كذلك فطن ابن تيمية إلى أن منطق أرسطو ليس في الحقيقة إلا تحصيل حاصل بمعنى أنه لا يضيف جديدًا من المعارف إلى من يأخذ به، وأحسن ما يقدمه المنطق أنه يستخدم في عرض المعلومات التي تكون قد اكتسبت بخبراتنا السابقة.
ويقرر ابن تيمية أن علماء الطب والحساب والنحو وأهل العلوم المختلفة لا يستعينون في مؤلفاتهم بالحدود المنطقية، وأن القياس المنطقي الذي وضعوه وحددوه لا يُعلم بمجرده شيء من العلوم الكلية الثابتة في الخارج، وينتهي ابن تيمية إلى تقرير حقيقة منطق أرسطو حين يقول: "أما بعد؛ فإني كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به الغبي، ولكني كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأيته من صدق الكثير منها، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه".
وإذا تركنا موقف ابن تيمية من منطق أرسطو لنرى ما يقول ديكارت في القرن السابع عشر عن هذا المنطق لم تجد لديه أكثر مما قال ابن تيمية قبل ذلك بثلاثة قرون، لقد قال ديكارت إن القياس يستخدم بالأحرى؛ لكي يفسر المرء للآخرين الأشياء التي يعلمونها بدلا من أن يكشف لهم عن تلك التي يجهلونها، ولذلك فمن واجب المفكرين أن يقلعوا عن استخدام القياس على النحو الذي كان يفعله أتباع أرسطو حتى القرن السابع عشر، وأوجست كونت كان يرد في القرن الماضي ما قاله ابن تيمية عن منطق أرسطو، أما في القرن الثالث عشر الذي كانت علوم العرب تغزو فيه أوروبا فإننا نجد
стр. 72
روجر بيكون يدعو معاصريه ألا يصبوا لعناتهم على الرياضة والملاحظة والتجارب بدعوى أنها علوم عربية وإسلامية، بل عليهم أن يفسحوا المجال لها إيمانا منه بأن ذلك هو الطريق إلى منهج جديد وروجر بيكون هذا هو الذي لقبه رينان بأنه الأمير الحقيقي للفكر الأوروبي في القرن الثالث عشر١.
ثانيا: أما ابن خلدون فبالإضافة إلى أنه أول من أسس علم الاجتماع على منهج علمي سليم قائم على استقراء أحوال البلاد وظروفها الطبيعية فإنه قد اهتدى إلى أن هناك نوعين من الاستقراء أحدهما فطري والآخر علمي، وهذه الفكرة وجدناها عند كلود بارنارد في القرن التاسع عشر وشرح كل من هذين المفكرين لهذين النوعين من الاستقراء يكاد يكون واحدًا، فرغم اختلاف الاستقراء الفطري عن الاستقراء العلمي في الدرجة إلا أن كلا منهما طريق صحيح لكسب المعلومات الجديد التي لا يمكن الوصول إليهما عن طريق القياس اليوناني، وابن خلدون يشرح الاستقراء الفطري بأنه عبارة عن المعاني التي يستخدمها المرء في التطبيق العلمي دون أن يشعر بها؛ لأنها من المعاني التي اكتسبها عن طريق الخبرة الزمنية، وهذه المعاني لا تبعد عن الشعور ولا يلتفت إليها المرء؛ ليتعمق فيها، يقول ابن خلدون: " ... بل كلها تدرك بالتجربة وبها تستفيد؛ لأنها
стр. 73
معانٍ جزئية تتعلق بالمحسوسات وصدقها وكذبها يظهر قريبًا من الواقع، فيستفيد طالبها حصول العلم بها.
وفي هذا النص نجد أن خطوات المنهج الاستقرائي الفطري محددة وواضحة حيث يجمع المرء الوقائع الجزئية عن طريق التجارب اليومية، ثم يضع فروضًا تكاد تكون غير شعورية ثم يتحقق من صدقها أو كذبها بالواقع.
وما سماه ابن خلدون بالاستقراء الفطري هو ما أطلق عليه كلود بارنارد بالخبرة العلمية غير الشعورية التي يكتسبها المرء بمباشرة الأشياء، ومع ذلك فمن الضروري أن تكون هذه المعرفة المكتسبة بهذا الطريق مصحوبة بتفكير تجريبي غامض يتم بطريقة غير شعورية يقوم بها الإنسان دون أن يدري، وفرَّق ابن خلدون بين الاستقراء الفطري والعلمي، فإن الاستقراء العلمي يتم بطريقة شعورية للوصول إلى غاية محددة، وذلك بأن ينتقل الباحث بطريقة مقصودة من دراسة الأمثلة الجزئية حتى يصل إلى القاعدة العامة.
هذه بعض النماذج التي ذخر الفكر العربي بالكثير منها في وقت كانت أوروبا تقف فيه من هذا التراث موقف التلميذ المتلقي، ولا أدلّ على ذلك مما كتب في دائرة المعارف البريطانية١.
لا يستطيع أحد أن ينكر ما اتصف به التفكير الغربي في العصور الوسط من البعد التام عن العلوم وعن النقد. إن وجود شخص واحد مثل روجر بيكون في عصر ما لا يبرئ ذلك العصر من تهمة الجهل: "ولقد أبدى بيكون إعجابه في أكثر من موقف من الرجل الذي يريد أن يبحث في الفلسفة دون أن يعرف اللغة العربية٢، وهذا يعتبر اعترافا صريحا من روجر بيكون بقيمة الزاد الحضاري الذي أمكن أن تقدمه هذه اللغة في تراثها، ولا يخفى أن هذا المفكر نفسه قد أفاد من هذه اللغة وتراثها بحيث اعتبره الأوروبيون أبا للفكر الحديث.
стр. 74
٣- بين الاستشراق والاستعمار:
يعبر الاستشراق من أهم الوسائل التي مهدت للاستعمار العسكري وغزو الشرق ثقافيا وعسكريا والاستعمار الحديث يعتمد على المستشرقين بصورة فعالة في دراسة نفسية الشعوب، وعاداتها وتقاليدها، وأفضل الوسائل للسيطرة عليها بأقل يدر ممكن من التكاليف، والذي يتابع أحداث القرن التاسع عشر والقرن العشرين "وهما أكثر القرون في النشاط الاستعماري" يعلم مدى الصلة القوية بين الاستعمار والاستشراق، ومن هنا فإننا نجد في كثير من سفارات الدول الاستعمار مستشرقين عاملين بها، ويقع على عاتق هؤلاء المستشرقين مهمة الاتصال بالعقول المفكرة في البلاد التي يريدون السيطرة عليها ثقافيًّا أو عسكريًّا، وكذلك الاتصال بكبار العاملين في المناصب القيادية في مجالات الثقافة والإعلام والتعليم العام والجامعي، ولا تنفصهم الوسائل المناسبة في محاولة احتواء هذه
стр. 75
الشخصيات عن طريق الصداقة أو المشاركة في أعمال ثقافية أو تقديم الخبرة لهم، أو ... أو ... إلخ، وعن طريق هذه الشخصيات يستطيعون تنفيذ خططهم في غزو البلاد فكريًّا ثم عسكريًّا إذا اقتضى الأمر، وقد استطاع الاستعمار الحديث أن يغزو معظم البلاد الإسلامية فكريًّا وثقافيًّا عن هذا الطريق، كما استطاع أن ينفذ خططه في السيطرة على عقول كثير من المفكرين في بلادهم؛ ليكونوا هم الأداة لتنفيذ برامج الاستعمار في هذه البلاد.
وبلغ الأمر مبلغا خطيرا، حتى إن كثيرا من المشتغلين بالثقافة جعلوا أنفسهم بمثابة وكلاء عن المستشرقين في توزيع أفكارهم والدعوة إلى تبني آرائهم في الفكر الإسلامي وقضاياه، فهذا مندوب عن ماركس والشيوعية، وذاك مندوب عن الوضعية والوضعيين، وثالثهم مندوب الوجودية والوجوديين، وآخر يدعو إلى القول بتأنيس الإله أو تأليه الإنسان ... إلخ، وامتلأت المؤسسات الثقافية في مصر والشام وشمال أفريقيا بوكلاء معتمدين؛ لتوزيع الفكر الاستشراقي على المؤسسات العربية، وشحذ الوجدان العربي بمفاهيمهم تحت مقولات مضللة كالتنوير والتقدمية والنهضوية ... إلخ.
ولقد عمد هؤلاء إلى إثارة الفتنة حول بعض القضايا الخلافية في الفكر الإسلامي وعملوا على إحياء الخلافات حولها.
فلقد أثاروا فتنة كبيرة حول ما أسموه بقضايا المرأة في الإسلام، مثل قضية الطلاق، وتعدد الزوجات، والعصمة، وتعدد
стр. 76
زوجات الرسول ... إلخ، ونقلوا إلى العالم الإسلامي مشكلات دخيلة لا وجود لها أصلا في الإسلام وإنما هي موجودة في الغرب بحكم ثقافته وديانته، وشغل المسلمون أنفسهم بهذه المشكلات، وبالبحث عن حلول لها، كان هذا مجالًا واسعًا للفرقة والتعصب والتحزب للرأي ضد الرأي الآخر، وما زال المسلمون يكتبون بنار هذه الفرقة إلى الآن.
وكان من الآثار الخطيرة التي ترتبت على إثارة هذه القضايا أن فريقا كبيرا من المثقفين العرب قد انقادوا وراء هذه الضجة وأخذ البعض يتولى نيابة عن المستشرقين -إثارة هذه الفتن بين صفوف المسلمين، ويتبنى آراءهم ويدعو إلى الأخذ بأفكارهم، وبدلا من أن يكون الخلاف دائرا بين المسلمين كوحدة متماسكة والمستشرقين كجبهة مضادة انتقلت المعركة إلى أرض المسلمين أنفسهم لتفرق صفوفهم وتمزق وحدتهم، فأصبحوا جبهات متعارضة بين مؤيد ومعارض، بين رافض للفكر الاستشراقي وموقفه من الإسلام، ومؤيد ومبر
ر له تحت دعوى التبرير والتقدمية، وهذه الفرقة في الصف الإسلامي هي في حد ذاتها تمثل هدفا وغاية سعى المستعمر لتحقيقها خلال جهود المستشرقين في ذلك، وكان شغل المسلمين بعضهم بعضا حول هذه الخلافات التافهة واستنفاد وقتهم وجهدهم في ذلك وانشغالهم عن قضايا مستقبل أمتهم الذي يعبث غيرهم به؛ كان ذلك كله تحقيقا لأهداف سعى المستشرقون من ورائها إلى السيطرة على عقول نخبة كبيرة من المشتغلين بالثقافة العربية في بلادنا واستطاعوا من خلال
стр. 77
السيطرة على هذه العقول أن ينفثوا سمومهم في حاضر الثقافة العربية بالتشويه أحيانا وبالتشكيك أحيانا أخرى، وسوف أعرض بإيجاز شديد لبعض النماذج الفكرية التي تبنت هذا الفكر الاستشراقي ودعت إليه.
١- ففي مطلع هذا القرن نادى سلامة موسى بوجوب التخلص من الغيبيات حتى نستطيع أن ننهض كما نهضت أوروبا".. أي النظر إلى هذه الدنيا كأنها الغاية التي ليس وراءها غاية تخدم، وأننا نحن البشر يجب شأن تكون لنا آداب وفلسفات وعلوم لا تمت بأي صلة إلى الغيبيات، إن علينا أن نعتمد على أنفسنا في تحقيق السعادة على هذه الأرض نفسها، وألا نزهد فيها إيثارا عليها للعالم الثاني كما هي النظرة الغيبية.. والنهضة الأوروبية التي أخرجت أوروبا من ظلمات القرون الوسطى لا تعني شيئا آخر غير ذلك١.
ثم يصرح في موضع آخر بضرورة التخلص من العقائد الدينية والاعتماد كليًّا على العقل: " ... إذًا ليس في الكون كله ما يُعتمد عليه سوى العقل، وليس للإنسان خلاف هذا العالم عالم آخر يمكنه أن يطمع في تحقيق سعادته فيه.. وأن الانحطاط لم يعنِ في القرون الوسطى، وهو لا يعني الآن في الشرق أو الغرب سوى قصر الذهن البشري على خدمة ما وراء الطبيعة ونشدان السعادة والهناء في غير هذه الأرض"٢.
стр. 78
ولا يألو سلامة موسى جهدًا في تكرار القول بوجوب محاكاة الحضارة الأوروبية حتى نحيا حياة كريمة: "إذ لا يمكن لأمة أن تحيا إذا خالفتها.. ولا أستطيع أن أتصور نهضة عصرية لأمة شرقية ما لم تقم على المبادئ الأوروبية للحرية والمساواة والدستور مع النظرة العلمية الموضوعة للكون"١.
٢- وكتب قاسم أمين قبل ذلك كتابه عن تحرير المرأة أثار فيه مشكلات لا وجود لها إلا في ذهن المستشرقين، ونادى فيه بوجوب أن تحذو المرأة المسلمة حذو المرأة في أوروبا وفرنسا بالذات شبرًا بشبر، وأن ترفع صوتها رافضة قضية تعدد الزوجات، وحقها في الطلاق ... إلخ.
٣- أما علي عبد الرازق، فألف كتابه عن "الإسلام وأصول الحكم"؛ ليعلن فيه أن الإسلام دين لا دولة. عقيدة لا شريعة، وحْي لا دستور، وليس في الإسلام نظام لسياسة الدولة٢، والكتاب من أوله إلى أخره يعرض الآراء التي استقاها المؤلف من كتابات المستشرقين عن الدين دون أن يدركوا الفوارق الأساسية بين مفهوم كلمة الدين المسيحي كما عاشوا في أوروبا والدين الإسلامي كما هو في الكتاب والسنة، وقد أثار هذا الكتاب ضجة كبيرة بين علماء الأزهر الشريف، حيث قرر الأزهر منع تداول الكتاب وعدم طباعته، وفصل صاحبه من سلك القضاء الذي كان يعمل به.
стр. 79
٤- كما سار على نفس النهج طه حسين في كتبه عن "الشعر الجاهلي" الذي حاول فيه أن يطبق مقاييس منهج ديكارت في الشك على نصوص القرآن الكريم، وطبقا لهذه المقاييس النقدية فإنه لا يكون هناك شيء مقدس فوق النقد ومن خلال تطبيقه لهذا المنهج النقدي، قال بأن قصة إسماعيل الذبيح الذي ينتمي إليه العرب، قصة خيالية حيث "كانت قريش مستعدة لقبول هذه الأسطورة وأمر هذه القصة واضح قبل الإسلام واستغلها الإسلام؛ لسبب ديني وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي".
كما صرح بما هو أخطر من ذلك حيث يقول: ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدًا كله على العرب، فلو كان كذلك لما فهموه ولما وعوه، ولا آمن بعضهم، ولا ناهضه وجادل فيه بعضهم الآخر".
كما صرح طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" بضرورة محاكاة الغرب فننام كما ينامون ... ونأكل كما يأكلون، ونتكلم بلغتهم كما يتكلمون. وهذا ما نادى به سلامة موسى وغيره ... وهذه قضية كبيرة لا تحتاج في مقامنا هذا إلى تفصيل، ولكن أردت من ذكر هذه النماذج أن أضعها أمام القراء حتى لا نخدع أنفسنا بشعارات زائفة تحت شعار التنوير والتقدمية.
وهناك نماذج أخرى كثيرة لم يكن لديها قدر كافٍ من المعرفة الدقيقة بالثقافة الإسلامية وخصائصها؛ لأنه بدأ حياته على موائد
стр. 80
الغرب الثقافية، واكتفى بعضهم بأن يكتب -ساخرا- عن تطبيق الشريعة الإسلامية وتنفيذ الحدود في السارق والزاني وشارب الخمر، ويقول على سبيل السخرية: من الذي يتولى قطع يد السارق الجزار أم رئيس الجمهورية؟ وحاولوا من خلال مراكزهم الاجتماعية في وسائل الإعلام أن يكتبوا المسرحيات والمسلسلات التليفزيونية التي تسخر من رجل الدين ورجال اللغة العربية، وتنال منهم كَرُمُوز للفكر الإسلامي والقائمين على حراسته، وكم من مسرحيات أو مسلسلات كتبها أصحابها لهذا الغرض وكان أثرها في نفسية المجتمع أشد وأعظم من وقع الحسام على الرقاب، وترتب على ذلك أن تغيرت نظرة المجتمع إلى معلِّم الدين ومعلم اللغة العربية وتراجعت مكانة كل منهم عن الصدارة الاجتماعية؛ ليحل محلها الرجل "المودرنيزم" الذي صنعه الاستشراق على عينه، وتعهده وكلاء الاستشراق في بلادنا بالمناصب القيادية المؤثرة في توجيه الرأي العام في المجتمع؛ ليقول الناس: ما أريكم في وسائل إعلامكم إلا ما أرى.
ولقد كان للبلاد الإسلامية نصيب موفور في هذا الشأن، وكانت الوسائل الاستعمارية التي نادى بها الاستشراق في العالم الإسلامي تهدف كلها إلى إضعاف الروح الإسلامية بين الشعوب، وتعمل على بث الفرقة بين أبناء الشعب الواحد؛ ليسهل بعد ذلك السيطرة عليها كما روَّج المستشرقون كذلك لبعض القضايا التي كانت لها أخطر النتائج في ازدياد عوامل الفرقة بين صفوف المسلمين، فمن ذلك مثلا:
١- العمل على إحلال العاميات محل اللغة الفصحى في مصر
стр. 81
وغيرها بدعوى أن الفصحى ليست قادرة على مسايرة الكشوف العلمية المتطورة، وكان أول من نادى بها في مصر المستشرق الألماني "ولهلم سبيتا"، وكان يعمل مديرا لدار الكتب المصرية خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، ووضع كتابه "قواعد اللغة العامية في مصر" سنة ١٨٨٠م مَجَّد فيه للغة القبطية في مصر، ودعا العالم العربي إلى الأخذ بالعاميات بدلا من الفصحى، ولا يخفى ما في هذه الدعوى من الخطر على الإسلام ولغة القرآن.
ثم تابع نفس القضية "اللورد دوفرين" في تقرير وضعه سنة ١٨٨٢م أعلن أن العامية هي سبيل النهوض والتقدم في مصر، وجاء بعده المستشرق الألماني "كارل فولرس" مدير دار الكتب المصرية بعد "ولهلم"، فوضع كتابه "اللهجة العامية الحديثة" دعا فيه إلى هجر الفصحى وحث العرب على استخدام الحروف اللاتينية بدلا من العربية، ثم تتبع القضية في مصر سلامة موسى النصراني في مطلع هذا القرن، وما زلنا نسمع صداها إلى الآن ونقرأ ذلك في كتابات بعض المشتغلين بالشئون الثقافية والتربوية.
٢- أما القضية الثانية: تتلخص في تلك المحاولة التي يقوم بها المستشرقون ومن تأثر بهم، حيث يقولون أن سبب تأخر الشرق الإسلامي ماديًّا علميًّا يرجع إلى تمسكهم بالدين الإسلامي وتعاليمه، ولا مناص للشعوب الإسلامية إذا أرادوا أن يتغلبوا
стр. 82
على هذا التخلف الحضاري إلا أن يتخلصوا من تعاليم دينهم أولا، وأن ينحوا الإسلام بعيدا عن شئون حياتهم اليومية؛ ليكون قضية شخصية يمارس الإنسان طقوسه وشعائره إذا أراد ذلك في بيته أو في المسجد وكفى، ويقارن هؤلاء بين تقدم العرب وتأخر الشرق، ويطرحون على الشباب هذه المقارنة الظالمة؛ ليبينوا فيها أن تقدم العرب كان سببه هو التخلص من الدين عمومًا والتمسك بمنطق العلم فقط وليس أمام الشرق إلا أن يسلك مسلك الغرب في ذلك؛ لأنه النموذج الأفضل للتقدم ومواكبة وعلوم العصر، وهذه القضية من أخطر القضايا المطروحة الآن في الساحة الثقافية وهي بؤرة الحوار أو الصراع بين العلمانيين والإسلاميين.
ولقد جند المستشرقون كثيرا من حملة الأقلام وسخَّروهم للترويج لهذه الأكذوبة في البلاد الإسلامية، وأصبح يتولى عبء الدفاع عن هذه القضية -للأسف الشديد- بعض المحترفين للكتابة من المسلمين نيابة عن الاستعمار، فعل ذلك بعض حملة الأقلام في مصر، والشام، والعراق، وتونس، والجزائر، والمغرب، كما شغلت الدعوة لهذه القضية كثيرا من وقت أجهزة الإعلام صحافة وإذاعة وتلفازًا، وعقدت من أجلها الندوات، وأقيمت المؤتمرات والمناظرات، ووصل الأمر بها أن تسلك إلى بعض قاعات الدرس الجامعي تحت ستار التنوير، والمعاصرة، واستغل بعضهم الوضع المتردي للمسلمين؛ ليفهم الشباب أن سبب هزائمهم المتكررة هو التمسك بالإسلام.
стр. 83
وتناسى هؤلاء أن للنصر أسبابه وللنهضة أسبابها، وأن للهزيمة أسبابها، وللتأخر أسبابه كذلك، وأن إقحام الدين في ذلك تضليل وافتراء، ولا يحتاج الأمر في توضيح هذه الأسباب إلى عناء كبير.
لماذا لم يقارنوا بين نظم الحكم في الغرب ونظيرها في الشرق؟!
لماذا لم يقارنوا بين ما يتمتع به الغرب من حرية وديمقراطية، وما هو واقع في الشرق من استبداد في الحكم لا نظير له في أي بلد في العالم؟!
إن أسباب التقدم تكمن في احترام هذه الأسباب وضرورة الأخذ بها واحترام العلماء الذين أفنوا أعمارهم في الكشف عنها والتنبيه إليها، ولقد نبه ابن خلدون إلى ذلك قديما كما نبه إليه المفكرون حديثا، وإن السنن الكونية لا تتخلف آثارها إذا ما وجدت الأسباب سواء تعلق ذلك بالأفراد أم تعلق بالجماعات والأمم، فللنصر أسبابه وللهزائم أسبابها؛ كما أن لقيام الحضارات أسبابها ولانهيار الحضارات أسبابها، وتلك سنن الله في كونه لا فرق فيها بين أمة مسلمة وأخرى كافرة.
والقضية كلها تتمثل عندي في أسئلة محددة:
١- هل حقيقةً أن أوروبا قد نفضت يدها من قضايا الدين فلم تعبأ به؟
٢- وهل حقيقة أن رفضها للدين كان سببا في تقدمها؟
стр. 84
٣- وهل حقيقة أن سبب تأخر الشرق العربي يرجع إلى تمسكه بالإسلام وأخذه به؟
٤- قبل الإجابة على هذه الأسئلة أجد هناك سؤالا لا بد من طرحه: هل الإسلام يتعارض مع لأخذ بأسباب التقدم العلمي والحضاري؟
وفي رأيي أن وضع القضية كلها في هذا الشكل يكون أكثر تحديدا وموضوعية بدلا من التلاعب بالألفاظ بوضعها في غير موضعها الحقيقي، وبهذا التحديد نستطيع أن نضع النقاط فوق الحروف.
ولعل الإجابة على السؤال الأخير تعطينا المفتاح الحقيقي للإجابة على الأسئلة السابقة؛ فإن الأخذ بالمفاهيم الدينية الصحيحة لا يتعارض مع الأخذ بأسباب التقدم؛ لأن العلاقة بينهما ليست علاقة تضاد أو تناقض حتى نظن أو نتوهم أن التمسك بالدين الصحيح سبب تأخر أهله، وإنما هي علاقة اشتمال وتداخل أو ما يسمى في عرف المَنَاطقة بعلامة العموم والخصوص والمطلق، فكل ما هو دين صحيح لا بد وبالضرورة أن يكون فيه تقدم للبشرية وأمن وأمان، وكلمة "صحيح" هنا مقصودة بذاتها، حتى لا يعد من الدين ما ليس منه وحتى لا يُرتكَب باسم الله ما لا يمت إليه بسبب، كما أن التقدم الذي ينشده الدين لأهله ليس هو تقدم الأشياء في ذاتها فتكون الحضارة الناتجة عن هذا اللون من التقدم حضارة مادية أو هي حضارة شيئية لا تعني بصانع الأشياء قدر عنايتها بالأشياء في ذاتها؛ ذلك أن هذا
стр. 85
اللون من التحضر يوجه كل اهتمامه إلى الوسائل فيجعلها غايات في ذاتها ويهمل الغايات الحقيقية التي يجب أن يتوجه لخدمتها كلها يتبع منها كل ألوان التقدم والتحضر.
والأديان كلها خلاف ذلك تماما، فهي تجعل الإنسان غاية في ذاته لكل تقدم مقصود وما عدا الإنسان في هذا العالم يعتبر وسيلة له، ومن هنا نجد الأديان كلها قد وجهت عنايتها إلى الإنسان أن يهمل الوسائل باعتبارها مرآة وجوده وعنوان تحضره، وهذا هو الفرق الدقيق بين موقف الأديان من معنى التحضر وموقف أولئك الرافضين للدين بدعوى أنه يعوق التقدم، فإن أولئك يهتمون بتقدم الأشياء في ذاتها على حساب التقدم الإنساني؛ فإن تقدم الإنسان في ذاته شيء وتقدم الأشياء المحيطة به شيء آخر، وهم بذلك يهتمون بالوسائل على حساب الغاية، وهذا عكس الموقف الديني الذي يهتم بالغاية في ذاتها ولا يهمل الوسائل.
ولعل بوادر الإفلاس لبعض الحضارات المادية قد بدت واضحة في معظم دول أوروبا، حيث ظهرت حركات التمرد التي تعبر عن روح الشباب الثائر على كل شيء أمامه؛ لأنه لم يجد فيه ما يبعث روح الأمن والأمان اللذين هما غاية الإنسان وأمله في حياته.
وأوروبا لم يتقدم لأنها أهملت الدين أو نفضت يدها منه كما يزعم هؤلاء، بل تقدمت أوروبا؛ لأنها أخذت بأسباب التقدم وملكت ناصيته، كما أن الشرق لم يتخلف بسبب تمسكه بالدين أو أخذه بمفاهيمه، وإنما يرجع تأخر الشرق؛ لأنه أهمل الأخذ بأسباب التقدم ولم يسْعَ إليها، وهذا قانون إلهي عام في جميع الأمم ينطبق على الأمة الإسلامية كما ينطبق على الأمم الكافرة، فمن يأخذ بالأسباب يصل ضرورةً إلى النتائح إذا توافرت العوامل المساعدة، ومن يهمل الأساباب لا يمنى نفسه بالوصول إلى نتائج، فالدين مفترى عليه في هذه المقارنة، وينبغي أن نتلمس أسباب تقدم الغرب وتأخر الشرق بعيدا كل البعد عن هذه الأكذوبة المقصودة
стр. 86
أوروبا والمسيحية:
وإذا ألقينا نظرة سريعة على حقيقة موقف أوروربا من الدين، فإننا نجد ما يدعو إلى الدهشة والعجب؛ لأن موقف حكومات أوروبا يختلف تماما عما يشاع عنها في منطقة الشرق والعالم الإسلامي بصفة خاصة، ولم نجد في العالم الإسلامي كله -وهو الهدف المقصود من هذه الحملة- حكومة تخطط وتعد البرامج؛ لتنفيذ خططها؛ لنشر دينها وحمايته مثلما عملت حكومات أخرى في أوروبا.
وسوف أضع أمام القارئ بعض المواقف لبعض دول أوروبا من هذه القضية؛ ليعرف مدى ما وصل إليه دعاة هذه الأكذوبة من تضليل وتزييف في دعواهم أن أوروبا نفضت يدها من الأديان عموما.
أولا: لا يشك معاصر في تقدم الشعب الإنجليزي ولا في تحضره، ورغم ذلك فإنه على المستوى الحكومي من أكثر الشعوب
стр. 87
الأوربية حفاظا على دينه ومعتقداته، ولقد أثير في الثلاثينات من هذا القرن خلاف كبير حول قضية استحالة الخبز والخمر إلى جسد المسيح وروحه، وهذه المسألة معروفة في الدين المسيحي، فاليمينيون يرون أنه بمجرد تقديس الكاهن على المذبح ينقلب الخبز إلى جسد المسيح وينقلب الخمر إلى دمه بناء على أن المسيح قد قال في العشاء الأخير لحوارييه: إن هذا الخبز جسدي وإن هذه الخمر دمي، وقدم لهم الخبز والخمر معا. فالكاثوليك والمحافظون يقولون أنه كلما قدس الكاهن على الخبز والخمر ودعا بالدعاء الذي قاله المسيح ينقلب الخبز إلى جسده والخمر إلى دمه، وأما الوسط واليساريون فيرون أن هذه الاستحالة غير معقولة؛ لأنها مخالفة للعلم، والخبز لا يكون جسدًا للمسيح ولا الخمر دمًا له بالمعنى الحقيقي، وأنه يقدس كل يوم ألوف الكهنة، ولا نرى هذا التحول حقيقة، ولا يكون كلام المسيح في ذلك إلا رمزا بحيث إذا قدس الكاهن يتذكر الناس جسد المسيح ودمه، واحتدم الخلاف بين اليسار واليمين حول هذه المشكلة في انجلترا واستدل اليسار بما في كتاب الصلاة الذي يمثل عقيدة الكنيسة الإثكليكانية، وفي هذا الكتاب ما يدل على أن كلام المسيح ليس إلا رمزا فقط وليس حقيقة، واعترض اليمين على النص المقدس وطلبوا تعديله أو حذفه من كتاب الصلاة، ولا يجوز تعديل أو حذف أي نص من كتاب الصلاة إلا بعد الرجوع إلى مجلس العموم البريطاني ومن هنا دخلت هذه المشكلة إلى مجلس العموم ومجلس
стр. 88
اللوردات، وشكلت الحكومة البريطانية لذلك مجلسا مؤلفا من كبار المطارنة؛ لحسم هذه المشكلة، ولكن هذا المجلس المؤلف قد انقسم على نفسه، ولم يتفق على رأي موحد إلا بعد نقاش طويل حيث استقر رأيهم أخيرا على أن هذه الاستحالة حقيقية، وطلب المجلس تعديل كتاب الصلاة فيما يتعلق بهذه النقطة، وعند ذلك عرضت الحكومة هذه القضية على مجلس اللوردات وبعد مناقشات عنيفة قرر المجلس تنفيذ قرار الأباطرة الذي كان يرأسه رئيس أساقفة كنتربري أكبر أساقفة انجلترا، ولما كان لا بد لتعديل كتاب الصلاة من مواقفة مجلس العموم دخلت إليه القضية مرة أخرى، ووقف وزير الداخلية البريطاني، معترضا على قرار التعديل في الكتاب المقدس، فكتاب الصلاة هو دستور كنيسة انجلترا ولا يمكن تعديل شيء منه إلا بعد رأي الأمة بأسرها، وعند التصويت على هذه القضية كانت الأكثرية رافضة لقرار التعديل في كتاب الصلاة.
فهذه مسألة دينية صرفة كانت محور هذه المناقشات الطويلة في مجلس الشيوخ والنواب في أعظم دول وأعلاها كعبة في المدنية والتحضر، فهل كانت انجلترا رافضة للدين حين شغلت نفسها بهذه المشكلة؟
ثانيا: لقد وضعت بلجيكا في برنامج حكومتها الرسمي العمل على تنصير زنوج مستعمراتها في الكونغو، وتم لها ما أرادت فأصبح أكثر من نصف سكان الكونغو يدينون بالمسيحية بعد
стр. 89
أن كانوا يعيشون حياة البداوة، وذلك يجهد المبشرين بالمسيحية الذين أوفدتهم بلجيكا لتنفيذ برنامجها هناك.
ثالثًا: نجد إيطاليا بعد أن غلب عليها حكم الفاشية أعادت إلى المدارس الحكومية التعليم الديني الخاص الكاثوليكي وأقامت الصلبان في المدارس، وعدلت قوانين البلاد تعديلا موافقا لمبادئ الكنيسة، وأعلنت أنها دولة مسيحية كاثوليكية وأرسلت القساوسة والمبشرين إلى مستعمراتها، وزادت على غيرها من حجور أمهاتهم في ليبيا؛ لكي تنصرهم على الكاثوليكية في إيطاليا نفسها، ولم تعبأ بما في ذلك من الاعتداء على أقدس حرية بشرية وهي حرية العقيدة وهذا شيء قد سجله التاريخ، وهو خير شاهد على ذلك.
وجميع الدول البروتستانية في أوروبا تعلن كلها أنها دول مسيحية، وأن ثقافتها إنجيلية، وكثيرا ما أعلنت هذه الدول في برامج حكوماتها أمام المجالس النيابية أنها ملتزمة بالثقافة الإنجيلية وتعاليمها، ولا يخفى على من يقرأ تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب أن وزير معارف هولندا افتتح مؤتمر المستشرقين في ليدن سنة ١٩٣١ بخطاب صرح فيه بأن هولندا لم تذهب إلى الشرق لأجل التجارة؛ وإنما لنشر الدين المسيحي "كما صرح "شترزمان" وزير خارجية ألمانيا في كثير من خطبه أمام "الريخستاج" أن ثقافة ألمانيا
стр. 90
قائمة على الدين المسيحي، وفي فبراير سنة ١٩٣٣ قدر هتلر رئيس الحزب القومي الاشتراكي الألماني -عندما تولى رئاسة الوزارة- برنامجا لوزارته صدق عليه جميع وزراء ألمانيا المشتركين في الوزارة، وبدأه هتلر بقوله: "أن أول واجب ستقوم به الحكومة القومية الألمانية هو العمل لأجل الوحدة الروحية وإحياء العقيدة النصرانية في الأمة والتقاليد الجيدة الماضية"، وهناك كتاب يسمى "الأديان في ألمانيا" ينبغي أن يقرأه أؤلئك الذين يتزعمون عن جهل -دعوى فصل الدين عن الدولة؛ ليعلموا ما للدين من قوة في ألمانيا وكيف يقترن التعليم الديني بالتعليم المدني في مدارسها.
والمصلح المسيحي "كلفين" كان أساس برنامجه الاصلاحي هو "أن الدولة المسيحية رأسها هو الله"، ولأجل أن يكون الإنسان تابعا لهذه الدولة ينبغي له عدم الحيدة عن خطة الإنجيل، والمواطنة على إقامة الشعائر المسيحية، ويتناول القربان أربع مرات في العام؛ ذلك أن الاشتراك في المائدة الإلهية هو عبادة الله رأس الدولة المسيحية واليسوع المسيح رأس الكنيسة، فهاتان السلطتان الدنيوية والروحية باتحادهما معا من شأنهما تنفيذ إرادة الباري رأس الدولة، فالسلطة السياسية بيدها السيف ولها حق القصاص إن لزم، كما أن السلطة الروحية لها حق الوعظ والتحليل والتحريم، وكلا نوعي الأحكام الزمنية والروحية يجب أن يبنى على الكتاب المقدس، والملك الذي لا ينشر مجد الله فليس بالذي يقيم مملكة وإنما يقيم لصوصية، وعلى
стр. 91
الحاكم أن يقبل مراقبة رجال الدين ويوطد التعاون معهم نظام دولته لا النظام المدني فقط، بل الديني أيضا".
وفرنسا قد اتفقت مع الفاتيكان على تحديد نوع العلاقة بين الدولة والكنيسة، وبمقتضى هذه العلاقة أعلنت فرنسا أنها حامية المسيحية في الشرق ولا سيما المذهب الكاثوليكي، ومن يقرأ تاريخ الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا يعلم حقيقة موقف فرنسا من الدين المسيحي وجهودها الدائبة لنشره، ولا يخفى على أحد أيضا ما فعله الكردينال "لا فيجري" والآباء اليسوعيون في الجزائر وتونس والمغرب وبلاد النيجر، فلقد تحولت مساجد كثيرة إلى كنائس علقت فيها الصلبان، وتحول الكثير من البربر إلى كاثوليك بفعل الآباء، وتعمدت فرنسا إلغاء الشريعة الإسلامية في الجزائر على يد المسيو "لوسيان سان" الذي دعا إلى عقد مؤتمر ديني كبير للكاثوليك نتج عنه حظر التجول للفقهاء المسلمين في البلاد، ومنع حفظة القرآن الكريم ومشايخ الطرق الصوفية، كما منع زعماء البربر من إرسال أبنائهم إلى العواصم لحفظ القرآن أو تعلم العقيدة الإسلامية وذاكرة التاريخ لا تنسى شيئًا من ذلك، ولا أريد أن استطرد في ذكر العديد من النماذج الأوروبية التي يحلو للبعض أن يقارن الشرق بها، ولكن أصبح من المؤكد الآن أن الذي دعت إليه فرنسا في الجزائر والمغرب هو بعينه ما يدعو إليه هؤلاء العلمانيون من إبطال العمل بالقانون الإسلامي، وفصل أمور السياسة عن أمور الدين. وما أردت بذكر هذه الأمثلة أن أضع أمام حكومات العالم الإسلامي وأمام القارئ حقيقة الموقف
стр. 92
ليعلم الكل كم يخدعه هؤلاء المضللون في زعمهم بأن أوروبا قد نفضت يدها من قضايا الدين وأنها لا تعنى بالمسيحية في شيء وأن النشاط الديني لا يبارح الكنيسة.
وأول من نادى بهذه الضلالة وروَّج لها في الشرق هو مصطفى كمال أتاتورك رئيس تركيا، وكان وراء ذلك جهد كبير وجهاد مستمر من الاستعمار الذي غذى هذه الأكذوبة وعمل على شيوعها في هذه المنطقة؛ لكي يمكن لنفسه من خيراتها، وكانت الخلافة وذلك لا يمكن إلا بالتخلص من العقيدة الإسلامية باقتلاعها من نفوس أصحابها بوسيلة أو بأخرى وفي سبيل ذلك أشاعوا كذبا وبهتانا أن الدين ضد المدنية والتحضر، وأن تأخر الشرق يرجع إلى تمسكه بالدين و ... و ... هذه الأكاذيب والأضاليل التي استأجروا للترويج لها أقلاما ورجالا ما زلنا نسمع صوتهم إلى اليوم، وإذا كان أتاتورك قد سلخ تركيا عن العقيدة الإسلامية بقانون وبرنامج وُضِعت خطواته في أندية أوروبا، فإن الشعب التركي لم لبث أن عاد وسريعا إلى العمل على بناء ما تهدم وتعمير ما خرب، وأصبح يجتذب إليه أنظار العالم الإسلامي كله فيعقد المؤتمرات الدولية باسم الإسلام ويكوِّن الأحزاب الإسلامية التي وجدت لها مكانا في السلطة السياسية، وأصبح ما فعله أتاتورك بتركيا عملا سجله التاريخ في كتبه ولم يؤثر في عقيدة المسلم التركي في واقع الأمر، والقضية كلها أصبحت قضية تاريخية ولا واقع لها.
стр. 93
سياسة التنصير في العالم الإسلامي:
تبشير أم تنصير:
من الأفضل أن نسمي الأشياء بأسمائها الصحيحة، ولذلك فإننا نرى أن استعمال كلمة التنصير هي الأكثر دلالة على المطلوب من كلمة التبشير التي استعملها بعض الكتاب للتعبير بها عن ذلك الجهد الذي يبذله المتخصصون من النصارى في بث تعاليم الإنجيل بين المسلمين وغيرهم بهدف تنصيرهم وتحويلهم من الإسلام إلى النصرانية واتباع تعاليم الإنجيل بدلا من القرآن والولاء للكنيسة بدلا من المسجد.
وقد يكون مفيدًا للدارسين لهذه القضية أن يعلموا أن سياسة التنصير والعمل على بث تعاليم الإنجيل بين المسلمين ليست جديدة، وإنها ليست وليدة هذا العصر، بل هي قديمة قدم الإسلام نفسه، ويمتد تاريخها إلى عصر النبوة ثم عصر الخلفاء الراشدين وبني أمية، ولا زالت مستمرة إلى يومنا هذا.
وأقدم وثيقة سجلت لنا تاريخ الحوار المسيحي الإسلامي هو القرآن الكريم وما جاء فيه من آيات سجلت لنا ما كان يدور بين الرسول وأهل الكتاب في المدينة المنورة، وهذا الحوار كان يشتد أحيانا ليأخذ شكل الصراع الذي يذهب إلى مستوى الكيد والتدبير؛ لقتل الرسول ﷺ وكان يهدأ في بعض الأحيان فيأخذ شكل الحوار العقلاني، ولقد سجلت لنا سورتان كريمتان من سور القرآن الكريم ما كان يجري من حوار بين الرسول وأهل الكتاب وهما: "سوررة آل عمران، وسورة المائدة" والذي يتدبر آيات الحوار
стр. 94
الواردة في هاتين السورتين يقف على حقيقة هذا الصراع، وحقيقة القضايا العقدية التي كانت تمثل موضوع هذا الحوار، وكيف فضح القرآن سرائر النصارى حين بدلوا وحرَّفوا ما أنزل الله على عيسى النبي، وبين أنهم يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، واستمرت موضوعات هذه القضية موضوع الحوار الديني خلال عصور الإسلام المتوالية، تصدى لها علماء الإسلام عبر هذه القرون العديدة، فوضع الجاحظ رسالته في الرد على النصارى، وكتب القاضي عبد الجبار كتابه في دلائل النبوة، ونبه كل منهما على أساليب النصارى ومنهجهم في بث الدعاوي الإنجيلية بين المسلمين.
كما تصدى لنفس القضية ابن حزم في كتابه العظيم "الفِصَل" والشهرستاني في كتابه "المِلَل والنِّحَل" وعلي بن ربن الطبري في رسالته "الرد على النصارى"، وابن تيمية في "الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح"، وابن القيم في كتابه "هداية الحيارى في الرد على النصارى"، وكذلك القرافى في كتابه "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام".. وكثير من الرسائل التي لا تكاد تحصى في هذا الغرض.
وفي العصور المتأخرة كتب رحمة الله بن خليل الرحمن العثماني الكيرانوي كتابه "إظهار الحق" الذي يعتبر من أهم الكتب الحديثة التي عرضت لهذه القضية بأسلوب رصين ومنهج علمي رائع أفاد من كتب السابقين. وأخذت هذه القضية تحتل مكانا بارزا في
стр. 95
اهتمامات المفكرين المعاصرين وفي الأقسام الأكاديمية للفسلفة الإسلامية والعقيدة في الجامعات العربية والإسلامية، ولعلها تمثِّل الآن أهم قضايا الحوار القائم بين المسيحية والإسلام في المؤتمرات المعتمدة التي احتلت بؤرة الصراع القائم بين أهل الديانتين عبر التاريخ، وتحولت لغة الصراع إلى لون جديد من الحوار كمظهر جديد من مظاهر العلاقة بينهما.
وسوف نجعل هذه الدراسة ترتكز في مقدماتها ونتائجها على نصوص المبشرين أو القائمين على سياسة التنصير أنفسهم وكذلك على التوصيات التي يوصون بها في مؤتمراتهم المتعددة ليكون كلامه شاهدا لنا بما نريده من دراسة هذه القضية من حيث الغاية والهدف من جانب وليكون في نفس الوقت ردا علميا على الذين يرددون كلامهم ويتشيعون لمنهجهم تحت ستار المدنية والحضارة وما إلى ذلك من مسمياتهم الكثيرة التي يتسترون خلفها لبثِّ أفكارهم بين المسلمين من جانب آخر.
ولقد نشطت المؤسسات التنصيرية في العالم الإسلامي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر والقرن العشرين مما لفت أنظار المفكرين المسلمين أن يتنبهوا لخطورة هذه القضية وسوء عاقبتها مما دعا البعض إلى رصد هذه المؤسسات وتتبع تاريخ هذا النشاط التنصيري في القرنين الأخيرين.
وتكاد تتفق معظم المؤلفات الحديثة على أن أول من مارَسَ هذه المهمة في العالم الإسلامي الحديث هو "ريمول لول ١٢٩٩-١٣٠٠"
стр. 96
المفكر الأسباني الذي استطاع أن يحصل على إذن الملك يعقوب صاحب أرغونة؛ ليقوم بمهمة التبشير في مساجد برشلونة بين صفوف المسلمين محتميا بالسلطة المسيحية في أسبانيا١. وذلك بعد أن فشلت الحروب الصليبية في تحقيق أحلام الغرب ودعودة بيت المقدس إلى السلطة المسيحية وانتزاعه من أيدي المسلمين.
وكان قبل ذلك قد تأسس في سوريا وبلاد الشام جماعة "الإخوة الكرملية" أسسها أحد الصليبيين ٥٥٢هـ سنة ١١٥٧م وأطلق عليها اسم جبل الكرمل.
وفي أوائل القرن الثالث عشر تأسست مدرسة الآباء الفرنسيسكان والدومينيكان، وأنشأت كل منهما لنفسها فروعها المختلفة في أنحاء سوريا وبيروت.
وفي أعقاب الحروب الصليبية كتب أسقف "دومينكاني" وهو "وليم الطرابلسي" رسالة بشئون المسلمين يوصى فيها باستخدام المرسلين "يعني المنصرين" بدلا من الجنود؛ لاستعادة البلاد المقدسة٢.
ولقد أشار فيليب حتى إلى هذه الوثيقة الخطيرة في كتابه عن تاريخ سوريا وفلسطين، وأوضح القول في العلاقة المتبادلة بين
стр. 97
الاستشراق والتنصير وأن هدف الفريقين واحد، وإن اختلفت الوسائل، فالمبشرون يستفيدون من دراسات المستشرقين لخصائص البلاد وأحوالهم وعاداتها وإمكاناتها للتقرب إلى أهلها بأيسر السبل، والتعاون قائم بين الفريقين لاستقطاب أهل الرأي في المنطقة للسيطرة عليها بكل الوسائل المتاحة.
ولقد ركزت حملات التنصير في العصر الحديث على أطراف العالم الإسلامي والمناطق النائية في شرق وجنوب شرق آسيا، وبصفة خاصة في أندونيسيا ووسط أفريقيا والمناطق الاستوائية، مستعينين في ذلك بالخدمات الاجتماعية التي يقدمونها لأهالي هذه المناطق كالمعونات الاقتصادية والخدمات الطبية ودور الأيتام وكبار السن وتأسيس المدارس بمراحها المختلفة، ومما يلفت النظر حقا أنه رغم كل هذه الجهود المضنية فإن النتائج التي حصلوا عليها كانت مخيبة لآمالهم مما دعاهم إلى معاودة النظر في الأسلوب والوسيلة مرات ومرات، ولعل أبرز ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر كلورادو سنة ١٩٧٨م هو محاولة خلق البيئة النلائمة للنسلن الذي يراد تنصيره فبدلا من التركيز على تنصير الفرد أخذوا يركزون على تنصير البيئة والجماعة كوحدة متكاملة يراد تنصيرها حتى لا يشعر الفرد بالغربة أو العزلة إذا ترك دينه منفردًا، أما إذا كانت الجماعة كلها محور العمل التنصيري فإن الفرد لا يحس فيها بالغربة أو العزلة، لأنه حينئذ سيكون فردًا في جماعة متكاملة، وهذا ما سعى المنصرون؛ لتحقيقه في كثير من المناطق النائية الآن، ولعل من أبرزها ما يجري في أندونيسيا وأفريقيا.
стр. 98
بين الاستشراق والتنصير:
ومن الملاحظ أن أهداف سياسة التنصير قد تلتقي ما أهداف حركة الاستشراق في كثير من الأمور، خاصة ما يتصل منها بالأهداف الجينية والثقافية وإجماع الطرفين "المستشرقون والمنصرون" على القول بمركزية الحضارة الإنسانية وارتباطها بأوروبا وشعوبها، وهذا ما تجده واضحا في كتابات المستشرقين والمنصرين ومن دار في فلكهم من الكُتَّاب العرب الذين يقومون بدورهم في تحقيق أهداف المستشرقين في القول بأوربة الفكر الإنساني قاطبة"، والقول بضرورة الأخذ بالنموذج الأوروبي واقتفاء أثره إذا أراد المسلمون أن يعيشوا عصرهم وحضارتهم١.
وقد يكون مفيدا للقارئ أن ننبه هنا إلى أن هاتين الظاهرتين وجهان لعملة واحدة هي موقف الغرب من الإسلام والمسلمين، وماذا يريد الغرب من الشرق الإسلامي لذلك لا غرابة أن نجد بينهما وحدة في الهدف أحيانا، ووحدة في الوسائل أحيانًا أخرى، فقد يكون بعض المستشرقين مشتغلا بعملية التنصير، وقد يكون المنصر مستشرقا وهذا واقع معروف في عصرنا وفي كثير من بلادنا، وهذا يفسير لنا ما قد يجده الدارس أحيانا من تداخل أحيانا في قراءة الأسباب والأهداف لكل من هاتين الظاهرتين.
стр. 99
ولكن ينبغي أن ننبه هنا إلى أهم ما بينهما من فروق في الوسائل والمناهج:
١- يركز الاستشراق في وسائله على الجانب العلمي، كالبحث والكتاب والمقال والندوة والمؤتمر والمحاضرة، فنشاطه علمي وبحثي، مجاله العلوم الإسلامي بفروعها المختلفة، فقد تجد بينهم المشتغل بالنحو أو التاريخ أو التفسير أو علوم الحديث والفلسفة والتصوف.. إلخ ... أما التبشير فغالبًا ما يركز على الجانب الاجتماعي كوسيلة مؤثرة في تحقيق أهدافه: مثل بناء المستشفيات والملاجئ والنوادي والمؤسسات التربوية والتعليمية.
٢- يركز المستشرقون في نشاطهم على مخاطبة المثقف بعد اكتشاف ميوله والتعرف على مزاجه النفسي، وكذلك المشتغلين بالسياسة، ووسيلتهم في ذلك الكتاب والمقال والندوة والصداقات الشخصية مع كبار المسئولين عن القرار السياسي والثقافي، والعائدين من البعثات التعليمية بأوروبا، وغالبا ما تؤتي هذه الصداقات ثمارها في تنفيذ أهداف المستشرقين ولعل النظرة السريعة على خريطة توزيع الوظائف المؤثرة ثقافيا في وطننا العربي تؤكد لنا صدق هذه القضية، فمعظم العائدين من البعثات خاصة من فرنسا يتبوأون مراكز القيادة الثقافية في بلادهم ومن موقعهم الوظيفي يملكون اتخاذ القرار وتنفيذه.
стр. 100
أما المبشرون فيركزون في خطابهم على الطبقات الدنيا والفقيرة في المجتمع، الطبقات التي لا حظ لها من الثقافة أو التعليم؛ لتسد رمقها وتروى ظمأها، والطريق مخاطبة الفقير والجائع هو لقمة العيش وحفنة المال.
٣- لا يلجأ المبشر إلى الطعن في الإسلام بطريق مباشر، وإنما يبدأ حواره مع المسلم بالحديث عن الجوانب الاجتماعية التي تشغله والتي هي نقطة الضعف في حياته ويعاني منها، عكس المستشرق فإنه يلجأ في مؤلفاته إلى النيل من الإسلام ومن الرسول بشكل مباشر وصريح، فيطعن في نبوة الرسول والقرآن ويثير المشكلات التي مازالت تؤرق المفكر المسلم إلى الآن.
ويمكن أن نعرف التنصير من أقوال أصحابه القائمين به بأنه: منهج يسلكه المختصون؛ لتنصير العالم وتقديم تعاليم الإنجيل إلى غير المسيحي بوسائل مختلفة، ولقد أفصح الدكتور "هاريسون" عن هذا الهدف بوضوح في تحديدة مهمة الإرسالية العربية الأمريكية بدول الخليج في قوله: "إننا نريدهم أن يصبحوا مسيحيين"١ مستدلا على ذلك بما جاء في الإنجيل: "فلتذهب إليهم وليكن لك أتباع بين جميع الأمم"٢، ويجب أن يعم الإنجيل كل الأمم.
стр. 101
ومحاولة تحقيق هذا الغرض هو ما يطلق عليه لفظ التبشير، الذي يعني عند النصارى "العيش والعمل والحديث من أجل المسيح".
ومهمة التنصير بين المسيحيين ضرورية، ولا بد أن يتعاون للنهوض بها الأفراد والمؤسسات، وبلغ اهتمامهم بها حدا كبيرا جعل بعضهم يعلن صراحة عن طبيعة المبشرين بقوله: "لقد أرسلناه لا للوعظ الاجتماعي؛ ولكن للخلاص، ولا للحديث عن الاقتصاد؛ بل للتبشير، ولا للتقدم؛ بل للنصح، لا للنظام الاجتماعي الجديد؛ بل للمولد الجديد، لا للثورة؛ بل للانبعاث الروحي.. لا للتغني بالديمقراطية؛ بل للإنجيل، لا للحضارة؛ بل للمسيح؛ إننا سفراء ولسنا سياسيين".
ويتفق المسيحيون على أن التبشير ركن أساسي من أركان الكنيسة الحديثة، وله النصيب الأكبر من الميزانية السنوية في أموال الكنيسة.
стр. 102
أهداف التبشير ومناهج المبشرين:
من الممكن أن تترك هذه النقطة دون إشارة إليها لولا أن بعض المشتغلين بالكتابة يحاول أن يحمل أعمال المبشرين في العالم العربي على أنها أمور اجتماعية، الغرض منها المساعدة المالية والاجتماعية للفقراء والمرضى واليتامى، ويدَّعى أن هذه أعمال إنسانية ولا ينبغي التشهير بها أو حملها على غير مراد أصحابها، وهذا ما دعاني إلى التعرض لهذه النقطة لِنُبَيِّن أغراض المبشرين من كتاباتهم هم ومن على ألسنتهم دون تدخل منها للتفسير أو التأويل.
стр. 103
يقول الدكتور "إرهاس" طبيب الإرسالية التبشيرية في طرابلس: فإنه يجب على طبيب الإرسالية التبشيرية ألا ينسى أبدا لحظة واحدة أنه مبشر قبل كل شيء ثم هو طبيب بعد ذلك.
ولقد خطب القسيس "هاريك" في جموع المبشرين مبيِّنًا لهم كيفية التعامل مع المسلمين قائلا: إن ترجمة الإنجيل وكتب التبشير إلى اللغات الإسلامية أكثر فائدة وأتمّ نفعا؛ لأنه بمجرد شراء المسلمين لكتب المبشرين ومطالعتهم لها تتبدد أوهامهم القديمة عن المسيحية، وأما الجدل والمناظرة فيبعدان المحبة التي لها وقع كبير على قلوب الغير وتأثير مضاد على نشر النصرانية، فالمحبة والمجاملة هما آلة المبشر؛ إن طريق الاعتقاد غايته دائما القلب، ويجب على المبشر أن يتحلى دائما بمبدأ المسيحية قبل أن يتغنى بالأمور النظرية، كما يظهر للمسلم أن النصرانية ليست عقيدة دينية ولا دستورًا سياسيًّا بل هي الحياة كلها.. إنها تحب العدل والطهر، وتمقت الظلم والباطل، ونفتح للمسلم مدراسنا ونتلقاه في مستشفياتنا، ونفرض عليه محاسن لغتنا، ثم نقف أمامه منتظرين النتيجة بصبر ونتعلق بأهداب الأمل؛ إذ المسلم هو الذي امتاز بين الشعوب الشرقية بالاستقامة والشعور بالمحبة ومعرفة الجهل، وبهذه الطريقة فقط يمكن للمبشر أن يدخل إلى قلوب المسلمين١.
وسبق أن قلنا إن أهداف الاستشراق قد تلتقي مع أهداف التبشير في كثير منها لكن ذلك لا يعفينا من التنبيه إلى أهم أهداف التبشير في العالم الإسلامي عموما وفي منطقة الخليج بصفة خاصة.
стр. 104
١- تحويل أهل الجزيرة العربية عن الإسلام إلى المسيحية، ويتضح هذا الهدف من برنامج عمل الإرسالية الأمريكية التي تأسست سنة ١٨٨٩م فقد جاء فيه ما يلي: "نحن الموقعين أدناه قد عزمنا على القيام بنشاط تبشيري رائد في البلاد الناطقة باللغة العربية وبخاصة من أجل المسلمين والعبيد مقرين بالحقائق التالية: إن الحاجة بالغة لهذا العمل التبشيري وضرورة تشجيعه في العصر الحالي.. ولذلك فقد اقترحَت اللجنة المؤسسة لها ضرورة البدء السريع في هذا العمل، وأن يكون ميدانها الجزيرة العربية وأعالي النيل.
٢- ومما يقوِّي الهدف السابق ما يدعيه "زويمر" أحد مؤسسي الإرسالية السابقة من وجود حق تاريخي للنصرانية في الجزيرة العربية، وأن إعادتها إلى النصرانية كسابق عهدها أمر غير مستحيل، وقد أكد ذلك "زويمر" في قوله: "إن للمسيح حقًّا في استرجاع الجزيرة العربية، وقد أكدت الدلائل التي جمعت لدينا في الخمسين سنة الأخيرة، على أن المسيحية كانت منتشرة في البلاد في سابق عهدها، وهناك دلائل أثرية واضحة على وجود الكنيسة المسيحية هنا، ولهذا فإن واجبنا أن نعيد هذه المنطقة إلى أحضان المسيحية٧. وكان لسقوط الأندلس في أيدي الصليبيين وانتهاء عهد المسلمين بها أثر في تفكير "زويمر" في الدعوة إلى استرجاع هذه المنطقة إلى أحضان المسيحية.
стр. 105
٣- الالتفاف حول المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة، وهذا الهدف قد أعلنه كثير من المبشرين في مؤلفاتهم، فلقد أعلن "هانوتو" أن هذه الرموز المقدسة هي رموز وحدة المسلمين وسر قوتهم، وأن المسلمين حين يلتقون حولها في الكعبة أو في المدينة يجددون نشاطهم ويستعيدون قوتهم الروحية التي يستمدون منها معنى التحدي على مواجهة المشكلات.
ولم ينسَ رؤساء المؤسسات التبشيرية أن يعلنوا صراحة أهدافهم التبشيرية على مسامع الأفراد المسلمين الذين يتعاملون معهم في المؤسسات التعليمية كالمدارس والجامعات التي أنشأوها في البلاد الإسلامية لهذا الغرض، تحت ستار نشر التعليم الحديث بين أبناء الشرق، فلقد أقيمت الجامعة الأمريكية في بيروت ١٨٦٥م؛ ليكون مديرها مبشرًا وجميع المدرسين بها من المبشرين كذلك، وكان من مبادئ تولى التدريس بالجامعة أن يقسم المدرسون بها على أن يوجهوا جميع أعمالهم نحو هدف واحد هو التبشير، ولم يقبل منهم أن يكونوا نصارى فقط، بل يجب عليهم أن يقوموا بمهمة التبشير أيضا، وكانت تحرص الجامعة أن تظهر أساتذتها بمظهر المبشرين وكانت تجبرهم الجامعة أن يحضروا مؤتمرات المبشرين، ولما أحست الجامعة بنوع من الحرج في مواجهة الدولة العثمانية في أوائل هذا القرن ألغت مبدأ القسم المطلوب من الأساتذة.
ولقد قرر مؤتمر القدس المنعقد ١٩٣٥، أن يستغل كل درس علمي في سبيل تأويل مسيحي لفروع العلوم، كالتاريخ وعلم
стр. 106
النبات١، وكان دخول الكنيسة عملا إجباريا على كل تلميذ بالجامعة، ولما احتج أولياء أمور الطلاب على ذلك اجتمع مجلس الجامعة وأصدر منشورا بهذا الخصوص جاء في مادته الرابعة ما يلي:
إن هذه كلية مسيحية، أسست بأموال شعب مسيحي، هم اشتروا الأرض، وهم أقاموا الأبنية، وأنشأوا المستشفى وجهزوه، ولا يمكن للمؤسسة أن تستمر إذا لم يساندها هؤلاء وكل هذا قد فعلوه؛ ليوجدوا تعليما يكون الإنجيل من مواده، فتعرض منافع الدين المسيحي على كل تلميذ، وهكذا نجد أنفسنا ملزمين أن نعرض الحقيقة المسيحية على كل تلميذ.. وأن كل طالب يدخل إلى مؤسستنا يجب أن يعرف مسبقا ماذا يُطلب منه، ثم أعلن مجلس الأمناء للكلية: أنها لم تؤسس للتعليم العلماني.. ولكن من أول غاياتها أن تعلن الحقائق الكبرى التي في التوراة وأن تكون مركزا للنور المسيحي، وللتأثير المسيحي، وأن تخرج بذلك على الناس وأن توصيهم به.
وهذه المؤسسة التعليمية ببيروت قد تأسس لها نظائر في سائر البلاد الإسلامية والعربية على وجه الخصوص، فهناك الجامعة الأمريكية بمصر، وجامعة غوردون بالخرطوم، وكذلك في إستامبول بتركيا، بالإضافة إلى المدارس اليسوعية التي لا حصر لها في البلاد العربية وقراها، ولا يخفى على من يراجع المناهج التعليمية في هذه المؤسسات أن التبشير هو مركز الدائرة في كل أنشطة هذه المؤسسات.
стр. 107
والدور التبشيري الذي قامت به الجامعة الأمريكية في بيروت التي أسست سنة ١٨٦٥ قامت به جميع الكليات التبشيرية الأخرى التي أسست لنفس الغرض وفي شتى بقاع العالم الإسلامي، ويستوي في ذلك الجامعة الأمريكية في وسط القاهرة، والجامعة الأمريكية في إستامبول، والكلية الفرنسية في لاهور، والجامعة الأخيرة قامت بدور خطير جدًّا في جنوب شرق آسيا.
وتحت ستار نشر التعليم والثقافة في بلدان العالم الثالث حول المبشرون دور التعليم بمراحله المختلفة وكذلك المؤسسات الثقافيية المختلفة إلى حقول خصبة لزرع تعاليم الإنجيل ونشر تعاليم المسيحية بين أبناء المسلمين من سن الطفولة في دور الحضانة، وانتهاء بالتعليم الجامعي حيث أسسوا مدارس ومعاهد تعليمية لكل هذه المستويات وزرعوها زرعا في معظم البلاد الإسلامية.
وكذلك المؤسسات الثقافية والإعلامية كانت بمثابة منابر يعملون من خلالها على نشر تعاليمهم، ولم يجدوا غضاضة في الإفصاح عن ذلك صراحة حتى إن واحدا منهم يعلن صراحة "أن المبشرين استغلوا الصحافة المصرية بصفة خاصة للتعبير عن الآراء المسيحية أكثر منها في أي بلد آخر، حيث ظهرت مقالات كثيرة في الصحف المصرية إما مأجورة في أغلب الأحيان أو بلا أجر في أحوال نادرة١.
стр. 108
الوسائل والمؤسسات التبشيرية:
أ- الإرسالية الأمريكية في دول الخليج:
هي إرسالية بروتستانتية ذات أهداف تبشيرية في شبة الجزيرة العربية، قام بتأسيسها الدكتور لانسنج LANSING أستاذ اللغة العربية في معهد اللاهوت في نيوبرونسك NEW BRUNSWICK الخاص بتدريب المبشرين التابع لكنيسية الإصلاح الديني بأمريكا، ولقد ساعد لانسنج في تأسيس هذه الإرسالية ثلاثة من تلامذته وهم جيمس كانتين، وصموئيل زويمرن وفيليب فيلبس، وكان والد لانسنج يعمل مبشرًا في بلاد الشام وخاصة سوريا لمدة طويلة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وقد أطلق لانسنج ومساعدوه على هذه الإرسالية اسم الإرسالية العربية سنة ١٨٨٩م. استجابة لطلب رسمي مقدم إلى هيئة الإرساليات الأجنبية للسماح بالقيام بعمل تبشيري في البلاد الناطقة باللغة العربية، وبدأت هذه الإرسالية تباشر نشاطها في الجزيرة العربية وخاصة في المناطق المطلة على الخليج العربي، وكانت كنيسة الإصلاح الأمريكية بولاية نيوجيرسي هي التي تتولى الإشراف والتمويل لهذه الإرسالية كما كانت تمدها بالمبشرين الجدد الذين أتموا تدريبهم بها وأصبحوا مؤهلين للقيام بالعمل التبشيري، وكان من خطة هذه الإرسالية العمل على نشر الإنجيل المسيحي في المكان الذي نشأ فيه الإسلام، ولقد أحست هذه الإرسالية بصعوبة المهمة المكلفة بها خاصة في منطقة الجزيرة العربية مهد الإسلام والتي يتمتع أهلها بالولاء الكامل والغيرة الشديدة على الإسلام، لذلك
стр. 109
فكروا في وضع خطة مكتوبة يوافق عليها أعضاء الإرسالية؛ لتكون هذه الخطة ورقة عمل لهم في هذه المنطقة وفي غيرها. ومما جاء في هذه الخطة:
"نحن الموقعين أدناه قد عزمنا على القيام بنشاط تبشيري رائد في البلد الناطقة باللغة العربية وبصفة خاصة من أجل المسلمين العبيد مقرين منذ البداية بالحقائق التالية:
١- الحاجة البالغة لهذا العمل التبشيري وضررورة تشجيعه في العصر الحديث.
٢- عدم وجود مثل هذا العمل التبشيري تحت إشراف مجلس الإرساليات الأجنبية في الوقت الحالي.
٣- عدم قيام أي مجهود يُذكر حتى الآن في المجالات آنفة الذكر، ولتحقيق الأهداف المرجوة فإننا نتقدم من المجلس وبتأييده إلى الكنيسة عامة بالمقترحات التالية:
١- الشروع بهذا العمل بأسرع وقت ممكن.
٢ أن يكون ميدان العمل الجزيرة العربية أو أعالي النيل.
وجاء في المادة الأولى من دستور هذه الإرسالية: "سيكون اسم هذه المنظمة: الإرسالية العربية"، وفي المادة الثانية: سيكون هدف هذه المنطقة القيام بالعمل التبشيري في الجزيرة العربية أو البلاد الناطقة بالعربية.
стр. 110
ولا شك أن اختيار الجزيرة العربية كمركز رئيسي لهذه الإرسالية له أهدافه البعيدة التي يخطط لها المبشرون ويعملون على تحقيقها على المدى البعيد، ومن أهم هذه الأسباب التي أعلنوها هو الادعاء بأن الجزيرة العربية كانت في سابق عهدها موطنا للمسيحية قبل الإسلام، ومحاولة إرجاعها إلى سابق عهدها المسيحي أمر ضرروي، وقد أكد صموئيل زويمر على هذه الأهداف في قوله: إن للمسيح حقا في استرجاع الجزيرة العربية، وقد أكدت الدلائل التي تجمعت تحت أيدينا في الخمسين سنة الماضية على أن المسيحية كانت منتشرة في هذه البلاد في سابق عهدها، وهناك دلائل أثرية واضحة على وجود الكنيسة المسيحية هناك، ولهذا فإن من واجبنا أن نعيد هذه المنطقة إلى أحضان المسيحية١.
وبعد دراسة أحوال المنطقة سياسيًّا وجغرافيًّا واجتماعيًّا قرر الجنرال "هيج heig" في رحلته إلى الجزيرة العربية، أن كل الجزيرة العربية بدرجات متفاوتة مهيأة لاستقبال الكتاب المقدس بذراعين مفتوحين"٢.
ب- وقد أنشأ هذه الإرسالية عدة مراكز في لها في كل من بيروت، البصرة، البحرين، وكانت البحرين أهم مركز لها حيث أنشأت الإرسالية مكتبة للأب المقدس بالبحرين سنة ١٨٩٣ وأصبحت