراجها، ونسيت أن رئيس الوزراء نفسه هو الذي وعد بإصدار هذا القانون، ثم ألحَّ المصريون في المطالبة بهذا القانون, ووضع الوزراء أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن هذا الأمر إعراضًا، فالآن يُخَيّلُ إلينا أن وزير الخارجية البريطانية قد حلَّ بواجبه أمس هذا اللغز، وأزال بجوابه هذا الغموض, فهو يعلن إلى سائله في مجلس النواب الإنجليزي أنه أذن للمندوب السامي في مصر أن يتحدَّث إلى ولاة الأمور من

стр. 307

المصريين في إمكان وضع نظام مراقبة مركزية على بعض النواحي لأعمال المبشرين. ومعنى ذلك إن فهمنا لغة الساسة البريطانيين, أن المندوب السامي مفوَّض من حكومته في أن يدرس مع حكومتنا أمر هذا التشريع الذي وعد به رئيس الوزراء منذ أكثر من عام، والذي انتظره الناس منذ صدر هذا الوعد من رئيس الوزراء، فلم يظفروا به إلى الآن، والذي كانت صحيفة الوزارة ترى مطالبة الحكومة، إسرافًا عليها وتعجيزًا لها، وتعمدًا لدفعها إلى الحرج والضيق١". ومن ذلك أيضًا مقال رئيسي بعنوان: "خوف ومكر"٢ يقول فيه، بعد استيثاقه من كلام "الليبرتيه" وأضعف الجوانب في هذا الكلام، ثم يستمر في تحليل هذا الكلام حتى يظهركل ما يحمل هذا العنصر من ضعف إلى أن يقول: "أفهمت هذه الكلمة؟ أرأيت كيف كان السير موريس أيموس فيها موضع اللوم العنيف, وكيف كان يتعرَّض للفصل من وظيفته لأنه اجتمع إلى المائدة مع الأحرار الدستوريين؟ ولكن "الليبرتيه" نشرت في مساء ٨ يناير مقالًا آخر جاء فيه ما يأتي: ".. إني أجلُّ أعظم إجلال سيدي المستشار القضائي, وكل إنسان يعلم أنه كان ولا يزال يؤيد أشد التأييد ذاكرة اتفاق بين مصر وانجلترا يضمن لهذا البلد حرية فعلية, وقد أقام أدلة كثيرة بينة تثبت عطفه على القضية القومية المصرية. "ولكن القوم كانوا قد أكدوا أنه قد كانت السياسة موضوع حديث طويل أثناء وليمة نادي محمد علي, وأردت أن أُلْفِتَ "كذا" المستر موريس أيموس إلى ما كان يمكن أن ينشأ عن هذه الإشاعات من إساءة إلى ما يمتاز به من المنزلة العالية "كذا" التي هو أهل لها "كذا"٣". ويظل في تحليل هذا الكلام المتناقض الذي تنشره "الليبرتيه" إلى أن يقول: "فقد كان السير موريس إيموس يوم الجمعة موظفًا يخلُّ بواجباته, ويكيد مع أعداء الحكومة للحكومة التي تأجره, وكان يجب على هذه الحكومة أن تلفت هذا الموظف إلى واجباته, وأن تتشدد في ذلك حتى لا يفسد عليها الأمور, ولا يضطرب النظام, ثم أمسى السير موريس إيموس يوم الاثنين مستشارًا

стр. 308

للحكومة مسموع الكلمة فيها, نزيه المسلك معها, صادق الولاء لها, مؤديًا واجبه كما ينبغي, خليقًا أن يرفع إليه الاعتذار- والاستفغار بعد الحمد والثناء. "فما مصدر هذا التغير الشديد الذي تناول لهجة كاسترو فجعلها -لا نقول حلوة عذبة- وإنما نقول ذليلة ضارعة بعد أن كانت مرة قاسية؟ مصدر هذا التغيير وما قلناه لك أنه قد جرى خلف ستار. ولكن لكل قصة عظة وعبرة, ولقصتنا هذه عظاتها وعبرتها وهي كثيرة, منها أن الصحفيين قد أصبحوا في هذه الأيام ضحايا لهذا الوحي المضطرب الذي لا يثبت على شيء, ولا يثبت من شيء, فهم يؤدون فيعرفون, ثم يؤمرون فينكرون١".. إلخ. تلك هي خصائص المقال النزالي في صحافة طه حسين، كما استطعنا أن نستخلصها من خصائصه في التحرير الصحفي، والتي غذَّتْهَا ثقافة عميقة، وأفادت من ملكاته في التصوير والتعبير والجدل والسخرية، وهي الملكات التي نحاول أن ندرس أثارها في القالب الكاريكاتيري للمقال النزالي، على أن هذا النزال وإن كان يرتبط بالمبادئ الحزبية التي طُبِعَ بطبعها، فإنه عند أهل الثقافة السياسية أحرص على بيان الحقائق, وأعدل في إرسال الرأي، ولكنما للسياسة والصحافة أهواء تلطف وتعتدل نسبيًّا، غير أنها لا تنقرض ولا تتلاشى.

стр. 309

الفصل التاسع: فن المقال الكاريكاتيرى الكاريكاتير الوظيفي في مقال طه حسين ... الفصل التاسع: فن المقال الكاريكاتيري ربما كان الجاحظ أول كاتب إسلامي يعالج فن "الكاريكاتير" في النثر العربي١، وهو فنٌّ لم يقصد فيه الجاحظ إلى الجد وإنما إلى الهزل٢، تجعلنا نعتقد أن هذا الكاتب العباسي الكبير -يعتبر- واضعًا لأساس الكاريكاتور في الأدب العربي٣. الذي نبغ فيه من رجال الصحافة والأدب منذ ظهور الصحافة الشعبية في مصر كثيرون، من أشهرهم: إبراهيم المويلحي صاحب "مصباح الشر"٤، ثم الشيخ عبد العزيز البشري، وأحمد حافظ عوض٥, وإبراهيم عبد القادر المازني، وطه حسين؛ في المرحلة الرابعة من مراحل تطور الصحافة المصرية التي تقع بين عامي ١٩٢٢، ١٩٤٢. الكاريكاتير الوظيفي في مقال طه حسين: على أن الكاريكاتير المقال عند طه حسين يتميز بالاستخدام الوظيفي في أداء وظائف المقال الصحفي، متوسلًا بالمبالغة والتجسيم كفن الكاريكاتير، إلى جانب سخريته النابعة من العقل، وتمثُّله طبيعة الروح المصرية وحبها الفطري للدعاية والسخرية، التي تتناسب مع طبيعة المصريين وتاريخ بلادهم٦، ذلك أن السخرية المصرية في جملتها سخرية عملية حسية, لا تتمادى في الخيال, ولا تتعلّق بالغوامض، لأن أصحابها قوم عمليون يقيسون الأمور بمقياس الوقائع والتجارب العيانية٧. وفي ذلك ما يشير إلى ملاءمة السخرية المصرية لمقومات الاتصال الصحفي بجماهير القراء، من حيث الاعتماد على مقاييس الواقع والتجارب العيانية، وعدم الإغراق في الخيال، ومن حيث الوظيفية الهادفة التي تجعل منها سلاحًا بتارًا في أيدي المصريين، وفي مقال طه حسين، لصيانة الاستقرار الفكري والاتجاه الاجتماعي ضد شتى عوامل التنافر أو المفارقة أو الابتداع والإغراب. ولذلك يتميز المقال الكاريكاتيري عند طه حسين بقيامه بوظيفة "المصحِّح الاجتماعي.

стр. 310

Social Correctian١، ومن ذلك ما كتبه بعنوان: "مغضب"٢: "وبعد فما أنت وذاك وما سؤالك والإلحاح فيه، قوم يقدمون لك الفكاهة ويسلون عنك الهم، ويسرونك إذا أصبحت, ويسرونك إذا أمسيت, فما ينبغي لك إن كنت حكيمًا إلّا أن تتفكَّه وتتسلى وتضحك، ولا تسأل عن أشياء إن تبد لك تحمل إليك السوء، فابتسم للأيام فإنها تبتسم لك عن ثغر جميل منذ تمخَّضت لك عن هذه الوزارة البديعة". ومن ذلك تبين وظيفة الكاريكاتير في تقويم الحكم الدكتاتوري، من خلال السخرية الهادفة، ذلك أن هذه السخرية -كما يقول عن المصريين- هي "التي تحميهم من اليأس، وتدفعهم إلى المقاومة"٣, ولذلك يتَّخذ طه حسين من الكاريكاتير في مقاله وسيلة تجعل منه سيفًا مصلتًا يسلطه المجتمع المصري على رقاب الخارجين على معاييره الإيجابية الجمعية, وكل من تسوّل له نفسه الخروج على هذه القوانين، على النحو الذي تشير إليه سخرية مقالاته الكاريكاتيرية من الخصوم السياسيين وغير السياسيين، وهي السخرية التي تقابل سلاح الجماعة في تأديب الخارجين عليها, حتى لا يجدون مناصًا من الجوع إلى حظيرتها. ومن أجل ذلك يذهب المقال الكاريكاتيري إلى تصحيح أو تعديل -تلك الآليَّات الضارة التي تنطوي عليها الحياة الاجتماعية، كما يقول برجسون، وكما نجد في مقالٍ كتبه طه حسين بعنوان: "عوجاء ... "٤, حين يقول: "نعم. عوجاء شديدة الاعوجاج, ملتوية شديدة الالتواء, هذه الطريق التي يسلكها بعض الناس, يعلنون أنهم يبتغون بسلوكها وجه الله, فإذا هم يمضون إلى ما لا يلائم رضى الله ولا رضى الناس, وإنما يلائم أغراضًا واضحة وأغراضًا غير بينة، وأهواء أقل ما توصف به أنها لا تليق بكلام الناس"٥. ويذهب من كاريكاتيره إلى تحليل هذه الظاهرة من ظواهر الحياة العامة، ويرجعها إلى "الأزمات السياسية والخلقية والاقتصادية التي تشقى بها مصر في هذه الأيام"٦, ويحقق هذه الظاهرة في كثير من أنحاء الحياة المصرية٧ "وما تسفر عنه من" انتشار هذا النوع من النفاق في حياتنا الاجتماعية، وانتشار هذا النوع من الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون"٨

стр. 311

ويتوسّل طه حسين بالكاريكاتير في ماله لتحقيق ضربٍ من "التغيير الاجتماعي" يتلاءم مع الاستراتيجية القومية في زوال المجتمع التقليدي على النحو المتقدِّم، إلى جانب وظيفته كجزء اجتماعي, ومن ذلك ما كتبه في "حديث المساء" بعنوان: "تهنئة" يقول: "نعم لا بُدَّ من تهنئة, بل من تهنئات كثيرة يساق بعضها إلى الأمة, ويساق بعضها إلى الحكومة، وتتصل بأشياء كثيرة لا ينبغي أن تمرَّ دون أن تهنأ عليها الحكومة. ولست أدري لماذا لا أحسُّ حاجة إلى الاستعمال في تهنئة الأمة, وإنما أنا حريص أشد الحرص على أن أقدِّمَ للحكومة قبل الأمة أصدق التهنئة وأخلصها, لما وفِّقَتْ إليه أمس من البراعة في التمثيل المضحك، والتفوق في فن التسلية وتجلية الهموم, ومع ذلك فليس من أعضاء الوزارة من درس في معهد التمثيل الذي ألغاه وزير التقاليد, أو غيره من معاهد التمثيل في أوربا"١. إلى أن يقول مقومًا سياسة الوزارة الصدقية مواصلًا سخريته: "ومصر في حاجة إلى حكومة من غير شك، ولكن الشعوب تحتاج أيضًا إلى المسلِّين والمضحكين, ولم تحتج مصر في يوم من الأيام إلى مَنْ يضحكها ويسليها كما احتاجت اليوم، وقد حاطت بها الخطوب من كل مكان"٢. ويقول: "فليس في الأرض شعب من الشعوب يستطيع أن يفاخر الشعب المصري بأن له وزارة كوزارتنا تسوءه وتسرُّه معًا، وتغضبه وترضيه معًا، تُنْزِلُ بساحته الهموم والأحزان, حتى إذا غمرته من ذلك بما يطيق وما لا يطيق، رفعت له الستار عن مهزلة بديعة كلها دعابة وفكاهة، ولباقة وظرف، وأي شعب من الشعوب يستطيع أن يقول كما يقول الشعب المصري اليوم بحقٍّ "إن لي حكومة تجمع بين السياسة والإدارة والتمثيل، فتتفق السياسة والإدارة والتمثيل، ولا تأخذ على هذا إلا أجرًا واحدًا"٣.. إلخ. فبهذا الأسلوب الكاريكاتيري يتناول طه حسين أعمال الحكومة وتصرفاتها، بهدف تقويم سياستها، يقول طه حسين: "أنا أريد أن ألقى سياستنا المصرية ضاحكًا دائمًا، لأن سياستنا المصرية أصبحت مضحكة, ومضحكة فحسب منذ حين"٤. على أن هذه السخرية لا تهدف إلى "التطهير الكوميدي Catharsis comque" بالمعنى الأرسططاليسي، ولكنها تتسلَّط أساسًا على رقاب النماذج الركيكة من السياسيين المحترفين الذين تداولوا حكم مصر حينًا من الدهر، الأمر الذي يحدِّدُ الوظيفة الاجتماعية في المقال الكاريكاتيري عند طه حسين، والاستجابة لمطالب الرأي العام.

стр. 312

طه حسين كاتب المقال الكاريكاتيري: ويبين مما تَقَدَّمَ، تمثُّل طه حسين للسخرية المصرية في دلالتها العملية الواقعية الوظيفية، الأمر الذي يشير إلى تمتُّعه بما يسعى الإحساس الساخر في تحرير المقال، الذي يمكننا من أن نرى الشيء في كافة مظاهره "والتناقص بين بعض هذه المظاهر، الذي يكسبها دلالتها"١. وعلى الرغم من أن المقال الكاريكاتيري يشتق موضوعه ونماذجه من الحياة الواقعة، فإنه يستهدف "الكلي" أو "العام" في النمذجة الصحفية الكاريكاتيرية, ولذلك وجدنا مقالات طه حسين تحمل "اسم معنى" كما في "مغضب"٢, و"سيارة"٣, و"طير"٤، و"خطبة"٥، و"حصار"٦, و"درس"٧, و"غرابيل"٨, و"فيئوم"٦, و"عدوان"١٠, و"إضراب"١١, و"جنون"١٢, و"أزياء"١٣. ويعني ذلك مما يشير إلى نمذجة المضمون الواقعي للمقال في عنوان واحد، يقوم على الملاحظة الخارجية وربط النتيجة الخارجية المستقاة من الواقع الملموس بأسباب داخلية عميقة، وتفنن المقال الكاريكاتيري في تصنيف الحركات المتشابهة لنماذجه ونقائصها المتكررة، وهو لذلك قد يعمد إلى منهج التجريد والتعيم الذي يلتجئ إليه عالم الطبيعة في استقرائه للحوادث، فيجمع المثالب السياسية أو الاجتماعية المتشابهة تحت عنوان واحد، ويدرج العيوب الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية تحت "نوع مشترك" يشير إليه عنوان المقال، الذي يتخذ كلمة واحدة بصفة عامة عند طه حسين، والذي يشير إلى روح الانتقاد الكامنة لديه، والاتجاه نحو الغير في نمذجته الكاريكاتيرية.

стр. 313

وتقوم هذه النمذجة الكاريكاتيرية في مقال طه حسين على طريقتين: الأولى: تعزل "من مجموع نفسية الشخص العاطفة التي ينسبها إليه, ويظهرها على أنها حالة طفيلية ذات وجود مستقل. ذلك أن هذه الطريقة في "الكوميديا" تخاطب من القارئ عقله١، ولذلك نجد طه حسين يتوسّل في هذه الطريقة بوسائل ملائمة تجعل القارئ لا يتأثر بالموقف العاطفي. على نحو ما نجد في "الأيام" من تصوير "سيدنا", وهو في جلسته التي اتخذها على دكة من الخشب صغيرة ليست بالعالية ولا بالمنخفضة، وقد وسعت على يمين الداخل من باب الكُتَّاب، حيث يمرُّ كل داخل بسيدنا وقد خلع عباءته، أو بعبارة أدق: دفيته، وجعلها في شكل المخدة عن يمينه يتكئ عليها، وهو مخلوع النعلين، متربعًا على الدكة, ينادي الصغار بأسمائهم، وهو يتطلَّع كالمبصرين إليهم، مع أنه مكفوف البصر إلا من بصيص ضئيل جدًّا من النور في إحدى عينيه، يمثل له الأشباح دون أن يمكنه تمييزها, ولكنه كان يخدع نفسه، ويظن أنه يعتمد في طريقه إلى الكُتَّاب وإلى البيت على اثنين من تلاميذه، يبسط ذراعه على كتفي كل واحد منهما, ويمشي الثلاثة في الطريق هكذا، وقد أخذوها على المارة حتى المارة لهم عنها٢. وأما الطريقة الثانية، فهي ترتبط بالرؤيا الوظيفية للمقال الكاريكاتيري كذلك، وهي لذلك تتمثل في اقتران انعدام الانتباه بانعدام الروح الاجتماعية في النموذج، الذي ليس في مقدروه التوافق مع الجماعة. وهو الأمر الذي يميِّزُ "الضحك" كما يذهب إلى ذلك برجسون"٣، بحيث يمكننا أن نقول: إن فن المقال الكاريكاتيري هو في الدرجة الأولى تجسيم للعيوب الاجتماعية، وتصوير للنماذج البشرية التي تَنِدُّ عن معايير الجماعة. وقد تفنَّنَ طه حسين في نمذجته الكاريكاتيرية لبعض الشخصيات "المنعزلة" عن المجتمع والخارجة عليه، والتي لم تنجح كذلك في التكيف، كما نجد في نموذج الحاكم المنعزل عن رعيته، والذي صوره لشخصية إسماعيل صدقي٤, من خلال المقابلة بين حياته في الصيف واصطيافه في أوربا، وبين حياة الشعب في ظروف الأمة الاقتصادية والدستورية، وهي المقابلة التي تنتهي إلى انعدام الروح الاجتماعي في نموذج الحاكم، ووزرائه وأعوانه الذين يجب عليهم "إذا لهوا بهذا كله، ووجدوا لذة في هذا كله، أن يذكروا أولئك المساكين

стр. 314

الذين تدمي أقدامهم، وتحترق وجوههم, ويتنفَّسون هواء مزاجه اللهب، يعودون بعد طول الجهد وشدة العناء، ولعلَّ كثيرًا منهم لا يجدون ما يطمعون"١. ويتوسَّل طه حسين بهاتين الطريقتين في النمذجة التي تركِّز على "التصرفات" أفعالًا وأقوالًا، من خلال تصويرها تصويرًا آليًّا، لا يعبِّر إلّا عن جزء منفصل من الشخصية أو النموذج، ذلك أن وظيفة المقال الاجتماعية تقتضي امتداح المثل الأعلى والسخرية من نقيضه في نظام الحياة الاجتماعية والسياسية، وهو لذلك يتلمس العلاقة بين العادات الآلية من جهة, والتأثيرات الهزلية من جهة أخرى، ومعنى ذلك على حد تعبير "برجسون"٢ أن كل انحراف للحياة في اتجاه الآلية لا بُدَّ أن يُوَلِّدَ فينا الضحك، ولذلك يذهب طه حسين إلى نمذجة هذا الانحراف الذي يتخذ صورة سلوك آلي رتيب، كما نجد في مقال بعنوان: "خطبة"٣ يقول فيه: "ليست "أي: الخطبة" لرئيس الوزراء، فقد كفَّ المرض رئيس الوزراء عن الخطابة, واضطره إلى الإغراق في الصمت، أو إلى اختيار الوكلاء الذين يتحدثون عنه ويتكلمون بلسانه, وليس من شكٍّ في أن البيان قد خسر بهذا الصمت الذي أكره عليه رئيس الوزراء آيات لا تحصى"٤, إلى أن يقول: ولكن الله خليق أن يعوّض الوزارة مما فقدت، ويخلف عليها من خطيبها البارع خطيبًا بارعًا، ومن منطقيها الفذ منطيقًا فذًّا، وقد فعل فأقام وزير التقاليد خطيبًا للوزارة مكان رئيس الوزراء!! "٥، ويستمر المقال على هذا النحو الكاريكاتيري في نمذجة السلوك الآلي لوزير التقاليد، منتهيًا إلى هذه السخرية: "إن الجهود التي بذلها الفلاسفة إلى الآن في تقويم العقول وتمرينها على التفكير الصحيح لم تؤت ثمرها، ولم تنته إلى نتائجها، إلّا عند شخص واحد، هو شخصه الكريم، ولذا فقد يصعب عليك أن تذوق هذه الخطبة، وتطمئنَّ إلى منطقها حين تقرؤها لأول مرة"٦, و"إن من العسير على الرجال العاديين أن يذوقوا أو يفهموا كلام الأفذاذ الممتازين!! "٧. ومن ذلك يبين أن الخصومات السياسية لم تيسِّر اللغة فحسب، ولكنها -كما يذهب إلى ذلك طه حسين٨، قد "أحيت" في النثر العربي فن الهجاء الذي أتقنه الجاحظ, وقصر فيه من جاء بعده من الكُتَّاب. فقد أصبح هذا الهجاء

стр. 315

السياسي من أهم الألوان لأدبنا العربي الحديث، فيه الحدة والعنف, وفيه المتعة واللذة، وفيه التنوع، والاختلاف بتنوع الأمزجة واختلافها، وفيه الإيجاز والإطناب، وفيه التصريح والإشارة١. على أن هذا الهجاء الكاريكاتيري في مقال طه حسين، لم يقصد به إلى الهزل كما ذهب الجاحظ إلى ذلك٢، وإنما قصد به إلى الجدِّ، من حيث الوظيفية الهادفة في الكاريكاتير المقالي في الصحافة المعاصرة, سواء من جهة المحتوى أو الفنية. ولذلك فإن هذا الفن المقالي عند طه حسين لا تتقطَّع الأسباب بينه وبين عامَّة الناس وأوساط المثقفين والخاصة جميعًا، شأنه في ذلك شأن مقال البشري٣، ذلك أن هؤلاء جميعًا يجدون فيه "اللذة القوية إذا أقرأوه أو سمعوا له، ولكنه مع ذلك, بل من أجل ذلك, يرتفع ويرتفع حتى يرضي خاصة الناس، ويبلغ إعجابهم، وينزل من قلوبهم أحسن منزل، ويقع من عقولهم وشعورهم أجمل موقع وألطفه، فهو فنّ مُيَسَّر ممهَّد موطَّأ الأكناف، فيه دماثة الرجل الذي حسنت أخلاقه، ورقَّت شمائله، وظرفت نفسه، واعتدل مزاجه؛ فهو محبَّب إلى الناس جميعًا، مقرَّبٌ إلى الناس جميعًا، يرغب الناس جميعًا في صحبته، ويكلف الناس جميعًا بعشرته، يتحرَّق الناس جميعًا إلى لقائه, ويعجز الناس جميعًا عن فراقه, وبعد العهد به"٤، وما أقرب هذه السمات إلى نفس طه حسين، التي تتجلَّى في مقاله الكاريكاتيري، مكونة للروح الساخرة التي أشرنا إليها, والتي تصدر عن خصالٍ ثلاث, جمع بينها ولائم بينها جميعًا، وكون منها مزاجًا صحفيًّا هادفًا. وأول هذه الخصال أنه مصري تمثَّل بيئته المصرية في صعيد مصر، وفي بيئته القاهرية، إلى أن ثقافته ترتفع به إلى هذه الطبقة الممتازة التي تُحْسِنُ الحكم على الأشياء، فجاء مقاله مصري الحسِّ، مصري الشعور، مصري الذوق، مصري السخرية التي تميز بها المصريون بين جيرانهم في الزمن القديم والحديث٥. بحكم لباقتهم المستفادة من قدم الحضارة, وبحكم الحوادث التي تلجئهم إلى التخفيف وقلة الاكتراث٦، ومن أجل ذلك جاء مقال طه حسين متَّسِمًا في سخريته بالصبغة المصرية، مطبوعًا بطابع إقليمه وتاريخه، بحيث ينمُّ عن خصائصه الفكرية والنفسية, ويميِّزُه نمطًا وحده قليل النظائر بين أنماط المقال الصحفي.

стр. 316

والخصلة الثانية، أنه جاحظي الأسلوب كأشد ما يكون الأسلوب جاحظيًّا، يستخدمه استخدامًا وظيفيًّا هادفًا، ويتمثَّل تهكُّمه في الكاريكاتير تمثلًا وظيفيًّا، يستعين فيه بضروبٍ من المفارقات والمتناقضات التي تتجلَّى في الهوة السحيقة بين "ما كان عليه أحمد بن عبد الوهاب من عيوب جسدية, وما يدَّعيه من الكمال الجسماني"١، حتى لقد استطاع طه حسين أن يتوسَّل بهذا الأسلوب الجاحظي في توقيع جزاء اجتماعي على "صدقي باشا" إبَّان المحنة الدستورية، على النحو الذي نفذ إليه الجاحظ عند حديثه عن "أحمد بن عبد الوهاب". فهو أسلوب يتفوّق فيه على أصحاب التصوير الكاريكاتوري في العصر الحديث, الذي يعتمد على إبراز العيوب, وتجسيم بعض الأعضاء, وتصغير بعضها الآخر؛ بحيث تنجم عن هذا التباين صورة غريبة طريقة تبعث على السخرية. ويختلف المقال الكاريكاتيري عند طه حسين عنه عند الجاحظ، من حيث الوظيفية الهادفة عند الأول، في حين أنه عند الجاحظ يهدف إلى الفنِّ المحض والمتعة الخالصة, دون أن يقصد من ورائها إلى نصحٍ أو تهذيبٍ أو عبرة، كما نجد في مقال طه حسين. ولكنهما فيما عدا ذلك يتفقان في سهولة الأسلوب ومرونته ووضوحه, وفي أن هذا الأسلوب أصبح طيِّعًا يستطيع الكاتب أن يتصرَّف فيه كما يحب دون أن يستعصي عليه٢. وفوق هذه المرونة واليسر يتفق أسلوب كل منهما في خصلة أخرى هي الموسيقى، فالنثر أيام الجاحظ، وعند طه حسين، لا يلذ العقل وحده ولا الشعور وحده، ولكنه يلذ العقل والشعور والأذن أيضًا؛ لأنه قد نُظِّمَ تنظيمًا موسيقيًّا, وأُلِّفَ تأليفًا خاصًّا له نسب خاصة، فهذه الجملة لها هذا المقدارمن الطول، وهذه الجملة تناسب هذا الموضوع، وإذا قصرت الجملة لاءمتها تلك الجملة, وإذا ضخمت ألفاظ هذه الجملة كانت الجملة التي تليها على حظٍّ من السهولة، وهكذا٣, فنجد أن النثر أيام الجاحظ قد تغيَّرت موضوعاته, وطغت فنونه على فنون الشعر، وسهلت ألفاظه، وأصبح يسيرًا طبعًا، ودخلته الموسيقى، فغلب الشعر حتى في أخصِّ الأشياء به وهو الموسيقى، وهذا إلى العلوم التي عمد النثر عنها٤، ونجد نفس الأمر بالقياس إلى طه حسين، الذي تخلَّى عن قرض الشعر منذ مرحلة التكوين ليتفرغ إلى النثر المقالي, الذي يمتاز بتغيُّر الموضوع وطغيان فنونه على فنون الشعر، ومنها هذا الفن الكاريكاتيري المقالي، الذي كان في الأصل غرضًا من أغراض الشعر, وهو: الهجاء، وسهلت ألفاظه، التي طوَّعها لما نشأت من الحاجات والأغراض٥، ذلك أن الناس "لا يصطنعون الشعر للإعراب عما يضطرب في نفوسهم من شئون الحياة اليومية, وهم لا يحرِّرون الصحف شعرًا, ولا يكتبون فيما يريدون

стр. 317

أن يكتبوا فيه حين يؤلفون الكتب شعرًا أيضًا, وإنما يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور منذ تقدَّمت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة"١. والخصلة الثالثة، عند طه حسين، أنه قد ألمَّ بحظٍّ كبير من الثقافة الأوربية، وذاقها وتمثلها، فأخذ من هذه الحضارة الأوربية شيئًا خفيف الظل, قوي التأثير في الوقت نفسه، يستطيع أن يلائم مصريته الموروثة وبغداديته المكتسبة"٢, فتكَوَّن له من هذه الخصال الثلاث مزاج غريب اشتركت في إنشائه بغداد الجاحظ, وصعيد مصر, وباريس. اشتركت في تكوين هذا "الإحساس الساخر" في مقال طه حسين هذه الخصال الثلاث, ووفقت في هذا التكوين إلى أبعد مدى، وإلى مدى تتوازن فيه هذه العناصر وتأتلف، "ويحب بعضها بعضًا، ويطمئن بعضها إلى بعض، ويجتهد كلٌّ منهما في أن يعين صاحبيه"٣ ومن هنا كان مقال طه حسين مرضيًا مقنعًا لطبقات المثقفين جميعًا؛ إذا قرأه الأزهريون أعجبوا به؛ لأن فيه شيئًا من الأزهر، شأنه في ذلك شأن الشيخ عبد العزيز البشري٤، وإذا قرأه أبناء المدارس المدنية أعجبوا به؛ لأن فيه روحًا من أوربا, وإذا قرأه أوساط الناس الذين ليسوا من أولئك ولا هؤلاء، أعجبوا به؛ لأن فيه الروح العربي الخالص الجاحظي، ولعله لا يتعمَّد ذلك ولايصطنعه، وإنما هو وحي الطبع وإملاء الفطرة، من خلال جملة عربية رصينة، تمتاز بقوة الحسِّ التي تجعل كاتبها "لا يكاد يمر به شيء إلا التقطه التقاطًا، ورسمه في نفسه رسمًا, يخالطها مخالطة حتى يصبح كأنه جزء منها, ثم هو لا يكتفي بالتأثير وانتقاء ما يعرض لنفسه من الأشياء والخواطر، ولكنه سريع التأثُّر والتأثير. فهو إذا أحسَّ لا يكنُّ ما يحسُّه، ولكنه يعلنه ويظهره٥ فهو يتلقى الأشياء -كصحفي- مسرعًا "ويعكسها مسرعًا. وتعمل نفسه الخفية أو ضميره المكنون فيما بين ذلك عملها الغريب الذي يظهر خواطره وأحكامه وتصويره للأشياء, كأروع ما تكون الخواطر والأحكام والتصوير"٦. وليس هذا المنهج في تلقي الأشياء منهجًا صحفيًّا فحسب، ولكنه عند طه حسين منهج مستفاد من أسلوب المصريين في قياس الأمور بمقياس الوقائع والتجارب العيانية٧، وهو المقياس الذي يقوم على إدراك النقائض بين الأشكال والصور, وبوجه التفاته إلى المشابهات اللفظية والتجنيسات المعنوية٨.

стр. 318

العناصر الفنية في المقال الكاريكاتيري أولا: عنصر التجسيم للعيوب ... العناصر الفنية في المقال الكاريكاتيري: وتأسيسًا على هذا الفهم نجد أن الصورة الكاريكاتيرية المقالية عند طه حسين تتألف من جملة العناصر الآتية: أولًا: عنصر التجسيم للعيوب: أو المسخ للشخص الذي ينمذجه المقال الكاريكاتيري.. ذلك أن طريقة الكاريكاتير تقوم على المبالغة في تصوير العيوب، فالرجل ذو الأنف الكبير يبدو بريشة الرسام وقلم الكاتب كأن وجهه كله عبارة عن أنف, والرجل القصير يبدو كذلك كأنه أقصر من طفل, والرجل البدين يظهر في شكل البدانة والضخامة قَلَّ أن يكون له نظير في الحياة الواقعة نفسها, وهكذا١. وعند طه حسين نجد أن هذا العنصر جاحظي من حيث التصاقه بالحياة وبالواقع، يصوِّر جانبًا من طبائع فئة من الناس، ويعرضها بأسلوب قصصي شيق، والقصة عند طه حسين قصة وظيفية لا تهدف إلى الفن المحض والمتعة الخالصة، كما هي عند الجاحظ، ولكنها تهدف إلى أداء الوظائف الاجتماعية للكاريكاتير المقالي على النحو المتقدِّم، ويكفي أن ننظر في مقال بعنوان: "مدرسة"٢, يهجو فيه الوزارة الصدقية، وهو من أوله إلى آخره هجاء سياسي، يتغيَّا أداء وظيفة "الجزاء الاجتماعي" في قالب قصصي كاريكاتيري. يبدأ طه حسين مقاله بمقدمة توضح المقصود بعنوان المقال, أي: "المدرسة", يقول: "أما ناظرها فحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا، وأما طلابها فينقسمون إلى ثلاثة أقسام؛ طلاب مرشَّحون وهم هؤلاء المستوزرون من أعضاء البرلمان ومن غير أعضاء البرلمان، لا يشترط فيهم إلّا شرط واحد نعرفه جميعًا ونقرُّه جميعًا، وهو ألا يكونوا من المعارضة! أو من أنصار المعارضة, أو إنما يظهر فيهم ظهورًا واضحًا استعدادٌ حسنٌ لتأييد الوزارات مهما تكن، ولتأييد صاحب الدولة صدقي باشا بنوع خاص. وطلاب عاملون, وهم حضرات المعالي والسعادة والعزة الذين يختارهم رئيس الوزراء بالفعل، ويعهد إليهم بتدبير

стр. 319

أمور الدولة تحت إشرافه البارع، وفي ظلِّ سياسته الحكيمة، وطلابٌ مفصولون إما لأنهم أسرفوا في النجاح! أو لأنهم أسرفوا في الإخفاق أثناء وقت الدراسة والتمرين، وهم هؤلاء الوزراء الذين ينقلون أو يقولون أو يستقبلون، فمنهم من يعمل في سفارات الدولة، ومنهم من يستريح في بيته، وأولئك وهؤلاء ينتظرون أن يحتاج رئيس الوزراء إليهم، فيردهم إلى المدرسة ليستفيد من كفايتهم, أو ليدربهم ويمونهم مرة أخرى. "وأما هيئة التعليم في المدرسة ففرد واحد جمَّع الله فيه أفرادًا، وشخص واحد ألَّفَه الله من أشخاص، وكفاية واحدة صافّها الله من كفايات، وهذا الفرد المتحد المجتمع، وهذا الشخص المؤتلف المختلف، ذو الكفاية المحصورة الملتوية، هو حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء. وقد يعينه أساتذة مساعدون كما يقول الجامعيون، وقد يعينه مدرسون أيضًا، وهؤلاء الأعوان يختلفون، فبعضهم من المصريين، وبعضهم من الإنجليز، وبعضهم من الأوربيين بوجه عام١"، ثم يمضي طه حسين في هذا الكاريكاتير المقالي فيقول: "وأما أمد الدراسة في هذه المدرسة فيختلف طولًا وقصرًا، ويختلف عرضًا وضيقًا، باختلاف ما يستمتع به الطلاب من استعدادٍ للنجاح والتفوق، وللإخفاق والعجز، فمنهم من يقضي في المدرسة شهرًا ثم ينقل، ومنهم من يقضي في المدرسة عامًا ثم يوكَل إليه عمل آخر، ومنهم من يقضي في المدرسة عامين ثم يخرج، ومنهم من يقضي شهرين ثم يستقيل.. وكذلك أراد الله لمصر المستقلة أن تنشأ فيها هذه المدرسة الغربية التي لم تسبقنا إليها أمة من الأمم، إلا الأمة الإيطالية الصديقة، التي لم يؤسسها قبل رئيس وزرائنا إلا زعيم إيطاليا العظيم السنيور موسوليني، فقد لاحظ الناس جميعًا, وتحدَّثت الصحف الأوربية المختلفة أن الزعيم الإيطالي قد أنشأ مدرسة للحكم يهيئ فيها الإيطاليين لفهم النظام الإيطالي الجديد، فهو يجمع الوزراء ويفرقهم، وهو يُقِرُّهم ويقلقهم، وهو يريد أن يهيئ للغاشم أجيالًا من الوزراء إذا خلى منهم جيل، خلفه جيل آخر، ولم يقلده في هذا النحو من التعليم إلّا رئيس وزرائنا العظيم! أما هتلر فقد نهض بأعباء الحكم في ألمانيا وأمامه مثلان يستطيع أن ينظر: إلى إيطاليا فينتفع، ويستطيع أن ينظر إلى مصر فيستفيد، وأكبر الظن أنه سينظر إلى البلدين جميعًا, فكلاهما خليق أن يعلم فيحسن التعليم٢! ". ثم ختم المقال بتأكيد الوظيفة التي من أجل أدائها كُتِبَ المقال: "إنما تجد سياستنا يوم تكون أمور الشعب إلى الشعب، ويوم يقضي

стр. 320

في أمور الشعب جهرة، ويوم تستشار الهيئات البرلمانية ولا يقتصر على تبليغها، والاستماع لما تقدّم من تحية وتهنئة وشكر وثناء. "فإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تجد فيه السياسة المصرية، فتضطرنا إلى أن نجد في فهمها وتفسيرها، بل في بذل ما نملك من جهد لتقويمها إن اعوجَّت، وتوجيهها إن انحرفت، إلى أن يأتي هذا اليوم يحسُن أن نبعث مع سياستنا العابثة. ستسألني متى يأتي هذا اليوم؟ لمن يدري؟ لعله يكون أقرب مما تظن فأظن، فلننتظر باسمين١". ومن ذلك يبن أن هذا العنصر الكاريكاتيري في تجسيم العيوب يستمدُّ غذاءه من العقل والعلم٢ والواقع، ذلك أن طه حسين يذهب إلى أن الجهل لم يكن في يوم من الأيام مصدرًا، "للخير، ولا وسيلة للإجادة، ولا طريقًا إلى البراعة الفنية. وما رأيك في مثالٍ يطمع في ابتكار الآيات الفنية وهو يجهل التشريح وما يتصل به من تكوين الجسم الإنساني، وما إلى ذلك من هذه العلوم التي لا سبيل إلى الإجادة الفنية بدونها؟! إن الإجادة الفنية إنما كانت أثرًا من آثار الشعور، ومظهرًا من مظاهر الحسِّ القوي والعواطف الدقيقة والخيال الخصب، فهي لغوٌ إذا لم تستمد غذاءها من العقل والعلم٣". ويتوسَّل في تحقيق العنصر بأسلوبه الفريد الذي عُرِفَ به، وهو الأسلوب التصويري الذي يجنِّدُ له طه حسين طاقاته الفنية, وما يتمتع به من حسن عميق بمواقع الكلمات وجرسها ودلالاتها وإيحاءاتها، واستخدام هذا الأسلوب التصويري استخدامًا وظيفيًّا، يقوم على التشكيل الكاريكاتيري المتعمد والمقصود لأداء الوظيفة الاجتماعية للمقال.
следующие страницы →