← Адаб

Адаб · id 10003

فن المقال الصحفي في أدب طه حسين

عبد العزيز شرف

Полный текст (424 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ليخلف تصريح ٢٨ فبراير؟ وما عسى أن يكون هذا التصريح, وما عسى أن يكون مقدار تغييره "للحالة السياسية بين مصر وإنجلترا؟ أتنزل فيه إنجلترا عن التحفُّظات كلها أو بعضها؟ أتنكر فيه إنجلترا كتاب لويد جورج إلى وزراء -المستعمرات؟ أتعدل إنجلترا عن تبليغها للدول تصريح ٢٨ فبراير, وما جاء في هذا التبليغ؟ هل تحقق وزارة الشعب آمال الشعب"١. وتكشف هذه التساؤلات التي لجأ إليها طه حسين في مقاله التحليلي عن ضرورة اللجوء إلى هذا الأسلوب الاستقرائي التشككي في التحليل، ذلك أن النبأ الذي نشرته صحيفة "الأفكار" نبأ مبتور مستكمل، كما تقدَّم، فهو يكتفي بأن هناك "خطة سياسية جديدة يخفق بها البرق, وتضطرب بها الأسلاك بين لندرا والقاهرة"٢، فالأسلوب الذي يلجأ إليه طه حسين في تحليل هذا النبأ، يتجه إلى أن يستقرئ ويضيف إلى النبأ البيانات الخلفية التي لا يعرفها القارئ، والتي لا تكتمل الصورة الخبرية إلا بتسجيلها. ولذلك يتوقَّف طه حسين عند كل "معنى" تغلفه علامة تساؤل؛ ليقدِّم للقارئ الإجابة التي تنساب ضمن التحليل الصحفي، فيحسّ القارئ بعد انتهائه من قراءة المقال أنه فاهم لكل شيء. ويبين إحساس طه حسين بقارئه من خلال التحليل الصحفي، من الخاتمة التي ختم بها مقاله، للإجابة عن التساؤلات التي طرحها في صلب هذا المقال: "وبينما نحن في هذا التفكير نتساءل عن هذه الخطة السياسية الجديدة, وعن موضوعها ونتائجها، أقبل مقبل فقال: إنك لتكلِّف نفسك عناء لا خير فيه, فليس هناك خطة سياسية جديدة, وكل الأمر أن المفاوضة -إن كان هناك مفاوضة- لا يمكن أن تتجاوز هذا الحادث المؤلم الذي وقع منذ أيام, فكثرت على أثره واشتدت مطالب الإنجليز. فهل هذا صحيح؟ "وما عسى أن يكون موقف الحكومة إزاء هذه المطالب الكثيرة الشديدة؟ أحق أن الأحكام العرفية لن تلقى الآن؟ أحق أن المبعدين لن يعودوا الآن؟ أحق أن المعتقلين لن يخرجوا الآن؟ أترضى الوزارة من الإنجليز المطالب؟ أتقبلها؟ قالوا -ولعلهم لم يصدقوا فيما قالوا: إن الوزارة أمضت هذا الزمن الطويل دون أن تتحدث إلى الإنجليز في أمر الأحكام العرفية, ولا في أمر المبعدين والمعتقلين. وقد نشرت الصحف أن الإنجليز أنفسهم قد تحدَّثوا إلى الوزارة بعد هذا الحادث المؤلم في هذه الأمور كلها, فماذا قالوا؟ وماذا قالت الوزارة؟

стр. 352

وماذا اعتزموا؟ وماذا اعتزمت الوزارة؟ ألا تصدر الوزارة في هذا للناس بلاغًا أو نصف بلاغ"١. ومن هذه الخاتمة يبين كيف زرع طه حسين الشكَّ في نفس القارئ من خلال أسلوبه الاستقرائي تجاه نبأ "الأفكار", وكأنه يترك لقرائه الخيار في تصديقه أو عدم تصديقه، والحق أن الكاتب لم يعتبر الخبر أمرًا مسلَّمًا به، فطلب من الوزارة أن تصدر "بلاغًا أو نصف بلاغ". على أن المقال في مجموعة كما يبين من عنوانه: "بم يخفق البرق", مقال تحليل يسبق حديث الحالة الخبرية، وينطوي التحليل على عناصر توقع، كما أظهر العنوان اتجاهه إلى استقراء الاحتمالات المنتظرة.

стр. 353

ثانيًا: التعليق على الخبر بعد وقوعه ذلك أن هناك أنباء قد تحيط بها جوانب غموض تستدعي الترتيب قبل تقديم التحليل, أو تستدعي استكمال بعض المعلومات لضمان صحة التحليل، وعدم ارتكاب أخطاء فادحة، وفي هذه الحالة يتأخر التحليل عن الحالة الخبرية، ويجيء نشره في عدد لاحق من الصحيفة. وعند طه حسين، نجد أنه يعقِّبُ مباشرة على الخبر بعد وقوعه، لكيلا تنتفي القاعدة المعروفة من قواعد الصحافة، ونعني قاعدة: "الجدة الزمنية، ومناقشة الحدث فور وقوعه, وهو ما زال حدثًا حيًّا، ذلك أن التحليل حين يتأخر دون مبرر يتحول من "تحليل صحفي" إلى دراسة أكاديمية، ويمكن أن يقال "بشكل عام: إن تحليلًا صحفيًّا قيمته ٥٠%, وينشر في لحظة وقوع الحدث، أفضل صحفيًّا من تحليل قيمته ١٠٠% وينشر بعد وقوع الحدث بيوم أو أكثر"١. وهذه القاعدة نسبية بطبيعة الحال، ولكنها تشكِّل اتجاهًا عامًّا في المقال التحليلي عند طه حسين، يقوم على قدراته التحليلية التي تضمن له التحليل الوقتي على النحو الأفضل. وفي معظم المقالات التحليلية عند طه حسين، نجد موضوع المقال تعليقًا على خبر نشرته الصحف في اليوم السابق على صدور الصحيفة, أي: في نفس اليوم الذي يكتب فيه المقال، كما نجد ذلك في مقال بعنوان: "تحريض"٢ يقول: "وقد نشرت "الجهاد" أمس، وأول أمس أخبارًا عن مذكرة سياسية

стр. 354

قيل إنها قدمت من دار المندوب السامي إلى رئيس الوزراء، وقيل إنها أحدثت شيئًا من الاضطراب غير قليل في بعض البيئات السياسية، فضاقت الوزارة بما نشرت "الجهاد", وكذبته في بلاغ رسميّ أذاعته أمس، وكان بلاغها الرسمي حازمًا مسرفًا في الحزم، وقد تعود الناس في هذه الأيام أن يحترموا بلاغات الحكومة الرسمية، على نحو ما احترمت "الأهرام" بلاغها الرسمي الذي أصدرته منذ أيام تكذب فيه ما أذيع من حديث رئيس الوزاء إلى زملائه في مجلسهم عن المندوب السامي، واللجنة الإنجليزية المصرية، فقد احترمت الأهرام هذا البلاغ, ولكنها أكدت ما قالت، وأكدته في حزم ليس أقل من حزم الحكومة في بلاغها، وتحدت الوزارة، واتهمت الوزراء بانهم أفضوا إليها بهذا الحديث الذي تكذبه الحكومة وتنكره، وانتظرت الأهرام نتيجة هذا التحدي، وانتظرته الصحف الأخرى أيضًا، وألح الناس على الوزارة أن تبين جلية الأمر في هذه القصة التي تزري بكرامة الحكومة، وتغض من قدرها، ولكن الحكومة ورئيسها تلقيا هذا التحدي، وهذا الإلحاح، بالنوم العيمق..١". ويستمر التحليل في "تقويم" السياسة الوزارية، إلى جانب استمراره في تقديم "التفسير" للنبأ في ضوء حركة الأحداث، ثم يتخذ من "بلاغ" الحكومة لصحيفة "الجهاد", والذي رأى فيه ألفاظًا تدل على شيء من الغيظ والحنق٢" وسيلة لتقويم سياسة الحكومة, "والحكومات كغيرها من الجماعات عرضة للغضب وعرضة للغيظ، ولكن الناس يحبون للحكومات أن تملك نفسها وتضبط عواطفها وتصطنع الحكمة, والرفق فيما تقول, وتتجنب طائفة من الألفاظ لم تخلق لها, ولا سيما حين تزعم لنفسها ما تزعمه حكومتنا من أنها تريد أن يجد الناس فيها الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة. فالحكومة تسرف على نفسها إذن إسرافًا شديدًا، حين تندفع في إصدار البلاغات من غير حساب, وتمكن صحفة كالأهرام من أن تحترم بلاغها, ولكنها تأبى تصديقها، ومن أن تتحداها وتسرف في تحديها. وهي تسرف على نفسها إسرافًا شديدًا، حين تعمد إلى الشتم والسب في بلاغاتها الرسمية، وهي تزعم أنها غيرت النظام وتشددت في قوانين الصحف، لتمنع الشتم والسب. والواقع أن الحكومة لم تكن موفقة أمس في بلاغها الرسمي، فبعض الصحف لا يزال يصرّ على أن في الجو شيئًا ذا بال، وغيومًا مخيفة لم يستطع هذا البلاغ أن يبددها، والناس جميعًا ضحكوا من هذه الشدة اللفظية على قوم، وهذا الابتسام وهذه الاستكانة لقوم آخرين٣.

стр. 355

ثالثًا: التحليل الصحفي وحركة الأحداث ونخلص مما تقدَّم إلى أن المقال التحليلي الصحفي يقوم على تفسير النبأ أو الخبر في ضوء حركة الأحداث عمومًا، والنبأ الجديد المجهول الدلالة, تتكشَّف عناصره المجهولة بربطه ببعض الدلالات عن طريق تحديد موقعه داخل إطار مجموعة من الأنباء والأحداث المعلومة. ولكن إذا كان الخبر أو النبأ تشكيلًا لحدث من الأحداث، فإن المقال التحليلي لا يقوم على الخيال، والفرق بينهما أن الخبر أو النبأ يستمد عناصره من الواقع مباشرة، أما المقال التحليلي فينتظم تجاربه وعناصره المستمدة من الخبر, أي: من الواقع, بعد أن ينقله النبأ في شكله الخبري. وعلى ذلك فإن المقال التحليلي ليس غاية في نفسه، وليس فنًّا منفصلًا مستقلًّا, وإنما يرتبط بحركة الأحداث ارتباطًا لا انفصام له. أي: إنه كتحليل صحفي يفسر الأخبار ويغذيها ويقومها، بهدف مساعدة القارئ على تفهُّم حركة الأحداث من حوله، بتقويم المعايير المطلوبة من خلال التحليل والتفسير، ولذلك, فإن المقال التحليلي ينظر للأخبار باعتبارها سلوكًا اجتماعيًّا، الأمر الذي يحدد الدور الوظيفي للتحليل الصحفي في إطار حركة الأحداث في المجتمع المحلي أو الدولي. على أن عنصر التقويم الذي يضفيه طه حسين على تحليله الصحفي، يضيف إلى المقال التحليلي الحديث سمة أخرى تستحق أن ينوه بها، وهي أن كل كاتب تحليلي ينزع إلى أن تكون لديه صورة مجازية فائقة، أو عدد من الصور يرى من خلالها حركة الأحداث، وهذه الصورة بالتالي تشكل تحليله الصحفي وتنبئ عنه، وتجعله أحيانًا محدودًا، فالمقال التحليلي -على هذا الفهم- يمكن أن يتخذ صورة جرَّاح سحري يجري العملية دون أن يقطع الأنسجة الحية، وقد يكون في صورة "مولد" يظهر للواقع نسمة جديدة، تتيح لحركة الأحداث واقعًا مستقبليًّا أفضل. إن ما لاحظناه فيما تقدَّم من أسباب التحليل الصحفي ليترشح من خلال هذه الصور المجازية، كما يترشَّح من خلال شيء غير ملموس، نعني به جهاز الذكاء الشخصي لكاتب التحليل, ومعرفته ومهارته وحساسيته وقدرته على الكتابة الحالية، فالذكاء عند طه حسين يكفيه في مقاله بما يلائم التحليل الصحفي الذي يعالجه، والمعرفة من صحفية وغير صحفية؛ ليكون على وعي بما يتطلبه المقال التحليلي، والمهارة تتيح لهذا المقال أسلوبًا استقرائيًّا يضمن سلامة التحليل، والحساسية عند طه حسين هي التي أتاحت لمقاله دائمًا التنويه بالقيم الخاصة

стр. 356

في النبأ الذي يتناوله بالتحليل, من حيث إنه يمثل عنصرًا في حركة الأحداث، والمقدرة على الكتابة والتحرير، على ما نعلمه عن طه حسين، أنه من أقدر الكُتَّاب الصحفيين على التعبير عمَّا أراد أن يقوله، وعلى التفنن في ابتداع أشكال فنية جديدة للتعبير في المقال، كما تبيَّن مما تقدَّم، وكما يبين من هذا الجزء الذي نتناول فيه فنًّا مقاليًّا جديدًا في صحافة طه حسين. ومهما يكن من أمر الموضوعية في الفن الصحفي، فإن الكاتب في طريقة التحليل الصحفي سيظل داخلًا -نسبيًّا- في المجال الذاتي، لاعتماده على "التقويم" و"تدوي" الأخبار، سيظل الأمر كذلك, سواء كان المقال التحليلي بناء مؤسسًا على التحليل الموضوعي الركين، يقيمه كاتب عارف عاقل، أو كان نزوة لا محل لها. أما المضمون الرئيسي الآخر في التحليل الصحفي, فهو تطوره في اتجاه ديمقراطيٍّ يركِّز على توضيح الحدث الجديد، كالتحليل الإخباري أو "التعليق", وهي نوعيات تتجاوز عنصر "التقويم", وإن كانت لا تستطيع تجاوز عنصر "التذوق الخبري"، ولكنها على أيّ حال تسعى إلى ألا تتضمَّن رأيًا يطرحه كاتب التحليل. ذلك أن تحليل "حالة خبرية عامة" في ضوء أحداث محددة، يحمل في العادة أكثر من وجهة، يمكن أن يتجه إليها الاجتهاد١. ومهما يكن من شيء، فإن "التحليل الصحفي" -خلافًا "للنبأ", لا بُدَّ أن يحتوي على "رأي" و"حكم"، أي: لا بُدَّ من توفُّر عناصر "التقويم" و"التقدير" و"التذوق" التي تجعل التحليل لا يقتصر على موضوعية النبأ وحدها، ولكن على موضوعية الكاتب التحليلي في نهاية الأمر. ولا يغض هذا العنصر "الذاتي" الناجم عن وجود رأي للمحلل من الحدث, "بل يجوز القول أن قيمة التحليل تزداد كلما كانت لهذا، "العنصر الذاتي" أصالة وخروجًا على المألوف٢. وعند طه حسين، سبق أن تبين لنا تحمُّسه لطريقة "التقويم" في المقال النقدي، وهي الطريقة التي تميز تحليله الصحفي اعتمادًا على ثقافته العريضة والمتعمقة في بعض المجالات, مما يسعف التحليل في فهم حركة الأحداث وسيرها، كما تعتمد هذه الطريقة على تحليل ملابسات الحدث أو الخبر، بحيث يذهب التحليل إلى الفهم ووزن ما يحلله، إلى أن التحليل الصحفي عند طه حسين يقوم على نقدٍ عقلي لحركة الأحداث القابلة لأن تُصَاغ صحفيًّا، كما يقوم على نقدٍ عقلي للدوافع التي تكمن وراء الخبر أو الحدث ليتمكن في نهاية مقاله التحليل من "تقويم" الحدث، وتقديم حكمه النهائي، وهو حكم فريد قد يكشف عن طبيعته العامة. على أننا نجد أن غاية هذه الخطوات الأربع الأولى هي تحديد

стр. 357

المجال الذي سيتحقق فيه "التقويم" أو الحكم القاطع الفريد، وتضييقه قدر المستطاع. ويتحدد مجال "التقويم" بالدوائر الثلاث التي يتداخل بعضها في بعض في "المقال الرئيسي" بصفة عامة، ونعني بهذه الدوائر الثلاث: سياسة الجريدة, وصياغة المقال، واهتمام القراء. ذلك أن "التقويم" في المقال التحليلي يتصور هذه الدوائر الثلاث في تحريره دائمًا، حتى يبلغ الدرجة التي تسعى إليها الصحيفة، ويتطلع إليها القراء. ومن الوجهة المنطقية, فإن المقال التحليلي يبدأ بالنبأ الجدي المطلوب إجراء تحليل عنه أو حوله، ويتسع التحليل من هذه النقطة ليواجه هذا النبأ بأنباء أخرى داخل سياق حركة الأحداث عمومًا في أكثر من اتجاه. ويمكن للباحث تحديد هذه الاتجاهات في المقال التحليل عند طه حسين من خلال أهداف ثلاثة. ١- مقابلة النبأ الجديد بمعلومات وأنباء تنتمي إلى نفس القضية: أي: مقابلة وقوع النبأ الجديد بأنباء تخص نفس القضية في الماضي وتنتمي إليها، ونجد نموذج هذا الاتجاه في بناء مقال بعنوان يوحي بنتيجة منطقية هو: "إذن فقد استقالوا١" يقول في مقدمته: "إذن فقد كانت الوزارة جادة لا لاعبة حين رفعت استقالتها إلى جلالة الملك, كانت جادة لا لاعبة؛ لأنها أصرَّت على هذه الاستقالة, ولأن هذه الاستقالة قبلت؛ ولأن المناصب خلت من أصحابها. كانت الوزارة جادة إذن, كانت مستقيلة حقًّا. بينما كنا نحن نستنكر هذه الاستقالة, وننصح للوزارة أن تسردها؛ لأننا لا نفهمها ولا نستطيع تعليلها، وكنا نرجِّح في أنفسنا أن هذه الاستقالة لم تكن جدًّا, وإنما كانت ضربًا من مداعبة وزارة الشعب, ومن تمنع الشعب على الشعب بعد أن فرَّطت وزارة الشعب في حقوق الشعب٢. وعلى الرغم من أن الغرض الأساسي في هذا التحليل هو النزال الصحفي، إلّا أننا نجد هذا المقال يقوم على خبر استقالة الوزارة النسيمية، ثم يتوسّل بالتحليل الصحفي في مقابلة هذا النبأ بأنباء تنتمي إلى نفس القضية، أي: الوزارة النسيمية، وهذه الأنباء تمثل حالة خبرية ماضية, أو موقفًا سابقًا على الخبر الجديد. يقول: "كنا نظن ذلك ونرجحه, وكان كل شيء يحملنا على أن نظن ذلك

стр. 358

ونرجحه. فنحن لم نعرف لوزارة الشعب موقفًا صريحًا بإزاء الشعب, ولم نسمع من وزارة الشعب كلمة صريحة تُلقى إلى الشعب, وإنما كنا أمام قوم صامتين لا يتكلمون إلا رموزًا وإيحاء, وإذا اصطنعوا كلمةً فهم لا يُدلون بها على معناها المعروف, وإنما يدلون بها على الألف معنى ومعنى؛ على معاني كثيرة منها ما يفهمها الناس ومنها ما لا يفهمون. كنا بإزاء قوم واقفين لا يكادون يتحركون.. فإذا تحركوا فمن وراء ستار, وفي احتياط لا يعدله احتياط, وحذر لا يشبهه حذر. فكان من حقنا بل من الحق علينا أن نظن الظنون, وأن نسمع الألفاظ فنذهب بها كل مذهب, ونسلك في فهمها كل طريق. "قالوا: سنذهب إلى لوزان, فدلت التجربة على أنهم لن يذهبوا, ثم قالوا: نحن مستقيلون, ففهمنا أن الأمر في هذه الجملة كما كان في غيرها من الجمل التي اشتبه الأمر فيها على الناس جميعًا حتى الراسخين في العلم. ظننا إذن أن القوم غير مستقيلين, وأنهم يتمنعون ويريدون أن يقسم الناس عليهم غلاظ الإيمان ومحرجاتها, وألححنا عليهم الإلحاح كله, وطلبنا إليهم أن يثبتوا وألا يستقيلوا. ثم ظهر أن كثيرًا من الناس يشاركوننا في هذه الأيمان, وفي هذا الإلحاح, فيطلبون إلى رئيس الوزراء أن يبقى, وإلى جلالة الملك أن يستبقيه, وإلى الصحف أن تعين على هذا البقاء والاستبقاء. ولكن وزارة الشعب أبت أن تبقى للشعب, فورطت هذا الشعب ثم انصرفت عنه, وتركته حائرًا لا يدري ماذا يفهم, ولا كيف يتأول, ولا كيف يقول١"؟. ٢- مقابلة الأنباء المتعلقة بقضية معينة بأنباء ومعلومات تخفي قضايا أخرى ملازمة أو غير ملازمة لها زمنيًّا: أي: مقابلة النمط الخبري الذي ينطوي عليه النبأ الجديد، بأنماط خبرية مشابهة له, أو متعارضة معه، أو تثير مقابلتها له مفارقات معينة تساعد في استخلاص دلالات معينة. ويقوم هذا الاتجاه التحليلي أساسًا عند طه حسين على ثقافته العريضة, ومصادرها التي تتيح للتحليل أن يقابل الجديد في المجرى العام للأحداث, بحالات خبرية عامة تثير مقابلتها المفارقات التي تيسر استخلاص الدلالات، ومن ذلك المقال الذي كتبه "بمناسبة" عيد الثورة في مصر ٢، والذي يمكن أن نتصوّر بناءه التحليلي على النحو التالي:

стр. 359

يوضح هذا النموذج بنية المقال التحليلي التي تقوم على مقابلة الأنباء المتعلقة بقضية معينة بأنباء ومعلومات أو حالات عامة سابقة أو ملازمة لها زمنيا.

стр. 360

ومن هذا النموذج التحليلي يبين أن طه حسين قد انطلق في تحليله الصحفي من نبأ جديد، وهو نبأ الاحتفال بعيد الثورة المصرية في سنة ١٩٦٠، ويستهلّ مقاله بمقدمة تمهيدية تمهّد لاستخلاص دلالات جديدة له بمقابلته, واستخلاص النتائج المترتبة على مواجهته بأية حالة من الحالات الخبرية العامة السابقة عليه أو الملازمة له زمنيًّا، وهذه الحالات كما يبين من النموذج المتقدِّم: مقابلة الثورة المصرية بالثورة الفرنسية١، ثم مقابلة الثورة المصرية "هذه الأنباء التي تذاع في أقطار الأرض معلنة تحرر الشعوب من الاستعمار والاستبداد والظلم"٢, واستخلاص دلالة من هذه المقابلة تذهب إلى أن "تحرر هذه الشعوب واستقلالها واستمتاعها بالحرية والكرامة والعزة, كل ذلك إنما هو أثر من آثار ثورتنا هذه٣. ويقول معقبًا على ذلك: "فقد كنت موقنًا حين كتبت ما كتبت في الأهرام أن لنا جيرانًا في آسيا وفي القارة الأفريقية, وأن أنباء ثورتنا ستصل هؤلاء الجيران, وأنهم سيعلمون كثيرًا من نتائجها, وسيفرحون لنا وسيغبطوننا, وسيتمنون لأنفسهم مثل ما أتيح لنا من الثورة, أو شيئًا قريبًا مما أتيح لنا". "كنت أذكر تونس والمغرب الأقصى، وكنت أذكر العراق، وكنت أذكر المستعمرات الفرنسية في القارة الإفريقية. وكنت أقدر أن إخراج الملك المستبد من مصر, وأن الإصلاح الاجتماعي الذي بدئ به في مصر، وأن جلاء الجنود البريطانيين عن أرض مصر الذي ستجد فيه الثورة حتى تبلغه.. كنت أذكر أن هذا كله سيقع من قلوب جيراننا القريبين منا والبعيدين عنا مواقع الماء من ذي الغلة الصادي.. كما كان القدماء يقولون.. ثم لم ألبث أن رأيت الثورة تشب في غير موطن من هذه المواطن القريبة والبعيدة.. ولم ألبث أن رأيت بعضها يبلغ ما كان يريد بعد جهاد يعنُف حينًا ولا يبلغ العنف حينًا آخر"٤. ثم ينتقل بعد ذلك مباشرة إلى تحليل حالات خبرية ملازمة لنبأ الثورة المصرية, ومقابلتها بثورات الشعوب في آسيا وإفريقيا، مبتدئًا بالشعوب العربية في شمال إفريقيا مركزًا على قضية الجزائر. يقول: "فهذه الأوطان في شمال إفريقيا تجاهد أعنف الجهاد وأقصاه, وتصلى نار العدوان والطغيان والأثم ... وتنتهي إلى أن تبلغ الغاية التي أرادت أن تبلغها, فتستقلّ تونس ويستقلّ المغرب الأقصى بعد خطوب.. أي خطوب.. وتوشك الجزائر أن تبلغ ما تريد من الاستقلال.. على رغم ما تمعن فيه فرنسا من المداورة. وعلى رغم ما تمعن فيه فرنسا أيضًا من ألوان الظلم والبغي ومن

стр. 361

ضروب تعذيب الأبرياء. "وها نحن أولًا نرى في هذه الأيام تتابع الأنباء التي تحدثنا باستقلال المستعمرات الفرنسية بعد أن ورطت فرنسا نفسها في تلك الشركة التي زعمت أنها ستنشئها بينها وبين مستعمراتها, فتفنى بذلك الثورة في تلك المستعمرات.. تعطيها القليل وتستأثر من دونها بالكثير.. تخيل إليها أنها حرة في حياتها الداخلية, وأن حياتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية شركة بينها وبين فرنسا.. ولقد غلا رئيس الجمهورية الفرنسية في يوم من الأيام, فأعلن إلى هذه المستعمرات أنها حرة في أن تقبل هذه الشركة فتشرف بالتعاون مع فرنسا الكبرى, أو ترفض هذه الشركة فتشقى باستقلالها؛ لأنها لا تملك الوسائل التي تتيح لها حماية هذا الاستقلال. أعلن ذلك رئيس الجمهورية الفرنسية مطمئنًا إلى أن المستعمرات ستحرص أشد الحرص على أن تقبل الشركة, وتعيش مستقلة استقلالًا داخليًّا, وتشرف بالمشاركة فيما عدا ذلك من الشئون. ولكن بعض هذه المستعمرات آثرت الاستقلال فورًا, فاضطرت فرنسا إلى أن تعترف لها بهذا الاستقلال.. وقبلت كثرة المستعمرات هذه الشركة أولًا, ثم لم تلبث إلّا عامًا وبعض عام حتى طلبت استقلالها كاملًا موفورًا"١. ثم يستعرض أنباء هذه المستعمرات التي طلبت الاستقلال، ليستخلص هذه الدلالة: "وكذلك تفقد فرنسا كل مستعمراتها في هذه القارة الإفريقية.. ويضطر كاتب فرنسي إلى أن يسجِّل في إحدى الصحف الفرنسية الكبرى أن رئيس الجمهورية القائم قد نهض بالرياسة ليبقى على الإمبراطورية.. ويرد فرنسا دولة من الطبقة الثانية. "ولا يقف الأمر عند فرنسا وحدها.. فبريطانيا نفسها تتخلى عن بعض مستعمراتها في هذه القارة الإفريقية طوعًا أو كرهًا.. وبلجيكا تعلن استقلال الكونجو البلجيكي بعد خطوب شداد. وللكونجو البلجيكي قصة لم تنته بعد.. يظهر القراء على أنبائها في الصحف كل يوم.."٢. ومن دلالات هذه الأنباء يذهب طه حسين إلى أن "الصورة الجغرافية لهذه القارة -تتغير, ويتعلم طلاب المدارس الثانوية شيئًا جديدًا في جغرافيا القارة الإفريقية. يتعلم هؤلاء الطلاب شيئًا ليتعلمه إخوانهم الذين سبقوهم في هذا العام.. وهو أن القارة الإفريقية قد تحرر أكثرها, ونشأت فيها دول لم تكن موجودة أثناء هذه السنة الدراسية, وستكون موجودة عاملة في الحياة الإنسانية أثناء العام الدراسي المقبل. "وحين نحتفل بعيد الثورة في هذا العام سنضطر إلى أن نذكر أن ثورتنا

стр. 362

كانت مقدمة لهذه الحرية التي أوشكت أن تُظِلَّ القارة الإفريقية كلها"١. ومن ذلك يبين أن مقابلة أنباء استقلال المستعمرات الإفريقية بالنبأ الأساسي الذي يحلله المقال، تنتهي إلى هذه الدلالة التي طرحها في معطيات المقال. وهو هنا يتوسّل بأسلوبه الاستقرائي كذلك في التحليل، وهو الأسلوب الذي يجعل المقال يذهب إلى أن الأمر "ليس مقصورًا على هذا الذي كان في القارة الإفريقية, ولكن هناك أوطانًا أخرى في آسيا قد تأثَّرت بهذه الثورة, سواء اعترفت بهذا التأثر أم لم تعترف.. فثورة العراق أثر من آثار الثورة المصرية منذ أعوام, وثورة الجيش التركي في هذه الأيام.. وما أشك في أن الترك يكرهون أشد الكره الاعتراف بأن لثورتنا أثرًا, ولكن الشيء المحقق هو أن هذا التشابه قائم, سواء كرهه الترك أو أحبوه"٢. ومن ذلك يبين أن المقال التحليلي عند طه حسين أثر من آثار الأسلوب الاستقرائي الذي يذهب دائمًا من "المعاني" إلى "الأحداث", أي: إنه لا ينسب إلى الأحداث إلّا ما يدركه إدراكًا بديهيًّا في معاني تلك الأحداث، ولذلك يمضي طه حسين في هذا الاستقراء التحليلي قائلًا: "ومن يدري.. أتقف آثار ثورتنا في العالم الخارجي عند هذا الحدِّ أم تمضي في تأثيرها حتى لا يصبح في الأرض أثر من آثار الاستعمار كما عرفه الناس منذ أعوام. ولست أزعم أن الاستعمار قد انقضى بجميع صوره وأشكاله.. فالناس جميعًا يعلمون أن التحالف مع الدول الكبرى لون من ألوان الاستعمار, وشكل من أشكاله, ولكن أول الغيث قطر ثم ينهمر.. فمن حق كل مواطن في الجمهورية العربية المتحدة أن يشعر بشيء من الرضا العميق الذي يستأثر بالقلب والضمير, حين يذكر أن ثورة وطنه لم تكن مقصورة عليه, وإنما كانت مقدمة لزوال شكل بغيض من أشكال الاستعمار عن أوطان قريبة وبعيدة. ولم تكن مصر في يوم من الأيام أثرة ولا منطوية على نفسها.. ولم تكن سورية في يوم من الأيام أثرة ولا منطوية على نفسها, وإنما كان هذان القطران دائمًا يؤثران الخير؛ يحبانه لأهلهما, ويشيعانه في الوطان الأخرى ما وجدا إلى إشاعته سبيلًا. وهما الآن يؤديان واجبهما التاريخي حين يؤثران الخير ويشيعانه في الأوطان الأخرى. "وإذا كان خير الناس أنفعهم للناس, فخير الأوطان أنفعها للأوطان الأخرى"٣. ولعل في النموذج المتقدم للتحليل الصحفي ما يوضِّح أثر الأسلوب الاستقرائي في المقال التحليلي من حيث ترتيب جميع الأنباء المقابلة

стр. 363

واستخلاص الدلالات في نسق خاص، بحيث تكون كل دلالة منها مسبوقة بمعظم الدلالات التي تستند إليها، وسابقة لجميع الدلالات التي تستند إليها, ويسلمنا هذا الفهم إلى الاتجاه الثالث: ٣- انتقاء زوايا محددة من "الجديد" الناشئ عن مقابلة "النبأ الجديد", بالحالة الخبرية العامة السابقة عليه: ويقوم هذا النمط التحليلي في مقال طه حسين على قواعد "هداية الذهن" عند ديكارت, وفي مقدمة هذه القواعد ما يسميه: "قاعدة التحليل"؛ ففي كل مسألة معقَّدَة يجب البحث عن الأفكار السيطة التي تكون "مطلق الموضوع", والتي تؤدي إلى تحليل هذا المطلق. ولكي تصل إلى هذه النتيجة يجب علينا تحليل المسألة المعقدة إلى مسائل أبسط، ولذلك يقوم المقال التحليلي عند طه حسين على انتقاء زوايا محددة من "الجديد" الناشئ عن مقابلة "النبأ الجديد" بالحالة الخبرية العامة السابقة عليه، وتحليل هذه الحالة الأخيرة إلى مسائل أبسط منها أيضًا، وبهذا يتمكَّن التحليل الصحفي عند طه حسين من استخلاص الدلالات التي تبدو بسيطة, ولا يمكن أن تحلل إلى أبسط منها، وهي التي تكون أساس كل تلك الدلالات، ويمكن أن نجد في نموذج التحليل الاستقرائي المتقدم، نمطًا مشابهًا لهذا التحليل الصحفي عند طه حسين، ولا يختلف النمط السابق عن النمط الجديد إلا في "انتقاء زوايا محددة من "الجديد"، وفي حين أن النمط السابق يقابل النبأ الجديد بالحالة الخبرية الملازمة له زمنيًّا، أو السابقة عيه, ومن ذلك النمط الاستقرائي في التحليل الصحفي نجد مقالًا لطه حسين بعنوان: "التبعة الكبرى! "١ يحلل فيه "زوايا محددة" ينتقيها من "نبأ" انفصال سوريا عن مصر, "ونقض" الوحدة دون استفتاء للشعب السوري ودون إيذان لمصر" عن طريق مقابلة هذه الزوايا المنتقاة من النبأ بالحالة الخبرية العامة السابقة عليه والمتصلة الوجود، كما يبين من هذا النموذج الاستقرائي في التحليل: ثم يتوسَّل طه حسين بعد ذلك بقاعدة أخرى من قواعد المنهج الديكارتي, ونعني قاعدة التأليف التي تلي تحديد الأفكار والبديهيات والمقدِّمات الضرورية للاستدلال، وهي الأشياء التي يعتمد عليها المقال التحليلي، فيذهب في مقاله على نحو ما يفعل علماء الهندسة، حين يضع أولًا الأفكار أو الدلالات البسيطة التي يستخلصها التحليل الصحفي، ثم يذهب من البسيط إلى المعقد، من

стр. 364

خلال نسق منطقي يبيِّنُ في كل خطوة كيف تعتمد الدلالة الأكثر تعقيدًا على الدلالة التي هي أبسط منها, والتي تعلوها مباشرة، وفي المقال المتقدِّم، نجد أن الدلالة التي يستخلصها طه حسين من مقابلة الزوايا الخبرية المنتقاة بالحالات الخبرية العامة المتصلة الوجود، هي أن "التبعة الكبرى" الناجمة عن الانفصال "يحتملها أولئك المتمردون في دمشق, والذين أيدوهم بالجاه, والذين أمدوهم بالمال, والذين ناصروهم جهرة من خارج سوريا وداخلها. يحتملها هؤلاء جميعًا لأنهم تعاونوا أولًا وأعانوا المستعمرين بعد ذلك على تفريق الكلمة, وإطماع العدو, وإغراء المتربصين بما كانوا يتمنونه ولا يستطيعون أن يحققوه. يحتملها هؤلاء جميعًا, وإن كانت ضمائرهم لا تحفل بالتبعات, ولا تهتم إلا لتحقيق المنافع العاجلة, والمآرب الخاصَّة غير معنية بوحدة العرب ولا بمنافعهم, ولا بما يكفل لهم الحياة الكريمة والعزة في بلادهم"١. وهذه الدلالة العامة تمثل خلاصة الدلالات الجديدة التي استخلصها الكاتب من النتائج المترتبة على مواجهة الخبر الذي يتناوله بأيّ من الحالات الخبرية المقابلة المتصلة الوجود: "هذه الأنباء التي تتحدث بها الإذاعات, وتنشرها الصحف, ويخفق بها البرق من أقطار الأرض, بأن لعبة الاستعمار في فلسطين قد أخذت تحوّل مجرى نهر الأردن, أقدمت على ذلك مطمئنة آمنة راضية النفس. ممدودة الأمل إلى المستقبل البعيد، لأنها بعد أن تفرقت كلمة العرب, واطمأنت بعد أن انتشر القلق حتى شمل الشعوب العربية كلها, وأحست القوة واليأس بعد أن أذن لها, أو أغراها أولئك الذين كانوا يحولون بينها وبين أمنها العزيز عليها, بأن تنعم على حساب البائسين, وتسعد على حساب الأشقياء, وتهين الكرامة العربية غير حاسبة لأحد حسابًا, وغير راجية لأحد وقارًا. "ما أكثر ما تحدث العرب بأن مجرى الأردن مقدَّس لا يمسه إلّا الذين يعرضون أنفسهم لأعظم الكوارث وأقساها, وما أكثر ما أنذر العرب بالحرب التي لا هوادة فيها إذا جرأت ألعوبة الاستعمار على أن تتعرض لمجرى هذا النهر, وعلى رغم هذا كله أخذت ألعوبة الاستعمار تعبث بهذا المجرى الذي كان مقدسًا أمس, وأصبح اليوم نهبًا مباحًا لإسرائيل، تعبث به كيف شاءت, وتغيره كما أرادت. "والعناصر المتحكمة في الجيش السوري مشغولة بالسياسة, حريصة على أن تحمي تمردها بحرب الشعب السوري؛ ليبقى الحكم في يدها, ولتنعم بتأييد الذين يؤيدونها بالجاه, ويمدونها بالمال, ويتهيأون لحرب الوطن السوري نفسه

стр. 365

وإذلال الشعب السوري نفسه, إذا تعرَّض المتمردون لخطر خارجي أو داخلي"١. والدلالة المستخلصة من الحالة الخبرية المتعلقة بتحويل مجرى الأردن في غيبةٍ من الوحدة العربية، وانشغال الجيش السوري بتمرده, تتيح لإسرائيل قوة إلى قوة, وأمنًا إلى أمن"٢ ذلك أن الاستعمار يرحب بهذا التمرد ويشجع الانفصال؛ لأنه إنما "يهمه أن تشقى الشعوب العربية, وأن تظهر حاجتها إلى معونة الاستعمار, وأن يمكَّن هذا كله للمستعمرين العودة إلى الأوطان العربية"٣, ويخلص طه حسين من ذلك إلى أن هذا كله "دليل على أن تمرُّد المتمردين في سوريا لم يضعه المتمردون وحدهم, ولم يضعه أعوانهم من العرب وحدهم, وإنما شاركهم فيه المستعمرون بما لهم, وتحريضهم وتأييدهم"٤. كما يخلص من دلالات الحالات الخبرية التي يستند إليها إلى أن "نقضهم للوحدة دون استفتاء للشعب السوري, ودون إيذان لمصر قد عرَّض سورية للخطر, وجرَّأ عليها إسرائيل, فاعتدت على أرضها. كيف يجادلون في هذا وهم يرون ويستمعون، أم تراهم يرضون عن هذا ويطمئنون إليه, ويؤثرون الألفة مع شعب عربي مثلهم, ويسخرون من اللاجئين المشرَّدين, ويستهزئون بالعرب الذين يضطهدون في وطنهم, وتصب عليهم المحن في بلادهم, ولا يكرهون أن يطمع فيهم غير إسرائيل, ولا يكرهون أن يتسلط عليهم الاستعمار فيسيرهم كما يشاء, ويصرِّفُ أمرهم كما يجب, لا لشيء إلّا لأنهم يستأثرون بمظاهر الحكم, ولن يكونوا من حقائق الحكم في شيء حين تمتد إليهم أيدي المستعمرين, ولكن المثل لا يكذب حين يقول: إذا لم تستح فاصنع ما شئت"٥. وهنا نجد حرص المقال التحليلي عند طه حسين على أن يتوسّل بقواعد هداية الذهن عند ديكارت٦، وهي القواعد التي تميِّز التحليل الصحفي بوضوح الأفكار وتميزها، لضمان سلامة التحليل القائم على الشك المنهجي في فحص الحالات الخبرية السابقة والملائمة والمتصلة الوجود، الأمر الذي يتيح للمقال التحليلي أن يكتشف بعض الدلالات التي لا تحتمل الشك، وهي نفسها الدلالات التي يحتاج إلى التحليل الصحفي، كما أن المجهود المبذول في التشكك في هذه الدلالات يضمن للكاتب إقناع القراء بسلامة القضايا الخبرية التي يتخذها كأساس لمقاله.

стр. 366

التقويم الصحفي مدخل ... ب- التقويم الصحفي: يذهب ديكارت إلى أن الذوق السليم أعدل الأشياء قسمة بين الناس؛ لأن كل إنسان يظن أنه مزود بقسط منه، بلغ من كفايته أن جعل هؤلاء الذين يصعب عليهم كل الصعوبة أن يزهدوا في شيء ما من الأشياء الأخرى، لا يرغبون عادة في المزيد من هذا الذوق١. وهذا يدل على أنه من غير المحتمل أن يكون كل الناس مخطئين في هذا الظن, ولكن الأحرى بهذا الأمر كما يقول ديكارت أيضًا، أن يدلنا على أن المقدرة على الحكم السليم تميز الحق من الباطل، وهو ما يسميه الناس حقًّا بالذوق السليم أو العقل٢، أو كما يسميه طه حسين بالذوق العام٣, وهذا الذوق واحد لا يتغير بتغير من تتحدَّث إليه. وقد تختلف الرسائل عسرًا ويسرًا, وتختلف لينًا وشدة باختلاف من تتحدث إليه. فللصحف لغة وأساليب ليست للكتب التي يؤلفها العلماء للعلماء, والأدباء للأدباء, ولكن ذلك شيء, واختلاف الذوق شيء آخر. وهؤلاء كُتَّاب أوروبا وأدباؤها يتحدث بعضهم إلى بعض, ويتحدثون إلى جمهور الناس في الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية, فلا يختلف الذوق الأدبي فيما يكتبون باختلاف القراء، وإنما يؤثرون الوضوح والجلاء حينًا؛ فيطنبون ويسهبون ويصطنعون ألفاظًا ألفها الناس, ويؤثرون القصد والإيماء حينًا؛ فيوجزون ويتخيرون ألفاظًا منتقاة. والذوق هو الذوق، والكتابة هي الكتابة، وروح العصر الذي يعيشون فيه هو فيما يكتبون لنظرائهم, وفيما يكتبون لعامة الناس"٤. ويذهب طه حسين كذلك إلى أن إرضاء "الذوق الحديث سيكلفنا أشياء كثيرة ترضاها أساليب البحث العلمي أو تحققها. لأن الذوق الحديث شيء يحرص عليه الرأي العام"٥. وتأسيسًا على هذا الفهم، يمكن القول: إن التقويم الصحفي في المقال التحليلي عند طه حسين يصدر عن نفس الرؤيا النقدية التي صدر عنها مقاله النقدي، واتجاهه نحو "التقويم" الأدبي، الذي يصدر عن "تمحيص للعلم, ودلالة على ما فيه من حق يجب أن يبقى، وباطل يجب أن يزول، أو قل: على ما تعتقد أنه حق أو باطل"٦، وبذلك يتفق طه حسين مع المبادئ المقنعة في التقويم حين تذهب إلى أن المحلِّلَ يجب أن يبدي "تواضعًا وحذرًا معقولين"٧، كما أن من العدالة أن "نضيف بأن قلة من الناس هي التي تملك الموهبة والثقافة اللتين تتيحان لنا أخذ الأحكام مطمئنين، ولا يستثنى من ذلك الدارسون المحترفون في هذه الأمور"٨ وهكذا لا يرجع اختلاف

стр. 367

آرائنا إلى أنَّ بعضنا أرجح عقلًا من بعضنا الآخر، ولكن كما يقول ديكارت: إلى مجرد أننا نوجه أفكارنا في طرق مختلفة, وأننا لا نلحظ نفس الأشياء. ذلك أنه لا يكفي أن يكون لدينا عقل صائب، ولكن المهم هو أن نستخدمه استخدامًا جيدًا, ولذلك وجدنا للتقويم الصحفي أسسًا تستمد من التقويم النقدي عند طه حسين، والذي يعتبره أعدل الحاكمين. ومن الحق علينا أن نبين أن مفهوم التقويم الصحفي في المقال التحليلي عند طه حسين لم يَعُدْ ملتبسًا بالتجريح كما كان الحال في طور التكوين، وإنما أصبح التحليل الصحفي بعد ذلك يرادف التقويم المنصف, وبيان المحاسن والمساوئ، يتضح ذلك من بنيان التحليل نفسه، كما تقدَّم، حين يبدأ التحليل بالنبأ الجديد المطلوب إجراء تحليل عنه أو حوله، ويتسع التحليل من هذه النقطة ليواجه هذا النبأ بأنباء أخرى داخل سياق حركة الأحداث عمومًا في أكثر من اتجاه. وعلى ذلك يمكن أن نستخلص السمات العامة للتقويم الصحفي في مقال طه حسين فيما يلي:

стр. 368

أولًا: اعتماد التقويم الصحفي على الذوق أو العقل الذي يستخدمه استخدامًا جيدًا كما يذهب ديكارت إلى أن هذا الاستخدام الجيد للذوق, هو الذي يتضمن المقدرة على هذا الحكم السليم وتمييز الحق من الباطل، على أن هذا الذوق الصحفي عند طه حسين كما تقدَّم أيضًا على حاسة صحفية دقيقة يذوق بها الأحداث الجارية، كما يقوم على حاسَّة تاريخية وثقافة عريضة، إلى جانب حاسته الاجتماعية المرهفة، كما أن هذا الذوق الصحفي يتحدد في التقويم بتصوّر الدوائر الثلاث في كتابته دائمًا، ونعني: سياسة الجريدة, وصياغة المقال, واهتمام القراء. وقد سبق أن تعرّفنا على احتفال طه حسين الشديد بالذوق الصحفي في تذوق الأحداث وتقويمها، كما تبين من قوله: "إن للظروف السياسية ذوقًا كثيرًا جدًّا، دقيقًا جدًّا، شديد الحسِّ، شديد التأثر، شديد التفكير في غد، شديد الملاحظة"١. كما تبين من بنية التحليل الصحفي نفسها، التي ينتقي فيها أخبارًا معينة، يقابلها بحالات خبرية معينة، داخل حركة سياق الأحداث، وهو الانتقاء الذي يقوم على ذوقٍ صحفيٍّ في المحل الأول، ذلك أن هذا الذوق

стр. 369

"يكون في الأدب والفن، والذوق يكون في الحياة الاجتماعية اليومية، ويكون خصلة من خصال الشعب الذي عظم حظُّه من الحضارة وإمعانه فيها"١. ويعرِّفُ "بعض المعاجم الذوق بأنه: ملكة طبيعية تسبق التفكير, وتعين على تمييز الجيد من الرديء، والحسن من القبيح, وما يليق مما لا يليق، ويقول هذا المعجم: إن لكل إنسان من هذا الذوق حظًّا، ولكن هذا الحظ يقوى ويضعف باختلاف ما يكون عليه الإنسان من ثقافة وحضارة واتراف في العقل والقلب والضمير.. ويقال كذلك: إن الذوق يتغير بما يصيب الحضارة من تطور, فيفسد بعد صلاح، ويقبح بعد حسن، ويشيع فساده وقبحه بمقدار ما يصيب الحضارة من ضعف وانحطاط"٢. ويذهب طه حسين إلى أن الذوق كثيرًا "ما يفسد حين يطرأ على الحضارة المستقرة المطمئنة التي بعد بها العهد, وألفتها النفوس, وتوارثتها الأجيال, طارئ عارض عنيف يغير من سيرة الناس في حياتهم المادية أولًا، ثم في حياتهم العقلية بعد ذلك"٣. ويذهب طه حسين إلى أن فساد الذوق الناجم عن إفساد الإنسان "يغير من جمال الطبيعة, ويغير كثيرًا من حقائق الأشياء، تدفعه إلى ذلك مصالحه العاجلة أحيانًا"٤, ويؤدي إلى الخطأ في "الحكم والتقدير"٥، وهو لذلك يبدي "حذرًا وتواضعًا معقولين" في التقويم الصحفي، فيبحث ويستقصي٦، ويلفت القراء "إلى طبيعتهم الديمقراطية الحرة، وإلى ما تصب عليهم الظروف والأحداث من الفساد المتصل, الذي يحولها عن أصلها الجميل السمح إلى شيء آخر بعيد كل البعد عن السماحة والجمال"٧، ويتوسَّل بذوقه السليم إلى تذوق الأحداث والأنباء من "صحف لا تحصى, ولا يحصى ما فيها من الكلام، تصابح الناس وتماسيهم، وثرثرة لا تحصى في الراديو تصابح الناس وتماسيهم، وهراء كثير لا يُحْصَى يشغل الناس عن أنفسهم وعن حياتهم، وعن آمالهم وعن آلامهم"٨. ويتجه به الذوق الصحفي السليم إلى معرفة اهتمامات القراء، كما تبين من اتجاهه القويِّ إزاءهم، وكما يبين من ملاحظته للصحف المصرية في فصل الصيف حين لا تُعْنَى إلا بشيئين اثنين "أحدهما: موسم الامتحانات وما يثير من ضجيج وعجيج, ومن شكاة واستعطاف, ومن نقد للأسئلة ولومٍ للسائلين، والثاني: مصايف البحر وما تثير من هذا السخط الذي تمتلئ به نفوس جماعة

стр. 370

يصور هذا النموذج نمطا آخر من أنماط المقال التحليلي عند طه حسين يقوم على انتقاء زوايا محددة من "الجديد" الناشئ عن مقابلة النبأ الجديد بالحالة الخبرية العامة السابقة عليه.

стр. 371

من المتحرجين، يغضبون للحياء والأخلاق، ويكتبون الفصول الطوال يَسْتَعْدُونَ بها الحكومة على حماية الحياء والأخلاق. وما أظن أن كُتَّابنا يعنون بغير هذين الأمرين من أمور الصيف خاصة. هم إذن لا يرفقون بأنفسهم, ولا يرفقون بقرائهم، بل يكتبون في الصيف كما كانوا يكتبون في الشتاء، فإن أخذوا بحظٍّ من هذا الرفق امتنعوا عن الكتابة امتناعًا، وصدوا عنها صدودًا، وأراحوا أنفسهم من الكدِّ, واستمتعوا بفترةٍ قصيرة من الهدوء الذي هم أهل له. ولكن الصحف لا بُدَّ من أن تظهر, ولا بُدَّ من أن تظهر ممتلئة الأنهار, وهنا يلقى أصحاب الصحف من صناعتهم الجهد كل الجهد، ويلقى القراء من صحفهم العناء كل العناء؛ أولئك يريدون أن يملأوا الصحف فلا يجدون ما يلأونها بها، وهؤلاء يريدون أن يقرأوا فلا يجدون ما يقرأون, وكذلك يصبح الصيف فصل الكساد الأدبي العام, ومع ذلك, فما أبعد الصيف عن أن يكون فصلًا من فصول الكساد لو عرفنا كيف نستقبله ونحتمله ونعاشره ونفارقه كما يفعل غيرنا من الناس"١. ويبين أثر الذوق الصحفي في مقال طه حسين من تحديده مهمته بإزاء ملاحظته تلك: "على أني مجتهد منذ الآن في أن أغير للقراء من أحاديث الصيف, لعلي أن أعينهم وأعين نفسي على احتماله حتى تنجلي عنا غمرته, ولهم عليّ ألَّا أحدثهم في موضوع واحد مرتين حتى تنقضي هذه الأشهر الطوال". ويتضح أثر الذوق الصحفي من اختيار النبأ الذي يقوّمه في ضوء الحركة العامة للأحداث كما تقدَّم، ونكتفي في هذا الصدد بنموذج لمقال بعنوان: "عيد"٢ يستهله ببيت شعر للمتنبي: عيد بأية حال عدت يا عيد ... بما مضى أم لأمر فيك تجديد "هذا سؤال ألقاه المتنبي على أحد الأعياد في مصر منذ ألف عام، وأظن أن كل شاعر أو غير شاعر يستطيع أن يلقيه اليوم على عيد الاستقلال الذي تنعم به مصر السعيدة, ويستطيع أن يلقيه في نفس اللهجة البائسة التي اصطنعها المتنبي، فقد تغيرت أشياء كثيرة منذ ألف عام في مصر، ولكن شيئًا واحدًا لم يتغير, وهو أن الشعب المصري ما زال كما تصوِّره قصيدة المتنبي؛ راضيًا ناعمًا رضيّ البال, تختلف عليه الأعياد فيستقبلها مبتهجًا مغتبطًا؛ لأنها تحمل إليه من ألوان السعادة والبهجة والغبطة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"٣. ثم يقول بعد هذا التمهيد: "وقد أرادت دورة الفلك أن يستقبل المصريون اليوم عيدين في نهار

стр. 372

واحد: عيد قديم بَعُدَ به العهد, وهو عيد وفاء النيل، وعيد حديث قَرُبَ به العهد, وهو عيد الاستقلال". "ففي مثل هذا اليوم من سنة ١٩٣٦ أمضى المصريون، وكانوا يومئذ مجتمعي الكلمة, موحدي الرأي، هذه المعاهدة التي تنظم الأمر بيننا وبين حلفائنا الإنجليز، ثم عادوا فقرروا أن هذا اليوم سيصبح عيدًا وطنيًّا يذكر فيه المصريون خطوة خطيرة خَطَوْهَا في سبيل الاستقلال"١. ويتخذ من المقابلة بين النبأين وسيلة لتقويم حركة الأحداث: "وفي النيل فيجب أن يسعد المصريون، وفي الحلفاء فيجب أن يسعد المصريون وهم سعداء، ألا ترى إلى الحكومة قد قررت إراحة الوزارات والمصالح من العمل في هذا العيد السعيد، فأباحت للموظفين أن يناموا حتى يرتفع الضحى، وأن يستيقظوا آمنين لا يشفقون من الانتقال إلى دواوينهم مع صعوبة الانتقال، ولا من هذه الأعمال الشاقة المرهقة التي ينهضون بها في مكاتبهم، وأذنت لهم بأن يقيموا في بيوتهم إن يشاءوا, ويختلفوا إلى أنديتهم وقهواتهم أن أحبوا، يلقى بعضهم بعضًا باسمًا، ويلقي بعضهم إلى بعض ألوان الحديث، يتندرون بما تنشر الصحف من أخبارهم، وأخبار نظرائهم، ويتحدثون بما تنشر الصحف من ضروب الخصام والصراع بين المصريين، ويتفكَّهون بما تنشر الصحف المضحكة من ألوان الفكاهة وفنون الصور وصنوف الإشاعات, ويجدون في هذا كله اللذة كل اللذة، والنعيم كل النعيم. ومتى تلتمس اللذة إذا لم تُلتمس في يوم العيد، ومتى يُطلب النعيم إذا لم يُطلب يوم فاء النيل بالري والثراء, ويوم وفاء الحلفاء بالكرامة والاستقلال"٢. ويتوسّل بأدوات السخرية في التقويم القائم على المقابلة بين المثال والواقع: "فهم من أجل هذا كله يحتفلون بوفاء الحلفاء, كما يحتفلون بوفاء النيل. يوم من الأيام يمر وتتبعه أيام أخرى ليست خيرًا منه, وعسى ألا تكون شرًّا منه, نعيم قد قسم للقلة, وبؤس قد فرض على الكثرة، وسلطان قد أتيح للقلة، وخضوع قد فرض على الكثرة, ومصالح الحكومة ودواوينها معطلة، والموظفون يستريحون في الدور, ويقطعون الوقت في الأندية، والشمس تشرق باسمة ساخرة, والليل يقبل عابسًا مزدريًا، والأعلام تخفف، والشعب يعمل، والمتنبي وأمثاله يرسمون على ثغورهم هذه الابتسامة الحزينة الكئيبة المرة, ويسألون في صوت ساخر حزين: عيد بأية حال عدت يا عيد ... بما مضى أم الأمر فيك تجديد١

стр. 373

ثانيًا: إن طه حسين كان شديد الحفل بالأسلوب والوضوح في التحليل والتقويم سواء في طريقة الأداء اللغوي، أو في طريقة التعبير واتجاهاتها ومناهجها، ولعلَّ هذا الحفل أثر من آثار الأسلوب الديكارتي الذي توسَّل به في المقال التحليلي، ذلك أن القاعدة الأولى في هذا الأسلوب تقتضي عدم قبول شيء من الأشياء, أو خبر من الأخبار على أنه صحيح إلّا إذا عرف الكاتب المحلل في وضوح أنه كذلك. ومعنى هذا أن الكاتب المحلِّل يتلافى في حرص: التسرع والاندفاع، ولا يدخل في تقويمه إلّا ما يظهر لعقله على "نحو من الوضوح والتمييز, لا يترك معه مجالًا لوضعه موضع الشك". ولقد أعانه الأسلوب الاستقرائي في التحليل الصحفي على أن يتصور معظم الأشياء التي يمكن أن تكون محلًّّا لمعرفة الإنسان في ضوء حركة الأحداث، الأمر الذي مكَّن المقال التحليلي من التسلسل على نفس النمط الديكارتي -كما تقدَّم- وأنه لن تكون ثمة دلالات بعيدة إلّا ويصل إليها التحليل في النهاية، ولا غامضة إلّا ويكشفها مهما بلغ من بعدها وغموضها, وذلك من خلال التحليل في ضوء حركة الأحداث، التي تقتضي من المقال عدم الاقتناع بالأفكار, أو الاستنتاجات الخاطئة بحالٍ من الأحوال. فوضوح التحليل الصحفي من حيث المنهج يقوم على الدقة في مراعاة قواعد الأسلوب الاستقرائي، الأمر الذي ييسِّر للتحليل تفسير جميع المسائل والدلالات التي تنطوي عليها الأنباء في ضوء حركة الأحداث؛ بادئًا بالأبسط والأعم من الدلالات, ناظرًا إلى كل دلالة يصل إليها كقاعدة يستخدمها فيما بعد لكشف دلالات أخرى في التحليل الصحفي، ومن هنا ينجح المقال التحليلي في إقناع القارئ بأن الدلالات التي وصل إليها لن تبدو عديمة الجدوى، حين نتفق مع ديكارت١ على أن "لدينا حقيقة واحدة لكل شيء, وأن أي امرئ يكتشفها يعرف عنها كل ما يستطيع أن يعرفه إنسان"٢، الأمر الذي يتيح للتحليل الصحفي تفهُّم موضوعاته بشكل أكثر تميزًا ووضوحًا، من خلال البحث عن كل ما يتعلق بموضوع معين في إطار الحركة العامة للأحداث، ذلك أن التحليل الصحفي في سبيل الوصول إلى دلالات الأنباء يرفض روابط القياس, ولا يثق إلا في الاستقراء, "وهو الطريق الوحيد الذي يكون باقيًا أمامنا؛ لأن جميع القضايا التي تستنبطها -مباشرة الواحدة من الأخرى, تخضع منذ تلك اللحظة للحدث الحق، على شرط أن يكون الاستنباط يقينًا. ولكننا لو أخذنا نتيجة عدة قضايا متعددة لا رابطة بينها، فإن مقدرة عقلنا لا تكون

стр. 374

غالبًا من الكفاية بحيث نستطيع فهمها كلها في حدس واحد، وهي حالة يجب علينا أن نكتفي فيها بيقين هذه العملية. كما أننا لا نستطيع بنظرة واحدة أن نميز جميع الحلقات التي تشتمل عليها سلسلة أطول مما ينبغي، ولكننا إذا لحظنا مع ذلك ارتباط كل حلقة بالحلقة السابقة عليها والحلقة اللاحقة لها, فإن هذا سيكون كافيًا لكي نقول: إننا رأينا كيف تتصل الحلقة الأخيرة بالحلقة الأولى"١. وقد سبق فيما تقدَّمَ أن تعرَّفْنَا على توسُّل طه حسين بهذا الأسلوب الاستقرائي في التحليل الصحفي، وتبيَّن أن هذا الأسلوب يتيح للتحليل وضوحه وتميزه، عندما يذهب المقال التحليلي إلى البرهنة على قضايا معينة، فإنه يبرهن عليها ببعض الأنباء لكي ينتهي من طريق الاستقراء إلى نتيجة أو دلالة معينة، تخص كل الأنباء الأخرى. كما تبيَّنَ أن المقال التحليلي, أو التقويم الصحفي, يقوم على أسلوب منهجي، وليس هذا لأن بحث كل شيء في ترتيب ليس خير واقٍ من الأخطاء فحسب، ولكن أيضًا لأنه يحدث أحيانًا أنه إذا كان من الضروري دراسة كلٍّ من الأنباء المتعلقة بالهدف الذي يسعى إليه المقال، كلًّا على حدة، فإن حياة أي صحيفة لن تكفي لذلك، إما لأنَّ هذه الأنباء كثيرة التعدد, وإما لأنَّ نفس الأنباء تعود غالبًا تحت بصرنا من جديد, ولكننا لو وضعنا هذه الأشياء أو الأنباء في نظام جيِّد لكي يمكن ردها في معظم الأحيان إلى أنواع محددة, فإنه سيكفينا -كما يقول ديكارت٢ أن نختبر بدقة نوعًا واحدًا من هذه الأنواع وشيئًا معينًا من كل هذه الأنواع, أو بعض الأنواع دون بعضها الآخر، وسنضمن على الأقلِّ أننا نمر على شيء واحد مرتين بلا فائدة, وسيسدي لنا هذا المنهج مساعدة يكون من شأنها أن تجعلنا نقوم بلا عناء وفي وقت قصير بعدد كبير من التحليلات الصحفية التي تبدو لنا واسعة للوهلة الأولى. ومن أثر هذا المنهج في مقال طه حسين -كما تقَدَّمَ- اتساع التحليل ليواجه النبأ الجديد بأنباء أخرى داخل سياق حركة الأحداث عمومًا في أكثر من اتجاه، فقد يُقَابَل النبأ الجديد بمعلومات وأنباء تنتمي إلى نفس القضية، أو مقابلة الأنباء الخاصة بقضية معينة بأنباء ومعلومات تُخْفِي قضايا أخرى ملازمة لها زمنيًّا، أي: مقابلة "النمط الخبري" الذي ينطوي عليه النبأ الجديد، بأنماط خبرية مشابهة له، أو متعارضة معه، أو تثير مقابلتها له مفارقات معينة تساعد في استخلاص دلالات معينة، ذلك أن المقال التحليلي أو التقويمي في صحافة طه حسين يدرك أنه يدور في الحياة السياسية "وما تستتبعه من

стр. 375

اضطراب"١ ولكن هذا كله لا يصرف مقاله عن "حياة العقل والشعور, ولذة العقل والشعور, إلى الشهوات السياسية والأهواء السياسية"٢، فالعالم قد "اضطرب اضطرابًا لم يعرف التاريخ مثله، واستمرَّ هذا الاضطراب أعوامًا أزهقت فيها نفوس لا يكاد يبلغها الإحصاء، وجرت فيها الدماء أنهارًا دون أن تكون في هذا التعبير مبالغة أو غلوّ، وآمت فيها نساء, ويتَّمَت فيها أطفال, واختلَّ فيها التوازن الاقتصادي والخلقي والأدبي اختلالًا لا مثيل له٣، ويقتضي ذلك كله أن يتجه المقال إلى التحليل والتقويم لحياة العقل والشعور، نتيجة اشتداد الصلات بين الأمم٤، فحرصت "الحرص كله على أن يعرف بعضها بعضًا, ويفهم بعضها نفسيات بعضها الآخر. وما أحسب أن الأمم تعاونت على الحياة العقلية والشعورية في عصر من العصور كما تعاونت عليها أثناء الحرب الكبرى"٥. وتأسيسًا على ذلك يقوم المقال التحليلي أو التقويمي عند طه حسين على الذوق والفهم معًا, "فقد تفهم أشياء كثيرة دون أن تذوقها"٦, فما "تظن أن الذين يذقون الموسيقى ويطربون لها يفهمونها جميعًا، بل نعتقد أن الكثرة المطلقة من الذين يسمعون الموسيقى فيطربون ويتأثرون وينتهي بهم ذلك إلى شيء يشبه الذهول، لا يفهمون الموسيقة كما يفهمها الموسيقيون الأخصائيون، فأنت ترى أن الذوق والفهم شيئان مختلفان"٧, ولكنهما حينما يجتمعان في التحليل الصحفي فإنهما يضمنان "الإصابة في الحكم"٨ أو التقويم. كما أنَّ الفهم والذوق من خلال الاستقراء السليم يضمنان للمقال التحليلي في نهاية الأمر اتصالًا فعالًا بالجماهير؛ لأنه يتحدث إلى "الناس بلغتهم" حتى يفهمه الناس٩, فكأنَّ هذه اللغة الصحفية لا تنفصل عن منهج التفكير الذي يتجه بالمقال التحليل نحو الوضوح والتميُّز، الأمر الذي يجعل التلازم بين منهج التفكير وطريقة التعبير تلازمًا لا انفصام له، فجاءت هذه الطريقة متيِّمزةً بالمرونة وإيثار العبارات الواضحة العقلية، وهي لغة تختلف عن "لغة السياسيين التي تضطرب بين الوضوح أو الغموض"١٠ ذلك أن أسلوب المقال بهذا المعنى هو أسلوب التحليل الذي يقتضي الوضوح واستنكار الاضطراب أو الخلل في لغة السياسيين وغير السياسيين. ولعل مما يجدر بالذكر أن مسألة الأسلوب هذه عند طه حسين قد صارت من الحيوية في رؤياه بحيث أصبحت على مرِّ الأيام محور قضية التجديد١١.

стр. 376

ثالثًا: إتجاه طه حسين في مقاله التحليلي إلى ربط "حدث" التحليل الصحفي بدائرة اهتمامات القراء وذلك لما يتمتَّع به من حاسَّة اجتماعية مرهفة، وقدرة على الانغماس في المجتمع, وموهبة في الحديث والإيناس, ونحو ذلك من الخصال التي تمكِّنه من الوقوف على حقيقة الرأي العام. ويرتبط هذا الاتجاه بقدراته التذوقية والتقويمية, ووضوح تفكيره وأسلوبه على النحو المتقدِّم، الأمر الذي يجعل المقال التحليلي عنده يتضمَّن ما فيه "النفع والغناء"١. ذلك أن الحاجة إلى الكتابة نفسها كما يحددها طه حسين تتلخَّص في أن "هناك حاجة إلى الكتابة تأتي من أن موضوعًا من الموضوعات مشكوك فيه, فلا بُدَّ من أن يثبت، أو غامض فلا بُدَّ من أن ينجلي، أو مجهول فلا بُدَّ من أن يُعْرَف، أو ضعيف فلا بُدَّ من أن يقوى, أو قوي فلا بُدَّ من أن يضعف. وهناك حاجة إلى الكتابة تأتي من أن قومًا لا بُدَّ من أن يكتبوا, وقومًا آخرين لا بُدَّ من أن ينشروا, وكثرة من الناس لا بُدَّ من أن تقرأ"٢. ومن ذلك تبين أهمية ربط كل تحليل أو تقويم صحفي بالجوانب المحلية التي تشغل القارئ، ومن هنا أيضًا كان علاج صحيفة لنبأٍ ما, يختلف عن علاج صحيفة أخرى لنفس النبأ حسب موقع الصحيفة، والمجتمع الذي تنتمي إليه. وتأسيسًا على ذلك, فإن طه حسين يذهب إلى إرضاء حاجات القارئ حتى لو كانت هذه الحاجة مجرَّد "حب الاستطلاع" أو "الفضول"٣ كما يقول الصحفيون اليوم، وكما قال طه حسين: فإن "من يظن أن مثل هذه الكتابة فضولًا لا خير فيه"٤ يخطئ "أشنع الخطأ"٥, ذلك أن "مثل هذه الكتابة ليس فضولًا ولكنه تَرَفٌ, والترف الأدبي هو خير ما في الأدب من متاع"٦. وقد سبق من النماذج المقالية المتقدِّمة، أن تعرَّفْنَا على اتجاه طه حسين القوي نحو قرائه، كما تبين من دراسة الأسلوب أيضًا، أن هذا الاتجاه يتمثَّل في "الإيناس" وأسلوب المحادثة، وتبيَّن من دراسة المضمون اهتمام الكاتب بالقضايا التي تشغل أذهان القراء، ونكتفي في هذا الصدد بنموذج تبين فيه هذه الاتجاهات القوية نحو القراء ومشاركتهم في تحليل موضوع المقال. يقول طه حسين تحت عنوان: "سؤال"٧:

стр. 377

"لا يكاد يلقيه أحد على أحد؛ لأن جوابه مرسوم في القلوب, ماثل أمام العيون, يحسه الناس جميعًا، ويشعر به الناس جميعًا, لا يختلفون فيه إلّا أن يكونوا صحفيين تدفعهم الضرورات الصحفية إلى أن يكتبوا فصلًا من الفصول. "وهذا السؤال متصل بالمندوب السامي الذي أٌقْصِيَ عن مصر منذ أيام: أَنَجَحَ هذا المندوب في مهمته التي أقام لها في مصر أعوامًا أربعة، أم قضى الله عليه بالفشل والإخفاق؟ "الق هذا السؤال على مَنْ شئت من المصريين, فسيجيبك في غير تردد ولا اضطراب إلّا أن يكون صحفيًّا تلزمه الضرورات أن يكتب فصلًا من الفصول, أو تضطره ظروفه السياسية الخاصة إلى أن يرى لنفسه رأيًا يؤمن به, وللناس رأيًا آخر يعيش منه، سيجيبك هذا المصري بأن المندوب السامي المنقول لم يظفر بقليل ولا كثير من النجاح. "فنجاح المندوب السامي في مصر ينظر إليه فيما يظهر من وجهين اثنين لا ثالث لهما، أحدهما مصري والآخر إنجليزي، فهو ينجح عند المصريين إذا استطاع أن يزيل ما بين مصر وإنجلترا من أسباب الخلاف والخصومة, ويقرِّب بينهما من آماد هذا الخلاف وهذه الخصومة، فيقضي على ما يثور في نفوس المصريين من عواطف السخط على الإنجليز, والتنكر لهم وسوء الظن بهم، أو يخفف من هذه العواطف لما يثير في النفوس بسيرته من أن الإنجليز ليسوا من الظلم والعسف، وليسوا من الاعتداء والطغيان؛ بحيث كان الناس يظنون, وإنما السلم والصلات التي تقوم على المودة والاحترام لا على القوة والبأس, ولا على هم أنصار العدل والداعون إليه، وحماة الإنصاف والحريصون عليه، وأصحاب البطش والعدوان"١. ويستمر في تحليل اتجهات الرأي العام المصري إزاء نبأ نقل المندوب السامي في مقابل تحليل اتجاهات رأي الإنجليز، لينتهي إلى دلالة تَنُمُّ عن قربه من الرأي العام المصري في ذلك الوقت: "فلم يبلغ سوء ظن المصريين بالإنجليز في يوم من الأيام ما بلغه الآن، لا نستثني من ذلك إلا أيام الثورة حين كانت الدماء تسفك, والنفوس تزهق بأيدي الإنجليز"٢. على أن الاتجاه نحو القراء في المقال التحليلي عند طه حسين، يتميز بالتحليل

стр. 378

والتقويم من حيث إن هذا المقال يذهب إلى أن يكون "توقعيًّا" و"تفسيريًّا" و"تعبيريًّا" في معظم الأحوال. والمقصود بالتحليل التوقعي: أن المقال ينظر إلى الأمام ليستكشف الدلالات المستقبلة، في ضوء الحركة العامَّة للأحداث، بحيث يوحي للقارئ بأنه ينطلق من "موضوع اليوم"١. أو "حديث المساء", كما يحب طه حسين أن يكون عنوان مقاله الثابت. والمقصود بالمقال التفسيري: أن التحليل يستقرئ الأنباء، "ويغوص في أعماقها"٢ ليفسِّر المغزى أو الدلالة التي تكْمُن فيها. إن المقال التحليل بصفة خاصة, والمقال الصحفي بصفة عامة في أدب طه حسين، يتجه إلى ذهن القارئ أكثر مما يتجه نحو عواطفه، ذلك أن هذا النمط المقالي يسعى أساسًا إلى إرضاء رغبة القارئ في الإعلام٣, وتقتضي هذه الرغبة بالضرورة أن يكون المقال "تعبيريًّا" يساعد القارئ على التفكير الأكثر وضوحًا في المسائل والمشكلات التي تقع في نطاق اهتمامه العام٤. وقد سبق أن تعرَّفْنَا على إغناء الأسلوب الاستقرائي لحاجات التميز والوضوح في مقال طه حسين، الأمر الذي يتيح لمقاله اتصالًا ناجحًا بجمهور قرائه، يستحوذ على اهتمامهم، ويثير لديهم الرغبة في التفكير، ويتيح لهم إمكانية ذلك. وصفوة القول: إن الرؤيا المنهجية السليمة تتيح للمقال أن يتصل اتصالًا فعَّالًا بحوافز الاهتمام عند القراء. ذلك أن ترتيب الحقائق والوقائع والآراء والشواهد التي ينتظمها التحرير المقالي تنظِّمُ المادة المنتقاة تنظيمًا يؤكد النقاط التي يُعْنَى بها القارئ في حدود المقال الصحفي٥ كما تبيَّن مما تَقَدَّمَ، ومن تنظيم المقال الرئيسي بصفة عامة. ومن ذلك على سبيل التمثيل أن طه حسين حين يعالج موضوع "افتتاح البرلمان" في عام ١٩٤٧، والذي سبق "عيد الجهاد وعيد الهجرة"٦، ويعرض لخطبة "العرش التي ألقاها رئيس الوزراء في البرلمان"٧، يربط ذلك كله بالجوانب المحلية التي كانت تشغل القراء المصريين في ذلك العام، ذلك أن المواطنين في "أثناء هذا كله كانوا يموتون مئات، ويمرضون مئات، يتخطَّفَهُم هذا الموت الطارئ، ويصرعهم هذا الموت الطارئ، ومن حولهم ألوف وألوف

стр. 379

يتخطَّفهم الموت العادي الذي لا يحمله الوباء، ويصرعهم المرض العادي الذي لا يحمله الوباء أيضًا. وفي أثناء هذا كذلك ملايين من المواطنين تنعم بالجهل الذي يحجب عنها حقائق الحياة، فلا ترى ما هي فيه، ولا توازن بين حياتها وحياة غيرها من أبناء الأوطان الأخرى ... وكانت هذه الملايين في أثناء ذلك أيضًا تنعم بفقرها الذي يشغلها بالتماس القوت وإطعام العيال وكسوتهم، دون أن تجد ما تسعى إليه، ولكنه يشغلها على كل حال بذلك، عن التفكير في حياتها, والموازنة بينها وبين حياة غيرها من أبناء الأوطان الأخرى! "كان هذا كله يحدث في الصحف من يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر نوفمبر, بينما كان رئيس الوزراء ينبئ البرلمان بما فعلت الحكومة وبما ستفعل، موفَّقَة في الماضي والمستقبل لإنقاذ الشعب من الموت والمرض، ومن الفقر والجهل، ولتمكين مصر الخالدة المجيدة من أن ترفع رأسها العظيم الكريم بين الأمم الراقية، التي لم تبلغ ما بلغت من المجد والفخار! "١. ومن ذلك يبين أن طه حسين حين يركِّز على القضايا المحلية التي تشغل الرأي العام, ويستخدم السخرية المرة من السياسيين المحترفين، إنما يصل قراءه بالقضايا المصرية الجادة الملحة، مثيرًا كل عوامل إثارة حوافظ الاهتمام عند هؤلاء القراء, بهدف التغيير السياسي الذي يطمح إليه المقال، ولذلك يستهلُّ مقاله بقوله: "لا يغضب المواطنون الأعزاء أن نشقَّ عليهم في القول, ونعنف بهم في الحديث, فقد يجب أن يقال الحق وإن لم يبلغ من نفوسهم موضع الرضا, وقد يجب أن يقال الحق وإن بلغ في نفوسهم موضع الغضب, وأثار في قلوبهم موجدة وغيظًا. والمواطنون الأعزَّاء قد تعوَّدوا أن يُكَالَ لهم المدح كيلًا, ويهال عليهم الثناء هيلًا، حتى رضوا عن أنفسهم أعظم الرضا، وسخطوا على غيرهم أشد السخط، وناموا ملء جفونهم والأحداث لا تنام، وعاشوا ساهين لاهين تتخطَّفهم النوائب وتعبث بهم الخطوب، فلا يغير ذلك من رأيهم في أنفسهم وحياتهم شيئًا؛ لأنهم قد ألفوا الرضا عن أنفسهم، والاطمئنان على حياتهم، فأصبح من أعسر العسر أن تخرجهم من هذا الرضا, أو تزعجهم عن هذا الاطمئنان.. ولا بُدَّ مع ذلك من أن يبصروا بحقائق الأمر، ومن أن يخرجوا من رضاهم, ويزعجوا عن اطمئنانهم، ويعلموا أنهم يعيشون أبغض العيش, ويحيون أبشع الحياة"٢. وهكذا تلتقي خيوط الرؤيا الصحفية لاهتمامات القرّاء، كما تلتقي بالتقويم السياسي أو الاجتماعي والثقافي، فإذا كانت "الحياة الأدبية في مصر

стр. 380

يشملها فتور مهلك"١, فإن الحياة السياسية والاجتماعية -كما يبين مما تقدَّم- يشملها فتور "مدن من الهلاك"٢ ومواجهة الأمرين وإن تعددت في الأساليب، إلا أنها تلتقي في رؤيا صحفية شاملة تذهب إلى استخدام المقال الصحفي في إيقاظ القراء، كما ذهبت إلى استخدام المقال النقدي "إيقاظ النائمين بالعنف٣، وهو لذلك قد يتوسَّل بالنزال أو الكاريكاتير أو التحليل الصحفي، تعمدًا لإيقاظ قوم نيام، قد طال عليهم النوم حتى كاد يشبه الموت"٤. أو كما يلخص حالهم في المثل العربي القديم: "جوع وأحاديث"٥ الذي اتخذه عنوانًا للمقال المتقدِّم, ويذهب إلى أنه "لم يوضع إلّا لهم، ولم يضرب إلّا فيهم، ولم يصوِّر إلا ما دأبوا عليه وتورطوا فيه، من كلام كثير لا يغني، وعمل قليل لا يفيد"٦. وصفوة القول: إن فن المقال الصحفي في أدب طه حسين بأساليب تحريره المتنوعة، يرتبط باستراتيجية قومية لا تفصل بين أساليب التحرير ومضمون المقال، من خلال نموذج اتصالي بالجماهير, يتمثَّل فيه مكانه من قيادة الفكر في تكوين الرأي العام المصري، الأمر الذي يوجِّه مقاله الصحفي إلى النهوض بمهام التوجيه والإرشاد والتقويم والتثقيف والتنشئة الاجتماعية، وهو لذلك يُعْنَى بالاجتماع والسياسة والاقتصاد عنايته بالفن والثقافة جميعًا، بحيث يمكن القول: إن طه حسين قد انتقل بالمقال الصحفي المصري من مرحلته اللغوية الأولى، إلى حيث أصبح يمثل العقل الذي يفسر ويوازن ويحلل ويشرح، ولم يعد ذلك اللسان المتبرع بالمدح أو الذمِّ وفقًا للأهواء دون ما ضابط. والواقع أن المقال الصحفي أخذ يقترب كثيرًا من الخبر والتحقيق الصحفي من حيث الموضوعية والدراسة، فهو عند طه حسين يشتق موضوعاته من الحياة الواقعة، وكذلك يشتق لغته من نفس تلك الحياة الواقعة، ويكتب باللغة التي يفهمها أكبر عدد ممكن من الشعب على اختلاف أذواقهم أو أفهامهم أو بيئاتهم وثقافاتهم، وهذه اللغة هي اللغة القومية في مستواها العملي وليست صورتها العامية، لأنها تمتاز بالبساطة والوضوح والإيناس واللطف والرشاقة، وتنأى ما أمكن عن صفات التعالي على القرَّاء, والتقَعُّر أو الغرابة في الأسلوب, والمبالغة في التعمق الذي لا تقبله طبيعة الصحف بحالٍ ما، على نحو ما تمثله البلاغة الجديدة في الاتصال بالجماهير.

стр. 381

ومن أجل ذلك وجدنا فنَّ المقال الصحفي في أدب طه حسين يقوم على الوضوح والدقة الاستقرائية والتشويق في صياغة المقال. الأمر الذي يجعله يقاوم إغراء الزوايا المحيطة بالنبأ أو الحدث، ليجيء مقاله مركَّز الفكرة، محدَّد الموضوع، واضح الهدف، بسيط التعبير، فينتقي من هذه الزوايا ما يخدم أهداف المقال، وما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقضيته، ونحن نعرف أن "الكاتب الذي حدَّدَ أهداف مقاله، ويتذكرها طوال تحريره، لن يستسلم لإغراء الهوامش، أو النقاط التي قد تذهب بالموضع بعيدًا عن قضيته الأساسية، والتي تكون في الغالب على حساب المراحل الأخرى في تحليل الموضوع وتحرير المقال، وهي مراحل قد تتساوى في الأهمية١". فوضوح الهدف على نحو ما تشير إليه دراسة الرؤيا الإبداعية في مقال طه حسين وتحديده يعصمان المقال من الاقتضاب المخلِّ, أو الغموض الذي يَضُرُّ بعملية الاتصاب بجمهور القارئين. ذلك أن المقال الأمثل هو الذي يعطي الحقائق في أسلوب بسيط ومباشر يؤثر الوضوح ويفضله في الاتصال بالقارئين٢. وهو الأمر الذي يرتبط بالرؤيا الإبداعية في مقال طه حسين كما تَقَدَّم، حيث تنبع بنية المقال وأسلوب تحريره من رؤيا تحرص على الوضوح والتميز، في نسق استقرائي يحتفظ باهتمام القراء، ويفجر رغبتهم في المعرفة، ويضعهم في حالة "ترقب" مستمر لما يجيء "من بعد"، كما يفعل الكاتب القصصي, ويمكن أن نتصور هذا النسق الاستقرائي في نمطين من الأنماط التي يتألَّف منها المقال الصحفي، في أدب طه حسين:

стр. 382

الصفحة بها رسوم ١- النمط الأول: "أ" شواهد مستقاة من الأنباء والاحداث والوقائع تتعلق بالنبأ الجديد. "ب" استخلاص دلالات جديدة للنبأ عن طريق مواجهته بحالات خبرية مقابلة. ٢- النمط الثاني: "أ" نبأ جديد محدد، أو حدث معين، أو شاهد موضح. "ب" استقراء للنبأ الجديد أو الافتراض الناشئ عنه من خلال حالات خبرية سابقة أو ملازمة أو متصلة الوجود ومقابلتها بالنبأ الجديد المحدد في قمة الهرم "أ".

стр. 383

ويبين من هذين النمطين بنية المقال الصحفي أن الكاتب قد يتوسّل بالهرم المقلوب أو بالهرم المعتدل في بنية المقال، على أن النمطين يتوسَّلان بأدوات التحليل الاستقرائي في تحرير المقال الصحفي بصفة عامة. ويمكن أن نستخلص سمات هذا التحليل في بناء مقال طه حسين فيما يلي: أولًا: الاهتمام بمحور المقال ومقدمته، ومدخله التمهيدي، ومظاهر هذا الاهتمام في مقال طه حسين تتلخَّص فيما يلي: ١- العناية بعنوان المقال: يتميِّز عنوان المقال الصحفي عند طه حسين بأنه عنوان "إعلامي" يشير إلى مضمون المقال، وأغلب الظن أن طه حسين قبل أن يشرع في إملاء المقال يكون قد تصوَّر عنوانه ومدخله وشواهده وخلاصته، ولذلك وجدنا هذا العنوان يرتبط ارتباطًا عضويًّا بمقدمة المقال، ومحوره وخلاصته، رغم أن هذا العنوان في كثير من الأحوال لا يتجاوز الكلمة الواحدة، ولذلك فإن قدرة طه حسين في انتقاء هذه الكلمة المعبِّرة الإعلامية ميزةٌ يمتاز بها بين الكثيرين من معاصريه، كما أن اتجاه العنوان إلى هذا التركيز الإعلامي يوحي بأن صلة القرَّاء بالكاتب كانت قد تمكَّنَت وتوثَّقت عراها، بحيث يخيل إلينا أن القارئ حين يقرأ عنوان المقال عند طه حسين يجد نفسه مشوقًا إلى معرفة الدلالات التي تكثفها هذه الكلمة الواحدة, التي تجمع في حروفها الدلالة العامة التي استخلصها من شواهده وأخباره واستقرائه، ونجد من ذلك على سبيل التمثيل للارتباط العضوي بين العنوان ومحور المقال ومقدمته، هذا العنوان: "مفاوضات١": "ليس موضوعها استقلال مصر، فقد انقضى ولو إلى حينٍ ذلك العهد الذي كانت تُعنى فيه الوزارات, أو تستطيع فيه الوزارات أن تُعنى بالمفاوضة في استقلال مصر, وأصبحنا والحمد لله في عهد سعيد تُشْغَل الوزارات فيه عن الاستقلال بما هو أجلّ من الاستقلال خطرًا، وأبلغ من الاستقلال تأثيرًا في حياة مصر، فإذا أتيح لها أن تفكر في الاستقلال واستكماله, فإنما تفكِّر في ذلك لتدخله في بيان من هذه البيانات التي تذاع يوم تؤلف الوزارات٢". وهكذا يبين من الضمير في كلمة "موضوعها" أن الضمير عائد على عنوان

стр. 384

المقال, أي: "مفاوضات بحيث لا يمكن الاستمرار في قراءة المقال دون التفكير في عنوانه، الذي يواصل الكاتب مدخله التمهيدي في إزالة ملابسات الدلالة لهذا اللفظ الذي ينتقيه، ليستخدمه بعد ذلك استخدامًا نزاليًّا، يصور انشغال الحكومة عن القضايا الأساسية التي يمكن أن يدل عليها عنوان المقال إلى قضايا يسلي هَمَّ المحزون. "فقد علمت الآن أنها "أي: المفاوضات" هذه التي تجري بين الوزارة، أو بين عضوين من أعضاء الوزارة، وبين حزب الشعب, ولهذه المفاوضات خصائص تمتاز بها من جميع المفاوضات التي سبقتها، ومن جميع المفاوضات التي قد تلحقها. "ومصدر هذه الخصائص إنما هو الظروف التي أسقطت وزيرًا وأقامت مكانه وزيرًا آخر, وأحدثت في حزب الشعب اضطرابًا أقلَّ ما يوصف به أنه يسلي هم المحزون. ومن ذلك يبين أن طه حسين يستخدم العنوان استخدامًا وظيفيًّا لخدمة وظائف المقال والدلالة عليها، ففي المثَلِ المتقدِّم تعرَّفْنَا على غرض نزالي، ذهب العنوان إلى تحقيقه، الأمر الذي يجعل للعنوان عند طه حسين شخصية متميزة، يوفر لها الكاتب عدة خصائص في مقدمتها: تركيز عبارات العنوان بحيث يجرده من جميع الألفاظ التي يمكن الاستغناء عنها؛ وقد رأينا كيف أن هذا التركيز يصل بالعنوان في كثير من الأحيان إلى كلمة واحدة؛ ومن العناوين التي اتخذت كلمة واحدة١. - خلاف٢. - أزمة٣. - معضلة٤. - ثورة٥.

стр. 385

كما نجد في بعض العناوين النزالية استخدام فعل الأمر في التعبير عن العنوان, والحكمة في ذلك هي أن يستميل القارئ ويشعره بأنه يعيش في جوِّ الموضوع الذي يتحدث عنه المقال, ومن ذلك: - تعالوا فانظروا بمن ابتلاني؟ الوزارة الإدارية١ أو استخدام الفعل المضارع في التعبير عن العنوان لنفس الغرض, مثل: - الناس يتحدثون: الوفد والوزارة٢. كما يستخدم علامات التعجب لتوحي بالسخرية أو التعجب في خدمة أغراض النزل: - الوزارة تعمل! ٣. ومن خصائص العنوان في مقاله طه حسين كذلك حرصه الشديد على أن تكون ألفاظه ملائمة بقدر المستطاع لغرضه وللطراز الذي جُمِعَ به, ومن ذلك: - بين العروبة.. والفرعونية٤. والغرض من ذلك هو تركيز عبارات العنوان, وتوفير الحيز الذي يمكن استغلاله في تحليل دلالات الموضوع، التي توحي إليها الكلمة المركزة أكثر من غيرها. ونخلص من ذلك إلى أن عنوان المقال عند طه حسين يشير إلى الارتباط العضوي بين العنوان وموضوع المقال الذي يعبِّرُ عنه، بل إن هذا الارتباط في كثير من الأحيان ارتباط لفظي، كما تبين من استخدام الضمير في النموذج المتقدِّم، وكما يبين من الارتباط بين هذا العنوان ومقدمة الموضوع. - تجربة ٥ ... "ليس في نجاحها "أي: التجربة" شك ولا ريب، فيجب أن تستغلَّ، وأن تستغل إلى أقصاها! وهي هذه التجربة التي عمد إليها رئيس الوزراء ليتبيَّن ويتبيَّن الذين يؤيدونه، أيمكن أن تجري الأمور في مصر على وجه من الوجوه دون أن تكون فيها وزارة قائمة! ".. إلخ.

стр. 386

كما أن عنوان المقال عند طه حسين يشير صراحةً إلى قدرته على سبر الأسرار اللغوية العربية واستخدامها بما يخدم أغراض المقال، ويؤدي وظائف العنوان، ومن ذلك ما يشير إلى حصيلته اللغوية واستخدام أسرارها استخدامًا وظيفيًّا هذا العنوان: "رمتني بدائها وانسلت١. ويرتبط هذا العنوان كذلك بمقدمة المقال ارتباطًا عضويًّا, يقول: والتي رمتني بِدَائِهَا هي إذاعة دمشق والطائفة الطاغية الباغية التي تدير أمرها, وتوجه أحاديثها, وتفرض عليها في كل لحظة أن تغيّر حقائق الأشياء, وأن تتكلف الكذب على السوريين وغير السوريين في غير تحفُّظٍ ولا تحرُّج ولا استحياء. وداؤها الذي رمتني به هو أني لم أكتب المقال الذي نشرته الجمهورية صباح السبت الماضي من تلقاء نفسي, ولا من وحي ضميري, ولا من تفكير عقلي, وإنما أُمْلِيَ عليّ ذلك المقال فحفظته عن ظهر قلب, وأمليته كما تلقيته, وأرسلته إلى الجمهورية فنشرته كما تلقته مني٢".. إلخ. "جوع وأحاديث٣". كما يستخدم كلمة "بطر..! ٤" عنوان المقال يردُّ فيه على مزاعم الانفصال السوري عن الوحدة. ويستخدم كلمتي: "التبعة الكبرى٥" عنوانًا لمقال يحمِّل المتمردين في سوريا تبعات الانفصال كما تقدم، وما ترتَّب عنها من تحرُّش إسرائل, وتحويل مجرى الأردن. كما يستخدم عنوان: "السياسة السلبية٦" للدلالة على سياسة الوزارة النسيمية. وكما أفاد أسلوب طه حسين من ثقافته الأوربية إلى جانب الثقافة العربية، فأضفى عليه مزاجًا خاصًّا؛ فيه من لغة العرب البيان والإشراق واللمح، وفيه من الفرنسية الوضوح والإبانة والدقة، يمكن القول كذلك أن عنوان مقاله قد أفاد من هذا المزاج ومن هذه السمات.

стр. 387

ولذلك نجده في بعض الأحيان يستعير "عنوانًا" من كاتب فرنسي معروف, جعله عنوانًا لمقال له في صحيفة فرنسية١، كما نجد في عنوان: - "رسل البغضاء٢". الذي استعاره من صيحفة "الفيجارو". وهذا المقال يصور أروع تصوير وأبرعه نفوس المحافظين من أنصار الاستعمار، وعقولهم وضمائرهم وقلوبهم أيضًا٣. وإذا كان المازني قد أخذ على أسلوب طه حسين كثرة العطف حيث لا مقتضى هناك للكثرة، وكثرة التكرار للألفاظ, والترديد للعبارات, فقد رأينا أن هذا التكرار محمود صحفيًّا؛ لأنه يؤدي وظائف صحفية، وهو الأمر الذي يمتاز به مقال طه حسين في استخدام "العطف" كذلك في عنوان المقال، كان يكتب عنوانًا يقول: - "والآن ... ٥". - "ثم ... ٦". وفي هذا المقال تبدأ المقدمة بقوله: "نعم ثم، كلمة تتردد في جميع الأفواه, وتنفتح عنها جميع الشفاه، وتضطرب في كل قلب، وترتسم في كل عقل، وتفرض نفسها على كل ضمير، منذ ختم صدقي باشا، أو ختمت أعمال صدقي باشا, أو ختمت الظروف القاهرة لصدقي باشا حياته اليائسة "مساء الخميس". ومن ذلك يبين كيف منح طه حسين لهذا اللفظ مدلولًا سياسيًّا. ويتسم عنوان المقال عند طه حسين كذلك بحاسَّته المتميزة في بناء الجملة التي يشتمل عليها العنوان أو انتقاء الألفاظ بحيث لا تحتمل غموضًا أو إبهامًا، ومن ذلك: - "وقوف وصمت٧" - "وزارة بلا برنامج٨" - "إن الله مع الصابرين.. أهذا هو برنامج ١٠ الوزارة؟ " - "حديث وتصحيح, أو تورط كامسترو٩"

стр. 388

- "سياسة المعاذير١" - "البرنامج المرن - لوزان٢" - "بم يخفق البرق٣" - "خوف ومكر٤" - "الوحي مشفق٥" - "لا تفروا!! ٦" - "إذن فقد استقالوا٧" - "تكلّم نسيم! ٨" وكثيرًا ما يكون للعنوان في مقال طه حسين بحد ذاته قيمة حقيقة في التحرير؛ إذ يمكنه أن يعبر عن الرأي الوارد في المقال الصحفي بأكلمه, أو يمهِّد الطريق إليه. على أنه يقتصر في بعض الأحيان الأخرى على أن يكون مجرد دافع أو حافز للانتباه. ومن ذلك يبين أن العنوان عند طه حسين؛ سواء أكان جملة أم كلمة واحدة فأكثر، يعتبر وحدة لغوية قائمة بذاتها، ولكنه لا يتعارض مع مبدأ تجريد العبارة أو الجملة أو الوحدات اللغوية التي يتألف منها العنوان من جميع الألفاظ التي يمكن الاتسغناء عنها، بحيث يجيء العنوان في نهاية الأمر مرتبطًا بمضمون المقال ارتباطًا عضويًّا، موحيًا بما فيه. ٢- التقديم للمقال بالدلالة العامة المستخلصة في التمهيد لمحور الموضع: كما يبين من النمط الأول في بناء المقال, والذي يتخذ شكل الهرم المقلوب المستَخْدَم في القصة الخبرية، بمعنى: أن الكاتب يأتي بالفكرة الرئيسية, أو الدلالة العامة المستخلَصَة من استقرائه في صدر المقال، ثم ينتقل بعد ذلك إلى مقابلة

стр. 389

الحدث الجديد بحالات خبرية سابقة أو ملازمة أو متصلة الوجود على النحو المتقدِّم, وفي هذا النمط المقالي عند طه حسين يبين الأثر الصحفي المستفاد من قالب القصة الخبرية، على أننا نرجِّح أن اتجاهه إلى هذا النمط إنما هو أثر من آثار الأسلوب الاستقرائي الديكارتي في التحليل، وفي هذا النمط المقالي نجد أن صدر المقال يشتمل على أهم النقط الرئيسية المستخلصة من الدلالة الجديدة لموضوع المقال، كما أن هذه الدلالة الجديدة ترتبط ارتباطًا عضويًّا بعنوان المقال كما تَقَدَّمَ، ومن ذلك أيضًا مقال بعنوان: - "مضاربة ... ١" يقول في مقدمته: "يظهر أنها قوام سياستنا الرسمية في هذه الأيام، ليست مقصورة على القطن، وإنما تتجاوزه إلى غيره من المصالح العامة التي تعنى بها الوزارة, أو تشتغل بها الأحزاب المؤتلفة حول الحكم. فلم يكن صدقي باشا إلّا مضاربًا حين أنذر بالاستقالة من الحكم، وحين أقدم عليها. كان يرجو أن يربح فلم يظفر إلا بالخزان، ولم يكن صدقي باشا إلّا مضاربًا حين فَصَلَ من الحزب مَنْ فصل؛ ثم سحب قراره سحبًا، وارتاح لعودة المفصولين, وطلب إلى حزبه أن يرتاح. "ولم يكن رئيس الوزراء إلا مضاربًا حين استقال من حزب الشعب، كان يقدِّر أنه سيضعف حزب الشعب أو سيضعف خصمه صدقي باشا رئيس حزب الشعب، فلم يبلغ مما كان يقدر شيئًا، لأن حزب الشعب لم يكن قويًّا فيضعف، ولأن صدقي باشا لم يستمد قوته في يوم من الأيام من حزب الشعب٢". وهكذا ينتقل من الدلالة العامة المستخلصة من الأحداث، إلى مناقشة الأحداث الملازمة والمتصلة الوجود بالحالة السياسية, والتي يستخلص منها هذه الدلالة التي طرحها في مقدمة المقال، ذلك أن "كل شيء يأتيه هؤلاء الناس الآن مضاربة تقوم على حب الخطر والمجازفة، وعلى اللعب بما في اليد من الورق، فقد يربح اللاعب، وقد يخسر, وما دام الربح ممكنًا فلا ينبغي التقصير في طلبه والسعي إليه٣". "ثم يختم المقال بنتيجةٍ تتفق مع الدلالة التي استخلصها في مقدمة المقال:

стр. 390

"ما أعرف أن مصر احتاجت في يوم من الأيام إلى أن يطهر جوها السياسي كما تحتاج إلى ذلك في هذه الأيام١". ٣- أما النمط الثاني في بنية المقال الصحفي عند طه حسين فهو نمط الهرم المعتدل: ذلك أن الفكرة النهائية أو الخلاصة أو الدلالة العامة المستخلصة تأتي في النهاية, وأما الشواهد والحالات الخبرية فتكون قبل ذلك، على أن قمَّة هذا الهرم تبدأ بحدث محَدَّد أو مثال معين؛ أو شاهد موضح، تتم مقابلته في صلب المقال بحالات خبرية سابقة أو ملازمة أو متصلة الوجود، من خلال الأسلوب الاستقرائي في العرض والتحليل والمقابلة، حتى ينتهي المقال عند قاعدة الهرم المعتدل بالدلالة الجديدة المستخلصة من هذا الاستقراء، داخل سياق حركة الأحداث, كما سبق أن عرضنا لنماذج من هذا النمط عند الحديث عن المقال التحليل. ونكتفي في هذا الصدد بنموذج واحد من مقالات طه حسين التي توسَّلت بهذا النمط في بنية المقال، ونعني مقال: "غموض ... ٢"، والذي يبدؤه بحدث محدد يصدر به مقدمة المقال: "كان الناس يتهامسون في الأسبوع الماضي بأن شيئًا جديدًا قد طرأ في مسألة الدَّيْنِ وأداء فوائده ذهبًا أو ورقًا؟ وكانوا يتهامسون بألوان من الأحاديث في تفسير هذا الشيء الطارئ, وأشرنا نحن إلى هذا كله حين أخذنا الوزارة القائمة بالمواقف المريبة التي تقفها بإزاء المفاوضات والامتيازات والدَّيْن. ولم نرد أن نبسط القول، فقد زعموا أن من الحق على الصحف إذا عرضت لبعض المسائل السياسية الخارجية أن تصطنع الدقة وتحرص على الاحتياط، وألا تقول كل ما تعلم حتى لا تخرج الذين يشتغلون بهذه السياسة الخارجية, ولا تثير من المشكلات ما لا خير في أن يثار, لذلك لمَّحنا ولم نصرِّح, وأجملنا ولم نفصِّل, وقدرنا أن في هذا التلميح ما يكفي. "ولكن يظهر أن الأهرام تريد أن تخطو خطوة أوسع من خطوتنا نحن، فهي تلمِّح أيضًا ولكن تلميحها أقرب إلى التصريح, وهي تجمل ولكن إجمالها أدنى إلى التفصيل, وهي تحدثنا صباح اليوم بأن مسألة الدَّيْنِ قد طرأ عليها تعقيد
следующие страницы →