Полный текст (1 471 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
وحاجتِهم، كقوله: «وابدأ بمن تَعُولُ» [خ¦١٤٢٦]، وقولُه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، قيل: الفضلُ عن أهلِكَ، وقيل في قوله: «ما أبقَت غِنىً» تأويلٌ آخرَ؛ أي: ما أغنى المسكينَ عن المسألةِ وجَبَرَ حالَه.
ومنه قوله: «ورجلٌ ربطَها تَغنِّياً وتَعَفُّفاً» [خ¦٢٣٧١] أي: ليكتسبَ بها ويستغنِي عن النَّاسِ وسؤالهم والحاجةِ إليهم.
وقوله: «لا تَحِلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ» هو من هذا، وعن أبي الدَّرداءِ: هي صحَّةُ الجسدِ.
وأمَّا الغِناءُ من الصُّوتِ فممدودٌ، وفي الحديثِ: «لَيسَ منَّا من لم يتغنَّ بالقرآنِ» [خ¦٧٥٢٧] قال سفيانُ: معناه يستغنِ به، يُقال: تغانَيتُ وتغنَّيتُ بمعنى: استغنيتُ.
وفي الحديثِ: «ما أذِنَ الله لشيءٍ أَذنَه لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآنِ، يريدُ يَجهرُ بِه» [خ¦٥٠٢٣] فسَّره في الحديثِ أنَّه من الجهرِ وتحسينِ الصَّوتِ، كما قال في الحديثِ الآخرِ: «زيِّنُوا القُرآن بأَصواتِكم» [خ¦٩٧/ ٥٢ - ١١١١٥] وقيل: هذا المعنى في الحديثِ الأوَّلِ، وكلُّ رفعِ صوتٍ عندَ العربِ غِناءٌ، وقيل: معناه تحزينُ القراءةِ وترجيعِها، وقيل: معنى يتغنَّى به؛ أي: يجعلُه هِجِّيراه، وتسليةَ نفسِه، وذِكْرَ لسانِه في كلِّ حالاتِه، كما كانتِ العربُ تفعلُ ذلك بالشِّعرِ والحُداءِ والرَّجَز في تصرُّفاتِها وأسفارِها واستقائِها وحروبِها وأنديتِها.
وقول عثمانَ لعمَّارَ حينَ أتاه من عندِ عليٍّ ﵃ بكتابِ رسولِ الله ﷺ : «أغنِها عنَّا» [خ¦٣١١١] بقطعِ الألفِ؛ أي: اصرِفها وسِرْ بها عنَّا، وقيل: كُفَّها عنِّي، يقال: أَغنِ عنِّي شَرَّكَ؛ أي: كفَّه، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وفي قوله تعالى: ﴿لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم﴾ [آل عمران: ١٠] ومثله: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ [الجاثية: ١٩] أي: يَمنَعُ ويكفُّ.
قوله: «جَاريتان تُغنِّيان بما تَقَاوَلت به الأنصار … قال: وليسَتا بمُغنِّيتَين» [خ¦٩٥٢] الغِناءُ الأوَّلُ من الإنشادِ، والثَّاني من الصَّفةِ اللَّازمةِ؛ أي: ليستا ممَّن اتصفَ بهذا، واتخذَه صناعةً إلَّا كما يُنشِد الجوارِي وغيرُهنَّ من الرِّجالِ في خلواتِهم، ويترنَّمونَ به من الأشعارِ في شؤونِهم، ويَحتمل أن يكونَ: «ليسَتا بمغنِّيتَين» الغناءَ المصنوعَ العجميَّ الخارجَ عن إنشاداتِ العربِ.
فصلُ الاخْتِلافِ والوَهمِ
قوله في حديثِ ابنِ مسعودٍ: «وأنَا لا أُغني شيئاً لو كانت لي مَنَعةٌ» كذا للحَمُّوْييِّ والنَّسفيِّ، وعندَ غيرِهما: «لا أغيِّر» [خ¦٢٤٠] بالياءِ والرَّاءِ، والأوَّلُ أوجَهُ، وإن كان معناهُما يصحُّ؛ أي: لو كانَ معي من يَمنعُني لأغنيتُ
стр. 982
وكففتُ شرَّهم، أو غيَّرتُ فعلَهم.
الغينُ معَ الصَّادِ
١٧٦٢ - (غ ص ص) قوله: «والبيتُ غاصٌّ بأهلِه» [خ¦٥١٦٣] يقال: غصَّ الموضعُ بالنَّاسِ؛ إذا امتلأَ بهم، ومنه: «الغُصَّةُ» وهي شَرَقٌ يملأُ مجرَى النَّفَسِ ويضيِّقُه.
الغينُ معَ الضَّادِ
١٧٦٣ - (غ ض ب) قوله: «إنَّ رَحمتي سبقَت غضبِي» [خ¦٧٤٢٢] الغضبُ في غيرِ حقِّ الله: حِدَّةُ حفيظةٍ وهيجانُ حميَّةٍ، وهي في حقِّ الله تعالى: إرادةُ عقابُ العاصِي وإظهارُ عقابِه وفعلِه ذلك به، وسيأتي بيانُه في رسمٍ سبقَ في حرفِ السِّينِ.
١٧٦٤ - (غ ض ض)
قوله: «لو أنَّ النَّاس غَضُّوا مِنَ الثُلُثِ إلى الرُّبُعِ» بفتحِ الغينِ وتشديدِ الضَّادِ؛ أي: نقصُوا، والغَضاضَةُ النُّقصانُ، وقال الطَّبريُّ: معناه رجعُوا، قال: وأصلُ الغَضِّ: الكفُّ والرَّدُّ.
وقوله: «فإنَّه أغَضُّ للْبَصَرِ» [خ¦١٩٠٥]، و «غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ»: هو كفُّها عن النَّظرِ وحبسُها عنه.
الغينُ معَ الفاءِ
١٧٦٥ - (غ ف ر) تكررَ في الحديثِ: «الغُفرَانُ»، و «المَغفِرةُ» [خ¦٨٣٤] وأصلُه: السَّترُ والتَّغطيةُ؛ أي: استُر ذنوبَنا برحمتِك وعفوكَ، ونستغفرُك؛ نطلبُ ذلك منكَ.
وقوله: «غفرانَك» مصدرٌ منصوبٌ على المفعولِ؛ أي: هبنا ذلك وأعطناهُ.
و «المِغفَر» [خ¦١٨٤٦] بكسرِ الميم ما يُجعَل من الزَّرَدِ على الرَّأسِ مثلُ القَلنسوةِ والخِمارِ.
قوله: «أكلتَ مَغَافِير؟» [خ¦٤٩١٢] تقدَّم في حرفِ الميم، وإن كانَت زائدةً.
١٧٦٦ - (غ ف ل) قوله: «أغْفَلْنا رسولَ الله ﷺ يَمِينَه» أي: استغفلناهُ وطلبنَا غفلتَه عنها ونسيانَه إيَّاها، أو صيَّرناهُ غافلاً عنها بسببِنا، قال الله تعالى: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨] أي: صيَّرناه غافلاً.
وقوله: «من لُحُوم الغَوافِل» [خ¦٤١٤٦] أي: الغوافلِ عنِ الفاحشةِ المبرَّآتِ منها.
١٧٦٧ - (غ ف ي) قوله: «فَأغْفى إغفَاءَةً» بالمدِّ أي: نامَ نومةً خفيفةً، يقال: أغفَى الرَّجلُ؛ إذا نامَ، وقلَّ ما يُقال: غَفَى، وذكرَ الحديث: «فَغَفَوت غَفوةً» وقال صاحبُ «العينِ»: أغفَى الرَّجلُ يُغفِي وغَفَى يَغفِي غَفيةً، وذكرَه في حرفِ الياءِ، وأنكرَ صاحبُ «الجمهرةِ» قولَهم: غفوتُ في النَّوم، قال: وهو خطأ، وإنَّما هو أغْفَيتُ.
стр. 983
فصلُ الاخْتِلافِ والوَهمِ
في حديثِ عبد الله بن عَمرِو بنِ العاصِ من روايةِ محمَّدِ بنِ رافعٍ: «فلا تَغفَل فإنَّ لعَينِكَ عَليك حقاً» كذا سمعناه من الصَّدفيِّ عن العُذريِّ: بالغينِ المُعجمةِ أوَّلاً وفاءٍ بعدَها، وروايةُ الكافَّة: «فلا تفعَلْ» [خ¦١٩٧٥] بتقديم الفاءِ والعينِ المهملةِ، وهو الصَّوابُ، لموافقتِه سائرَ الأحاديثِ، ولصحَّةِ المعنَى.
وفي بعضِ رواياتِ البُخاريِّ: «فاغْفرِ الأنصَار والمُهاجِرَة» والمشهورُ في غيرِها: «فاغْفِر للأنصارِ» [خ¦٤٢٨] أو: «فارحَمِ الأنصَار» [خ¦٣٩٠٦] و «فأَصلِح الأنصَار» [خ¦٣٧٩٥] وأكثرُ ما تُستعمَل المغفرةُ مع حرفِ الجرِّ والصِّفةِ، لكن وجهُ هذا؛ أي: استُر الأنصارَ برحمتِك ومغفرتِك، وأصلُ المغفرةِ -كما ذكرنا- السِّترُ.
وفي لُبثِ النَّبيِّ ﷺ بمكَّةَ وأنَّ ابنَ عبَّاسٍ قَال: «ثلاثَ عَشَرة سنَةً فَغَفَّره» كذا للسَّمرقنديِّ والسِّجزيِّ؛ معناهُ؛ قال: غفرَ الله له، ولابنِ ماهانَ: «فصغَّره» أي: وصفَه بالصِّغَرِ وعدمِ الضَّبطِ إذ ذاك.
في شروطِ السَّاعةِ في كتابِ مسلمٍ: «فَجَاء رجلٌ فَقال: استَغفِر لمُضَرَ؛ فإنَّهم قَد هَلَكوا، فقال ﵇: لمضَر؟! إنَّك لَجريءٌ» كذا في جميعِ نسخِ مسلمٍ، وعندَ البُخاريِّ: «استَسقِ لمُضرَ» [خ¦٤٨٢١] قال بعضُم: هو الصَّوابُ والأليقُ، قال القاضي ﵀: الأليقُ عندِي ما في كتابِ مسلمٍ؛ لإنكارِ النَّبيِّ ﷺ ذلكَ على السَّائلِ لكفرِهم، ولو كانَ سألَه الاستسقاءَ لهم لما أنكرَه؛ لأنَّه ﵇ قد فعلَه ودعا لهم.
الغينُ معَ السِّينِ
١٧٦٨ - (غ س ل) قوله: «غَسَّلنا صَاحِبَنا» بتشديدِ السِّينِ؛ أي: أعطيناه ما يغتَسلُ به، وذُكِر: «الغسلُ من الجنابةِ» [خ¦٢٥٦] وغيرِها، قالوا: هو بالفتحِ اسمُ الفعلِ، وبالضَّمِّ اسمُ الماءِ، وهو قولُ أبي زيدٍ، وقد قيل فيهما جميعاً اسمُ الفعلِ، وهو قولُ الأصمعيِّ.
وقوله: «اغْسِلْنِي … بالماء والثَّلجِ» [خ¦٧٤٤] أي: طهِّرْني من الذُّنوبِ كما يُطهَّر ما غُسِل بالماءِ والثَّلجِ والبردِ، وكررَ هذا على المُبالغةِ في التَّطهيرِ بالغفرانِ والرَّحمةِ.
وقوله: «وأنزلتُ عليكَ كتاباً لا يَغسِلُهُ الماءُ» قيل: معناه لا يفنَى ولا يَدرُسُ، وقيل: لا يُنسَى حفظُه من الصُّدورِ، ولو مُحيَ كتابُه وغُسِل بالماءِ.
١٧٦٩ - (غ س ق) قوله: «غَسَقُ اللَّيلِ، اجتماعُ اللَّيلِ وظُلمَتُه» قال الفرَّاءُ: غَسَقَ اللَّيلُ وأغسَقَ، وظَلَم وأَظلَم، وغَبَس وأَغبَس، وغَبَش وأَغبَش، ودَجَا وأَدْجَى بمعنًى، ورويَ عن مجاهدٍ:
стр. 984
«غَسَقُ اللَّيل مغيبُ الشَّمسِ».
وقولُ البخاريِّ في تفسيرِ قوله: «﴿حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥] فأغسَقَت عَينُه وغَسقَ الجُرحُ، كأنَّ الغَسَّاقَ والغَسْقَ واحدٌ» [خ¦٥٩/ ١٠ - ٥٠٤٨] ولم يزِد، ومعناه: انغسقَت عينُه؛ إذا سالَت، وقيل: إذا دَمَعت، وغَسَقَ الجرحُ؛ إذا سالَ منه ماءٌ أصفرَ، يريدُ أنَّهم يُسقَون ذلك، قال السُّدِّيُّ: هو ما يَغسِقُ من دموعِهم يُسقَونَه مع الحميم.
وقال أبو عبيدٍ: هو ما سالَ من جلودِ أهلِ النَّارِ، قال غيرُه: من الصَّديدِ، وقيل: الغَسَّاقُ الباردُ الذي يَحرقُ بَبَردِه، وقُرئَ بالتَّخفيفِ في السِّينِ والتَّشديدِ، قال الهرويُّ: فمن خَفَّفَّ أرادَ البَاردَ الذي يَحرق.
وقوله: «يغسِلُ رأسَه بالغَسولِ» بفتحِ الغينِ، كذا رويناه اسماً لما يُغسَل به كالسَّحورِ والفَطورِ والوَجورِ؛ لما يُفعَل به ذلك؛ وهو كالأشنانِ ونحوِه.
١٧٧٠ - (غ ش ش) قوله في حديثِ أمِّ زرعٍ: «ولا تملأ بيتَنا ت غشِي شاً» تقدَّم ذكرُ الخلافِ في روايتِه ومعناه في حرفِ العينِ.
وذُكِرَ: «الغشُّ» [خ¦٣٦٩٦]؛ وهي الخديعةُ وضدُّ النُّصحِ، و «مَنْ غَشَّنَا» أي: خدَعنا وأظهرَ خلافَ باطنِ أمرِه في البيعِ وغيرِه، وقوله: «لَيْسَ مِنَّا» قيل: أي: ليسَ الغشُّ من أخلاقِنا، وقيل: ليسَ فاعلُ ذلك مُهتدِياً بهديِنا، ولا مستنّاً بسنَّتِنا، لا أنَّه أخرجَه عن اسم الإِيمانِ.
١٧٧١ - (غ ش ي) قوله: «غِشيَانُ الرَّجُلِ أهلَه» بكسرِ الغينِ؛ كنايةٌ عن الجماعِ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ﴾ [الأعراف: ١٨٩] الآية، ولعلَّه من التَّغطيةِ، قال الله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] أي: يغطِّيه بظلامِه، يقال منه: غَشِيْتُ امرأتي وتغشَّيْتُها، قيل: هو من المباشرةِ.
وقوله: «فلمَّا غَشِيَتِ المَجلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَةِ» [خ¦٤٥٦٦] أي: تجلَّلته وغطَّته، ومنه: «غَشِيَتهُم الرَّحمَةُ»، ومنه: «فغَشِيَها أَلوَانٌ» [خ¦٣٣٤٢] في سُدرةِ المنتَهى، وقد يكونُ هنا من الغِشْيانِ الذي هو القَصدُ والمباشرةُ.
وقوله: «حتَّى تُغَشِّي أنَامِلَهُ» [خ¦٥٧٩٧] في بعضِ رواياتِ حديثِ مَثلِ المتصدِّقِ والبَخيلِ؛ أي: تغطِّيها وتستُرُها.
وقوله: «وهو مُتَغَشٍٍّ بِثَوبِه» [خ¦٩٨٧] أي: مستترٍ به، وكلُّ ما سُتِر به شيءٌ؛ فهو غِشاءٌ له.
وقوله: «بل فاغْشَنَا بِهِ» [خ¦٤٥٦٦] أي: اقصدنا وباشِرنا، ومنه قولُه: «فلا يَغْشَنا في مَسجِدِنا» [خ¦٥٦٤].
стр. 985
وقوله: «وإن غَشِيْنا من ذلك شَيئاً» [خ¦٣٨٩٣] أي: ألممْنَا به وباشَرناه، وغاشيةُ الرَّجلِ الذينَ يلوذونَ به ويتكرَّرونَ عليه.
وقوله: «ولم يَغشَهُنَّ اللَّحمُ» [خ¦٢٦٦١] أي: لم يباشرْهنَّ ويكثرْ بِهنَّ.
و «ما لم تُغشَ الكَبائرُ» أي: تُؤْتَ وتُباشَر.
فصلُ الاخْتِلافِ والوَهم
قوله في حديثِ الكسوفِ: «وقد تجلَّاني الغَشِيُّ» كذا ضبطناه عن أكثرِهم في الأمَّهاتِ: بفتحِ الغينِ وكسرِ الشِّينِ وتشديدِ الياءِ، وكذا قيَّدَه الأَصيليُّ، ورواه بعضُهم: «الغَشْيُ» [خ¦٨٦] بسكونِ الشِّينِ وتخفيفِ الياءِ، وهما بمعنًى؛ يريدُ الغَشاوةَ، يقال بالفتحِ والكسرِ، وحكَى بعضُهم: «على بصرِه وقلبه غُشاوة» بالضَّمِّ، قالَ ابنُ الأعرابيِّ: ويقال: غَشْوةٌ وغِشْوةٌ وغُشْوةٌ، وأصلُه من الغِطاءِ، وكلُّ شيءٍ غطَّى شيئاً فقد غَشِيَه؛ وهو غشاءٌ له، ورويناه عن الفقيهِ أبي محمَّدٍ عن الطَّبريِّ: «العَشِيُّ» وليسَ بشيءٍ.
وقوله في حديثِ سَعدٍ: «فوجدَه في غشِيِّه» بكسرِ الشِّينِ وشدِّ الياءِ، كذا لرواةِ مسلمٍ، وعندَ البخاريِّ: «في غَاشِيةٍ» [خ¦١٣٠٤] قيل: معناهُ من يَغشاهُ من أهلِه وبطانتِه، ويدلُّ على صحَّةِ هذا التَّأويلِ قوله في الحديثِ بعدَ هذا: «فتفرَّق قومُه عَنه»، وقيل: معناه: الغِشاوةُ.
وقد رواه لنا الخُشنيُّ: «في غَشْيَةٍ» بسكونِ الشِّينِ وتنوينِ التَّاءِ آخرَه، وقال لنا أبو الحسينِ: لا فرقَ بين غَشِيِّه وغَشْيَةٍ، وقال الخطَّابيُّ: وقوله: «في غاشِيَةِ» يَحتمِلُ من يَغشاهُ مِنَ النَّاسِ، أو ما يَغشاهُ من الكَربِ.
وتقدَّمَ في حرفِ العينِ قوله في سِدرَةِ المنتهى: «وغَشِيَها ألوانٌ» والخلافُ فيه والوهمُ.
الغينُ معَ الواوِ
١٧٧٢ - (غ و ث) قوله في حديثِ هاجرَ: «هل عِنَدكِ غَوَاثٍ» بالفتحِ للأَصيليِّ، وعندَ أبي ذرٍّ والقابسيِّ: «غُواثٌ» بالضَّمِّ وكلاهُما صحيحٌ، وعندَ بعضِهم: «غِوَاثٌ» [خ¦٣٣٦٤] بالكسرِ، وهو صحيحٌ أيضاً، قال ابنُ قتيبةَ: يُفتَح ويُضَمُّ، قال الفرَّاءُ: يقال: أجابَ الله غُواثه وغَواثه، ولم يأتِ في الأصواتِ إلَّا الضَّمُّ، إلَّا غِواثاً، وقد جاءَ مكسوراً نحو النِّداءِ والغِناءِ.
стр. 986
وقوله: «فادعُ الله يُغِيثُنا» [خ¦١٠١٣] بضمِّ الثَّاءِ، كذا لابنِ الحذَّاءِ، ولرواةِ البُخاريِّ في كتابِ الاستسقاءِ؛ «أي: ادعُه بأن يَغيثَنا»، وجوابُ الأمرِ محذوفٌ يدلُّ عليه الكلامُ؛ أي: يجبكَ أو يُحيِي النَّاسَ ونحوَه، كقوله في الرِّواية الأخرَى: «ادعُ الله أن يَسقِينَا» [خ¦٩٣٢] وعندَ أكثرِهم: «يُغِثْنا» على الجوابِ، ومنهم من ضمَّ الياءَ من الإغاثةِ ومنهم من فتحَها من الغَيثِ والغَوثِ معاً، وكذلك يجوزُ في اللَّفظِ الأوَّلِ.
وقوله: «اللَّهمُّ أغِثنَا» [خ¦١٠١٤] كذا الرِّوايةُ، وهي من الإغاثةِ والغَوثِ، وهي الإجابةُ لا من الغَيثِ؛ أي: تدارَكْنا من عندِك بغَوثٍ، يقال من ذلك: غَاثَه الله، وأَغَاثَه والرُّباعيُّ اللُّغةُ العاليةُ، وقال ابنُ دريدٍ: الأصلُ غَاثه يَغُوثُه غَوثاً فأُمِيتَ واستُعمِل أغَاثَه يُغيثُه إِغاثَةً، ومن فتحَ الياءَ فمنَ الغَيْثِ، يقال: غِيثَتِ الأرضُ وغاثَها الله بالمطرِ، ولا يُقال مِنه: أَغاثَ.
ويحتمل أن يكون: «اللَّهمَّ أغِثنا» أي: أعطِنا غَيثاً كما قيل في (أسقَينا)؛ أي: جَعلنا لهم سُقيا، وسَقَينا: ناولناهُم ذلك، وقيل: هما لُغتانِ، وفي «البارعِ»: قال أبو زيدٍ: «اللَّهمُّ أغِثنَا» أي: تدارَكنا من قِبَلِك بِغِيَاثٍ.
١٧٧٣ - (غ و ر) قوله: «غَائِرُ العَينَين» [خ¦٣٣٤٤] أي: غيرُ جاحظتَينِ بل داخلتانِ في نُقرتِهما، والعربُ تُسمِّي العظمَينِ اللذين فيهما المُقلتانِ: الغارَينِ.
وقوله: «أغَارَ على بَنِي فُلان» [خ¦٢٥٤١]، و «أشرِق ثَبِيرُ كَيمَا نُغِير» أصلُ الإغارةِ الدَّفعُ على القومِ لاستلابِ أموالِهم ونفوسِهم، وقول عمرَ: «عَسَى الغُويَرُ أبْؤُسَاً» [خ¦٥٢/ ١٦ - ٤١٦١] للذي أتاه بمنبوذٍ، مَثَلٌ ضربَه؛ لأنَّه اتَّهمَه أن يكونَ صاحبَه، فضربَ له هذا المثلَ؛ أي: عسَى أن يكونَ باطنُ أمركَ رديّاً، وللمثلِ قصَّةٌ مع الزَّبَّاءِ وقصيرٍ مذكورةٌ.
والغُويرُ: ماءٌ لكلبٍ سَلَكَه قصيرٌ، وقيل: بل هو في غيرِ هذه القِصَّةِ، وإنَّه تصغيرُ غارٍ، كان فيه ناسٌ فانهارَ عليهم، أو أتاهُم فيه عدوٌّ قتلَهم، فصارَ مثلاً لكلِّ ما يُخاف أن يأتي منه شرٌّ، وقيل: الغُويرُ: طريقُ قومٍ من العربِ يُغيرون منه، فكان غيرُهم يتواصَون بحراستِه لئلَّا يأتيهم منه بأسٌ، وقيل: هو نفقٌ في حِصن الزَّبَّاءِ، وقال الحربيُّ: معنى الغويرُ هنا: الفَرْجُ؛ وهو الغَارُ مُصغَّراً، أرادَ عساكَ أصبتَ بفَرجِك بأساً وأنت صاحِبُه، فهو من سَبَبِ غُويرِكَ، وهُو فَرْجُك، وقد تَقَدَّم في الباءِ وجهُ نصبِ أبؤساً في العربيَّةِ.
١٧٧٤ - (غ و ط) قوله: «أنَا في غَائِط
стр. 987
مَضَبَّةٍ» الغائطُ: المُنخفِضُ من الأرضِ، وبه سمِّيَ الحَدثُ؛ لأنَّهم كانوا يقصدونَه لذلك يستترونَ فيه، والمضَبَّةُ: ذاتُ الضِّبابِ الكَثيرةِ، وقد ذكرناه والخلافَ فيه والوَهمَ في حرفِ الحاءِ، وفي حَرفِ الضَّادِ.
١٧٧٥ - (غ و ل) قوله: «ولا غُول» بضمِّ الغينِ، جاءَ في الحديثِ تفسيرُها: «الغُولُ التي تَغَوَّلُ» بفتحِ التَّاءِ والغينِ؛ يريدُ: تتلوَّنُ في صورةٍ مثل الغِيلانِ؛ سَحَرةِ الجنِّ، وكانت العربُ تقول: إنَّ الغيلانَ تتراءَى للنَّاسِ فتتغوَّلُ تغوُّلاً؛ أي: تتلوَّنُ لهم، وتُضِلُّهم عن الطَّريقِ وتهلكُهم، فأبطلَ النَّبيُّ ﷺ هذا الشَّأنَ.
١٧٧٦ - (غ و غ أ) قوله: «غَوْغَاءُ الجَرَادِ» [خ¦٦٥/ ١٠١ - ٧٣٤٦] ممدودٌ، قيل: هو الجرادُ نفسُه، وقيل: هو صغارُها، وإضافتُه إلى الجرادِ يُصحِّحُ هذا؛ وهو إذا ظهرَت أجنحتُه واستقلَّ وماجَ بعضُه في بعضٍ، يُشبَّه به سَفلَةُ النَّاسِ، وقال أبو عبيدةَ: هو شيءٌ يشبِه البعوضَ إلَّا أنَّه لا يعضُّ.
١٧٧٧ - (غ و ي) قوله: «غَوَت أمَّتُك» [خ¦٣٣٩٤]، و «من يَعصِهِما فَقَد غَوَى»، و «أغويتَ النَّاسَ» كلُّه من الغيِّ؛ وهو الانهماكُ في الشَّرِّ، يقال منه: غَوى يغوِي غَيّاً وغَوَايةً، وأمَّا قوله تعالى في آدمَ: ﴿فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] فمعناه: جَهِلَ، وقيل: أخطَأ، وقد قال في الآيةِ الأخرَى: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥].
فَصلُ الاختِلافِ والوَهم
قوله: «بينا النَّبيُّ ﷺ في غارٍ فَنُكِبَت إِصبَعُهُ، فقال: هَل أنتِ إلَّا إصبَعٌ دَمِيتِ!» قال الكسائيُّ: لعلَّه في غزوٍ؛ بدليلِ الرِّوايةِ الأخرَى: «في بَعضِ المَشاهِد» [خ¦٢٨٠٢] قال القاضي ﵀: لا يبعُد أن يتَّفقَ له نزوله في غارٍ، في بعضِ منازِله، في مشاهدِه فلا يكون بينَهما تنافرٌ، أو يكونَ الغارُ هنا: الجيشُ نفسُه، ومنه الحديثِ الآخرِ: «ما ظَنُّك بامرِئٍ جَمَع بَين هَذَين الغَارَين» أي: الجيشَينِ، والغَارُ: الجَمعُ الكثيرُ، قال المؤلِّف: لعلَّه في مغارٍ فخفيتِ الميم.
وقولُه في الجهادِ: «استَقبَل سَفَراً بَعِيداً ومَغَاراً» كذا لابنِ السَّكنِ: بالغينِ المعجمةِ والرَّاءِ، وللأَصيليِّ والقابسيِّ والنَّسفيِّ وأبي الهيثم: «مَغازاً» بالزَّايِ، وللحمُّوْييِّ والمستمليْ وأبي نُعيمٍ: «مَفَازَاً» [خ¦٢٩٤٨] وهذا هو الصَّحيحُ، وكذلك عندَ مسلمٍ بغيرِ خلافٍ، وعندَه للسِّجزي: «مفاوزَ» وهو ممَّا يُصحِّح ما قلناه،
стр. 988
ولا وجهَ للقولَين الأوَّلَينِ.
وفي تفسيرِ النَّمِيمَة، فقال: «الغَالَة بَين النَّاسِ» كذا: بالغينِ في بعضِ النُّسخِ، ولكافَّةِ شيوخِنا: «القَالَة» بالقافِ؛ أي: القولِ، وهو أشبَه بالنَّميمةِ في تفسيرِها، وقد تكون الغالةُ من الغائلةِ؛ وهو اعتقادُ السُّوءِ والضُّر، ومنه قيل: «الغِيلَة» و «الغَائِلَة» [خ¦٣٤/ ١٩ - ٣٢٤٧] في البيعِ، وسنذكرُه بعدُ.
الغينُ معَ الياءِ
١٧٧٨ - (غ ي ب) قوله: «وتَسْتَحِدُّ المُغِيبَةُ» [خ¦٥٠٧٩]، و «الدُّخُولُ على المُغِيبَة» [خ¦٦٧/ ١١١ - ٧٧٧٤] بضمِّ الميم؛ وهي التي غابَ عنها زوجَها، يقال: أغابَتِ المرأةُ؛ إذا غابَ زوجُها فهي مُغِيبَةٌ، وضدُّه المُشهِدُ ب غيرِ هاءٍ للَّتي حضَرَ زوجُها، وقيل ذلك في مغيبِ وليِّها عنها أيضاً.
وقوله: «وكان مغِيباً في بعضِ حاجاتِه» كذا جاءَ في «الموطَّأ»، والمعروفُ: «غَائِباً» و «مُتَغيِّباً» [خ¦٥٧٢٩] كما جاءَ في غيرِه، وهو الصَّوابُ.
وقوله: «وإنَّ نَفَرنَا غُيَّبٌ» [خ¦٥٠٠٧] جَمعُ غائبٍ، كذا ضبطَه الأَصيليُّ: بضمِّ الغينِ، وضبطَه غيرُه «غَيَبٌ» بفتحِهما، وغَيبُوبَةُ الشَّفَقِ وغُيوبه ومَغِيبه وغَيبَتُه سواءٌ؛ ذهابُه، ومثله: غَابَ الرَّجلُ غَيبةً ومَغيباً وغَيبُوبَة.
وقوله: «نَهى عَن الغِيبَة» بالكسرِ، و «قَدِ اغْتَبتَه»، والاغتيابُ فسَّره في الحديثِ: «ذِكرُ أَخِيك بِما فِيه» يريدُ فيما يَكرُه ذلك.
وذكر «الغَابَة» [خ¦٣٧٧] وهي موضعٌ، وأصلُه: الأَجْمَةُ، والملتفُّ من الشَّجرِ، ومنه قوله: «كَلَيثِ غَابَاتٍ».
١٧٧٩ - (غ ي ث) «الغَيْث» [خ¦٧٩]: المطرُ، وقد يسمَّى الكلأ غَيثاً، كما سُمِّي سماءً، ومنه قوله تعالى فيما قيلَ: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] وغِيثَتِ الأرضُ فهي مَغِيثَةٌ، وقد تقدَّمَ من هذا.
١٧٨٠ - (غ ي ر) قوله: «إنِّي امرأةٌ غَيورٌ»، و «إن سَعداً لَغَيُور»، و «أنا أَغيَر مِنه والله أَغيَر مِنِّي» [خ¦٦٨٤٦]، و «لا شيءَ أغيرُ مِن الله» [خ¦٥٢٢٢]، و «ذَكَرتُ غَيرَتَك» [خ¦٣٦٧٩]، و «عَليكَ أغار» [خ¦٣٢٤٢]، و «إنَّ المؤمِنَ يَغار»، و «اللهَ يَغَار وغَيرَةُ الله تَعالى أن يَأتيَ المُؤمِنُ ما حُرِّمَ عَليه» [خ¦٥٢٢٣]، و «اللهُّ أشدُّ غَيَراً»، و «غَارَت أمُّكم» [خ¦٥٢٢٥]، و «ما غِرتُ على امرَأةٍ» [خ¦٣٨١٦] كلُّه بمعنَى واحدٍ في المخلوقِ، وهو تغيُّر القلبِ وهيجانُ الحفيظةِ بسببِ المشارَكةِ في الاختصاصِ من أحدِ الزَّوجينِ بالآخرِ، أو تحريمُه وذبُّه عنهم ومنعُه
стр. 989
منهم، يقال: غارَ الرَّجلُ فهو غيورٌ من قومٍ غُيُر -وغُيُر مثل كُتُب- وغائِرٌ أيضاً، ورَجلٌ غَيرانُ من قوم غَيَارَى، وغارَ هو يغَارُ غَيرةً -بالفتحِ- وغاراً وغَيْراً، وامرأةٌ غَيْراءُ.
وجاء في حديث أمِّ سلمة: «وأنَا غَيُورٌ» غيورٌ للأنثى بغيرِ هاء، وكثيراً ما جاءَ فَعُولٌ للأنثَى بغيرِها، كعَروبٍ، وضَحُوكٍ، وشَمُوعٍ، وعَقَبةٌ كَؤودٌ وأرضٌ حَدورٌ وصَعودٌ، وكذا البابُ كلُّه متى كان فَعولٌ بمعنى فاعل إلَّا قولهم .......
وأمَّا الغيرةُ في حقِّ الله تعالى: فهو منعهُ ذلك وتحريمُه، ويدلُّ عليه قوله: «مِن غَيرتِه حرَّم الفَواحِشَ» * [خ¦٥٢٢٠]، وقوله: «وغَيرتُه أن يَأتي المؤمنُ ما حُرَّم عليه» * [خ¦٥٢٢٠]، وقد يكونُ في حقِّه تغييرُه فاعلَ ذلك بعقابِ الدُّنيا والآخرةِ.
وقوله: «أشرِق ثَبِير كَيمَا نُغِير» أي: ندفعُ للنَّحرِ بسرعةٍ، والإغارةُ: السَّرعةُ، ومنه إغارةُ الخيلِ، وغورُ الماءِ.
١٧٨١ - (غ ي ط) قوله: «أنَا في غَائِط مَضبَّة» الغائطُ: المطمئنُّ من الأرضِ، يريدُ ذا ضِبابٍ، وسمِّيَ الحدثَ به؛ لأنَّ من أرادَ الحدثَ ذهبَ إليه يستترُ فيه.
١٧٨٢ - (غ ي ظ) قوله: «أغيَظُ الأسماءِ عِندَ الله» هذا من مجازِ الكلام، ومعدولٌ عن ظاهرِه، والغيظُ صفةُ تغييرٍ في المخلوقِ عندِ احتدادِ مزاجِه وتحرُّكِ حفيظتِه، والله متعالٍ عن التَّغيُّراتِ وسماتِ الحدوثِ، والمرادُ عقوبتُه للمتسمِّي بها؛ أي: إنَّه أشدُّ أصحابِ هذه الأسماءِ عقوبةً عندَه.
وقوله: «وغَيظُ جَارَتِها» [خ¦٥١٨٩] أي: إن ضرَّتها تَرى من حُسنِها ما يُهيجُ حسدَها ويغيظُها.
١٧٨٣ - (غ ي ل) قوله: «همَمَت أن أنهَى عَنِ الغيلَة» ضبطناه بكسرِ الغينِ وفتحِها، وقال بعضُهم: لا يصحُّ فتحُ الغينِ إلَّا مع حذفِ الهاءِ، فيقال: الغَيلُ، وحكى أبو مروانَ بنِ سراجٍ وغيرُه من أهلِ اللُّغةِ: الغَيلةَ والغِيلةَ معاً في الرَّضاعِ، وفي القتلِ بالكسرِ لا غير، وقال بعضُهم: هو: بالفتحِ من الرَّضاعِ المرَّة الواحدة، وفي بعضِ رواياتِ مسلمٍ: «عن الغِيالِ» بكسرِ الغينِ.
جاء تفسيرُه في الحديثِ عن مالكٍ وغيرِه: «أن يَطَأ الرَّجُل امرَأتَه وهِي تُرضِع» يقال من ذلك: أَغَالَ فلانٌ ولدَه، والاسمُ: الغَيلُ والإِغتِيَالُ والإِغَالَةُ؛ وعلَّةُ ذلك لما يُخشَى من حملِها فترضِعُه كذلك فهو الذي يُضِرُّ به في لحمِه وقوَّتِه.
стр. 990
وفي الحديثِ الآخر: «ما سُقِيَ … بالغَيْل ففيه العُشْر» الغَيلُ -بفتحِ ال غينِ -: الماءُ الجاري على وجهِ الأرضِ من الأنهارِ والعُيونِ، قال أبو عبيدٍ: الغَلَل والغَيْل: الماءُ الجارِي الظَّاهرُ.
وقوله: «قُتِل غِيلَةً» [خ¦٦٨٩٦]، و «لا تغتالونه»، «أو اغتِيلَ» أي: يقتلونَه في خُفيةٍ، والغِيلةُ: القتلُ بمُخادعةٍ وحيلةٍ؛ بكسرِ الغينِ لا غير.
وقوله: «لا دَاء ولا خِبثَة ولا غَائِلَة» [خ¦٦٩٨٠] أي: لا خديعةَ ولا حيلةَ، قال الخطَّابيُّ: الغائِلةُ في البيعِ، كلُّ ما أدَّى إلى تلفِ الحقِّ، وذكرَه بعضُهم في ذواتِ الواوِ، وفسَّره قتادةُ في كتابِ البخاريِّ: «الغَائلةُ: الزِّنا والسَّرقةُ والإِباقُ»، والأشبَه عندِي أن يكونَ تفسيرُ قتادةَ راجعاً إلى الخِبثةِ والغائلةِ معاً.
١٧٨٤ - (غ ي ن) قوله: «إنَّه ليُغانُ على قَلبي حتَّى أستغفرَ الله كذا وكذا مرَّةً» يعني أنَّه يُلبَّس عليه ويُغطَّى، قيلَ ذلك بسببِ أمَّته، وما أُطْلِعَ عليه من أحوالِها بعدَه حتَّى يستغفرَ لهم، وقيل: إنَّه لما يَشغَلُه من النَّظرِ في أمورِ أمَّته ومصالِحهم، ومحاربةِ عدوِّه، ومداراةِ غيرِه للاستيلافِ، حتَّى يرى أنه قد شُغِل بذلك، وإن كانَ في أعظمِ طاعةٍ وأشرفِ عبادةٍ عن ملازمةِ مقاماتهِ، ورفيعِ درجاتِه، وفراغِه لتفرُّدِه بربِّه، وخلوصِ قلبِه وهَمِّه عن كلِّ شيءٍ سواه، وإنَّ ذلك غضَّ من حالتِه هذه العليَّة فيستغفرُ الله لذلك.
وقيل: هو مأخوذٌ من الغَينِ، وهو ال غيمُ والسَّحابُ الرَّقيقُ الذي يَغشَى السَّماءَ، فكانَ هذا الشُّغل أو الهمُّ يُغشِّي قلبَه، ويُغطِّيه عن غيرِه حتَّى يستغفرَ منه، وقيل: قد يكونُ هذا الغَينُ: السَّكينةَ التي تَغشَى قلبَه لقوله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠]، واستغفارُه لها إظهاراً للعبوديَّةِ والافتقارِ، وقد يحتملُ أن تكونَ حالُه خشيةً وإعظاماً تُغَشِّي القلبَ، واستغفارُه شكراً لله وملازمةً للعبوديَّةِ، كما قال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً» [خ¦١١٣٠].
١٧٨٥ - (غ ي م) قوله: «فيما سَقَتِ الأنهارُ والغَيمُ العُشرُ» كذا في حديثِ أبي الطَّاهرِ عندَ مسلمٍ، ومعناه: المَطرُ، مثل قولِه في الحديثِ الآخرِ: «فيمَا سَقَت السَّماء العُشْر»، والغَيمُ: السَّحابُ الرَّقيقُ.
وقوله: «والسَّماءُ مُغِيمَةٌ» بِكسرِ الغَينِ، ويروَى بفتحِها وفتحِ الياءِ وبكسرِ الياءِ أيضاً، كذا ضبطنا هذا الحرفَ عن شيوخِنا في «الموطَّأ» وكلُّه صَحيحٌ، وقد قدَّمنا أنَّه يقال: غَيَّمتِ وأَغَامَت كلُّه إذا كانَ بها غمامٌ.
١٧٨٦ - (غ ي ض) قوله: «لا تَغِيضُها نَفَقَة» [خ¦٤٦٨٤] أي: لا تُنقِصُها ولا يقلُّ عطاؤُها،
стр. 991
يقال: غاضَ الشَّيءُ يَغيضُ وغِضتُه أنا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨] أي: ما تنقصُ من مدَّةِ حملِها، وما تزيدُ عليه، وقيل: ما تُسقِطه ناقصاً قبلَ تمام خلقِه.
١٧٨٧ - (غ ي ي) قوله: «فيسيرونَ تَحتَ ثَمانِينَ غَايةً تَحت كلِّ غايةٍ كذا كذا» [خ¦٣١٧٦] هي بالياءِ باثنتَينِ، ومعناها الرَّايةُ سُمِّيت بذلك لأنَّها تُنصَبُ؛ أغييتُها: إذا نَصَبتَها، أو لأنَّها تشبهُ السَّحابَ لمسيرِها في الجوِّ، والغيايةُ: السَّحابةُ، وقد ذكرَ بعضُهم أنَّه رويَ في غيرِها: «غَابَة» يعني: الأجمةَ، شبَّهَ اجتماعَ رماحِهم وكثرتَها بها، وفي البقرةِ وآلِ عمرانَ: «كأنَّهما غَيَايَتان أو غَمَامَتان» وهما بمعنى الغَيايةِ بالياءِ فيهما باثنتينِ تحتَها، كلُّ شيءٍ أظلَّ الإنسانَ كالسَّحابةِ والغَبرةِ، والمرادُ هنا: سحابتانِ، والله أعلمُ.
وقوله: «غَيَايَاء أو عَيَايَاء» [خ¦٥١٨٩] أنكرَ أبو عبيدٍ روايةَ الغينِ المعجمةِ، وقد رواه بعضُهم بالغينِ بغيرِ شكٍّ في غيرِ هذه الأمَّهاتِ، وله عندِي وجهٌ لا يُنكَر أن يكون بمعنَى: طَبَاقاء؛ الذي تنطبقُ عليه أمورُه، وكذلك هذا من الغَيايةِ، وهو ما يُغطِّي الإنسانَ من غَمرةٍ وغيرِها وتُظلِّه، فكأنَّه غُطِّيت عليه أمورُه فلا يَعقِلُها، أو يكونُ من الغِيِّ وهو الإنهماكُ في الشَّرِ، أو من الغَيِّ أيضاً وهي الخَيبةُ، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] قيلَ: خيبةً، وقيلَ: غيرُ هذا.
وفي حديث السِّباقِ: ذكرَ «الغَايَة» [خ¦٢٨٦٩] بالياءِ؛ وهو أمدُ السِّباقِ، وقوله فيه: «من الغَابَةِ» بالباءِ بواحدةٍ؛ هو موضعٌ نذكرُه.
وقوله: «وكان لِغَيَّةٍ» [خ¦١٣٥٨] يقال: فلانُ لِغَيَّةٍ إذا كان لغيرِ رِشْدَةٍ بفتحِ الغينِ من الغَيِّ، كما يقال لزِنيةٍ؛ بكسرِ الزَّايِ، وحكَى ابنُ دريدٍ أنَّه يقالُ فيه لِغِيَّةٍ؛ بكسرِ الغينِ أيضاً، وكذلك لرشْدَةٍ؛ بكسرِ الرَّاءِ وفتحِها معاً، وقال أبو عبيدٍ: لا أعرفُ الكسرَ، وموضعُ هذا أن يكونَ في حرفِ الغينِ والواوِ.
فصلُ الاخْتِلافِ والوَهم
قوله في كتابِ مسلمٍ: «أغيَظُ رجلٍ على الله يومَ القيامةِ وأخبَثُه وأغيَظُه رجلٌ تَسَمَّى بملِكِ الأملاكِ» كذا في النُّسخِ كلِّها، والرِّواياتِ عنه بالياءِ من الغيظِ فيهما، قال القاضي أبو الوليدِ الكِناني: لعلَّه في أحدِهما «أغنَطُ» بالنُّونِ والطَّاءِ المهملةِ، ولا وجهَ لتكرارِ الغيظِ إذ لا تُكرَّرُ اللَّفظةُ الواحدةُ مع قُربٍ في كلامٍ فصيحٍ، والغَنَطُ: شِدَّةُ الكربِ.
فصلُ مشتَبِه أسماءِ المَواضِع والأمكِنَة في هذا الحَرف
(برْك الغمادِ) [خ¦٣٩٠٥] بضمِّ الغينِ وكسرِها وتخفيفِ الميم وآخرُه دالٌ، كذا ذكرَه صاحبُ «الجمهرةِ»، ذكرناه في حرفِ الباءِ.
стр. 992
(غَيقَة) [خ¦١٨٢٢] بفتحِ الغينِ المعجمةِ بعدها ياءٌ تحتَها اثنتان ثمَّ قافٌ مفتوحةٌ؛ موضعٌ بينَ مكَّةَ والمدينةَ من بلادِ بني غِفارٍ، وقيل: هو قُلَيبُ ماءٍ لبني ثعلبةَ.
(الغَمِيم) [خ¦٢٧٣١] بفتحِ الغينِ، ومنهم من يضمُّها ويصغِّره؛ ماءٌ بينَ عُسفانَ وضَجْنَانَ، وقيل وادٍ، وقد ذكرناه في حرفِ الكافِ.
(الغابةُ) [خ¦٩١٧] بباءٍ بواحدةٍ؛ مالٌ من أمَوالِ عَوالي المدينةِ، وهو المذكورُ في حديثِ السِّباقِ «من الغابةِ إلى كذا»، و «من أَثْلِ الغَابةِ» [خ¦٣٧٧]، و «حتى يأتي خَازِنِي من الغَابَة» [خ¦٢١٧٤]، وفي تركةِ الزُّبيرِ: «مِنهَا الغَابةُ» [خ¦٣١٢٩] كان بها مالُه، و «كانَ اشتَراها بِسبعينَ ومئةِ ألفٍ، وَبِيعَت في تركتِه بألفِ ألفٍ وستمئةِ ألفٍ» [خ¦٣١٢٩]، وقد صَحَّفَ قديماً كثيرٌ هذا الحرفَ في حديثِ السِّباقِ، فقال فيه: «الغاية» فردَّه عليه مالكٌ، وكذلك غَلِط في تفسيرِه بعضُ الشَّارحينَ فقال: الغابةُ؛ موضعُ الشَّجرِ التي ليسَت بمربوبةٍ؛ لاحتطابِ النَّاسِ ومنافعِهم، فغَلِطَ فيه من جهتَينِ؛ اللُّغة والعُرف معاً، وإنَّما هو في اللُّغةِ: الشَّجرُ الملتفُّ والأجمُ من الشَّجرِ وشِبهِها.
(الغُوَير) [خ¦٥٢/ ١٦ - ٤١٦١] بضمِّ الغينِ جرى ذكرُه مُصغَّراً وآخرُه راءٌ، جرَى ذكرُه في حديثِ عمرَ، ذكرناه في بابِ الغينِ والواوِ والاختلافَ في معناه، ومن قال إنَّه موضعٌ وبيَّناه.
(غَدَيرُ الأَشطَاط) [خ¦٤١٧٨] بفتحِ الهمزةِ والشِّينِ المعجمةِ وإهمالِ الطَّاءِ، تقدَّمَ في حرفِ الألفِ.
(غَدِيرُ خُمِّ) ذكرنا خُمّاً في حرفِ الخاءِ؛ وهو غديرٌ تَصُبُّ فيه عينٌ، وبينَ الغديرِ والعينِ مسجدٌ للنَّبيِّ ﷺ .
فصلُ مشكلِ الأسماءِ
فيه (غُندَرُ) بضمِّ الغينِ وفتحِ الدَّالِ وآخرُه راءٌ، لقبُ محمَّدِ بنِ جعفرٍ.
و (غُنَيمُ بنُ قَيسٍ) بضمِّ الغينِ وفتحِ النُّونِ مُصغَّراً.
و (عبدُ الرَّحمن بنُ الغَسِيلِ) بفتحِ الغينِ، و (أبو غَلَاب) يُونُس بنُ جُبيرٍ، بفتحِ الغينِ وتخفيفِ اللَّام وآخرُه باءٌ بواحدةٍ، كذا سمعناه مخفَّفاً من أبي بحرٍ، وكذا عن الجَيَّانيِّ، وكذا قيَّدَه بعضُ أصحابِنا عن القاضي أبي عليٍّ، وقيَّدتُه أنا عنه عن العُذريِّ بتشديدِ اللَّام، وبه قيَّدَه أبو نصرٍ الحافظُ في «إكماله»، وكذا رواه بعضُ رواةِ مسلمٍ [خ¦٥٢٥٨].
و (سُوَيدُ بنُ غَفَلَة) بفتحِ الغينِ والفاءِ، وذكرَ مسلمٌ تصحيفَ عبدِ القدُّوسِ فيه وقولَه: (عَقَلة) بالعينِ المهملةِ والقافِ، كذا الرِّوايةُ الصَّحيحةُ في تصحيفِه، وهو
стр. 993
الذي عندَ أكثرِ شيوخِنا، وعندَ ابنِ أبي جعفرٍ: بالفاءِ.
و (عُتبَة بنُ غَزوانَ) و (فُضَيلُ بنُ غزوانُ) غَزوانُ حيثُ وقعَ فيها بالزَّايِ مفتوح الغينِ، وليسَ فيها ما يَشتبِه به، و (امرأةٌ من بني غَامد) بالغينِ المعجمةِ والدَّالِ المهملةِ، و (شَبِيبُ بنُ غَرقَدة) بفتحِ الغينِ والقافِ، و (بنو غَنْم) بفتحِ الغينِ وسكونِ النُّونِ، و (عِياض بنُ غَنم) و (مُحمَّد بنُ غُرَير) بضمِّ الغينِ وراءَينِ مهملتَينِ، وليسَ فيها ما يَشتبِه به إلَّا (عزيز) وتقدَّم.
و (ابنُ أبي غُنيَة) تقدَّم ذكرُه أيضاً، و (غَورَث) بالغينِ المعجمةِ المفتوحةِ وآخرُه ثاءٌ مثلَّثةٌ، كذا عندَ جميعِهم، وجاءَ عندَ المستمليْ والحَمُّوييِّ بالعينِ المهملةِ، وبعضُهم يقوله بضمِّ الغينِ المعجمةِ، والأوَّلُ أعرفُ وأشهرُ، و (غَيلانُ) و (بنتُ غَيلانَ) حيثُ وقعَ بغينٍ معجمةٍ مفتوحةٍ، و (قيسُ عَيلَان) وحدَه بالمهملةِ.
وتقدَّم في حرفِ العينِ المهملةِ قبلُ: (غِياث) و (أبُو غِياث) و (غَزيَّة) و (غَنَّام) مع ما يُشبِه خطَّها، كذلك: (غَنِيَّة) و (غِفَار)، وفي الخطبةِ عن أبي المباركِ: (رَوْح ابن غُطَيف) بضمِّ الغينِ وفتحِ الطَّاءِ المهملةِ، ووقعَ عندَ الفارسيِّ والعُذريِّ بضادٍ معجمةٍ، وهو وهمٌ عندَ جميعِهم والصَّوابُ الأوَّلُ، وكذلك: (بَنُو غطيفٍ) قبيلٌ من مرادٍ ذكرَهم في التَّفسيرِ [خ¦٤٩٢٠].
(الغُميصَاءُ): اسمُ أمِّ سُلَيمٍ كذا قاله مسلمٍ، وقد ذكرناه في حرفِ الرَّاءِ والخلافَ فيه.
فصلُ مشكلِ الأنسابِ
(الغِفَاري) بكسرِ الغينِ وبالفاءِ حيثُ وقعَ؛ منسوبٌ إلى بني غِفارٍ، وكذلك: (الغَيلانيُّ) بفتحِ الغينِ وآخرُه نونٌ منهم: (سُليمَان بنُ عُبيد الله الغَيلانِيُّ أبو أيوبَ) منسوبٌ إلى غيلانَ؛ بطنٌ في تميم وفي هَمْدَانَ، و (سليمانُ بنُ أبي الجَعْد الغَطَفانيُّ) بفتحِ الغينِ والطَّاءِ، منسوبٌ إلى غطفانَ حيثُ وقعَ.
وتقدَّم في حرفِ العينِ: (الغَنَويُّ) و (الغُبَرِيُّ) مع ما يُشبِهه، و (الغُدَاني) بضمِّ الغينِ وتخفيفِ الدَّالِ المهملةِ وآخرهُ نونٌ، وغدانةُ بطنٌ من تميمٍ، و (أبو مروانَ يحيى بنُ زكريَّا الغَسَّانِيُّ) بفتحِ الغينِ؛ منسوبٌ إلى غَسَّانَ قبيلُ اليمنِ المعروفُ، ووقعَ عندَ القابسيِّ هنا: (العُشَاني) بضمِّ العينِ المهملةِ وفتحِ الشِّين مخفَّفاً وهو وهمٌ.
стр. 994
حر فُ ال فاءِ مع سائرِ الحروفِ
الفاءُ مع الهمزةِ
١٧٨٨ - (ف أ د) قوله: «يَرجِفُ فُؤَادُه» [خ¦٣]، و «أهلُ اليَمنِ أضعَفُ» [خ¦٤٣٩٠]، ويروى: «ألينُ قُلوباً، وأرقُّ أفئِدَة» [خ¦٤٣٨٨] الفؤادُ القلبُ، فهما لفظانِ بمعنًى، كرَّرَ لفظَهما لاختلافِه تأكيداً، وقيل: الفؤادُ: عبارةٌ عن باطنِ القلبِ، وقيلَ: الفؤادُ: عينُ القلبِ، وقيل: القلبُ أخصُّ من الفُؤَادِ، وقِيل: الفُؤادُ: غِشاءُ القلبِ والقلبُ جُثَّتُه، ومعنى الضَّعف والرِّقة واللِّين هنا؛ كنايةٌ عن سُرعةِ الاستجابةِ، وضدُّ القَسوةِ التي وُصِفَ بها غَيرُهم.
وقوله: «أَفئِدتُهم مثلُ أفئِدَة الطَّير» من هذا، يريدُ في الرِّقةِ والِّلينِ، يُقال: فَئِدَ الرَّجلُ إذا مَرضَ بفؤَادِه، وفَأدتُه أصبتَ بالرَّميِ فؤادَه، ومنه في الحديث: «أنتَ رَجلٌ مفؤودٌ».
١٧٨٩ - (ف أ ل) قوله: «يحب الفَأَل … ويَكرَه الطِّيَرَة» مهموزٌ، و «كان يَتَفَاءَّلُ» مُشدَّدَ الهمزةِ، قال أهلُ اللُّغةِ والمعاني: الفَألُ فيما يَحسُن ويَسوءُ، والطِّيرةُ لا تكونُ إلَّا فيما يسوءُ، وجمعُ الفَألِ فُؤْلٌ، وقال بعضُهم: هو ضدُّ الطِّيَرَة.
١٧٩٠ - (ف أ م) قوله: «يغزو فِئامٌ من النَّاس» [خ¦٢٨٩٧] بكسرِ الفاءِ؛ معناه: الجماعةُ، وقيل: الطَّائفةُ، قال ثابتٌ: هو مَأخوذٌ من الفِئام، وهي كالقِطعةِ من الشَّيءِ، وقاله بعضُهم بفتحِ الفاءِ حكاهُ الخليلُ، وهي روايةُ القابسيِّ، وأدخلَه صاحبُ «العينِ» في حرفِ الياءِ بغيرِ همزٍ، وغيرُه يهمزُه، وكذا قاله القابسيُّ، وحكى الخطَّابيُّ أنَّ بعضَهم رواه: «فيَّام» بالفتحِ مشدَّدِ الياءِ وهو غَلَطٌ، وفي المهموزِ ذكرَه الهرويُّ، وكذا قُيِّدَ عن أبي ذرٍّ بالهمزِ.
١٧٩١ - (ف أ ف أ) قوله: «تَمتَمةٌ أو فَأفَأة» [خ¦٦٠/ ٢٢ - ٥٢٠٨] الفَأفَأةُ؛ التي تغلبُ على لسانِه الفاءُ وترديدُها، وتقدَّم تفسيرُ التَّمتَمة،؛ وهي ثِقَلُ النُّطقِ بالتَّاءِ على المتكلِّم، وقال ابنُ دريدٍ: الفَأفَأةُ: الحُبسَةُ في اللِّسانِ، والرَّجلُ فأفاءٌ؛ يُمَدُّ ويُقصَر.
١٧٩٢ - (ف أ س) قوله: «بِفُؤُوسِهِم» جمعُ فأسٍ؛ وهي القُدُّومُ؛ إذا كانت برأسَينِ.
١٧٩٣ - (ف أ و) قوله: «الفِئَةُ» [خ¦٤٤٧] معناه: الفِرقَةُ والطَّائِفَةُ؛ هو من قولِهم
стр. 995
فأَيتُ رأسَه، وفأوتُه إذا شققتَه، قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النِّساء: ٨٨] أي: فِرقتَين انقسمتُم في ذلك واختلفتُم.
فصلُ الاخْتِلافِ والوَهمِ
في إسلامِ أبي ذرٍّ: «فإن رأيتُ شيئاً أخافُ عَليك فإنِّي أريقُ الماءَ» كذا لبعضِ رواةِ البُخاريِّ، وعندَ الأَصيليِّ وغَيرِه ومُسلِمٍ: «قُمتُ كَأنِّي أُريقُ الماءَ» [خ¦٣٨٦١] وهو الصَّحيحُ.
الفَاءُ معَ الباءِ
١٧٩٤ - في (بابِ التَّبسمِ والضَّحكِ): «فقال ﷺ فبمَ يُشبِه الوَلدُ» [خ¦٦٠٩١] كذا لكافَّتهم، ورواهُ بعضُهم في البخاريِّ بياءٍ: «فيمَ» والصَّوابُ الأوَّلُ، وهو المذكورُ في غيرِ هذا البابِ في الصَّحيحَينِ.
الفاءُ مع التَّاءِ
١٧٩٥ - (ف ت ح) قوله في علاماتِ النبوَّةِ: «فجعلَ فيه فُتُحاً بالميشارِ» فسَّرناهُ في حرفِ الميمِ والياءِ، وذكرنا وهمَه والخلافَ فيه.
وذُكِر فيها: «المِفتَاح» [خ¦١٠٣٩] وفي بعضِ الرِّواياتِ: «المِفتَحُ» وهما لغتانِ.
وقوله في لا إله إلَّا الله: «إن جِئتَ بمِفتاحٍ له أسْنان فَتَح لك» كذا للأصيليِّ بفتحِ الفاءِ والتَّاءِ، ولغيرِه: «فُتِح» [خ¦٢٣] على ما لم يُسمَّ فاعلُه، هذا ضَرْبُ مَثَلٍ للحالِ أنَّ شهادةَ أن لا إله إلَّا الله موجبةٌ للجنَّةِ ودخولِها، ثمَّ جعلَ الأعمالَ معها كأسنانِ المِفتاحِ الذي لا يُنتفَع به ولا يَفتَحُ غَلْقاً إلَّا أن يكونَ معه أسنانٌ؛ يريدُ أن يدخلَ الجنَّةَ دونَ حسابٍ ولا عقابٍ على ما فرَّطَ فيه من فرائضِه وأتاه من محارمِه!.
وإلَّا فهيَ موجبةٌ لدخولِ الجنَّةِ، على كلِّ حالٍ على مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ، وعلى ما تأوَّلناه يوافِقُ قولَ وهبٍ هذا لقولِهم، ولا يصحُّ تأويلُه على غيرِه من مذاهبِ أهلِ البدعِ من الخوارجِ والمعتزلةِ؛ لقولِهم بتخليدِ أهلِ الذُّنوبِ في النَّارِ، ومنعِهم الجنَّةَ رأساً.
وقوله: «أَوَ فَتحٌ هو» [خ¦٣١٨٢] أي: نصرٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ﴾ [الأنفال: ١٩] الآية؛ أي: تسألوا الله النَّصرَ فقد أتاكُم، ومنه: «كان يستفتحُ بِصَعاليك المهاجرين».
وقوله: «سَاعَتان تُفتَح لهما أَبوابُ السَّماء» يكونُ على ظاهرِه، وقيل في هذا: إنَّه عبارةٌ عن الإجابةِ للدُّعاءِ.
١٧٩٦ - (ف ت خ) قوله: «يُلْقينَ الفَتَخَ» [خ¦٩٧٩]، و «فَتَخَها» [خ¦٩٧٨] وهي
стр. 996
الخواتيمُ: بفتحِ الفاءِ والتَّاءِ، قيل: هي خواتيمُ عظامٌ يمسكُها النِّساءُ، كذا فسَّره في كتابِ البخاريِّ عبدُ الرَّزَّاقِ [خ¦٩٧٩]، وقال غيرُه: هي خواتيمُ تُلبَس في الرِّجلِ؛ الواحدةُ: فَتَخَةٌ، وقال الأصمعيُّ: هي خواتيمُ لا فصوصَ لها، وتُجمَع أيضاً فِتاخاً وفَتَخاتٍ، وفي «الجمهرة» الفَتَخَةُ: حلَقةٌ من ذهبٍ أو فضَّةٍ لا فَصَّ لها، وربَّما اتُّخِذ لها فصٌّ كالخاتمِ.
١٧٩٧ - (ف ت ر) قوله: «وفَتَر الوَحي» [خ¦٣]، و «فَترَة الوَحي» [خ¦٤] معناه: سكنَ وأغَبَّ نزولُه وتتابُعُه، و «الفَترَةُ» [خ¦٣٩٤٨] ما بينَ كلِّ نبيَّينِ.
١٧٩٨ - (ف ت ك) «الفَتْكُ في الحَربِ» * [خ¦٥٦/ ١٥٩ - ٤٧٤١] أصلُ الفتكِ: مجيءُ الرَّجلُ إلى الآخرِ وهو غَارٌّ فيقتلُه، وقيل: الفَتكُ: القَتلُ مجاهرةً، وكلُّ من جاهرَ بقبيحةٍ فهو فاتكٌ، وقيل: الفتكُ هو الهمُّ بالشَّيءِ يُفعَل، والفاتكُ: الشُّجاعُ الذي إذا همَّ بأمرٍ فعلَه، قال الفرَّاءُ: يقال فيه: الفَتكُ والفِتكُ والفُتكُ ثلاثُ لغاتٍ.
١٧٩٩ - (ف ت ل) قوله: «أقبلت عيرٌ من الشَّام فَانفَتَل النَّاسُ إليها» أي: مَالُوا وذَهَبوا إلى جِهَتِها، كما قال في الرِّوايةِ الأُخرَى: «فخرجَ النَّاسُ إليها»، و «ابتَدَرُوها»، وكما قالَ تعالى: ﴿انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١].
١٨٠٠ - (ف ت ن) قوله: «فِتنَةُ الرَّجُل في أَهلِه ومَالِه» [خ¦٥٢٥]، و «فِتنَة النَّار» [خ¦٦٣٦٨]، و «فِتنَة المَحيَا والمَمَات» [خ¦١٣٧٧]، و «أصابَتنِي في مَالي فِتنَة»، و «فِتنَة كَذا وفِتنَة كذا» [خ¦٨٣٢] و «فِتَنٌ كقِطَع اللَّيل»، و «فلانٌ فَتَنتهُ الدُّنيَا»، وفي رواية: «أفتنَتْه» وهما صحيحانِ عندَ أهلِ اللُّغةِ إلَّا الأصمعيَّ فأنكرَ أفتنَتهُ وأصلُ الفتنةِ: الاختبارُ والامتحانُ، يقال: فَتَنتُ الفضَّةَ على النَّارِ؛ إذا خلَّصتَها، ثمَّ استُعمِل فيما أخرجَه الاختبارُ للمكروهِ.
ثمَّ كثُرَ استعمالُه في أبوابِ المكروهِ، فجاءَ مرَّة بمعنَى: الكفرِ كقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] أي: ردُّكم النَّاسَ إلى الشِّركِ أكبرُ من القتلِ، وتجيءُ للإثمِ كقوله: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ [التوبة: ٤٩]، ومنه: «أصابَتنِي في مَالي فِتنَة»، و «هَمُّوا أن يَفتَتِنُوا في صَلاتهم» [خ¦٧٥٤] أي: يسهُوا ويَخلطُوا.
أو تكونُ على أصلِها للاختبارِ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]
وتكونُ بمعنى: الإحراقِ بالنَّارِ كقوله
стр. 997
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] أي: حرَّقوهم، ومنه: «أعوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ» [خ¦٦٣٧٧].
وقيل: إنَّها هنا على أصلِها من التَّصفيةِ؛ لأنَّ المُعذَّبين بالنَّارِ من المؤمنينَ المُذنبين؛ إنَّما عُذِّبوا من أجلِ ذنوبِهم فكأنَّهم صُفُّوا منها وخُلِّصُوا، فسألَ النَّبيُّ ﷺ أن لا يكونَ من هؤلاءِ، وكذلك سؤالِه لأمَّتِه ذلك، لكن بعفوِ الله ورحمتِه، وتفريقِه في الدُّعاءِ بين «فتنةِ النَّارِ»، و «عذابِ النَّارِ» [خ¦١٣٧٧] حجَّةٌ لهذا القائلُ؛ أي: ممَّن يُعذَّبُ بالنَّارِ عذابَ الكفَّارِ، وهو حقيقةُ التَّعذيبِ والخلودِ، وقد بسطنا هذا والفرقَ بينَ عذابِ المذنبينَ والكفَّارِ في شرحِ مسلمٍ.
وقوله في خروجِ النَّبيِّ ﷺ وهم يصلُّون «فَكِدنَا نَفتَتِن» * [خ¦٦٨٠] أي: نخلطُ في صلاتِنا، ونذهلُ عنها، وقيل عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ: «فتنة الدُّنيا: … الدَّجَّالُ» [خ¦٦٣٦٥].
وتكونُ بمعنَى: الإزالةِ والصَّرفِ عن الشَّيءِ كقوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣].
١٨٠١ - (ف ت ش) قولها: «لم يَطأ لنا فِراشاً، ولم يُفَتِّش لنا كَنَفاً مُذ أتيناه» [خ¦٥٠٥٢] كنايةٌ عن القُربِ منها، والكَنَفُ: السِّترُ، وهو هنا الثَّوبُ كنَّت بتفتُّشِه عن الاطِّلاعِ على ما تحتَه، وعن إعراضِه عن الشُّغلِ بها.
١٨٠٢ - (ف ت ي) قوله: «وليَقل فتايَ وفتاتِي» [خ¦٢٥٥٢] قيل: هو بمعنَى: عبدِي وأَمَتِي، وإنَّما نَهى عن ذكرِ العبوديَّةِ المحضةِ، إذِ العبوديَّةُ حقيقةً لله، ولفظُ الفتوَّةِ مشتركٌ للمِلْكِ وَلِفَتَاءِ السِّنِّ، والفتيُّ: الشَّابُّ مقصورٌ، والفَتاءُ -ممدودٌ- الشَّبابُ، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢] أي: لعبيدِه.
وقوله: «من كُنَّا أفتَينَاه فُتيَا»، و «ما هذه الفُتيَا»، وتكرَّرَ هذا الحرفُ، فإذا كان آخرُه ياءٌ كانَ بضمِّ الفاءِ، ويقال: فيها الفَتوى بفتحِ الفاءِ والواوِ، وأصلُه السُّؤالُ، ثمَّ سُمِّي الجوابُ به، قال الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ [النِّساء: ١٧٦]، وقال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] أي: سَلْهُم.
وقوله: «أمِثلِي يُفتَاتُ عَلَيه» مذكورٌ في الفَاءِ واليَاءِ؛ لأنَّه مُعتلٌّ.
فصلُ الاخْتِلافِ والوَهمِ
قوله: «إنَّ شيطاناً جعلَ يَفتك عليَّ البارحةَ» كذا ذكرَه مسلمٌ، يقال: بضمِّ التَّاءِ وكسرِها، فسَّرنا الفَتكَ، لكنَّه هنا وهمٌ وتصحيفٌ والله أعلمُ، وصوابُه روايةُ البخاريِّ: «تفلَّت عليَّ» [خ¦٤٦١] أي: توثَّبَ وتسرَّعَ لإرادَةِ ضُرٍّ بي.
стр. 998
وقوله: «الحربُ أوَّل ما تكُون فُتيةً» تصغيرُ فَتَاة، وضبطَه الأَصيليُّ: «فَتِيَّة» [خ¦٩٢/ ١٧ - ١٠٥٣١] بفتحِ الفاءِ، وهما بمعنًى، والأوَّلُ أشهرُ في الرِّوايةِ وأصوبُ، لا سيَّما مع قولِه في البيتِ الثَّاني: «ولَّتْ عجوزاً».
وقولُه في كتابِ الجنائزِ في حديثٍ رؤياهُ ﷺ في خبرِ الزُّناةِ: «فإذا فَترت ارتَفَعوا» كذا للقابسيِّ وابنِ السَّكنِ وعبدوسٍ، وعندَ أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «اقَتَرَبت» [خ¦١٣٨٦] وعندَ النَّسفيِّ: «فإذا وَقَدَت ارتَفَعُوا» وهو الصَّحيحُ، بدليلِ قولِه بعدُ: «فإذا خَمَدَت رَجَعُوا فِيها».
وفي (بابِ وجوبِ النَّفيرِ): «لا هِجرَةَ بَعد الفَتحِ» [خ¦٢٧٨٣] كذا لهم، وعندَ الجُرجانيِّ: «بعدَ اليومِ» وكلاهُما صحيحٌ؛ لأنَّ في الحديثِ أنَّه قالَها يومَ الفتحِ.
وفي آخرِ كتابِ الرِّقائقِ: «أوْ نُفتَنَ عَن دِينِنا» [خ¦٦٥٩٣] كذا لكافَّتِهم، وفي كتابِ عبدوسٍ: «نَفتُر» بالرَّاءِ والأوَّلُ أحسنُ وأولى وأشبَه بالحديثِ.
وقوله: «ما فَتحنا منه من خُصْمٍ إلَّا انفجَرَ علينا منه خُصْمٌ» كذا في كتابِ مسلمٍ، وهو تغييرٌ وتصحيفٌ، وصوابُه: «ما سَدَدْنَا» وكذا جاءَ في كتابِ البخاريِّ: «ما نَسدُّ منه من خُصْمٍ» [خ¦٤١٨٩] أي: جِهَةٍ، وأصلُ الخُصْمِ فمُ القِربةِ، شبَّه تشعُّبَ الفتنِ بذلك.
الفاءُ معَ الجيمِ
١٨٠٣ - (ف ج أ) قوله: «مَوتُ الفُجَاءَةِ» [خ¦٢٣/ ٩٥ - ٢١٨٩] بضمِّ الفاءِ ممدوداً؛ هو موتُ البغتةِ دونَ مرضٍ ولا سببٍ، وكذلك قوله: «نَظرَة الفُجَاءَة»، هو النَّظرُ بغتةً على غيرِ تعمُّدٍ، يقال: فجَأنِي الأمرُ، وفجِئَنِي بالفتحِ والكسرِ إذا أتى بغتةً، وكذلك فلانٌ لقيني ولم أشعُر، والجيشُ كذلك، ومنه في الحديثِ: «فلم يَفجَأهُم إلَّا رسُولُ الله ﷺ » [خ¦٧٥٤]، و «فَجَأَهم» [خ¦١٢٠٥] منه، وفي التَّعوُّذِ: «فُجَاءَة نِقمَتِك» أي: حُلولها بغتةً، وفي كتبِ بعضِ شيوخِنا: «فَجْأَة نِقمَتِكَ» بفتحِ الفاءِ وسكونِ الجيم.
١٨٠٤ - (ف ج ج) قوله: «ما لَقِيك الشَّيطانُ سالكاً فَجّاً إلَّا سَلَك فَجّاً غيرَ فجِّك» [خ¦٣٢٩٤] الفجُّ: الطَّريقُ الواسعُ؛ ويقال لكلِّ مُنخَرَقٍ وما بين جَبَلين: فَجٌّ، ومنه قوله تعالى: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] أي: طريقٍ واسعٍ غامضٍ، وهذا هنا استعارةٌ لاستقامةِ آرائِه وحُسنِ هديِه، وأنَّها بعيدةٌ عن الباطلِ وزيغِ الشَّيطانِ، وقد يكونُ بمعنى الاستعارةِ للهيبةِ والرَّهبةِ، وهو دليلُ بساطِ الحديثِ، أو على وجههِ، وأنَّ الشَّيطانَ يَهابه ويهربُ منه متى لَقِيَه.
стр. 999
١٨٠٥ - (ف ج ر) قوله: «مِنْ أَفجَرِ ال فُجُو رِ» [خ¦١٥٦٤] الفجورُ: العِصيانُ، وأصلُه الانبعاثُ فيها والانهماكُ كانفجارِ الماءِ، قاله صاحبُ «الجمهرةِ»، ومنه سُمِّيَ الفَجْرُ؛ وهو انبعاثُ ضوءِ الشَّمسِ وهو حمرتُها في سوادِ اللَّيلِ.
و «إن الكَذِبَ يَهدِي إلى الفُجُورِ» [خ¦٦٠٩٤] هو هنا الرِّيبةُ، والفُجُورُ: الكَذِبُ والرِّيبةُ، قاله صاحبُ «العينِ»، وقال ابنُ دريدٍ: الفُجُورُ: الانبِعَاث في المعاصِي، وقال الهرويُّ: هو الميلُ عن القصدِ.
١٨٠٦ - (ف ج و) قوله: «فإذَا وَجَد فَجوَة نَصَّ» [خ¦١٦٦٦] بفتحِ الفاءِ؛ أي: سَعَةً من الأرضِ أسرعَ، قال ابنُ دُريدٍ: الفَجوةُ والفجواء: المتَّسعُ من الأَرضِ يُخرَجُ إليه من ضِيقٍ، وهو بمعنَى «فُرجةً» بضمِّ الفاءِ، وقد رُوِيا معاً في حديثِ مالكٍ في «الموطَّأ» فعندَ القعنبيِّ وابنِ القاسم وابنِ وهبٍ: «فجوةٌ» وعندَ ابنِ بكيرٍ وابنِ عفيرٍ ويحيى بنِ يحيى وأبي مصعبٍ: «فُرجةً» وسنذكرُه بعدُ.
الفاءُ مع الحاءِ
١٨٠٧ - (ف ح ج) قوله: «أسوَدَ أفْحَجَ» [خ¦١٥٩٥] الفَحَجُ: تباعدُ ما بينَ الفَخِذَينِ، وقيل: تباعدُ ما بينَ وسطِ السَّاقَينِ، وقيلَ: تباعدُ ما بينَ الرِّجلَينِ.
١٨٠٨ - (ف ح ل) قوله: «عَسْبُ الفَحلِ» [خ¦٢٢٨٤]، و «إن تطرق فحلها»، وذَكر «الفَحْلُ» [خ¦٢٢٦٥] في غيرِ حديثٍ؛ هو ذَكَرُ الإبلِ وغيرِها المُعدُّ لضِرابِها، وكلُّ ذكرٍ فحلٌ، حتَّى من النَّخلِ، إلَّا أنَّ الأشهرَ في هذا فِحالٌ.
وقوله: «كَبشاً فحيلاً» الفحيلُ: العظيمُ الخَلقِ، وهو المرادُ في الأُضحِيةِ، وأمَّا في غيرِها فالمُنجِبُ في ضِرابِه، وبه سُمِّي الأوَّلُ؛ لشبهِه به في خِلقتِه وعظمِه، وقال ابنُ دريدٍ: فَحلٌ فَحيلٌ إذا كان نَجيباً كريماً.
١٨٠٩ - (ف ح م) قوله: «حتَّى تذهبَ فحمةُ العِشَاء» قال أبو عبيدٍ: يعني سوادَه، والمحدِّثونَ يقولونَه بالسُّكونِ -فَحْمَةٌ- والصَّوابُ -فَحَمَة- بالفتحِ، قال القاضي ﵀ يقال: فحْمَة وفَحَمَة معاً، وقال ابنُ الأعرابيِّ: يقال للظُّلمةِ التي بينَ الصَّلاتينِ الفَحْمة، وللظُّلمةِ التي بينَ العتمةِ والغَداةِ العَسْعَسَة.
стр. 1000
وقوله: «حتَّى إذا كانوا فَحْماً» بفتحِ الحاءِ، قال ابنُ دريدٍ: ولا يقال بسكونِها؛ هو الجمرُ إذا طَفِيَ نارُه، قال القاضي: وقياسُ هذا البابِ جوازُ السُّكونِ.
١٨١٠ - (ف ح ص) قوله في وليمةِ صفيَّةَ: «وفُحِصَتِ الأرضُ أَفَاحِيصَ» أي: كُشِفَت وكُنِسَت لاجتماعِ النَّاسِ للأكلِ.
وقوله: «قد فَحَصوا عَن أوساطِ رؤوسِهم من الشَّعَر، فاضربْ ما فَحَصوا عَنه بالسَّيف» يريدُ حلقُوا أوساطَ رؤوسِهم، قال ابنُ حبيبٍ: هؤلاءِ الشَّمامسةُ أمرَه بقتلِهم وضَربِ أعناقِهم.
١٨١١ - (ف ح ش) قوله: «لم يكُن ﵇ فَاحشاً ولا مُتفحِّشاً» [خ¦٣٥٥٩]، و «متى عَهِدتِنِي فحَّاشاً» [خ¦٦٠٣٢]، و «منِ اتَّقى النَّاسُ فُحشَه» [خ¦٦٠٥٤] قال ابنُ عرفةَ: الفاحشُ ذو الفُحْشِ في كلامِه، والمتفحِّشُ الذي يتكلَّفُ ذلك ويتعمَّدُه، وقال الطَّبريُّ: الفاحشُ البَذيءُ، قيل: ويكونُ المتفحِّشُ الذي يأتي الفاحشةَ المنهيَّ عنها.
وقوله لعائشةَ حين ردَّت على اليهودِ، عليكم السَّامُ واللَّعنةُ: «لا تَكُونِي فَاحشةً»، و «إنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحشَ ولا التَّفحُّش» هو ممَّا تقدَّم في القولِ، ألا تُراه في الرِّوايةِ الأخرَى: «إنَّ الله يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كلِّه» [خ¦٦٠٢٤].
وقيل: هو هنا عدوانُ الجوابِ؛ لأنَّه لم يكُن منها إليهم فُحْشٌ، قاله الهرويُّ، قال القاضي ﵀: لا أدرِي ما قال، وأيُّ شيءٍ أفحشُ من اللَّعنةِ؟! وما قالَته لهم ممَّا يستحقُّونَه.
وقوله: «من أجلِ ذلك حرَّم الفَوَاحِش» [خ¦٥٢٢٠] قال ابنُ عرفةَ: كلُّ ما نَهى الله عنه فهو فاحشةٌ، وقيل: الفاحشةُ ما يشتدُّ قبحُه من الذُّنوبِ، والفُحْشُ: زِيادةُ الشَّيءِ على ما عُهِد من مقدارِه.
فصلُ الاخْتِلافِ والوَهمِ
قول مالك ﵀: «لا شفعَة في بِئرٍ، ولا فَحلِ نَخلٍ» كذا هو في «الموطَّأ» عندَ جميعِهم، وأهلُ اللُّغةِ ينكرونَ هذِه اللَّفظةَ، قالوا: وإنَّما يقال: فُحَّال النَّخلُ: بضمِّ الفاءِ مشدَّدَ الحاءِ، وهو الذَّكَر منها، قالوا: ولا يقال فيها فَحْل، قاله ابنُ قتيبةَ وابنُ دريدٍ.
الفاءُ معَ الخاءِ
١٨١٢ - (ف خ ذ) قوله: «نَام عَلى فَخِذي» [خ¦٣٣٤]، و «تَكفِي الفَخِذَ من
стр. 1001
النَّاسِ» أي: الجماعةَ منهم والقَبيلةَ، يقال في العُضوِ: فَخِذٌ وفَخْذٌ وفِخْذٌ، وكذلك في نفرِ القوم: فَخِذَه وفَخْذَه، وحُكِي عن ابنِ فارسٍ: أنَّه بالكسرِ في العُضوِ، وبالسُّكونِ في النَّفَرِ، وحكَى صاحبُ «الجمهرةِ» السُّكونَ والكسرَ في العُضوِ، قال: والفَخْذ بالسُّكونُ ما دونَ القبيلةَ، وفوقَ البَطنِ.
١٨١٣ - (ف خ ر) قوله: «أنا سَيِّدُ وَلْد آدمَ ولا فَخْرَ» أي: في الدُّنيا عندِي، ولا أتعاظَمُ بذلك ولا أتكبَّر، وإلَّا فله بذلكَ الفخرَ الأكبرَ في الدُّنيا والآخرةِ.
فصلُ الاخْتِلافِ والوَهمِ
في بابِ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النِّساء: ٩٥]، «حتَّى خِفتُ أن تُرَضَّ فَخِذِي» [خ¦٢٨٣٢] كذا لهم، وعندَ الأصيليِّ: «فَخِذَيَّ» على التَّثنيةِ، وهو وهمٌ، والأوَّل الصَّوابُ، وفي أوَّلِ الحديثِ: «وفَخِذُه عَلى فَخِذِي»، ثمَّ قال: «فثقُلت عليَّ حتَّى خِفتُ أن تُرَضَّ فَخِذِي».
الفاءُ معَ الدَّالِ
١٨١٤ - (ف د د) قوله: «الجفاءُ والقَسوةُ في الفَدَّادِينَ أصحابِ الإبلِ» * [خ¦٣٣٠٢] الرِّوايةُ في هذا الحرفِ بتشديدِ الدَّالِ الأولَى عندَ أهل ِالحديثِ وجمهورِ أهلِ اللُّغةِ والمعرفةِ، وكذا قاله الأصمعيُّ مشدَّداً، قال: وهم الذين تَعلُوا أصواتُهم في حروثِهم وأموالِهم ومواشِيهم، يقال منه: فدَّ الرَّجلُ يَفِدُّ -بكسرِ الفاءِ- فَدِيدَاً؛ إذا اشتدَّ صوتُه.
وقال أبو عبيدٍ: هم المكثرونَ من الإبلِ، وهم جفاةٌ أهلُ خُيلاءٍ، وقال المبرِّدُ: هم الرُّعيانُ والجمَّالُونَ والبقَّارُونَ، وقال مالكٌ: «الفدَّادُونَ أهلُ الجفاءِ» وقيل: الأعرابُ، وقال أبو عَمرو بنِ العلاءِ: هم الفدَادُون -مخفَّفةً- جمعُ فدَّانٍ مشدَّداً؛ وهي البقرةُ التي يُحرَث بها، وأهلُها أهلُ جفاءٍ لبُعدِهم عن الأمصارِ، قال أبو بكرٍ: أرادَ أصحابَ الفدَادِين فحذفَ المُضافَ.
قال القاضي ﵀: لا يُحتَاج في هذا إلى حذفٍ على هذا التَّأويلِ، وإنَّما يكونُ على هذا الفَدَّادُون بالشدِّ؛ صَاحِب الفَدَادِين بالتَّخفيفِ، كما يُقال: بغَّال: لصاحبِ البِغالِ، وجمَّال: لصاحبِ الجِمالِ.
١٨١٥ - (ف د ر) قوله في حديثِ الحوتِ: «فنَقطعُ منه الفِدَرَ كالثَّورِ، أو كفِدَر الثَّورِ» بكسرِ الفاءِ وفتحِ الدَّالِ؛ هي القِطَعُ منه، واحدُها: فِدْرَة، وفي روايةِ الهَوزنيِّ: «أو كقَدْرِ الثَّورِ» بالقافِ وسكونِ الدَّالِ في الآخرِ،
стр. 1002
والأوَّلُ أصوبُ بغيرِ شكٍّ، وقال بعضُهم: الفِدرَةُ: القِطعَةُ من اللَّحم إذا كان مطبوخاً بارداً، والحديثُ يدلُّ على خلافِ قوله والرِّوايةُ الثَّانية؛ إلَّا أن يكونَ استعارَ ذلك لكلِّ قطعةٍ أنَّها في العِظَم كالثَّورِ أو قَدرِه.
١٨١٦ - (ف د ع) قوله: «لمَّا فدَعَ يهودُ عبدَ الله بنِ عُمَر» * [خ¦٢٧٣٠] وكذلك قوله: «فُدِعَت يَداهُ» أي: أُزيلَت من مفاصلِها فاعوجَّت، وفَدِع هو مثلُ عَرِج إذا أصابه ذلك؛ فهو أفدَعُ مثلُ: أعرَجُ، هذا الذي يعرفُه أهلُ اللُّغةِ؛ قالوا: الفَدَعُ: زوالُ الِمفصَلِ، قاله أبو حاتمٍ، وقال الخليلُ: عِوَجٌ في المفاصلِ، وقال الأصمعيُّ: هو زيغٌ في الكفِّ بينَها وبينَ السَّاعدِ، وفي القدم زيغٌ بينَها وبينَ السَّاقِ، وفي بعضِ تعاليقِ ابنِ السَّكنِ على البخاريِّ: فُدِعَ؛ يعني كُسِر، والمعروفُ في قِصَّة ابنِ عمرَ وما ناله، ما قاله أهلُ اللُّغةِ.
١٨١٧ - (ف د ف د) قوله: «فِإذا أوفَى على ثَنيَّةٍ أو فَدفَدٍ» [خ¦٢٩٩٥] هي الفلاةُ من الأرضِ لا شيءَ فيها، وقيل: الغليظةُ من الأرضِ ذاتُ الحصَا، وقيل: الجَلْدُ من الأرضِ في ارتفاعٍ.
١٨١٨ - (ف د ي) قوله: «فِدًى لك» [خ¦٦١٤٨] مقصورٌ، و «فِداءٌ لك أبي وأمُّي» [خ¦٣٩٠٥] ممدوداً بكسرِ الفاءِ فيهما، وقال يعقوبُ: العربُ تقول: لكَ الفِدَى والحِمَى فيقصرونَه إذا ذكروا الحِمَى، فإذا أفردوه مدُّوه، وتقول: فداءً لك، وفداءٌ لك، وفداءٍ لك؛ بفتحِ الهمزِة وضمِّها وكسرِها، وفدىً لك مقصورٌ، وحكَى الفرَّاءُ: فَدىً مفتوحَ الفاءِ مقصوراً، قال الفرَّاءُ: فإذا كسروا الفاءَ مدُّوا، وربَّما كسرُوا وقصرُوا.
وأنكرَ الأخفشُ قصْرَه مع الكسرِ، قال: وإنَّما يُقصَر إذا فتحتَ الفاءَ، فإذا كسرتَها مددتَ إلَّا للضرورةِ كما قال:
فِدىً لك والدي، وفِدتك نفسي.
وقوله: «فَدَاك أبي وأمِّي» [خ¦٦١٨٤] بفتحِ الفاءِ مقصوراً فعلٌ ماضٍ، ويصحُّ أن يكونَ اسماً على ما تقدَّم.
و «الفِدْيَة» [خ¦١٨١٦]، و «فِديةُ الأذى» قال الأصمعيُّ: الفِداءُ يُمَدُّ ويُقصَر لغتانِ مشهورتانِ، وأمَّا المصدرُ من فاديتُ فممدودٌ لا غير، وقال: والفاءُ في كلِّ ذلك مكسورةٌ، وحكى الفرَّاءُ فَدىً لك مفتوحاً مقصوراً، و «فَدَاك أبي وأمُّي» [خ¦٢٩٠٥] فعلٌ ماضٍ مفتوحُ الفاءِ، ويكونُ اسماً على ما حكاهُ الفرَّاءُ.
стр. 1003
وقوله: «فَادَيتُ نَفسِي و … عَقِيلاً» [خ¦٤٢١] من ذلك؛ أي: أعطيتُ فداءَهما.
فصلُ الاخْتِلافِ والوَهمِ
في رَجَزِ عامرَ قوله: «فاغفِر فِداءً لَك ما اقتَفَينَا» كذا ذكرَه مسلمٌ في روايةِ جميعِ شيوخِنا، وكذا ذكرَه البخاريُّ في غزوةِ خيبرَ [خ¦٦١٤٨]، وفيه إشكالٌ؛ إذ لا يصحُّ إطلاقُ هذا اللَّفظِ على وجههِ في حقِّ الله تعالى، وإنَّما يُفدَى من المكارِه من تَلحقُه، والله تعالى منزَّه عن ذلك، وقيل: فيه تأويلاتٌ منها:
أنَّه قد يكونُ على معنى ألفاظِ العربِ التي تُدَعِّم بها كلامَها، وتصل بها خطابَها، وتؤكدُّ به مقاصدَها، ولا يلتفتونَ إلى معانيها، كقولِهم: ويلَ أمِّهِ، وتَرِبَت يَمِينه.
وقيل: يحتمل أن يكونَ على القطعِ ومداخلةِ الكلام، وأنَّه التفتَ بقوله: «فداءً لكَ» إلى بعضِ من يُخاطِبه، ثمَّ رجعَ إلى تمام دعائِه، وفي هذا بُعْدٌ وتعسُّفٌ كثيرٌ في الكلام.
وقيل: قد يكونُ على معنى الاستعارةِ، فإنَّ المرادَ بالتفديةِ هنا: التَّعظيمُ والإكبارُ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يفدِي إلَّا من يُعظِّمه، وكأنَّ مرادَه في هذا: أبذلُ نفسِي ومن يعزُّ عليَّ في رضاكَ وطاعتِك، وقد ذكرَ المازَريُّ: أنَّ بعضَهم رواه: «فاغفِر لَنَا بذاكَ ما ابتغينا» وهذا لا إشكالَ فيه، لكنَّه لم يكُن عندَ أحدٍ من شيوخِنا في الصَّحيحَينِ.
وقد تقدَّمَ الخلافُ في حرفِ الباءِ في قوله: «اقتفَينا» وقد ضبطنا في هذا الحرفِ: فداءٌ وفداءً بالرَّفعِ على الابتداءِ، أو خبرِه؛ أي: نفسِي فداءٌ لك، أو فداءٌ لك نفسِي، والنَّصبِ على المصدرِ.
وذكرنا في حرفِ الرَّاءِ قوله: «قَطِيفَة فَدَكيَّة» [خ¦٤٥٦٦] والخلافَ فيه والصَّوابَ.
قوله في حديثِ خُطبةِ الفتحِ: «إما أن يُعقَلَ، وإمَّا أن يُفادَ أهلُ القتيلِ» وفي بعضِ الرِّواياتِ قالَ البخاريُّ: «يُقَادُ» [خ¦١١٢] بالقافِ، وكذا الرِّوايةُ عندَنا فيه في جميعِ النُّسخِ في بابِ كتابةِ العلم [خ¦١١٢]، وحكَى الدَّاوديُّ فيه: «يُفادَى» وهو اختلالٌ بمعنَى: يُعقَلَ، وقد ذكرَه البخاريُّ في (بابِ من قُتل له قَتيلٌ) -ومسلمٌ- «إمَّا أن يُودَى وإما أن يُقَادَ» [خ¦٦٨٨٠] وهذا موافقٌ للرِّوايةُ الأولى، وذكرَه مسلمٌ: «إما أن يُفدَى، وإمَّا أن يُقتَل» وذكرَه أيضاً: «إما أن يُعطى -يعني الدِّيةَ- وإمّا أن يُقادَ أهلُ القَتِيل» وكلُّه بمعنًى.
الفاءُ معَ الذَّالِ
١٨١٩ - (ف ذ ذ) قوله: «لا يَدعُ شَاذَّة ولا فَاذَّة» [خ¦٢٨٩٨]، و «إلَّا هذِه الآيةُ الجامِعَة الفَاذَّة» [خ¦٢٣٧١]، ويروى: «الفَذَّة»، و «فَاذَّة»؛ بمعنَى: «شاذَّة» سواء، وكذلك فذَّة،
стр. 1004
وكلُّه بمعنى منفردٍ؛ أي: لا يدعُ أحداً ولا من شذَّ وانفردَ، ولا يَسلَمُ منه من خرجَ عن جماعةِ العسكرِ ولا من فيه، وإنَّما هي عبارةٌ عن المبالغةِ؛ أي: لم يدعْ نفساً إلَّا قتلَها واستقصاها وهو مَثَلٌ؛ يقال لمن استقصَى الأمرَ؛ أي: لم يترُك ما وجدَ واجتمعَ، ولا ما شذَّ وانفردَ.
قال ابنُ الأعرابيِّ: يقال: ما يدعُ فلانٌ شاذاً ولا فاذاً؛ إذا كانَ شجاعاً لا يلقاه أحدٌ إلَّا قتلَه، ومعنى: «الآية الجامِعَة الفَاذَّة» أي: العَامَّةُ لجميعِ أفعالِ الخيرِ بقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] إلى آخرِها، فعمَّ في الحُمُر ما فسَّره ﵇ في الخيلِ وغيرِ ذلك، ومعنى الفَاذَّةِ؛ المنفردةِ القليلةِ المثلِ في بابِها.
وقوله: «صَلاةُ الجَماعَة تَفضُل صلاةَ الفَذِّ» [خ¦٦٤٥] منه؛ أي: المنفردِ المصلِّي وحدَه، ولغةُ عبدِ القيسِ فيه: فنذ بالنُّونِ؛ وهي غُنَّة، وكذا يقولُه أهلُ الشَّام.
فصلُ الاخْتِلافِ والوَهمِ
وقعَ في روايةِ القابسيِّ والأَصيليِّ على المروزيِّ في حديثِ قتيبةَ في غزوةِ خيبرَ: «لا يَدَعُ شاذَّة ولا قاذَّة» بالقافِ، قال الأَصيليُّ: وكذا قرأتُه على أبي زيدٍ، وضبطَه في كتابِه، ولا وجهَ له وهو تغييرٌ، وإن كان قد قالَ بعضُهم: لعلَّه بدالٍ مهملةٍ بمعنَى جماعةٍ، وقادَّةٌ من النَّاسِ؛ جماعةٌ، ومنه: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] والذي عندَ القعنبيِّ والجُرجانيِّ وغيرِهما: «فاذَّة» كما لهم في غيرِ هذا الموضعِ من البخاريِّ [خ¦٢٨٩٨].
وفي مسلمٍ وغيرِه من الأمَّهاتِ.
إلَّا أنَّه وقعَ للقابسيِّ في حديثِ القعنبيِّ بالنُّونِ، وللكافَّةِ: «فَاذَّة» بالفاءِ، وله وجهٌ يَقرُب؛ أي: شاردَةٌ، لكن المعروفُ الفاءُ، وما أُرَى هذا كلَّه إلَّا وهماً، إذ المثلُ المضروبُ بالفاءِ معلومٌ مشهورٌ.
وقوله في كتابِ الأدبِ في البخاريِّ في حديثِ مُحيِّصَةَ: «ففداهُم رسولُ الله ﷺ من عندِه» كذا في جميعِ النُّسخ، وهو وهمٌ، وصوابُه: «فَوَدَاه» كذا في «الموطَّأ» ومسلمٍ.
الفاءُ معَ الرَّاءِ
١٨٢٠ - (ف ر ث) قوله: «يَعمِد إلى فَرثِها» [خ¦٥٢٠] الفَرثُ: ما في الكَرشِ، ومنه قوله تعالى: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦].
١٨٢١ - (ف ر ج) قوله ﵇: «عليه فَرُّوجُ
стр. 1005
حَرِير» [خ¦٣٧٥] بفتحِ الفاءِ وتشديدِ الرَّاءِ، ويقال بتخفيفِها أيضاً؛ هو القُباءُ الذي فيه شَقٌّ من خلفِه، وكذا فسَّرَه البخاريُّ، وقولها: «مَثَلُك يا أبا سَلَمَة مَثلُ الفُرُّوج» بضمِّ الفاءِ وتشديدِ الرَّاءِ لا غير، وهو الفتيُّ من ذُكورِ الدَّجاجِ معروفٌ.
وقوله: «فُرِج سقفُ بَيتِي» [خ¦٣٣٤٢] أي: فُتِح فيه فتحٌ بتخفيفِ الرَّاءِ على ما لم يُسمَّ فاعلُه، و «فَرَج صدرِي» [خ¦٣٤٩] أي: شَقَّه وفَتَح فيه، كما جاءَ في روايةٍ أخرَى: «فَشُقَّ» [خ¦٣٢٠٧]، و «فَرَّجَ بينَ أصابعِه» * [خ¦٥٦٣٩] أي: فتحَ بينَها وفرَّقَها وبدَّدَها، و «فَرَّج بين يَديه» [خ¦٣٩٠] أي: فرَّقها ولم يتضامَّ.
و «إذا وَجدَ فُرجةً نصَّ» بضمِّ الفاءِ؛ أي: سَعَةً من الأرضِ، وقد ذكرنا اختلافَ أصحابِ «الموطَّأ» فيه، والفُرجَةُ: الخَلَلُ بينَ الشَّيئَينِ، وجمعُها فُرُج بضمِّ الفاءِ فيهما، ويقال: فَرْجٌ في الواحدِ؛ بفتحِ الفاءِ وسكونِ الرَّاءِ أيضاً.
و «لعلَّ الله يَفرُجها عنكم» [خ¦٢٣٣٣] أي: يوسِّعُها، وكذلك: «ففَرَجَ لنا منه فُرجَةً» ثلاثيٌّ، والوجهُ هنا الضَّمُّ من السَّعةِ، ومنه: «فما فرَّجُوا عنه حتَّى قَتَلُوه» أي: ما أقلعُوا وتَنحُّوا، والفُرُوجُ: الخللُ بينَ الأصابعِ، وأمَّا من الرَّاحةِ فالفَرَجُ بفتحِهِما، ويقال فيه: فَرْجةٌ بفتحِ الفاءِ وسكونِ الرَّاءِ أيضاً.
ومنه: «مَن فَرَّج عن مسلمٍ كُربةً» [خ¦٢٤٤٢] أي: أراحَه منها وأزالَها مشدّداً، ومنه قولُ الشَّاعرِ:
لها فَرجة كَحَلِّ العِقالِ
وقوله في فتحِ مدينةِ الرُّوم: «فتفرَّجُ لَهُم» أي: تتَّسعُ وتنفتحُ، وفي الاستصحاءِ: «إلا انفَرَجَت» [خ¦٩٣٣] يعنِي السَّحابَ أي: انقطعَ بعضُها من بعضٍ، وبقيت بينهما فُرجَةٌ.
١٨٢٢ - (ف ر ح) قوله: «أحبُّ إليَّ من مَفرُوحٍ به» [خ¦١٦١٨] أي: ممَّا يُسَرُّ بِه المرءُ، ولا يُقال دونَ: «به»، ويقال: من مُفرِحٍ، بضمِّ الميم وكسرِ الرَّاءِ، من قولك: أفرَحَني الشَّيءُ؛ إذا سرَّني فهو مُفرِحٌ.
وقوله: «فوَثَب إليه فَرِحاً» بفتحِ الرَّاءِ عندَ ابنِ عيسَى على المصدرِ، وعندَ الجمهورِ بكسرِها على الحالِ، وهو أشهرُ في الرِّوايةِ، وهما صحيحانِ من جهةِ المعنى واللَّفظِ.
وقوله: «لله أشدُّ فَرَحاً بتوبة عَبدهِ»، و «أفرحُ بتَوبة عَبدِه» [خ¦٦٣٠٨] في
стр. 1006
الرِّوايةِ الأخرى، معناه: رضاهُ بذلك، وإلَّا فالفرحُ الذي هو السُّرورُ، وانبساطُ النَّفسِ، لا يليقُ به لكن في طيِّ ذلك الرِّضى عمَّا يُسَرُّ به المسرورُ، فعبَّر عنه بالفرحِ مبالغةً فيه.
١٨٢٣ - (ف ر د) قوله: «سبقَ المفَرِّدون» بفتحِ الفاءِ وكسرِ الرَّاءِ، كذا ضبطناه، قال ابنُ الأعرابيِّ: يقالُ: فَرَّد الرَّجلُ -مشدَّد الرَّاءِ- إذا تفقَّه واعتزلَ النَّاسَ، وخلا بمراعاتِه الأمرَ والنَّهيَ، قال ابنُ قتيبةَ: هم الذين هلكَ لِدَاتُهُم من النَّاسِ، وبَقُوا هم يذكرونَ الله.
وقال الأزهريُّ: هم المتخلُّون عن النَّاسِ بذكرِ الله، وقيل: المنفردُ بذكرِ الله الذي لم يَخلِط به غيرَه، وبعضُها قريبٌ من بعضٍ، راجعةٌ إلى معنى الانعزالِ عن النَّاسِ لعبادةِ الله، وقد جاءَ مفسراً في حديثٍ: «قيل: مَنِ المفرِّدون؟ فقال: هم الذين أُهتِرُوا في ذكر الله، يَضَعُ الذِّكرُ أثقالهم فيأتون … خِفَافاً».
وقيل: أُهتِرُوا: أصابَهم خَبَالٌ، وقيل: المفرِّدُون: الموحِّدونَ الذين لا يَرون إلَّا الله تعالى، واعتقدوه واحداً فرداً وأخلصوا له بكلِّيتهم، وهو من معنى ما قبله، وقيل: معناه مثل قولهم: هَرِمَ فلانٌ في طاعةِ الله؛ أي: لم يزل ملازماً لها حتَّى هرمَ، وقيل: اهتِرُوا واشتهروا، وقيل: أولعُوا.
وقوله: و ﴿فُرَادَى﴾ [الأنعام: ٩٤] هو وفرادٌ بمعنًى؛ جَمعُ فَردٍ، وفَرد وفَرِيد.
وقوله: «حتَّى تَنفَرِدَ سَالِفَتِي» [خ¦٢٧٣١] معناه: أُقتلُ أو أموتُ، أي: تَبِيْنَ عن جسدِي بسيفٍ أو تنقطعَ أوصالُه في القبرِ، والسَّالفةُ: أعلى العُنُقِ، وقيل: حَبْلُه، وقيل: صَفْحَتُه، وقيل: العِرقُ الذي بينَ الكتفِ والعُنُقِ، والأوَّلُ أعرفُ، وقيل: حتَّى أنفردَ عن النَّاس بموتِي في القبرِ، والأوَّلُ أولى وأشبَه بذكرِ السَّالفةِ.
وقوله: «في الفِردَوسِ الأَعلَى» [خ¦٦٥٦٧] قيل: هو بالسِّريانيَّةِ: الكرومُ، وقيل: ربوةٌ في الجنَّة؛ هو أوسطُها وأعلاها وأفضلُها.
١٨٢٤ - (ف ر ط) قوله: «أَنا فَرَطُكُم على الحَوضِ» [خ¦٦٥٧٥]، و «كَان له فَرَطاً»، و «اجعَله لنا فَرَطاً» [خ¦٢٣/ ٦٥ - ٢١٠٨]، و «تَقدُمِين على فَرَطِ صِدقٍ» [خ¦٣٧٧١] الفَرَطُ: بفتحِ الفاءِ والرَّاءِ الذي يتقدَّمُ الوَارِدةَ فيهيِّئُ لهم ما يحتاجونَ إليه، وهو في هذه الأحاديثِ المتقدِّمُ للثَّوابِ والشَّفاعةِ والجنَّةِ، والنَّبيُّ ﷺ يتقدَّم أمَّته ليشفعَ لهم، وكذلك الولدُ لأبويهِ وللمؤمنينَ المصلِّينَ عليه وللمصلِّينَ على المؤمنين أجراً لهم وثواباً، يقال منه: فَرَطٌ -مخفَّفاً- وفَارِطٌ؛ والجمعُ: فُرَّاطٌ.
وقوله: «وتَفارَطَ الغَزوُ» [خ¦٤٤١٨]
стр. 1007
قيل: معناهُ تأخَّرَ وقتُه، وفاتَ من أرادَه، وهو من السَّبقِ؛ أي: سبقَ الغُزاةُ فلم يلحقْهم غيرُهم، و «فرَّطَ في كذا»، و «التَّفريطُ»، و «غيرَ مفرِّطٍ» [خ¦١٥٣٠]؛ كلُّه من التَّقصيرِ وتركِ الشَّيءِ وعدم الاهتبالِ به، ويقال: أفرطتُ الشَّيءَ: نسيتُه وتركتُه، وأفرطَ والإفراطُ أيضاً؛ هو التَّزيُّد في الشَّيءِ وإخراجُه عن حدِّه من قولٍ أو فعلٍ.
١٨٢٥ - (ف ر ك) قوله: «لا يَفرَك مُؤمنٌ مؤمنةً» بفتحِ الياءِ والرَّاءِ وقد تُضَمُّ الرَّاءُ، أصلُه في النِّساءِ، يقال: فَرِكَتِ المرأةُ زوجُها تفركه؛ بكسرِ الرَّاءِ في الماضي وفتحِها وضمِّها في المستقبلِ، فَرْكاً وفِرْكاً وفُرُوكاً؛ إذا أبغضتَه، واستعمالُه في الرِّجالِ قليلٌ، وفي روايةِ العُذريِّ: «لا يَفرُك مُؤمِنٌ من مُؤمِنةٍ» و «من» هنا زائدةٌ وهماً، وأُراها تكرَّرَت؛ الميمُ والنُّونُ من مؤمنٍ، وقد حُكي الفَركُ عامّاً في الرِّجالِ والنِّساءِ، قال يعقوبُ: الفَركُ: البُغضُ، ومنه قولُ بعضِهم: إنَّها حسناءُ فلا تُفرَك.
١٨٢٦ - (ف ر ص) قوله: «فِرصَةٌ مُمَسَّكَة» [خ¦٣١٥] بكسرِ الفاءِ، هي القِطعةُ من القطنِ أو الصُّوفُ، وفَرَصتُ الشَّيءَ قَطعتَه بالمِقراضِ، وهي حديدةٌ يُقطَع بها، ويكونُ معنَى مُمَسَّكة؛ أي: مُطيَّبة بالمسكِ، وقيل: ذاتُ مِساكٍ؛ أي: بجلدِها، وقد تقدَّمَ.
وقوله في الحديث الآخر: «فِرصةٌ من مَسك» [خ¦٣١٤] بفتحِ الميمِ؛ أي: من جلدٍ فيه شَعرُه، ومن رواهُ بكسرِ الميم أرادَ مِسكَ الطِّيبِ، وقد ذكرناه في الميم، وجاءَ في كتابِ عبدِ الرَّزاقِ مُفسَّراً: «يَعنِي بالفِرصَة السُّكَّ، وقال بعضهم: الذَّرِيرة» كذا جاءَ في حديثِه بهذَينِ التَّفسيرَينِ، وذكرَ بقيَّة الحديثِ وذكرَه ابنُ قتيبةَ: «قَرْضَة» بقافٍ مفتوحةٍ وضادٍ معجمةٍ؛ يريدُ قِطعةً أيضاً، وقد تصحَّفَ قديماً هذا الحرفُ، كأنَّه يعنِي بالفِرصَةِ القِطعةَ من ذلك، ومُمَسَّكة على هذا؛ أي: مُطيَّبة بالمسكِ، وقال الدَّاوديُّ: «بفِرصَةٍ مُمَسَّكةٍ» أي: فِرصَةٍ فيها مَسكٌ.
١٨٢٧ - (ف رض) قوله: «بين فُرضَتَي الجَبَل» [خ¦٤٩٢]، و «بينَ الفُرضَتَين» بضمِّ الفاءِ، و «فُرضَة من فُرَضِ الخَندَقِ» [خ¦٦٢٧]؛ فُرضَةُ النَّهرِ من حيثُ يُورَد للشُّربِ منه، وفُرضَةُ البَحرِ حيثُ تنزلُه السُّفنُ وتُركَب منه، وفُرضَةُ الشَّيءِ المتَّسِعُ منه، وقال الدَّاوديُّ: الفُرضَتَان من الجَبلِ الثَّنيتانِ المُرتفعتانِ كالشُّرافتَينِ إلَّا أنَّهما كبيرانِ، ولم يَقُل شيئاً.
و «فَرِيضَةُ الله على العِبَادِ» [خ¦١٥١٣] يريدُ الحجَّ، و «فَرَائِضُ الله» ما ألزمَ عبادَه وأوجبَه عليهم؛ مأخوذٌ من فرضِ القوسِ، وهو الحزُّ والقطعُ الذي في طرفِه للوترِ، ليَثبُت فيه ويلزمَه ولا يحيدَ عنه.
وقوله: «وفَرَضَ رسولُ الله ﷺ زكاةَ
стр. 1008
الفِطر» [خ¦١٥٠٣] قيل: قدَّرها وبيَّنَها، وهو مذهبُ بعضِ أهلِ البَصرةِ وبعضِ أهلِ الحجازِ من الفقهاءِ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وفَرَضَ الحاكمُ النَّفقةَ للمرأةِ؛ أي قدَّرها، وقيل: معنى «فَرَضَ زَكاةَ الفِطرِ» ألزَمها وأوجبَها، وهو مذهبُ أكثرِ المالكيَّةِ وأهلِ العراقِ.
وفرَّق بعضُهم بَين فرَضَ بالتَّخفيفِ وفرَّضَ بالتَّشديدِ، فبالتَّشديدِ بمعنى: فصَّل وبيَّن، وبالتَّخفيفِ بمعنَى: ألزمَ، وعليه تأوَّلوا القِراءتَينِ في قوله تعالى: ﴿سورة أَنزَلْنَاهَا وَفَرَّضْنَاهَا﴾ [النور: ١] قراءةُ التَّخفيفِ بمعنَى: ألزمناكُم العملَ بما فيها، وبالتَّشديدِ بمعنى: فصَّلناها وبيَّنا ما فيها.
وقوله: «هذه فريضَةُ الصَّدقةِ التي فَرَض رسولُ الله ﷺ على المسلمينَ، والتي أمرَ الله بها رسولَه» [خ¦١٤٥٤] بمعنَى: قدَّرها؛ لأنَّه قد بيَّن أنَّ الله هو الذي ألزمَها وأمرَ بها.
وقوله: «مَن مَنَع فَريضَة من فَرائِضِ الله -إلى قوله- كانَ حقّاً على المسلمينَ جِهادُه» ظَاهِرهُ ما وجبَ عليه إخراجُه في الزَّكاةِ، وهي الفَريضةُ التي تَلزَمُه، وقيل: إنَّه على عمومِه في سائرِ الفرائضِ المشروعةِ.
وقوله في الفَريضةِ: «تَجِبُ على الرَّجلِ فلا تُوجَد عِندَه» أي: ما يجبُ إخراجُه من سِنٍّ في الزَّكاةِ.
وقوله: «صَدَقة الفَرْضِ من غيرِها» يريدُ العينَ، وقوله: «فلم يَستَثنِ صَدَقَة الفَرْضِ» بسكونِ الرَّاءِ، يحتملُ أنَّه يريدُ العينَ، يقال: ما له فرضٌ ولا عرضٌ، ويحتملُ أنَّه أرادَ بالفرضِ هنا الواجبَ.
وقوله في قيامِ رمضانَ: «خشيتُ أن يُفرَضَ عليكم» قيل: خشيَ أن يكونَ ذلك فرضاً من الله، فرغبَ في التَّخفيفِ عن أمَّته، وقيل: يحتملُ أن يريدَ: يعتقِدَها من يأتي فرضَاً إذا أدركَ المداومةَ عليها في الجماعةِ.
وقوله: «في كُلِّ أُنملةٍ من الإبِل ثلاثُ فَرائِض، وثُلث فَريضةٍ» يُرِيد إعدادَ ما يُؤخَذ من الإبلِ في الدِّيةِ، وسُمِّيت فريضةً لتقديرها بذلك، أو لأنَّها أُلزِمت عِوضَ ذلك، وكذلك يحتملُ الوجهَين في قوله: «هذه فَرِيضَةُ الصَّدقة التي فَرَضها رسولُ الله» [خ¦١٤٥٤].
وقوله: «فرَكَضَتنِي فَريضةٌ من تلك الفَرائِض»؛ أي: «نَاقَةٌ» [خ¦٧١٩٢] كما قالَ في الحديثِ الآخرِ، سُمِّيت بذلك لأنَّها كانت من إبلِ الصَّدقةِ، كما تقدَّم، وقيل: الفَرِيضةُ هنا: المُسِنَّة، والأوَّلُ الصَّوابُ.
стр. 1009
١٨٢٨ - (ف ر ع) قوله: «لا فَرَع» [خ¦٥٤٧٣] بفتحِ الفاءِ والرَّاءِ، قال أبو عبيدٍ: الفَرَعُ والفَرَعَةُ بفتحِ الرَّاءِ؛ أولُ ما تلدُ النَّاقةُ، وكانوا يذبحونَه لآلهتِهم فنُهي المسلمونَ عنه، ونحوُ هذا التَّفسير في الحديثِ نفسِه، وقيل: كانَ الرَّجلُ في الجاهليَّة إذا تتامَّت إبلُه مئةً قدَّم بَكْراً فنحرَه لصنمِه فهو الفَرَعُ.
وقد جاءَ حديثُ: «من شاء فرَّع» وفي حديثِ آخرَ: «في كلِّ سَائِمةٍ فَرَع»، وفي حديثِ: «أمر النَّبيُّ ﷺ بالفرَع في خمسين شاة» وقال بهذا بعضُ السَّلفِ، وأكثرُ فقهاءِ الفَتوى يقولونَ بتركِه والنَّهي عنه، وقد بسطنا الكلامَ عليه في غيرِ هذا الكتابِ.
وقوله: «وكانت تَفرَعُ النِّساءَ» أي: تطولهنَّ، والفارعةُ والفرعاءُ والفُرُوعُ: ما ارتفعَ من الأرضِ وتصاعدَ، وفَرْعُ الشَّجرةِ ما علا منها وطالَ عن جذمها.
وقوله: «وفُرُوع أُذُنَيه» أي: أعالِيها، وفروعُ كلِّ شيءٍ أعلاه.
وقوله: «كنَّا نَنَصرِفُ في فُروعِ الفَجِر» أي: أَوائِلَه وأوَّل ما يبدو ويرتفعُ منه.
١٨٢٩ - (ف ر غ) قوله: «افرُغْ إلى أضيافك» يكون بمعنَى: اعمِد واقصِد، يقال: منه فَرَغ يفرُغ، ومنه: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرَّحمن: ٣١] ويكونُ بمعنَى الفراغِ المعروفِ؛ أي: تخلَّ عن كلِّ شُغلٍ للشُّغلِ بهم.
وقوله: «اخرُج بأُختِك من الحَرم فلْتُهلَّ بِعُمرَة ثمَّ افرُغَا، ثمَّ ائتيا هَا هُنا» [خ¦١٥٦٠] أي: أكمِلا عملَ العمرةِ، وبعدَه: «حتَّى إذا فَرَغْتُ، وفَرَغْتُ … -وبعدَه- قال: أفَرَغتُم» [خ¦١٥٦٠] كلُّه بمعنًى، لكنَّ بعضَهم قال صوابُه: «حتَّى إذا فَرَغ وفَرَغتُ» وسنذكرُه.
١٨٣٠ - (ف ر ق) قوله: «فَرَق رسول الله ﷺ » [خ¦٣٥٥٨]، و «كَانُوا يَفرُقون» [خ¦٣٥٥٨] بفتحِ الماضِي وضمِّ المستقبلِ، وبتخفيفِ الرَّاءِ، وقد يشدُّها بعضُهم، والتَّخفيفُ أشهرُ، يقال: فرقتُ الشَّعر أفرِقُه فَرْقاً؛ بالسُّكونِ.
وقد انفَرَقَ شَعْرُهُ وهو انقسامُه في المَفرِق وسطَ الرَّأسِ، وأصلُه من الفرقِ بينَ الشَّيئَينِ، والمفرِقُ مكانُ فرقِ الشَّعرِ من الجبينِ إلى دائرةِ وسطِ الرَّأسِ، يقال بفتحِ الميم وكسرِها، وكذلك مفرقُ الطَّريقِ، وسُمِّي القرآن فُرقاناً؛ لتفريقِه بين الحقِّ والباطلِ، وسُمِّي عمرَ الفاروقَ لذلك.
وقوله: «مُحمدٌ فَرْقٌ ما بينَ النَّاسِ» [خ¦٧٢٨١] أي: يفرُق بينَ المؤمنين باتِّباعِه، والكفَّار بمعاداتِه والصُّروفِ عنه.
وقوله: «كأنَّهما فِرقَان من طَيرٍ» أي: جماعتان، وقد تقدَّم الخلافُ فيه في حرفِ الخاءِ.
стр. 1010
وقوله: «قد فُرِق لي رأيٌ» بضمِّ الفاءِ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه مخفَّفَ الرَّاءِ؛ أي: كُشِفَ وأُظهِر وبُيِّن، قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦] أي أحكمناهُ وفصَّلناه.
وقوله في حديث الجسَّاسَة: «ففرِقنا منها»، ومثلُه: «ففرِقنا أنَّك نَسِيتَ يمينَك» أي: ذَعَرنا وفَزِعَنا؛ بكسرِ الرَّاءِ. ومنه: «فكأنَّما أنظرُ إلى الله فَرَقاً» أي: فَزَعاً وخوفاً، ومِنهُ: «فَفَرِقتُ أن يَفوتَني الغَدَاء» أي: خشيتُ وخِفتُ، والفَرَق -بفتح الرَّاءِ-: الفَزَعُ، وقد ذكرنا الخلافَ في هذا الحديثِ في العينِ.
وقوله: «إنَّما هو الفَرَقُ» هو قدرُ ثلاثةِ أَصْوعٍ، يقال بفتحِ الرَّاءِ وهو الأشهرُ، وسنذكرُه والخلافَ فيه بعدُ.
وذُكِر «الثَّوبُ الفُرقُبيُّ» بضمِّ الفاءِ والقافِ وبعدَ القافِ باءٌ، كذا ضبطناه في «الموطَّأ» وكذا ذكرَه الخطابيُّ، وقال: هي ثيابٌ بيضٌ من كتَّانٍ، منسوبةٌ إلى فُرقُوب فحذفوا الواوَ في النِّسبةِ، وفي بعضِ رواياتِ «المدوَّنة» «القُرقُبيَّة» بقافينِ، وفي «العينِ»: الثِّيابُ القُرقُبيَّة ثيابُ كتَّانٍ بيضٍ؛ بقافَينِ.
١٨٣١ - (ف ر س) قوله: «فيُصبِحُون فَرسَى» جمعُ فريسٍ؛ أي: قتلَى مثلُ صَرِيع وصَرعَى، من قولهم: فَرَسَ الذِّئبُ الشَّاةَ وافترسَها؛ إذا أخذَها.
وذُكِر «الفَرسَخُ» [خ¦٣١٥١] وهو ثلاثةُ أميالٍ، وأصلُه الشَّيءُ الدَّائمُ الكثيرُ، وذُكِر «الفِرسِك» بكسرِ الفاءِ والسِّينِ وهو الخَوخُ، وقيل: نوعٌ منه أملسُ.
وقوله: «ولو فِرسِن شاة» [خ¦٢٥٦٦] بكسرِهما أيضاً هو كالقدَم من الإنسانِ، قال غيرُ واحدٍ: وهو ما دونَ الرُّسغِ وفوقَ الحافرِ.
١٨٣٢ - (ف ر ش) قوله: «تهافَت الفَراشُ على النَّارِ» * [خ¦٣٤٢٦] بفتحِ الفاءِ؛ هو ما يتطايرُ من الذُّبابِ والبَعوضِ يطيرُ باللَّيلِ ويتساقطُ في النَّارِ، الواحدُ والجميعُ سواءٌ؛ قاله ابنُ دريدٍ، وقال غيرُه: يقال للخفيفِ من الرِّجالِ وغيرِه فراشةٌ.
وقوله: «والمنقَّلة التي طارَ فَراشُها من العَظم» بفتحِ الفاءِ؛ هي العظمُ الرَّقيقُ الذي على الدِّماغِ، وأصلُه من العظام الرِّقاقِ التي تتداخلُ، قال ابنُ دريدٍ: في مقدَّمِه نحو الجبهةِ والجبينِ، وقال صاحبُ «العينِ»: هي الطَّرائقُ الرِّقاقُ من القِحْفِ، وقال أبو عبيدٍ: الفَراشُ ما يتطايرُ من عظام الرَّأسِ.
وقوله: «الولد للفراش» [خ¦٢٠٥٣] أي: لمالكِ الفراشِ من زوجٍ أو سيِّدٍ،
стр. 1011
هي كنايةٌ عن الواطئِ المفترشِ لها بوجهِ الحقِّ لذلك، وهو من اختصارِ الكلام وإيجازِه وجامعِه، ويقال: افترشَ فلانٌ فلانةً إذا تزوَّجَها.
وقوله: «لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُم غَيرَكم» كنَّى بالفُرُشِ هنا عن النِّساءِ، أو من أجلِ النِّساءِ اللَّاتي يُجامَعنَ عليها، ومنه قوله: «زوَّجتُك وفَرشتُكَ» [خ¦٥١٣٠] أي: جعلتُ حرمتي لك فِراشاً، كنايةً عمَّا تقدَّم.
وقوله: «و … يفرِش رجلَه اليُسرَى» ثلاثيٌّ: بكسرِ الرَّاءِ؛ أي: يبسُطُها.
١٨٣٣ - (ف ر و) قوله في حديث الهجرة: «فَفَرشتُ له فَرْوةً» [خ¦٣٩١٧] ويروى: «فَبَسطتُ عليه فَروة» [خ¦٣٦١٥] قيل: هي حشيشةٌ يابسةٌ، أو قطعةٌ من حشيشٍ يابسٍ، وقد يحتمل أن يكونَ على وجههِ، وفي بعضِ طرقِه في البخاريِّ في بابِ الهجرةِ: «ففرشتُ له فروةً معي» وهذا يُشعِر ظاهرُه أنَّ الفروةَ هنا من اللِّباسِ المعلومِ لا الحشيش.
وفي حديثِ موسى والخَضِر: «إنَّما سُمِّيَ خَضِراً لأنَّه جَلَس على فَروةِ أرضٍ بيضاء، فإذا هي تهتزُّ خضراء» * [خ¦٣٤٠٢] قال الحربيُّ: هي قطعةٌ يابسةٌ من حشيشٍ، وقال المطرِّزُ عن ابنِ الأعرابيِّ: الفروةُ أرضٌ بيضاءُ ليسَ فيها نباتٌ، وقال أبو الهيثم الكُشميهنيُّ: الفروةُ: جِلدةُ أرضٍ، وقال عبدُ الرَّزاقِ: هي الأرضُ اليابسةُ، قيل: يريدُ الهشيمَ اليابسَ، وهو نحو ما تقدَّم.
١٨٣٤ - (ف ر ي) قوله: «يَفرِي فَرِيَّه» [خ¦٣٦٣٣] بكسرِ الرَّاءِ وشدِّ الياءِ، ويقالُ بسكونِ الرَّاءِ أيضاً، وبالوجهَينِ ضبطناه على شيوخِنا أبي الحسينِ وغيرِه، وأنكرَ الخليلُ التَّثقيلَ وغلَّطَ قائلَه، ومعناه يعمَلُ عمَلَه ويقوَى قوَّتَه، يقال: فلانٌ يفرِي الفَرِيَّ؛ أي: يعملُ العملَ البالغَ.
ومنه: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] أي: عظيماً عَجَباً، يقال منه: فَرِيتُ إذا قطعتَ وشققتَ على جهةِ الإصلاحِ، وأفريتُ إذا فعلتَه على جهةِ الإفسادِ، ومنه قولُ حسَّان: «لأفرينَّهم … فريَ الأَدِيم» يريدُ لأقطعنَّ أعراضَهم تقطيعَ الأديمِ وتشقيقَه.
وقوله: «ما فَرى الأوداجَ» أي: شقَّها وقطعَها، كذا روايتُنا فيه، وقيل: بل هو في كلام العربِ أفرَى إذا شقَّها وأخرجَ ما فيها وقتلَ صاحِبَها، فكأنَّه من الإفسادِ عندَه، قال القاضي ﵀: والرِّوايةُ صحيحةٌ؛ لأنَّ الذَّكاةَ إصلاحٌ لا إفساد، وقيل: فرَى المزادةَ: خَرَزَها، كأنَّه يريدُ قطعَها للخَرْزِ، وأفرَى الجُرحَ: بطَّه.
стр. 1012
وقوله: «مِن أفرَى الفِراءِ -ممدودٌ- أن يدَّعي الرَّجلُ غيرَ أبيه» [خ¦٣٥٠٩] أي: من أشدِّ الكذبِ، والفِريةُ: بكسرِ الفاءِ؛ الكذبةُ العظيمةُ، يقال: منه فَرِيَ: بالكسرِ يَفرِي، وافترَى افتراءً وفِريةً؛ إذا كذَبَ واختلَقَ كلاماً زوراً.
فصلُ الاختلافِ والوَهم
قوله: «ألم أركَ فرَغْتَ لأبي بكرٍ وعمرَ كما فرَغْتَ لعثمانَ» كذا قيَّدناه على القاضي أبي عليٍّ: بالرَّاءِ والغين المُعجمةِ، من الفراغِ والتَّهمُم، كما قدَّمناه في بابه، وقيَّدناه على أبي بحرٍ وغيرِه: «فزِعْتَ» بالزَّاي والعينِ المُهمَلة؛ من الذُّعر والهيبةِ، أو من الهبوبِ والمبادرةِ، كما سنذكُره بعدَ هذا في بابِه، وهذا هنا أظهَر.
وقوله في روايةِ أبي النَّضرِ في حديثِ الوَباءِ: «فلا يخرجنَّكم إلّا فرارٌ منه» بالضَّمِّ عندَ أكثرِ الرُّواة عن يحيى «للموطأ»، ولابنِ بُكيرٍ وغيرِه من رواة «الموطَّأ» وهو البيِّنُ، والوَجه: أي لا تخرجُوا بسببِ الفرارِ ومجرَّدِ قصدِه لا لغيرِ ذلك، فإنَّ الخروجَ للسَّفر والحاجةِ مباحٌ، كما قال: «فلا تخرجوا فِراراً منه» [خ¦٣٤٧٣]، ورواه القعنبيُّ: «إلَّا الفِرارُ منه» وكذلك قالَ ابنُ أبي مريمَ وأبو مصعبٍ من رواةِ «الموطَّأ»، وهكذا رواه الجوهريُّ عن يحيى بنُ يحيى.
ورواه أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ في «الموطَّأ» وعليه اختصرَه في «التَّقصِّي»: «إلّا فِراراً منه» [خ¦٣٤٧٣] بالنَّصبِ، قال: ووقعَ في نُسَخ بعضِ شيوخِنا: «إلَّا فراراً، وإلَّا فرارٌ» بالرَّفع والنَّصب، قال: وكذلك كان في كتابِ يحيَى، قال: ولعلَّ ذلك كان من مالكٍ، وأهلُ العَربيَّة يأبون هذه الرِّواية؛ لأنَّ دخولَ «إلَّا» هنا بعدَ النَّفي لإيجابِ بعضِ ما نُفي من الخروجِ، فكأنَّه نَهى عن الخروجِ إلَّا للفرارِ خاصَّةً وهذا ضدُّ المقصِدِ، والمنهيُّ عنه، إنَّما هو الخروجُ للفرارِ خاصَّة لا لغيرِه.
وبعضُهم جوَّز ذلك وجعلَ قوله: «إلَّا فراراً» حالاً لا استثناءً؛ أي لا تخرجُوا إذا لم يكن خروجُكم إلَّا للفرارِ، فتطابقَ الرِّواية والرِّواية الأخرى: «فلا تخرجُوا فراراً منه» و «لا يُخرجنَّكم الفرارُ منه» يتبيَّن ذلك منه، ووقعَ للقَنازعيِّ ووهبِ بنِ مسرَّة: «فلا يخرجكم الإفرارُ» وهذا وهمٌ وتغييرٌ، لا يقال: أفرَّ، إنَّما يقال في هذا: فرَّ لا غير، قال القاضي: يقال: أفرَّه كذا يَفرُّه.
ومنه قول النَّبيِّ ﷺ لعدي: «إن كان لا يُفِرُّكُ من هذا الدِّين إلَّا كذا» فيكون المعنى:
стр. 1013
يخرجكُم إفرارُه إيَّاكم.
وقوله: «البيِّعان بالخيارِ ما لم يتفَرَّقا» كذا لكافَّة رواةِ «الموطَّأ» ومسلمٍ والبُخاريِّ [خ¦٢٠٧٩]، وعندَ أبي بحرٍ عن العُذريِّ في حديثِ يحيى بنِ يحيى عن مالكٍ: «ما لم يَفْتَرِقا» [خ¦٢١٠٨] وكلاهُما بمعنًى، لكن اختلفَ الفُقهاء في معنى هذا التَّفرُّق، فذهبَ مالكٌ وأصحابُه إلى أنَّه بالقولِ، وذهب جمهورُهم إلى أنَّه بالأبدانِ، وذهبَ بعضُ اللُّغويِّين وحكاهُ الخطَّابيُّ عن المفضَّل بنِ سلمةَ إلى التَّفريق بين اللَّفظَينِ، فقال: يفتَرِقا باللَّفظ، ويتَفرَّقا بالأجسامِ.
وقول مالكٍ: «من قَرَنَ الحجَّ والعمرةَ، ثمَّ فاته الحجُّ، فعليه أن يحجَّ قابلاً، ويَفرُق بين الحجِّ والعمرةِ» كذا عندَ أحمد بنِ سعيدٍ من رواةِ «الموطَّأ»، ولغيرِه: «ويقرِنَ» وهو الصَّوابُ ومذهبُ مالكٍ المعلومُ.
وقوله: «فرَّق المُصْعَبُ بينَ المُتلاعنَين» كذا لابنِ ماهانَ، ولغيرِه: «لم يفرِّقِ المُصْعَبُ»، وضبطَه بعضُهم: «لِمَ فرَّق المصعبُ؟»، والأشبَه أنَّ الصَّحيحَ روايةُ من روَى: «لم يفرِّقْ» بدليلِ آخرِ الحديثِ.
وقولُه في فضلِ العِشاءِ: «فرَجَعنا فَرُحنا بما سمِعْنا من رسولِ الله ﷺ » كذا عندَ جماعةٍ، وعندَ الأَصيليِّ أيضاً: «وفرِحْنا» [خ¦٥٦٧]، وعندَ أبي ذرٍّ: «فرحَى» وهو وجهُ الكلامِ، جمعُ فارحٍ.
وفي عُمرةِ عائشةَ من روايةِ ابنِ بشَّارٍ: «حتَّى إذا فرَغْتُ … وفرَغْتُ» كذا في النُّسخِ من كتابِ البُخاريِّ [خ¦١٥٦٠]، قال بعضُهم: ولعلَّه: «حتَّى إذا فرغ وفرغتُ» يعنِي: أخاها، وبعدَه: «أفرغتم»، وفي أوَّلِ الحديثِ: «ثمَّ افرُغا، ثمَّ ائتياني».
وقوله: «إنَّ للإيمانِ فرائضَ» [خ¦٢/ ١ - ١٠] هذا المعروفُ والصَّحيحُ، ووقعَ للجُرجانيِّ: «إنَّ للإيمانَ فرائعَ» وليسَ بشيءٍ.
وقوله في حديثٍ: «ولا أنامُ على فِراشٍ» ووقعَ في بعضِ النُّسخِ ووجدتُه في كتابي: «على فراشي» والأوَّل أوجَه؛ لأنَّه لم يَرد تخصيصُ فراشِه من غيرِه.
وفي (بابِ الفتنِ): «بعثتُ أنا والسَّاعة كهاتَين، وفرَّق بين السَّبَّابةِ والوسطى» كذا للجُرجانيِّ وابنِ السَّكن والنَّسفي، ولغيرِهم: «وقَرَنَ» [خ¦٥٣٠١] وهو المعروفُ والصَّوابُ والمذكورُ في غيرِ هذا البابِ.
وقوله: «كنت شاكياً بفارسَ، وكنت أصلِّي قاعداً، فسألتُ عن ذلك عائشةَ» كذا الرِّواية في جميعِ نُسَخ مسلمٍ بالباءِ والفاءِ، وكان القاضي الكِنانيُّ يقول: صوابُه نقارِس جمعُ نِقرِس، وهو وجعٌ يأخُذ في الرِّجلِ، وعائشةُ لم تدخُل قطُّ بلادَ فارِس، قال
стр. 1014
القاضي ﵀: ليس يقتضِي ضرورةُ الكلامِ أنَّه سألَها بفارسَ، ولعلَّه إنَّما سألها بعدَ وصولِه إلى المدينةَ، أو حيثُ لقيها عن صلاتِه جالساً هل تُجزِئُه، وهو ظاهرُ الحديثِ؛ لأنَّه إنَّما سألها عن شيءٍ كان قد فعلَه.
وقوله: «في إناءٍ هو الفَرق» في الغُسلِ من الجنابةِ، رويناه بإسكانِ الرَّاء وفتحِها عن شيوخِنا فيها، والفتحُ للأكثرِ، قال الباجِيُّ: وهو الصَّوابُ، وكذا قيَّدناه عن أهلِ اللُّغة، قال: ولا يقال فيه فَرْق بالإسكانِ، ولكن فَرَق: بالفتحِ، وكذا حكَى النَّحَّاس، وحكى ابنُ دريدٍ: أنَّه قد قيلَ بالإسكانِ.
ومثله في الحديثِ الآخرِ: «فَرَق أَرُزٍّ» [خ¦٢٣٣٣] وهو نحوُ ثلاثةِ آصُعٍ، وقيل: يسعُ خمسةَ عشرَ رطلاً؛ وهو إناءٌ معروفٌ عندَهم.
وفي كتابِ الحجِّ في الفِدية: «تصدَّقْ بفَرَقٍ بين ستَّةِ مساكينَ» [خ¦١٨١٥]، وفي الحديثِ الآخرِ: «أطعِمْ ثلاثةَ آصُعٍ» وهذا نحوُ ما تقدَّم؛ لأنَّ في كلِّ صاعٍ أربعةُ أمدادٍ، والمدُّ-على مذهبِ الحجازيِّين-: رِطلٌ وثلثٌ، فيأتي الفَرَق على هذا ستَّةَ عشرَ رِطلاً، وتقدَّمَ الخلافُ والكلامُ على قولِه في حديثِ الخوارجِ: «يخرجون على خير فِرْقةٍ» في حرفِ الخاءِ.
وقوله في «الموطَّأ» في البيعةِ: «ولا نأتيَ ببُهتان نفترينَه» كذا عندَ يحيى بنِ يحيى بنونَينِ وإثباتِ العلامتَينِ للجمعِ، وهو غلطٌ، ولا تجتمعُ العلامتانِ بوجهٍ، والصَّوابُ ما لجماعةِ الرُّواةِ: «نَفْتَرِيه».
وقوله في (بابِ زكاةِ العُروضِ): «فلم يستَثْنِ صدقةَ الفَرْضِ من غيرِها» [خ¦٢٤/ ٣٣ - ٢٢٧٩] كذا لجمهورِ الرُّواة؛ يعني العينَ، وعندَ بعضِهم: «العرَض» بالعينِ، وبعدَه أيضاً: «فلم يخُصَّ الذَّهبَ والفِضَّةَ من العُروضِ» بالعينِ لكافَّتهم، وعندَ عبدوسٍ: «من الفُروضِ» بالفاءِ، وضبَّب عليه.
الفاءُ مع الزَّاي
١٨٣٥ - (ف ز ر) قوله في حديثِ سعدٍ: «ففزَر أنفَه وكان مَفْزوراً» معناه: شقَّه، يقال: فزَرتُ الثَّوب، مخفَّف الزَّاي.
١٨٣٦ - (ف ز ع) قوله: «ففزِعَ النَّبيُّ ﷺ من نومِه» أي: هبَّ، وكذلك في حديثِ الوادِي: «ففزِعوا» أي: هَبُّوا وقامُوا من نومِهم.
ومنه: «فافْزَعوا إلى الصَّلاةِ» [خ¦١٠٤٦] أي: بادِروا إليها، وقيل: اقصدُوا إليها، ويكون أيضاً بمعنى: استَغيثوا من فزعِكم بالله فيها، وقيل: فزعِوا: ذُعِروا خوفَ عدوِّهم أن يعلَم بغفلتِهم، وقيل: فزعِوا خوفَ المؤاخذةِ
стр. 1015
بتفريطِهم في الصَّلاةِ ونومِهم عنها، ويكون فَزَعُ النَّبيِّ ﷺ أيضاً على هذه الوجوهِ، أو لإغاثتِه النَّاس من فزعِهم؛ يقال: فزِعَ: استغاثَ، وفِزِعَ: أغاث.
وقولهم: «فَزِعَ أهلُ المدينةِ» [خ¦٢٨٢٠] أي: ذُعِروا، وقيل: استغاثُوا، وقد يكونُ قوله: في فزعِ أهلِ الوادِي من الذُّعرِ والخَوفِ من الإثمِ؛ لتأخيرِ الصَّلاةِ أو من الخوفِ من العدوِّ لو أصابَهم في تلك النَّومةِ، يقال: فَزِعَ فلانٌ من نومِه؛ إذا انتبه وهبَّ منه، وفَزِعَ: إذا خافَ، وفَزِعَ: إذا استغاثَ.
ومنه في حديثِ السَّارِقة: «ففزِعوا إلى أسامةَ» [خ¦٤٣٠٤] أي: استغاثُوا به ليشفَع لهم، وفَزِعَ: إذا أغاثَ، كلُّه بكسرِ الزَّاي، وقيل في أغاثَ ونصَر: أفزَع، بالفتحِ، قالوا: وهي أعلا.
وفي حديثِ الاستئذان: «أتاكُمْ أخوكُمْ قد أُفزِعَ»، ويروى: «افتُزع» كلُّه من الذُّعر، وقد يصحُّ أن يكون هذا افتُزع؛ أي استغاثَ بكم واسنتصَر، وقوله: «فإنَّ الموتَ فَزَعٌ» أي: ذُعْر.
الفاء مع الطَّاء
١٨٣٧ - (ف ط ر) قوله: «كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفِطْرةِ» [خ¦١٣٥٨]، و «أصَبْتَ الفِطرةَ» [خ¦٣٤٣٧]، و «على غيرِ الفِطْرةِ» [خ¦٧٩١] كلُّها بكسرِ الفاءِ، قيل: الفِطرة الدِّين الذي فطرَ الله عليه الخلقَ، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقد رُوِيَ: «يولَدُ على المِلَّةِ» وهو المرادُ في هذا كلِّه.
وقيل: المرادُ في الحديثِ الأوَّل ابتداءُ الخَلْق وما فُطِر عليه في الرَّحِم من سعادةٍ أو شقاوةٍ، وأبواه يحكمان له وعليه في الدُّنيا بحُكِمهما، وقيل: الفِطرةُ هنا أصلُ الخِلقَة من السَّلامة، والفِطرَة ابتداءُ الخِلْقة، والله فاطرُ السَّماواتِ والأرضِ؛ أي: المبتدئُ بخلقِهما؛ أي يُخلَق سالماً من الكُفر وغيرِه، متهيِّئاً لقبولِ الصَّلاحِ والهُدى، ثمَّ أبواه يحملانِه بعدُ على ما سبقَ له في الكتابِ، كما قالَ آخرَ الحديثِ: «كما تُنتَجُ البهيمةُ بهيمةً جَمعاءَ، هل تحِسُّ فيها من جَدْعاءَ؟» وقيل: على فطرةِ أبيه؛ يعني حُكَم دينِه.
وقوله: «تفطَّرَت رِجلاه» [خ¦١٩/ ٦ - ١٧٩٠] أي: تتشقَّقُ وتَرِمُ من طولِ القيام، كما قالَ في الحديثِ الآخر: «حتَّى ترِمَ» [خ¦١١٣٠]، و «حتَّى تنتَفِخَ» [خ¦٦٤٧١].
١٨٣٨ - (ف ط م) قوله: «غلامٌ فطيمٌ» * [خ¦٦٢٠٣]، و «فَطِمَ»، و «يفطِم»، و «فطَمَته أمُّه» كلُّه هو قطعُ الصَّبيِّ عن الرَّضاعِ، وأمُّه فاطمةٌ له، ومنه اشتقاقُ اسمِ فاطِمة، وفي حديثِ الإمارةِ: «وبِئْسَتِ الفاطِمةُ» [خ¦٧١٤٨] استعارةٌ للعزلِ لفظة الفِطَام لقَطعِه مرافق الإمارَة.
стр. 1016
وفي الحديثِ: «اقسِمه خُمُراً بين الفواطِم» جمعُ فاطِمة، وهنَّ أربعٌ، كذا جاءَ في بعضِ رواياتِ الحديثِ: «بينَ الفواطِم الأربعِ» وقد جاءَ في بعضِ تفاسيرِ الحديثِ اسمُ اثنتَينِ منهنَّ، وفي بعضِها اسمُ ثلاثٍ، وفي بعضِها أنهنَّ أربعٌ، فأمَّا الاثنتانِ فقالَ القُتبيُّ: إحداهُما فاطِمة بنتُ رسُول الله ﷺ زوجُ عليٍّ، والأخرى: فاطِمة بنتُ أسدِ بنِ هاشم أمُّه، ولا أعرِفُ الثَّالثةَ. قال أبو منصور الأزهريُّ: هي فاطمةُ بنتُ حمزةَ.
قال القاضي: والرَّابعةُ فاطِمة بنتُ عتبةَ زوجِ عقيلِ ابنِ أبي طالبٍ: وهي التي سارَ معاويةُ وابنُ عبَّاسٍ حكمَين بينهما أيَّام عثمانَ ﵁.
فصلُ الاختلافِ والوهم
قوله: «وعليها دِرْعُ فطرٍ» كذا للقابسيِّ وابنِ السَّكن في (بابِ الاستعارةِ للعروسِ) بالفاءِ، ولغيرِهم: «قِطْرٍ» [خ¦٢٦٢٨] بالقافِ المكسورةِ على الإضافةِ، وهو الصَّوابُ؛ وهو ضربٌ من ثيابِ اليمنِ تُعرَف بالقِطريَّة فيها حُمرَة، قاله الخطابيُّ، وفسَّره بعضُهم أنَّه من غليظِ القُطن.
وقوله في حديثِ عائشةَ وسلامِ اليهودِ: «ففطِنَتْ بهم عائشةُ» كذا في النُّسخِ من مسلمٍ، وفي روايةِ جميعِ شيوخِنا بالفاءِ والنُّون، وقد جاءَ في روايةِ ابنِ الحذَّاء: «فقطَّبت لهم» بالقافِ والباءِ بواحدةٍ، من القطوبِ وعُبُوسِ الوجهِ، والأوَّل الصَّوابُ وأشبَه بمساقِ الكلام، وإن كانَ لهذا وجهٌ.
الفاءُ مع الظَّاءِ
١٨٣٩ - (ف ظ) قوله: «أنتَ أفظُّ وأغلَظُ» [خ¦٣٢٩٤] هما بمعنًى من شِدَّة الخُلُق وخُشونَة الجانبِ، ولم يأتِ هنا أفعلُ للمفاضلةِ مع النَّبيِّ ﷺ ، لكن بمعنى: فظٍّ وغليظٍ، أو تكون للمفاضلةِ، وتكونُ الغلظةُ في جهة النَّبيِّ ﷺ فيما يجبُ من الخشونةِ والغِلظة على أهلِ الباطلِ، كما قال تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] وتكونُ عند عمرَ زيادةٌ في غيرِ هذا من الأمورِ، فيكون «أغلظَ» لهذا على الجملةِ لا على المُفاضلةِ فيما يُحمَد من ذلك.
١٨٤٠ - (ف ظ ع) قوله: «لم أرَ كاليومِ منظَراً أفظَعَ» [خ¦٤٣١] أي: أعظمَ وأشدَّ وأهيبَ وأفظعَ منها؛ بمعنى: أشدَّ فظاعةً ممَّا سواه من المناظرِ الفَظيعةِ، فحذفَ اختصاراً لدلالة الكلامِ عليه.
وقوله: «إلى أمرٍ يُفْظِعُنا» [خ¦٣١٨١]
стр. 1017
أي: يُفزِعنا ويعظُم أمرُه، ويشتدُّ علينا، وهو ممَّا تقدَّم.
الفاءُ مع الكاف
١٨٤١ - (ف ك ك) قوله: «هذا فَكاكُكَ من النَّار» بفتحِ الفاءِ؛ أي خلاصُك منها ومعافاتُك، ومنه: فَكاكُ الرَّقبة؛ تخليصُها من الرِّق، وفَكاكُ الرَّهنِ: تخليصُه من عُهدَة الارتهانِ وإطلاقُه لربِّه، و «فُكُّوا العاني» [خ¦٣٠٤٦] أي: افدُوا الأسيرَ وخلِّصوه من الأسرِ.
الفاءُ مع اللَّام
١٨٤٢ - (ف ل ت) قوله: «كانت بيعةُ أبي بكرٍ فَلْتةً» [خ¦٦٨٣٠] بسكونِ اللَّام وفتحِ الفاءِ، ووجدتُه بخطِّ الجَيَّانيِّ فيما قيَّدَه عن ابنِ سراجٍ: «فلتة» بالضَّمِّ وبالفتحِ معاً، والفَلْتَة: كلُّ شيءٍ عُمِل على غيرِ رويِّةٍ وبودرَ به انتشارُ خبرِه، هذا تأويلُ أبي عبيدٍ وغيرِه هنا، وقد أنكرَه بعضُهم وقال: هذا لا يصحُّ، وهل كان تقديمُه إلَّا بعدَ مشاورةٍ من المهاجرينَ والأنصار.
وإنَّما معناه ما رُوِيَ عن سالم بنِ عبدِ الله ابنِ عمرَ وقد سُئِل عن تفسيرِ قول عمرَ هذا فقال: كان أهلُ الجاهليَّة يتحاجزونَ في الأشهرِ الحُرُم، فإذا كانت اللَّيلة التي يُشَكُّ فيها -يعني آخرَ ليلةٍ من الشَّهر الحرام، وهي ليلةُ ثلاثين، وهي تسمَّى عندَهم: الفَلتَة- أدغَلوا فيها وأغارُوا، يريدُ: ويحتجَّون بأنَّها من الشَّهر الحلال الذي بعدَه، وأنَّ الشَّهر الحرامَ كان ناقِصاً.
قال سالم: وكذلك كان يوم مات رسُول الله ﷺ أدغَل النَّاس، من بين مدَّعِ إمارةٍ أو جاحدِ زكاةٍ، فلولا اعتراضُ أبي بكرٍ دونَها كانت الفَضِيحة، وإلى هذا المعنى ذهبَ الخطابيُّ في تفسيرِها؛ إذ كان موتُه بعدَ الأمنِ في حياتِه ﷺ شِبه الفَلْتة آخرَ شهورِ الحرم.
وفي الحديثِ الآخرِ: «إنَّ أمِّي افتُلِتَت نفسها» [خ¦١٣٨٨] أي: ماتت فجاءَةً، وقيل: اختُلِسَت نفسُها، وهو من نحوِ ما تقدَّم، و «نفسَها» نصبٌ على مفعولٍ ثانٍ وهو أكثرُ الرِّواياتِ، ورواه بعضُهم: «نفسُها» بالضَّمِّ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكذا قيَّده الخطابيُّ، قال: أُخذِت نفسُها فجأةً، وبالوجهَين قيَّدَه أبو عليٍّ الجَيَّانيُّ وغيرُه من شيوخِنا.
وذكرَه ابنُ قتيبةَ: «اقتتلت» بقافٍ بعدَها تاءانِ باثنتَينِ فوقَها، وقال: هي كلمةٌ تقال لمن ماتَ فجاءةً، ولمن قتلتَه الجنُّ من العشقِ،
стр. 1018
والأوَّل المعروفُ المشهورُ في الرِّواية والمعنَى لا ما قاله.
قوله: «إنَّ شيطاناً تفلَّتَ عليَّ البارِحةَ» [خ¦٤٦١] معناه: توثَّب إليَّ وتسرَّع لضرِّي، وقد ذكرناه.
وقوله: «حتَّى إذا أخذَه لم يُفلِتْه» [خ¦٤٦٨٦] أي: لم ينفلِت منه، ويكون معناه: لم يخلِّصه غيرُه منه، يقال: أُفلِتَ الرَّجل فأَفلَتَ وانفلتَ.
١٨٤٣ - (ف ل ج) قوله: «المُتَفَلِّجاتِ المغيِّراتِ خلقَ الله» [خ¦٤٨٨٦] وهو نحوُ تفسيرِ الوَاشِرات والمُؤتشِرات وقريبٌ من ذلك، وهنَّ اللَّاتي يأشُرنَ أسنانهنَّ بحديدةٍ حتَّى يُفلِّجنَها، والفَلَجُ بفتحِ الفاءِ واللَّام: فُرجَةٌ وتفسُّحٌ بينَ الثَّنايا؛ قاله الخليلُ، وقال غيرُه: بينَ الأسنانِ، وقال بعضُهم: بينَ الثَّنايا والرَّباعيَّات، والفَرَق بفتحِ الرَّاء بينَ الثَّنيَّتَين فقط.
ومنه في صِفته ﵇: «أفلَج الأسنانِ» ولكن لا يُقال فيه أفلَجَ كذا إلَّا إذا أُضيفَ إلى الأسنانِ، فيقال: أفلَجُ الأسنانِ، أو مُفلَّجُ الأسنانِ، وإنَّما يقال: أفلَج مطلقاً في الرِّجل والدَّوابِّ للمُتباعدِ ما بينَ الرِّجلَين، كذا قال ابنُ دريدٍ، وغيرُه يقول: أفلَج وفَلجَاء في الأسنانِ دونَ إضافةٍ، وقيل: الفَلَجُ تفرُّق أصولِ الأسنانِ، والفَرَق: تفرُّق رؤوسِ ما بينَ الثَّنايا، والرَّجلُ: أفلَج وأفرَق.
١٨٤٤ - (ف ل ح) قوله: «أفلَحَ الرَّجلُ إن صدَقَ» [خ¦٤٦] أي: أصابَ خيراً وفازَ بذلك، والفَلَح بفتحَ اللَّام، والفلاحُ: البَقاء، وقيل: الفوزُ، ومنه: «حيَّ على الفلاح» [خ¦٦٥/ ٥٩ - ٧١٨٨] أي: هلمَّ إلى عملٍ يوجبُ لك البقاءَ الدَّائمَ في الجنَّة، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] قيل: الفائزونَ، وقيل: الباقون في الجنَّة.
وقوله: «لو قلتَها وأنتَ تملِكُ أمرَكَ أفلحْتَ كلَّ الفلاحِ» أي: فُزتَ وخُلِّصتَ من الإسارِ، وفي حديثِ هرقل: «هل لكم في الفَلاحِ» [خ¦٧] أي: الفوزِ والبقاءِ في الجنَّة.
١٨٤٥ - (ف ل ذ) قوله: «وتقيءُ الأرضُ أفْلاذَ كَبِدِها» يعني: كنوزَها ومعادِنها، والأفلاذُ: القِطَع، واحدتُها: فِلذَة، شبَّه ما يَخرُج من باطِنها من ذلك بالأكبادِ التي تكونُ في البُطونِ مستورةً، ورفعةَ ذلك ونفاسَتَه بفِلذَة الكبدِ؛ وهو أفضلُ ما يُشتوى من البعيرِ عندَ العربِ وأَمْرَؤُه.
١٨٤٦ - (ف ل ك) ذكر: «الفَلَك» [خ¦٤٧٣٩] بفتحِ الفاءِ واللَّام؛ وهو فَلَكُ النُّجوم، قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] وجمعُه: أفلاكٌ، وذكر: «الفُلْك» [خ¦٣٤/ ١٠ - ٣٢٢٢] بضمِّ الفاءِ وسكونِ اللَّام؛ وهي السَّفينةُ، وقيل: هي
стр. 1019
جمعٌ واحدُها فُلُك، وقيل: لفظُه في الواحدِ والجمعِ سواءٌ فُلْك كقولِهم: امرأةٌ هِجان، ونسوةٌ هِجان.
١٨٤٧ - (ف ل ل) وقوله في حديثِ أمِّ زرعٍ: «شَجَّكِ أو فَلَّكِ» [خ¦٥١٨٩] قيل: معنى فلَّكِ أي: كسرَكِ، ويقال: ذهبَ بمالك، ويقال: كسرَ حُجَّتك وكلامَك بكثرةِ خصومتِه وعذلِه.
وقوله: «بهنَّ فُلو لٌ» [خ¦٣٩٧٣] يعني السُّيوف بها ثُلَمٌ، وهو الكسرُ القليلُ في حدِّه، من الضَّرب بها لشيءٍ آخرَ.
وقوله: «وفيه فَلَّةٌ فُلَّها يومَ بدرٍ» [خ¦٣٧٩٣] هو ما يكونُ من التكسُّر والتَّأثيرِ في حدِّ السَّيف ومجرَّد الحديدِ.
وقوله: «أيْ فُلُ» [خ¦٢٨٤١] هو ترخيمُ: يا فلان، ولا يقال إلَّا في النِّداءِ، وقيل: هو لغةٌ أخرى في ذلك، وهو الأشهرُ.
١٨٤٨ - (ف ل غ) قوله: «إذاً يفلغوا رأسي» يقال: بالعَين والغَين بمعنى يشقُّوا أو يشدَخُوا، وقد ذكرناه والخلافَ فيه في حرفِ الثَّاءِ.
١٨٤٩ - (ف ل ق) قوله في الرُّؤيا: «مثل فلَقِ الصُّبح» [خ¦٣] بفتحِ اللَّام؛ يعني انشقاقَه وبيانَه وخروجَه من الظَّلام، شبَّهها به لبيانِها في إنارتِه وضوئِه وصِحَّته، ويقال: فَرَقِ الصُّبح أيضاً بالرَّاءِ، وقال الخليلُ وغيرُه: الفَلَق: الفَجر.
وقوله: «مثل فِلقة جفنةٍ» بكسرِ الفاءِ؛ أي: نصفِها، قاله ثابتٌ، قال: ويقال سمعتُ ذلك من فَلْقِ فيه؛ بفتحِ الفاءِ وسكونِ اللَّام، وقوله: «فأخرج فِلَقَ خُبزٍ» أي: كِسَرَه، جمع فِلْقة، ككِسرة وكِسَر.
١٨٥٠ - (ف ل س) قوله: «إفلاسُ الغَريم»، و «من أدرك ماله عند رجل قد أَفلَس» [خ¦٢٤٠٢] ومثلُه في غيرِ حديثٍ، كذا يقال: بفتحِ الهمزةِ واللَّام؛ أي قلَّ مالُه، وأصلُه من الفَلَسِ؛ أي: صارَ ذا فلوسٍ بعدَ أن كان ذا دنانيرَ ودراهمَ فهو مفلِسٌ بكسرِ اللَّام، وجاءَ في روايةِ السَّمرقنديِّ والهَوزنيِّ في حديثِ ابنِ رُمحٍ: «أيُّما امرئٍ فُلِّسَ» وليس بشيءٍ، وكذا يقوله الفُقهاء، ولغيرِه: «أفلَسَ» وهو الصَّوابُ.
١٨٥١ - (ف ل و) قوله: «كما يربِّي أحدُكم فَلُوَّه» [خ¦١٤١٠] بفتحِ الفاءِ وضمِّ اللَّام، وهو المُهْرُ؛ لأنَّه يُفلى عن أمِّه؛ أي: يُعزَل ويُتَّخذ، وحكي فيه فِلْوٌ: بكسرِ الفاءِ وسكونِ اللَّام، وحكاه الدَّاوديُّ، وأنكرَ ابنُ دريدٍ وغيرُه غيرَ الوجهِ الأوَّلِ فيه.
وقوله: «بفَلاةٍ من الأرضِ»، و «بأرضِ فَلاةٍ»، و «فضل ماءٍ بالفَلاة» هي المفازةُ والقَفرُ منها التي لا
стр. 1020
أنيسَ بها ولا عمارةَ، ذكرَه بعضُهم في حرفِ الواوِ، وبعضُهم في حرفِ الياءِ.
فصلُ الاختلافِ والوَهمِ
قوله في انصرافِ المصلِّي عن ابنِ عمرَ: «إنَّ فلاناً يقول» كذا لابنِ بُكيرٍ وغيرِه من رواة «الموطَّأ»، ويحيى بنُ يحيى يقول: «إنَّ قائلاً يقول»، وفي العتقِ: «أَعتِقْ فلاناً والولاءُ لي» كذا للجمهورِ عن مسلمٍ، وعندَ الهَوزنيِّ: «أَعتِقْ فلانُ» [خ¦٢٥٦٣] وهو الصَّوابُ على النِّداءِ؛ أي: أعتقْ يا فلانُ.
وقول البخاريِّ: «الفُلْكُ والفَلَكُ واحدٌ» [خ¦٦٥/ ١١ - ٦٧٩٨] كذا لبعضِ رواتِه، ولآخرينَ: «الفُلْك والفُلْك واحدٌ» وهو الصَّوابُ، يقال للواحدِ والجميع كذلك بلفظٍ واحدٍ، وهو مُراد البخاريِّ، وقد ذكرناه والخلافَ فيه، ومن قال: إن واحدَه فُلْك، وقد تُخرَّج على هذه الرِّواية.
وفي حديثِ بَريرةَ: «يقول أحدُهم: أعتِقْ فلاناً والولاءُ لي» كذا رويناه في كتابِ مسلمٍ، قال بعضُ المتعقِّبين: صوابُه: «أعتِقْ فلانُ» على النِّداءِ، وكذا رواه البخاريُّ: «أعتِقْ يا فلانُ» [خ¦٢٥٦٣].
وقوله في صِفةِ الصِّراطِ: «وحَسَكةٌ مُفَلْحطةٌ» كذا في الأصولِ، والمعروفُ: «مُفَلْطَحةٌ» [خ¦٧٤٣٩] بتقديمِ الطَّاء على الحاءِ؛ أي: واسعةٌ، قال الأصمعيُّ: هو الواسعُ الأعلى الرَّقيقُ الأسفلِ.
قوله في كتابِ الرَّجم في حديثِ عمرَ: «بلغني أنَّ فُلاناً يقول» [خ¦٧٣٢٣] كذا للجرجانيِّ، وللباقين: «قائلاً» [خ¦٦٨٣٠] وهو المعروفُ.
وقوله في حديثِ: «مَثَلُ المؤمنِ مثَلُ خامةِ الزَّرعِ … لا يفُلُّها شيءٌ» كذا للسِّجزيِّ والطَّبريِّ، ولغيرهما: «يُفيئُها» أي: يُميلُها، كما جاءَ في الألفاظِ الأُخر في سائرِ الأحاديثِ، وكما قال: «تميلها» مبيَّناً في بعضِها، و «تصرَعُها» في بعضِها.
وممَّا يلحق به ممَّا ليسَت فيه الفاءُ أصليةً قوله: «حجَّ أنسٌ على رَحلٍ، فلم يكُنْ شَحيحاً» كذا لغيرِ الأَصيليِّ من الرُّواةِ، وعندَ الأَصيليِّ: «ولم يكنْ» [خ¦١٥١٧] بالواوِ، وهو الصَّوابُ، قال أبو ذرٍّ: لو شاءَ حجَّ على مَحْملٍ ولكنَّه تواضَع.
الفاءُ معَ الميم
١٨٥٢ - قوله: «وقد سقَط فمُه» [خ¦٦٥٥٨] أي: أسنانُه، وقوله: «إلَّا أن يَرى في فمِها نجاسةٌ» ويروى: «في فِيِّها»، وكذلك
следующие страницы →