والمروءة، يمكن أن يسمى به إلى أعلى صورة، صورة الدراسات الإنسانية، ومن أجل هذا أقبلوا على اليونان برغبة في العلم غير محدودة تمتاز بالحرية الباطنية والتفتح، اتجه الشرقيون لا إلى الإنسانية وإنما إلى الظفر بالقداسة وبالنجاة.
ولهذا نرى أن المثل الأعلى ذا الطابع الديني المرتبط بالعقائد الثابتة عند الشرقيين لم يسْمُ حينما انكشف له الفكر اليوناني إلى استهداف غايات جديدة، وإنما اشتد في حركته -هو- الخاصة.
ولم يكن هذا فحسب: فإن الإمكان الحاسم، الجديد الذي تبدى آنذاك أمام الشرقيين: كان هو استغلال التراث اليوناني من أجل "توكيد" نوازعهم الخاصة.
لذا لم يكن طبع الحضارة الشرقية بطابع الهلينية، حركة نهضة أو ميلادا جديدا، وبعثا لقديم، وإنما كان استمرارا في المحافظة عليه وتخليده.
فاستفاد القوم في "الشرق" من القوى اليونانية، بإمكان تنظيم هذا الخليط العديم الصورة من المنقولات الأسطورية، والنبوية، والتشريعية، والمثلية، وترتيبه تحت وجهات نظر رئيسية موحدة يسيرة، ثم جعلها تتواتر في صورة أثبت، وقبل كل شيء: جعل فهم تقاليدهم الخاصة وقيمتها مفتوحا أمام غيرهم ممن هم خارج نطاق جماعتهم الحضارية.
وفي رأيه أن العلة التي جعلت الأثر اليوناني عقيما في الشرق هي كما يقول:
وهكذا نرى العلة الرئيسية أن التراث اليوناني في الشرق، قد كان ذا عقم بالغ حتى الأعماق، وإن لم يكن هذا التراث أقل نفوذا وتعبيرا منه عند الرومان، وهذا العمق لا يمكن أن ننعته إلا بأنه كان مؤلما فما تعلمه الشرقيون من اليونان: أفادهم في الاستغلال العربي له، لا في الظفر بتنشئة جديدة وترقٍّ في الثقافة.
ومن ناحية أخرى يتبدى جليًّا الآن: لماذا كان السؤال -الموجه إلى الحضارة الروحية الشرقية- عن العلة في أنها لم تستطع إيجاد نزعة إنسانية تتجدد من جيل إلى جيل؟
стр. 177
يقول- أي المؤلف: لماذا كان هذا السؤال ليس سؤالا صادرا عن خارج أو عن وجهة نظر لا تقوم في طبائع الأشياء نفسها، بل هو سؤال له أساس في جوهر الأمور عينها؟
والنتيجة النهائية هي كما يقول: إن كل من يدخل مع اليونانيين في صلة حيوية يوضع أمام الاختيار بين إحدى خصلتين:
- إما أن يتتلمذ لهم -أي لليونانيين- عن وعي وإرادة.
- وإما أن لا يفعل.
يشرح المؤلف ذلك فيقول: فإن تأثير يونان له من الصولة، وكذلك قوة عقلهم المفكر، المنظم لمجموع الواقع المطلق لنفسه، هو من الإقناع بالنسبة إلى كل إنسان يكون على علم به بحيث لا يوجد ثَم مندوحة عن هذه القوة وذلك التأثير، فمن يلق اليونانيين لا بد أن يتعلم منهم، والمسألة: هي فيما إذا كان سيحول هذه الضرورة إلى إرادة حرة ويعرف كيف يشكر اليونانيين من أجلها أم لا.
نلاحظ أن المؤلف بدا يظهر بوضوح ألمه من عدم استفادة الشرق من التراث الهليني، وأخذ يوطئ لذلك بما قاله عن الشرق وهو:
إن عدم نجاح رسالة التراث اليوناني في الشرق راجع بالدرجة الأولى إلى تمسك الشرق بتقاليده وتراثه، فما أحب الشرق أن يكون تلميذا، ولا أحب أن يفعل، وإذا كان اليونان أحب أن يكون معلما مسيطرا فإن الشرق قد نبذه.
ثم يقول: والشرقيون اعتقدوا الثقة بتقاليدهم، واعتقدوا أنهم لا يستطيعون أن يأخذوا عن اليونانيين إلا ما ينتسب إلى الصناعة الفنية، وليس عليهم أن يتعلموا منهم توجيها روحيا جديدا، ولم يستطع الشرقيون أن يرتفعوا إلى مستوى الاعتراف الخليق بالنفس العالية الحرة؛ الاعتراف بالرسالة اليونانية، التي يشير بها "هوراس" للرومان في قوله: "يونان مقهورة تقهر المتبربر الظافر".
وبعد أن انتهى الباحث إلى هذه النتيجة؛ وهي أن الثقافة اليونانية رفضها الشرق، وما أخذ منها كان بمثابة الاستفادة، أو ما أدخلوه على صناعتهم الفنية. فالشرق لم
стр. 178
يتتلمذ على اليونان بوعي وإرادة، لذلك عجز التراث اليوناني أن يترك أثرا للنزعة الإنسانية في الشرق.
ولقد كان من الملاحظ حقيقة، ونطمئن إليه، وهو ما أفزع الباحث واقلق عليه باله: هو أن حروب الإسكندر استطاعت أن تغلب الشرق سياسيا، غير أن ثقافته اليونانية لم تستطع أن تقهر الشرق، ولا أن تتغلب عليه، ثم بعد ذلك بدأ منه تجاهل -في حنق وفي عصبية- لا مسوغ له، وليس في طرحه سؤاله؛ إنما في الإجابة عليه، الذي أراد أن يقارن فيما بين ثقافتين: ثقافة روحية يصطبغ بها الشرق اصطباغا، وثقافة عقلية يصطبغ بها الغرب الإغريقي اصطباغا؛ لكن المؤلف يقلق من تلك النتيجة فهو يقول: ومن ثم تتضح الصعوبة غير العادية التي تكمن في مسألة ما إذا كان على المرء أن يرد مركز الثقل في الإنتاج الروحي -وخصوصًا منه الديني والفلسفي- الذي أبدعه الشرق إلى الهليني أو العنصر الشرقي؟ فالمؤلف يستكثر على الشرق أن يكون مبدعًا للروحية تلك التي جعلها منقصة ثقافية، ثم يتابع شرحه فيقول: وتلك مسألة تعرض نفسها بإلحاح خاص في كل درجة من درجات التحول الروحي للمسيحية، وبالنسبة إلى تلك الحركة التي اقتحمت نطاق اليهودية، التي انكفأت على نفسها وغلقت أبوابها باطراد متزايد منذ عهد المكابيين ضد العالم الهليني المحيط، ولكنها في أصولها لم تظهر بعد صورة روحية راسخة، بل ظفرت بها أول مرة بفضل التوغل في أرض هلينية حقًّا.
إن هذه المسألة يجاب عنها بصورة جلية منذ القرن الثالث بعد الميلاد لما أن نما المذهب المسيحي في مدرسة الإسكندرية إلى نظام فلسفي استقصيت فيه الذرائع، وهذا الجواب هو أنه ما من أحد يماري في سيادة الفكر اليوناني في علم اللاهوت المسيحي من ناحيته التنظيمية المذهبية بيد أن الإجابة عن هذه المسألة تترجح وتتردد، حينما يتصل الأمر بنشأة تاريخ المسيحية، وأكثر من هذا حينما يتصل بالحركات ذوات الصلة الماسة بها؛ من حيث: التوجيه في النظرية الكونية وتسير موازية لها، وكذلك أيضا حينما يتصل الأمر بالنظرة الإسلامية في الحياة والوجود التي أتت بعد ذلك.
стр. 179
نقول: إن إجابة تتردد وفقا لكون المرء في أحكامه هنا: هل يبدأ من الأسس العقلية التنظيمية لهذه النظرات في الوجود والحياة؟ أو يبدأ -وهذا أقرب بكثير- إلى هذا المستشرق الذي آراؤه سبقت مقدماته من الموقف الذاتي.
ونحن نلاحظ عليه تردده عندما أخذ يبين الأثر الهليني على المسيحية واليهودية والإسلام، رأيناه متحيزا كما يظهر تردده، حين أراد أن يقومه؛ حيث تساءل: هل يرده إلى العنصر اليوناني أو العنصر الشرقي؟ ثم بعد تردده نراه يقول: الإنتاج الروحي -وخصوصًا- الديني والفلسفي الذي أبدعه الشرق يرجع إلى الهلينية.
أي أن في الشرق ثمرات إبداعية غير أنه أضافها إلى الهلينية، وإذا كان الأمر كذلك؛ أي أن التراث الهليني نجح؟ أليس في هذا ما ينقض نتيجته السابقة وهي أن التراث الهليني لم ينجح في الشرق، ويصبح ما أحصاه على الشرق من نقائص عاقت نموه الثقافي غير حقيقية؛ لأنها إن كانت فيه كامنة فلماذا استجاب لسنة التطور؟
لا شك أنه اعتراف قلق، ذلك الذي جعل المستشرق يعترف "أن في الشرق إبداعا" غير أن حيرته في تساؤله هل هو إبداع راجع إلى العنصر الهليني الذي أعلن أنه فشل في الشرق؟ أو راجع إلى الشرق الذي فيه نقائص تعوق نموه الثقافي؟ حية تنم عن تعصب وتعيننا على وصف نظراته بأنها تحتاج منه إلى مراجعة متأنية مُتَرَوِّيَةً.
ثم راح المؤلِّف بعد ذلك يبين الأثر اليوناني في الشرق، واختار في سبيل إظهار ذلك قضية الكون والوجود.
فقال: ولشق طريق علينا على الأقل خلال هذه المرحلة لا بد أن يتساءل المرء:
أين مجال التاريخ الروحي الحقيقي؟ وإلى أي نقطة يجب أن يتجه انتباهه، حتى يتبين بوضوح: تطور النظرة الكونية، ويقدر على إيضاحها؟ ومن ذا الذي يمكن أن يشك، وهو يضع السؤال على هذا النحو في أن الأسس التصورية للنظرة الكونية وأطوارها هي بعينها التي يمكن تعرفها بيقين، وتعرف درجاتها في تاريخ طور الفكر والتحرر
стр. 180
الذاتي للعقل، بينما التدين الفردي حينما يكون عامرًا بالقوة، والمميزات الخاصة يكون بمعزل عن التحول، بل عن الارتباط الزمني إلى حد أن انتظام أصحابه في خط التحول يصطدم بعقبات لا تكاد تذلل.
ولهذا: لا تكاد توجد إمكانيات أخرى للتأمل التاريخي الروحي عند الشرق غير ابتداء هذه الواقعة؛ ألا وهي:
أن الكلم اليوناني، والفكر اليوناني -وهذا الأخير يكون ممثلا في صفوة محدودة- بحاجة إلى مزيد من الوصف، وقد أثر كلاهما في الشرق، وحَيَا هناك وما زال يحيا حتى العهد الحديث.
وتاريخ الفكر اليوناني في الشرق يقدم لنا الخيط الأحمر، الذي يعين المرء على ضم كثرة من صور النظرة الكونية تحت لواء مركَّب تحولي واحد مليء بالمعاني، وفضلا عن هذا يسمح بربطه ومقارنته بالتاريخ الروحي للغرب.
وهذه المصادرالذاتي للعقل، بينما التدين الفردي حينما يكون عامرًا بالقوة، والمميزات الخاصة يكون بمعزل عن التحول، بل عن الارتباط الزمني إلى حد أن انتظام أصحابه في خط التحول يصطدم بعقبات لا تكاد تذلل.
ولهذا: لا تكاد توجد إمكانيات أخرى للتأمل التاريخي الروحي عند الشرق غير ابتداء هذه الواقعة؛ ألا وهي:
أن الكلم اليوناني، والفكر اليوناني -وهذا الأخير يكون ممثلا في صفوة محدودة- بحاجة إلى مزيد من الوصف، وقد أثر كلاهما في الشرق، وحَيَا هناك وما زال يحيا حتى العهد الحديث.
وتاريخ الفكر اليوناني في الشرق يقدم لنا الخيط الأحمر، الذي يعين المرء على ضم كثرة من صور النظرة الكونية تحت لواء مركَّب تحولي واحد مليء بالمعاني، وفضلا عن هذا يسمح بربطه ومقارنته بالتاريخ الروحي للغرب.
وهذه المصادرة لا شيء أبلغ في تحقيق صحتها من مجرى التحول الحقيقي للفكر الشرقي تبعًا لكونه قد خضع بكل إذعان: لتأثير العقل اليوناني منذ اللحظة التي تعارفوا فيها، وليس في تاريخ النظرة الكونية في الشرق قوة عقلية واحدة، يمكن أن تقارن في أهميتها وجلال شأنها: بالقوة اليونانية، بل يستطيع المرء أن يذهب إلى أبعد من هذا، ويقول:
إن اتجاهات النظرة الكونية -لدى الشرقيين منذ الهلينية- تبلغ في كل حالة، درجة من الوضوح العقلي، وقابلية التعليم والفاعلية، إلا حينما عملت فيها: نظم التطورات العقلية اليونانية، والاستثناء الوحيد في هذا الباب هو: الديانة التشريعية اليهودية.
ثم يقرر المؤلف -وهو بصدد بيان الأثر الإغريقي على الشرق: إن نظرات الشرق في الوجود، أثر إغريقي؛ لأنها خضعت في أطوارها: للفكر والتحرر الذاتي للعقل، واستبعد المؤلف أن تكون هذه النظرات، وليدة التدين؛ لأن التدين -في نظره- حينما يكون عامرا بالتقوى، والمميزات الخاصة، يكون بمعزل عن كل طور،
ة لا شيء أبلغ في تحقيق صحتها من مجرى التحول الحقيقي للفكر الشرقي تبعًا لكونه قد خضع بكل إذعان: لتأثير العقل اليوناني منذ اللحظة التي تعارفوا فيها، وليس في تاريخ النظرة الكونية في الشرق قوة عقلية واحدة، يمكن أن تقارن في أهميتها وجلال شأنها: بالقوة اليونانية، بل يستطيع المرء أن يذهب إلى أبعد من هذا، ويقول:
إن اتجاهات النظرة الكونية -لدى الشرقيين منذ الهلينية- تبلغ في كل حالة، درجة من الوضوح العقلي، وقابلية التعليم والفاعلية، إلا حينما عملت فيها: نظم التطورات العقلية اليونانية، والاستثناء الوحيد في هذا الباب هو: الديانة التشريعية اليهودية.
ثم يقرر المؤلف -وهو بصدد بيان الأثر الإغريقي على الشرق: إن نظرات الشرق في الوجود، أثر إغريقي؛ لأنها خضعت في أطوارها: للفكر والتحرر الذاتي للعقل، واستبعد المؤلف أن تكون هذه النظرات، وليدة التدين؛ لأن التدين -في نظره- حينما يكون عامرا بالتقوى، والمميزات الخاصة، يكون بمعزل عن كل طور،
стр. 181
بل من الارتباط الزمني، إلى حد أن انتظام أصحابه في خط التحول، يصطدم بعقبات لا تكاد تذلل.
وواضح من اتجاهه أنه يميز بين نظرتين بالنسبة إلى الكون والوجود:
- النظرة الدينية: ومميزاتها عدم التطور، والتحير في مصدرها.
- النظرة العقلية: ومميزاتها التطور، ويرجع أصلها: إلى اليونان.
والمؤلف: إذ يضع هذا التمييز بين نظرتين، نراه لا يبني حكمه عليهما ولا يراعيهما في منهجه فضلا عن أننا نلمح تعسفا منه: حينما أسند نظرات الشرق في الوجود إلى الهلينية، في الوقت الذي حاول فيه -سابقا كما بينا- أن يطعن الشرق بعدم قدرته على التطور والعجز عن متابعة الهلينية كما عجزت الهلينية من وجهة نظره -أن تكون دواء لداء الشرق القعيد عن التطور، فكيف ترقى -بعد ذلك- في نظراته حول الوجود؟
ثم يرجع فيقول: ولهذا نرى المثل الأعلى، ذا الطابع الديني المرتبط بالعقائد الثابتة عند الشرقيين: لم يسمُ حينما انكشف الفكر اليوناني إلى استهداف غايات جديدة، وإنما اشتد في حركته هو الخاصة، ولم يكن هذا فحسب، بل إن الإمكانات الحاسمة الجديدة التي تبدَّت آنذاك أمام الشرقيين: كانت هي استغلال التراث اليوناني: من أجل "توكيد" نوازعهم الخاصة.
ولذا لم يكن طبع الحضارة الشرقية بطابع الهلينية حركة نهضة، أو ميدانا جديدا، أو بعثا لقديم، وإنما كان استمرارًا في المحافظة عليه وتخليده".
بعدما قرر المؤلف هذا التقرير: نراه ناقضه، وناهضه، وذلك عندما رد "نظرتهم" إلى الكون والوجود إلى الأثر الإغريقي، واستبعد أن يكون وليد تدينهم".
ولنا بعد ذلك سؤال يقول: وترى هل تراث الشرقيين الخاص بالوجود والكون يدخل تحت وصف المؤلف لتراث الشرق "أنه خليط عديم الصورة"، "أو أنها نظرات على مستوى فكري عظيم" فينحلها إلى اليونان؟ فإذا كانت الأولى فهي وليدة الشرق، وإذا كانت الثانية فهي أثر يوناني وهذا لعمري قسمة ضيزى.
стр. 182
حقيقة الأمر أن المؤلف يتحامل على الشرق حينما ينحل إليه "كل خليط عديم الصورة".
ونراه لا يرى في ذلك استثناء واحدا سوى اليهودية، فيقول:
والاستثناء المميز الوحيد في هذا الباب هو -كما سنبين- "الديانة التشريعية اليهودية"، فبهذا الاستثناء بدأ المؤلف يعطى بعضا من الأصول الثابتة للشرق والأساس له في تكوين تراثه وخصائصه، حينما رأى ذلك في الدين اليهودي وهذا أقدم دين شرقي بلغة السماء نعرفه بكتابه.
إذا كانت اليهودية مستثناة -وليست كلها بل شريعتها- فما المقابل الذي يقدمه المؤلف ويظهر فيه الأثر اليوناني؟
يقول: وفي مقابل هذا نشاهد مثلا أن الديانة القائمة على عبادة النجوم، ومنشؤها من البابليين، وليست -مطلقا- نتاجا أصليا للتحول الروحي البابلي، وإنما هي بالأحرى نتيجة تعمق في علم النجوم البابلي، والقياسات الفلكية، بمعاونة التصورات اليونانية، والفلسفة اليونانية، وبخاصة: الراقية منها.
وقوة النفوذ الهائلة التي كانت للنظرة الكونية النجومية في العصر الهليني لا يجب أن تفهم إلا إذا اتضح للمرء أن اللوغوس اليوناني هو الذي نظم تلك النظرية، وبعث فيها قوة الإقناع.
والأمر على هذا النحو -أيضا- فيما يتصل باستمرار تأثير النظرة الكونية الإيرانية الأقدم في الشرق القريب وما وراءه، فالتفكير الإيراني يتضمن بعض الأطوار التوجيهية، ذات القوة الرمزية العظمى، ومضمونها الرمزي الواسع قد جعلتها تبدو أكثر قابلية للتعبير عن الميول الخاصة للثقافة الشرقية بنظرتها الكونية فيها عن غيرها، لذلك كان لا بد لهذه التصويرات الأسطورية المقيدة بالتفكير الأسطوري؛ لكي تصبح رموزًا كلية مفهومة لدى الجميع فعالة، يقول المؤلف: إنه كان لا بد من دخول العقل اليوناني فيها؛ لينظمها على هيئة مذهب محكم في تفسير العالم والتاريخ.
стр. 183
فما قدمه من نموذج، وهو الديانة القائمة على عبادة النجوم؛ أي الديانة الوثنية، واعتبره أثرا يونانيا: نوافقه عليه، بل نوافقه على أن الوثنية التي غزت الشرق، وغزته كان أصلها يونانيا.
ثم يقول: ولا سبيل -بعد كل ما قلناه- إلى إيضاح المهام الملقاة على عاتق التاريخ الروحي الشرقي، إلا بالتأمل في أهمية الفكر اليوناني بالنسبة إلى الشرق، ووجوهه الخاصة، أي بالتأمل في ظاهرة انعدام النزعة إلى الشرق، ووجوهه الخاصة؛ أي التأمل في ظاهرة فقدان النزعة الإنسانية في الشرق.
ويحاول المؤلف في النهاية أن يبين بوضوح أن السبب في عدم نجاح التراث اليوناني الشرقي: هو عدم اهتمامه بالنزعة الإنسانية، لماذا؟
فيقول: ذلك أن الفكر الشرقي لا يقوى على إدراك عالم محكم إحكاما لا يوصف، منظور إليه بقوة بصيرة دقيقة واضحة، وفيه لكل شيء مكانه، وتدبير الآلهة وفعل بني الإنسان كلاهما: يجرى على نظام واحد طبعي، إن جاز القول؛ إذ إن الفكر الشرقي يوجه كل همه نحو الحاجة للنجاة بالنسبة إلى الذات المفردة الخاصة، ونحو أحدية الله وعلوه على الكون، وقوته وقدرته التي تهيمن على كل الأفعال الإنسانية.
وكذلك لن يستطيع أن يفهم هذه اليقينية التي وصل إليها سقراط؛ ألا وهي: أن الحياة الإنسانية الخلقية لا تملأ معناها عن طريق التفكير العقلي الخلقي، أو التأملي النظري الميتافيزيقي، ولكن عن طريق تحقيق مضمون الحياة كله داخل نطاق الجماعة، بينما عند الشرقيين، في العصر القديم، قد أصبح التفكير والحديث عن الأمور الخلقية موضوعا للأحاديث الوعظية، وبهذا فقد القوة الدافعة إلى العمل.
ولو شاء المرء أن يعبر في صيغة موجزة عن الحد الذي عنده يقف فهم الشرقيين لليونانيين، لاستطاع أن يقول: إن هذا الحد هو الفكر الكوني عند اليوناني؛ أعني: تصور العالم: على أنه كل محكم الأعضاء، جوهره يقوم في انسجام أجزائه.
стр. 184
فانبعاث الفكر الشرقي لا يهدف إلى تأمل الكون المنظم، وإنما يهدف إلى جمع الصلة بين النفس المفردة والمحتاجة إلى النجاة، وربها.
ذلك أنه إذا اقتصر كل الاهتمام على النجاة الشخصية، وعلى التوتر بين الكمال الإلهي، والنقص الإنساني أصبحت العين عمياء عن العالم الخارجي عن الذات الخاصة، ولم يعد ثَمَّ تفكير في نظم العالم الموضوعية.
ثم قال: وهنا نشير كذلك إلى وجهة نظر أخرى يجب ألا نغض النظر عنها في السؤال عن عدم تقبل الشرق لتراث اليونان.
عاد؛ ليجيب: فإن أتباع الأديان الشرقية التي أثمرا الفكر اليوناني رأوا أنفسهم منقادين إلى هذه النتيجة؛ وهي: أن مضمون الوحي الذي كان من نصيبهم: هو الحقيقة المطلقة بالضرورة.
ولبلوغ هذه الحقيقة: كان لا بد أولا من "تأويل" وثائق الوحي في صورتها الأسطورية المنقولة، تأويلا بوجهتين:
- وجهة تصور الآلهة وأضدادها ونشوئها وخصوماتها ونسبتها إلى ظواهر كونية.
- ووجهة تعدها بمثابة رموز خلقية وتسبغ عليها خيرية النفس وبشريتها وما بينهما من صراع.
بعد ذلك نقول:
إن المؤلف لا يحاول أن يتراجع، بعدما قدم من شواهد تثبت عقم التراث اليوناني في الشرق؛ سواء أكان هذا التراث لا يتفق معه، أم كان لعدم ميله إلى الأخذ بالنزعة الإنسانية.
قلنا: لا يحاول أن يتراجع على الرغم من أنه بات متحيرًا في حكمه على تراث الشرق؛ ليعيد النظر من جديد في تراث الشرق وسيكولوجية التقابل وبين الهلينية؛ على أنه لا يؤخذ من وجهة النظر العامة للمؤلف أن الشرق لم يحتفل بتراث اليونان.
стр. 185
أما سؤال المؤلف الذي بدأ به بحثه: وهو أن نقطة مبدأ الحضارة الشرقية هي اليونان، فكان غرضًا منه إلغاء بحثه.
وليس معنى عدم تقبل الشرق للتراث اليوناني تخلفا في الشرق، بل قد يكون كما قلنا: راجعا إلى نوعية الثقافة التي ترجمت كما قلنا.
وقد يحلو لنا أن نزكي ثقافة على ثقافة، ولكن من المكروه أن نجعلها المقياس الأمثل، أليس محاولة فرضه هي عين الاستدباد في الرأي؟ والاستبداد مرض يوصم صاحبه بالأثرة ولا يرجي له العلاج منها.
وفي ذلك ما يفيد -من خلال منهج بحثه- تورطه في معنى التعصب بشامل معناه:
- تعصب وطني.
- تعصب ديني.
- تعصب لليونانية.
لذلك جاء البحث سابقة لا توطِّئ لها مقدماته.
ثم نراه يعيب علينا أن نأخذ من الوحي في الوقت الذي نراه يستشهد بسقراط فعاب على الشرق بما أخذ به؟
ثم نأخذ عليه: أنه خلط بين الدين الإسلامي، والدين الوضعي١، وهو يعلم جيدا ما يعني مبدأ التفريق بينهما.
وفي النهاية أحب أن أشير إلى نقطة جوهرية بين الثقافة، والحضارة.
وإذا كانت الثقافة اليونانية حقيقة كما يتفق الباحثون: لم تتقدم، وكانت نمت نموًّا بطيئًا في الشرق عنه في الغرب، وكانت هي العامل الأول -كما يقولون- لكل تحوُّلٍ حضاري، فكيف نفسر إذن الحضارة الإسلامية إبان ازدهارها؟
هذا ما لم يُثِرْه المؤلف ولم يتعرض له.
стр. 186
نقول: إنه قد تنتقل ثقافة إلى حضارة فتتقدم الحضارة ولا تتقدم الثقافة الوافدة، ومنها الحضارة الإسلامية التي قد تكون حددت الثقافة بغايتها الحضارية.
فالحضارة افسلاميةن كانت بعد الوحي: عواملها ذاتيةن وخارجية استفادت من الثقافات الأخرى ما وسعها الاستفادة، فتقدمت الحضارة الإسلامية: لغة وفكرا وتاريخا، وجغرافية، وما زال الإسلام مزدهرا، إن كان المسلمون في ضعة وضعف.
واصبح لها وزن خاص وخصائص حضارية خاص. إذا أخذنا هذا في الاعتبار لأصبحت دعى "هانز هيترش شيدرط يشوبها روح التعصب لليونانيةن لأن الحضارة ليست مهمتها تنمية التراث الوافد لتعيده مرة أخرى إلى حيث أتى، إنما مهمتها الاستفادة التي تيسر لها مسيرتها وتخدم غاياتها، حتى تحدث آثارها ذكرا بينا فيما يأتي من حضارات. ولذلك كان لابد للثقافة أن تتغير، وأن تكيف نفسها بكيفية الظروف المتغيرة، وأن تلبي المطالب الجديدة، ولذلك لا يمكن أن تظل وفية لماضيها دون حاضرها، غلا حين تكون حياتها غير حقيقية أو تكون ثقافة لا وظيفة لهان وعندما يكون حالها هكذا، تصبح وظيفة المجتمع: رفضها، لأنها أصبحت، لا تتناسب مع وضعه وقدرته.
على أية حال: لم تكن الهلينية من أقوى المؤثرات في الشرق والمنطقة العرية فيه: إنما كانت الأديان السماوية: هي الأثر الوحيد والحقيقي للشرق، وأثره البارز على الغرب، أو بمعنى آخر: الأديان -وهي تراث شرقي- آثر تركة الشرق على الغرب، أما مناهجه العقلية فهي اثر يوناني في بعضه.
والنتيجة النهائية التي يجب أن يصل إليان غير أن بحثه لم يمهد لها هي كما يقول: "وأتى العرب معهم بإرادة الغزو، وكلمة دينية جديدة لكنهم لم يأتوا بحضارة خاصة يمكن أن تحل محل تلك التي وجدوها في البلاد التي فتحوها، وبقدر ما توغل في المقاطعات القديمة ذات الحضارة وبقدر ما نقلت مراكز سلطانهم من مواطنهم الأصليةك إلى سورية، ومنها إلى العراق، وجاء العرب عيالا على الحضارة العتيقة الراسخة في نفسها ذات الطابع الموحد الذي كان عند من أخضعوهم. وهكذا بدأت تبرز، منذ نهاية القرن الثامن: وحدة الحضارة الإسلامية التي لم تكن شيئا آخر
стр. 187
غير تحول عمره ألف سنة، وكانت القوى الروحية المقومة فيها: هي قوة التراث الهليني.
على أي حال بعد أن عرضنا للمد السياسي الهليني ومراكزه الثقافية في الشرق والمنطقة العربية فيه، ثم عرضنا لبحث "هانز شيدر" تبينَّا أن المؤلف مذعور من عدم نجاح الهلينية في الشرق، وكان هذا في نظره ظاهرة مرضية -كما بينا- أنه يتحامل على الحضارة الإسلامية، وعلى الوحي الذي عده عائقًا دون نهضة الشرق، وعده أيضًا من الحواجز الأساس دون قيام النزعة الإنسانية في الشرق، لذلك صار العرب عيالا على الحضارة العتيقة الراسخة.
ويقول: وكانت القوة الروحية المقومة فيها هي قوة التراث الهليني.
إذا كانت هذه نتائج طبعية ساقه إليها بحثه فلماذا يقول متسائلا: كيف أمكن ألا يكون الشرق حتى هذا العصر قادرا على إيجاد نهضة أو نزعة إنسانية؟
ومعروف على أية حال: أن محاولة الطعن في الشرق، أو الإسلام، كانت رسالة قديمة، قام بها الجيل القديم من المستشرقين، وأصبح الجيل الحديث والمعاصر، يؤدي خدمات جليلة للتراث الإسلامي والعربي.
يقول م. رستوفتزف:
"وعلى ذلك نرى أن حضارة العصر الهلينستي لم تصبح في أي وقت مزيجًا من الحضارة الشرقية اليونانية وإنما بقيت أو كادت تكون إغريقية صميمة في جوهرها مع إضافة شيء قليل جدًّا من العناصر الشرقية إليها، ولم يكن المظهر الرئيسي الجديد لتلك الحضارة الإغريقية في العصر الهلينستي هو طابعها الشرقي الإغريقي وإنما كان طابعها العالمي، وهذا ما جعلها مستساغة مقبولة لدى مختلف الحكومات الوطنية الجديدة التي ظهرت في كل من الشرق والغرب.
ومع ذلك لم تتقمص إحدى الدول الجديدة في الشرق -ومنها بارثيا- باكتريا -والهند- أرمينيا وغيرها- الثقافة الإغريقية تماما، بل بقيت العادات والأفكار الإغريقية طلاء رقيقا يسكو بناء محليا ذا طابع شرقي صميم، وبالإضافة إلى
стр. 188
ذلك نرى الأثر الإغريقي في الشرق قد اقتصر وجوده على المدن وعلى الطبقات العليا من السكان، ولم يكن له أي أثر على الإطلاق على سواد الناس وعامتهم.
وكان تغلغله أعمق في حياة الأمم الغربية من الإيطاليين والكلديين وأهل أيبريا والتراقيين ولكن الحضارة اليونانية بقيت هنا أيضًا وفية لنشأتها الأولى ولطابعها الحقيقي، فكانت هي حضارة المدن وساكنيها واستمرت محتفظة بهذا الطابع.
وعلى ذلك كانت الحضارة الهلينستية لا تعدو أن تكون مظهرًا جديدًا في تحويل حضارة المدنية الإغريقية فحسب، بل إنه في الممالك الهلينستية التي قامت في آسيا الصغرى وفي سورية ومصر وعلى ضفاف البحر الأسود لم تتأثر الجماهير المقيمة في الريف بالحضارة الإغريقية مطلقا وإنما حرصت على التمسك بعاداتها القديمة وسجاياها وعقائدها الدينية الموروثة١.
يقول ديلاسي أولير: إن الثقافة اليونانية لم تنتقل إلى العرب عن هذه الاتصالات الأولى٢.
ويقول فيليب حتى: ولكن الواقع هو أن الشرق الهيلني كان شيئًا مصطنعًا، فديانة اليهودي: احتفظت بتقاليدها القديمة في وسط هذا الشرق الهليني:
وبالإضافة إلى ذلك ترى أن السلوقيين تبنوا العبادات المحلية باشكال هلينية، وأظهر أكثرهم احتراما للآلهة المحلية٣.
ولكن هذا لا يعني جعل الشرق هلينيا بقدر ما يعني جعل العالم الهليني شرقيا، وأصبح أفراد الجاليات اليونانية بالتدريج: أكثر تأثرا بالحياة السامية من تأثر الوطنيين بالحياة اليونانية، ونجحت الحضارة في سورة الآرامية، وفلسطين اليهودية، بأكثر من المحافظة على مكانتها بوجه عام، فأعطت أكثر مما أخذت.
والذي حصل نتيجة إدخال الهلينية: هو تمزيق البنيان الأساسي والفكري الذي كان ساميا صرفا، والسماح للتأثيرات الرومانية بالدخول فيما بعد٤.
стр. 189
اليهود في بلاد العرب
مدخل
...
اليهود في بلاد العرب:
أ- الهلينستية واليهودية:
لقد بدأ شتات اليهود -بعد تخريب أورشليم- على يد البابلين١ عام ٥٨٨ ق. م. ولجأ كثير منهم إلى مصر، وأفناء المنطقة العربية -وعندما سمح "قورش" بإعادة بناء أورشليم بعد هزيمته للبابليين ٥٣٨ فتحها لهم، غير أن بعضهم فضل الاستقرار خارجها، ولا سيما بعد أن بنى الإسكندر الأكبر: مدينة الإسكندرية، وهم مع شتاتهم ظلوا يحافظون على دينهم وقوانينهم حتى عهد "أنطيوخوس إبيفانيس ٤٧٥-١٦٤ ق. م"، وقد حاول هذا الملك أن يشربهم الثقافة الهلينية، وأن يدخل عبادة الآلهة اليونانية في أورشليم، وصفتها التوراة "آلهة الغرباء"، يقول البيروني: ولولا أن التوراة حظرت عبادة كل ما دون الله والسجود للأصنام، بل ذكرها أصلا، وخطرها على البال؟ كان يتصور من هذه اللفظة أن المأمور به هو: رفض الآلهة الغرباء دون التي ليست بعبرية٢.
وأدى صنيعه هذا من جانب اليهود إلى قيام ثورة بزعامة المكابيين، ولم يستطع "أنطيوخوس" أن يقمعها حتى خلع وقتل في سبيلها الكاهن الأعظم "أونياس" الثالث وهرب أيضا: "أونياس" الخامس ابن الكاهن القتيل؛ لينجو من الرجس والفوضى اللتين أشاعتهما سياسة أنطيوخوس.
غير أن "بطليموس" أحسن وفادتهم وأعطاهم مبعدا مصريا مهجورا في: "ليونتوبوليس"٣؛ حيث أقاموا هيكلا يدعي "أونياس" ربما نسبة إلى "أونياس" الكاهن، على صورة هيكل أورشليم، ولعل الترجمة٤ اليونانية للعهد القديم
стр. 190
وهي التي تعرف باسم السبعينية١ قد وضعت على مراحل متتالية من أجل هذا الهيكل المحلي.
أما "كاليجولا" الذي نودي به إمبراطورا في ٣٨ ق. م فقد زينت له أوهامه أنه فوق البشر فطالب رعاياه بتأليهه وإقامة تماثيله في مختلف المعابد، ولعله قد تأثر في حداثة بفكرة تأليه الملوك الأحياء وهي فكرة كانت شائعة في ممالك الشرق الهلينستي ولا سيما في مصر، ولكنها كانت غريبة على الرومان فلم تلق بينهم رواجًا كبيرًا.
رفض اليهود الامتثال لأمر الإمبراطور الخاص بإقامة تماثيله في جميع المعابد، ولم يكن من المعقول أن يقبل اليهود تدنيس معابدهم بتماثيل البشر مهما جلَّ قدرهم وهم يؤمنون بإله واحد، فاقتحم الإسكندريون معابدهم ونصبوا فيها تماثيل كاليجولا بالقوة فلما قاومهم اليهود اتهموهم بعدم الولاء للإمبراطور.
وكان من البدهي ألا يسكت اليهود على ما أصابهم من هوان تجاوز حد الاحتمال في تلك الفتنة.
ففي شتاء ٣٨/ ٣٩/ ٤٠ على الأرجح أوفد اليهود إلى رومة سفارة من خمسة أعضاء على رأسهم "فيلون"، وأوفد الإسكندريون سفارة مثلها على رأسها "أبيون"؛ لكي يعرض كل من الفريقين قضيته على الإمبراطور، وشاء حظ اليهود التعس أن يتلقى كاليجولا وقتئذ نبأ تدمير الجالية اليهودية لمعبد إقامه الإغريق في بلدة "بامنيا" على ساحل فلسطين، فتثور ثائرته ويبعث إلى بترونيوس حاكم سورية يطالبه بصنع تمثال له وتنصيبه في معبد اليهود الكبير بأورشليم.
وقد تضمنت مطالب اليهود -فيما يبدو- حرية العبادة وفقا للشريعة الموسوية وتحديد وضع جاليتهم في المدينة أو بالأحرى اكتساب حقوق المواطنة السكندرية، وقد صدموا عندما ابتدرهم كاليجولا بأنهم قوم كفرة لا يؤمنون بألوهيته.
стр. 191
أجاب الوفد اليهودي بأنهم نحروا الثيران من أجل الإمبراطور مرة عند اعتلائه ومرة أخرى بعد شفائه من مرضه، ومرة ثالثة ابتهاجا بانتصاره في حملته على الرين.
وعندئذ قال كاليجولا:
قد يكون صحيحًا أنكم قدمتم القرابين من أجلي ولكنكم قدمتموها لإله آخر فما فائدة ذلك، إنكم لم تقدموا القرابين لشخصي١.
ولم يفز اليهود منه بطائل؛ إذ صرفهم قائلا: يبدو لي أن من تبلغ بهم الغباوة إلى الحد الذي لا يؤمنون معه بألوهيتي هم أجدر بالرثاء منهم بالعقاب.
وبعد أن خلفه بعد اغتياله كلوديوس تراءى ليهود مدينة الإسكندرية أن الفرصة قد حانت لتسوية حسابهم مع الإغريق فتقدموا بمطالبهم وهي حقوق المواطنة الكاملة بها.
غير أن مطلب اليهود كان يظهرهم بمظهر المتناقض ذلك أن المدينة اليونانية كانت مدينة وثنية تؤمن بأكثر من إله واحد، وكان الدين فيها مرتبطا بالحياة الاجتماعية والسياسية ارتباطا وثيقا فكان خليقا باليهود أن ينأوا بأنفسهم عن هذه الحياة أو أن يتنازلوا عن دعاواهم بأنهم عبدة الإله الحق الأوحد.
لذلك يرجح كثير من الباحثين الآن أن اليهود كانوا منقسمين إلى:
- فريق متزمت.
- وفريق متحلل بعض الشيء من قيود الشرعية الموسوية ومتأثر بأساليب الحياة اليونانية.
ولعله كان هناك حزبان بين الإسكندرانيين:
- حزب المتهورين أو المتطرفين.
- وحزب المتزمتين أو المعتزلين.
وعندما أرسل اليهود بمطالبهم أرسلوا بعثتين إحداهما تمثل الطائفة المحافظة والأخرى تمثل الطائفة المتحررة التي تأثرت بالثقافة وأساليب الحياة اليونانية.
стр. 192
وظلت هذه الاشتباكات بين اليهود والإغريق من ناحية وبين الرومان واليهود من ناحية أخرى، إلى أن قامت ثورة اليهود الكبرى وهي أكبر ثورة نشبت بين اليهود في مصر منذ الفتح الروماني في آخر عهد مكسيموس.
أخذت علاقة اليهود والرومان في التدهور السريع بعد ثورتهم في فلسطين سنة ٦٦ وتدمير معبدهم الريسي بأورشليم سنة ٧٠، وقد زادها سوءا ذلك القرار الذي أصدره فسبسيان بإرغام اليهود على دفع ضريبة الدينارين لمعبد الإله جوبيتر في روما بدلا من دفعها لمعبد أورشليم، وقراره الآخر بتدمير معبد أونياس في لينتو بوليس بمصر وهو "تل مقدام" الذي ارتابت فيه الحكومة في أنه مركز لنشاط الحركة اليهودية الأخيرة، وصارت أملاكه وهو معبد كان قد شيد حوالي ١٦٠ ق. م؛ لمنافسة معبد فلسطين، لذلك قام اليهود وتعمدوا بالذات بهدم معابد وتماثيل الآلهة اليونانية: أبولون، وزيوس، وهكاتي، وغيرهما من المعابد كمعبد إيزيس والمعبد القيصري ودمروا حمامات المدينة وأروقتها المسقوفة وأنديتها وملاعبها وعاثوا في الحقول فسادا حتى أصبحت جدباء، وامتد لهيب الثورة إلى قبرص حتى أن مواطنيها أصدروا فيما بعد قرارا يحرم على اليهود أن تطأ أقدامهم أرض الجزيرة، وتنتهي بوقوف الإمبراطور هدريان في صف اليهود بعد ثورتهم الأخيرة وقضائه بمعاقبة زعماء الإغريق.
وكانت ثورة المكابيين على صنيع أنطيوخوس تعني:
- عدم إحلال الوثنية محل الدين اليهودي وإقامتها مكانه في معبد أورشليم، هذه الوثنية أراد أنطيوخوس من تطبيقها إخضاع الشرق له سياسيًّا ودينيًّا، ووصف اليهود صنيعه هذا "بالرجس المخرب"١.
- عدم سيطرة الهلينية من حيث اللغة والثقافة على لغتهم وثقافتهم.
- قيام حركة يهودية قوية تدعو إلى رعاية تقاليدهم العبرية واستعمال لغتهم ضد سيطرة الهلينية وثقافتها.
- تضمين دعوتهم أنهم خير الأجناس وعليهم الانفصال عن "الشعوب" غير اليهودية وما فيها وحولها من تطرف.
стр. 193
- لازم قيام هذا التطرف: قيام حركة اليهود الربَّانيين، ويبدو أنها كانت ذات قدرة؛ لأنها تحملت من جانبها عبء دعوة تطبيق الشريعة اليهودية على جاليات اليهود في أي مكان، من مراعاة جميع الطقوس وسائر السنن الشرعية إلى الختان، وفرضًا لازمًا.
ثم أصدرت عدة فتاوى تتسم بالجرأة وتخدم الروحين الوطنية والدينية معًا منها:
- تحريم قراءة الأسفار المقدسة في البيعة اليونانية.
- تحريم قيام أي صلات ودية مع الوثنيين أو غيرهم من المختونين.
أصبحت الشريعة الموسوية أكثر صرامة، وازدهارًا بفضل شروح الربانيين.
وبهذه الروح القومية الدينية استطاعت اليهودية أن تعمل -وهي في شتاتها مبعثرة- على إحياء دينها، ولغتها، وثقافتها، وترابط جنسها، وهذا من الأمثلة النادرة في التاريخ الإنساني.
وبلغ من موقفهم أن الأسفار التي أثر فيها الفكر اليوناني تعتبر لدى اليهود محذوفة؛ لأنها في نظرهم تحمل طابعا رواقيًّا١.
ثم أخيرًا كانت الأسفار التي تنسب إليهم وهي -أي: أسفارهم التي تنسب إليهم- أربعة:
الأول: وهو أهمها من الناحية التاريخية: يروي الأحداث التي جرت في إقليم يهوذا judee منذ حكم أنطيوخوس الرابع حتى موت سيمون "١٧٥ إلى ١٣٥ ق. م".
الثاني: يتناول قسمًا من الحقبة عينها بصورة موجزة.
الثالث: يروي أحداثًا عجيبة خاصة بالملك بطليموس الرابع فيلوباتر، ويعني خصوصا ببيان كيف أن العناية قد أنقذت يهود الإسكندرية من بين أيدي ذلك الحاكم.
стр. 194
الرابع: هو بحث فلسفي ينسب إلى المؤرخ يوسفوس وفيه يجري الحديث عن الشهداء الشباب الذي يطلق عليهم خطأ اسم المكابيين السبعة الذي حكم أنطيوخوس إبيفانوس بإعدامهم لأنهم رفضوا الأكل من لحوم ذبحت للأصنام١.
وهذه الحركة الإصلاحية التي قامت ضد الهلينية ووثنيتها، كان من ىثارها عند اليهود: أن خلقت لديهم ميلا طبعيا إلى العزلة القومية منعت بها السيطرة القومية اليونانية، ومما لا يمكن إنكاره: أن سياسة العزلة المصطنعة قوت الإخلاص الديني وأوجدت سموا خلقيا يناقض الانحلال السائد في العادات الإغريقية الرومانية، والإغريقية الشرقية، وكلها أبعدت الأمم عن أي نصيب من الميراث الروحي، هذا من جانب، ومن جانب آخر: أن سياسية العزلة جعلتهم يرون:
أن الالتزام بتبشير الأميين بعقيدة موسى لا يعتبر مبدأ من مبادئ ناموسهم كما أنهم لم يميلوا إلى فرضه على أنفسهم باعتباره واجبًا يتطوعون لأدائه.
واليهودية بعزوفها عن التبشير؛ لتتفق تمامًا مع تعاليمها التي تقضي بأنها دين للعبرانيين فقطن غير أنها: راحت تبشر بنوع غريب كالسحر، وعلم التنجيم، كان لديهم كتبهم الخاصة في السحر، وتعاويذه ورقاه٢.
هذا الموقف الصارم، أو التطرف اليهودي أفسح مكانًا لوجهة نظر نقدية عامة معاصرة، تصف الدعوة بالتطرف حين قيامها فتقول٣: إن الثقافة اليهودية لا تعدو أن تكون منقولة عن الغير، وإنهم لا يشاطرون مَن حولهم أي شعور بالأُخُوَّة البشرية، بل ينطوون على أنفسهم، وإنهم في الحقيقة ملحدون؟؛ لأنهم يقولون بأن لا وجود في الحقيقة لأي إله إلا "يهوه"، وهي تهمة كانوا هم أنفسهم السبب في إثارتها، بإصرارهم على أن ما تعبده الشعوب الأخرى هو الصورة والتمثال الفعلى، وليس -كما هو الواقع- الله الذي لم يكن التمثال إلا رمزًا له٤.
стр. 195
على أية حال كافحت اليهودية كثيرا ضد وجهة نظر "أنطيوخوس" غير أنها وقعت -وهي إذ تحاول الاحتفاظ بمفهوم "المقدس الحقيقي" تحت تأثيرات تصوراتها الذاتية عن سمو جنسها: فضيقت معناه تضييقا جنسيًّا.
стр. 196
عوامل هجرة اليهود إلى الجزيرة العربية:
إن اليهود يرغبون عن الدعوة إلى دينهم على أساس: أن اليهودية للعبرانيين أولاد يهوذا بن يعقوب جنسا، وأتباع موسى دينا، وليست دينا لغيرهم من الأجناس، وأن إلههم وهو: "يهوه"، هو الإله الحقيقي، وغيرهم من الآلهة إنما هو مثل له، وأن كل نداءات التوراة خاصة "بيهود" فهي ليست دينا تبشيريا، لذلك لم يقم الأحبار بالدعوة إليها، وجانب آخر: هو أن عدم استقرارهم السياسي ساعدهم على عدم التبشير، زادهم تمسكا بدينهم.
من هنا تعلم أن الديانة اليهودية، التي دخلت في بلاد العرب لم تكن للتبشير، وإنما كانت لمجرد الهجرة عندما انتقلت جماعات اليهود الذين فروا من اضطهاد الرومان في القرن الأول الميلادي "ولا شك أنه كانت هناك أسباب دعت اليهود إلى ترك أوطانهم والنزوح منها إلى البلاد العربية وأهم هذه الأسباب:
١- زيادة عدد اليهود في فلسطين زيادة مطردة، فقد قيل: إنهم بلغوا أربعة ملايين١.
٢- اضطهاد الرومان لليهود في القرن الأول قبل الميلاد، ولجوءهم إلى أرض الجزيرة العربية، التي كانت أحب إليهم من غيرها؛ لأنظمتها البدوية الحرة؛ لوجودهم في أقاليم رملية بعيدة، تعوق سير القوات الرومانية المنظمة وتمنع توغلها٢.
٣- بعد حرب اليهود والرومان سنة ٧٠م التي انتهت بخراب بلاد فلسطين ودمار هيكل بيت المقدس وتشتت اليهود في أصقاع العالم قصدت جموع كثيرة أخرى من اليهود بلاد العرب٣.
стр. 197
فاليهودية وجدت في بلادت العرب نتيجة اضطهاد اليهود، وترتب على ذلك أن العرب المجاورين لهؤلاء الأقوام تهودوا دينا أو ثقافة؛ تبعا لمجاورتهم تلك الجموع اليهودية، وكان أصل اليهود باليمن -كما يذهب كُتَّاب السيرة- يرجع إلى الحبرين الذين رافقا تُبَّعًا في رحلته إلى اليمن وهدما البيت المسمى برئام. ومعنى هذا الرأي: أنه يذهب إلى أن اليهودية دخلت وفق دعوة تبشيرية. ولا مانع لدينا أن تكون اليهودية في عصرها الأول كان لها دعوة تبشيرية أو أنها أرادت أن ترد على الاضطهاد الوثني لها، فبشرت؛ لتهدم البيت الوثني المسمى "رئام" وهذا كله إن صحت الرواية.
يقول السهيلي صاحب الروض الأنف: غير أنه وجد في الأوس والخزرج من قد تهود، وكان من نسائهم من تنذر إذا ولدت أو عاش ولدها أن تهوِّده؛ لأن اليهود عندهم كانوا أهل علم وكتاب.
ورأي يرى أن يهودية اليمن ترجع إلى أجدادهم الذين ظعنوا إلى ذلك القطر منذ عهد سليمان.
ومع ذلك لم تستطع اليهودية أن تتغلب على الوثنية في بلاد العرب؛ لأن كثيرا من أحكامها مبني على المشقة فضلا عن الرفض اليهودي للاندماج بالأمم، ثم أخيرا انصراف العرب عن تحصيل مواردهم الثقافية وعدم ميلهم إلى مثل هذا التغيير.
стр. 198
٢- اليهودية في جزيرة العرب:
وردت لفظة "يهود" معرفة في القرآن الكريم "اليهود".
وردت في مواضع من سورة البقرة آية ١٣٤، ١٤٠، في سورة المائدة آية ١٨، ٥١، ٦٤، ٨٢، في سورة التوبة آية ٣٠.
وكلها سور مدنية، ولم ترد في سورة من السور المكية، كما وردت لفظة "يهوديًّا" في سورة آل عمران، في شرح ديانة إبراهيم. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ ... إلخ، وهي من السور المدنية كذلك.
وعبر القرآن عن: "اليهود" وعن مقتضى "اليهودية" بـ ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ ، ﴿مَنْ كَانَ هُودًا﴾ ، ﴿كُونُوا هُودًا﴾ ، ﴿كَانُوا هُودًا﴾ ، وسورتا: الأنعام، والنحل من السور
стр. 199
المكية، وبناء على ذلك تكون جملة ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ قد نزلت قبل نزول لفظة "اليهود" في القرآن الكريم.
ومن صور المنهج الرفيع في القرآن الكريم: استعمال اسمين عند التحدث عن العبرانيين، فهم تارة: "اليهود"، وتارة أخرى "بنو إسرائيل"، وتقوم عبارة: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ في بعض المواضع مقام لفظ "اليهود"، والقرآن الكريم حينما يستعمل الاسمين لا يفعل؛ لأنهما مترادفان، كما يقول مثلا: "المسيح"، و"عيسى بن مريم" بل يطلق عليهم "اليهود"، ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ في مواضع السخط أو التنديدي بسيئ أعمالهم، أو عند حكاية ما أصابهم من الذلة والعبودية؛ لفساد طويتهم، وسوء نيتهم.
أما إذا جاءت في مواضع من القرآن الكريم: تذكر بفضل الله تعالى على هؤلاء القوم ذواتهم، أو اصطفاء الله تعالى لهم، وإسناد الرسالة إلى رجال منهم، وإسباغ الحكمة والنبوءة عليهم ... إلخ فإنه يطلق عليهم عبارة: "بني إسرائيل"، واستعمال هذين الاسمين: مقصود، ولم يأتِ عفوًا، فإسرائيل هو: "يعقوب"، و"يعقوب" نبي من أنباء الله تعالى، ورث عن أبيه "إسحاق" وعن جده "إبراهيم" رسالة الدين الحنيف.
ومن هنا لا يتحدث القرآن عن أولاد "يعقوب" -أي بني إسرائيل- إلا بالخير والرضا، فإذا صدر منهم ما يغضب فالقرآن يسميهم اليهود.
أما الشيء الذي لم يرد في القرآن: فهو مصطلح "عبري وعبراني" فإنه لم يرد في القرآن مطلقا، وهذا يدل في نظرنا على أن "العبري أو العبراني" ليس خاصا "باليهود" من حيث هم جنس.
ولما كانت فلسطين امتدادا طبيعيا للحجاز، كان من الطبيعي اتصال سكانها بالحجاز، واتصال سكان الحجاز بفلسطين، وذهاب جاليات "يهودية" إلى العربية الغربية؛ للاتجار وللإقامة هناك، خاصة بعد فتوح الدول الكبرى لفلسطين، واستيلائها عليها، وهجرة اليهود إلى الخارج فكانت العربية الغربية؛ لاتصالها بفلسطين من الأماكن الملائمة المناسبة لهجرة اليهود إليها وإقامتهم فيها، ولا سيما عند مواضع
стр. 200
المياه، وفي الأرضين الخصبة الغامرة، غير أننا لا نستطيع التحدث عن هجرة اليهود هذه إلى هذه الأنحاء حديثا علميا معززا بالكتابات والتواريخ، ولم يترك يهود جزيرة العرب لهم أثرا مكتوبا يتحدث عن ماضيهم فيها، وكل ما عثر عليه منهم نصوص معدودة وجدت في اليمن لا تفصح بشيء ذي بال عن "اليهود"، و"اليهودية"، كذلك لم يصل إلينا أن أحدا من المؤلفين والكتبة العبرانيين ذكر شيئا عن يهود الجاهلية، وليس لنا من تأريخ اليهود في جزيرة العرب إلا ما جاء في القرآن الكريم، وفي الحديث وكتب التفسير والأخبار والسير فمادتنا عن تأريخ "اليهودية" في العربية لا ترتقي إلى عهد بعيد عن الإسلام. ويتبين من روايات المؤرخ اليهودي "يوسفوس فلافيوس" أن: "اليهودية" كانت قد وجدت لها سبيلا بين العرب، وأن بعض ملوك مملكة "حدياب" كانوا قد دخلوا فيها، ويذكر المؤرخ "سوزومين" أن اليهود كانوا ينظرون إلى العرب الساكنين شرق الحد العربي على أنهم: من نسل "إسماعيل" وأنهم كانوا يرون أنهم من نسل "إسماعيل" و"إبراهيم".
فهم من ذوي رحمهم، ولهم بهم صلة قربى؛ وكانوا يرجون لذلك دخولهم في دينهم، واعتقادهم دين "إبراهيم" جد "اليهود" و"العرب"، وقد عملوا على تهويد أولئك العرب.
ويظهر من مواضع من التلمود أن نفرا من العرب دخلوا في اليهودية، وأنهم جاءوا إلى "الأحبار" فتهودوا أمامهم، وفي هذه المرويات التلمودية تأييد أهل الأخبار التي تذكر أن "اليهودية" كانت في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة وغسان.
وذكر اليعقوبي: أن ممن تهوَّد من العرب: اليمن بأسرها، وكان تُبَّع حمل حبرين من أحبار يهود إلى اليمن، وأبطل الأوثان وتهود من باليمن وتهود قوم من الأوس والخزرج بعد خروجهم من اليمن؛ لمجاورتهم يهود خيبر وقريظة والنضير، وتهود قوم من بني الحارث بن كعب وقوم من غسان وقوم من جذام١.
وقد ذكر علماء التفسير في تفسيرهم الآية: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ أنها نزلت
стр. 201
في الأنصار، وكانت المرأة في الجاهلية تنذر إن عاش لها ولد أن "تهوده" فتهود قوم منهم؛ فلما جاء الإسلام أرادوا إكراهم عليه فنهاهم الله عن ذلك حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام، أو أنهم لما بقوا على يهوديتهم، وأمر اليهود بالجلاء وفيهم من شق على آبائهم نزول أبنائهم يذهبون مع اليهود، فقالوا: يا رسول الله أبناؤنا وأخواتنا فيهم، فسكت عنهم رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ ، فقال رسول الله: "قد خير أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم".
وذكر العلماء أيضا: أن ناسا من الأنصار كانوا مسترضعين في بني قريظة وغيرهم من "يهود فتهودوا"، وأن من الأنصار من رأى في الجاهلية أن "اليهودية" أفضل الأديان فهودوا أولادهم. فلما جاء الإسلام، ودخلوا فيه أرادوا إكراهم أبنائهم الذين تهودوا على الدخول فيه فنزل الوحي بالآية المذكورة.
ويرى بعض المؤرخين اليهود: أن يهود جزيرة العرب كانوا في معزل وانفصال عن بقية أبناء دينهم؛ وأن اليهود الآخرين لم يكونوا يرون أن "يهود العربية" مثلهم في العقيدة، بل رأوا أنهم لم يكونوا "يهودا"؛ لأنهم: لم يحافظوا على الشرائع "الموسوية"، ولم يخضعوا لأحكام التلمود، ولهذا لم يرد عن "يهود" جزيرة العرب شيء في أخبار المؤلفين العبرانيين١.
يقول جواد علي: إن عدم ورود شيء عن "يهود الحجاز" في أخبار المؤلفين العبرانيين لا يمكن أن يكون دليلا على عزلة يهود الحجاز عن بقية اليهود فقد أهمل غيرهم أيضا، ولم يشر إليهم؛ لأن التأليف والنشاط الفكري عند العبرانيين كانا قد تركزا في هذه العهود على المستوطنات "اليهودية" في "العراق" وعلى فلسطين وعلى "طبريا" بصورة خاصة، ولم تشتهر الجاليات "اليهودية" التي انتشرت في مواضع أخرى بالتأليف؛ فكان من الطبيعي أن تنحصر أخبار "اليهود" في هذا العهد في هذين القطرين، ولهذا لم يشر إلى يهود الحجاز وإلى يهود بقية جزيرة العرب٢.
يقول إسرائيل ولفنسون في بيان سبب إغفال ذكر "يهود العرب" في مؤلفات اليهود: "وهناك شهادات من يهود مدينة دمشق وحلب في القرن الثالث ق. م. أنهم كانوا يستنكرون وجود يهود في الجزيرة العربية؛ ويقولون: إن اليهود في جهات
стр. 202
خيبر ليسوا يهودا حقًّا؛ إذ لم يحافظوا على الديانة الإلهية التوحيدية، ولم يخضعوا لقوانين التلمود خضوعا تاما" ويقول:
"كان العالم "شير" يعتقد أن اليهود في بلاد العرب كانت لهم صبغة خاصة وكانت يهودية في أساسها، ولكنها غير خاضعة لكل ما يعرف بالقانون التلمودي؛ يقول معلقا: وبقيت هذه البطون العربية على أديان آبائها القديمة ولم تعتنق اليهودية، فعدَّت من موالي اليهود.
وإذا وفقنا إلى أن نميز بين يهود الحجاز والعرب من وجهة الدين والعقلية، فإن من المتعذر أن نوفق إلى التمييز بين العنصرين من وجهة الأخلاق والعادات والنظم والتقاليد الاجتماعية حتى أصبحوا كأن يكونوا من جنس آخر ير الجنس العربي".
ويقول: ولا أعلم في تاريخ اليهود القديم إقليما تأثر فيه اليهود بأخلاق وعادات وتقاليد أبنائه إلى هذا الحدث سوى إقليم الجزيرة العربية١.
ويرى بعض الإخباريين: أن ابتداء أمر اليهود في الحجاز، ونزولهم وادي القرى، وخيبر وتيماء، ويثرب؛ إنما كان في أيام "بختنصر" فلما جاء "بختنصر" إلى فلسطين هرب قسم منهم إلى هذه المواضع، واستقروا بها إلى مجيء الإسلام، وليس في الخبر ما يحملنا على استبعاده، فهروب اليهود إلى أعالي الحجاز ودخولهم الحجاز أمر سهل يسير؛ فالأرض واحدة وهي متصلة، والطرق مفتوحة مطروقة، ولا يوجد أي مانع يمنع اليهود أو غير اليهود من دخول الحجاز؛ ولا سيما أن اليهود كانوا خائفين فارِّين بأنفسهم من الرعب؛ فهم يبحثون عن أقرب ملجأ إليهم يحميهم من فتك بابل بهم، وأقرب مكان مأمون إليهم هو الحجاز.
وفي رأي البلاذري: أن اليهود نزلوا يثرب قبل الأوس والخزرج فيقول: رواية عن العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده محمد بن السائب قال: لما هدم "بختنصر" بيت المقدس، وأجلى من أجلى وسبى من سبى من بين إسرائيل لحق قوم منهم بناحية الحجاز، فنزلوا وادي القرى ويثرب، وكان بيثرب قوم من جرهم،
стр. 203
وبقية من العماليق قد اتخذوا النخل والزرع، فأقاموا معهم وخالطوهم فلم يزالوا يكثرون، وتقل جرهم، والعماليق، حتى نفوهم عن يثرب واستولوا عليها وصارت عمارتها ومراعيها لهم، وبقى اليهود خارجها إلى أن هاجر إليها الأوس والخزرج١.
وعن الطائف يقول: كان بمخلاف الطائف قوم من اليهود طردوا من اليمن ويثرب، فأقاموا بها للتجارة فوضعت عليهم الجزية.
ونقل البلاذري أن أهل "مقنا" كانا يهودا صالحهم الرسول ﷺ على ربع عروضهم خشب يصطاد عليه -وربع ثمارهم، وقال: وأخبرني بعض أهل مصر أنه رأى.
أما ما ورد في روايات أهل الأخبار عن هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب، وأعالي الحجاز على أثر ظهور "الروم" على بلاد الشام، وفتكهم بالعبرانيين، وتنكيلهم بهم مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء الآمنة البعيدة عن مجالات الروم، فإنه يستند إلى أساس تاريخي، فالذي نعرفه أن فتح الرومان لفلسطين أدى إلى هجرة عدد كبير من اليهود إلى الخارج فلا يستبعد أن يكون أجداد يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين، ومن هؤلاء المهاجرين على رأي الإخباريين بنو قريظة وبنو النضير؛ ساروا إلى الجنوب في اتاه يثرب، فلما بلغوا موضع الغابة وجدوه وبيا فكرهوا الإقامة فيه، وبعثوا رائدًا أمروه أن يلتمس لهم منزلا طيبًا وأرضا عذبة إذا بلغ العالية وهي: بطحان، ومهزور؛ واديان من حرة على تلاع أرض عذبة بها مياه وعيون غزيرة، رجع إليهم بأمرها وأخبرهم بما رآه فقرَّ رأيهم على الإقامة فيها، فنزل بنو النضير ومن معهم على بطحان، ونزلت قريظة ومن معها على مهزور، فكانت لهم تلاعه، وما سقي من بعاث وسمورات٢.
وقد عرف بنو قريظة، وبنو النضير من بين اليهود، بـ"الكاهنين" نسبوا ذلك إلى جدهم، الذي يقول له "الكاهن"؛ وهو الكاهن بن هارون بن عمران على زعم أهل الأخبار، فهم على هذه النسبة من أصل رفيع، ومن نسب حسيب يميزهم عن بقية طوائف يهود، ولهذا كانوا يفتخرون بنسبهم هذا، ويرون لهم السيادة والشرف على من سواهم من إخوانهم في الدين.
ويرى نولدكه: احتمال كون بني النضير وبني قريظة من طبقة الكهان في الأصل، هاجروا من فلسطين على أثر الحوادث التي وقعت فيها فسكنوا في هذه
стр. 204
الديار، وهناك عشائر وأسر يهودية تفتخر بإلحاق نسبها بالكاهن "هارون" شقيق "موسى" النبي.
كذلك يرجع أوليرى كأمثاله من المستشرقين أصل بني قريظة وبني النضير إلى اليهود؛ ويرى أنهم غادروا ديارهم وجاءوا إلى هذه المنطقة في الفترة الواقعة ما بين خراب الهيكل في عام ٧٠ للميلاد، وتنكيل "هدريان" باليهود في عام ١٣٢ للميلاد؛ يرجع بعض بقية يهود جزيرة العرب نسبهم إلى الكاهنين وإلى الأسباط العشرة١.
ويرى المقدسي أن سبب لجوء اليهود إلى المدينة هو الهروب من الاضطهاد الروماني فيقول:
جاءني في الخبر أن طسطوس بن استينانوس الرومي الكافر لما خرب بيت المقدس إحدى المرتين، وتفرقت بنو إسرائيل جاءت قريظة والنضير وهما من صريح ولد "هارون بن عمران أخي موسى بن عمران" حتى نزلوا يثرب وذلك في الفترة؛ وكان نزول الأوس والخزرج إياها زمن سيل العرم لا شك؛ ويقال: إن مسقط يهود إليها من عهد "موسى بن عمران"؛ وذلك: أنه بعث جيشا إلى يثرب وأمرهم أن يقتلوا كل من وجدوا على قامة السوط. قال: فقتلوا إلا غلامًا لم يروا أحسن منه؛ فإنهم استبقوه وانصرفوا إلى الشام. وإذا "موسا" قد ملك، وتبرأت بنو إسرائيل من هذه الطبقة؛ لمخالفة أمر "موسى" واستحيائهم من هذا الغلام، فأقبلوا راجعين إليها واستوطنوا بها فإن كان هذا حقا فقد سبقوا الأوس والخزرج إلى يثرب٢.
وكان بنو "قينقاع" أول اليهود الذين ناصبوا الرسول العداء، وكانوا يسكنون في أحياء يثرب، وكانوا أغنياء على غير وفاق ووئام مع بقية أبناء قومهم بني قريظة وبني النضير، وقد اشتركوا في يوم "بعاث".
ويرى أوليرى احتمال كون بني قينقاع من أصل عربي متهود أو من بني "أدوم"، وقد تكون بعض القبائل اليهودية التي ذكر أسماءها الإخباريون قبائل يهودية حقا أي من الجماعات اليهودية التي هاجرت من فلسطين في أيام القيصر "طيطوس" أو "هدريان" أو قبل أيامها أو بعدها؛ ولكن بعضا آخر منها لم يكن من أصل يهودي؛ إنما كانت قبائل عربية دخلت في دين يهود؛ ولا سيما القبائل المسماة
стр. 205
بأسماء عربية أصيلة، ولبعض هذه الأسماء صلة بالوثنية تشعر أنها كانت على الوثنية قبل دخولها في دين يهود.
والظاهر أنها تهودت إما بتأثير التبشير، وإما باختلاطها ودخولها في عشائر يهودية جاورتها فتأثرت بديانتها.
وقد ذكر البكري أن بني حشنة بن عكارمة وهم من بلى قتلوا نفرا من بني الربعة ثم لحقوا بتيماء، فأبت يهود أن يدخلوهم حصنهم وهم على غير دينهم فتهودوا، فأدخلوهم المدينة فكانوا معهم زمانًا، ثم خرج نفر إلى المدينة فأظهر الله الإسلام، وبقية من أولادهم بها وهنالك بطون أخرى عربية الأصل كانت على دين يهود.
وقد اشتهر يهود خيبر من بين سائر يهود الحجاز بشجاعتهم، وخيبر موضع غزير المياه كثيره، وقد عرف واشتهر بزراعته ويكثرة ما به من نخيل، وزعم أن يهود خيبر هم من نسل -ركاب- المذكورة في التوراة وأن -يونادب- Jamadeb جندب ابنه تبدى مع أبنائه ومن أتباعه، وعاش١ عيشة تقشف وزهد وخشونة، وأن نسلهم هاجر بعد خراب الهيكل الأول إلى الحجاز حتى بلغوا خيبر فاستقروا بها، واشتغلوا بزراعة النخيل والحبوب، وأنهم أقاموا فيها قلاعا وحصونًا تحميهم من غارات الأعراب عليهم٢، وذهب المستشرق أن كلمة خيبر كلمة عبرانية الأصل Kheber ومعناها الطائفة والجماعة، وذهب بعضهم أن معناها الحصن والمعسكر٣ وقد ذهب بعض المستشرقين استنادا إلى دراسة أسماء يهود الحجاز عند ظهور الإسلام إلى أن أولئك اليهود لم يكونوا يهودًا حقًّا بل كانوا عربًا متهودين تهودوا بتأثير الدعاة اليهود، ولكن الاستدلال من دراسة الأسماء على أصول الناس لا يمكن أن يكون حجة للحكم على أصولهم وأجناسهم؛ فالفرس والروم والهنود وغيرهم ممن دخل في الإسلام تسموا بأسماء عربية، وبعضها أسماء عربية خالصة٤.
стр. 206
وتسمياتهم هذه لا تعني أن من تسمى بها كان عربي الأصل، ثم إن كثيرًا من اليهود في الغرب وفي أمريكا وفي البلاد العربية والإسلامية سموا أنفسهم بأسماء غير عبرانية، ولكنهم كانوا وما زالوا على دين يهود؛ والأسماء وحدها لا تكفي في إعطاء رأي علمي في تعيين الأصول والأجناس، ولا سيما في المواضع الكائنة على طرق التجارة والمواصلات وفي الأماكن التي يكثر فيها الاختلاط.
وللمستشرق "ونلكر" رأي في هذا الموضوع، خلاصته:
أن أولئك لو كانوا يهودا حقا هاجروا من فلسطين إلى هذه المواضع لكانت حالتهم وأوضاعهم ومستواهم الاجتماعي على خلاف ما كان عليه هؤلاء اليهود١.
ولكن اليهود مع ما كان لهم من قلاع وآطام وقرى عاشوا فيها متكتلين مستقلين لم يتمكنوا من بسط نفوذهم وسلطانهم على الأراضي التي أنشأوا مستوطناتهم فيها، ولم يتمكنوا من إنشاء ممالك وحكومات يحكمها حكام اليهود، بل كانوا مستقلين في حماية سادات القبائل يؤدون لهم إتاوة في كل عام مقابل حمايتهم لهم ودفاعهم ومنع الأعراب من التعدي عليهم، وقد لجأوا إلى عقد المحالفات معهم فكان لكل زعيم يهودي حليف من الأعراب ومن رؤساء العرب المتحضرين٢، وكان جل اعتماد اليهود في هذه المنطقة عند ظهور الإسلام على التجارة ومعاطاة الربا والزرع، وبعض أنواع الصناعة كالصياغة، وتربية الماشية والدجاج، وصيد الأسماك في أعالي الحجاز على ساحل البحر الأحمر، واشتهروا بالاتجار بالبلح والبر والشعير والخمر، وكانوا يجلبون الخمر من بلاد الشام، وكانوا يبيعون بالرهن، يرهن المشترون بعض أمتعتهم عندهم؛ ليستدينوا منهم ما يحتاجون إليه، وقد ورد أن الرسول رهن درعا له عند يهودي من أهل يثرب في مقابل شعير كان به حاجة شديدة إليه
стр. 207
ومن الصناعات التي اشتغل بها اليهود -النسيج وهو من اختصاص نسائهم على الأكثر، والصياغة وقد اختص بها بنو قينقاع، والحدادة وهي صناعة يأنف منها العرب ويزدرونها ويرونها من الحرف الممقوتة الحقيرة١.
ويذكر أهل السير والأخبار:
أن يهود يثرب كانوا إذا تضايقوا من الأوس والخزرج هددوهم بقرب ظهور نبي يستعلون به عليهم.
ففي رواية عن بعض الصحابة أنهم قالوا: كنا قد علوناهم في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب، فكانوا يقولون لنا: إن نبيا يبعث الآن نتبعه، قد أطل زمانه نقتلكم معه قتل عاد وإرم، ولما ذكرهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور ونفر آخرون بدعواهم تلك، وبظهور النبي العربي بقولهم لهم: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا؛ فقد كنتم تستفحون علينا بمحمد، ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته.
فكان جواب يهود لهم ما جاء على لسان سلام بن مشكم أحد بني النضير:
ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكره لكم، وقد أشير إلى ذلك في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٢ [البقرة: ٨٩] .
قد ذكر المؤرخ النصراني فيلوستورجيوس Philostorgius في حوالي سنة ٤٢٥م أن أهل سبأ كانوا يتبعون في السبت سنة إبراهيم، ولكنه ذكر أيضا أنهم كانوا يعبدون الشمس والقمر ومعبودات أخرى، وأن بعضا منهم كان على دين يهود، وأنه
стр. 208
قاوم رسالة "ثيوفليس" الذي أرسله القيصر قسطنطين ٣٤٠-٣٦١م للتبشير بين الحميريين وذكر المؤرخ -ثيودوروس Theodoruslector وهو من رجال النصف الأول للقرن السادس للميلاد.
إن الحميريين كانوا في بادئ أمرهم على دين يهود، دخلوا فيه أيام ملكة سبأ المعروفة بقصتها مع سليمان، بدعوتها إياهم إلى هذا الدين، ولكنهم كما يقول هذا المؤرخ عادوا فارتدوا إلى الوثنية، ثم دخلوا بعدئذ في النصرانية في أيام القيصر أنسطاس Anastasius، ولم يشر هذا المؤرخ إلى وجود اليهودية بين الحميريين كما أنه لم يشر ولا المؤرخ الآخر إلى تهود أحد من ملوك حمير١، وورد في أخبار الشهداء الحمريين أن أحبارا من فلسطين من طبريا كانوا قد جاءوا إخوانهم في الدين يهود اليمن وسكنوا معهم، ومعنى هذا أن الصلات بين يهود اليمن ويهود فلسطين كانت موجودة، وأن يهود اليمن لم يكونوا بمعزل عن يهود فلسطينن، ويجب أن يقال مثل ذلك عن يهود الحجاز؛ إذ لا بد أن يكون ليهود الحجاز اتصال بيهود فلسطين وبيهود اليمن، وكيف لا يكون لهم اتصال بهم، وهم جيران فلسطين ولهم تجارات معهم، ثم إنهم على طريق اليمن وفلسطين، فإذا أراد يهود فلسطين الذهاب إلى اليمن أو يهود اليمن الذهاب إلى فلسطين فلا بد من المرور بأرض يهود الحجاز والنزول بهم، وقد كانت نجران من المستوطنات المهمة التي نزل بها اليهود في اليمن وهي مكان خصب، وقد عاش اليهود فيها مع غيرهم من العرب من نصارى وعبدة أصنام، ووجدوا اليهود في مواضع أخرى من جزيرة العرب، وكان بالبحرين قوم من اليهود صالحوا المسلمين مثل النصارى على دفع الجزية عن رؤوسهم٢.
بدأت خصومة اليهود للإسلام خصومة فكرية؛ هم يرفضون الاعتراف بنبوة الرسول ﷺ ، وبأن دعوته موجهة إليهم، ويرفضون نبوة في غير بني إسرائيل، والرسول ﷺ يدعوهم إلى الإيمان بالله وإلى الدخول في دعوته المبنية على الإيمان
стр. 209
بالله رب العالمين، رب العرب وبني إسرائيل والعجم، وعلى الإيمان بنبوته وبنبوة الأنبياء السابقين، ثم تطورت هذه الخصومة إلى معارك وحروب، والحروب كما نعلم تبدأ نزاعا في الآراء والأفكار ثم تتحول إلى صراع ونزاع وقتال١، وعمد اليهود إلى استغلال الأحقاد والبغضاء الكمينة التي كانت كانة في نفوس أهل يثرب من الأوس والخزرج من أيام الجاهلية فأثاروها كما استفادوا مما كان بينهم وبين رجال من المسلمين من الحلف والجوار في الاهلية للاحتماء بهم وللاتِّقاء بهم مما قد يلحق بهم من أذى٢، وقد كانت لليهود مواضع يتدارس فيها رجال دينهم أحكام شريعتهم وأيامهم الماضية، وأخبار الرسل والأنبياء، وما جاء في التوارة والمشنا وغير ذلك عرفت بين الجاهليين بـ "المدارس، وبيت المدارس، المدارش" وأطلق الجاهليون على الموضع الذي يتعبد اليهود فيه "الكنيس"؛ كنيسة اليهود تمييزًا لهذه الكنيسة التي هي لفظة خاصة بموضع عبادة٣.
وقد أخذ الجاهليون مصطلح المدارس من العبرانيين من لفظة مدارش التي هي من أصل درش Dorash التي تقابل درس في العربية، وتؤدي هذه الكلمة المعنى المفهوم من لفظة درس العربية تمام الأداء، قال ابن عباس: دخل رسول الله بيت المدارس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: "على ملة إبراهيم ودينه"، فقال: فإن إبراهيم كان يهوديًّا؟ فقال لهما رسول الله ﷺ : "فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبوا عليه"، ويظهر أن هذا المدارس كان من بيوت مدارسهم بيثرب٤.
وعرفت مساجد اليهود أي المواضع التي كانوا يصلون بها بالمحاريب جمع محراب، وعرف علماء اليهود ورجال دينهم بـ "الأحبار" جمع "الحبر"، وبـ "الربانيين"، وقد وردت الكلمتان في القرآن الكريم؛ المائدة آية ٤٤، ٦٣، وللفظة حبر أهمية كبيرة تشير إلى العلم والمعرفة وإن كانت لا تصل إلى درجة رابي -ربي Rabbi
стр. 210
أما الربانيون فهم العلماء بالحلال والحرام والأمر والنهي على رأي بعض العلماء الإسلاميين: وقال بعض آخر: الرباني العالم الراسخ في العلم والدين، أو العالم العامل المعلم، أو العالي الدرجة في العلم، وفرق بعضهم بين الربانيين وبين الأحبار بأن جعل الأحبار أهل المعرفة بأنباء الأمم وبما كان ويكون، وذهبوا إلى أنهما من الألفاظ المعربة العبرانية أو السريانية، وهي من الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم في أثناء الكلام على علماء يهود١.
وذكر القلقشندي أن المشهور من ألقاب أرباب الوظائف عند اليهود ثلاثة ألقاب؛ الأول: الرئيس وهو القائم فيهم مقام البطرك في النصارى، والثاني: الحزان وهو فيهم بمثابة الخطيب يصعد على المنبر ويعظهم، والثالث: الشيلحصبور وهو الإمام الذي يصلي بهم.
وقد أطلق القرآن الكريم على أسفار اليهود أي كتبهم المقدسة "التوراة"، وعرفت بهذه التسمية في الحديث وفي كتب التفسير، وصارت علمًا لها في الإسلام، كذلك أطلقت هذه اللفظة على معابد اليهود، ولم يعرف ورودها في الشعر الجاهلي خلا بيت ينسب إلى شاعر جاهلي يهودي اسمه سماك.
ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في أصل كلمة التوراة حتى ذهب بعضهم إلى أنها عربية، ولكن أكثريتهم ترى أنها عبارنية؛ لأن لغة موسى كانت العبرانية، وبهذه اللغة نزلت التوراة، ثم هم يختلفون في تعيين حدود التوراة، فيرى بعضهم أنها خمسة أسفار ويرى بعض آخر أنها أكثر من ذلك وأنها تشمل الزبور ونبوة أشعيا وسائر النبوات لا يستثنى إلا الأناجيل٢.
والمراد من الكتاب الذي أنزل على موسى والمذكور في مواضع من القرآن الكريم التوراة؛ أي هذه الأسفار الخمسة التي نتحدث عنها، وهو تعبير قرآني لا نستطيع أن نقول: إنه كان من مصطلحات الجاهليين، كما أننا لا نستطيع نفي
стр. 211
ذلك؛ إذ يجوز أن يكون الجاهليون قد أطلقوه على تلك الأسفار أو على العهد القديم كله بمعنى هذه الأسفار وبقية ما ورد فيها من أخبار الأيام والملوك والأنبياء، وقد ورد في الأخبار عن أبي هريرة أنه كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله".
أما الزبور والذبر فقد وردتا في القرآن الكريم ويراد بـ "الزبر" في بعض الآيات مثل: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ الكتب المنزلة، وقد وردت الكلمتان في بعض الشعر المنسوب إلى الجاهليين كامرئ القيس والمرقش الأكبر وأمية بن أبي الصلت، وذكر علماء اللغة أن معنى زبر كتب ونقش، ويرى بعض المستشرقين احتمال كونها من الكلمات العربية الجنوبية، ويرى بعض آخر أنها من أصل مزمور Mazmor العبراني، ومزمور في اللهجة السريانية، ومزمور في الحبشية، أخذت الكلمة وأجري عليها بعض التغيير حتى صارت على هذا الشكل١.
وقد قال أبو هريرة: الزبور ما أنزل على داود من بعد الذكر من بعد التوراة، وذكر بعض العلماء أن الزبور خص بالكتاب المنزل على داود.
وقد ذهب الشعبي إلى أن الزبور الكتاب المنزل على داود، أما الذكر فما نزل على موسى، وذهب آخرون مذاهب أخرى في تفسير المراد من الزبور ومن الذكر ولكن الرأي الغالب أن المراد من الزبور مزامير داود؛ وذلك لنص القرآن على ذلك.
وقد تعرض ابن خلدون لموضوع علم اليهود العرب وثقافتهم فقال:
إذا تشوقت العرب إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسالون عنه أهل الكتاب قبلهم وهم أهل التوراة من اليهود وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك٢.
стр. 212
ولما كانت اللغة العبرانية لغة الدين عند العبرانيين، وبها نزل الوحي على موسى فلا بد أن يكون لعلمائهم ورجال دينهم في جزيرة العرب علم بتلك اللغة وفقه بها، ولكن هذا لا يعني ضرورة كونهم كعلماء طبرية أو قيصرية في فلسطين أو بعض المواضع التي اشتهرت بعلمائها في التلمود بالعراق، ولست أستبعد أن يكون لهم علم بلغة بني إرم أيضا؛ لأن هذه اللغة كما نعلم كانت لغة العلم والثقافة قبل الميلاد وبعده، وبها كتبت كتب عدة من التلمودين، ثم إنها انتشرت بين سواد الناس حتى صارت لغة سواد يهود يتكلمون بها ولو برطانة وبلهجة خاصة هي اللهجة التي يمتاز بها سواد اليهود في كل قطر يعيشون فيه١.
ولم يظهر في يهود جزيرة العرب من حاز شهرة في العلم والفقه والتأليف والخطابة على نحو ما ظهر بين يهود العراق أو فلسطين أو مصر وإلا لاشتهر أمره وذاع خبر علماء يهود بابل وفلسطين ومصر، ولا يمكن أن تكون عزلتهم عن بقية يهود الأقطار المذكورة سببًا كافيًا في تعليل عدم شيوع اسم أحد من هؤلاء، إن قضية عزلتهم عن بقية إخوانهم في الدين هي نفسها تحتاج إلى سند يثبت وجود تلك العزلة، فمواضعهم في أعالي الحجاز على اتصال ببلاد الشام وهي لا تبعد كثيرًا عن مساكن إخوانهم في فلسطين، ثم إنهم كانوا على اتصال مستمر بهم بالتجارة، وقد كانوا يشترون حاصل بلاد الشام من خمور وحبوب وما شاكل ذلك، وينقلونه إلى يثرب، يذهبون إليها للتعامل والاتجار، فكيف يكون يهود جزيرة العرب في معزل عن غيرهم مع وجود الإسفار والتجارة، لا سيما أن أحبار طبرية كانوا يأتون إلى يهود اليمن؛ ليلقنوهم أمور الدين، ولا يستبعد أن يكون من بين أولئك الأحبار من ذهب إلى يهود يثرب أو خيبر أو تيماء. فالقضية -على ما يظهر- ليست قضية عزلة يهود جزيرة العرب عن بقية يهود وانفصالهم بذلك ثقافيًّا وعلميًّا عن بني دينهم انفصالا يؤثر في مستواهم الثقافي والعلمي فيجعلهم دون غيرهم من إخوانهم في العلم والثقافة؛ إنما يظهر هنالك جملة عوامل حالت دون نبوغ أحد فيهم، فيهود جزيرة العرب مهما قيل عنهم وعن رقيهم وارتفاع مستواهم عن مستوى من كان في جوارهم لم يكونوا في ثقافتهم وفي مستواهم الاجتماعي أرقى من الفلاحين وسكان القرى وما إليها في العراق أو فلسطين أو مصر، كما أن حالتهم المادية لم تكن على مستوى عالٍ
стр. 213
بحيث يمكن أن تقاس بالحوال المادية التي كان عليها اليهود الآخرون في الأراضي المشار إليها أو أصحاب تلك الأراضي من غير يهود، ثم إن عددهم مهما قيل فيه لم يكن كبيرًا وقد رأينا أن رجالهم المحاربين لم يكونوا يتجاوزون كلهم في الحجاز كله بضعة آلاف، وفي مثل هذا العدد والظروف والأحوال لا يمكن بالطبع أن تتوافر الإمكانيات المساعدة على البحث والتتبع والتعمق في العلم١.
وقد عُرِفَ يهود يثرب بمعرفتهم السحر والاتقاء منه، وبعلمهم بالتعاويذ، فكان المشركون يلجئون إليهم إذا احتاجوا إلى السحر أو إذا اعترضتهم مشكلات يرون أنها لا حل إلا بقراءة التعاويذ عليها، وقد ذكر المفسرون أن اليهود عملوا السحر للنبي وعمله رجل اسمه لبيد بن الأعصم أو بناته من يهود يثرب، وقد أشير إلى سحر اليهود في الحديث٢.
وقد لجأ العرب إلى اليهود يأخذون منهم الرقى والتعاويذ؛ فقد ورد في الأخبار أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها، فقال أبوبكر ﵁: ارقيها بكتاب الله يعني بالتوراة والإنجيل، وقد حافظ يهود جزيرة العرب على حرمة السبت، ويوم السبت من الأيام المقدسة التي يجب مراعاة حرمتها، فلا يجوز ليهودي الاشتغال فيه والقيام ببعض الأعمال، ومن خالف حرمة هذا اليوم ودنسه بالاشتغال فيه يكون قد ارتكب جرما عظيما، وقد وردت إشارات إلى يوم السبت في القرآن في معرض الكلام على بني إسرائيل، وأشير في بعضها إلى أخذ موسى العهد منهم بوجوب مراعاة حرمة هذا اليوم، وإلى نقضهم له وعدم مراعاتهم جميعا لهذا العهد وإلى أنهم اعتدوا فيه٣.
وفي هذه الإشارات دلالة على أن من اليهود عامة من خالف حرمة هذا اليوم فلم ينفذ ما ورد في أحكام شريعه عنه..
ولكن هذا عام غير خاص بيهود العرب الجاهليين، وإنما يشير إلى خروج بعض بني إسرائيل على أحكام دينهم وعدم مراعاتهم لها، وهذا اليوم من أقدس
стр. 214
الأيام في نظرهم، وقد وقف العرب الذين كانوا على اتصال باليهود على بعض أحكام دينهم مثل الرجم بالنسبة للزنا، واعتزال النساء في المحيض، فذكر العلماء أن حكم الإسلام في الحيض اقتصاد بين إفراط اليهود الآخذين في ذلك إخراجهن من البيوت، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، ومثل الدعاء إلى الصلاة عند اليهود بالنفخ في الشبور، ومثل صوم عاشوراء وأعيادهم.
وقد اختلف يهود جزيرة العرب عن الجاهليين في الأمور التي حرمتها شريعتهم عليهم في مثل المأكولات كما اختلفوا عنهم في عبادتهم وفي اعتقادهم بوجود إله واحد هو إله إسرائيل وفي أمور عقائدية أخرى واختلفوا عنهم في بعض العادات والمظاهر الخارجية فكان اليهود مثلا يسدلون شعورهم أما المشركون فكانوا يفرقون رءوسهم.
ورد عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم، وكان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق النبي ﷺ رأسه.
لم يُسلِم من يهود في أيام الرسول غير عدد قليل من المتبينين منهم مثل عبد الله بن سلام، ولم يتعاون معه غير عدد قليل منهم مثل يامين بن عمير بن كعب النضري، ويامين الإسرائيلي، ومخيريق، وكان رجلًا غنيًّا صاحب نخيل، وهو أحد بني ثعلبة بن الفطيون حث قومه على مساعدة الرسول ﷺ ومعاونته في غزوة أحد١.
وكان فيمن أسلم من بني قريظة كعب بن سليم القرظي، وهو من سبيهم في الإسلام ويعدُّ في الصحابة، ولكن لا تعرف له رواية٢.
وفيمن أسلم من يهود بني قريظة رفاعة القرظي خال صفية زوج النبي ﷺ ؛ لأن أمها برة بنت سموأل "سموال"، أما أبوها فهو حيي بن أخطب، ويعدّ زيد
стр. 215
ابن سعية "سعنة" في طبقة الصحابة، ويقال: إنه كان أحد أحبار اليهود الذين أسلموا، وأنه كان أكثرهم علماء ومالا، وقد شهد مع النبي ﷺ مشاهدة كثيرة وتوفي في غزوة بتوك مُقبلا إلى المدينة.
ولم يظهر من يهود اليمن في الإسلام ممن عرفوا برواية الإسرائيليات سوى رجلينن؛ هما كعب الأحبار ووهب بن منبه.
فأما كعب فقد أدرك زمن الرسول غير أنه لم يره، ولم يدخل في الإسلام إلا في أيام أبي بكر أو عمر، وهو أبو إسحق كعب بن مانع بن هينوع هيسوع، وقد عرف بين المسلمين بكعب الأحبار وبكعب الحبر من باب التعظيم والتقدير لعلمه.
ولم ينسب أد إلى كعب مؤلفان وكل ما نسب إليه فهو مما ورد عنه بالمشافهة والسماع وهو بين صحيح يمكن أن يكون قد صدر منه وبين مشكوك في أمره وُضِع عليه، وفيه ما هو إسرائيلي صحيح أي أنه مما هو وارد في التوراة أو في التلمود أو في الكتب الإسرائيلية الأخرى وفيه ما هو قصص إسرائيلي نصراني وما هو محض افتعال وخلط.