Полный текст (1 471 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
بعضُهم: «يَحْظُرِ» [خ¦٢٤/ ٥٨ - ٢٣٣٩]، وهما بمعنًى، و «الصَّلاةُ محظُورةٌ حتَّى يستَقِلَّ الظِّلُّ» أي: ممنوعةٌ عند غروبِ الشَّمس، كما قال: «فإذا استَوَت قارَنَها»، ونُهِيَ عن الصَّلاةِ حينئذٍ.
و «شدُّ الحِظَار» بكسرِ الحاء، ويُروَى بالشِّين والسِّين، وسنذكره، قال القُتَبيُّ: هو حائطُ البُستان، وقيل: هو حائطُ ال حظِي رة التي تُصنَع للماء كالصِّهريج، وقيل: كالسَّاقية، وهي الضَّفيرةُ أيضاً، وكلُّ شيءٍ مانعٍ بين شيئين فهو حِظار، وكذلك حِظارُ الغَنم حظِيرتُها التي تَحظُرها عليها بأغصانِ الشَّجَر ونحوِها، والحظائرُ التي فيها الزَّرعُ المحاطُ بها، قال الهرويُّ: وهما لغتان حَظار وحِظَار، بالفتحِ والكسر، ومنه قوله: «لقد احتَظرتِ من النَّارِ بحِظارٍ» أي: امتَنعت منه بمانعٍ مثلِ الحِظار الذي يَمنَع ما وراءَه، وقد يكون: «شدُّ الحِظار» من هذا: حائطَه الذي يمنعُ منه، وزَرَبُه الذي يحمِيه.
٤٧٧ - (ح ظ ظ) قوله: «إذا سافرتُم في الخَصبِ فأَعطوا الإِبلَ حظَّها من الأرضِ» يعني: من الرَّعيِ والكَلأ.
٤٧٨ - (ح ظ ي) قوله: «قلَّما كانت امرأةٌ حظِيَّةٌ عند رجلٍ يُحِبُّها» أي: مكينةُ المنزلةِ، والحظوةُ بضمِّ الحاء وكسرِها: المكانةُ والمنزلةُ، كذا رواه ابنُ ماهانَ، وللجُلُوديِّ: «وَضيئَةٌ» [خ¦٢٦٦١] أي: جميلةٌ، وكذا جاء في الحديث الآخَر.
الحاء مع الكاف
٤٧٩ - (ح ك ك) قوله: «أنا جُذَيْلُها الْمُحَكَّكُ» تقدَّم في الجيم والذَّال.
٤٨٠ - (ح ك ر) «نهى عن الحُكْرة» هو: جمعُ الطَّعام واكتِنازُه.
٤٨١ - (ح ك م) وقوله: «بكَ حاكَمتُ» [خ¦٧٤٤٢] يعني أعداءَ الدِّين؛ أي: لا أرضَى إلَّا بحُكمِك، مثلُ قوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقد يكون أنَّ أمرِي كلَّه في ذاتِك ونُصرَةِ دينِك، كما قال: «وبكَ خاصَمتُ».
قوله: «الحِكمةُ يَمانيَّةٌ» [خ¦٤٣٩٠] «الحكمةُ» عند العربِ هي ما منَع من الجَهل، وبذلك سُمِّي الحاكمُ لمنعِه الظَّالم، ومنه في الحديثِ الآخَر: «إنَّ من الشِّعرِ لِحِكْمَةً» [خ¦٦١٤٥]، ويُروَى: «حُكْماً» أي: ما يمنَع من الجَهلَ وينفَع ويُنهَى عنه، والحُكمُ والحِكمةُ بمعنًى واحدٍ، وقد قيل ذلك في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ [مريم: ١٢]، وقيل: حُكمُه؛ أي: عدلاً يدعو إلى الخير والرُّشدِ ومَحامِدِ
стр. 352
الأخلاق، وقيل: «الحكمةُ» إصابةُ القولِ من غيرِ نُبوَّةٍ، وقيل ذلك في قوله: «اللهمَّ؛ علِّمْه الحِكمةَ» [خ¦٣٧٥٦]، وقيل: «الحكمةُ» العِلمُ بالدِّين، وقيل: العِلمُ بالقرآن، وقيل: الفقهُ في الدِّين، وقيل: «الحكمةُ»: الخَشيةُ، وقيل: الفَهمُ عنِ الله في أمرِه ونهيِه، وهذا كلُّه يصِحُّ في معنَى قوله: «الحكمةُ يمانيَّةٌ»، وقوله: «عَلَّمه الحِكمةَ» لا سيَّما مع قوله: «الفِقهُ يَمانٍ» [خ¦٤٣٩٠]، وقد قيل: «الحكمةُ»: النُّبوَّةُ، وقيل هذا في قوله: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء﴾ [البقرة: ٢٦٩].
الحاء مع اللام
٤٨٢ - (ح ل ا) قوله: «فحلَّأْتُهم عنه» أي: عن الماء؛ أي: طردتُهم ومنَعتُهم، مهموزٌ، وقد تُسهَّل، وتقدَّم الخِلافُ في حديثِ الحوضِ في قوله: «فيحلَّؤُون عنه» [خ¦٦٥٨٦]-وهو بمعناه- في حرف الجيم، يُقال: حلَّأْتُ الإبلَ أُحلِّئُها تَحْلِئَةً مشدَّدٌ، وحَلَأْتُها أَحْلَؤُها مخفَّفٌ إذا صرَفتَها عن الوِرد ومنَعتَها الماءَ.
٤٨٣ - (ح ل ب) قوله: «فأرسَلتْ إليه ميمونةُ بحِلابِ لبَن» بكسرِ الحاء وتخفيفِ اللَّام، هو إناءٌ يملَؤُه قَدْرَ حَلْبةِ ناقةٍ، ويُقال له: المِحْلَب أيضاً، بكسرِ الميم، ومثلُه في حديثِ الغار: «فآتى بالحِلابِ» [خ¦٢٢١٥]، ويحتَمِل أن يُريد به هنا اللَّبنَ المحلوبَ، كما يُقال: خِرافٌ لما يُختَرَفُ من النَّخل، وقال أبو عُبَيد: إنَّما يُقال في اللَّبن الإحْلَابة.
وفي غُسلِ الجنُب: «فأُتيَ بشيءٍ نحوَ الحِلابِ» * [خ¦٢٥٨] هو مثلُ الأوَّل، يريد قَدْرَ ما اغتَسل به من الماء، وقيل في هذا: إنَّه أراد مِحْلبَ الطِّيب، وترجمةُ البخاريِّ عليه تدلُّ على أنَّه التَفت إلى التَّأوِيلين، فإنَّه قال: (بابُ مَن بدأَ بالحِلابِ أو الطِّيبِ عند الغُسْلِ) [خ¦٥/ ٦ - ٤٣٦]، ثمَّ أدخَل الحديث، وقد رواه بعضُهم في غيرِ الصَّحيحين: «الجُلَّاب» بضمِّ الجيم وتشديدِ اللَّام، قالوا: و «الجُلَّابُ» ماءُ الوردِ، قاله الأزهريُّ، قال: وهو فارسيٌّ معرَّبٌ.
قوله: «إيَّاكَ والحَلوبَ» بفتحِ الحاء؛ أي: الشَّاةَ التي لها لبنٌ، كما قال في الحديث الآخَر: «نَكِّبْ عن ذاتِ الدَّرِ».
وقوله: «الرَّهنُ مَحْلوبٌ ومَرْكوبٌ» [خ¦٤٨/ ٤ - ٣٩٣٧] أي: لمرتَهنِه أن يحلُبه بقَدْر نظَرِه عليه وعلَفِه له ورِعايتِه عند بعضِ العلماء.
قوله في الإبل: «ومِن حقِّها حَلْبُها على الماءِ» كذا ضبَطناه بسكونِ اللَّام اسمَ الفِعْل، وذكَره أبو عُبَيد بفتحِ اللَّام،
стр. 353
وكلاهما صحيحٌ، وبالفتحِ ضبَطناه أيضاً في البخاريِّ في التَّرجمة، وهو الذي حكاه البخاريُّ في مصدَره، ومنه قولهم: (أ حْلُ ب حلْباً لك شَطْرُه)، وقد يكون الحَلَبُ بالفتحِ هنا: المحلوب؛ أي: اللَّبنُ نفسُه، ومنه قوله في الحديثِ الآخَر: «مِن حقِّها أن تُحلَبَ على الماءِ» [خ¦١٤٠٢]، وذلك كلُّه لما يحضُره من المساكين والضُّعفاء ومَن لا لبَن له فيُواسَى مِن لبنها، وقال الدَّاودِيُّ: إنَّه روى: «أن تُجْلَب» بالجيم، ولم أجِد من رواه كذلك، وتأوَّلها على جلبِها إلى الماء ليجِدها المصَدِّق، وهذا بعيدٌ، ومنه قوله: «تَحلَّبَ ثَديُها» [خ¦٥٩٩٩] أي: سالَ لبنُه، ومنه سُمِّي الحليبُ؛ لتحلُّبِه من الثَّدي، وتَحَلَّب فُوه إذا سالَ لعابُه.
٤٨٤ - (ح ل ج) قوله في أكلِ المُحْرِم من الصَّيد: «وأنْ تَحَلَّجَ في نفسِك شيءٌ» بالحاءِ المهملةِ واللَّام المشدَّدة، ورُوِي بالخاءِ المعجمةِ، وآخِرُه جيمٌ، كذا لجماعةِ الرُّواة، وعند ابنِ وضَّاحٍ بالخاءِ المعجمة أوَّلاً، ومعناه: شكٌّ، قاله الأصمعيُّ، بالحاءِ المهملة، وأنكَر المعجمةَ فيه، قاله في «البارع»، وحكَى الهرويُّ الوجهَين عن الأصمعيِّ وغيرِه، قال: وفرَّق شِمرٌ بينهما، والمعنى قريبٌ.
٤٨٥ - (ح ل) قوله: «حَل حَل» [خ¦٢٧٣١] [خ¦٢٧٣٢] زجْرُ النَّاقة على النُّهوضِ والانبِعاثِ إذا لم تَنْبعِث، يُقال بسكونِ اللَّام فيهما وكسرِها أيضاً بغيرِ تنوينٍ، وبالتَّنوينِ، والحاءُ في الجميعِ مفتوحةٌ.
٤٨٦ - (ح ل ل) قوله: «حِلٌّ وبِلٌّ» بكسرِ الحاء وتشديدِ اللَّام؛ أي: حلالٌ، وقد تقدَّم في الباء.
قوله: «حلَّ من إحرامِه»، و «أُحِلَّ» صحيحان بمعنًى، وكان الأصمعيُّ ينكِر: «أُحِلُّ»، وقد جاءت الأحاديثُ بالوجهَين: يَحِلُّ ويُحَلُّ -بفتحِ الياء وضمِّها- حِلًّا، بالكسر، وكذلك إذا خرَج من الحَرَم إلى الحِلِّ، وحَلَّ الشَّيءُ يَحُلُّ -بالضَّمِّ وجَب ووقَع- حَلًّا بالفتح، ومنه في حديث أمِّ حبيبةَ: «لن يُعَجِّلَ شيئاً قبل حلِّه أو يُؤخِّرَه عن حلِّه»، وكذلك حَلَّ بالمكان يَحُلُّ حُلولاً: نزَل به، وأحلَّ إحْلالاً: خرَج من الشُّهور الحُرُم، أو من ميثاقٍ عليه، ورجلٌ مُحْرِمٌ ومُحِلٌّ.
وفي الحجِّ في «الموطأ» قولُه في الصَّيد: «فوجَدوا ناساً أَحِلَّةً يأكُلونَه» كذا روَيناه، كأنَّه جمع: حِلال بالكسر، وهو جَمعُ حَلال، بالفتح، وحَلَّت المرأةُ من عِدَّتها تَحِلُّ حِلًّا، بالكسر فيهما، إذا صارَت حَلالاً للأزواج، وكذلك كلُّ شيءٍ صار حَلالاً، ورجلٌ حِلٌّ وحَلالٌ إذا لم يكن مُحرِماً، ومنه: «وأنا … حِلٌّ» [خ¦٥٤٩٢] وفي الحديث: «لحِلِّهِ ولِحِرْمِه» قال ثابتٌ: ومن قال: «لإحْلالِه» فقد أخطأ،
стр. 354
قال ثابتٌ: وقد يكون الإحْلالُ: الحِلاقَ، ومنه قوله: «وأحلَّه مُحرِّش» أي: حلَقه في خبرِ عُمرةِ الجِعرَّانة، و «أُحِلُّ عليكم رِضواني» [خ¦٦٥٤٩] أي: أنزَله بكم وأشعَركم إيَّاه، وكلُّ هذه الألفاظِ متكرِّرةٌ في هذه الكتبِ وآثارِها.
وقوله: «استَحلُّوا العُقوبةَ» أي: وجَبت عليهم كما تقدَّم؛ أي: استَوجَبوا أن تَحُلَّ بهم، أو استَحقُّوا أن تجِب عليهم، وكذا رواه القَنازعيُّ: «استَحقُّوا» بالقاف.
وقوله: «وحلَّتْ له شَفاعَتي» [خ¦٦١٤] قيل: غَشِيتْه وحلَّت عليه، قيل: وجَبت وحقَّت.
وقوله في حديثِ عيسى ﵇: «فلا يحِلُّ لكافرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسه إلَّا ماتَ» معناه عندي: حقٌّ واجبٌ واقعٌ، كقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] أي: حقٌّ وواجبٌ، وقيل: «لا يَحِلُّ» لا يُمكِن، كذا روَيناه بكسرِ الحاء، ورأيتُه في أصلِ ابنِ عيسى بضمِّها، ولعلَّ ما بعدَه «بكافرٍ» بالباء، و «يَحِلُّ» من الحُلول والنُّزول، والأوَّلُ أظهَرُ؛ بدليلِ بقيَّةِ الحديث.
وقوله: «ولا يَحُلَّ المُمرِضُ على المُصِحِّ»، و «ليَحْلُلِ المُصِحُّ حيثُ شاء» بضمِّ الحاءِ في الأولى، وضمِّ اللَّام في الثَّانية؛ أي: يَنزِل.
وقوله لمَّا أتى المدينةَ: «قال: هذا المَحلُّ» بكسرِ الحاء وفتحِها، مَحِلُّ القَوم ومَحَلَّتهم، بالفتح: حيثُ حلولُهم، ومحِلُّهم، بالكسر: حيثُ حلولُهم أيضاً، ومنه قوله: «بلَغَتْ مَحِلَّها» [خ¦١٤٤٦] أي: موضِعَها ومستحقَّها؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] أي: موضِعُ نَحْرِها.
وقوله: «حَليلَةَ جارِكَ» [خ¦٤٤٧٧]، و «غيرَ ذاتِ حَليلِ» [خ¦٩٢/ ١٧ - ١٠٥٣١] كلُّه بالحاءِ المهملةِ، الحليلةُ: الزَّوجةُ، والحليلُ الزَّوجُ، قيل: سُمِّيا بذلك؛ لأنَّهما يحِلَّان بموضِعٍ واحدٍ، والجمعُ: حلائلُ، قال الله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النِّساء: ٢٣]، وقد تُسمَّى الجارةُ أيضاً حليلةً؛ لنُزولها مع جارتِها.
قوله: «وحُلَّةَ سِيَراءَ» [خ¦٨٨٦]، و «حُلَّةُ سُنْدُس»، و «حُلَّةُ حِبَرةٍ» [خ¦٣٨٦٤]، و «حُلَّة حَريرٍ» [خ¦٢١٠٤] كلُّه على الإضافةِ، لكنَّ بعضَهم يجعَلُ «سِيَراءَ» نعتاً، ويروِيه «حلَّةً» بالتَّنوين، وقال الخَطَّابيُّ: قيل: «حلَّةٌ سِيَراء» كما قيل: ناقةٌ عُشَراء، وكان أبو مروان بن سراج ينكِرُه ويضبِطه على الإضافة، وكذلك ضبَطناه على ابنِه وغيرِه من شيوخِنا المتقِنِين، قال سيبويه: لم يأتِ فِعَلاءَ صفةً إلَّا اسماً، نحو: سِيراء، وهي ثيابٌ ذواتُ ألوانٍ وخطوط كأنَّها السُّيورُ، وهي الشِّراكُ يُخالِطُها حريرٌ، وقال الخليلُ وغيرُه: هو ثوبٌ مضلَّعٌ بالحرير،
стр. 355
وقيل: الأشبَه أنَّه مختَلفُ الألوان.
وفي كتاب أبي داودَ تفسيرُه في الحديث: «السِّيراءُ المضلَّعُ بالقزِّ»، وقيل: هو نبتٌ شُبِّهت به الثِّيابُ قال مالك: و «السِّيَراءُ» وَشْيٌ من حرِير، قال ابنُ الأنباريِّ: و «السِّيَراء» أيضاً الذَّهب، وقيل: هو الحريرُ الصَّافي، والحُلَّة ثوبان غيرُ لِفْقَين، رداءٌ وإزارٌ، سُمِّيا بذلك؛ لأنَّه يحُلُّ كلُّ واحدٍ منهما على الآخَر، قال الخليلُ: ولا يُقال حلَّةٌ لثوبٍ واحدٍ، وقال أبو عُبَيد: الحُللُ بُرودُ اليمن، وقال بعضُهم: إنَّما تكون حُلَّةً إذا كانت جديدةً؛ لحَلِّها عن طيِّها، والأوَّلُ أكثرُ وأشهَرُ.
وفي الحديث: «أنَّه رأى رجلاً عليه حُلَّةٌ اتَّزر بإحداهما وارتَدى بالأخْرى» فهذا يدلُّ أنَّهما ثوبان، وفي الحديث الآخَر: «رأى حُلَّة سِيراء؛ حلَّة سُندسٍ»، وهذا يدلُّ أنَّها واحدةٌ.
وقوله في حديثِ أبي قتادةَ: «ثمَّ تَركَ فتَحلَّل فدفعتُه» [خ¦٤٣٢٢] أي: ترَك ضمِّي الذي ذكَره أوَّلَ الحديث، و «تحلَّلَ» أي: ضَعُفت قُواه وانحَلَّت ضَمَّتُه، كما قال في الحديث الآخَر: «ثمَّ أَدركَه الموتُ فأَرسلَني» [خ¦٣١٤٢].
قوله في الجارِ: «لا يَحِلُّ له أن يَبِيعَ حتَّى يُؤذِنَ شريكَه» «لا يحِلُّ» هنا على الحضِّ والنَّدب لا على الوُجوب.
وقوله في الأَيمان: «إلَّا … تَحلَّلتُها» [خ¦٣١٣٣] أي: كفَّرتُها، من قوله تعالى: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
قوله: «لا تَمسُّه النَّارُ إلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» [خ¦٦٦٥٦] أي: تَحلِيلَها، قيل: هو قولُه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٦٨ - ٧١] قاله مالكٌ وأبو عُبَيد وغيرُهما، وهو الجوازُ على الصِّراط أو عليها وهي جامِدةٌ كالإهالةِ، وقيل: المرادُ سُرعةُ الجَوازِ عليها وقِلَّةُ أمدِ الوُرود لها، يُقال: ما فعَلت ذلك إلَّا تَحْلِيلاً؛ أي: تَقديراً، مثلُ مَن يَقصِد تَحلِيلَ يَمينِه بالاستِثناء، وبأقلِّ ما يُمكِنه.
٤٨٧ - (ح ل م) قوله: «حَلَمَةِ ثَدْيِه» [خ¦١٤٠٧] هو رأسُه وطرفُه، بفتحِ الحاء واللَّام.
قوله: «يُكرَه أن يَنزِعَ المُحْرِمُ حَلَمَةً أو قُرَادًا عن بعيرِه» الحَلَمُ: الكبيرُ من القُرَاد.
وقوله: «كان يُصِبحُ جُنُباً من جِماعٍ لا حُلْمٍ» [خ¦١٩٣١]، و «إذا حَلَم أحدُكم حُلْماً» [خ¦٣٢٩٢] بضمِّ الحاءِ وسكونِ اللَّام، وأرادَ به هنا: لا من حُلْم المنام؛ أي: الاحتِلام، وليس فيه إثباتُ أنَّه كان ﵇ يحتَلِم؛ لأنَّها إنَّما
стр. 356
حقَّقت هنا حُكمَه في غيرِه، قال بعضُهم: ولا يجوز عليه الاحتلام؛ لأنَّه من الشَّيطان، ولأنَّه لم يُرْوَ عنه في ذلك أثَرٌ، وقد يحتَمِل جوازُه عليه ولا يكون من الشَّيطان فيه مَدخَل، لكن لبُعدِه مدَّةً عن النِّساء، أو كثرةِ اجتماعِ الماء وقوَّةِ حرارتِه، والحُلم، بضمِّ الحاء وسكونِ اللَّام وضمِّها أيضاً: من حُلُم النَّوم ورُؤياه، والفِعلُ منه: حَلَم بفتحِ اللَّام، والمحتَلمُ والحالِم الذي بلَغ الحُلُم، بضمِّ الحاء واللَّام، وهو إدراكُ الرَّجل، وأصلُه من الاحتِلام في النَّوم، وفي الحديث: «على كُلِّ مُحتَلمٍ» [خ¦٨٥٨]، و «خذْ من كُلِّ حالمٍ ديناراً» أي: بالِغٍ.
وقوله: «وأَحْلامِ السِّباعِ» أي: في عُقولها وأخلاقِها، من التَّعدِّي والبَطش، والحِلْم -بالكسر- بمعنَى الصَّبر، لكن في الحِلْم الصَّفحُ وأمنُ المؤاخَذة، وهو ضِدُّ البَطش والسَّفَه والاستِشاطةِ، وأيضاً العَقلُ، والحَليمُ من أسماء الله تعالى بمعنى: العَفُوُّ والصَّفوحُ مع القُدرة، والفِعْلُ منه حَلُم، بضمِّ اللَّام.
٤٨٨ - (ح ل ف) قوله: «بينهما حِلْفٌ» بكسرِ الحاء وسكونِ اللَّام، والمحالفةُ الموالاةُ والمناصرةُ، ومنه حديثُ: «تحالَفتْ قريش وكِنانَة على بَني هاشِمٍ» [خ¦١٥٩٠] أي: حَلَف بعضُهم لبعضٍ على عداوتِهم، وصاروا يداً عليهم.
ومِن هذا قولُه: «غَمَسَ يميناً في حِلْفٍ» [خ¦٢٢٦٣] وسنُفسِّرُه في حرفِ الغين إن شاء الله. ومنه قولُه: «لا حِلْفَ في الإسلامِ» [خ¦٢٢٩٤] أي: ما كانت الجاهليَّةُ تفعَلُه في الانتِساب والتَّوارث، وقد نسَخ الإسلامُ هذا بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وآيةِ المواريث، وأصلُه أنَّهم كانوا يتَحالفون عندَ عَقدِه على التزامِه، والواحدُ: حَليفٌ، والجمعُ: حُلفاءُ وأحْلافٌ. ومنه قوله: «والحَلِيفان أسَدٍ وغَطَفانَ».
و «الحَلِف» بفتحِ الحاء وكسرِ اللَّام: اليمينُ، واحدتُه حَلْفةٌ، مثلُ تَمرةٍ، وهي الحِلْفُ أيضاً، لُغتان، وأكثرُ هذه الألفاظ وما اشتُقَّ منها متَصرِّفٌ في هذه الأمَّهات.
وقوله: «اليمينُ على نيَّةِ المُستحلِفِ» بكسرِ اللَّام؛ أي: طالبِ اليمين، وبَيْن العلماء في هذه المسألةِ اختلافٌ وتفصيلٌ ذكَرناه في غيرِ هذا الكتاب.
٤٨٩ - (ح ل ق) قوله: «عَقْرَى حَلْقَى» [خ¦١٥٦١] مقصورٌ غيرُ منوَّن، مثلُ سَكْرَى، ومن المحدِّثين من ينوِّنُهما، وهو الذي صوَّب أبو عُبَيد، قال: معناه: عَقَرها الله عقراً؛ أي: أهلَكها وأصابَها بوجَعٍ في حَلقِها، قال ابنُ الأنباريِّ: ظاهرُه الدُّعاءُ عليها، وليس بدعاءٍ، وقال غيرُ أبي عُبَيد: «عَقْرَى حَلْقَى»
стр. 357
صوابٌ، مثلُ: غَضْبَى؛ أي: جعَلها الله كذلك، والألفُ ألفُ التَّأنيث.
وقيل: «عَقْرَى» أي: عاقِرٌ لا تلِد، وقال الأصمعيُّ: هي كلمةٌ تُقال للأمرِ يُعْجَبُ منه: عَقْرَى وحَلْقَى وخَمْشَى؛ أي: تَعقِرُ منه النِّساءُ خُدودَهنَّ بالخَدْش، ويَحلِقنَ رُؤوسَهنَّ للتَّسلُّب على أزواجِهنَّ لمصائبِهنَّ.
ومن التَّعجُّب في حديثِ الطِّفلِ الذي تكلَّم في المهْد: «فقالت له أمه: حَلقَى»، وقال اللَّيثُ: معنَى «عَقْرَى حَلْقَى» مَشؤومةٌ مُؤذِيةٌ، تَعقِر قومَها وتَحلِقُهم بشُؤْمِها، وقيل: معنَى ذلك؛ أي: ثَكْلى فتَحلِقُ أمُّها رأسَها، وهي عاقِرٌ لا تلِد، وقيل: هي كلمةٌ تَقولها اليهودُ للحائِض، وفيها جاء الحديث، ونحوُه لابنِ الأعرابيِّ، وفي البخاريِّ: إنَّها لغةٌ لقُريش [خ¦٦١٥٧]، وقال الدَّاوديُّ: معناه: أنتِ طويلةُ اللِّسان لمَّا كلَّمتْه بما يكرَه، مأخوذٌ من الحَلْقِ الذي يَخرُج منه الصَّوتُ، وكذلك «عقرى» من العَقِيرة، وهو الصَّوتُ، وهذا تفسيرٌ مُتكَلَّف.
قوله: «فأتردَّى من حالِقٍ» الحالقُ: الجبَلُ المنِيفُ.
وقوله: «فرأى فُرجَةً في الحَلْقَة» [خ¦٦٦] بفتحِ الحاء وسكونِ اللَّام، وقيل: بفتحِها، والأوَّلُ أشهَرُ، وهي حلْقةُ القَومِ يتحلَّقون فيها، والجمعُ: حِلَقٌ، بكسرِ الحاء، مثلُ: بَدْرةٌ وبِدَر، قاله الخَطَّابيُّ، وذكَرها غيرُ واحد بالفتحِ، ومنه قولُه في الصَّحيح: «الحِلَقُ … في المسجد» [خ¦٨/ ٨٤ - ٧٨٢]، و «حِلَقُ أصحابِ محمَّدٍ»، وقال الحربيُّ فيه: الحَلْقُ والحَلْقةُ، بالسُّكون، مثلُ: تَمْرة وتَمْر، قال: ولا أعرِف حَلَقةً -بالفتح- إلَّا جمعَ حالِقٍ، والحَلْقةُ -بالسُّكون- السِّلاحُ أيضاً.
وقوله: «اتَّخذَ خاتَماً حَلْقتُه فِضَّةٌ» بفتحِ الحاء وسكونِ اللَّام أيضاً، وكذلك (حَلْقةُ القُرطِ)، قال أبو عُبَيد: وأختار في (حَلَقة الدِّرع) فتحَ اللَّام، ويجوز الإسْكانُ، وفي (حَلْقة القوم) السُّكون، ويجوز الفتحُ.
وقوله: «حَلَّق بإصبعِه والتي تَليها» [خ¦٣٥٩٨] أي: جمَع طرفَيهما يحكِي بهما الحَلْقة.
وقوله: «أنا بَرِيءٌ … من الحالِقَة» [خ¦١٢٩٦]، و «ليس منَّا من حَلَق» هو من حَلْق الشَّعَر في المصائِب.
وقوله في البِغْضَة: «هي الحالِقة» أي: المُهلِكةُ؛ أي: تَستَأْصِل، كحالِق الشَّعَر، يُقال: القومُ يَحلِق بعضُهم بعضاً؛ أي: يقتُل، وقيل: المرادُ هنا: قطيعةُ الرَّحمِ.
стр. 358
٤٩٠ - (ح ل س) قوله في الحادَّة: «تلبَس شرَّ أَحْلاسِها» [خ¦٥٣٣٨] أي: دَنِيء ثيابِها، وأصلُه من الحِلْس، وهو كساءٌ أو لِبدٌ أو شيءٌ يُجعَل على ظهرِ البعيرِ تحتَ القَتَب يُلازِمه، ولذلك يُقال: فلانٌ حِلْسُ بيتِه؛ أي: مُلازِمُه، ومنه: «نحنُ أحلاسُ الخيلِ» أي: الملازمونَ ركوبَها، ومنه في إسلامِ عمرَ قولُه: «ولُحوقَها بالقِلاصِ وأَحلاسِها» [خ¦٣٨٦٦] أي: ركوبَها إيَّاها.
٤٩١ - (ح ل و) وقوله: «نهى عن حُلوانِ الكاهنِ» [خ¦٢٢٣٧] بضمِّ الحاءِ، وهي رِشوتُه وما يأخُذُه على كِهَانتِه، والحُلوانُ الشَّيءُ الحُلوُ، يُقال: حلوٌ وحُلوانٌ، وكان هذا منه.
وقوله: «يُحِبُّ الحَلواءَ والعَسَلَ» [خ¦٥٤٣١] هي ممدودةٌ عند أكثرِهم، والأصمعيُّ يقول: الحَلْوَى مقصورٌ، ذكَره ابنُ ولَّاد، وذكر أبو عليٍّ الوجهين معاً، وقال اللَّيث: الحَلْواء -ممدودٌ- اسمٌ لكلِّ ما يُؤكلُ حُلواً.
وقوله في حديثِ الخضِر: «على حلاوَةِ قَفاه» حلاوةُ القَفا: بفتحِ الحاء وضمِّها، وقاله أبو زيد بفتحِ الحاء، وقاله ابنُ قُتيبةَ بالوجهين، وقاله في «المصنَّف» بضمِّ الحاء، قال: وبالفتحِ يجوز، وليس بمعروفٍ، قال: ويُقال: حَلَاواءُ القَفا، ممدودٌ مفتوحٌ، وحُلَاوَى مضمومٌ مقصورٌ، وقال أبو عليٍّ: حُلْواء القَفا ممدودٌ مضمومٌ، وحَكى حَلاوة، بالفتحِ أيضاً.
٤٩٢ - (ح ل ى) ذكَر: «الحُلِيَّ» [خ¦٦٠/ ٢٢ - ٥٢٠٨]، و «الحَلْي»، و «تَصَدَّقْنَ ولو من حُلِيِّكُنَّ» [خ¦٢٤/ ٣٣ - ٢٢٧٩] وهو ما تتحلَّى به المرأةُ وتتزيَّن، يُقال بفتحِ الحاء وسكونِ اللَّام، وبضمِّ الحاء وكسرِها مع كسرِ اللَّام، وقد قُرِئ بهما جميعاً.
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ
قوله: «وكانت هُذَيلٌ قد خَلَعوا خَليعاً لهم في الجاهليَّةِ» [خ¦٦٨٩٩] كذا لهم بالخاءِ المعجمة والعينِ المهملة، وهو الصَّوابُ، ورواه القابسيُّ وعُبدوسٌ: «حليفاً» بالحاءِ المهملة والفاءِ، والأوَّلُ الصَّوابُ، والخليعُ: الذي خلَعه قومُه عنهم وتبرَّؤوا منه لجناياتِه، فلا يَنصرونَه، ولا يُطلبون بجناياتِه، ولا يَطلبون بما جُنِي عليه، وهو أصلُ ما سُمِّي به الشُّطَّارُ خُلعاءَ؛ لأنَّ أصلَ الاسمِ على الخُبثاءِ الأشرارِ، وقد
стр. 359
تُخرَّجُ روايةُ القابسيِّ على أنَّهم نقَضوا حِلفَه، يُقال: تخالع القومُ إذا نقَضوا حِلفَهم.
وقوله في حديثِ جُندبٍ: «تَسمعُني أُحالِفُك وقد سمِعتَ هذا من رسول الله ﷺ فلا تَنْهاني» كذا روايةُ عامَّةِ شيوخِنا بالحاءِ المهملة، من الأيمان، وضبَطناه من كتاب ابنِ عيسى كذلك، وبالخاءِ المعجمة من الخلافِ أيضاً، وكلاهما يدلُّ عليه الحديث، لكنَّ الحاءَ المهملةَ أظهَرُ؛ لما ذكَره في الحديث من أيمانِهما: «كَلَّا والله» [خ¦٣]، و «بلى والله» [خ¦٩٩٩].
وقوله: «ولكن إذا عُمِلَ المنكَرُ جِهاراً استحلُّوا العقوبةَ» كذا لابنِ بُكير ومن وافقَه من الرُّواة وأكثرِ الرِّوايات عن يحيى بن يحيى، وجاء عنه في روايةِ القِنَازِعيِّ: «استحقُّوا» بالقافِ، والمعنى متَقاربٌ، ومعنى «استحلُّوا»: استوجَبوا، وقد تقدَّم من هذا قبلُ، يُقال: حلَّ إذا وجَب، وعند بعضِ رواة أبي ذرٍّ في: (باب شُرب الحُلوِ أو العَسَلِ) مكان: «الحَلْواءِ» [خ¦٧٤/ ١٥ - ٨٣٥١] كما تقدَّم قبلُ.
وقوله في حديث الدَّجَّال: «أنَّه خارجٌ حَلَّةً بين الشَّامِ والعراقِ» كذا رويناه من طريقِ السَّمرقنديِّ والسِّجزيِّ: بفتحِ الحاء واللَّام والتَّاء مع تشديدِ اللَّام، وسقَطت اللَّفظةُ لغيرهما، وفي بعضِ النُّسخ: «حَلُّهُ» بضمِّ اللَّام المشدَّدة، وكذا عند ابنِ الحذَّاء، وهاءُ الضَّمير مضمومةٌ، وكذا في كتابِ ابنِ عيسى، وكذا ضبَطه الحُميديُّ في «مختصَره»، وكأنَّه يُريد حلولَه، وأمَّا الرِّوايةُ الأولى فمعناه: سَمْتَ ذلك وقبالتَه، وروَى هذا الحرفَ صاحبُ «الغريبين»: «إلى خَلَّةٍ بين العراقِ والشَّامِ» بالخاءِ المعجمة المفتوحة وتشديدِ اللَّام وكسرِ التَّاء، وفسَّره ما بين البلَدين.
وفي الحديث في ذِكرُ عيسى ﵇: «فلا يحِلُّ لكافرٍ يَجِد ريحَ نَفَسه إلَّا ماتَ» كذا رويناه بكسرِ الحاء، وتقدَّم تفسيرُه، وروايتُه في أصلِ ابنِ عيسى بضمِّها، فلعلَّ ما بعدَه: «بكافر» بالباءِ بواحدةٍ، و «يَحُلُّ» من الحلولِ والنُّزولِ، والأوَّلُ أظهَرُ؛ بدليلِ بقيَّة الحديث.
قوله في (بابِ حُسنِ العَهد): «وإنْ كان لَيَذبحُ الشَّاةَ فيُهديها في خُلَّتها» [خ¦٦٠٠٤] كذا لجمهورِهم بالخاءِ المعجمةِ المضمومةِ، ورواه بعضُ رواةِ البخاريِّ: «حِلَّتِها» بالحاءِ المهملة، والحِلَّةُ -بكسرِ الحاءِ المهملةِ- القومُ النُّزول، والأوَّلُ هو الصَّوابُ والمعروفُ؛ أي: لأهل وُدِّها
стр. 360
ومحبَّتِها، كما قال في الحديث الآخَر: «لخَلائِلِها» [خ¦٣٨١٦] والخُلَّة والخِلُّ والخَليلُ الصَّاحبُ، كنَى هنا بالخُلَّة عن الخلائلِ، وقد يريدُ أهلَ خُلَّتها، والخُلَّةُ: المودَّةُ.
في حديثِ أمِّ حَبيبةَ: «لا يُعَجِّل شيئاً قبلَ حلِّه وبعدَ حلِّه» أي: وجوبِه، كذا ضبَطناه عن جميعِ شيوخِنا في الحديثين في الموضِعين من كتابِ مسلمٍ، وذكَره المازريُّ: «قبلَ أجلِه وبعدَ أجلِه»، وذكَر مسلمٌ آخِرَ الحديث الثَّاني: وروَى بعضُهم: «قبلَ حِلِّه» أي: نزولِه، فيحتَمِل أنَّها اختلافُ روايةٍ في «حلِّه»، ويحتَمِل أنَّه إنَّما جاءَ لهذه الزِّيادةِ من التَّفسير، وهذا أيضاً وهمٌ، ومصدرُ حَلَّ إذا كان بمعنَى الوجوب حَلًّا، وإذا كان بمعنَى النُّزولِ حُلولاً.
وفي أوَّلِ الاستئذان: «قال الزُّهريُّ في النَّظَر إلى التي لم تَحِلَّ» كذا للأَصيليِّ، ولغيرِه: «التي لم تَحِضْ» [خ¦٧٩/ ٢ - ٩٢٧٢]، وهما صحيحان.
وقوله: «لولا أنِّي أَهدَيتُ لأحْلَلت بعُمْرةٍ» كذا لكافَّةِ الرُّواة عن البخاريِّ في (بابِ نقضِ المرأةِ شعَرها في الغُسل)، وللحمُّوييِّ: «لأَهلَلتُ» [خ¦٣١٧] كما جاء في غيرِ هذا، وكلاهما صحيحٌ؛ أي: لأحلَلْت من حجٍّ وأهلَلْت من عُمرةٍ، كما فعَل مَن لم يسُقِ الهديَ بأمرِه.
وقوله في الحجِّ: «ثمَّ أناخَ النَّاسُ في منازِلهم ولم يحِلُّوا» بالكسرِ، كذا ضبَطتُه بخطِّي في سماعِي على أبي بحرٍ، وضبَطه آخَرون: «يحُلُّوا» بالضَّمِّ، وهو الوجهُ؛ لأنَّه بمعنَى لم ينزِلوا، وقد قال بعدُ: «فصلَّ ثمَّ حلُّوا».
وفي (بابِ صفةِ إبليس): «كُفُّوا صِبيانَكُم، … فإذا ذهبَ ساعةٌ من العشاءِ فحُلُّوهم» [خ¦٣٢٨٠] بضمِّ الحاءِ المهملة للحمُّوييِّ، وللباقين: «فخَلُّوهم» بفتحِ الخاء المعجمة.
قوله في أكلِ المُحرِم للصَّيد: «وأن تَحَلَّج في نفسِك شيءٌ» بالحاءِ المهملة واللَّامِ المشدَّدة، وآخِرُه جيمٌ، كذا للجماعة، وعند ابنِ وضَّاح بالخاءِ المعجمة أوَّلاً، وتقدَّم تفسيرُه، وكذلك تقدَّم الخلافُ في قوله: «باب مَن بدَأ بالحِلاب» [خ¦٥/ ٦ - ٤٣٦]، وفي قوله: «مِن حقِّها حَلْبُها على الماءِ»، وفي قوله: «حُلَّة سِيَراء» [خ¦٨٨٦] في موضِعِ شرحِها من هذا الحرف.
الحاء مع الميم
٤٩٣ - (ح م ا) قوله في بعضِ طرُق مسلمٍ
стр. 361
في حديثِ وُهيبٍ: «كما تنبُتُ الحِبَّةُ في حَمْأةِ السَّيل -أو- حَميلةِ السَّيلِ»، ورُويَ في: «حمِئةِ السَّيل» وهما بمعنَى الحَمأة، والحَمْأةُ: الطِّينُ الأسودُ المتغيِّر؛ قال الله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، و ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] على قراءةِ من قرأها بالهمزِ، وهي بمعنَى: «حميل السَّيل»، أو قريبٌ منه الرِّوايةُ المشهورةُ في الحديث؛ أي: ما احتَمله من الغُثاء والطِّين، ورأيتُ الصَّابونيَّ قد فسَّره على غيرِ وجهِه فأبعَد، قال: يُقال: مَشى في مَشْيَتِه؛ أي: في حَمْلَته.
وقوله: «الحَمُو» «ألَا إنَّ الحَمُوْ الموتُ» [خ¦٥٢٣٢] كذا جاءت فيه الرِّوايةُ: بفتحِ الحاء وضمِّ الميم دونَ همزٍ، وفيه لغاتٌ؛ يُقال: هذا حَمُوك، بضمِّ الميم في الرَّفع، ورأيتُ حَماك، ومررتُ بحَمِيك، ولغةٌ أخرى: هذا حَمْؤُك، بسكونِ الميم ورفعِ الهمزة، ورأيتُ حَمْأك، ومررتُ بحَمْئِك، أُجرِي الإعرابُ في الهمزةِ أيضاً، ولغةٌ ثالثةٌ: هذا حَمُك، ومررتُ بحَمِك، ورأيتُ حَمَك، بغيرِ همزةٍ ولا واوٍ، ولغةٌ رابعةٌ: هو حَماها، مقصورٌ، كذا في الرَّفع والنَّصب والخَفض، فسَّره اللَّيثُ في «صحيح مسلم» بأنَّه: «أخُو الزَّوج، وما أشبَهَه من أقاربِ الزَّوجِ؛ العمُِّ ونحوِه»، وفي رواية: «ابنُِ العمِّ ونحوه» وكلاهما صحيحٌ، وقال الأصمعيُّ: الأحماءُ من قِبَلِ الزَّوج، والأخْتانُ من قِبَلِ المرأة، قال أبو عليٍّ القاليِّ: والأصْهارُ يقَع عليهما جميعاً، وقال يعقوب: كلُّ شيءٍ من قِبَلِ الزَّوج؛ أخوه أو أبوه أو عمُّه فهم الأحماءُ، وقال أبو عُبَيد: الحَمْوُ أبو الزَّوج، قال أبو عليٍّ: يُقال: هذا حمٌ، وللمرأة حماةٌ لا غيرُ.
ومعنى: «الحَمُو الموتُ» قيل: كما يُقال: الأسدُ الموتُ؛ أي: لقاؤُه مثلُ الموت؛ لما فيه من الغَرر المؤدِّي إلى الموت؛ أي: الاجتماعُ مع الأحماء والخُلوةُ بهم كذلك، إلَّا من كان ذا مَحْرمٍ منهم، وقيل: يقول: فلْيَمُت ولا يفعَله، وقيل: لعلَّه إنَّما عبَّر عنه بالموت؛ لما فيه من أحرُفِ الحِمام، وهو الموتُ.
٤٩٤ - (ح م ت) وقوله: «كأنَّه حَمِيتٌ» [خ¦٤٠٧٢] بفتحِ الحاء وكسرِ الميم وياءٍ بعدها باثنتَين تحتَها، وآخِرُه تاءٌ باثنتَين فوقَها، هو زِقُّ السَّمن خاصَّةً، فشُبِّه به الرَّجلُ السَّمينُ الدَّسِمُ.
стр. 362
وقوله: «لا رُقيةَ إلَّا مِن عينٍ أو حُمَةٍ» [خ¦٥٧٠٥] بضمِّ الحاء وفتحِ الميم مُخفَّفةٌ؛ أي: من لَدغَةِ ذي حُمَة، كالعقرب وشِبْهِها، والحُمَةُ: فَوْعَةُ السُّمِّ، وقيل: السُّمُّ نفسُه، وذكروها في بابِ المضاعَف، كان أصلُه من الشِّدَّةِ، من حُمَّ الشَّيءُ وأحَمَّ إذا اشتَدَّ وأهمَّ، أو من الحِمام، و الحُمَّةُ: الموتُ، وعندي أنَّ التَّاءَ أصليَّةٌ، وأنَّه من شِدَّةِ حرِّ السُّمِّ أيضاً، من قولهم: يومٌ حَمِيتٌ؛ أي: شديدُ الحرِّ، قاله صاحبُ «العين»، وهو أشبَه بمعنَى السُّمِّ مع تفسيرِ ابنِ الأنباريِّ وابنِ دُريدٍ له أنَّ الحُمَةَ فوعةُ السُّمِّ، وهي حِدَّتُه وحرارتُه.
٤٩٥ - (ح م ح م) قوله: «ثمَّ قامتْ -يعني الفَرس- تُحَمْحِمُ» [خ¦٣٩١١]، و «فَرَسٌ له حَمْحمَةٌ» [خ¦٣٠٧٣] هو أوَّلُ الصَّهيل وابتِداؤُه، بحاءَين مهملتَين.
٤٩٦ - (ح م د) قوله: «لا أحْمَدُك اليومَ» تقدَّم الكلامُ فيه في حرفِ الجيم والهاء.
قوله: «سُبْحانَكَ اللَّهمَّ وبحَمدكَ» [خ¦٧٩٤] قيل: وبحمدِك ابتِدائي، وقيل: وبحمدِك سبَّحتُك، ومعناه: بموجب حمدِك -وهو هدايتي- لذلك كان تسبِيحي، والحمدُ الرِّضا، حَمَدتُ الشَّيءَ إذا رضِيتَه، والحمدُ لله: الرِّضا بقضائِه وأفعالِه، ومنه: «الحمدُ لله الذي لا يُحمَدُ على المكروهِ غيرُه»، «الحَمدُ لله على كلِّ حالٍ» ويكون بمعنىَ الشُّكر، لكنَّ الحمدَ أعمَّ، فكلُّ شاكرٍ حامدٌ، وليس كلُّ حامدٍ شاكراً.
وقوله: «فاستَحمَدوا بذلك الله» أي: طلَبوا أن يُحْمَدوا بفِعْلهم ذلك.
وقوله: «لواءُ الحَمدِ بيدي» قيل: يريدُ شُهْرتَه به في الآخِرة؛ لأنَّ العربَ تضَع اللِّواء موضِعَ الشُّهرةِ، وهو أصلُ ما وُضِع له؛ لأنَّه ﷺ يبعَثه الله المقامَ المحمودَ، ومقاماً يَحمَدُه فيه الأوَّلون والآخِرون؛ لإجابتِهم لطلبِ الشَّفاعةِ لهم إلى ربِّهم من إراحةِ الموقف، ولأنَّه يَحمَدُ الله تعالى بمحامدَ يُلهِمُه لها كما جاء في الحديث، ولا يَبعُد أن يكون ثَمَّ لواءٌ حقيقةً يُسمَّى بهذا الاسم، وقد سمَّاه الله تعالى مُحمَّداً وأحمدَ، وذلك لمبالغتِه في حمدِ الله وكثرةِ حمدِه، ولهذا جاء اسمُه من أَفْعَل وفعَّل، ولرفعةِ منزلتِه في اكتِسابِ خِصالِ الحمدِ فهو أجلُّ حامدٍ ومحمودٍ. وقوله: «وابعثْه المَقامَ المَحْمودَ» فهو مَقامُه في الشَّفاعةِ يومَ القِيامة، وقيل: قِيامُه.
٤٩٧ - (ح م ر) قوله: «كنَّا إذا احمرَّت الحَدَق»، و «إذا احمرَّ البأْسُ اتَّقَينا برسولِ الله ﷺ » تقدَّم في الحاءِ والدَّال، قيل: هو كِنايةٌ عن شِدَّةِ الحربِ واحمرارِ العُيونِ غضباً فيها، وقيل: من قولهم: موتٌ أحمرُ، وسنةٌ حمراءُ؛ أي: شديدةٌ.
стр. 363
وقوله: «قَحَطَ المطرُ واحمرَّ الشَّجرُ» أي: يبِس ورقُه، وزالَت خُضرتُه.
وقوله: «بُعِثتُ إلى الأحمرِ والأسودِ» قيل: إلى العربِ وهم السُّود، والعجمِ وهم الحُمر؛ إذِ الغالبُ على ألوانِ العربِ الأُدْمةُ والسُّمرةُ، وعلى ألوان العجمِ البياضُ والحمرةُ، وكلاهما يُعبَّر بالحُمرةِ عنه، وقيل: الأحمرُ: العربُ، وقيل: الأسودُ الجِنُّ، والأحمرُ: الإنسُ.
وقوله: «وأُعطِيتُ الكنزينِ الأَحمرَ والأبيضَ» يريدُ كنوزَ كسرى من الذَّهب والفِضَّة، وقيل: أراد العربَ والعجمَ جمَعَهم الله على دينِه، ويَظهَرُ لي أنَّه أراد بالأبيضِ كنوزَ كسرى وفَتْحَ بلادِه؛ لأنَّ الغالبَ على العِراقِ وبلادِ فارس الدَّراهمُ والفِضَّةُ، وبالأحمرِ كنوزَ قَيصرَ بالشَّامِ ومصرَ وفَتْحَ بلادِه؛ إذِ الغالبُ على أموالهم الذَّهبُ، ويدلُّ عليه قولُه ﵇: «مَنعَتِ العِراقُ دِرهمَها وقَفيزَها، ومَنعَتِ الشَّامُ مُدَّيها ودينارَها، ومَنعَتْ مِصرُ إرْدَبَّها ودِينارَها»، وعلى هذا عمَلُ الفقهاءُ في فرضِ الدِّيَاتِ بهذه الأقطار.
قوله: «في النَّهيِ عن بيعِ الثِّمارِ حتَّى تَحْمارَّ أو تَصْفارَّ» [خ¦١٤٨٨] كذا جاءَ بالألف، يُقال: احمَرَّ واحمارَّ، وقيل: إنَّما يُقال فيما لم يُتَحقَّق صُفرتُه أو حُمرتُه، وقد تقدَّم الكلامُ على هذا في حرفِ الباء.
وقوله: «وأنَّ لي حُمْرَ النَّعَمِ» [خ¦٩٢٣] أي: الإبلَ، وأفضَلُها الحُمْرُ عند العربِ.
وقولها: «عجوزٍ … حَمْراءِ الشِّدْقَينِ» [خ¦٣٨٢١] مبالغةٌ في الكِبَر، وعبارةٌ عن سُقوطِ أسنانِها من ذلك، فلم يبقَ بفِيها بياضٌ.
٤٩٨ - (ح م ل) قوله: «فكنَّا نُحامِل» [خ¦١٤١٥]، و «انطلَق أحدُنا يُحامِلُ» بضمِّ النُّون والياء وكسرِ الميم، وفي بعضِها: «نَتَحامَل» أي: نَحمِلُ على ظهورِنا لغيرِنا، وكذلك قولُه: «يُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِه؛ يُحامِلُه عليها» [خ¦٢٨٩١] و «حامَله عليها»، و «حامَله» كلُّه من الحَمْلِ؛ أي: يُعقِبُه، ويَحمِلُه ويَحمِل متاعَه. وقولُ عُمرَ: «فأينَ الحِمالُ؟» بالكسرِ، من الحَمْلِ أيضاً، والحِمال بكسرِ الحاء: الحَملُ، وهي روايةُ ابنِ وضَّاحٍ وغيرِه، يريدُ: أينَ منفعَة الحَمْلِ وكِفايتُه؟ وكذا فسَّره في الأمِّ: «يريدُ حُمْلانَه»، وقد رواه بعضُ شيوخِنا: «الحَمْلُ»، وثبَتت الرِّوايتان عند ابنِ عتَّاب، وقد جعَله بعضُهم من الحَميل، وفسَّره بالضَّمان.
وقوله: «ورجلٍ تَحَمَّل بحَمَالةٍ بين قومٍ» هو تَحمُّلُ الدِّياتِ في مالِه أو ذمَّتِه بين القومِ تقَع بينَهم الحربُ؛ ليُصلِح بينَهم، والحَمالةُ: الضَّمانُ، والحَميلُ: الضَّامنُ.
стр. 364
وقوله في الصَّيد: «احتَمِلوا» [خ¦٥٤٩٢] أي: احمِلوا.
وقوله: «في حَميلِ السَّيلِ» [خ¦٨٠٦] هو ما حمَله من طينٍ وغُثاءٍ، «حَميلٌ» بمعنَى مَحمولٌ، كقتِيلٍ بمعنَى مَقتولٌ، وقال الحربيُّ: وفيه وجهٌ آخَرُ أنَّ الحَميلَ ما لم يُصِبْك مطَرُه، ومرَّ عليك سَيلُه، كالحَميلِ من النَّاسِ: مَن حُمِلَ إليك ممَّن لم يُولَد بأرضِك، وكذلك نزَل بقومٍ وليس منهم يُقال له: حَمِيلٌ.
وقوله في الحُمُر: «كانت حَمولَةَ القومِ» [خ¦٤٢٢٧]، وفي الحديث الآخَر: «حتَّى هَمُّوا بنَحرِ … حَمائِلِهم» جمعُ: حَمولةٍ، ومنه قولُه: «لكن لا أَجِدُ حَمولَةً» [خ¦٢٩٧٢]، و «لا … ما أحَمِلُهم عليه» [خ¦٢٧٩٧] كلُّه بفتحِ الحاء، وضبَطه الأَصيليُّ بالضَّمِّ، ولا وجهَ له، إنَّما الحُمولةُ الأحمالُ؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ [الأنعام: ١٤٢] هي التي يُحمَل عليها من الإبلِ والدَّوابِّ.
وقوله: «خَفيفةُ المَحْمَلِ» بفتحِ الميم؛ أي: الحَمْل.
وقوله: «فتَحمَّلوا»، و «احتَملوا» [خ¦٢٦٦١] من هذا؛ أي: سارُوا بحَمولتِهم وحمَلوا أسبابَهم، ثمَّ استُعمِل في السَّفرِ والنُّهوضِ.
وقوله: «إنَّ رِجلَيَّ لا تَحْمِلاني» [خ¦٨٢٧]، ويُروَى بإظهارِ النُّونين، وبإدغامِ إحداهما في الأخرى؛ أي: لا تَحْمِلان أن أجلِس عليهما على سُنَّة الصَّلاة، وإنَّما فعَلتُ هذا للضَّرورة، كما قال في الرِّواية الأخرى: «أنِّي أَشتَكي» [خ¦٤٦٤].
٤٩٩ - (ح م م) وقوله: «يُصاب الرَّجلُ في ولدِه وحامَّته» بتشديدِ الميم؛ أي: قرابتِه ومن يُهِمُّه أمرُه ويُحزِنُه، مأخُوذٌ من الماءِ الحميمِ، وهو الحارُّ، ومنه: «تَوضَّأَ … بالحَميمِ» [خ¦٤/ ٤٣ - ٣٣١] أي: الماءِ الحارِّ، بفتحِ الحاء، قال أبو مروان بنُ سراج: و «الحميمُ» أيضاً الماءُ الباردُ، من الأضدادِ، صحيحان.
وقوله: «نُحَمِّمُها» [خ¦٤٥٥٦]، و «مُحمَّم» أي: نُسوِّد وجوهَهما بالحُمَمِ، وهو الفَحْم، ومنه: «حتَّى إذا صِرتُ حُمماً»، و «حتَّى صاروا حُمَماً» [خ¦٦٥٦٠] أي: فَحْماً. و «نهَى عن الاستِنجاءِ بالحُمَمَةِ» واحدُها.
٥٠٠ - (ح م ن) و «الحَمْنان» [خ¦٦٠/ ٢٦ - ٥٢١٧] بفتحِ الحاء وسكونِ الميم بعدَها نونٌ، جمعُ حَمنانَة، وهو صِغارُ الحَلَم.
٥٠١ - (ح م ص) «الحِمِّص» بكسرِ الحاء والميم وتشديدِها: معروفٌ.
٥٠٢ - (ح م ق) قوله: «إن عجَزَ واستَحمَقَ» [خ¦٥٢٥٢] بفتحِ التَّاء والميم؛ أي: فَعَل فِعْلَ الحَمقى.
وقوله: «أُحمُوقَةٍ» بضمِّ الهمزةِ: الفِعْلةُ من فِعْلِ الحَمقى.
стр. 365
٥٠٣ - (ح م س) «والحُمْسُ» [خ¦١٦٦٥] بضمِّ الحاء و سكونِ الميم، وآخِرُه سينٌ مهملة، فسَّره في مسلمٍ: «قُريشٌ وما ولَدت من غيرِها»، وقيل: قُريشٌ ومَن ولَدت وأحلافَها، وقال الحربيُّ: سُمُّوا بذلك من أجلِ الكَعبة؛ لأنَّها حَمساءُ في لونها، وهو بياضٌ يَضرِب إلى سوادٍ، وهم أهلُها، وقيل: سُمُّوا بذلك في الجاهليَّة؛ لتَحمُّسهم في دينِهم؛ أي: تشدُّدِهم، والحماسةُ والتَّحمُّسُ الشِّدَّةُ، وقيل: لشجاعتِهم.
٥٠٤ - (ح م ش) وقوله: «حَمْشَ السَّاقَينِ» بفتحِ الحاء وسكونِ الميم وشينٍ معجمةٍ؛ أي: دقيقَهما.
٥٠٥ - (ح م ى) ذِكرُ: «الرَّاعي … حولَ الحِمَى» [خ¦٥٢]، و «حمَى الله مَحارمَه»، و «ظَهْرُ المؤمنِ حِمًى» [خ¦٨٦/ ٩ - ١٠٠٨١]، و «حَمَى الحِمى»، وأصلُه ما مُنِع رَعيُه من الأرض، والمعنَى فيه كلُّه المنعُ، وقولها: «أَحمِي سَمْعِي وبصَرِي» [خ¦٢٦٦١] مأخُوذٌ من الحِمَى؛ أي: أحْمِيه من المآثِم والكذِب عليها أن أقولَ وأن أسمَع ما لم يكُن، «الحِمى» بكسرِ الحاء مقصورٌ: المكانُ الممنوعُ من الرَّعي، تقول: حَميتُ الحِمَى، فإذا امتُنع منه قلت: أَحْميتُه، ومنه قوله: «حَمَيتُ الماءَ القومَ» * [خ¦٤١٩٤] أي: منعتُهم.
وقوله: «والرَّجلُ يُقاتلُ حَميَّةً» [خ¦١٢٣] أي: أنفاً وغضَباً، مشدَّدُ الياءِ، يُقال منه: حَمِي، بفتحِ الحاء وكسرِ الميم، ومنه: «فحَمِي مَعْقِلٌ من ذلك أَنَفاً» [خ¦٥٣٣١] أي: أَنِفَ وغضِب.
وقوله: «فحمِيَ الوَحْيُ وتَتابعَ» [خ¦٤]، و «الآنَ حمِيَ الوَطِيسُ» بكسرِ الميم فيهما أيضاً، كلُّها عِبارةٌ عن الاشتِدادِ والمبالغةِ في الأمر، كما يُحْمَى التَّنُّور، «فحَمِي الوَحْيُ» قوِيَ واشتدَّ، كما قال: «وتتابَع».
و «حَمِي الوَطِيسُ» اشتدَّ حرُّه، ضرَبه مثلاً لاشتِدادِ الحربِ واشتِعالها، وسيأتي تفسيرُ: «الوَطِيس».
وقوله: «وقِدْرُ القَومِ حاميةٌ تَفُورُ» أي: حارَّةٌ تَغلي، يريدُ عِزَّةَ جانبِهم وشدَّةَ شَوكتِهم.
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ
في حديثِ جابرٍ: «ومعه حِمَالُ لحمٍ» بكسرِ الحاء وميمٍ مخفَّفة، كذا قيَّده ابنُ وضَّاح، ورواه أصحابُ يحيى: «حَمَّال» بفتحِ الحاء وتشديدِ الميم، والأوَّلُ أصوبُ، والحِمالُ هنا: اللَّحمُ المحمُول.
وفي الحديث الآخَر: «هذا الحِمالُ لا حِمالُ خَيبرْ» [خ¦٣٩٠٦] بكسرِ الحاء أيضاً؛ أي:
стр. 366
هذا الحَمْلُ والمحمُول من اللَّبِن الذي كان المسجدُ يُبنَى بها أبرُّ عند الله، وأبقَى ذُخْراً، وأدوَمُ منفعةً في الآخِرة، «لا حِمالُ خَيبرَ» من التَّمرِ والزَّبيبِ والطَّعامِ المحمولِ منها الذي يَغتبِط به النَّاسُ ويُعجَبون به ويَحسُدونهم عليه؛ لأنَّه فانٍ مُنقَطعٌ صائرٌ إلى أخبَثِ مصيرٍ بعدَ الأكل، والحِمالُ والحَمْلُ بمعنًى واحدٍ، وفي روايةِ المستملي: «هذا الجِمالُ لا جمالُ خَيبرْ» بالجيمِ فيهما، وله وجهٌ، والأوَّلُ أظهَرُ.
قوله في (بابِ كثرةِ الخُطَا إلى المساجد): «فحَمَلتُ به حِمْلاً» يعني من ثِقَلِ ما سمِع وإنكارِه، كذا ضبَطناه عن شيوخِنا بالكسر، وهو هنا الصَّوابُ المعروفُ، وقد رواه بعضُهم بالفتحِ.
قوله في صفةِ الجنَّةِ: «ولما بين المِصْراعَينِ … كما بين مكةَ وحِمْيَرَ» كذا عند البخاريِّ في التَّفسير في سورةِ سبحان [خ¦٤٧١٢]، وصوابُه: «وهَجَرٍ»، وكذا ذكَره ابنُ أبي شيبةَ في «مسنده»، ومسلمٌ، والنَّسائيُّ.
قوله في بعضِ طرُقِ مسلمٍ في حديثِ وُهيبٍ: «كما تَنبُتُ الحِبَّةُ في حمْأةِ السَّيلِ -أو- حَميلَةِ السَّيلِ» كذا عند السَّمرقنديِّ بسكونِ الميم، وللعُذريِّ والسِّجزيِّ: «في حَمِئةِ السَّيلِ» وهما بمعنًى، وعند الطَّبريِّ: «حَميَّة» بتشدِيد الياء ولا معنًى له هنا، وفي البخاريِّ في: (صفةِ الجنَّة والنَّار) عن وُهيبٍ: «في حَميلِ السَّيلِ -أو قال: - حَمئَةِ السَّيلِ» [خ¦٦٥٦٠] مهموزٌ، وتقدَّم التَّفسيرُ.
وقوله: «يُجاءُ بالرَّجلِ يومَ القيامةِ» إلى قوله: «فيَدورُ كما يَدورُ الحمارُ برَحاهُ» [خ¦٣٢٦٧] كذا لهم، وهو الصَّوابُ، وعند الجرجانيِّ: «كما يدورُ الرحى برَحاهُ» بغيرِ ضبطٍ، ولا وجهَ له، إلَّا أن يقوله: «الرَّحَّاءُ» مشدَّدُ الحاءِ ممدودٌ، فله وجهٌ، ويكون بمعنَى الأوَّل، أو يُجعَل الرَّحَى الأخيرُ اسمَ الفِعل.
قوله في حديثِ صاحب الأخدود: «مَن لم يَرجِعْ عن دِينِه فأَحْمُوه فيها، أو قيل له: اقتحِمْ» كذا روايتُنا في جميع النُّسخ، قال بعضُهم: لعلَّه: «فأقْحِموه فيها»؛ بدليلِ ما بعدَه من قوله: «أو قيل له: اقْتحِمْ»، والرِّوايةُ عندي صحيحةٌ، من أحْمَيتُ الحديدةَ وغيرَها في النَّار إذا أدخلتَها فيها لتَحْمَى بذلك.
في حديثِ الإفك: «وهو والذي تَولَّى كِبْرَه ووجهَه» كذا لبعضِ رواةِ مسلم في حديثِ ابنِ أبي شيبةَ، ولكافَّتهم وسائرِ الأحاديث: «وحَمْنَةُ» [خ¦٤٧٥٧] يعني ابنةَ جَحْشٍ.
وقوله: «فغَضِبَ حتَّى احمرَّتا عَيناهُ» كذا روايةُ الدلائي، والوجهُ والصَّوابُ ما لغيرِه: «احمرَّتْ»، إلَّا على لغةٍ لبعضِ العرب في تقديمِ الضَّمير.
وقوله في حديثِ بنتِ حمزةَ: «دونَكِ ابنةَ
стр. 367
عمِّكِ؛ احمِلِيها» [خ¦٢٦٩٩] كذا للأَصيليِّ وبعضِهم، وعند القابسيِّ وآخَرين: «حَمِّليها».
الحاءُ مع النُّون
٥٠٦ - (ح ن ا) قوله: «نُقاعَةُ الحِنَّاءِ» [خ¦٥٧٦٣]، و «يَخضِب بالحِنَّاءِ» ممدودٌ، قال ابنُ دُريدٍ وابنُ ولَّادٍ: وهي جمعُ حِنَّاءةٍ، وأصلُه الهمزُ، يُقال: حنَّأْتُ لحيتِي -بالهمز- بالحِنَّاء.
٥٠٧ - (ح ن ت م) قوله: «نهَى عن الحَنْتم» [خ¦٥٣]، وذِكْر: «الحَناتِم» أيضاً، فسَّره أبو هريرة في الحديث: «الجِرارُ الخُضْرُ»، وقيل: هو الأبيضُ، وقيل: الأبيضُ والأخضَرُ، وقيل: هو ما طُلِي بالحَنتمِ المعلومِ من الزُّجاجِ وغيرِه، وقيل: هو الفَخَّار كلُّه، وقيل: هو معنَى قولِه هنا: «الخُضْرُ» أي: السُّودُ بالزِّفت، قال الحربيُّ: قيل: إنَّها جِرارٌ مُزَفَّتةٌ، وقيل: جِرارٌ يُحمَل فيها الخمرُ من مصرَ أو الشَّام، وقيل: جِرارٌ مُضَرَّاةٌ بالخمرِ، فنُهِي عنها حتَّى تُغسَل وتذهَب رائحتُه، وقيل: جِرارٌ تُعمَل من طِينٍ عُجِن بالشَّعر والدَّم، وهو قولُ عطاءٍ، فنُهِي عنها لنجاستِها.
وقوله: «الحَنْتَم المَزادَةُ المَجْبوبةُ» تقدَّم الوهمُ والخلافُ فيه في حرف الجيم.
٥٠٨ - (ح ن ث) قوله: «لم يَبلُغوا الحِنْثَ» [خ¦١٠٢] أي: الإثمَ؛ أي: يُكتَب عليهم، ماتوا قبلَ بلوغِهم، وقيل ذلك في قولِ الله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦]، وذكَر الدَّاوديُّ أنَّه يُروَى: «الخبَثَ» أي: فِعْلَ المعاصي.
وقوله: «يأتي حِراءً فيتَحَنَّثُ فيه الأيَّامَ» [خ¦٣] آخِرُه ثاءٌ مثلَّثةٌ؛ أي: يتعبَّدُ ويتَبرَّرُ، جاء تفسِيرُه في الحديث، ومعناه يطْرحُ الإثمَ عن نفسِه ويفعَل ما يُخرِجه عنه، ومنه: «أشياءَ كنتُ أَتحنَّثُ بها في الجاهليَّةِ» [خ¦١٤٣٦] أي: أطلُب البِرَّ بها، وقولُ عائشةَ: «ولا أَتحنَّثُ إلى نَذْرِي» [خ¦٦٠٧٣] فمعناه: أكسِب الحِنْثَ، وهو الذَّنبُ، بخِلاف ما تقدَّم وعكسِه.
٥٠٩ - (ح ن ج) قوله: «لا يُجاوِزُ حَناجِرَهم» [خ¦٣٣٤٤] الحَنْجَرةُ: طرَفُ المَرِيء ممَّا يلي الفَمَ، وهو الحُلقومُ والبُلعومُ.
٥١٠ - (ح ن ذ) وقوله: «فأُتيَ بضَبٍّ مَحْنوذٍ» [خ¦٥٥٣٧]، وفي الحديثِ الآخَر: «بضَبَّينِ مَحنوذَين» أي: مَشوِيٌّ، كما جاء في الرِّواية الأخرى: «مَشْوِيَّينِ»، قال الله تعالى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩]، قيل: هو الذي شُوِيَ في الحِجارةِ المحَمَّاة بالنَّار، وقيل: هو الشِّواءُ المغْمُوم، وقيل: الشِّواءُ الذي
стр. 368
لم يُبالَغ في نُضجِه.
٥١١ - (ح ن ط) و «ال حَنو طُ» [خ¦٢٨٤٥] بفتحِ الحاء ما يُطيَّبُ به الميِّتُ من طِيبٍ يُخلَط، وهو الحناط أيضاً، وفي الحديث الآخَر قولُ أسماءَ: «ولا تذُرُّوا عليَّ … حنَاطاً» بضمِّ الحاء وكسرِها، والكسرُ عند أكثرِ شيوخِنا، وبه ذكَره الهرويُّ، وحنَّطتُ الميِّتَ إذا فعَلتَ ذلك به وطيَّبتَه بالحَنوط.
٥١٢ - (ح ن ك) قوله: «كان يُحنِّكُ أولادَ الأنصار» * [خ¦٥٤٦٨]، و «حَنَّكه بتَمْرةٍ» [خ¦٣٩٠٩] مشدَّدُ النُّون، هو دَلكُ حَنَكِ الصَّبيِّ بها، يُقال: حنَّكه وحَنَكه، بالتَّشديدِ والتَّخفيفِ، حكاهما الهرويُّ.
٥١٣ - (ح ن ن) قوله: «فحَنَّ إليه الجِذْعُ» [خ¦٣٥٨٣] اشتاقَ وحنَّ كـ: «حنينِ العِشارِ» [خ¦٩١٨]، هو صوتٌ يخرُج من الصَّدر فيه رِقَّةٌ، والحنينُ: أصلُه ترجِيعُ النَّاقةِ صوتَها إِثْرَ ولدِها.
قوله: «فيقول: يا حَنَّانُ» قيل: هو الرَّحيم، وقيل: هو الذي يُقبِل على مَن أعرَض عنه.
٥١٤ - (ح ن ف) وقوله: «الحنِيفيَّةُ السَّمْحةُ» [خ¦٢/ ٢٩ - ٧٠] قيل: هو دينُ إبراهيمَ، قال أبو عُبَيد: كذلك تقول العربُ، وقيل: معناه: الملَّةُ المستقِيمةُ، والحَنَفُ الاستِقامةُ، وفي مدحِه ﵇: «بَرّاً حنِيفاً»، والحنِيفُ المستقيمُ، قاله أبو زيدٍ، وقيل: معناه: المائلةُ إلى الإسلام الثَّابتةِ عليه، والحنِيفُ: المائلُ من شيءٍ إلى شيءٍ.
وقوله: «خَلَقتُ عبادِي حُنَفاءَ … فاجْتالتْهم الشَّياطينُ» مثلُ قولِه: «كلُّ مَولودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ» [خ¦١٣٨٥] أي: خَلَقهم مستقِيمِين متَهيِّئين لقَبولِ الهِدايةِ، ويكون أيضاً معناه: مُسلِمين؛ لما اعتَرفوا به في أوَّل العهدِ لقوله: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وسنزِيدُه بياناً في حرف الفاء.
٥١٥ - (ح ن و) وقوله: «وأَحْناهُ على ولدٍ» [خ¦٥٠٨٢] أي: أشفَقَه، حَنا عليه يحنُو، وأحْنَى يُحنِي إذا أشفَق وعطَف، ومنه في حديثِ المرجُومِين: «فرأيتُه يَحنُو»، وقد ذكَرناه في حرف الجيم والخلافَ في لفظِه.
و «حَنا رأسَه في الرُّكوعِ» أي: أمالَه، ومثلُه: «لم يَحْنِ أحدٌ منَّا ظهرَه» [خ¦٦٩٠].
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ
قولُ حكيمٍ: «أرأيتَ أشياءَ كنتُ أتحنَّثُ بها في الجاهليَّةِ» [خ¦١٤٣٦] بثاءٍ مثلَّثةٍ، تقدَّم تفسيرُه، كذا هو الصَّحيحُ وروايةُ الكافَّة والمشهورُ في سائرِ الأحاديث، ورواه المروزيُّ
стр. 369
في (باب مَن وصَل رحِمَه) بتاءٍ باثنتَين فوقَها، وهو غَلطٌ من جِهة المعنَى، لكنَّه صحيحٌ في الرِّواية هنا، ومن خالَف المروزيَّ هنا فقد غلِط؛ لأنَّ الوهمَ فيه من شيوخِ البخاريِّ لا من رُواتِه؛ بدليلِ قولِ البخاريِّ: «ويُقال أيضاً عن أبي اليمانِ: أَتحنَّثُ» [خ¦٥٩٩٢]، وذكَره عن مَعمَرٍ وغيرِه، وقد ذكَره في البيوعِ عن أبي اليمانَ: «أَتحنَّثُ أو أَتحنَّتُ» [خ¦٢٢٢٠] على الشَّكِّ.
قوله: «فبدَّلوا وقالوا: حِطَّةٌ، حَبَّةٌ في شَعرةٍ» [خ¦٤٤٧٩] كذا لهم في كتابِ التَّفسير، وعند الجرجانيِّ: «حِنْطةٌ» بزِيادة نونٍ.
قوله في صفةِ بُكاءِ الصَّحابة: «ولهم حنِينٌ» كذا للقابسيِّ والعُذريِّ: بالحاءِ المهملة، وللكافَّةِ: «ولهم خَنينٌ» [خ¦٤٦٢١] بالمعجَمة، وهو الصَّوابُ، قالوا: والأوَّلُ وَهمٌ، والخنينُ، بالخاءِ المعجمةِ: تردُّدٌ في البكاءِ بصوتٍ فيه غُنَّة، وقال أبو زيدٍ: الخنينُ مثلُ الحَنين، وهو الشَّديدُ من البكاءِ، وقد جاء في بعضِ الرِّوايات: «فأكثرَ النَّاسُ من البُكاءِ» [خ¦٧٢٩٤]، وقال ابنُ دُريدٍ: الخنينُ تردُّدُ بُكاءٍ من الأنفِ، والحنينُ، بالحاءِ المهملة: تردُّدُه من الصَّدر.
فصل منه
٥١٦ - قوله في حديثِ مَعمَرٍ عن الزُّهريِّ «إنَّ الله يُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفَاجِر»: «شَهِدنا مع رسول الله ﷺ حُنَيناً» كذا لجميعِ رواة مسلمٍ، وكذا رواه بعضُ رواة البخاريِّ [خ¦٦٦٠٦] من طريقِ يونسَ عن الزُّهريِّ، وكذا للمروزيِّ، وصوابُه: «خَيبرَ» [خ¦٤٢٠٤]، وكذا رواه ابنُ السَّكن وأبو نُعيم وإحدى رِوايتَي الأَصيليِّ عن المروزيِّ في حديثِ يونسَ هذا، وكذا ذكَره البخاريُّ من حديثِ شعيبٍ والزُّبيديِّ عن الزُّهريِّ [خ¦٤٢٠٣]، وكذا قال الذُّهليُّ عن عبدِ الرَّزَّاق عن مَعمَر [خ¦٦٦٠٦]، قال الذُّهليُّ: و «حُنينٌ» وَهمٌ، وحديثُ يونسَ عندنا غيرُ محفوظٍ، لكن روايةُ من رواه عن البخاريِّ في حديثِ يونسَ هي الصَّوابُ في الرِّوايةِ لا في الحديث كما عند مسلم؛ لأنَّه روَى الرِّوايةَ على وَجهِها وإن كانت خطأً في الأصل، ألا ترَى قَصدَ البخاريِّ إلى التَّنبيه عليها بقوله: «وقال شعيبٌ عن يونسَ» إلى قوله: «حُنين» [خ¦٤٢٠٤]، فالوهمُ فيه إنَّما هو من يونسَ ومَن فوقَ البخاريِّ ومسلمٍ لا من الرُّواة عنهما.
وقوله في «الموطأ» في حديثِ زيدِ بن خالدٍ في الغُلول: «تُوفِّيَ رجلٌ يومَ حُنين» كذا رواه يحيى بنُ يحيى الأندلسيُّ، وهو غلَطٌ،
стр. 370
وغيرُه يقول: «خَيبرَ»، وكذا أصلَحه ابنُ وضَّاح.
وفي حديث مِدْعَمٍ «خرجَنا مع رسولِ الله ﷺ عامَ حُنينٍ» وفيه: «أنَّ الشَّملة التي أصابَها يومَ حُنينٍ» كذا رُوِي عن يحيى أيضاً عند أكثرِ الرُّواة، وعند ابنِ عبد البرِّ: في الأوَّلِ: «خَيبر»، وكذا أصلَحه ابنُ وضَّاح، وكذا رواه أصحابُ الصَّحيحين: «خَيبرَ» [خ¦٦٧٠٧] فيهما جميعاً، وكذا رواه رواةُ «الموطأ» غيرَ يحيى، وهو الصَّواب؛ بدليلِ قوله في روايةِ أبي إسحاقَ الفَزاريِّ عن مالك بعدَ هذا: «فلم نَغْنَم ذَهباً ولا فِضَّةً، إنَّما غنِمْنا البَقرَ والإبلَ والمتاعَ والحوائِطَ» ولم يكُن في حُنينٍ حوائِطُ جُملةً.
وفي حديثِ عبدِ ربِّه بنِ سعيد: «أنَّ رسولَ الله ﷺ حينَ صَدَر من حُنينٍ يريدُ الجِعْرَانةَ» كذا الرِّوايةُ والصَّوابُ، وأصلَحه ابنُ وضَّاح: «خَيبر» ووَهِم.
وفي حديثِ وطْءِ السَّبايا: «أنَّ رسولَ الله ﷺ بعثَ يومَ حُنينٍ جيشاً إلى أَوطاسٍ» كذا لكافَّة شيوخِنا، وعند بعضِ رواةِ مسلمٍ في حديثِ القَواريريِّ وابنِ أبي شيبةَ: «يوم خَيبرَ»، وهو خطأٌ.
وفي (باب النَّوم عنِ الصَّلاة): «أنَّ رسولَ الله ﷺ حين قَفَلَ من خَيبرَ» كذا في «الموطأ» و «الصَّحِيحين» [خ¦٥٩٥] لجميعِ الرُّواة، ورواه بعضُهم في غيرِ «الموطأ» من غيرِ هذا الطَّريق: «من حُنينٍ»، وصوَّبه بعضُهم، قال أبو عُمر: و «خَيبر» أصحُّ؛ لأنَّ ابنَ شِهابٍ وابنَ المسيَّبِ أعلَم النَّاس بالمغازِي فلا يُقاس بهما غيرُهما.
وفي حديثِ أمِّ سُليمٍ: «اتَّخَذَتْ يومَ خَيبرَ خِنْجَراً» كذا في روايةِ بعضِهم عن ابنِ ماهانَ والسَّمرقنديِّ، وهو خطأٌ، والصَّوابُ روايةُ الجماعة: «يومَ حُنينٍ»، وخبرُها في ذلك مشهورٌ، والحديثُ بنفسِه يدلُّ عليه.
الحاء مع الصَّاد
٥١٧ - (ح ص ب) قالوا: «التَّحْصيبُ» [خ¦١٧٦٦]، و «ليلةُ الحَصْبَةِ» [خ¦٣١٦] بفتحِ الحاء وسكونِ الصَّاد: هو المبِيتُ بالمحَصَّب بين مكَّةَ ومنى، وهو خَيفُ بني كِنانةَ، وهو الأبْطَح، وليس من سُننِ الحجِّ.
وقوله: «فحَصَبَهما أنِ اصمُتا» أي: رماهما بالحَصْباء ليُنبِّههما؛ إذ لم يُمكِنه كلامٌ، وكذلك: «حَصَبه عُمر» [خ¦٢٩٠١]، و «حَصَبوا البابَ» [خ¦٦١١٣] كلُّه الرَّميُ بالحَصْباء.
وقوله: «أصابَتْها الحَصْبةُ» [خ¦٥٩٤١] بفتحِ الحاء وسكونِ الصَّاد، ويُقال: بفتحِ الصَّاد أيضاً وبكسرِها: داءٌ معروفٌ، الحَصْباء ممدودٌ، وحَصْباءُ الجِمار: هي الحَصى.
стр. 371
٥١٨ - (ح ص د) قوله: «احصُدُوهم حَصْداً» يعني: اقتُلوهم واستَأْصِلوهم كما يُحصَد الزَّرعُ، يُقال: حصَده بالسَّيف إذا قتَله، وقيل في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] أي: ذهَب فلم يبقَ له أثرٌ.
وقوله: «كالأرْزَة حتَّى تَستَحصِد» أي: تنقَلع من أصلِها، كما جاء في الحديث الآخَر: «حتَّى تنجَعِف بمرَّة» [خ¦٥٦٤٢] من الحَصْد، وهو الاستِئصال كما تقدَّم، ورواه بعضُهم: «تُسْتَحصَد» بضمِّ التَّاء وفتحِ الصَّاد، والأوجهُ به هنا: بفتحِ التَّاء وكسرِ الصَّاد، وكذلك في الزَّرعِ إذا استَحصَد، وحتَّى يَستَحصِد؛ أي: يَحينَ حصادُه.
٥١٩ - (ح ص ر) قوله: «تُعرَض الفِتنُ على القُلوبِ كالحَصيرِ -وعرْضَ الحَصيرِ- عُوداً عوداً» قيل: معناه تُحيطُ بالقلوب، يُقال: حَصَرَ به القومُ إذا أحدَقوا به، وقيل: حصِيرُ الجَنْب: عِرْقٌ يمتدُّ مُعترِضاً على جَنْبِ الدَّابَّة إلى ناحيةِ بطنِها، شبَّهها بذلك، وقال ثعلب: الحَصيرُ: لحمٌ يكون في جانِبَي الصُّلبِ من لَدُن العُنق إلى المتْنَين، وقيل: أراد عرْضَ أهلِ السِّجنِ واحداً واحداً، والحَصيرُ السِّجنُ، وقيل: تُعرَض بالقلوب: تُلصق بها لَصق الحَصير بالجَنْب، وتأثيرُها فيه وبقاءُ أثرِ أعوادِها في الجِلد إذا لزِقَت به، وإلى هذا كان يذهَب من شيوخِنا سفيانُ بنُ العاصي والوزيرُ أبو الحُسين، قيل: تُعرَض عليها واحدةً واحدةً كما تَعرِض المنَقِّيَةُ لشَطْبِ الحَصير، وهو ما تُنسَج منه من لِحَاءِ القُضبان على النَّسَّاجة، وتُناوِله إيَّاها عوداً بعدَ آخَرَ، وإلى هذا كان يذهَب من شيوخِنا أبو عبد الله بنُ سليمان، وهو أشبَه بلفظِ الحديث ومعناه، وقد بسَطنا الكلامَ عليه وبيَّنَّاه في «الإكمال لشرح صحيح مسلم»، وسيأتي اختلافُ الرِّواية في قولِه: «عوداً عوداً»، واختلافُ التَّأويل فيه في حرفِ العين إن شاء الله.
وقوله في «المُحْصَر»، و «الإحصار» [خ¦٢٧/ ١ - ٢٨٢٦]، و «الحَصْر» [خ¦٢٧/ ٣ - ٢٨٣٣]، و «لمَّا حُصِر رسولُ الله ﷺ »، ويُروَى: «أُحصِر» [خ¦١٨٠٩] قال إسماعيل القاضي: الظَّاهرُ في اللُّغة أنَّ الإحصارَ بالمرض الذي يَحبس عن الحجِّ، وأنَّ الحَصْرَ بالعدُوِّ، ونحوُه لأبي عُبَيدة، وقال ابنُ قتيبة: أُحصِر بالمرضِ والعدُوِّ، وحَصَره العدُوُّ، ومنه: «فلمَّا حُصِر»، و «كنَّا مُحاصِرينَ حِصنَ خَيبرَ» * [خ¦٣١٥٣] أي: مُمانِعيهم الخروجَ، و «إذا حاصَرتَ أهلَ حصنٍ» وأصلُ الإحصارِ: المنعُ،
стр. 372
والحَصُور: الممنوعُ عن النِّساء إمَّا خِلقةً أو عِلَّةً، فَعُولٌ بمعنَى مفعُول، وقيل: هو في يحيى ابنِ زكريَّاء آيةٌ.
٥٢٠ - (ح ص ل) قوله: «بذَهَبَةٍ فى أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لم تُحَصَّلْ من تُرابِها» أي: لم تُخلَّص وتُصَفَّ حتَّى يثبُت منها التِّبرُ، وأصلُ حصَل: ثبَت، يُقال: ما حصَل في يدِه منه شيءٌ؛ أي: ما ثبَت، وقيل: رجَع، وحصَّلْتُ الأمر: حقَّقتُه وأثبتُّه.
٥٢١ - (ح ص ن) وقوله: «حَصَانٌ رَزَانٌ» [خ¦٤١٤٦] بفتحِ الحاء؛ أي: عَفيفةٌ، وجاء «الإحْصانُ» في القرآنِ والحديثِ بمعنَى: الإسلام، وبمعنَى: الحرَّيةِ، وبمعنى: التَّزويجِ، وبمعنَى: العِفَّة؛ لأنَّ أصلَ الإحصان: المنعُ، والمرأةُ تمتَنِع عن الفاحِشة بكلِّ واحدةٍ من هذه الوُجوه؛ بإسلامِها وحرِّيتِها وعِفَّتها وزواجِها، ويُقال: أَحْصَنتِ المرأة فهي مُحْصَنة، وأَحصَن الرَّجلُ فهو مُحصَن، وأَحصَنا فهما مُحصَنٌ ومُحصَنةٌ، قال الله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥]، و ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النِّساء: ٢٥]، وقرِئ: ﴿مُحْصَِنَاتٍ﴾ بالفتحِ والكسرِ، ﴿فَإِذَا أَُحْصَنَّ﴾ [النِّساء: ٢٥] بالضَّمِّ والفتحِ.
وفي حديثِ عمرانَ بنِ حُصي ن: «وإلى جانبِه حِصَانٌ» [خ¦٥٠١١] هذا بكسرِ الحاء: الفرسُ، كما جاء في الحديث الآخَر: «فرسٌ»، والحِصانُ: الفرسُ المُنْجِب.
٥٢٢ - (ح ص ص) قوله: «أدبرَ الشَّيطانُ وله حُصَاصٌ» بضمِّ الحاء، قيل: ضُراطٌ، كما جاء مُفسَّراً في الحديثِ الآخَر، وقيل: شِدَّةُ عَدْوٍ.
وقوله: «حَصَّتْ كلَّ شيءٍ» [خ¦١٠٠٧] أي: اجتاحَتْه وأفنَتْه واستَأصَلتْه، يُقال: حصَّ رحمَه إذا قطعَها، وحصَّت البيضةُ رأسَه: حلَقَت شَعَره.
٥٢٣ - (ح ص ى) و «نهيُه عن بيعِ الحَصاةِ» مقصورٌ: بيعٌ كان يتَبايَعُه أهلُ الجاهليَّة، قيل: كانوا يتَساوَمون، فإذا طرَح الحصاةَ وجَب البيعُ، وقيل: بل كانوا يتبايَعون شيئاً من أشياءَ على أنَّ البيعَ يجِب في الشَّيءِ الذي تقَعُ عليه الحصاةُ، وقيل: بل إلى مُنتَهى الحصاة، وكلُّه من بيوعِ الغَررِ والمجهولِ، وجمعُ الحصاةِ: حصًى، مقصورٌ.
وقوله: «لا تُحصِي فيُحصِيَ اللهُ عليكِ» [خ¦٢٥٩١] أي: لا تتكلَّفي معرفةَ قَدرِ إنفاقِك، وفي حديث آخَرَ: «لا تُوعِي» [خ¦١٤٣٤]، وآخَرَ: «لا تُوكِي» [خ¦١٤٣٣] كلُّه كنايةٌ عن الإمساكِ عن الإنفاقِ والتَّقتِير، كما قال في خلافِه: «يا ابنَ آدمَ؛ أَنفِق أُنفِق عليك» [خ¦٤٦٨٤] والإحصاءُ للشَّيء: معرفتُه إمَّا قَدْراً أو عدداً.
стр. 373
وقوله: «أَكُلَّ القُرآنِ أحصَيتَ غيرَ هذا؟» أي: حفِظتَ.
وقوله في حديقةِ المرأة التي خَرصَها: «أحْصِيها حتَّى نرجِعَ» أي: حَوِّطيها واحفَظيها ليُعلَم صدقُ خَرصِه إذا جُدَّت، والله أعلم؛ بدليلِ آخِر الحديث.
ومنه قوله: «لَا أُحصِي ثَناءً عليك» أي: لا أحيطُ بقَدْرِه، وقيل: لا أُطِيقُه، ولا أبلُغ حقَّ ذلك ولا كُنْهَه وغايتَه، وقال مالك: لا أحصِي نِعمتَك وإحسانَك والثَّناءَ بها عليك وإنِ اجتهدتُ في ذلك.
وقوله في الأسماء: «من أَحصَاها دخلَ الجنَّةَ» [خ¦٢٧٣٦] قيل: من علِمها وأَحاطَ عِلماً بها، وقيل: أحصاها: أطاقها؛ أي: أطاقَ العمَل والطَّاعة بمقتَضى كلِّ اسمٍ منها، وقيل: في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: تُطيقُوه، وقيل: معناه: حفِظ القرآنَ فأحصاها بحِفظِه للقرآن، وقيل: «أحصاها» وحَّد بها ودَعا إليها، وقيل: من أحصاها علماً وإيماناً، وقيل: من حفِظها، وبهذا اللَّفظ رواه البخاريُّ في آخِر كتابِ الدَّعوات [خ¦٢٦٧٧]، ومنه قوله: «أكُلَّ القُرآن أحصيتَ … ؟» أي: حفِظت، وقيل: من علِم معانيها وعمِل بها.
وقوله: «استَقِيموا ولن تُحصُوا» أي: الزَموا سلوكَ الطَّريقِ القويمةِ في الشَّريعة، وسَدِّدُوا وقَارِبوا ولا تَغْلوا؛ فلن تَقدِروا الإحاطةَ بأعمالِ البِرِّ كلِّها، ولا تُطيقوا ذلك، وهو مثلُ قوله: (دينُ الله بين المقصِّر والغالي)، وقيل: معناه: لن تُطِيقوا الاستقامةَ في جميعِ الأعمال، وهو يرجِع إلى ما تقدَّم، وقيل: «ولن تُحصُوا» لا تُقَدِّروا ما لكم في ذلك من الثَّواب.
وقوله: «احصُوا لي كم يَلفِظُ بالإسلامِ» أي: عُدُّوهم.
قوله في الحجِّ: «كلُّ حصاةٍ منها حصَى الخَذف» كذا جاء في كتاب مسلمٍ عن عامَّة شيوخِنا، ومعناه: مثلُ حصَى الخَذفِ كما يُقال: زيدٌ الأسدُ؛ أي: مثلُه، وقد جاء في روايةِ القاضي التَّميميِّ: «مثلُ حصَى» مبيَّناً، وكذلك في غيرِ مسلم.
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ
في حديثِ بدرٍ وضربةِ الملَكِ للمُشرِك: «كضَرْبةِ السَّوْطِ، فاخْضَرَّ ذلك أَجمعُ» كذا لهم، وهو الصَّحيحُ، وفي بعضِ الرِّوايات عن رواة مسلمٍ: «فأحصَى ذلك أجمعَ» بالحاءِ والصَّاد المهملتَين، يعني روايتَه لما ذكَر من الحديثِ وحَفِظه، وهو وهمٌ، والله أعلم.
قوله في (بابِ ما يُصابُ من الطَّعام بأرضِ العَدُوِّ): «وكنَّا مُحاصِرينَ حِصنَ خَيبرَ» * [خ¦٣١٥٣] كذا لكافَّتهم، وهو المعروفُ، وتَقيَّد في كتاب الأَصيليِّ بخطِّه: «مُحاضرِين» بالضَّاد، وهو وهمُ قلمٍ، والله أعلم.
стр. 374
الحاء مع الضَّاد
٥٢٤ - (ح ض ر) قوله: «إنَّ الكافرَ إذا حُضِر» [خ¦٦٥٠٧]، و «إنَّ ابنَتي قد حُضِرت» [خ¦٥٦٥٥]، وقوله: «لمَّا حَضَرتْ أبا طالبٍ الوفاةُ» [خ¦١٣٦٠]، و «حينَ حضَرتْه الوفاةُ» [خ¦٣٨٨٤] يُقال: حَضَر الموتُ الإنسانَ، وحُضِر الميتُ واحتُضِر: إذا حانَ موتُه؛ قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموْتُ﴾ [النِّساء: ١٨].
وقوله: «قراءةَ آخرِ اللَّيلِ مَحْضورةٌ» أي: تحضُرها الملائكةُ، كما قال في الحديث الآخَر: «مَشهودةٌ»، وقال: «يَتعاقَبونَ فيكم مَلائِكةٌ … » الحديثَ [خ¦٥٥٥]، وقال: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء: ٧٨].
وقوله: «حَضْرَةُ النِّداءِ لِلصَّلَاةِ» أي: عندَها ومُشاهَدة وقتِها، ومنه: «ما من امرِئٍ تَحضُرُه صَلاةٌ مكتوبةٌ» أي: يَجِيء وقتُها، و «حَضَرتِ الصَّلاةُ» [خ¦١٩٥] حانَت، بالفتحِ، وحكَى بعضُهم فيه: «حَضِرت» بالكسرِ.
وقوله: «فأَحضَرَ فأَحضَرْتُ» أي: عَدا يجرِي فعَدَوْتُ، والحُضْر -بالضَّمِّ- الجَريُ والعَدْوُ، ومنه في الحديث الآخَر: «فخرَجتُ أُحضِرُ» أي: أُسْرِع.
وقوله: «دَفَّ ناسٌ … حَضْرةَ الأَضْحَى» كذا رَويناه بإسكانِ الضَّاد عن أكثرِهم، وضبَطه الجيَّانيُّ: «حَضَرة» أيضاً بفتحِهما، ومعناهما سواءٌ صحيحٌ، بالسكون: بمعنى القُربِ والمشاهَدةِ، وبالفتح: بمعناه، قال في «الجمهرة»: حَضْرةُ الرَّجلِ فِناؤُه، وقال يعقوب: كلمتُه بِحَضْرَةِ فلانٍ وحُضْرَتِهِ وحِضْرَتِهِ، وحَضَر فلانٍ، وزاد أبو عُبَيد: وحَضَرة فلانٍ بفتحهما.
٥٢٥ - (ح ض ض) قوله: «يَحُضُّهم» [خ¦١٠/ ١١١ - ١٢٤٢]، و «يحضُّ بعضُهم بعضاً» أي: يحمِلُهم على ذلك ويُؤكِّد عليهم فيه.
٥٢٦ - (ح ض ن) قوله: «إلَّا نخَس الشَّيطانُ في حِضْنَيه» أي: في جَنبَيه، وقيل: الحِضْنُ الخاصِرةُ.
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ
في حديث الأنصارِ في السَّقيفة: «وتُحْضِنُونا من الأمرِ» [خ¦٦٨٣٠] بضمِّ التَّاء؛ أي: تُخرِجوننا في ناحيةٍ عنه، وتَختَزِلونَنا منه وتَستَبِدُّون به، ونحوُه لأبي عُبَيد، كذا روايةُ الكافَّة بضمِّ التَّاء، ورواه ابنُ السَّكن: «يَحْتَصُّونا» بحاءٍ مهملةٍ، والأوَّلُ الوجهُ، وفي روايةِ أبي الهَيثم: «تَحْصُنُونَنا» بصادٍ مهملةٍ، ولا وجهَ له، وقد جاء مُفسَّراً بما قبلَه: «يُرِيدونَ أن يَختزِلُوننا من أصلِنا، ويَحْضُنُونا من الأمرِ»، قال ابن دُريدٍ: يُقال: أحضَنتُ الرَّجلَ
стр. 375
عن كذا إذا نحَّيتَه عنه واستَبْدَدْتَ به دونَه، ومنه قولُ الأنصارِ، وذكَره، وقال الهرويُّ فيه: حضنت وروى الحديث: «يَحضُنونا» بفتحِ الياء، وقد تتوجَّه هنا روايةُ ابنِ السَّكن: «يَحْتَصُّونا» أي: يستَأصِلوا أمرَنا ويَقطَعوا سبَبَنا من هذا الأمرِ، حصَّ رحِمَه: قطَعه، وحصَّت البيضةُ رأسَه: حلَقَت شَعَره، وحصَّتْهم السَّنةُ: استَأصَلتهم.
وقوله في المولُود: «إلَّا لكزَ الشَّيطانُ في حِضْنَيه» بكسرِ الحاء؛ أي: جَنْبَيه، وقيل: الحِضنُ الخاصِرةُ، ورواه ابنُ ماهانَ: «خُصْيَيه» بالخاءِ المعجمةِ والصَّاد المهملةِ؛ يعني العورةَ، وليس بشَيءٍ، والصَّوابُ الأوَّلُ، وقد جاء في البخاريِّ في (باب بدءِ الخَلق): «في جَنْبَيه» [خ¦٣٢٨٦] مُفسَّراً، وفي الحديث نفسِه ما يدفَعُه؛ قوله: «إلَّا مريمَ وابنَها» ومريمُ أنثَى.
الحاء مع الفاء
٥٢٧ - (ح ف ز) قوله: «وقد حَفَزَه النَّفَسُ» أي: استَوفَزه وكدَّه، والاحتِفِازُ: الاستِيفازُ والاستِعجالُ، ومنه قولُه في الحديثِ الآخَر: «أُتِيَ بتَمْرٍ فجعلَ يأكلُه وهو مُحتَفِزٌ» أي: مستَعجِلٌ مستَوفِزٌ غيرُ متَمكِّن في جلوسِه، كأنَّه يثُور للقِيام.
٥٢٨ - (ح ف ظ) وقوله: «فأَحفَظَ الأنصاريُّ» [خ¦٢٧٠٨] بظاءٍ معجمةٍ؛ أي: غاظَه وأغضَبه، وهي الحفيظةُ والحِفْظةُ.
وقوله: «من حَفِظَها وحافظَ عليها حفِظَ دينَه» يعني الصَّلوات، قيل: «حفِظَها» رعاها وقامَ بحُدودِها، و «حافَظ عليها» أي: في أوقاتِها، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، ثمَّ قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] فالخشوعُ أوَّلاً بمعنَى الحِفظ في الحديث، والمحافظةُ بمعنى فيهما، وقيل: هما بمعنًى وكَرَّر للتَّأكيد، وقيل: «حافَظ عليها» أدامَ الحِفظَ لها، وحكَى الدَّاوديُّ أنَّه رُوِي: «أو حافظَ عليها» على الشَّكِّ، وهذا لم يقَع في روايةِ أحدٍ من شيوخِنا في «الموطآت»، ومعنَى «حفِظ دينَه» أي: مُعظَمه، ويحتَمِل ظنّاً به حِفظَ سائرِ دينِه.
٥٢٩ - (ح ف ل) قوله: «وتبقَى حُفالَةٌ كحُفالَةِ» [خ¦٤١٥٦] بضمِّ الحاء، قيل: هي بقيَّتُه الرَّديئَة ونُفايتُه، وفي حديث آخَرَ: «حُثالَةٍ» [خ¦٤٨٠] وقد ذكَرناه، وهما بمعنًى، قال الأصمعيُّ: الحُفالةُ الرَّديءُ من كلِّ شيءٍ، وقال أبو زيدٍ: هي أكمامُه وقُشورُه التي تبقَى بعدَ رفعِه.
стр. 376
وقوله: «نهَى عن بيعِ المُحَفَّلَة» [خ¦٢١٤٩] هي التي حُقِن اللَّبنُ في ضرعِها، وهي مثلُ المُصرَّاة.
وقوله: «شاةً حافلاً» أي: ذاتَ لبنٍ، فضرعُها مملوءٌ لبناً.
٥٣٠ - (ح ف ن) قوله: «لتَحفِنْ على رأسِها ثلاثَ حَفَناتٍ»، و «حَفَنَ له ثلاثَ حَفَناتٍ» هو أخذُ مِلْءِ اليدين من الماء وغيرِه، ومثلُه: حَثَا وحثَن، وقد ذكَرناه قبلُ، وفي حديثِ زمزمَ في كتابِ الأنبياء: «فجَعلَتْ تَحفِنُ من الماءِ» مثلُه، كما قال في الرِّواية الأخرى: «تَغرِفُ» [خ¦٣٣٦٤] كذا رواه بالنُّون الأَصيليُّ، ولسائرِ الرُّواة: «تَحفِرُ» [خ¦٣٣٦٥] بالرَّاء، والأوَّلُ الصَّوابُ.
٥٣١ - (ح ف ف) قوله: «وحَفُّوا دُونَها بالسِّلاحِ» [خ¦٣٩١١]، و «يَحُفُّونَهم بأَجنِحتِها» [خ¦٦٤٠٨]، و «حفَّت بهم الملائكةُ» كلُّه بمعنَى أحْدَقوا بهم وصاروا في أحِفَّتِهم؛ أي: جوانبِهم، ومنه في الحديث الآخَر: «حَافَةِ الطَّريقِ» [خ¦٤٥٨] أي: جانِبها، ومنه: «حُفَّتِ الجنَّةُ بالمكارِه».
وقوله: «في مِحَفَّتِها» هي شِبهُ الهودج، إلَّا أنَّه لا قبَّةَ عليها.
٥٣٢ - (ح ف ش) قوله: «هلَّا جلَس في حِفْشِ أمِّه» بكسرِ الحاء، و «خِباءٌ في المسجدِ أو حِفْشٌ» [خ¦٤٣٩] قال أبو عُبَيد: الحِفشُ: الدُّرْجُ، وجمعُه أحفاشٌ، شُبِّه بيتُ أمِّه في صِغَره به، وقال الشَّافعيُّ: البيتُ القريبُ السَّمْك، وقال مالك: البيتُ الصَّغير الخرِبُ، وقيل: الحِفشُ مثلُ القُفَّةِ وشِبهها تُصنَع من خُوصٍ، تَجمَع فيها المرأةُ غزلَها وسَقَطها كالدُّرْج، شُبِّه البيتُ الحقيرُ به، ومثلُه في حديث المعتدَّة: «فدخَلتْ حِفْشاً لها» سُمِّي بهذا كلِّه لضِيقه وصِغَره.
٥٣٣ - (ح ف ي) وقوله: «حتَّى أَحْفَوه بالمسألةِ» [خ¦٧٠٨٩] أي: أكثَروا عليه وألحُّوا.
وقوله: «أحفَى شاربَه» [خ¦٧٧/ ٦٣ - ٨٧٧٤]، و «أَمرَ بإحْفاءِ الشَّواربِ»، و «أَحفُوا الشَّواربَ» [خ¦٥٨٩٢] رباعيٌّ، يُقال فيه: أحفَيتُ، وحكَى الأنباريُّ: حفَوتُ، ثلاثيٌّ، وهو جزُّ شَعَره واستِقصاؤُه، وقد رُوِي: «جُزُّوا»، وقد ذكَرناه في باب الجيم.
وفي حديث الحَجَر: «كان النَّبي ﷺ بك حَفيّاً» أي: بارّاً وَصولاً، يُقال: أحفَى به، وتحفَّى به، وحفِيَ به، أي: بالَغ في برِّه.
وقوله: «لَأَستَحْفِيَنَّ عن ذلك» أي: لأُكثِرنَّ السُّؤال عنه، يُقال: أحفَى في السُّؤال والاعتِناء؛ أي: استَقصَى وبالَغ في ذلك.
стр. 377
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ
قوله في حديثِ الفتحِ: «احصِدُوهم حَصْداً»، و «أَحْفَى بيدِه على الأخرى» أي: أشارَ إلى استِئصالِ القَطع، كما يفعَل حاصِدُ الزَّرع إذا حصَده، ومثلُ ذلك تجرِيرُه على الأخرى وهي مقبوضَةٌ، وقيل: أحفَى: بالَغ، ورواه بعضُهم: «وأكْفَأ بيدِه» بالكافِ؛ أي: أمالَ وقلبَ، وهما بمعنًى واحدٍ، وفي بعضِها: «أَخْفَى» بالخاءِ، ولا وجهَ له.
قوله: «فاحْتَفزتُ كما يَحتفِزُ الثَّعلبُ» كذا هو عند السَّمرقنديِّ بالزَّاي، ورواه كافَّتُهم بالرَّاء المهملة، والأوَّلُ هو الصَّوابُ، ومعناه: تَضامَمَت واجتَمعتُ حتَّى وسعَ من مَدخَل الجدولِ، وبِساطُ الحديثِ ومقصِدُه يدلُّ عليه ويُظهِر خطأَ الرِّوايةِ الأخرى.
وقوله في كتابِ الأدب: «تلك الكلمةُ … يحفَظها الجنِّيُّ» كذا لهم هنا من الحِفظ، وللقابسيِّ: «يخطَفُها» [خ¦٦٢١٣] بالخاءِ المعجمة والطَّاءِ المهملة مقدَّمةٌ، من الاختِطاف، وفي كتاب التَّوحيد: «يَخْطَفُها» [خ¦٥٧٦٢] لكافَّتهم، وعند القابسيِّ وعُبدوس: «يحفَظها»، والصَّوابُ: «يخطَفُها»، وهو الصَّحيحُ في غيرِ هذا الموضِع لجمِيعِهم [خ¦٧٥٦١]، وفي كتاب الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠].
في حديث هاجَرَ وزمزمَ: «فجَعلَتْ تَحفِن» كذا للأَصيليِّ بالنُّون، ولغيرِه: «تَحفِرُ» [خ¦٣٣٦٥] بالرَّاءِ، وكلاهما له وجهٌ، و «تَحفِن» تَجمَع الماءَ بيدَيها معاً في سِقائِها، و «تحفِر» أي: تُعمِّقُ له، وهو أوجهُ هنا؛ بدليلِ الحديث الآخَر: «تُحوِّضُه» [خ¦٣٣٦٤] بالحاء المهملة؛ أي: تجعَل له حوضاً، ثمَّ بعد هذا قال: «وجعَلتْ تَغرِفُ في سِقائِها» [خ¦٣٣٦٤]، وبدليلِ قوله ﵇: «لو تَركَتْهُ كان عَيْناً مَعِيناً».
وفي الوقف: «مَن حفَر بئرَ رُومَةَ فله الجنَّةُ فحفَرتُها» [خ¦٢٧٧٨] كذا في نُسخِ البخاريِّ، وقيل: هو وهمٌ، والمعروفُ المشهورُ: «من اشتَرى بئرَ رُومَةَ» [خ¦٤٢/ ١ - ٣٦٧٢] وأنَّ عثمانَ اشتَراها ولم يحفِرها.
وقول أبي خَليفةَ: «كتَبتُ إلى ابنِ عبَّاسٍ أن يكتُبَ إليَّ ويُحفِيَ عنِّي»، ثمَّ ذكَر عنِ ابنِ عبَّاس: «أَختارُ له الأمورَ اختِياراً وأُحْفِي عنه» كذا روايتُنا فيه على أبي بحرٍ وأبي عليٍّ من شيوخِنا: بالحاءِ المهملة، وقيَّدناه عن ابنِ أبي جَعفر وعن التَّميميِّ بالمعجمة، وهو الذي صوَّبَه لنا بعضُ شيوخِنا من غيرِ روايةٍ وقال: لعلَّه بالخاء المعجمة، ومعناه عندي على هذا؛ أي: لا تُحدَّثني بكلَّ ما رَويتَه، ولكن أخْفِ عنِّي بعضَه ممَّا لا أحتَمِله ولا تراه لي صواباً، ويَعضُده قولُ ابنِ عبَّاس: «أختارُ له الأمورَ اختياراً».
стр. 378
ويَظهَر لي أنَّ الصَّوابَ الرِّوايةُ الأولى، ويكون الإحفاءُ: النَّقصُ، من إحفاءِ الشَّواربِ وهو جزُّها، ويكون بمعنَى الإمساك، من قولِهم: سألنِي فحفَوتُه؛ أي: منعتُه؛ أي: أمسِكْ عنِّي بعضَ ما معك ممَّا لا أحتَمِله، وقد يكون الإحفاءُ أيضاً بمعنَى الاستِقصاء، من إحفاءِ الشَّوارب، و «عنِّي» هنالك بمعنَى: «عليَّ»؛ أي: استَقصِ ما تُخاطبُني به ونخِّلْه، وجوابُ ابنِ عبَّاس يدلُّ عليه، وذكَر المفجَّع اللُّغويُّ في كتابه «المنقِذ»: أحفَى فلانٌ بفلانٍ إذا أربَى عليه في المخاطَبة، ومنه: «أَحْفَوْه في المسألة» [خ¦٦٣٦٢] أي: أكثَروا، فكأنَّه بقولِه: «وتُحفِي عنِّي» يقول: لا تُكثِر عليَّ وعدِّ الإكثارَ عنِّي، والله أعلم.
في فتحِ مكَّةَ: «احصُدوهم حَصْداً»، و «أحفَى بيدِه على الأخرى» كأنَّه أشار إلى المبالَغة.
وفي الحديث: «إنَّ الله يحبُّ العبدَ التَّقِي الحفِيَّ» كذا هو عند العُذريِّ بحاءٍ مهملةٍ، ولغيرِه بالمعجمة، وهو الصَّوابُ.
وقوله في حديثِ ابنِ أبي شيبةَ في الإيمان والإسلام: «وإذا كانت العُراةُ الحفاةُ رؤوسَ النَّاسِ» بالحاءِ المهملة، جمعُ: حافٍ، كذا لكافَّتهم كما في غيرِ هذه الرِّواية، وعند ابنِ الحذَّاء: «الحَفَدةُ» مكانَ «الحفاةُ» ومعناه هنا: الخَدَمَةُ، كما قال في الحديث الآخَر: «رِعاءَ الشَّاءِ».
الحاء مع القاف
٥٣٤ - (ح ق ب) قوله: «وأَحقَبَها خَلفَه» * [خ¦١٥١٨] أي: أردَفها وراءَه وجعَلها مكانَ الحقِيبة، كذا روَيناه، ورواه بعضُهم: «أعقَبها»، وهو بمعناه؛ أي: جعَلها خلفَه.
وقوله: «ونحنُ خِفافُ الحَقائبِ» جمعُ: حقِيبةٍ، وهي ما يُشَدُّ في مؤخِّرَة الرَّحْل، يَرفَع فيها الرَّجلُ متاعَه وما يَحتاجُ إليه، ومنه: احتَقب فلانٌ خيراً أو شرّاً، كأنَّه رفعَه في حقِيبتِه لوقتِ الحاجة، وفي الحديث: «فانتَزعَ طَلْقاً من حَقَبِه» الحَقَب: هو الحبلُ يُشدُّ وراءَ البَعير، وضبَطه بعضُهم: «حَقْبِه» بالسُّكون؛ أي: ممَّا احتَقبَه، وقد ذكَرنا هذا الخبرَ والاختِلافَ فيه والوهمَ في حرف الجيم والعين.
٥٣٥ - (ح ق ل) فيها: «المُحاقَلَةِ» [خ¦٢١٨٦] وهو مُفسَّرٌ في الحديث:
стр. 379
كِراءُ الأرض للزِّراعة بالزَّرع، وقيل: بجزءٍ ممَّا يخرُج منها، وقيل: بيعُ الزَّرع بالحِنطة كَيلاً كالمُزابنة في الثِّمار، وبذلك فسَّره جابرٌ في حديثِ مسلمٍ، وقيل: بيعُ الزَّرع قبلَ طِيبِه، وقيل: بيعُه في سُنبُله بالبُرِّ.
وذِكْرُ: «الحقْل» وهو الفدَّانُ والمزرَعةُ، وجمعُها: مَحاقِل، وقد جاء جمعُها في الحديث، وقيل: «الحقْلُ» الزَّرعُ ما دامَ أخضَرَ، وقيل: أصلُها أن يأخُذ أحدُهما حَقلاً من الأرض ويَحقِلَ آخَر؛ لأنَّها مُفاعَلةٌ من ذلك، ومنه: «كان أكثرَ النَّاس حَقْلاً» [خ¦٢٧٢٢] أي: فدادِينَ، و «تحقِلُ على أَرْبِعاءَ لها» [خ¦٩٣٨] أي: تزْرَع على جداوِلَ، وقد ذكرنا هذا والخلافَ فيه في الجيم والعين.
٥٣٦ - (ح ق ن) قوله: «ما بينَ حاقِنَتِي وذاقِنَتِي» [خ¦٤٤٣٨] قيل: الحاقنةُ ما سفَل منَ البطنِ، والذَّاقِنةُ ما علا وقيل: الحاقِنةُ ما دونَ التَّرقُوَتَين منَ الصَّدر، وقيل: الحاقِنةُ ما فيه الطَّعامُ، وقيل: الحاقِنتان: الهَبْطتان اللَّتان بين التَّرقُوَتَين وحَبْلَيِ العاتِق، وقال أبو عُبَيد: الحواقِنُ: ما يَحقِنُ الطَّعامَ في بطنِه، والذَّواقِنُ أسفَل من ذلك، وقيل: الذَّاقِنةُ ثُغْرةُ الذَّقنِ، وقيل: طرَفُ الحُلقوم.
٥٣٧ - (ح ق ف) وقوله في خبَر عيسى: «ويَستظِلُّون بقِحْفِها» يريدُ الرُّمَّانةَ؛ أي: بمُقعَّر قِشْرِها، والحِقْفُ: أعلا الجُمجُمة.
وقوله: «فإذا بظَبْيٍ حاقِف» أي: نائمٍ مُنْحنٍ في نومِه، وأصلُه الانعِقافُ والاستِدارةُ، ومنه: حِقْفُ الرَّملِ، وهو ما عَظُمَ منه واستَدار، وقال ابنُ وهب: واقِفٌ في موضِع الغار في الجبَل.
٥٣٨ - (ح ق ق) قوله في الزَّكاة: «حِقَّةٌ طَروقةُ الفَحْلِ» هي ابنةُ ثلاثِ سنينَ ودخَلت في الرَّابعةِ، قيل: لأنَّها استَحقَّت أن تُركَب ويُحمَل عليها، وقيل: لأنَّ أمَّه استحقَّت الحَمْلَ من العامِ المُقبِل، والذَّكرُ حِقٌّ، وقيل: لأنَّها استَحقَّت أن يضرِبَها الفَحلُ.
وقوله: «حَقُّ المسلمِ على المسلمِ» [خ¦١٢٤٠] أي: الواجبُ له، أو المؤكَّدُ في حقِّه والمندوبُ إليه، و «أَعطُوا الطَّريقَ حقَّه» [خ¦٢٤٦٥] أي: واجبَه، و «ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يُوصِي به» [خ¦٢٧٣٨] أي: منَ الحَزْم والنَّظر، و «يُؤدِّي حَقَّها» [خ¦١٤٦٠]، و «ما حَقُّها»، و «استحقُّوا العُقوبةَ»، و «استَوعَى له حقَّه» [خ¦٢٣٦٢] كلُّه من الوُجوب، والحقُّ يكون بمعنَى: الوُجوب، وبمعنَى: الحَزْم، وبمعنَى: الصِّدق، وبمعنَى: التَّخصيص والتَّرغيب.
стр. 380
و «لا تَفُضَّ الخاتَمَ إلَّا بحَقِّه» [خ¦٢٢١٥] أي: بالوجهِ المباحِ الجائِز.
و «حتَّى يَبلُغَ حقيقةَ الإيمان» * [خ¦٢/ ١ - ١٠] أي: خالِصَه، و «مَن رآني فقد رأى الحقَّ» [خ¦٦٩٩٦] قيل: رُؤياه حقٌّ صادقةٌ ليس فيها ضِغْثُ حُلمٍ ولا تَخْيِيلِ شيطانٍ، وقيل: رآني حقيقةً، ورأى ذاتي غيرَ مُشبَّهة، على الاختلاف في تأويلِ الحديث الآخَر: «فقد رآني؛ فإنَّ الشَّيطانَ لا يَتمثَّلُ بي» [خ¦١١٠].
وقوله: «أَميناً حقَّ أَمينٍ» [خ¦٣٧٤٥] أي: أميناً حقيقةً، و «حقَّ» هنا على ما تقدَّم من معنَى الوُجوب؛ أي: وجَبَت له هذه الصِّفةُ، أو بمعنَى: الصِّدق؛ أي: صَدَقَ واصِفُه بذلك.
وقوله: «فجاءَ رَجلانِ يَحتقَّانِ» أي: يختَصِمان بتشديدِ القاف.
وقوله في تأخِير الصَّلاة: «ويَحْتقُّونها إلى شَرَقِ المَوتى» أي: يضَيِّقون وقتَها إلى ذلك الحينِ، يُقال: هم في خناق من كذا؛ أي: ضِيقٍ، و «شَرَق الموتَى» نُفسِّرُه في حرفِه.
وقول البخاري في تفسير «﴿الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١]: لأنَّ فيها الثَّوابَ والعِقاب وحَواقَّ الأُمورِ» [خ¦٨١/ ٤٨ - ٩٧٣٨].
وقوله: «أتدري ما حقُّ الله على العبادِ؟ -وذكَر- حقَّ العبادِ على الله» [خ¦٢٨٥٦] قيل: يحتَمِل أن يكون أُرِيدَ حقّاً شرعيّاً لا واجباً بالعَقل، ويكون خرَج مَخْرَج المقابلَة للَّفظِ الأوَّل.
٥٣٩ - (ح ق و) «فأعطانا حَقْوَه» [خ¦١٢٥٣] بالفتحِ؛ أي: إزارَه، وأصلُ الحَقْوِ: مَعقِدُ الإزارِ منَ الإنسان، فسُمِّي به الإزارُ، ويدلُّ عليه قولُه في الرِّواية الأخرى: «فنزَعَ من حَقْوِه إزارَه» [خ¦١٢٥٧]، وفي الحديث الآخَر: «اشدُدْه على حَقْوَيك» أي: على طرَفَيْ وَرِكَيك، وهو مَشَدُّ الإزار، وقيل: بل إنَّما صوابُه: الكَشْحُ، وإنَّه مَعقِدُ الإزار في الخَصْر، وليس بطرَف الوَرِك، وهو قولُ الخليل.
وقوله في الرَّحم: «فأَخَذَتْ بحَقْوَيِ الرَّحمنِ» * [خ¦٤٨٣٠] أصلُ الحَقْوِ -بفتحِ الحاء- طرَفُ الوَرِك، أو موضِعُ النِّطاق، وسُمِّي به الإزارُ كما تقدَّم، ثمَّ استُعير هذا الكلامُ للاستِجارة، يُقال: عُذْتُ بحَقْوِ فلانٍ؛ أي: استَجَرتُ به؛ لِمَا كان من يستَجِير بآخَرَ يأخُذ بثَوبه وإزارِه، فهو في حقِّ الله تعالى بهذا المعنَى، والله تعالى مُنزَّهٌ عن المشابَهة بخَلْقِه، ومثلُه في الحديث الآخَر: «ومنهم من تأخذُه النَّار إلى حَقوَيه» راجِعٌ إلى ما تقدَّم أوَّلاً من موضِعِ مَعقِد الإزار و طرَفِ الوَرِك.
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ
في حديث ليلةِ القَدْر: «فجاءَ رَجلانِ يَحتقَّانِ» بتاءٍ بعدَ الحاء، بعدَها قافٌ
стр. 381
مُشدَّدةٌ مفتوحةٌ، كذا رواه عامَّةُ شيوخِنا فيهما، وهو المعروفُ المشهورُ والذي ذكَره أصحابُ الغَريب والشَّارحُون؛ أي: يتَخاصَمان في حقٍّ يطلُبه أحدُهما من الآخَر، وقد ذكَره مسلمٌ في بعضِ طرُقه مُفسَّراً: «يَختَصِمانِ»، ورواه بعضُ الرُّواة: «يَحْنِقان» بنونٍ مكسورةٍ وتخفيفِ القاف، من الحَنَق والغَيظ، وليس بشيءٍ.
وفي حديث: بنتِ حمزةَ: «فقال عليٌّ: أنا أحقُّ بها» كذا لابنِ السَّكن، ولسائرِ الرُّواة: «أنا أَخَذْتُها» [خ¦٤٢٥١]، وهذه الرِّوايةُ عندي أبيَنُ؛ لقوله في أوَّل الحديث: «فأخَذَها عليٌّ وقال لفاطمةَ: دونكِ بنتَ عَمِّك»، وكذا جاء في كتاب الشُّروط للجَميع.
قوله: «المسلمُ أخو المسلمِ» إلى قوله: «ولا يَحقِرُه» كذا رواه السَّمرقنديُّ والسِّجزيُّ: بالحاء المهملة والقاف، من الحُقْرةِ؛ أي: يستَصغِرُه ويُذِلُّه ويتَكبَّر عليه، ورواه العُذريُّ: «ولا يُخْفِره» بالخاءِ المعجمة والفاءِ وضمِّ الياء أوَّلَه؛ أي: لا يَغدِرُه ويَخونُه، يُقال: خَفَرتُ الرَّجل أجَرتُه وأمَّنْتُه، وأخْفَرتُه لم أفِ له وغَدَرتُه، وكذلك الخلافُ في آخِر الحديث: «ب حَسْب امرِئٍ من الشَّرِ أن يَحقِرَ أخاه» على ما تقدَّم للرُّواة، والصَّوابُ أن يكون من الاستِحقار هنا، وهو المروِيُّ في غيرِ مسلم، ورواه غيرُه: «يَحْتقِر».
وتقدَّم الخلافُ في قوله: «وأحقَبَها خلْفَه» * [خ¦١٥١٨] في موضِعِ شرحِه من هذا الحرف.
الحاء مع السِّين
٥٤٠ - (ح س ب) قوله: «حَسْبيَ» [خ¦٣٤٦٦]، و «حَسْبُك» [خ¦٩٥٠]، و «حَسْبُنا كتابُ الله» [خ¦٤٤٣٢] بسكونِ السِّين؛ أي: كفانِي وكفاك، و «﴿حَسبَكَ الله﴾ [الأنفال: ٦٢]» [خ¦٥٨/ ١٥ - ٤٩٥٠] كافِيكَ الله، و «حَسْبُه قراءةُ الإمامِ» أي: كافِيَتُه، و «لقد شهِدَ عندَك رَجلانِ حَسبُكَ بهما» [خ¦٤٣٢٧] أي: يكِفيك ما تُريدُ بشَهادتِهما، وأحسَبَني الشَّيءُ: كفانِي، قال سيبويه: معنَى (حسب) معنى (قطّ): الاكتِفاءُ.
و «﴿يومَ الحِسابِ﴾» [ص: ١٦] [خ¦٩٣/ ١٦ - ١٠٦٢٢] يومُ المساءَلَة وحسابِ ما اجتَرحَتِ الأيدي واكتَسبَته النُّفوس، يُقال منه: حسَب يحسُب -بالفتحِ في الماضي والضَّمِّ في المستقبَل- حِساباً، وحُسباناً بالضَّمِّ، ومنه: «إنَّا أُمَّة أُمِّيةٌ لا نَحسُب ولا نَكتُب»، ومنه قولُه في سِنِيِّ النَّبيِّ ﷺ : «أَتحسُبُ» بالضَّمِّ، ومنه في حديثِ ابنِ عُمر في الطَّلاق: «أَفحَسَبْتَ بتلك التَّطليقةِ» كلُّه من الحِساب، ويُروَى: «أَفاحتَسَبْتَ بها» كلُّه بمعنًى، ومنه: احتِسابُ الأجْرِ، وما جاء في الحِسبةُ في المصِيبة.
و «تَحتَسِبون آثارَكم» [خ¦٦٥٥]، و «لا يموتُ
стр. 382
لأحدٍ منكنَّ ثلاثةٌ من الولدِ فتَحتَسِبَه»، و «منَّا من احتَسَب أجرَه»، و «أَحتَسِبُ خُطايَ»، و «أنتَ صابرٌ مُحتسِبٌ»، والاسمُ منه: الاحتِسابُ والحِسبانُ -بالكسر- والحِسْبةُ، وهو ادِّخارُ الأجْرِ وأن يحسُبه في حسَناتِه، وحسِب يحسِب: بالكسرِ فيهما، وقيل: يحسَب -بالفتح في المستقبَل- بمعنَى ظنَنتُ حِسباناً، بالكسر، ومنه: «ما كنتُ أحسِبُ … كذا»، و «أتَحسَبين» وقد تكرَّرت هذه الألفاظُ في الأحاديث وفي الكسوف [خ¦٧٤٥].
وفي فضائلِ عُمرَ قولُ عليٍّ ﵄: «إنْ كنتُ لَأظُنُّ أن يَجعلَكَ الله معَ صاحِبَيكَ، وحسِبتُ أنِّي كنتُ كثيراً أسمَعُ رسولَ الله ﷺ يقول» الحديثَ [خ¦٣٦٨٥]، كذا جاءَ هنا، و «حسِبتُ» بمعنَى: ظنَنتُ، عطَفها على قولِه: «أظنُّ» كأنَّه قال: وحسِبت ذلك.
وفي الطَّلاق: «قلتُ تُحتسَبُ -يعني: تطليقةٌ- قال: فَمَهْ» [خ¦٥٢٥٢] أي: تُحسَب وتُعَدُّ، كما قال في الرِّوايةِ الأخرى: «حُسِبتْ عليَّ بتطليقَةٍ» [خ¦٥٢٥٣].
قوله: «ودينُه حَسَبُه» أصلُ الحَسَب: الأفعال الحسَنةُ، كأنَّها مأخوذةٌ من الحِساب، كأنَّه تُحسَب له خِصالُه الكريمةُ، وحَسَبُ الرَّجل: آباؤُه الكُمَلاءُ الذين تُعَدُّ مناقِبُهم وتُحسَب عند المفاخَرة، والحَسْبُ والحَسَب العَدُّ، فلمَّا كان فَخْرُ العربِ بشَرف آبائِها؛ أخبَر عُمر أنَّ فَخْرَ أهلِ الإسلام الدِّينُ.
٥٤١ - (ح س د) قوله: «لا حَسَدَ إلَّا في اثنَتينِ» [خ¦٧٣] أي: لا حسَدَ محمودٌ وغيرُ مذمومٍ إلَّا فيهما، والحسَدُ المحمودُ: تمنِّي مثلَ ما تَراه لغيرِك، وهذا يُسمَّى الغِبطةَ، والمذمومُ: أن تتَمنَّى زوالَه عنه، وانتِقالَه إليك، وهو الحسَدُ بالحقيقةِ.
٥٤٢ - (ح س ر) قوله: «حَسَر عن فَخِذِه» [خ¦٢٨٤٥]، وفي الكسوف: «وحتَّى حُسِر عنها»، و «فلمَّا حُسِر عنها» على ما لم يُسمَّ فاعلُه، و «حتَّى انحَسَر الغَضبُ عن وجهِه»، ويُروَى: «تَحسَّرَ»، وكذا لأكثرِ شيوخِنا، و «أَحسرُ خِمارِي عن عُنقي» بكسرِ السِّين وضمِّها، و «حَسَر عن رأسِه البُرْنُسَ» كلُّه بمعنَى: كشَف عنه، ومنه: الحاسِرُ: المنكشِفُ في الحرب بغيرِ دِرعٍ، وفي الحديث: «على الحُسَّرِ»، و «خرَجُوا … حُسَّراً» [خ¦٢٩٣٠] جمعُ حاسِر.
وأمَّا قوله: «يَحسِر الفُراتُ عن كَنزٍ، وعن جَبلٍ من ذَهبٍ» فمعناه: نَضَبَ وكشَف عنه، قال أهلُ اللُّغة: ويُقال في هذا: حسَر، ولا يُقال: انْحَسَر، وجاء في روايةِ السَّمرقنديِّ هنا: «ينحَسِر».
وقوله: «دعَوتُ فلم يُستَجَب لي، فيَنحسِرُ
стр. 383
عند ذلك ويَدعُ الدعاءَ» أي: يقطَعه ويدَعه، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] أي: ينقَطِعون عنها، يُقال: حسَر واستحْسَر إذا أعيا.
٥٤٣ - (ح س ك) قوله: «عليه حَسَكَةٌ» [خ¦٧٤٣٩] هو شَوكٌ صُلبٌ حديدٌ، قاله الهرويُّ.
٥٤٤ - (ح س م) قوله في المحارِبين: «ولم يحسمْهم» [خ¦٦٨٠٣] بكسر السِّين وضمِّها؛ أي: لم يَكْوِهِم بعدَ أن قطَعهم، وفي حديث سعد: «فحَسَمَه رسولُ الله ﷺ بمِشْقَصٍ» أي: كواه.
٥٤٥ - (ح س ن) قوله في حديثِ ابنِ نُمير: «خَيرُكم مَحاسِنُكم قَضاءً» كذا في جميعِ نُسخِ مسلم، قيل: هو جمعُ: مَحسَن، بفتح الميم والسِّين، ويحتَمِل أن يكون سمَّاهم بالصِّفة؛ أي: ذَوُو المحاسِن، و «أسماء الله الحسنى» تأنيثُ الأحسَن، وقوله: «أحاسِنكم» [خ¦٦٠٣٥] في الرِّواية الأخرى جمعُ أحسَن، كما قال: «أحسَنكم قضاءً».
وذِكْر: «الإحسان»، وفسَّره: «أن تعبُدَ الله كأنَّكَ تراه» [خ¦٥٠] هو من الإحسان في العملِ وإجادتِه، وأن يكون العملُ لله على أحسَن وُجوهِه.
قوله: «أحسَنَ النَّاسِ وَجهاً وأَحسنَه خَلْقاً» [خ¦٣٥٤٩] قال أبو حاتم: العربُ تقول: (فلانٌ أجمَلُ النَّاسِ وجهاً وأحسَنُه)، يرِيدون أحسنَهم ولا يتكلَّمون به، وإنَّما يقولون: (وأحسَنُه)، قال: والنَّحويُّون يذهَبون إلى: وأحسَنُ من ثمَّة، أو مَن وُجِد، ونحوِه، ومثلُه قولُه: «خيرُ نساءٍ رَكِبنَ الإبلَ … أَحْناهُ على ولدٍ … وأَرعاه على زَوجٍ» [خ¦٥٠٨٢].
قوله: «كان أكثرُ دعائِه: ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حَسَنةً» [خ¦٤٥٢٢] الحسَنةُ هنا: النِّعمةُ، وقيل: في الآخِرة: الجنَّةُ، وقيل: حظوظٌ حسَنةٌ.
قوله: «ما أَذِنَ الله لشَيءٍ كإذْنِه لنَبيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ … بالقُرآنِ» * [خ¦٧٥٤٤] قال ابنُ الأنباريِّ: قيل: معناه: حسَّنَ صوتَه القرآنُ، وقيل: معناه التَّحزينُ، وقيل: تَحسِينُه: ما يَظهَر على صاحبِه من الخُشوع والعمَل به، وقيل: هو من الحُسنِ بالنَّغمة على ظاهِره، وفسَّره في الحديث: «يُريد: يَجهَر به» وقد فسَّرناه في الجيم.
٥٤٦ - (ح س س) قوله: «هل تُحِسُّ فيها من جَدْعاءَ» [خ¦١٣٥٨] أي: تجِد وتَرى، ويجوز: «تَحُسُّ»، يُقال: حَسِسْتُ وأَحْسَسْتُ الشَّيءَ كذا؛ أي: وجَدتُه كذلك، والرُّباعيُّ أكثرُ.
وقوله: «حتَّى ما أُحِسُّ منه قَطْرَةً» [خ¦٢٦٦١] بضمِّ الهمزة؛ أي: أجِد، رباعيٌّ.
وقوله: «أَحُسُّ فرسَه» أي: أحُكُّه وأمسَحه وأُزِيل عنه التُّرابَ، ثلاثيٌّ.
стр. 384
وتقدَّم قولُه: «ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا» [خ¦٥١٤٣]، والله تعالى أعلم.
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ
في خُطبةِ النَّبيِّ ﷺ في العِيد: «فأُتِيَ بكُرسيٍّ حسِبتُ قَوائِمَه حَديداً» كذا هو عند أكثرِ رواة مسلمٍ، بمعنَى: ظنَنت، قال ابنُ ماهانَ: وهذا الذي أعرِف، وروَى ابنُ الحذَّاء عنه: «بكُرسِيٍّ خشَبٍ» بخاءٍ وشينٍ معجمتَين، وصوابُه ما للجماعة، ورواه ابنُ أبي خَيثمةَ عن حُمَيد: «خِلْتُ» بكسرِ الخاءِ المعجمةِ، وآخِرُه تاءٌ باثنتَين فوقَها، بمعنَى: حسِبتُ وظنَنتُ، قال حُمَيد: وأُراه كان من عودٍ أسودَ فظنَّه حديداً، وهذه الرِّواية تَعضُد روايةَ الكافَّة، وقد صحَّف ابنُ قُتيبةَ هذه الرِّوايةَ فقال فيها: «خُلْبٍ» بضمِّ الخاء وآخِره باءٌ بواحدةٍ، وفسَّره باللِّيفِ، وليس بشيءٍ، كأنَّه ذهَب إلى أنَّ متَّكأَه من لِيفٍ نُسِج وضُفِر وقوائمُه حديدٌ.
في حديثِ خُبَيب: «أتَحسَبين أن أَقتلَه» كذا للقابسيِّ، من الظَّنِّ، ولغيرِه: «أَتخشَيْنَ» [خ¦٣٩٨٩] بالخاء والشِّين المعجمتَين، من الخَشيَة والخَوف، وهو الوجهُ.
في حديث هوازِنَ وحُنينٍ: «انطَلقَ أَخِفَّاءُ من النَّاسِ وحُسَّرٌ» كذا لهم عن مسلمٍ، جمعُ: حاسِر، وللهَوزنيِّ: «وحُشر» بضمِّ الحاء وشينٍ معجمة، كأنَّه مَن حُشِرٍ من النَّاس، أو اجتَمع من قِبَل نفسِه، والصَّوابُ الأوَّلُ كما قال البخاريُّ [خ¦٢٩٣٠]: «وحُسَّراً ليس بسلاحٍ».
في حديث حذيفةَ: «خرَجتُ أنا وأَبي حُسَيْلٌ» كذا ضبَطناه عن ابنِ أبي جَعفر، وهو الصَّوابُ، اسمُ اليمان أبي حذيفةَ، بضمِّ الحاء تصغيرُ: حِسْل، وكان عند أبي بحرٍ: «حُسَير» بالرَّاء، وعند الصَّدفيِّ: «حُسَّراً» بتشديدِ السِّين، جمعُ: حاسِر؛ أي: لا سلاحَ معنا، وكلُّه وهمٌ.
قوله: «إذا صلَّى الفجرَ جلَس في مُصلاَّه حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ حَسَناً» [خ¦٦٧٠] أي: طُلوعاً بيِّناً، كذا لكافَّتِهم، وعند ابنِ أبي جَعفر: «حيناً» أي: زمَناً، كأنَّه يريد مدَّةَ جلوسِه، والأوَّلُ أظهَرُ.
وفي حديث صلاةِ العيد: «فقالت امرأةٌ … ثُمَّ قال: لا يَدري حَسَنٌ مَن هي» كذا جاء في البخاريِّ في كتاب التَّفسير [خ¦٩٧٩]، ووقَع عند مسلمٍ في الصَّلاة: «لا يُدرَى حينئذٍ مَن هي» قال شيوخُنا: وهو وهمٌ، والصَّواب ما عند البخاريِّ، و «حسَنٌ» هذا هو الحسَن بنُ مسلم راوي الحديث المذكور فيه قبلُ.
стр. 385
وقوله في الزَّكاة في حديث الأحْنَف وأبي ذرٍّ: «فجاء رجلٌ حسَنُ الشَّعَرِ والثِّيابِ والهَيئةِ» كذا للقابسيِّ بالمهملَتين، من الحُسن، وعليه فسَّره الدَّاوديُّ، ولغيرِ القابسيِّ: «خَشِنُ» [خ¦١٤٠٧] بالمعجمة، من الخُشونة، وهو الصَّحيحُ، وفي كتابِ مسلم: «أَخْشَنُ الثِّيابِ، أَخْشَنُ الجسدِ، أخْشَنُ الوجهِ» إلَّا عند ابن الحذَّاء فعندَه في الآخِر: «حسَن الوجه».
وفي صَدر كتاب مسلم: «وأَحسَّ الحارثُ بالشَّرِّ فذهبَ» كذا رَويناه، وكان عند بعضِ شيوخِنا: «وحسَّ» ووهَّمَه بعضُهم وقال: صوابُه: «أحسَّ» وقد ذكَرنا قبلُ أنَّه يُقال: حسَّ وأحسَّ، بمعنَى: توهَّمتُ أمراً فوجَدتُه كذلك.
وقوله: «وأمَّا الكافرُ فيُطعَمُ بحسَناتِ ما عَمِل» كذا لهم، ولابنِ ماهانَ: «فيُعطَى بحِساب».
قوله في حديث أبي كُريبٍ: «فإذا أَحسَّ أن يُصبِحَ» كذا لأكثرِ الرُّواة، وعند بعضِهم: «فإن خَشِي»، وهما بمعنًى، لكن «خَشِي» هنا أوجهُ، بل وجهُ الكلام ما جاء في الحديث الآخَر: «فإذا خَشِي» [خ¦٤٧٢] ويكون: «أحسَّ» أي: أدرَك قُربَ الصَّباح لا نفسَه وحلولَه.
في التَّفسير: «أحسَنُ الحُسنَى: مثلُها» كذا عند الأَصيليِّ، وهو وهمٌ من الكاتِب، وصوابُه ما للجماعة: «﴿أَحْسَنُواْ﴾ [يونس: ٢٦]» [خ¦٦٥/ ١٠ - ٦٧٨٧]، وإنَّما أراد تفسيرَ الآية.
قوله: «إنَّه لا أَحسنَ ممَّا تقولُ» [خ¦٤٥٦٦] ذكَرناه في حرف اللَّام، وفي تفسير سورة (ص): «القِطُّ هنا: صحيفةُ الحِساب» كذا للكافَّة، ولأبي ذرٍّ لغيرِ أبي الهيثم: «الحَسَناتِ» [خ¦٤٨٠٧].
الحاء مع الشين
٥٤٧ - (ح ش د) قوله: «احشُدوا … فحَشَدوا» أي: اجتَمِعوا فاجتَمَعوا، والحَشدُ: الجمعُ.
٥٤٨ - (ح ش ر) و «الحَشر» مثلُه بالرَّاء مع سَوْقٍ، ومنه: «يومُ الحشر» لجَمْعِه النَّاسَ فيه وسَوْقِهم إليه، وفي الحديث في الأشراط: «نارٌ تخرجُ من قَعْر عدنٍ تَطرُدُ النَّاسَ إلى مَحشَرِهم» يريدُ الشَّام، وقيل: في قوله تعالى: «﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢]» [خ¦٦٤/ ١٤ - ٥٩٥٦] أوَّلُه هو جلاءُ بنِي النَّضير، قال الأزهريُّ: هو أوَّلُ الحشرِ إلى الشَّام، ثمَّ الثَّاني: حَشْرُ النَّاس إليها يومَ القيامة، ومنه قولُه في الحديث الآخَر: «يُحشَر النَّاسُ على ثلاثِ طرائقَ» الحديثَ [خ¦٦٥٢٢]، و «تحشُرُ بقيَّتَهم النَّارُ» [خ¦٦٥٢٢] كلُّه بمعنَى: الجمعِ والسَّوْقِ، وقيل في هذا: إنَّه من الجلاءِ والخروجِ عن الدِّيار، كما قيل في خبَرِ بنِي النَّضير.
وفي الحديثِ: «وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ
стр. 386
النَّاسُ على قَدَمي» [خ¦٣٥٣٢] قيل: معناه على عهدِي وزمنِي؛ أي: ليس بعدي نبيٌّ إلى القِيامةِ والحشرِ، وقيل: يُحشَر النَّاسُ أمامي وقُدَّامي؛ أي: يجتَمعون إليَّ يومَ القيامة، وقيل: بعدي؛ أي: ليس ورائِي إلَّا السَّاعةُ، وقيل: بعدي: «وأنا أوَّلُ من يُبعَثُ يومَ القِيامةِ وتنشقُّ عنه الأرضُ» [خ¦٢٤١٢].
و «حَشَراتُ الأرضِ» بفتحِهما: هوامُّها، وقال السُّلميُّ: حشراتُها: نباتُها، وقال الحربيُّ: ما أُكِل من جَنى الشَّجر، وقال الخَطاَّبيُّ وثابتٌ: صِغارُ حيوانِها ودوابِّها، كالضِّباب واليَرابِيع وشِبْهها، قال الدَّاوديُّ: هو اليابِسُ من نباتِ الأرض.
قوله: و «حَشْرجَة الصَّدر» هو تردُّد النَّفَسِ فيه عندَ الموت.
٥٤٩ - (ح ش ف) وقوله في التَّمر: «الحَشَف» [خ¦٥٤١١] بفتحِ الحاء، هو دَنيئُه وما يَبِس منه قبلَ نُضجِه ممَّا لا طعمَ له، وقوله: «فوجَدتُ إحداهنَّ حَشَفَةً» [خ¦٥٤١١] بفتحِ الشِّين، واحدةُ: الحَشَف، وقيل: معناها صُلْبةٌ، وهذا إنَّما يصِحُّ على تسكينِ الشِّين، والمتَحشِّفُ: المتَيبِّسُ المتَقبِّضُ.
وقوله: «فقَطَع حَشَفتَه» هي رأسُ الذَّكر.
٥٥٠ - (ح ش ش) قوله: «فحَشَّ ولدُها في بطنِها» بفتحِ الحاء؛ أي: جفَّ ويبِس، يُقال: حَشَّ الولدُ وأحشَّتْ أمُّه إذا يبِس في جَوْفِها، وقيل: هلَك، وضبَطه بعضُهم: «حُشَّ»، والفتحُ أصحُّ.
قوله: «فأتيتُه في حَشٍّ» فسَّره في الحديث: «البُستانُ» وهو صحيحٌ، يُقال بفتحِ الحاء وضمِّها، وقد ذُكِر فيه الكسرُ أيضاً، وسُمِّي الخَلاء حَشّاً؛ لأنَّهم كانوا يَقضُون حوائجَهم في البَساتين ومُجتَمع النَّخل، ويستَتِرون بذلك.
وقوله: «يحتَشُّ الرَّجلُ لدابَّتِه» مُشدَّد الشِّين، أي: يَجمَع لها الحشيشَ، وهو العُشب والكلأ اليابِس.
وقوله: «وعنده نارٌ يَحُشُّها» [خ¦٧٠٤٧] أي: يُلْهِبُها، يُقال: حَشَشْت النَّار وأحْشَشْتُها وأحْمَشتُها. ومنه قولُه: «ويلُ أُمِّه مِحَشَّ حَرْبٍ» بكسرِ الميم وفتحِ الحاء؛ أي: مُحرِّكَها ومُلْهِبَها كالمِحَشِّ، وهو العودُ الذي يُحرَّك به النَّارُ لتتَّقد وتَلْتَهب.
وقوله: «تأكلُ من حَشيشِ الأرضِ» [خ¦٣٣١٨] على روايةِ من رواه، وكذلك
стр. 387
قولُه: «لا يُخْتَلى حَشي شُها» [خ¦١٣٤٩]، وهذا يَعضُد تفسيرَ السُّلميِّ أنَّ المرادَ به هنا: النَّبات.
٥٥١ - (ح ش و) قوله: «ما لكِ … حَشْيَا رَابيَةً» بفتحِ الحاء وسكونِ الشِّين مقصورٌ، مثلُ: سَكْرَى؛ أي: أصاب الرَّبوُ -وهو البُهْر- حشاكِ، والحَشا مفتوحٌ مقصورٌ: البُهر نَفسُه، وامرأةٌ حَشْيا وحَشِيَةٌ، ورجلٌ حَشيانُ وحَشٍ، وقد ذكَره بعضُهم في حرف الياء.
٥٥٢ - (ح ش ي) وقوله: «حَواشي أموالِهم» [خ¦٣٧٠٠] صِغارُها وأدانِيها، وهو حَشْوُها أيضاً.
وقوله: «شَمْلةٌ مَنسُوجةٌ فيها حاشِيتُها» [خ¦٦٠٣٦] وحاشِيةُ الثَّوب طرَفُه، وقد تكون الحاشيةُ هنا: العَلَم، أو تكون عبارةً عن جِدَّتها، وأنَّ حاشِيتَها التي سُدِيت به في مِنوالِها لم تُفصَل منها بعدُ لجِدَّتها، وأنَّها لم تُلبَس بعدُ كما قيل: ثوبٌ لم يُقدَّ شِراكُه، أو يكون من المقلوب، كما جاء في الحديثِ الآخَر: «مَنْسوجٌ في حاشِيتِها» [خ¦٢٠٩٣] أي: لها عَلَم، وهي صفةُ البُردَة والشَّملة على ما فسَّرناه في حرفِ الباء.
وقوله: «ولا يَنْحاشُ من مُؤمِنِها» بالنُّون، ويُروَى: «يَتَحاشَى» بالتَّاء وآخِرُه ياءٌ؛ أي: لا يتَنحَّى ولا يتَورَّع ولا يُبالي، يُقال: حشَى لله وحاشَى لله، ومعناه: معاذَ الله، وأصلُه: من حاشَيتُ فلاناً وحشَيتُه؛ أي: نحَّيتُه، قال ابنُ الأنباريِّ: معنَى (حاشَى) في كلام العرب: أَعْزِلُ وأُنَحِّي، قال: ويُقال: حاشَ لفلانٍ، وحاشَى فلاناً، وحشَى فلانٍ.
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ
قوله في حديث جابرٍ الطَّويل حين أمرَه النَّبي ﷺ بقَطعِ الغُصنَين: «فأَخذتُ حَجراً فكسرتُه وحشَرتُه، فانْذلقَ فأَتيتُ الشَّجرتينِ فقَطعتُ من كلِ واحدةٍ غُصْناً» كذا رَويناه من جميعِ طرُق مسلمٍ بشينٍ معجمة، ومعناه: رقَّقتُه حتَّى تَحدَّد، حكاه صاحبُ «الأفعال» و «الجمهرة»، وهو معنى قوله: «فانذَلَق»، وذلَقُ كلِّ شيءٍ حدُّه، وجاء في رواية بعضِهم في بعضِ النُّسخ: بالسِّين المهملة، وعليه شرحَه الهرويُّ والخَطَّابيُّ، وبه روياه وفسَّراه؛ أي: قَشَّرتُه، قال الهرويُّ: يعني غصنَ الشَّجرةِ، وردَّ الضَّميرَ في «كَسرتُه وحَشَرتُه» على الغصنِ، وليس يُعطِي مساقُ الكلام وما بعدَه هذا؛ لقوله: «فانذَلَق»، ولذِكرِه بعد هذا إتيانَه الشَّجرتَين وقَطعَه الغُصنَين منهما، ولكن إن صحَّت هذه الرِّوايةُ فيَرجِع ضميرُ «حشَرتُه» و «كسَرتُه» على الحجر
стр. 388
نفسِه؛ أي: أزَلتُ عنه ما تَشظَّى منه عند كسرِه حتَّى انذَلَق وتَحدَّد، وكذا فسَّره الخَطَّابيُّ.
في كتاب الصَّلاةِ في حديث الهرَّة: «ولا هِيَ تَرَكَتْها تَأْكُلُ من خَشِيش الأَرْضِ -أو- خَشاشِ الأرضِ» [خ¦٣٣١٨] كذا عند الأَصيليِّ والقابسيِّ: بالخاءِ المعجمة فيهما، وعند ابنِ السَّماك عن أبي زيدٍ المَرْوزيِّ فيهما: بالحاءِ المهملة، وكلُّه وهمٌ إلَّا قولَه: «خشاش» بفتحِ الخاء وكسرِها، أو يكون الحرفُ الآخَرُ: «خُشَيْش» بضمِّ الخاء المعجمة، تصغيرُ الأوَّلِ، و «خشاشُ الأرضِ» هوامُّها، وقيل: نباتُها كذلك خَشاشُ الطَّير: صِغارُها، هذا بالفتحِ وحدَه، وسيأتي الحرفُ في الخاء.
الحاء مع الواو
٥٥٣ - (ح و ب) قوله: «تَحوَّبوا» بمعنى: خافوا الحُوب، وهو الإثمُ، ذكرناه قبلُ في الحاء والرَّاء، قال الله تعالى: ﴿حُوباً كَبِيراً﴾ [النِّساء: ٢] هذه لغةُ أهلِ الحجاز، وتميم يقولون: حَوْباً، بالفتح.
٥٥٤ - (ح و ج) قوله: «فإن كانت به حاجةٌ»، و «به حاجةٌ إلى أهلِه» المرادُ هنا: الجِماعُ. وقوله: «أتَى أهلَه فقَضى حاجتَه» [خ¦١٤١] بمعناه.
وقوله: «قامَ من اللَّيلِ فقَضَى حاجتَه، ثمَّ غسَلَ وجهَه ويدَيه ثمَّ نامَ» يعني: الحدَثَ، ومثلُه: «عدلَ إلى الشِّعْب فقضَى حاجتَه» [خ¦١٨١] بمعناه، و «رأيتُه جالِساً على حاجتِه مستقبلَ القبلةِ»، و «إذا قعَدتَ لحاجتِك فلا تَستَقبلِ القِبلةَ» [خ¦١٤٥]، و «خرجَ لحاجتِه فاتَّبعَه بإداوَةٍ … ماءٌ» [خ¦٢٠٣] كلُّه منَ الحدَث.
٥٥٥ - (ح و ر) قوله في تفسيرِ: «﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] بالحَورانيَّةِ: هَلُمَّ» [خ¦٦٥/ ١٢ - ٦٨١٣] بفتحِ الحاء، كذا في جميعِ النُّسخ، وكان عند القابسيِّ فيه تَغييرٌ قَبيحٌ.
قوله: «لكلِّ نبيٍّ حَوارِيٌّ، وحَواريَّ الزُّبيرُ» [خ¦٢٨٤٦] اختَلف ضَبطُ الشُّيوخ في لفظِ هذه الكلمة، وتفسيرُ المفسِّرين في معناها؛ فرواه أكثرُ الشُّيوخ: «وحَواريِّ» بكسرِ الياء، قال الجَيَّانيُّ: وردَّه عليَّ أبو مروان بنُ سراج: «حوارِيَّ» مثل: ﴿مُصْرِخِيَّ﴾ [ابراهيم: ٢٢] بالفتحِ، قال: وهو منسوبٌ إلى حوارٍ مخَفَّف، فأمَّا (حواريُّ) مشدَّدٌ فتقول في إضافتِه: «حواريِّ» بكسرِ الياء، قال القاضي ﵀: وقد قيَّدنا هذا الحرفَ أيضاً عن بعضِ شيوخِنا، و «حواريُّ» بالضَّمِّ في قوله: «الزُّبير حواريٌّ من أمَّتي» مع الضَّبطين المتقدِّمين، ووجهُه إن لم يكن وهماً على غيرِ الإضافة أنَّ الزُّبيرَ من حواريِّ هذه الأمَّة، وأمَّا معناه فقيل:
стр. 389
الحواريُّون: النَّاصِرون، وقيل: الخلصانون، وحواريُّ الرَّجل: خُلصاؤُه، وقيل: المجاهدون، وقيل: أصحابُ الأنبياء، وقيل: الذين يَصلُحون للخِلافة، حكاه الحربيُّ عن قتادةَ، وقيل: الأَخلَّاءُ، قاله السُّلميُّ، وقيل أيضاً في أصحابِ عيسى ﵇: هم القَصَّارون؛ لأنَّهم يُبيِّضون الثِّيابَ، والحوَرُ البياضُ، وكانوا أوَّلاً قَصَّارين، وقيل: الصيَّادون، و قيل أيضاً: الحواريُّون الملوكُ، فيَصِحُّ في الزُّبير بصُحبةِ النَّبيِّ ﷺ واختِصاصه به ونُصرتِه إيَّاه، وقيل: المفضَّلُ عندي كفَضلِ الحُوَّارَى في الطَّعام، وكان ابنُ عمر يذهَب إلى أنَّه اسمٌ مُختصٌّ بالزُّبير دون غيرِه؛ لتخصِيصه ﵇ له به.
وقوله: «أعوذُ بكَ من الحَوْرِ بعد الكَورِ» بفتحِ الحاء والكاف، براءٍ آخِرَهما، كذا رواه العُذريُّ وابنُ الحذَّاء، ويُروَى: «الكَونِ» بالنُّون في الحرفِ الآخِر، وهي روايةُ الباقين، وسيأتي ذِكْرُه في الكاف، قيل: معناه على الرِّواية الأولى: نعوذُ بك من النُّقصان بعدَ الزِّيادة، وقيل: بعد الجماعة، و «الحَوْرُ» الجماعةُ، وقيل: من القِلَّة بعد الكَثرة، وقيل: نعوذُ بك من النُّقصان والفساد بعد الصَّلاح والاجتِماع، كنَقْضِ العِمامة بعد قَوامِها، يُقال: كارَ عِمامتَه إذا لفَّها، وحارَها إذا نَقَضها، ويُقال: حَارَ إذا رجَع؛ أي: كان على أمرٍ جميلٍ فزالَ عنه، ووهَّم بعضُهم روايةَ «الكون» بالنُّون، وقيل: معناها: رجَع إلى الفسادِ والنَّقصِ بعد أن كان على حالةٍ جميلةٍ.
وقوله: «من دعا رجلاً بالكفرِ … وليس كذلكَ إلَّا حَارَ عليه» أي: رجَع عليه قولُه؛ أي: إِثْمُ ذلك.
وقوله: «حتَّى يَرجِعَ إليكما ابناكما بحَوْرِ ما بعَثتُما» بفتحِ الحاء أيضاً؛ أي: بجواب ذلك، يُقال: كلَّمتُه فما ردَّ حَوْراً ولا حَوِيراً؛ أي: جواباً، وقيل: «بحَوْرِ ما بعَثتُما» أي: بالخيبةِ والإخفاقِ.
٥٥٦ - (ح و ز) قوله: «لو كنتِ … حُزْتِيه» اتَّفقَت روايةُ أصحابِ «الموطأ» على هذا، ووجهُ الكلام «حُزتِه»؛ إذ لا تَجتَمعُ علامتان للتَّأنيث، لكنَّها لغةٌ لبعضِ العرب في خطابِ المؤنَّث، ويُلحِقون في خِطابِ المذكَّر بالكاف ألفاً فيقولون: أعطيتكاه، ومثلُه في الحديث قولُه: «عَصَرْتيها … ! لو كنتِ تَرَكْتيها» وغيرُ ذلك، وقد أنكَرها أبو حاتم.
стр. 390
٥٥٧ - (ح و ل) قوله: «لا مَحالَةَ» [خ¦٢٦٦٢] و «لا حَولَ ولا قُوةَ» [خ¦٦١٣] أي: لا حركةَ ولا استِطاعةَ، والحولُ: الحركةُ، وفي الحديثِ الآخَر: «بكَ أَحُولُ وبكَ أصولُ» قال الأزهريُّ: بك أتحرَّك وبك أحمِلُ على العدُوِّ، وقال ابنُ الأنباريِّ: الحولُ والمَحالةُ: الحِيلةُ، يُقال: ما له حولٌ ولا حِيلةٌ، ولا مَحالةٌ ولا احتِيالٌ، ولا مُحتالٌ، ولا مِحْلةٌ، ولا مَحِيلةٌ ولا محالٌ بمعنًى واحدٍ، قيل: لا حولَ عن معصيةِ الله إلَّا بعِصمتِه، ولا قوَّةَ على طاعتِه إلَّا بعونِه، وكان الحَولُ عند هذا بمعنَى الانصِراف عن الشَّيء.
ومنه قولُه في الشَّيطان: «إذا سمِعَ النِّداءَ أَحالَ وله ضُراطٌ» أي: أدبَر هارباً، كما قال في الحديث الآخَر، وكقوله في أهلِ خيبَر: «وأَحالوا إلى الحِصنِ» [خ¦٣٦٤٧] أي: أقبَلوا إليه هاربين، قال أبو عُبَيد: أحال الرَّجلُ إلى مكان: تحوَّلَ إليه، ورواه بعضُهم عن أبي ذرٍّ: «أجالوا» بالجيم وليس بشيءٍ إلَّا أن يكون من قولهم: أجالَ بالشَّيء وجالَ به؛ أي: أطاف، وهو هنا بعيدٌ، وقال يعقوب: أحالَ على الشَّيء: أقبَل عليه، وقال غيرُه: معناه: أقبَل هارِباً إليه، وقال أبو عُبَيد وابنُ الأعرابيِّ: أحالَ الرَّجلُ: تحوَّل من شيءٍ إلى شيءٍ، قال الخَطَّابيُّ: حُلْتُ عن المكان تحوَّلتُ عنه، وكذلك أحَلْتُ عنه.
وفي الحديث: «فاسْتَحالَتْ غَرْباً» [خ¦٣٦٦٤] أي: رجَعت وصارت دلواً عظيمةً، وتحوَّلت عن حالها من الصِّغَر إلى الكِبر.
وفي الحديث الآخَر عن قريشٍ: «فجَعلوا يَضحكُون ويُحِيلُ بعضُهم على بعضٍ» [خ¦٢٤٠] بضمِّ الياء وكسرِ الحاء، من أحالَ؛ أي: يُميلُ بعضُهم على بعضٍ ويُقبِل عليه من كثرةِ الضَّحِك، وكذا جاء في كتاب مسلم: «يُمِيلُ بعضُهم على بعض» مُفسَّراً، والحَوالةُ [خ¦٢٢٨٧] معلومةٌ، بفتحِ الحاء: مِن إِحالةِ مَن له عليك دَينٌ بمثلِه على غريمٍ لك آخَرَ، وهي رُخصةٌ مُستَثناةٌ من الدَّين بالدَّين.
وقوله: «اللَّهُمَّ؛ حَوَالَينا ولا علينا» [خ¦٩٣٣] أي: اللَّهم؛ اجعَله في مواضِع النَّبات من أراضي الزِّراعةِ والخِصْب، لا علينا في الأبنِية والمساكن، يُقال: همَّ حولَه وحولَيْه وحوالَيْه وحوالَه.
٥٥٨ - (ح و ض) قوله: «كحِياضِ الإبل» [خ¦٦٠/ ٤٠ - ٥٢٥٣] هي جمعُ حَوضٍ، وهي حُفرٌ تستَقرُّ فيها المياهُ أو تُجمَعُ تَشْرَب فيها الإبلُ، قال أبو عُبَيد: الحوضُ المَرْكوُّ الكبير، والجُرموزُ الصَّغِير، والمَدِيٌّ: الذي ليسَت له نصائبُ، والنَّضِيحُ: الحَوضُ.
وقوله: «مِنْبَري على حَوضِي» [خ¦١١٩٦] قيل: معناه أنَّ له هناك مِنبراً على
следующие страницы →