← Адаб

Адаб · id 10003

فن المقال الصحفي في أدب طه حسين

عبد العزيز شرف

Полный текст (424 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والخصلة الثانية، أنه جاحظي الأسلوب كأشد ما يكون الأسلوب جاحظيًّا، يستخدمه استخدامًا وظيفيًّا هادفًا، ويتمثَّل تهكُّمه في الكاريكاتير تمثلًا وظيفيًّا، يستعين فيه بضروبٍ من المفارقات والمتناقضات التي تتجلَّى في الهوة السحيقة بين "ما كان عليه أحمد بن عبد الوهاب من عيوب جسدية, وما يدَّعيه من الكمال الجسماني"١، حتى لقد استطاع طه حسين أن يتوسَّل بهذا الأسلوب الجاحظي في توقيع جزاء اجتماعي على "صدقي باشا" إبَّان المحنة الدستورية، على النحو الذي نفذ إليه الجاحظ عند حديثه عن "أحمد بن عبد الوهاب". فهو أسلوب يتفوّق فيه على أصحاب التصوير الكاريكاتوري في العصر الحديث, الذي يعتمد على إبراز العيوب, وتجسيم بعض الأعضاء, وتصغير بعضها الآخر؛ بحيث تنجم عن هذا التباين صورة غريبة طريقة تبعث على السخرية. ويختلف المقال الكاريكاتيري عند طه حسين عنه عند الجاحظ، من حيث الوظيفية الهادفة عند الأول، في حين أنه عند الجاحظ يهدف إلى الفنِّ المحض والمتعة الخالصة, دون أن يقصد من ورائها إلى نصحٍ أو تهذيبٍ أو عبرة، كما نجد في مقال طه حسين. ولكنهما فيما عدا ذلك يتفقان في سهولة الأسلوب ومرونته ووضوحه, وفي أن هذا الأسلوب أصبح طيِّعًا يستطيع الكاتب أن يتصرَّف فيه كما يحب دون أن يستعصي عليه٢. وفوق هذه المرونة واليسر يتفق أسلوب كل منهما في خصلة أخرى هي الموسيقى، فالنثر أيام الجاحظ، وعند طه حسين، لا يلذ العقل وحده ولا الشعور وحده، ولكنه يلذ العقل والشعور والأذن أيضًا؛ لأنه قد نُظِّمَ تنظيمًا موسيقيًّا, وأُلِّفَ تأليفًا خاصًّا له نسب خاصة، فهذه الجملة لها هذا المقدارمن الطول، وهذه الجملة تناسب هذا الموضوع، وإذا قصرت الجملة لاءمتها تلك الجملة, وإذا ضخمت ألفاظ هذه الجملة كانت الجملة التي تليها على حظٍّ من السهولة، وهكذا٣, فنجد أن النثر أيام الجاحظ قد تغيَّرت موضوعاته, وطغت فنونه على فنون الشعر، وسهلت ألفاظه، وأصبح يسيرًا طبعًا، ودخلته الموسيقى، فغلب الشعر حتى في أخصِّ الأشياء به وهو الموسيقى، وهذا إلى العلوم التي عمد النثر عنها٤، ونجد نفس الأمر بالقياس إلى طه حسين، الذي تخلَّى عن قرض الشعر منذ مرحلة التكوين ليتفرغ إلى النثر المقالي, الذي يمتاز بتغيُّر الموضوع وطغيان فنونه على فنون الشعر، ومنها هذا الفن الكاريكاتيري المقالي، الذي كان في الأصل غرضًا من أغراض الشعر, وهو: الهجاء، وسهلت ألفاظه، التي طوَّعها لما نشأت من الحاجات والأغراض٥، ذلك أن الناس "لا يصطنعون الشعر للإعراب عما يضطرب في نفوسهم من شئون الحياة اليومية, وهم لا يحرِّرون الصحف شعرًا, ولا يكتبون فيما يريدون

стр. 317

أن يكتبوا فيه حين يؤلفون الكتب شعرًا أيضًا, وإنما يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور منذ تقدَّمت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة"١. والخصلة الثالثة، عند طه حسين، أنه قد ألمَّ بحظٍّ كبير من الثقافة الأوربية، وذاقها وتمثلها، فأخذ من هذه الحضارة الأوربية شيئًا خفيف الظل, قوي التأثير في الوقت نفسه، يستطيع أن يلائم مصريته الموروثة وبغداديته المكتسبة"٢, فتكَوَّن له من هذه الخصال الثلاث مزاج غريب اشتركت في إنشائه بغداد الجاحظ, وصعيد مصر, وباريس. اشتركت في تكوين هذا "الإحساس الساخر" في مقال طه حسين هذه الخصال الثلاث, ووفقت في هذا التكوين إلى أبعد مدى، وإلى مدى تتوازن فيه هذه العناصر وتأتلف، "ويحب بعضها بعضًا، ويطمئن بعضها إلى بعض، ويجتهد كلٌّ منهما في أن يعين صاحبيه"٣ ومن هنا كان مقال طه حسين مرضيًا مقنعًا لطبقات المثقفين جميعًا؛ إذا قرأه الأزهريون أعجبوا به؛ لأن فيه شيئًا من الأزهر، شأنه في ذلك شأن الشيخ عبد العزيز البشري٤، وإذا قرأه أبناء المدارس المدنية أعجبوا به؛ لأن فيه روحًا من أوربا, وإذا قرأه أوساط الناس الذين ليسوا من أولئك ولا هؤلاء، أعجبوا به؛ لأن فيه الروح العربي الخالص الجاحظي، ولعله لا يتعمَّد ذلك ولايصطنعه، وإنما هو وحي الطبع وإملاء الفطرة، من خلال جملة عربية رصينة، تمتاز بقوة الحسِّ التي تجعل كاتبها "لا يكاد يمر به شيء إلا التقطه التقاطًا، ورسمه في نفسه رسمًا, يخالطها مخالطة حتى يصبح كأنه جزء منها, ثم هو لا يكتفي بالتأثير وانتقاء ما يعرض لنفسه من الأشياء والخواطر، ولكنه سريع التأثُّر والتأثير. فهو إذا أحسَّ لا يكنُّ ما يحسُّه، ولكنه يعلنه ويظهره٥ فهو يتلقى الأشياء -كصحفي- مسرعًا "ويعكسها مسرعًا. وتعمل نفسه الخفية أو ضميره المكنون فيما بين ذلك عملها الغريب الذي يظهر خواطره وأحكامه وتصويره للأشياء, كأروع ما تكون الخواطر والأحكام والتصوير"٦. وليس هذا المنهج في تلقي الأشياء منهجًا صحفيًّا فحسب، ولكنه عند طه حسين منهج مستفاد من أسلوب المصريين في قياس الأمور بمقياس الوقائع والتجارب العيانية٧، وهو المقياس الذي يقوم على إدراك النقائض بين الأشكال والصور, وبوجه التفاته إلى المشابهات اللفظية والتجنيسات المعنوية٨.

стр. 318

العناصر الفنية في المقال الكاريكاتيري أولا: عنصر التجسيم للعيوب ... العناصر الفنية في المقال الكاريكاتيري: وتأسيسًا على هذا الفهم نجد أن الصورة الكاريكاتيرية المقالية عند طه حسين تتألف من جملة العناصر الآتية: أولًا: عنصر التجسيم للعيوب: أو المسخ للشخص الذي ينمذجه المقال الكاريكاتيري.. ذلك أن طريقة الكاريكاتير تقوم على المبالغة في تصوير العيوب، فالرجل ذو الأنف الكبير يبدو بريشة الرسام وقلم الكاتب كأن وجهه كله عبارة عن أنف, والرجل القصير يبدو كذلك كأنه أقصر من طفل, والرجل البدين يظهر في شكل البدانة والضخامة قَلَّ أن يكون له نظير في الحياة الواقعة نفسها, وهكذا١. وعند طه حسين نجد أن هذا العنصر جاحظي من حيث التصاقه بالحياة وبالواقع، يصوِّر جانبًا من طبائع فئة من الناس، ويعرضها بأسلوب قصصي شيق، والقصة عند طه حسين قصة وظيفية لا تهدف إلى الفن المحض والمتعة الخالصة، كما هي عند الجاحظ، ولكنها تهدف إلى أداء الوظائف الاجتماعية للكاريكاتير المقالي على النحو المتقدِّم، ويكفي أن ننظر في مقال بعنوان: "مدرسة"٢, يهجو فيه الوزارة الصدقية، وهو من أوله إلى آخره هجاء سياسي، يتغيَّا أداء وظيفة "الجزاء الاجتماعي" في قالب قصصي كاريكاتيري. يبدأ طه حسين مقاله بمقدمة توضح المقصود بعنوان المقال, أي: "المدرسة", يقول: "أما ناظرها فحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا، وأما طلابها فينقسمون إلى ثلاثة أقسام؛ طلاب مرشَّحون وهم هؤلاء المستوزرون من أعضاء البرلمان ومن غير أعضاء البرلمان، لا يشترط فيهم إلّا شرط واحد نعرفه جميعًا ونقرُّه جميعًا، وهو ألا يكونوا من المعارضة! أو من أنصار المعارضة, أو إنما يظهر فيهم ظهورًا واضحًا استعدادٌ حسنٌ لتأييد الوزارات مهما تكن، ولتأييد صاحب الدولة صدقي باشا بنوع خاص. وطلاب عاملون, وهم حضرات المعالي والسعادة والعزة الذين يختارهم رئيس الوزراء بالفعل، ويعهد إليهم بتدبير

стр. 319

أمور الدولة تحت إشرافه البارع، وفي ظلِّ سياسته الحكيمة، وطلابٌ مفصولون إما لأنهم أسرفوا في النجاح! أو لأنهم أسرفوا في الإخفاق أثناء وقت الدراسة والتمرين، وهم هؤلاء الوزراء الذين ينقلون أو يقولون أو يستقبلون، فمنهم من يعمل في سفارات الدولة، ومنهم من يستريح في بيته، وأولئك وهؤلاء ينتظرون أن يحتاج رئيس الوزراء إليهم، فيردهم إلى المدرسة ليستفيد من كفايتهم, أو ليدربهم ويمونهم مرة أخرى. "وأما هيئة التعليم في المدرسة ففرد واحد جمَّع الله فيه أفرادًا، وشخص واحد ألَّفَه الله من أشخاص، وكفاية واحدة صافّها الله من كفايات، وهذا الفرد المتحد المجتمع، وهذا الشخص المؤتلف المختلف، ذو الكفاية المحصورة الملتوية، هو حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء. وقد يعينه أساتذة مساعدون كما يقول الجامعيون، وقد يعينه مدرسون أيضًا، وهؤلاء الأعوان يختلفون، فبعضهم من المصريين، وبعضهم من الإنجليز، وبعضهم من الأوربيين بوجه عام١"، ثم يمضي طه حسين في هذا الكاريكاتير المقالي فيقول: "وأما أمد الدراسة في هذه المدرسة فيختلف طولًا وقصرًا، ويختلف عرضًا وضيقًا، باختلاف ما يستمتع به الطلاب من استعدادٍ للنجاح والتفوق، وللإخفاق والعجز، فمنهم من يقضي في المدرسة شهرًا ثم ينقل، ومنهم من يقضي في المدرسة عامًا ثم يوكَل إليه عمل آخر، ومنهم من يقضي في المدرسة عامين ثم يخرج، ومنهم من يقضي شهرين ثم يستقيل.. وكذلك أراد الله لمصر المستقلة أن تنشأ فيها هذه المدرسة الغربية التي لم تسبقنا إليها أمة من الأمم، إلا الأمة الإيطالية الصديقة، التي لم يؤسسها قبل رئيس وزرائنا إلا زعيم إيطاليا العظيم السنيور موسوليني، فقد لاحظ الناس جميعًا, وتحدَّثت الصحف الأوربية المختلفة أن الزعيم الإيطالي قد أنشأ مدرسة للحكم يهيئ فيها الإيطاليين لفهم النظام الإيطالي الجديد، فهو يجمع الوزراء ويفرقهم، وهو يُقِرُّهم ويقلقهم، وهو يريد أن يهيئ للغاشم أجيالًا من الوزراء إذا خلى منهم جيل، خلفه جيل آخر، ولم يقلده في هذا النحو من التعليم إلّا رئيس وزرائنا العظيم! أما هتلر فقد نهض بأعباء الحكم في ألمانيا وأمامه مثلان يستطيع أن ينظر: إلى إيطاليا فينتفع، ويستطيع أن ينظر إلى مصر فيستفيد، وأكبر الظن أنه سينظر إلى البلدين جميعًا, فكلاهما خليق أن يعلم فيحسن التعليم٢! ". ثم ختم المقال بتأكيد الوظيفة التي من أجل أدائها كُتِبَ المقال: "إنما تجد سياستنا يوم تكون أمور الشعب إلى الشعب، ويوم يقضي

стр. 320

في أمور الشعب جهرة، ويوم تستشار الهيئات البرلمانية ولا يقتصر على تبليغها، والاستماع لما تقدّم من تحية وتهنئة وشكر وثناء. "فإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تجد فيه السياسة المصرية، فتضطرنا إلى أن نجد في فهمها وتفسيرها، بل في بذل ما نملك من جهد لتقويمها إن اعوجَّت، وتوجيهها إن انحرفت، إلى أن يأتي هذا اليوم يحسُن أن نبعث مع سياستنا العابثة. ستسألني متى يأتي هذا اليوم؟ لمن يدري؟ لعله يكون أقرب مما تظن فأظن، فلننتظر باسمين١". ومن ذلك يبن أن هذا العنصر الكاريكاتيري في تجسيم العيوب يستمدُّ غذاءه من العقل والعلم٢ والواقع، ذلك أن طه حسين يذهب إلى أن الجهل لم يكن في يوم من الأيام مصدرًا، "للخير، ولا وسيلة للإجادة، ولا طريقًا إلى البراعة الفنية. وما رأيك في مثالٍ يطمع في ابتكار الآيات الفنية وهو يجهل التشريح وما يتصل به من تكوين الجسم الإنساني، وما إلى ذلك من هذه العلوم التي لا سبيل إلى الإجادة الفنية بدونها؟! إن الإجادة الفنية إنما كانت أثرًا من آثار الشعور، ومظهرًا من مظاهر الحسِّ القوي والعواطف الدقيقة والخيال الخصب، فهي لغوٌ إذا لم تستمد غذاءها من العقل والعلم٣". ويتوسَّل في تحقيق العنصر بأسلوبه الفريد الذي عُرِفَ به، وهو الأسلوب التصويري الذي يجنِّدُ له طه حسين طاقاته الفنية, وما يتمتع به من حسن عميق بمواقع الكلمات وجرسها ودلالاتها وإيحاءاتها، واستخدام هذا الأسلوب التصويري استخدامًا وظيفيًّا، يقوم على التشكيل الكاريكاتيري المتعمد والمقصود لأداء الوظيفة الاجتماعية للمقال.

стр. 321

ثانيًا: عنصر التوليد وهو ما يتاح للكاتب ولا يتاح للمصوّر، وبه يعمد الكاتب إلى توليد المعاني، واستطراد الأفكار، وكل معنى منها يذكر بآخر، وكل فكرة منها توحي بأخرى، وهكذا يستنفد طه حسين معانيه وأفكاره من خلال أسلوبه الاستقصائي الذي تميَّز به، على النحو المتقدِّم، والذي يقترب من الأسلوب الجاحظي المسترسل الذي لا يتعثَّر ولا يتلجلج، إذ يسوق عبارته ومزاوجاته, وكأن الألفاظ سخرت له تسخيرًا، فهو يختار منها ما يشاء، وما يؤدي وظيفة التوليد الكاريكاتيري في المقال، مستخدمًا التكرار الوظيفي وتلوين العبارة بالازدواج وبالتناغم الصوتي، ومعنى هذا أن عنصر التوليد يجعل الذهن ينتقل في لحظة واحدة من معنى إلى آخر، ولذلك يتوسَّل بالازدواج والتناغم

стр. 322

الصوتي، وإطلاق العنان للغة، كما يقول برجسون١، ذلك أن عنصر التوليد اللغوي هو في صميمه عملية ذهنية تخفى تحت قناع "التلاعب بالألفاظ", نزوعًا خفيًّا يحاول أن يتستَّر تحت رداء المعنى المزدوج. ومن أمثلة استخدام هذا العنصر في المقال الكاريكاتيري عند طه حسين، مقال بعنوان: "بم يخفق البرق"٢ يقول فيه: "يظهر أن البرق يخفق, ويخفق خفوقًا شديدًا, شديدًا وكثيرًا, ويظهر أن الأسلاك تضطرب, وتضطرب اضطرابًا عظيمًا, عظيمًا وسريعًا. البرق يخفق, والأسلاك تضطرب, وهناك أمور ذات بال يخفق بها البرق وتضطرب بها الأسلاك بين لندرا والقاهرة. والأمة واقفة موقف من يجهل كل شيء. تسأل فلا تجاب، وتتكلم فلا يعنى أحد بما تقول"٣. ثم يقول في وصف العلاقة بين الصحف والمؤسسات السياسية التي تعبر عنها: "ثم تناقض فيها الوحي واضطرب وكثرت فيها اللغات واختلفت, فلم يعرف الناس من أمرها شيئًا. ولم يستطع أحد أن يتبين فيها للحكومة رأيًا"٤. ثم يستطرد إلى أن يقول من خلال العمد إلى توليد المعاني: "أليس من الممكن أن يكون هذا الوحي الغريب قد نظر إلى الأمر كما تنظر الأم الفقيرة المعوزة العاجزة إلى طفلها الجائع, فهي تعلله وتغَنِّي له بما سيلقاه بعد حين من الحلوى والسكر ومختلف ألوان الطعام؟ كلا! ليست الأمة المصرية طفلًا, وليست الوزارة المصرية فقيرة ولا معوزوة ولا عاجزة, إنما هي وزارة فنية ثرية قادرة تقلدت مناصب الحكم, معلنة أنها ستعمل, ولم تعلن هذا إلّا وهي معتقدة أنها قادرة عليه. ليست الأمة طفلًا, وليست الوزارة عاجزة, فالأمة تطالب بالعمل وتنتظر نتيجة العمل, وهي تفهم حق الفهم ما تطالب به وما تنتظره، والوزارة قادرة تريد أن تعمل, ومن الممكن أن تعمل. ومن الممكن أن تظهر نتيجة عملها غدًا أو بعد غد. وإذن فمن الممكن أن تكون هناك خطة سياسية جديدة, وأن يخفق بها البرق وتضطرب بها الأسلاك, فما هذه الخطة وما موضوعها؟ "٥. ومن نماذج هذا العنصر في مقاله طه حسين أيضًا، ما نشره في "حديث المساء" بعنوان: "مناظرة بين بحر ونهر- بمناسبة موضوع الإنشاء في الشهادة الابتدائية"، إذ يتخذ من هذه المناسبة مجالًا لتوليد المعاني

стр. 323

واستطراد الأفكار عن عمدٍ وظيفي للسخرية من سياسة التعليم, يقول في مقدمة هذا المقال: "تفضَّلَ كاتب أديب من أصدقائنا فروى هذه المناظرة البديعة التي كانت بين بحر ونهر منذ شهر أو أكثر من شهر، والتي سمعها مفتش من مفتشي وزارة المعارف فأراد أن يمتحن بها الصبيان، لتتبين الحكومة: أصبياننا أبلغ، أم بحار الأرض وأنهارها؟!. "ومن المحقق أن نتيجة الامتحان ستظْهِرُ قصور الصبيان في هذا الفن من فنون البيان، ومن المحقق أيضًا أن إذاعة السؤال الذي ألقي على الأطفال قد شاقت الناس جميعًا إلى أن يعرفوا إجابة الأمر بين البحر والنهر، فلا جرم إثرنا أن نجعل مقال الكاتب الأديب "حديث المساء" في هذا اليوم، وإن نهدي هذا المقال بالنيابة عن صاحبه إلى وزير التقاليد ورجال التعليم في وزارة المعارف؛ لعلهم يشعرون بأن من أعسر الأمور وأشقَّها أن يقاس الصبيان في فن البيان بالأنهار والبحار. "ولعل الذي سيصححون الامتحان يستفيدون من هذا المقال، فيعرفوا وجه الحق في فضل البحر على النهر، أو فضل النهر على البحر، ويعصمهم ذلك من ظلم الصبيان المساكين. فنحن لا نشكُّ ولا نرتاب في أن علم المصححين بهذه المسألة كعلم التلاميذ؛ يسير ضئيل لا يجلو شكًّا ولا يزيل شبهةً، وأكبر الظن أن وزير التقاليد سيدعو إليه المفتش الذي وضع هذا السؤال، ليتبين منه أمر هذا المقال، أمطابق هو لما سمع من البحر والنهر، أم فيه شيء كثير أو قليل من التغيير والتبديل؟ "وأكبر الظن أن بلاغًا رسميًّا سيصدر لينبئنا برأي المفتش في هذا الحوار! "فليقرأ الناس ولينتظروا، وليقدِّمُوا معنا إلى الكاتب الأديب أجمل الشكر وأحسن الثناء١". ثم ينتقل بعد هذه المقدمة إلى تقديم حوار كاريكاتيري يسخر من سياسة التعليم ومن وزير التقاليد بين "نهر وبحر"، يقوم على التوليد اللفظي والمعنوي واستطراد الأفكار، وهكذا حتى يستنفد المقال أغراض السخرية والتقويم. وقد يعتمد هذا العنصر الكاريكاتيري على فهمٍ حرفيٍّ للكلمات يستثير السخرية، لما يكمن وراء هذا الفهم الحرفي من دلالة اجتماعية وسياسية، ومن ذلك مقال يعنونه طه حسين بلفظ عربي هو: "إقدام٢" يستهلُّه بقوله:

стр. 324

"ولكنه إقدام خطر قد يجر إلى الشر، وينتهي إلى ما لا يحبه المقدِمُون أنفسهم، وقد لا تحتمله أيضًا صحة هذه الوزارة التي أخذتها العلل من أطرافها المختلفة، فأعجزتها عن النهوض بجلائب الأعمال؛ سواء أكانت هذه الأعمال نافعة أم ضارة. "نعم إقدامٌ خطر مريب معيب، هذا الذي أخذت تظهر آثاره وبوادره على أعمال الإدارة في الصعيد، فقد كانت الإدارة هادئة في أسوان، وكانت مستقرَّة تسمع وترى, وتألم وتغضب، ولكنها لا تضطرب أو لا تسرف في الاضطراب، بل تخلق بين الناس وبين أنفسهم، يحسون ويشعرون، ثم يعربون عَمَّا يجدون من حسٍّ وشعور, فيختفون ويصفقون ويهتفون, وكل شيء هادئ والنظام مستقر, إلا أن يكون إظهار الشعور والاستمتاع بالحرية الطبيعية التي يكفلها الدستور خروجًا على النظام وتكديرًا للصفو والهدوء. "كانت الإدارة هادئة مطمئنة في أسوان حين زارها الرئيس الجليل, فلم يحدث أو لم يكد يحدث شيء ذو بال، ولكن أشد الأحلام رزانة قد يخف, وأعظم الأحلام ثقلًا قد يطيش. ويظهر أن عمر الإدارة محدود مهما يطل, وإن حلمها ضيق مهما يتسع، وأنها قد ترى ما تكره هي وإن لم يكره الدستور ولا القانون ولا النظام, فتحتمله ساعة أو ساعات, وتصبر عليه يومًا أو أيامًا، ثم لا تلبث أن تتنكر له وتثور به وتعرض للناس, تأخذهم بكظم الحسِّ وكتمان الشعور والنزول عن حقهم الطبيعي في أن يغدوا ويروحوا ويأتوا من الأمر ما يحبون لتكريم من يحبون١". وهكذا ينتقل الكاتب من معنى إلى آخر, ومن شاهد إلى آخر، وكل معنى وكل شاهد يذكِّرُ بالآخر، وكل فكرة توحي بأخرى، إلى أن يقول: "نعم في مصر حياتان مختلفتان! إحداهما: حياة أمة كلها أمل؛ فهي تصبر وتبتسم، والأخرى: حياة وزارة كلها بأس؛ فهي تغضب وتتنكر, وهي تهيج وتثير الناس. وأي غرابة في أن يضيق من يملأ قلبه اليأس بمن يملأ قلبه الرجاء. إقدام خطر هذا الذي تظهر آثاره في الصيد خير منه الإحجام. ما أشد حاجة الوزارة إلى أن تفكر في نفسها, وتعنى بصحتها, وتعالج هذا الشلل الذي أصاب أطرافها, وتفرغ لهذا التمرد الذي دبَّ في أحزابها. فإن في هذا كله ما يشغلها عن زيارة الرئيس الجليل وصاحبه للصعيد، لتفرغ الحكومة لشئونها الصغيرة والكبيرة, ولتطمئن فلن يتعرض نظام. ولا أمن للخطر ولا لما يشبه الخطر إذا أخذت هي رجال الإدارة بالهدوء, وكفَّت هي يد الإدارة عن الناس. "إن استقرار النظام رهين باستقرار الإدارة, فإذا لم يكن بدٌّ من أن تعمل الحكومة شيئًا فلتجذب إليها بشدة لجم الإدارة, فقد يظهر أن في خيل الإدارة ميلًا إلى الجموح٢". وهكذا حتى يستنفد الكاتب معانيه وأفكاره وشواهده ما استطاع, وهذا العنصر من عناصر الكاريكاتير المقالي يقودنا إلى الحديث عن عنصر آخر.

стр. 325

ثالثًا: عنصر التشبيه أو التمثيل وهو العنصر الذي يستوحي فيه الكاتب خياله، ويستعين به في عملية "المسخ" المشار إليها، وكثيرًا ما يتوسَّل إلى ذلك بكلام القدماء، وأهاجي الشعراء، وحكايات العامة, أو نحو ذلك، وأكثر من ذلك أننا نجد في مقال طه حسين تحويلًا لهذا الكلام من معناه الأصلي الذي وضع له, إلى المعنى الجديد الذي أراده لمقاله الكاريكاتيري. ومن الأمثلة على ذلك أن طه حسين في سخريته من الوزارة الصدقية، استشهد بقول الشاعر القديم للحجاج١: أسد عليَّ وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر "نعم لم يرع هؤلاء الوزراء الذين أفشوا سرَّ محلهم، وأذاعوا حديث رئيسهم، بكرامة الوزارة وكرامة الدولة معًا, وليس لذلك كله مصدرًا إلّا أن هؤلاء الناس قد كُلِّفُوا من الأمر ما لا يطيقون، وحُمِّلُوا من مناصب الدولة ما لم يهيأوا له، ولا ينبغي أن يؤتمنوا عليه، فإن الوزير الذي يلم به من الأمور السياسية ما يكره، فلا يملك نفسه أن يذيعه، ويتحدث به إلى الناس، ويلم به من الأمور السياسية ما يحب فلا يملك نفسه أن يتحدث به ويذيعه, هذا الوزير خليق أن لا يظل في منصبه يومًا أو بعض يوم؛ لأنه قد أقام البرهان لا يصلح للوزارة، ولا ينبغي أن ينهض بأعباء الحياة العامة٢". على أن الاتجاه العام عند طه حسين في استخدام عنصر التشبيه والتمثيل، يتجه إلى استيحاء الواقع الملموس، والاعتماد على الشواهد العملية في الحياة السياسية والاجتماعية، ومن ذلك مقال يشبه فيه الوزراء بأنهم "غرابيل٣.." كما جاء في عنوانه, يقول:

стр. 326

"هم إذن غرابيل لا ينبغي أن تلقى إليهم الأسرار، ولا ينبغي أن يؤتمنوا على الأحاديث, وإنما يجب أن يستأثر رئيس الوزراء من دونهم بأسرار الدولة وشئونها ذات الخطر، فهم قد أذاعوا -إن صحت أنباء الأهرام- أسرارًا أقل ما توصف به أنها مزرية بكرامة الدولة، غاضَّة من قدرها، تظهرها مضطربة جزعة، لما يذاع من الأنباء عن نقل المندوب السامي من مصر، أو رجوعه إليها، وإقامته فيها، وتظهرها فزعة هلعة، لما يقال من أن اللجنة الإنجليزية المصرية راضية عن النظام القائم، أو ساخطة عليه، مؤيدة للوزارة أو متنكرة لها, وليس من كرامة الوزارة بحالٍ من الأحوال في نفوس المصريين، سواء كانوا من أصدقائها، أو من خصومها، أن تظهر على الوزارة أعراض هذا الضعف المخجل، وهي التي تتحدث بالاستقلال، وتزعم أنها شديدة التعلق بأسبابه، غالية في الحرص لأعلى مظاهره وأشكاله، بل على حقائقه التي لا تقبل الشك ولا تحتمل النزاع١". ثم يستشهد بقول الشاعر القديم للحجاج؛ بعد أن يقول: "إن كل مصري يستحي أن يعرف الأجانب الذين لا يقفون على دخائل الأمور، إن هذه الوزارة التي تذيق المصريين ألوان العذاب تخاف من الإنجليز إلى هذا الحد، وتجزع من سعي اللجنة الإنجليزية المصرية إلى هذا الحد، فهي تلقى المصريين بالشدة والعنف، وتلقى الإنجليز بالضراعة والخوف"٢. ولعل في ذلك ما يفسر تمثله بقول الشاعر القديم، من خلال الشواهد العملية المستقاة من الواقع السياسي المعاش. ذلك أن القسم الأول من المقال يمثل حملة قوية يشنها طه حسين على الوزارة الصدقية، التي سارت في طريق الزيغ والضلال والاستبداد، ثم ينتقل في القسم الثاني إلى تفصيل ما أجمل في قسمه الأول، ويشرع بالرد على الشواهد المنسوبة إلى "الأهرام" في استطراد عُرِفَ به الجاحظ من قبل، ليشير بها إلى أن هذه الوزارة لا تتمالك نفسها، مشبهًا أعضاءها بأنهم "غرابيل" تظهر عليها "أعراض هذا الضعف المخجل" أمام الإنجليز, وهي التي في الجانب الآخر "تلقى المصريين بالشدة والعنف"، متوسِّلًا في هذا المقال باستعارات أضفت على الكاريكاتير بلاغة صحفية، وفيما عدا ذلك عدل طه حسين عن أسلوب المجاز إلى أسلوب الحقيقة تاركًا نفسه على سجيتها. وقد عمد تجاه "الخبر" الذي نشرته الأهرام إلى إسناده إليها ليكون في حِلٍّ من تبعته، فالعهدة على الراوي، والاعتماد على السند ظاهرة هامة تتمثَّل فيها أقوى سمات التحقق والتيقن التي أخذ بها العلماء المسلمون, وكان رجال الحديث أول من عمد إليها, ثم سرت إلى سائر أوجه المعرفة من تاريخ وأدب وشعر وسيرة.. فهذه الظاهرة الصحفية عند طه حسين أثر من آثار ثقافته العربية الإسلامية. الأمر الذي

стр. 327

يوضح لنا طريقة طه حسين الصحفية المكينة عندما يعزو الخبر إلى رواته أولاً, وعندما يظهرنا على موضع الشك في بعض أولئك الرواة ثانيًا، حين يستهلُّ المقال بقوله: "هم وزراؤنا إن صحت أنباء الأهرام، والظاهر أنها صحيحة". ومن نماذج هذا العنصر الكاريكاتيري كذلك مقال بعنوان: "طير ... ١" يقول فيه: "في جو مصر الآن طير تحلق حينًا وتقع حينًا آخر، وتتردد بين دواوين الوزراء، وإدارات بعض الصحف، وتلمّ بمجالس الناس في القاهرة والأقاليم، وليست هذه الطير جميلة الشكل، ولا رائقة المنظر؛ وليست هذه الطير خفيفة الحركة، ولا رشيقة في التحليق والوقوع، ولكنها قبيحة سمجة مخيفة ثقيلة الظل، عراض الأجنحة، وليست عذبة الصوت، ولا حلوة التغريد، ولا مسمعة للناس غناء البلابل، ولكنها بشعة الصوت، نابية اللحن، تصيح صياح البوم، وليست أسماؤها بالأسماء التي تدعو إلى التفاؤل وانتظار الخير، والابتسام للأمل، ولكنها أسماء تدعو إلى التشاؤم وتوقُع الشر، والتنكر للقنوط، فبعضها يسمى الكذب، وبعضها يسمى إفشاء السر، وبعضها يسمى سوء الظن، وهذه الطير تضطرب في جو مصر كله، فتفسده أشد الفساد، وهي تخفق بأجنحتها خفقًا عنيفًا يكاد يصم الأسماع، وهي تبعث من حين إلى حين صيحات منكرة تروع النفوس، وهي تنشر في الجو رائحة كريهة يتأذّى لها الزمن، وهي توشك أن تنتهي بالمصريين إذا لم تطرد عن وجوههم إلى شرٍّ كثير٢! ". ثم ينتقل بعد ذلك يقدم شواهد من الصحف، تمثل هذه الصورة الكاريكاتيرية التي قدَّمها في مدخل المقال، يقول٣: "صحيفة تذيع بين قرائها يوم الثلاثاء أن رئيس الوزراء تحدَّث في التليفون إلى وزير مصر المفوض في لندرة، ويسكت رئيس الوزراء على هذا النبأ, فإذا كان الغد تحدثت صحيفة أخرى بأن وزيرنا المفوض في لندرة أنبأ مكاتبها بأن قد كان بينه وبين رئيس الوزراء حديث في التليفون "ويسكت رئيس الورزاء على هذا النبأ الثاني أيامًا، وتتناول الصحف هذا النبأ بالتفسير والتعليق، ورئيس الوزراء صامت لا يتكلم، وساكن لا يتحرك, وفاتر لا يبدي قليلًا من نشاط، حتى إذا كان مساء أمس, زعم رئيس الوزراء للمقطم، أن هذا الحديث التليفوني لم يكن، فأين يكون الحق إذن؛ وأين يكون الباطل؟ وعند من نلتمس الصدق إذن؟ وعلى من نلقي تبعة الكذب٤؟ ".

стр. 328

ويواصل في القسم الثاني من المقال تقديم شواهده، مع إسنادها إلى رواتها من الصحف أو المسئولين من خلال طريقته الصحفية: "زعمت المقطم أن ناحية مسئولة في مصر تحدَّثت إلى زوير مصر في لندرة بالتليفون، وزعمت البلاغ أن وزير مصر المفوَّض في لندرة أنبأ مكابتها بأن هذا الحديث قد كان، وزعم رئيس الوزراء بعد أيام أن هذا الحديث لم يكن، فهناك طائر قبيح الشكل، بشع المنظر، فج الصوت، يتردد بين إدارة المقطم، وإدارة البلاغ, والمفوضية المصرية في لندرة, ومكتب رئيس الوزراء، واسم هذا الطائر قبيح لا يدل على صدق ولا نصح ولا حب للحق. وهو لا يدري أين يقع من هذه الأماكن التي يتردد بينها، وهو لا يهدأ ولا يستريح حتى يعرف له مستقَرًّا يستقر فيه, ووكرًا يؤي إليه، وهو سيفسد الجو بصيحاته المنكرة، وريحه المؤذية، حتى يصرف عن هذا الجو، ويُرَدَّ إلى وكره بعيدًا عن الأسماع والأحياء وإلا نعرف ... "! ١. ثم ينتقل إلى تصوير الطائر الآخر، والذي يظهر في مقاله: "قبيح الشكل، بشع المنظر، لا يدل اسمه على الصدق والنصح وحب الحق، وهو يتردد بين الأهرام ومكتب رئيس الوزراء، وهو لا يدري أين يستقر، وسيظل مفسدًا للجو، مؤذيًا حتى يُرَدَّ إلى وكر يستخفي فيه. "وهناك طائر آخر ليس أقل من هذا الطائر شرًّا ولا نكرًا، ولا يدل اسمه على أمانة في الحديث، ولا على حفظ للغيب, ولا على كتمان للسرِّ، وهو يتردد بين مكاتب الوزراء لا يدري إلى أيها يأوي, ولا على أيها يقع، وسيظل مفسدًا للجو مؤذيًا للنفوس، حتى يصرف شره عن الناس. ثم هناك طائر آخر مروع مخيف، ليس بشعًا كل البشاعة، ولا قبيحًا كل القبح، ولكنه مزاج من الأمرين، فيه استنكار الشر، واستبشاع الكذب، وإفشاء الأسرار، وفيه التماس الخير، واستقصاء الحق، والحرص على الأمانة، وحفظ الغيب، وهذا الطائر كان يقظًا كالنائم, نشيطًا كالهادئ، متحركًا كالساكن، فلمَّا صاحت تلك الطير المنكرة صيحتها المتصلة، اندفع من البقعة والنشاط في شيء عظيم، فهو يطير في كل جو، ويقف عند كل مجلس، ويسمع لكل حديث, ويتلقط كل نبأ، ويأبى على الناس أن يطمئنوا أويستريحوا، حتى يعلموا أيهما قال الحق في أمر الحديث التليفوني، أهو رئيس الوزراء؟ فيجب إذن أن يسأل وزير مصر في لندرة، كيف قال عن رئيس الوزراء غير الحق، وكيف تحدَّث بما لم يكن؟! أهو وزير مصر في نلدرة؟ فيجب إذن أن يسأل رئيس الوزراء كيف استباح لنفسه أن يكذِّب وزيرًا يمثل كرامة مصر وجلالها في بلد أجنبي هو

стр. 329

إنجلترا, وعند قوم من الأجانب هم الإنجليز؟! أم هي الصحف قد قالت على الرجلين جميعًا ما لم يفعلا؟ ".. إلى أن يقول: "لا يريد هذا الطائر الذي يُسَمَّى سوء الظن أن يستريح، ولا أن يريح الناس حتى يتبين ويتبينوا معه وجه الحق في هذه القصة، ثم لا يريد هذا الطائر أن يستريح، ولا أن يريح الناس، حتى يتبين ويتبينوا معه وجه الحق ساطعًا وضَّاءًا جليًّا، فيما كان بين الأهرام ورئيس الوزراء, أو قل: فيما كان بين رئيس الوزراء وزملائه, فإن سكون الوزارة على تحدي الأهرام، وسكوت صحف الوزارة على هذا التحدي، وإغراق الوزارة وصحفها في صمت عميق بعد ما نشره مندوب الأهرام صباح أمس، دليل واضح على أن الرجل لم يخترع، ولم يبتكر، وإنما حدَّث فتحدث، وأتى بشيء فأذاعه بين قرائه، وأكبر الظن أن الذين تحدثوا إليه قد أرادوه على أن يذيع هذا الحديث، ليؤكدوا للناس أن ليس على الوزارة من بأس ولا خوف. "يظهر إذن أن الأهرام قد خرجت من هذه المعركة ظافرة صادقة، لا إثم عليها ولا تثريب، فيريد هذا الطائر أن يتبين، وأن يتبين الناس معه، أيهم قال غير الحق؟ ". ثم يختم المقال بعد هذا التصوير الذي يعلِّقُ من خلاله على شواهد سياسية من الواقع الملموس، فيكمل ما بدأ به في مستهله من بحث "طائره" الأخير عن العلم والتثبت، وكأن هذا "الطائر" الأخير، ينتقل بالقارئ إلى نقد المتن بعد نقد السند، فهو هنا يرجع إلى عقله، ويحاكم الأمر من جميع وجوهه: الوزراء، رئيس الوزراء، الصحف. واقفًا تجاه حكاية الطير "موقف الباحث المتشكك، إذ أن رواية الخبر شيء، وتصديقه شيء آخر، وهذا الشك وتقليب أوجه الرأي عند طه حسين من سمات الاستقراء الديكارتي في مقاله، وقد تجلَّت لنا شخصية طه حسين الفكرية فيما أبداه من بوادر الشك تجاه ما تناوله مقاله من خلال عرض كاريكاتيري ينتهي إلى هذه الخاتمة: "أرأيت إلى هذا الجو المنكر الذي نعيش فيه؟! أرأيت إلى هذه البيئة الخانقة التي نضطرب فيها؟ أرأيت إلى الصدق والكذب كيف يختلطان؟ أرأيت إلى الحق والباطل كيف يشتبهان؟ أرأيت إلى الأمانة والخيانة كيف تلتبسان؟ أرأيت إلى الريبة تصبح قاعدة من قواعد السياسة، وأصلًا من أصول العلاقة بين الحاكم والمحكوم؟ أرأيت إلى هذا كله؟ فكرت في هذا كله؟ أقدَّرت أثر هذا كله في حب الناس للوزارة، وثقتهم بها، واطمئنانهم إليها، أقدرت أثر هذا كله في أخلاق الناس حين يتصل بعضهم ببعض، وحين يتحدث بعضهم إلى بعض، وحين يأتمن بعضهم بعضًا على الأسرار؟ ألست توافقني على أن هذه

стр. 330

البشعة المنكرة، التي تضطرب في جو مصر الآن، فتملأه فسادًا وشرًّا, خليقة أن ترد عن هذا الجو، ليعود إليه شيء من الخير والصلاح! "بلى, إنك لترى هذا الرأي كما أراه، وإنك لتحرص على أن يصفو الجو كما أحرص على ذلك، لتستقيم السياسة، وتصلح الأخلاق، ولكن مَنْ الذي يستطيع أن يذود هذه الطير المسفدة عن جو مصر؟ أحد رجلين: رئيس الوزراة حين يستقبل, أو النائب العام حين يأمر بالتحقيق"١. ومن نماذج عنصر التشبيه والتمثيل أيضًا، مقال يشبِّهُ فيه اضطراب الجو الوزاري بالكهرباء، فيقول في مقال بعنوان: "كهرباء"٢: "لم تنتشر في الجو الوزاري كما انتشرت في هذه الأيام، فأصدقاء الوزارة وأولياؤهم يظلمون أنفسهم ويعيشون بعقولهم، إذ زعموا أن جوَّ الوزارة هادئ لا اضطراب فيه، صافٍ لا يشوبه كَدَر، وهم يظلمون أنفسهم، ويعيشون بعقولهم، إذا لم يعترفوا بأن الوزارة قد ضاقت بها السبل، وأخذت من كل مكان، وفسد الجو الذي تعيش فيه، وهي محصورة من كل ناحية، قد اضطرت إلى أن تقف موقف الدفاع، وموقف الدفاع الذي يستميت صاحبه ويستيأس، حتى لا يتحرَّج من الميل إلى الاستعانة بالعزائم والطلاسم والرُّقَى، وزيارة الأضرحة، والتصريح على قبور الأولياء"٣. وفي هذا النموذج الأخير نجد أنفسنا بإزاء كاريكاتير قلمي يقوم على الربط بين الصورتين اللفظية والمحسوسة أو الملموسة. وهذا النمط الكاريكاتيري يقودنا إلى العنصر الرابع.

стр. 331

رابعًا: عنصر التضاد وهو العنصر الذي يقوم على إدراك المفارقة أو انعدام التجانس، كما في الكثير من روائع الفكاهة الكلاسيكية المعروفة, والفكاهة هنا إنما تنحصر في التأليف بين عناصر متباعدة في الواقع، أو المزج بين حقائق متباينة بطبيعتها، أو التوفيق بين ظواهر متنافرة في العالم الخارجي. والأمثلة عديدة لا حصر لها على هذا العنصر في مقال طه حسين، نذكر منها مقالًا بعنوان: "سيارة" يقول فيه: "والله لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها، لأنه إنما يضرب الأمثال للحكمة والموعظة الحسنة، وليبين للناس قصد السبيل ويصرفهم عن جائرها، فمن حقنا، بل من الحق علينا أن نتأدب بأدب القرآن الكريم، وألَّا نتحرَّج من أن نتحدث إلى الناس في شيء ما، سيارة فما فوقها، لنبين لهم مواضع العوج في سياسة الوزارة القائمة، حين تعرض للكبائر، وحين تعرض للصغائر من الأمور. والناس يعلمون ما في سياسة الوزارة من العوج، حين تعرض للري، فتقيم الخزان هنا، وتمهد لإقامة الخزان هناك، وتعرض في هذا كله عن نصيحة الناصحين، ومشورة المشيرين، وهم يعلمون كذلك ما في سياسة الوزارة من ذلك العوج، حين تعرض لأمر الدين، فتعلن أنها لن تدفع إلّا ورقًا، وتمضي مع ذلك في خصومة قضائية، ولا تجد الشجاعة على أن تتخذ في هذا الأمر قرارًا حاسمًا يقطع الشك، ويزيل اللبس، وهم يعلمون ما في سياسة الوزارة القائمة من العوج، حين تضيق باستقلال الجامعة، حتى ترده إلى أبسط أشكاله، وتجعله قابلًا لأن يوضع في علبة صغيرة يضعها وزير التقاليد في جيبه! وحين تبسط سلطان الأزهر حتى تغمر به مدارس الدولة كلها، وهم يعلمون ما في سياسة الوزارة من العوج، حين تعرض لغير الري والدين والتعليم من المرافق المصرية الكبرى، فليس هناك بأس إذن.. من أن يقفوا عند هذه السيارة لحظة، وإن كانت ما تزال في باريس تهيأ وتعد، وتنتظر مقدم رئيس الوزراء!. "فأنا أريد أن أتحدث عن هذه السيارة التي كثر فيها الحديث بين الصحف، والتي اشترتها الدولة لرئيس الوزراء، وينتقل بها في أوربا أثناء أجازته الطويلة المقبلة. "زعموا أن رئيس الوزراء حين كان يجمع إلى الرياسة وزارتين، كان يستمتع بالتنقل في سيارات ثلاث، إحداهما: للرياسة، والأخرى للمالية، والثالثة للداخلية، فلما اشتدت الأزمة واستحكمت، أحسّ رئيس الوزراء حاجة الدولة إلى الاقتصاد، فأمر بإحدى هذه السيارات الثلاث فبيعت، وردَّ ثمنها إلى خزانة الدولة، واقتصدت الدولة ما كانت تحتاج إليه هذه السيارة، من النفقات في كل يوم، ولا تسل لماذا لم يبع رئيس الوزراء سيارتين من هذه السيارات، ولماذا لم يكتف بواحدة دون اثنتين، فيضيف اقتصادًا إلى اقتصاد، وتدبيرًا إلى تدبير. ولا تسل لماذا لم يبع رئيس الوزراء هذه السيارات الثلاث، ولم يكتف بسيارته الخاصة، ينفق عليها من أموال الدولة، إذا لم يكن بد من أن تتكلف الدولة نفقات انتقاله. لا تسل عن شيء من هذا، فقد تتهم بالبخل، وقد تتهم بالتعنت، وقد يقال: إنك تجهل أخلاق الوزراء، وما جرت به عادتهم في مصر، حين تلقى مثل هذا السؤال أو تفكر فيه! "١.

стр. 332

ثم يمضي بمقاله في الكشف عن التناقض أو الاستحالة أو الانحراف عن المنطق من خلال عرضه الكاريكاتيري لضروب المفارقة أو التنافر أو الاختلال في القياس، فرئيس "الوزراء ليصبح منذ ذلك الوقت وليس له إلا سيارة واحدة، في سيارة المالية، ولكنه رئيس ووزير، له صفتان, فيجب أن تكون له سيارتان، ولا ينبغي أن يكون كغيره من الوزراء ذا سيارة واحدة، لهذا لم يقنع بسيارة المالية، وأزمع أن يشتري سيارة أخرى للرياسة، وتستطيع أن تلاحظ في غير فائدة ولا غناء، أن رئيس الوزراء مريض، وأن حركته قليلة، وانتقالاته محدودة، فسيارة واحدة كانت تكفيه، ولكنه كما قلت لك ذو صفتين، فيجب أن يكون ذا سيارتين! ولا تقل أن وزير التقاليد ذو صفتين، فهو وزير المعارف ورئيس الجامعة، فيجب أن يستقلَّ سيارتين، سيارة المعارف وسيارة الجامعة، فالفرق بين وزير التقاليد، ورئيس الوزراء، واضح جدًّا، لأن وزير التقاليد لا يتلقى رياسة الجامعة بمرسوم، وإنما هي صفة تنشأ له نشوءًا، وتنشأ له نتوءًا، فهي أشبه بالعِلَّة العارضة، منها بأي شيء، وهي ملازمة له، لا يستطيع أن يتخلص منها، إلا أن يستقيل من الوزارة"١. ثم يقول: "ومن المرجَّح كما يقول الناس، أن في القاهرة سيارات يمكن أن تشترى، منها الفخم الذي يليق برؤساء الوزارات، ومنها المتوسط الذي يليق بالوزراء، ومنها البسيط الذي يليق بأوساط الناس، ومن المرجَّح أيضًا أن شراء هذه السيارات من القاهرة أدنى إلى المألوف، وأقرب إلى الاقتصاد، ولكن رئيس الوزراء سيسافر إلى أوروبا في أجازة طويلة، ليستشفي ويستريح، وهو كما قلنا أمس، لا ينبغي أن يتخذ في أوروبا ما يتخذه عامة الناس من وسائل الانتقال، فيجب أن تكون له سيارته, وما دام رئيسًا للوزراء، وما دام وزيرًا للمالية، فيجب أن تكون له سيارتان تنتقلان معه حيثما وجه، وأينما ذهب، يستقلٌّ إحداهما وهو رئيس الوزراء, ويستقل الأخرى وهو وزير المالية! يستقلُّ كلًّا منهما في وقت من الأوقات، حين يفكِّرُ في إحدى هاتين الصفتين منفردة. "فإذا فكر فيهما مجتمعتين استقلَّ السيارتين في وقت واحد!! ولكن رئيس وزرائنا أرفق بخزانة الدولة، وأحرص على أموال الدولة، من أن يكلفها هذه النفات كلها، فليكتف إذن بإحدى السيارتين في أوروبا، وليستقلها مرة رئيسًا للوزراء وأخرى وزيرًا للمالية، وليجمع السيفين في غمد، حين لا يكون من ذلك بد..! "٢. ومن ذلك يبين استخدام عنصر التضاد في التصوير الكاريكاتيري القلمي.

стр. 333

استخدام الخيال في النظر إلى الواقع، بحيث يعامل الواقعي على أنه لا واقعي، ويعامل اللاواقعي على أنه واقعي، كما يبين من "استقلال السيارتين في وقت واحد، ومن هنا, فإن للتناقض والتضاد دورًا هامًّا في المقال الكاريكاتيري؛ لأنه هو الذي يؤكد عامل "اللاواقعية L'irrealitee" واللاواقعية هي الصبغة المميزة للشيء المضحك أو للموضوع الفكاهي بصفة عامة"١. على أن طه حسين يضع في مقابل هذا العامل "اللاواقعي" موقفًا مناقضًا تمامًا؛ ليبرز الانحراف عن المنطق في موقف رئيس الوزراء الذي يصوره المقال، بحيث تظهر المفارقة والتنافر والاختلال في القياس عند تكامل المقال. يقول طه حسين: "أرأيت أنا لم نخطئ حين تحدَّثنا إليك في هذه القصة الصغيرة، قصة السيارة التي اشتريت لرئيس الوزراء، على حين يتحدث الكُتَّاب الآخرون إلى قرائهم في الخزانات والاستجوابات، وعودة المندوب السامي أو بقائه في لندرة، وما يسمونه الموقف السياسي، أرأيت أن تحدُّثَنا إليك عن هذه السيارة قد انتهى بك وبنا إلى خصال يجب أن يتدبرها، ويفكر فيها كل من ينصِّبُ نفسه للعمل في الحياة العامة؟ أولى هذه الخصال الاقتصاد الذي لا ينبغي لرؤساء الوزارات أن يقصروا فيه مهما يكن يسيرًا ضئيلًا، وقدوتهم في ذلك رئيس وزرائنا، حين آثر في أمر هذه السيارة ما آثر من الاقتصاد! ". "وثانية هذه الخصال اليقظة للمصلحة العامة، وللمصلحة الخاصة مهما تكن دقيقة غامضة, فلا ينبغي أن يشغلنا عن هذه المصلحة مرض مهما يكن مخيفًا، أو عمل مهما يكن دقيقًا. "وثالثة هذه الخصال الفناء في الإخلاص للرؤساء، فلا ينبغي إذا مرض رئيسك أن تهمل سيارته! ولا ينبغي إن أقام رئيسك أن تنسى أنه قد سافر! ولا ينبغي أن تنسى أنه قد يسافر! ولا ينبغي إن سافر رئيسك أن تنسى أنه قد يعود! وهذه مشكلة أَدَعُ لك ولغيرك من القراء أن تلتمسوا لها حلًّا؟ وما دام الإخلاص للرؤساء واجبًا، وما دام من الحق على المرءوسين أن يقدروا حركات رؤسائهم إذا سكنوا، وسكون رؤسائهم إذا تحركوا، فقد يكون من الحق على أعوان الوزارة أن يقدروا أنهم، وإن تولوا الوزارة وأطالوا المقام في مناصبها فقد يستقيلون. "صدقني أيها القارئ العزيز, إن من الحق عليك أن لا تتحرج من التفكير

стр. 334

الطويل في أيسر الأشياء وأهونها، حتى حين تكون هذه الأشياء مما يشبه سيارة رئيس الوزارء! "١. ويؤكد شابيرو٢، هذه الصيغة اللاواقعية التخيُّلية التي تُميِّز السخرية الكاريكاتيرية فيقول: "إن الاستحالة التي تكمن في صميم الشيء المضحك هي عبارة عن مفارقة حسية عيانية ظاهرة ... ولكن، لما لم يكن "للمحال" أي موضع في صميم شعورنا بالواقع، فإنه ما يكاد "المحال" يدرك، حتى يبادر الشعور إلى طرده، لأنه يرى فيه علامة على اللاواقعية أو اللاوجود". وإذن فالسخرية الكاريكاتيرية إنما تنشأ حينما ينفذ "التناقض" إلى صميم المقال، كما تبيَّن من النموذج السابق، وكما يبين من نموذج آخر يتوسَّل بالمفارقة والتضاد في تصوير إسماعيل صدقي، في مقال جعل عنوانه: "قمر"٣. "هو رئيس وزرائنا أتمَّ الله له الشفاء، وأسبغ الله عليه العافية، وقد طلع أمس في سماء مجلس النواب فبهر الأبصار، وخلب العقول، وهزَّ القلوب في الصدور، وأطلق لسان أحد النواب المحترمين بهذه الجملة الشعبية الظريفة: "طلع القمر" ... ! "ولكن القمر يطلع في أول الشهر، ويطلع أثناءه، ويطلع في آخره, وله في مطالعه المختلفة هذه أسماء مختلفة، منها ما يبعث السرور والبهجة، ومنها ما يبعث الأمل والرجاء، ومنها ما يبعث في النفس شعورًا هادئًا شاحبًا لا بهجة فيه ولا سرور، ولا أمل فيه ولا رجاء، فالهلال يبعث في النفوس الأمل، لأنه سيصير بدرًا كاملًا كما قال أبو تمام، والبدر يبعث في النفوس بهجة وسرورًا وثقة، لأنه يصور القمر في أجمل صوره وأبهاها، وأخلبها للعقول والأبصار، أما القمر فلا يبعث في النفوس شيئًا خاصًّا، وإنما هو شعور هادئ قلَّمَا يتجاوز هذا الجمال العام، ففي أيِّ طور طلع قمر رئيس الوزراء أمس في مجلس النواب؟ لم يكن هلالًا من غير شك, فقد كان هلالًا منذ زمن بعيد حين ألَّف الوزارة ونهض بأعباء الحكم! ولم يكن بدرًا من غير شكٍّ, فقد كان بدرًا منذ زمن بعيد حين استحكم له الأمر واجتمعت له أسباب للقوة، فسيطر على مصر غير منازع ولا مدافع! فأجرى أمورها كما أحبَّ بيد قوية حازمة لا تعرف الضعف، ولا يجد الخَوَرُ إليها سبيلًا, أو أطلق لسانه بألوان الخطابة في السياسة حينًا، وفي الاقتصاد أحيانًا، بالعربية حينًا وبالفرنسية

стр. 335

أحيانًا، في القاهرة حينًا, وفي الأقاليم أحيانًا، بل في مصر حينًا, وفي أوروبا أحيانًا"١ ... إلخ. ويتوسَّل طه حسين بالاواقعية الكاريكاتيرية في تصوير تناقض الوزارة، حين ينضاف عنصر المبالغة، والتهويل إلى عنصر التضاد أو المفارقة، فلا يلبث أن يخرج بموقف المقال كله إلى عالم آخر هو الاستحالة، التي تسخر من الواقع السيء، كما نجد ذلك في مقال بعنوان: "جوع"٤ يقول فيه: "أما إن وزارتنا شفيقة على الفقراء، رفيقة بالبائسين تتولاهم بالبر الذي لا حد له, وتشملهم بالعطف الذي لا ينتهي إلى غاية، وتذود عنهم ألم الجوع، وترد عنهم المشقَّة والضر، وتغمرهم باليسر والنعيم، فشيء ليس إلى الشك فيه من سبيل، إلا أن تكون مكابرًا تحب المكابرة، أو مماريًا تتهالك على المرء، وفي أي بلد من بلاد الأرض ترى الفقراء والبائسين, رغم هذه الأزمة العنيفة ينعمون بخفض العيش، ويأخون من لذات الحياة ما يريدون وفوق ما يريدون كما تراهم في مصر الآن، تستيطع أن تطوف في المدن والقرى، وأن تجوب أقطار الريف, فلن ترى جائعًا ولا محرومًا, ولن ترى مفلسًا ولا مأزومًا، ولن ترى شقيًّا بالحياة ولا بائسًا منها، ولا زاهدًا فيها، إنما الناس جميعًا في صفوٍ لا يشوبه كَدَر، ولين لا تشوبه قسوة، كلهم فرح مرح, وكلهم سعيد مبتهج, وكلهم باسم للحياة, مقبل عليها, مستزيد منها، وتستطيع أن تطوف في القاهرة فترى من مظاهر السعادة واليسر، ومن آيات النعيم وصفو العيش ما يضطرك إلى أن تسأل نفسك: كيف أعرض الفقراء والبائسون من أهل الأرض عن مصر، وكيف لم يرحلوا إليها, ولم يتساقطوا عليها، وقد أصبحت مصر في هذه الأيام السود جنة الله في الأرض من غير شك ولا مراء، لقد كان يسخر فولتير حين صور في قصة من قصصه المشهورة قطرًا من الأقطار الأمريكية يمشي الناس فيه على الذهب, ويعبث الأطفال فيه بالأحجار الكريمة، وتنحط فيه قيمة المعدن والجوهر حتى يأبى الناس أن يتخذوهما أساسًا للتعامل, أو ثمنًا للبيع والشراء. "كان فولتير يسخر حين صور هذا القطر, فلو قد عاش فولتير إلى هذا العهد السعيد الذي نحن فيه لعلم أن سخريته قد أصبحت حقًّا، وأن هزله قد أصبح جدًّا, وأن مصر إذا لم يمش الناس فيها على الذهب، ولم يعبث الأطفال فيها بالدر والياقوت, فإن الناس فيها لا يعرفون ألمًا ولا ضرًّا، ولا يخافون أن يصيبهم ألم أو يمسُّهم ضر"٣ ثم ينتقل طه حسين من هذا التصوير اللاواقعي للواقع، إلى ما يسميه

стр. 336

برجسون "بالموقف الوعر". فيصف الواقع السيء بعبارات الاحترام الرقيقة Respactability, ويذهب إلى كشف تنظيم أخلاقي للأخلاقية من خلال حدَّيْن أقصيين للمقارنة، هما الأكبر والأصغر، الأحسن والأسوء. ويتم النقل بينهما صعودًا أو هبوطًا، فإذا ضاقت المسافة قليلًا، تحصل على حدود يقل التضاد بينها شيئًا فشيئًا، كما يبين من النموذج السابق حين يكشف المقال عن تعارض الواقعي والمثالي، تعارض ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، يقول طه حسين: "لهذا كله عجب أشد العجب, حين أقبل علي جماعة من الناس قد أضناهم الجوع, وأنهكهم الحرمان, وظهرت عليهم آثار السوء, وضعفت أصواتهم؛ لأنهم لا يجدون ما يقيم أودهم, ويمكنهم من أن يتحدثوا إليك في صوت ظاهر ممتلئ مستقيم، ولم أشك حين رأيت هؤلاء الناس البائسين المحرومين في أنهم جماعة من الأجانب الذين مسهم الضر في بلادهم, وضاقت بهم الحياة في أوطانهم، فأقبلوا إلى مصر يلتمسون فيها اليسر والسعة, ويفزعون إلى ما فيها من النعيم والرخاء. ولكنني لم أكد أتحدث إليهم وأسمع منهم حتى اشتد عجبي وانتهى إلى أقصاه؛ لأني علمت أن هؤلاء الناس مصريون، نعم مصريون!! "١. ومن ذلك يبين الاستخدام الوظيفي لعنصر التضاد في المقال الكاريكاتيري من خلال النقل بين الاتجاهين المتنافرين، فتارة يقول طه حسين ما ينبغي أن يكون متظاهرًا بالاعتقاد بأن هذا هو الكائن، وعلى ذلك يقوم التهكم Ironie, وتارة يمضي في عكس هذا الاتجاه فيصف ما هو كائن أدق الوصف بأن هذا ما ينبغي أن تكون عليه الأمور، وتلك هي طريقة السخرية الكاريكاتيرية.

стр. 337

خامسًا: عنصر التندر: بحيث تأتي النوادر، كل واحدة منها وكأنها لم تذكر إلّا في هذا الموضع الذي يشير إليه الكاتب بالذات، أو كأنها لم تذكر إلّا من أجل هذا الشخص أو النموذج الذي يسخر منه، ويرتبط هذا العنصر عند طه حسين بالوحدة العضوية للمقال، التي تتيح له البراعة في طريقة التندر من خلالها، ولكن هذا العنصر عند طه حسين على ما يُسَمَّى بـ"الدعابة المغرضة tendentious, أو التندر الوظيفي الذي يشبع في المقال بعض الميول النزالية, أو الأغراض السياسية". وفي مقال طه حسين، نجد أن هذا العنصر الكاريكاتيري يفترض دائمًا وجود "الآخر" الذي يسخر منه، أو يهزأ به، وهو بذلك يؤدي وظيفته

стр. 338

الاجتماعية، من حيث ترديد الأصداء ونشر الإشاعات الساخرة، ولكنه ظاهرة اجتماعية ترتبط بدائرة مغلقة، هي دائرة المقال الصحفي في مكان وزمان معينين، الأمر الذي يجعلنا حين نريد تفهم السخرية على حقيقتها في مقال طه حسين، أن نحدد الوظيفة النافعة التي تقوم بها, وهي في صميمها وظيفة اجتماعية، فالفكرة الموجهة في دراسة برجسون١، للضحك هي أن الظاهرة التي نحن بصددها لا تخرج عن كونها استجابة لبعض مطالب الحياة الجمعية، بمعنى أنه لا بُدَّ من أن تكون لعنصر التندر في المقال الكاريكاتيري دلالته الاجتماعية. ومن نماذج التندر الوظيفي في مقال طه حسين، اعتماده على هذا العنصر في مدخل مقال بعنوان: "إنذار"٢.. يقول فيه: "كانوا يخوضون في ألوان مختلفة من الحديث، فقال قائل منهم: زعموا أن من أكل السمك، وشرب اللبن، ثم دخل الحمام لم يخرج منه إلّا مجنونًا, ولم ينكر على هذا القائل قوله من أصحابه، وكانوا كثيرين، إلا رجل واحد ألح في الإنكار والمماراة حتى ضاق به أصحابه، وحتى أقسم هو ليأكلنّ السمك، وليشربنَّ عليه اللبن, وليدخلن بعد ذلك الحمام، وليخرجنَّ منه موفور العقل متزن الطبع، معتدل المزاج. ورآه الناس بعد ظهر ذلك اليوم يطوف في شوارع القرية ويقف بأنديتها ومجالس أهلها عاريًا قد جمع ثيابه كلها على رأسه، واندفع في ضحك مخيف وهو يقول: زعموا أن مَنْ أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام لم يخرج منه إلا مجنونًا. وقد فعلت ذلك كله، افترون علي أثرًا من آثار الجنون، أو مظهرًا من مظاهر الاضطراب. "والذين يعرفون هذه القصة التي يتندر بها الناس إذا ذكروا أكل السمك، وشرب اللبن، ودخول الحمام، لا يملكون أنفسهم أن يذكروها ويضحكوا منها ويغرقوا في الضحك إذا رأوا صحف الوزارة في هذه الأيام، ولا سيما إذا قرأوا الاتحاد التي ظهرت أمس، والشعب التي ظهرت اليوم"٣.. إلخ. ثم يستمر بعد ذلك في التندر بما جاء في الصحيفتين، بحيث يبدو للقارئ عند نهاية المقال أن هذا التندر لم يذكر إلّا من أجل هاتين الصحيفتين موضع السخرية النزالية. ويذهب في توضيح استخفاف خصومه بالمنطق، إلى استخدام منطقٍ جديد يختلُّ فيه القياس، كما تبيَّن من قصة الرجل الذي أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام.. فالاختلال في المنطق مقصود لأجل تحقيق السخرية، ويذكرنا هذا الاستخدام الوظيفي للتندر في المقال الصحفي بقياس "أبيمنيدس الكريتي" الذي يقول فيه: "إن كل

стр. 339

أهل كريت كاذبون" وبما أن أبينمنيدس نفسه من كريت، إذن فهو كاذب, ومن ثَمَّ فإن أهل كريت صادقون ... إلخ. ومن أصداء هذا الاستخدام الوظيفي في نماذج عديدة من المقال النزالي، نذكر لطه حسين مقالًا بعنوان: "جنون"٤ يقول فيه: "هو فنون من غير شك، فمنه الهادئ المطمئن، ومنه الهائج الحاد، ومنه الوادع الأنيس، ومنه النافع الجامع، ومنه ما يكون في الصمت، ومنه ما يكون في الكلام، ومنه ما يكون في السكون والاستقرار، ومنه ما يكون في الحركة والاضطراب، ومنه مايكون ضحكًا، ومنه ما يكون بكاء، ومنه ما يكون فنونًا أخرى لا سبيل إلى إحصائها إلا أن تقرأ كتب الأطباء، أو تسأل القائمين على المجانين في سراي العباسية، تلك التي ذكرها أحد النواب أمس، والتي زعم أنها تخرج لمصر سادتها وقادتها الذين يشرفون على أمورها، ويدبرون مرافقها هذه الأيام"؟!! "لا يعجب القراء، ولا يضغب النواب، ولا تسخط الحكومة، ولا تنشط النيابة، فأقسم ما ذكرت الجنون ولا فكرت فيه، وما كنت لأذكره الآن أو أفكر فيه، لولا أني قرأت صحف الصباح، فإذا بطل من أبطال النواب، يخطب في الاستجواب فيشرد الحساب، ويدخل من كل باب، حتى إذا انتهى إلى الأزمة وما تحتمل مصر من أثقالها، وتلقي من أهوالها، وذكر الصيارف وأمر الصيارف، وذكر شدة الحكومة في جباية الضرائب، وتجشُّم الفلاح للخطوب، واحتماله للكروب، وصبره على المكتوب، لم يشك في أن الذين يخضعونه لهذه المحن ويبتلونه بهذه الفتن إنما هي من خريجي سراي العباسية، ثم استنزل رحمة الله وعفوه ورضاه على سيده ومولاه قراقوش!. "فلست أنا الذي ذكر الجنون وفنونه، ولست أنا الذي ذكر قصر العباسية ومن فيه، ولكن من حقي فيما أظن إذا جرت ألسنة النواب بمثل هذا الكلام، أن أقف عنده وأتبين معناه، وأَدُلُّ الناس على خفاياه"١. ومن ذلك يبين اختلال القياس في نظام الحكم الذي ينازله مقال طه حسين, وهو الاختلال الذي يقوم على أداء الوظيفة الاجتماعية للمقال، والتي يكشف عنها المقال في خاتمته بسخرية مرة لاذعة. "ليتَعَزَّ هذا الشعب البائس التعس، أو ليعرض عن العزاء، ليصبر هذا الشعب البائس التعس، أو ليعجز عن الصبر، فليس للشعب خطر حين يتعزَّى، وحين يجزع، وليس للشعب خطر حين يصبر، وحتى يبلغ من اليأس، ما دام النواب يخطبون فيبرعون في الخطابة، ويختصمون فيتفرقون في الخصام،

стр. 340

وينتهي الأمر إلى أن تظهر الحكومة بالشكر، وتنصرف الحكومة، وإن لواء الانتصار ليخفق على رءوس الوزراء!! "٢. وهكذا يكشف المقال عن منطق زائف يقوم على اختلال القياس، ويسخر من نظام الحكم المنعزل عن الشعب، وكأنما يقوم بوظيفة "الجزاء الاجتماعي" الذي يسخر من منطق مختل, هو منطق "سراي العباسية" كما جاء في المقال؛ بحيث يبين لنا بوضوح أن "المغالطة" التي يقوم عليها المقال ليست مجرد فكاهة بريئة، وإنما هي مغالطة وظيفية تخدم أغراض النزال. وهنا نجد في نماذج المقال الكاريكاتيري عند طه حسين، "غرضًا" أو "وظيفة" تكمن وراء ذلك العرض الكاريكاتيري للمقال، وسواء كانت هذه الوظيفة اجتماعية أم نزالية أم معبِّرة عن أية أغراض أخرى، فإن من المؤكد أنها تكمن وراء الكثير من النوادر البريئة التي قد يوردها المقال بحسن نية في مظهرها، ومن ذلك يستمد المقال الكاريكاتيري طابعه الساخر المضحك لما يشيع فيه من وظيفية في البناء والتحرير. ونذكر في هذا الصدد مقالًا بعنوان: "حصار"١ يقول فيه طه حسين: "أقبل إلى مكتبه صباح يوم من الأيام، وجلس إلى مائدة عمله حيران واجمًا, ثم أخذ قلمًا وعبث به شيئًا من الوقت ثم ألقاه، ونظر أمامه دون أن يرى شيئًا، وفتح أذنيه جميعًا فلم يسمع شيئًا، والتفت عن يمينٍ واستلقى في كرسيه، ثم انحنى على مائدته، ثم أهوى بيده إلى زرٍّ كهربائي فمسَّه مسًّا, كان يريد أن يجعله رفيقًا خفيفًا، ولكن اضطراب نفسه جعله قويًّا عنيفًا، وأقبل الخادم مسرعًا, فألقى إليه أسماء في غير ترتيب ولا نظام، ولا لقب ولا شيء آخر، وإنما هي أسماء يجري بها لسانه، فتنفذ في أذن الخادم كما ينفذ السهم، ثم يسكت وينصرف الخادم وفي نفسه شيء غريب يحدِّثُه أن أمرًا ذا بال يملأ قلب الوزير خوفًا، ونفسه فزعًا واضطرابًا, وأغلق الخادم الباب من ورائه، وظل الوزير حيران واجمًا قلقًا في مكانه، ينفق جهدًا غير قليل؛ ليحتفظ بما يجب للوزراء من مظاهر الهدوء، واستقرار القلوب في الصدور. ويُفْتَح الباب ثم يغلق, وقد دخل فلان, وما يكاد يصافح الوزير حتى يفتح الباب ويدخل آخر، وتتصل هذه الحركة: باب يفتح، وشخص يدخل, وثغر يبتسم عن خوف، وثغور تبتسم عن جدة، وأيد تلتقي، وكراسي تقرب من المائدة، وأجسام تستوي عليها, ثم تهدأ الحركة، وتستقر الغرفة، ويصدر أمر الوزير بأن لا يفتح الباب إلّا إذا دقَّ الجرس، مهما يكن الأمر، ومهما يكن الطارق منا أو الطارقون.

стр. 341

"ثم يسكت الوزير لحظة مقيدة كأنه يجمع الخواطر المشردة في نفسه، أو كأنه ينفذ من هذا الصمت وسيلة يهيئ بها من حوله للاستماع له, ثم يتكلّم فلا يخبر بشيء ولا ينذر بشيء، ولكنه يسأل عن شيء, يسأل أصحابه: - أقرأتم الصحف؟ فيقولون: نعم. الوزير: أرأيتم؟ القوم: ماذا؟ الوزير: ألم تروا شيئًا؟ القوم: شيئًا يستحق العناية.. لا. أحدهم: كل شيء هادئ مطمئن. الوزير: كل شيء هادئ مطمئن. أحد القوم: ليس في الصحف شيء غير عادي. ومن ذلك يبين استخدام القالب القصصي، واستخدام عنصر الحوار استخدامًا كاريكاتيريًّا يؤتي وظيفة السخرية التي ينطوي عليها هذا القالب القصصي. خصوصًا وأن فيها من المفاجأة التي يدور حولها موضوع المقال، وهي سَفَر النحاس إلى سمنُّود١، "وهو الأمر الذي كان يقض مضاجع الوزارة الصدقية"، حين يسافر في كل عيد وتحتاط الوزارة لسفره، وتحتاط لإقامته، وتحتاط لعودته٢ ويتخذ طه حسين من هذا الأمر موضوعًا للسخرية من نظام الحكم الذي لا يقوم على أساس شعبي من جهة، ولتأييد سياسة الحرب الذي يعبر عنه في مقاله من جهة أخرى, وهو هنا "حزب الوفد"، من خلال أسلوب قصصي كاريكاتيري يوفِّر على كاتبه بهذا التلميح, وبذلك الإيحاء غير المباشر الإشارة الصريحة السافرة، أو النزال العلني النابي. ويتوسَّل بهذا الأسلوب الكاريكاتيري كذلك في السخرية من وزارة إسماعيل صدقي، في مقال بعنوان: "درس"٣ يبين فيه العامل الذهني بوضوح، من خلال استخدام ذكائه ومنطقه وسرعة بديهته في السخرية, يقول طه حسين: "رئيس وزرائنا أستاذ تلاميذه الوزراء, يعلمهم كيف يحكمون، وكيف يدبرون أمور الشعب وفقًا لسياسته التي رسمها أو رسمت له, وهو يراقب حكمهم وتدبيرهم, فمن أجاد منهم أبقاه, ومن قصَّر منهم أقصاه!

стр. 342

"ووزير داخليتنا أستاذ تلاميذه المديرون والمحافظون وحكام الأقاليم, يعلمهم كيف يديرون أقاليمهم طبقًا للسياسة التي يمليها رئيس الوزراء, أو يبلغها إلى رئيس الوزراء, لهو يجمعهم إليه كلما سنحت فرصة للاجتماع, وهو يتصل بهم إذا لم يتمكَّن الشباب بلقاءهم، وهو إذا لقيهم مجتمعين، أو اتصل بهم منفردين، ألقى عليهم درسًا, ووجه إليهم أسئلة, فمن فهم الدروس وأحسن والجواب وأظهر ذلك بالسيرة العملية المرضية في سياسة الأقاليم وحكمها رقَّاه. ومن لم يظهر منه سَبْقٌ إلى الفهم، ولا مهارة في الجواب, ولا نشاط في السيرة العملية, تركه حيث هو، حتى يظهر تفوقه. ومن ظهر في فهمه التواء، وفي أجوبته انحراف، وفي سيرته اعوجاج عن السياسة المرسومة والخطط المعلومة، هبط به إلى إقليم دون إقليمه, أو انتزعه انتزاعًا من حكم الأقاليم!. "وقد كان أمس يومًا من أيام الدرس, ويومًا من أيام الامتحان, فقد اجتمع المديرون إلى أستاذهم الجديد ووزير الداخلية, فسمعوا منه وتحدثوا إليه, وتلقوا أسئلة وأجوبة عليها, وليس من اليسير أن نتعَرَّف بالتفصيل موضوع الدروس والامتحان, وإن قالت الصحف أمس واليوم كما تقول دائمًا: إن الأمن العام كان موضوع الحديث في هذا وذاك, ولكن من المرجَّح إن لم يكن من المحقَّقِ أن الدرس الذي ألقي صباح السبت على المصريين جميعًا, وعلى وزراء العالم كله ورجال الإدارة فيه, كان موضوع الحديث في درس أمس -ولعلك تذكر أن هذا الدرس قد ألقي في الهواء الطلق, ولم يكن محاضرة يكثر فيها الكلام, ولا مناظرة ينعقد فيها الحوار، وإنما كان درسًا عمليًّا أشبه بالتمرينات التي يؤخذ بها الطلاب في فصول الدرس. وكان موضوعًا معقدًا بعض التعقيد، زعيم أو زعيمان يزوران شعبًا يحبهما, والشعب يلقاهما بأروع مظاهر الحب لهما والسخط على خصومهما. والحكومة تكره حب الشعب لزعمائه, وتشفق من سخط الشعب على سادته القاهرين له, وتريد أن تريح نفسها من مظاهر الحب للزعماء, والسخط على القاهرين؛ لأن هذه المظاهر تكذب ما شاع وملأ الأسماع وطبق آفاق الدنيا وتردد في أجواء السماء, من أن الشعب لم يبق له إلا زعيم واحد يحبه ويفنى فيه, ويفديه بالأمهات والآباء والأبناء، وبما كان يملك أيام الرخاء, وبما لا يملك منذ ألمَّ به الشقاء، وهذا الزعيم هو رئيس الوزراء١! ".. إلخ. ومن ذلك يبين أن عنصر التندر في الكاريكاتير المقالي عند طه حسين عنصر وظيفي, يسخر من كل ما من شأنه أن ينحرف بأية قيمة من القيم الكبرى نحو قيمة أخرى أصغر، أو نحو حالة انعدام تام للقيمة، وهو الأمر الذي يتفق مع مذهب "لالو" عالم الجمال الفرنسي المشهور٢. والذي يقرر أن

стр. 343

الموقف الخطير الذي لا يلبث أن يتكشَّف عن موقف تافه عديم الأهمية يستثير لدينا الضحك، كما تبين من النماذج المقدرة، حيث يتخذ طه حسين من المواقف الوزارية التي تبدو أمام الوزارة جدية خطيرة، مجالًا للسخرية منها بتحويلها إلى مواقف تافهة تستثير الضحك، وفي هذه الحالات -كما يقول شارل لالو٣- ينشأ الضحك عن عملية "هبوط في القيمة تعبِّر عن انتقال مفاجئ من نغمة عليا إلى نغمة دنيا. والهبوط في القيمة يساوي في مقال طه حسين: التباين + الانحلال, وهكذا يقوم عنصر التندُّر في الكاريكاتير المقالي عند طه حسين على إظهارنا على المثالب والعيوب حتى نضحك منها، وليس من شأنه أن يكشف عن المحاسن والميزات حتى نعجب بها، وهو على هذا الفهم، يقوم بوظيفة النزال الصحفي من خلال نقد القيم السياسية, بمناسبة ظهور تفاوت بين قيمتين من بينها، وهذا النقد يتخذ صورة نغمتين متنافرتين يأتلف من مجموعها عمل فني، هو المقال الكاريكاتيري في نهاية الأمر. نخلص مما تقدَّم إلى أن المقال الكاريكاتيري عند طه حسين مقال صحفي وظيفي يقوم على العقل، ذلك أنه يقوم على السخرية الوظيفية, وليس على الفكاهة اللاوظيفية. والسخرية في كاريكاتير طه حسين تعتمد على الذكاء, فهي على نقيض الفكاهة تمامًا, ذات طابع وظيفي يتوسَّل بها طه حسين لتقوم بالتصحيح الاجتماعي "من حيث صيانة الاستقرار الفكري, والاتحاد العاطفي في المجتمع المصري ضد شتى عوامل التنافر والمفارقة أو الإعراب، كما يتوسّل بالكاريكاتير في مقاله إلى نقد الخارجين على المجتمع المصري، وقد يقوم بوظيفة النقد والإصلاح بالنسبة للجماعة ذاتها، كما تقدَّم، وهو أيضًا وسيلة فعالة لتحقيق ضربٍ من التغير الاجتماعي، فالمقال الكاريكاتيري في الفن الصحفي إذن يقوم بوظيفة المصلح الاجتماعي إلى جانب وظيفته كجزاء اجتماعي. كما أن العنصر الإدراكي، إلى جانب هذا العنصر الوظيفي في مقال طه حسين, يقترن بطابع السخرية المصرية التي تنصبُّ على "الجلافة والغفلة, فمثال الرجل الكامل عند المصريين هو اللبق اليقظ الذي يتجنب الخشونة, ويفطن للخداع والمراوغة, فلا تجوز عنده حيلة، وأي شيء هو أدنى إلى الطبيعة المصرية وأشبه بالتاريخ المصري من التراكم على هذا الأسلوب! "فالجلافة في القول أو في التصرف هي أول شيء يضحك منه أبناء أمة قديمة الحضارة, مصقولة الحاشية, تأنَّقت في الكلام حتى جعلته فنًّا كثير اللحون والإشارات، وتأنَّقت في الكياسة وآداب المعاملة والمعاشرة حتى جعلتها فنًّا كثير المراسم والأصول, لا يتقنه إلا من نشأوا عليه بالتربية والمرانة. أما الغفلة: فالمصري يزدريها ويزدري من يقع

стр. 344

فيها؛ لأن الحوادث والنظام قد أحوجته إلى الحيلة وحسن التخلُّص, واضطرته إلى التصرُّف بين الناس على حذر وكياسة توافق مصلحته وتليق بأدبه"١، ولذلك وجدنا المقال الكاريكاتيري عند طه حسين يقترن بضرب من التنويه الخفي والتلميح الذكي، كما تبين من النماذج المتقدمة، حيث يشير من طرف خفي إلى شيء أو حدث أو شخص، قد يكون هذا الشخص وزيرًا أو رئيسًا للوزراء، دون أن يعرب صراحة عمَّا يقصد، كما يبين من الكاريكاتير السياسي في المقال، وكما تبين من الكاريكاتير الصحفي عند طه حسين بصفة خاصة، حيث يقتضي هذا النوع من الكاريكاتير المقالي النزالي، تفوقًا في النزال أو الهجوم "aggression", لكي يعرب بطريقة رمزية عن شعور العداء أو الرغبة في المهاجمة أو النزال. وقد يكون من الحديث المعاد أن نقول: إن الكاريكاتير الوظيفي في المقال الصحفي العربي في جانب كبير منه عملية عقلية تقترن بالكثير من مظاهر النشاط الذهني الذي تميز به: كالفطنة وسرعة البديهة والسخرية والتهكُّم والقدرة على التلميح والبراعة في الردِّ والتفنُّن في استخدام الأسرار اللغوية العربية.. إلخ، ولكن على الرغم من استخفاف المقال الكاريكاتيري بأحداث الواقع السياسي أو الاجتماعي، فإن هذا الاستخفاف لا يخلو من صبغة عقلية ناقدة تميَّزَ بها طه حسين، يخاطب من خلالها عقول قرائه أكثر مما يخاطب العاطفة والوجدان. ولو أننا رجعنا إلى تصنيف بعض علماء النفس لضروب الهزل، لوجدنا أنهم يقسمونها إلى ثلاثة أنواع هي "الفكاهة" "Humour" و"النكتة" "Espirt" والكوميديا "Comique", وتقابل هذه الأنواع الثلاثة في حياتنا النفسية، على التعاقب، الوجدان والنزوع والإدراك١. فالكوميديا هي من بين ضروب الهزل جميعًا أقربها إلى الكاريكاتير المقالي, من حيث القرب إلى قطب الإدراك أو العرفان أو المنطق، فالمقال الكاريكاتيري بالتالي "فن عقلي" يقوم كغيره من فنون المقال الصحفي على النشاط الإبداعي, وإذا صحَّ ما قاله "دولاكروا"٣ من أن الفن صناعة خلق أكثر مما هو وجدان وعاطفة. فإن من واجبنا أن نطبق هذه الحقيقة على فن المقال الكاريكاتيري فنقول: إنه هو الآخر قدرة عقلية على تنظيم الواقع في جسم حي هو ما نسميه بالمقال الكاريكاتيري. ولكن المقال الكاريكاتيري كأثر فني بهذا المعنى ليس تصويرًا للقيم العليا والمثل الأخلاقية السامية، وإنما هو تحوير لمثالب الواقع وعيوبه ونقائص أشخاصه ومظاهر ضعفهم, في إطار ينطوي على "انسجام معكوس

стр. 345

Harmonie Invarste٣, وأخيرًا, فإن هذا الفن المقالي الكاريكاتيري يقوم عند طه حسين على صفات ذاتية؛ منها ظرفه في الأسلوب، وخفة الظل في الكتابة كأحسن ما تكون خفة الظل عند الإنسان المصري، وسعة الأفق, والذخيرة الهائلة من التجارب الإنسانية التي خبر بها الناس خبرة جيدة، وتنتظمها ثقافة عريضة متعسّفة في بعض المجالات. وفي الصحافة يتسع المجال للانتفاع بهذه الميزات، التي تتيح للمقال أن يتجه نحو "الكلي" أو "العام" من خلال نمذجة صحفية عامة، لشخصيات سياسية أو اجتماعية تعبِّر في الغالب عن ضربٍ من الانحراف عن المجتمع وقيمه ومُثُله العليا. وهذا ما يفعله على وجه التحديد عالم التاريخ الطبيعي حينما يجد نفسه بإزاء "نوع" واحد، فيحاول أن يصنِّف وأن يصف شتى الفصائل التي تندرج تحته١. ومن هنا فإن روح الانتقاد التي تميَّزَ بها طه حسين وجدت مرتعًا خصيبًا في شخص الآخرين. فاتجاه المقال الكاريكاتيري نحو الغير هو الذي أكسبه طابع "العمومية" الذي يتميز به الكاريكاتير.

стр. 346

الفصل العاشر: المقال التحليلي والتقويم الصحفي مدخل ... الفصل العشر: المقال التحليلي والتقويم الصحفي نتحدث في هذا الفصل الأخير عن فنٍّ مقالي جديد في صحافة طه حسين، ونعني به المقال التحليلي وارتباطه بالتقويم الصحفي. ويقوم هذا الفن المقالي على ارتباطه بحدث جديد تجذب حيويته أذهان الناس وانتباههم، أي: "بالحدث الحي١" -إن جاز هذا التعبير، بالقياس إلى الناس, أو بالقياس إلى الكاتب نفسه، حين لا يجد بُدًّا من لفت انتباه الناس إليه. ولهذا فإن "التحليل الصحفي" يتعيّن عليه أن يطفئ رغبة ما لدى القارئ, سواء أدرك هذه الرغبة بنفسه, أو كانت هناك مصلحة -قد لا يتبينها القارئ- لتبصيره بها٢. وبالقياس إلى الدكتور طه حسين، فإن التحليل الصحفي والتحليل الثقافي الذي تحدَّثنا عنه في "العمود الثقافي" يصدران عن رؤيا وظيفية شاملة، تجعل من المقال همزة الوصل بين العمل الغامض أو الصعب، وبين القارئ، متوسِّلًا في ذلك بكفايات عديدة جعلت منه مبسطًا بارعًا، كما تقدَّم، إلى جانب اطلاعه المتجدد على عديد من الموضوعات التي ترفد التحليل الصحفي كالتاريخ والعلوم السياسية وعلم الاجتماع وعلم النفس. كما أنه متجدد الاطلاع على الصحف المعبِّرة بالفرنسية في مصر وأوربا، إلى جانب الصحف العربية، وهذا النوع من الاطلاع يصدر عن عقلية ناقدة تتيح له استخدام أخبارها وتحليل اتجاهاتها من خلال تقويم صحفي يقوم على إدراك العلاقات واستخراج التعميمات منها. والدلائل على مقدرته هذه في مقالاته الصحفية، أكثر من أن تحصى، ولكن إذا كانت القدرة على التنبء هي مقياس التحليل الجيد، فمن الجدير بالملاحظة أن طه حسين قد تنبأ بأحداث سياسية عدة، وأحداث اجتماعية عديدة، قُدِّرَ لها أن تتحقق، مثل تنبئه باستقالة الوزارة النسيمية في العشرينات, والوزارة الصدقية في الثلاثينات, وما إلى ذلاك.

стр. 347

التحليل الصحفي مدخل ... أ- التحليل الصحفي: وإذا كان طه حسين قد تمثَّل وظيفة التفسير والتبسيط في "التحليل الثقافي" كما تقدَّم، فإن هذه الوظيفة من أهم وظائف الفن الصحفي الحقيقي، لأنها تدور حول التفسير وإلقاء الضوء على الأنباء، وبيان آثار الأحداث في حياة الناس١. الأمر الذي يقتضي إتقان الفن الصحفي، وهضم المسائل العويصة، وسبر أغوارها بحيث يستطيع كاتب المقال التحليلي أن يتحدث عن أعظم الحقائق في أبسط الألفاظ٢. ولقد تبين من دراسة مقومات الاتصال الصحفي عند طه حسين توافر هذا الإتقان، الذي ينتج مقالًا تحليليًّا في لغة الاتصال بالجماهير، التي تتميز بالبساطة والوضوح، والوظيفية الهادفة في أداء المضمون الصحفي. من هنا يمكن القول أن "التحليل الصحفي" عنصر مكمّل "للنبأ" بمعنى أنه "يثريه" ويكسب مدلوله دلالات أوسع، ويقربه للقارئ ولاهتماماته، بل قد يثير لديه اهتمامات جديدة, ويوسع أفقه بما يجذب انتباهه، وما يمتد إليه فضوله٣. على أن "التحليل الصحفي" يضيف كذلك عنصر "الرأي" إلى "عنصر الخبر", ويكسب فهمه للحدث عمقًا، كما يتيح فرصة تصور معاني للحدث من أكثر من زاوية، وانطلاقًا من أكثر من رؤية. غير أن "التحليل الصحفي" عند طه حسين يضيف إلى هذين العنصرين عنصرًا ثالثًا مستفادًا من رؤياه النقدية، ونعني بهذا العنصر "التقويم", الذي لا يقتصر فقط على مجرد نقل النبأ وعرضه، أو إبداء الرأي فيه، ولكنه "يقوم" الرأي و"يقوم" النبأ، من خلال رؤياه الصحفية والفكرية لموضوع المقال.

стр. 348

أولًا: "توقيت" المقال التحليلي ويبين مما تقدم أن عامل التوقيت أو الجدة الزمنية، يقتضي من التحليل الصحفي أن يقوم على نبأ جديد، يفضل أن يكون هذا النبأ منشورًا في نفس العدد الذي يقدَّم فيه التحليل١. على أن هذه القاعدة تتضمَّن بعض الاستثناءات، منها، أن التحليل في بعض الأحيان يتعين عليه أن يسبق حدوث الحالة الخبرية، وأن يتركَّز أو ينطوي على عناصر توقع، متعرضًا بالدراسة للاحتمالات المنتظرة. ومن ذلك ما كتبه طه حسين بعنوان: "غيوم"٢، يقول في هذا المقال: "يظهر أن بجوِّ السياسة المصرية الخارجية غيومًا، لعلها خفيفة رقيقة ليس وراءها شيء، ولعلها ثقيلة خفيفة وراءها أشياء، ولعل الأيام المقبلة

стр. 349

تكشف عما تحجب هذه الغيوم من خير أو شر, ولكن الشيء الذي لا شك فيه, هو أن من الواجب العناية بهذه الغيوم وتتبعها في دقة وفطنة، ومن الواجب أيضًا أن يجدَّ المصريون في أن يقفوا منها موقف الصراحة التي لا تحتمل شكلًا ولا تأويلًا، وما الذي يمنعهم من ذلك وآمالهم ومثلهم العليا في حياتهم الداخلية, وفي علاقاتهم الخارجية واضحة كل الوضوح، جلية كل الجلاء، ووسائلهم إلى تحقيق هذه الآمال والوصول إلى هذه المثل العليا لا غموض فيها ولا إبهام١" إلخ. ومن ذلك يبين أن التحليل يقوم على عناصر توقع، وهو لذلك يحاكم الأمر من جميع وجوهه، واقفًا تجاه الموقف السياسي الذي يتناوله في صلب المقال موقف الباحث المتشكك، الأمر الذي يكشف عن عناصر توقع، تزرع الشك في عقل القارئ، كما يبين من خاتمة هذا المقال: "كل هذه مسائل يخوص فيها الناس من المصريين والأجانب, فتثير في نفوسهم شكوكًا وريبًا, وتخلق جوًّا ردئيًا قوامه سوء الظن وفساد الرأي وضعف التعاون الذي يجب أن يكون بين الذين يعشون على ضفاف النيل من المصريين والأجانب، كلٌّ يرتاب بصاحبه, وكلٌّ يخاف من صاحبه". على أن التحليل الصحفي في مقال طه حسين حين يسبق وقوع النبأ. يتوسَّل بهذا الأسلوب الاستقرائي الذي يضمن سلامة التحليل، ويسلك طريق العقل والمنطق والمحاكمة، وهي سبل العالم المحقق التي تميز بها في دراساته العلمية، وهي السبل التي توسَّل بها لكي يشعر القارئ بأهمية التحليل من جهة، ولكي يواجه المقتضيات الصحفية والسياسية من جهة أخرى، لما تفرضه من تحيز مسبَّق، وبحيث يبدو المقال التحليلي في نهاية الأمر متخذًا شكل الدراسة للاحتمالات المنتظرة أو المتوقفة. ولعل من أسباب التجائه إلى هذا الأسلوب في التحليل، اتجاه بعض الوزارات إلى الصمت، وعدم إصدار برامج سياسية واضحة، الأمر الذي يجعل من هذا الأسلوب أسلوبًا محتَّم الاستعمال في التحليل، لما يتيحه من توقع ومناقشة، كما يبين من مقال: "بم يخفق البرق٢" السابق الإشارة إليه، والذي يتناول فيه بالتحليل ما ذهبت إليه صحيفة الوزاراة الإدارية قبل صدور دستور ١٩٢٣، وهي صحيفة "الأفكار" بأن "دار المندوب السامي قد عرضت على الوزارة مطالب, وبأن الوزارة قد عرضت على دار المندوب السامي آراءها في خطة سياسية جديدة, وبأن الأسلاك تذهب وتجيء بالكلام الكثير بين لندرا والقاهرة في هذه الخطة السياسية الجديدة٣".

стр. 350

والسؤال الذي يطرحه طه حسين في التعليق على هذا النبأ، يفسِّر أسلوب التحليل الصحفي الذي يلجأ إليه عن عمد، يقول معقبًا: "فهل هذا حق؟ وإذا كان حقًّا فما هذه الخطة السياسية الجديدة؟ وما موضوعها, وما غايتها, وما الذي يقصد بها إليه؟ أسئلة تلقى, وأجوبة تنتظر. ولكن الأسئلة ستلقى دائمًا, والأجوبة ستنتظر دائمًا. فنحن في عهد صمت وغموض قد أقسمت الوزارة فيه ألَّا تقول شيئًا, وأراد سوء الحظ ألا تعمل شيئًا. فلنسأل ولنسأل دائمًا, فستسكت الوزارة وستسكت دائمًا, ولنلح ولنلح كثيرًاو فستظلّ الوزارة كما هي صامتة واقفة معلنة أنها لن تقول معتذرة إذا لم تعمل. يئسنا من القول وسنيأس من العمل أيضًا, وكل شيء يدل على أنَّا غير مخطئين حين نتنبأ بهذا اليأس. فإن وزارة تعلن أنها ليست وزارة قول, وأنها تزدري الكلام قليله وكثيره, وتسخر من الوعود على اختلافها, وأنها تُؤثِرُ العمل وتكلف به, وتريد أن يكون هذا العمل وحده مقياسًا لحكم الناس عليها ورأيهم فيها. ونقول: إن وزارة تعلن هذا كله ثم يمضي عليها اليوم والأسبوع والشهر دون أن تقول ودون أن تعمل, لا يمكن أن تكون وزارة عمل, كما لا يمكن أن تكون وزارة قول١". ومن ذلك يبين أن عنصر "التقويم" في التحليل الصحفي غير منفصل عن الاتجاه الحزبي عند الكاتب من جهة، وغير منفصل من الأحداث الخبرية من جهة أخرى، فهو ينتقل بعد ذلك إلى مناقشة نبأ "الأفكار" الذي لم تعلنه عبثًا، وإنما هو جزء من مقال موحى به من إحدى السماوات السياسية في مصر وهي كثيرة٢". ثم يحشد المقال بسيل من التساؤلات التي تفسِّر نبأ هذه الصحيفة، في ضوء حركة الأحداث بهدف التشكيك في وجود خطة سياسية، كما زعمت الصحيفة، منها: "أليس من الممكن أن يكون موضوعها تصريح ٢٨ فبراير؟ وأن تكون وزارة الشعب جادة في إرضاء الشعب؟ فقد سمعنا صحف الشعب تنكر هذا التصريح, وسمعناها غير مرة تقول: إن وزارة الشعب لا ترضى عن هذا التصريح ولا تطمئن إليه, فليس من البعيد أن تسعى وزارة الشعب في إلغاء تصريح ٢٨ فبراير تحقيقًا لإرادة صحف الشعب. وإذا كان الأمر كذلك, فماذا يرد استبداله بهذا التصريح؟ فنحن نعلم أن الوزارة وزارة عمل, وعمل إيجابي. والإلغاء وحده سلب لا إيجاب, فهل هناك تصريح سيصدر في ٢٨ يناير

стр. 351

ليخلف تصريح ٢٨ فبراير؟ وما عسى أن يكون هذا التصريح, وما عسى أن يكون مقدار تغييره "للحالة السياسية بين مصر وإنجلترا؟ أتنزل فيه إنجلترا عن التحفُّظات كلها أو بعضها؟ أتنكر فيه إنجلترا كتاب لويد جورج إلى وزراء -المستعمرات؟ أتعدل إنجلترا عن تبليغها للدول تصريح ٢٨ فبراير, وما جاء في هذا التبليغ؟ هل تحقق وزارة الشعب آمال الشعب"١. وتكشف هذه التساؤلات التي لجأ إليها طه حسين في مقاله التحليلي عن ضرورة اللجوء إلى هذا الأسلوب الاستقرائي التشككي في التحليل، ذلك أن النبأ الذي نشرته صحيفة "الأفكار" نبأ مبتور مستكمل، كما تقدَّم، فهو يكتفي بأن هناك "خطة سياسية جديدة يخفق بها البرق, وتضطرب بها الأسلاك بين لندرا والقاهرة"٢، فالأسلوب الذي يلجأ إليه طه حسين في تحليل هذا النبأ، يتجه إلى أن يستقرئ ويضيف إلى النبأ البيانات الخلفية التي لا يعرفها القارئ، والتي لا تكتمل الصورة الخبرية إلا بتسجيلها. ولذلك يتوقَّف طه حسين عند كل "معنى" تغلفه علامة تساؤل؛ ليقدِّم للقارئ الإجابة التي تنساب ضمن التحليل الصحفي، فيحسّ القارئ بعد انتهائه من قراءة المقال أنه فاهم لكل شيء. ويبين إحساس طه حسين بقارئه من خلال التحليل الصحفي، من الخاتمة التي ختم بها مقاله، للإجابة عن التساؤلات التي طرحها في صلب هذا المقال: "وبينما نحن في هذا التفكير نتساءل عن هذه الخطة السياسية الجديدة, وعن موضوعها ونتائجها، أقبل مقبل فقال: إنك لتكلِّف نفسك عناء لا خير فيه, فليس هناك خطة سياسية جديدة, وكل الأمر أن المفاوضة -إن كان هناك مفاوضة- لا يمكن أن تتجاوز هذا الحادث المؤلم الذي وقع منذ أيام, فكثرت على أثره واشتدت مطالب الإنجليز. فهل هذا صحيح؟ "وما عسى أن يكون موقف الحكومة إزاء هذه المطالب الكثيرة الشديدة؟ أحق أن الأحكام العرفية لن تلقى الآن؟ أحق أن المبعدين لن يعودوا الآن؟ أحق أن المعتقلين لن يخرجوا الآن؟ أترضى الوزارة من الإنجليز المطالب؟ أتقبلها؟ قالوا -ولعلهم لم يصدقوا فيما قالوا: إن الوزارة أمضت هذا الزمن الطويل دون أن تتحدث إلى الإنجليز في أمر الأحكام العرفية, ولا في أمر المبعدين والمعتقلين. وقد نشرت الصحف أن الإنجليز أنفسهم قد تحدَّثوا إلى الوزارة بعد هذا الحادث المؤلم في هذه الأمور كلها, فماذا قالوا؟ وماذا قالت الوزارة؟

стр. 352

وماذا اعتزموا؟ وماذا اعتزمت الوزارة؟ ألا تصدر الوزارة في هذا للناس بلاغًا أو نصف بلاغ"١. ومن هذه الخاتمة يبين كيف زرع طه حسين الشكَّ في نفس القارئ من خلال أسلوبه الاستقرائي تجاه نبأ "الأفكار", وكأنه يترك لقرائه الخيار في تصديقه أو عدم تصديقه، والحق أن الكاتب لم يعتبر الخبر أمرًا مسلَّمًا به، فطلب من الوزارة أن تصدر "بلاغًا أو نصف بلاغ". على أن المقال في مجموعة كما يبين من عنوانه: "بم يخفق البرق", مقال تحليل يسبق حديث الحالة الخبرية، وينطوي التحليل على عناصر توقع، كما أظهر العنوان اتجاهه إلى استقراء الاحتمالات المنتظرة.

стр. 353

ثانيًا: التعليق على الخبر بعد وقوعه ذلك أن هناك أنباء قد تحيط بها جوانب غموض تستدعي الترتيب قبل تقديم التحليل, أو تستدعي استكمال بعض المعلومات لضمان صحة التحليل، وعدم ارتكاب أخطاء فادحة، وفي هذه الحالة يتأخر التحليل عن الحالة الخبرية، ويجيء نشره في عدد لاحق من الصحيفة. وعند طه حسين، نجد أنه يعقِّبُ مباشرة على الخبر بعد وقوعه، لكيلا تنتفي القاعدة المعروفة من قواعد الصحافة، ونعني قاعدة: "الجدة الزمنية، ومناقشة الحدث فور وقوعه, وهو ما زال حدثًا حيًّا، ذلك أن التحليل حين يتأخر دون مبرر يتحول من "تحليل صحفي" إلى دراسة أكاديمية، ويمكن أن يقال "بشكل عام: إن تحليلًا صحفيًّا قيمته ٥٠%, وينشر في لحظة وقوع الحدث، أفضل صحفيًّا من تحليل قيمته ١٠٠% وينشر بعد وقوع الحدث بيوم أو أكثر"١. وهذه القاعدة نسبية بطبيعة الحال، ولكنها تشكِّل اتجاهًا عامًّا في المقال التحليلي عند طه حسين، يقوم على قدراته التحليلية التي تضمن له التحليل الوقتي على النحو الأفضل. وفي معظم المقالات التحليلية عند طه حسين، نجد موضوع المقال تعليقًا على خبر نشرته الصحف في اليوم السابق على صدور الصحيفة, أي: في نفس اليوم الذي يكتب فيه المقال، كما نجد ذلك في مقال بعنوان: "تحريض"٢ يقول: "وقد نشرت "الجهاد" أمس، وأول أمس أخبارًا عن مذكرة سياسية

стр. 354

قيل إنها قدمت من دار المندوب السامي إلى رئيس الوزراء، وقيل إنها أحدثت شيئًا من الاضطراب غير قليل في بعض البيئات السياسية، فضاقت الوزارة بما نشرت "الجهاد", وكذبته في بلاغ رسميّ أذاعته أمس، وكان بلاغها الرسمي حازمًا مسرفًا في الحزم، وقد تعود الناس في هذه الأيام أن يحترموا بلاغات الحكومة الرسمية، على نحو ما احترمت "الأهرام" بلاغها الرسمي الذي أصدرته منذ أيام تكذب فيه ما أذيع من حديث رئيس الوزاء إلى زملائه في مجلسهم عن المندوب السامي، واللجنة الإنجليزية المصرية، فقد احترمت الأهرام هذا البلاغ, ولكنها أكدت ما قالت، وأكدته في حزم ليس أقل من حزم الحكومة في بلاغها، وتحدت الوزارة، واتهمت الوزراء بانهم أفضوا إليها بهذا الحديث الذي تكذبه الحكومة وتنكره، وانتظرت الأهرام نتيجة هذا التحدي، وانتظرته الصحف الأخرى أيضًا، وألح الناس على الوزارة أن تبين جلية الأمر في هذه القصة التي تزري بكرامة الحكومة، وتغض من قدرها، ولكن الحكومة ورئيسها تلقيا هذا التحدي، وهذا الإلحاح، بالنوم العيمق..١". ويستمر التحليل في "تقويم" السياسة الوزارية، إلى جانب استمراره في تقديم "التفسير" للنبأ في ضوء حركة الأحداث، ثم يتخذ من "بلاغ" الحكومة لصحيفة "الجهاد", والذي رأى فيه ألفاظًا تدل على شيء من الغيظ والحنق٢" وسيلة لتقويم سياسة الحكومة, "والحكومات كغيرها من الجماعات عرضة للغضب وعرضة للغيظ، ولكن الناس يحبون للحكومات أن تملك نفسها وتضبط عواطفها وتصطنع الحكمة, والرفق فيما تقول, وتتجنب طائفة من الألفاظ لم تخلق لها, ولا سيما حين تزعم لنفسها ما تزعمه حكومتنا من أنها تريد أن يجد الناس فيها الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة. فالحكومة تسرف على نفسها إذن إسرافًا شديدًا، حين تندفع في إصدار البلاغات من غير حساب, وتمكن صحفة كالأهرام من أن تحترم بلاغها, ولكنها تأبى تصديقها، ومن أن تتحداها وتسرف في تحديها. وهي تسرف على نفسها إسرافًا شديدًا، حين تعمد إلى الشتم والسب في بلاغاتها الرسمية، وهي تزعم أنها غيرت النظام وتشددت في قوانين الصحف، لتمنع الشتم والسب. والواقع أن الحكومة لم تكن موفقة أمس في بلاغها الرسمي، فبعض الصحف لا يزال يصرّ على أن في الجو شيئًا ذا بال، وغيومًا مخيفة لم يستطع هذا البلاغ أن يبددها، والناس جميعًا ضحكوا من هذه الشدة اللفظية على قوم، وهذا الابتسام وهذه الاستكانة لقوم آخرين٣.

стр. 355

ثالثًا: التحليل الصحفي وحركة الأحداث ونخلص مما تقدَّم إلى أن المقال التحليلي الصحفي يقوم على تفسير النبأ أو الخبر في ضوء حركة الأحداث عمومًا، والنبأ الجديد المجهول الدلالة, تتكشَّف عناصره المجهولة بربطه ببعض الدلالات عن طريق تحديد موقعه داخل إطار مجموعة من الأنباء والأحداث المعلومة. ولكن إذا كان الخبر أو النبأ تشكيلًا لحدث من الأحداث، فإن المقال التحليلي لا يقوم على الخيال، والفرق بينهما أن الخبر أو النبأ يستمد عناصره من الواقع مباشرة، أما المقال التحليلي فينتظم تجاربه وعناصره المستمدة من الخبر, أي: من الواقع, بعد أن ينقله النبأ في شكله الخبري. وعلى ذلك فإن المقال التحليلي ليس غاية في نفسه، وليس فنًّا منفصلًا مستقلًّا, وإنما يرتبط بحركة الأحداث ارتباطًا لا انفصام له. أي: إنه كتحليل صحفي يفسر الأخبار ويغذيها ويقومها، بهدف مساعدة القارئ على تفهُّم حركة الأحداث من حوله، بتقويم المعايير المطلوبة من خلال التحليل والتفسير، ولذلك, فإن المقال التحليلي ينظر للأخبار باعتبارها سلوكًا اجتماعيًّا، الأمر الذي يحدد الدور الوظيفي للتحليل الصحفي في إطار حركة الأحداث في المجتمع المحلي أو الدولي. على أن عنصر التقويم الذي يضفيه طه حسين على تحليله الصحفي، يضيف إلى المقال التحليلي الحديث سمة أخرى تستحق أن ينوه بها، وهي أن كل كاتب تحليلي ينزع إلى أن تكون لديه صورة مجازية فائقة، أو عدد من الصور يرى من خلالها حركة الأحداث، وهذه الصورة بالتالي تشكل تحليله الصحفي وتنبئ عنه، وتجعله أحيانًا محدودًا، فالمقال التحليلي -على هذا الفهم- يمكن أن يتخذ صورة جرَّاح سحري يجري العملية دون أن يقطع الأنسجة الحية، وقد يكون في صورة "مولد" يظهر للواقع نسمة جديدة، تتيح لحركة الأحداث واقعًا مستقبليًّا أفضل. إن ما لاحظناه فيما تقدَّم من أسباب التحليل الصحفي ليترشح من خلال هذه الصور المجازية، كما يترشَّح من خلال شيء غير ملموس، نعني به جهاز الذكاء الشخصي لكاتب التحليل, ومعرفته ومهارته وحساسيته وقدرته على الكتابة الحالية، فالذكاء عند طه حسين يكفيه في مقاله بما يلائم التحليل الصحفي الذي يعالجه، والمعرفة من صحفية وغير صحفية؛ ليكون على وعي بما يتطلبه المقال التحليلي، والمهارة تتيح لهذا المقال أسلوبًا استقرائيًّا يضمن سلامة التحليل، والحساسية عند طه حسين هي التي أتاحت لمقاله دائمًا التنويه بالقيم الخاصة
следующие страницы →