← Акыда

Акыда · id 10006

تاريخ الفكر الديني الجاهلي

محمد إبراهيم الفيومي

Полный текст (634 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ذلك؛ إذ يجوز أن يكون الجاهليون قد أطلقوه على تلك الأسفار أو على العهد القديم كله بمعنى هذه الأسفار وبقية ما ورد فيها من أخبار الأيام والملوك والأنبياء، وقد ورد في الأخبار عن أبي هريرة أنه كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله". أما الزبور والذبر فقد وردتا في القرآن الكريم ويراد بـ "الزبر" في بعض الآيات مثل: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ الكتب المنزلة، وقد وردت الكلمتان في بعض الشعر المنسوب إلى الجاهليين كامرئ القيس والمرقش الأكبر وأمية بن أبي الصلت، وذكر علماء اللغة أن معنى زبر كتب ونقش، ويرى بعض المستشرقين احتمال كونها من الكلمات العربية الجنوبية، ويرى بعض آخر أنها من أصل مزمور Mazmor العبراني، ومزمور في اللهجة السريانية، ومزمور في الحبشية، أخذت الكلمة وأجري عليها بعض التغيير حتى صارت على هذا الشكل١. وقد قال أبو هريرة: الزبور ما أنزل على داود من بعد الذكر من بعد التوراة، وذكر بعض العلماء أن الزبور خص بالكتاب المنزل على داود. وقد ذهب الشعبي إلى أن الزبور الكتاب المنزل على داود، أما الذكر فما نزل على موسى، وذهب آخرون مذاهب أخرى في تفسير المراد من الزبور ومن الذكر ولكن الرأي الغالب أن المراد من الزبور مزامير داود؛ وذلك لنص القرآن على ذلك. وقد تعرض ابن خلدون لموضوع علم اليهود العرب وثقافتهم فقال: إذا تشوقت العرب إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسالون عنه أهل الكتاب قبلهم وهم أهل التوراة من اليهود وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك٢.

стр. 212

ولما كانت اللغة العبرانية لغة الدين عند العبرانيين، وبها نزل الوحي على موسى فلا بد أن يكون لعلمائهم ورجال دينهم في جزيرة العرب علم بتلك اللغة وفقه بها، ولكن هذا لا يعني ضرورة كونهم كعلماء طبرية أو قيصرية في فلسطين أو بعض المواضع التي اشتهرت بعلمائها في التلمود بالعراق، ولست أستبعد أن يكون لهم علم بلغة بني إرم أيضا؛ لأن هذه اللغة كما نعلم كانت لغة العلم والثقافة قبل الميلاد وبعده، وبها كتبت كتب عدة من التلمودين، ثم إنها انتشرت بين سواد الناس حتى صارت لغة سواد يهود يتكلمون بها ولو برطانة وبلهجة خاصة هي اللهجة التي يمتاز بها سواد اليهود في كل قطر يعيشون فيه١. ولم يظهر في يهود جزيرة العرب من حاز شهرة في العلم والفقه والتأليف والخطابة على نحو ما ظهر بين يهود العراق أو فلسطين أو مصر وإلا لاشتهر أمره وذاع خبر علماء يهود بابل وفلسطين ومصر، ولا يمكن أن تكون عزلتهم عن بقية يهود الأقطار المذكورة سببًا كافيًا في تعليل عدم شيوع اسم أحد من هؤلاء، إن قضية عزلتهم عن بقية إخوانهم في الدين هي نفسها تحتاج إلى سند يثبت وجود تلك العزلة، فمواضعهم في أعالي الحجاز على اتصال ببلاد الشام وهي لا تبعد كثيرًا عن مساكن إخوانهم في فلسطين، ثم إنهم كانوا على اتصال مستمر بهم بالتجارة، وقد كانوا يشترون حاصل بلاد الشام من خمور وحبوب وما شاكل ذلك، وينقلونه إلى يثرب، يذهبون إليها للتعامل والاتجار، فكيف يكون يهود جزيرة العرب في معزل عن غيرهم مع وجود الإسفار والتجارة، لا سيما أن أحبار طبرية كانوا يأتون إلى يهود اليمن؛ ليلقنوهم أمور الدين، ولا يستبعد أن يكون من بين أولئك الأحبار من ذهب إلى يهود يثرب أو خيبر أو تيماء. فالقضية -على ما يظهر- ليست قضية عزلة يهود جزيرة العرب عن بقية يهود وانفصالهم بذلك ثقافيًّا وعلميًّا عن بني دينهم انفصالا يؤثر في مستواهم الثقافي والعلمي فيجعلهم دون غيرهم من إخوانهم في العلم والثقافة؛ إنما يظهر هنالك جملة عوامل حالت دون نبوغ أحد فيهم، فيهود جزيرة العرب مهما قيل عنهم وعن رقيهم وارتفاع مستواهم عن مستوى من كان في جوارهم لم يكونوا في ثقافتهم وفي مستواهم الاجتماعي أرقى من الفلاحين وسكان القرى وما إليها في العراق أو فلسطين أو مصر، كما أن حالتهم المادية لم تكن على مستوى عالٍ

стр. 213

بحيث يمكن أن تقاس بالحوال المادية التي كان عليها اليهود الآخرون في الأراضي المشار إليها أو أصحاب تلك الأراضي من غير يهود، ثم إن عددهم مهما قيل فيه لم يكن كبيرًا وقد رأينا أن رجالهم المحاربين لم يكونوا يتجاوزون كلهم في الحجاز كله بضعة آلاف، وفي مثل هذا العدد والظروف والأحوال لا يمكن بالطبع أن تتوافر الإمكانيات المساعدة على البحث والتتبع والتعمق في العلم١. وقد عُرِفَ يهود يثرب بمعرفتهم السحر والاتقاء منه، وبعلمهم بالتعاويذ، فكان المشركون يلجئون إليهم إذا احتاجوا إلى السحر أو إذا اعترضتهم مشكلات يرون أنها لا حل إلا بقراءة التعاويذ عليها، وقد ذكر المفسرون أن اليهود عملوا السحر للنبي وعمله رجل اسمه لبيد بن الأعصم أو بناته من يهود يثرب، وقد أشير إلى سحر اليهود في الحديث٢. وقد لجأ العرب إلى اليهود يأخذون منهم الرقى والتعاويذ؛ فقد ورد في الأخبار أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها، فقال أبوبكر ﵁: ارقيها بكتاب الله يعني بالتوراة والإنجيل، وقد حافظ يهود جزيرة العرب على حرمة السبت، ويوم السبت من الأيام المقدسة التي يجب مراعاة حرمتها، فلا يجوز ليهودي الاشتغال فيه والقيام ببعض الأعمال، ومن خالف حرمة هذا اليوم ودنسه بالاشتغال فيه يكون قد ارتكب جرما عظيما، وقد وردت إشارات إلى يوم السبت في القرآن في معرض الكلام على بني إسرائيل، وأشير في بعضها إلى أخذ موسى العهد منهم بوجوب مراعاة حرمة هذا اليوم، وإلى نقضهم له وعدم مراعاتهم جميعا لهذا العهد وإلى أنهم اعتدوا فيه٣. وفي هذه الإشارات دلالة على أن من اليهود عامة من خالف حرمة هذا اليوم فلم ينفذ ما ورد في أحكام شريعه عنه.. ولكن هذا عام غير خاص بيهود العرب الجاهليين، وإنما يشير إلى خروج بعض بني إسرائيل على أحكام دينهم وعدم مراعاتهم لها، وهذا اليوم من أقدس

стр. 214

الأيام في نظرهم، وقد وقف العرب الذين كانوا على اتصال باليهود على بعض أحكام دينهم مثل الرجم بالنسبة للزنا، واعتزال النساء في المحيض، فذكر العلماء أن حكم الإسلام في الحيض اقتصاد بين إفراط اليهود الآخذين في ذلك إخراجهن من البيوت، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، ومثل الدعاء إلى الصلاة عند اليهود بالنفخ في الشبور، ومثل صوم عاشوراء وأعيادهم. وقد اختلف يهود جزيرة العرب عن الجاهليين في الأمور التي حرمتها شريعتهم عليهم في مثل المأكولات كما اختلفوا عنهم في عبادتهم وفي اعتقادهم بوجود إله واحد هو إله إسرائيل وفي أمور عقائدية أخرى واختلفوا عنهم في بعض العادات والمظاهر الخارجية فكان اليهود مثلا يسدلون شعورهم أما المشركون فكانوا يفرقون رءوسهم. ورد عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم، وكان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق النبي ﷺ رأسه. لم يُسلِم من يهود في أيام الرسول غير عدد قليل من المتبينين منهم مثل عبد الله بن سلام، ولم يتعاون معه غير عدد قليل منهم مثل يامين بن عمير بن كعب النضري، ويامين الإسرائيلي، ومخيريق، وكان رجلًا غنيًّا صاحب نخيل، وهو أحد بني ثعلبة بن الفطيون حث قومه على مساعدة الرسول ﷺ ومعاونته في غزوة أحد١. وكان فيمن أسلم من بني قريظة كعب بن سليم القرظي، وهو من سبيهم في الإسلام ويعدُّ في الصحابة، ولكن لا تعرف له رواية٢. وفيمن أسلم من يهود بني قريظة رفاعة القرظي خال صفية زوج النبي ﷺ ؛ لأن أمها برة بنت سموأل "سموال"، أما أبوها فهو حيي بن أخطب، ويعدّ زيد

стр. 215

ابن سعية "سعنة" في طبقة الصحابة، ويقال: إنه كان أحد أحبار اليهود الذين أسلموا، وأنه كان أكثرهم علماء ومالا، وقد شهد مع النبي ﷺ مشاهدة كثيرة وتوفي في غزوة بتوك مُقبلا إلى المدينة. ولم يظهر من يهود اليمن في الإسلام ممن عرفوا برواية الإسرائيليات سوى رجلينن؛ هما كعب الأحبار ووهب بن منبه. فأما كعب فقد أدرك زمن الرسول غير أنه لم يره، ولم يدخل في الإسلام إلا في أيام أبي بكر أو عمر، وهو أبو إسحق كعب بن مانع بن هينوع هيسوع، وقد عرف بين المسلمين بكعب الأحبار وبكعب الحبر من باب التعظيم والتقدير لعلمه. ولم ينسب أد إلى كعب مؤلفان وكل ما نسب إليه فهو مما ورد عنه بالمشافهة والسماع وهو بين صحيح يمكن أن يكون قد صدر منه وبين مشكوك في أمره وُضِع عليه، وفيه ما هو إسرائيلي صحيح أي أنه مما هو وارد في التوراة أو في التلمود أو في الكتب الإسرائيلية الأخرى وفيه ما هو قصص إسرائيلي نصراني وما هو محض افتعال وخلط.

стр. 216

مصادر مناقشة العرب للرسول ﷺ في مصدر القرآن: نسوق هذا النموذج بعدما قدمنا ما تعرضت له المنطقة من اتجاهات فكرية ودينية، يتميز هذا النموذج بأنه جمع لجنة تمثل اتجاه المثقف ثقافة عقلية في مدرسة "جنديسابور"، وهو: النضر. واتجاه رجال الدين اليهودي، وذلك عندما أفلست الوثنية العربية اتجه رجالها إلى يهود يثرب ليسألوهم عن مسائل يختبرون بها الرسول، وذلك كان بعد أن اتخذ الإسلام طريقه في قبائل قريش: من الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين، دعا رجال من أشراف قريش من كل قبيلة إلى اجتمع بينهم فاجتمع:

стр. 217

عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب والنضر بن الحارث، أخو: بني عبد الدار، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية والعاصي بن وائل، ونبيه ومنبه، ابنا: الحجاج السهميان، وأمية بن خلف. اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة. قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد، فكلِّموه، وخاصِموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إنَّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك؛ ليكلموك، فائتهم، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا؛ فهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء؛ وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، ودار ذلك في نفسه حديثا نفسيا حتى جلس إليهم. فقالوا له: يا محمد، إنا قد بعثنا لك؛ لنكلمك، وإنا والله، ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك؛ لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تطلب به الشرف فينا، فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكًا: ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا نراه قد غلب عليك -وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا- فربما كان ذلك، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما بي ما تقولون".

стр. 218

ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليَّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا". قالوا يا محمد: فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا، ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا؛ ليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام، والعراق١. فقال لهم رسول الله: "ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتمكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه: فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وأن تردوه عليَّ: أصبرْ لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم"، وقد حكى القرآن ذلك٢. قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا: فخذ لنفسك٣، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك.

стр. 219

وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة، يغنيك بها عما نراك تبغي؛ فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم وتتلمس من المعاش، كما نتلمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله: "ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم". قال القرآن حاكيا ذلك منهم١. قالوا: "فأسقط علينا كسفا كما زعمت أن ربك لو شاء فعل، لا نؤمن لك إلا أن تفعل". فقال رسول الله: ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل. قالوا: يا محمد أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به. ثم يقولون: إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة. فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا، حتى نهلك أو تهلكنا. وقال قائلهم: فمن تعبد الملائكة أو بنات الله؟ وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك لرسول الله ﷺ : قام عنهم، وقال معه: عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، بن عبد الله، بن عمر، بن مخزوم، وهو ابن عمته: فهو لعاتكة بنت عبد المطلب.

стр. 220

فقال له: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا؛ ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، ويصدقوك، ويتبعوك، لم تفعل، ثم سالوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم، ومنزلتك من الله، فلم تفعل. ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم من العذاب: فلم تفعل. فوالله لا أؤمن بك أبدا، حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر إليك، حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصك أربعة من الملائكة، يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله إنك لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله. وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينا آسفا مما كان من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه. فلما قام عنهم رسول الله ﷺ قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى، ألا ما ترون منه من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا. وإني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر، ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته؛ لأهوي بصخرة على رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدًا فامض لما تريد. فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا -كما وصف- ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان رسول الله بمكة وقبلته الشام، فكان إذا صلى بين الركنين: البراني، والأسود، جعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسول الله يصلي، وقد غدت قريش. فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، ما رأيت مثل هامته، ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني.

стр. 221

فلما قال لهم ذلك أبو جهل قام النضر بن الحارث بن كلدة، فقال: يا معشر قريش إنه والله قد نزل أمر ما أتيتم بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم: غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر؛ لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم. وقلتم: كاهن.. لا والله ما هو بكاهن؛ قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم. وقلتم: شاعر.. لا والله ما هو بشاعر؛ قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه. وقلتم.. مجنون؛ لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه. يا معشر قريش: فانظروا في شأنكم؛ فإنه والله قد نزل بكم أمر عظيم. وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم فيها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم وإسفندبار فكان إذا جلس رسول الله مجلسًا يذكِّر فيه بالله، وحذر قومه من قبلهم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم إلى: فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وإسفنديار، وكان قد تعلم في فارس. ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني؟ قال ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل الله. وكان ابن عباس يقول: نزل فيه ثماني آيات من القرآن. قول الله : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ . وكل ما ذكر عن الأساطير في القرآن وردت فيه.

стр. 222

فلما قال لهم النضر بن الحارث بعثوه وبعثوا معه: عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عنه، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله: فإنهم أهل الكتاب وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة. فسألا أحبار اليهود عن رسول الله ﷺ ، ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم؛ لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن: فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل: فالرجل متقوِّل، فروا فيه رأيكم. ١- سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول: ما كان أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب. ٢- وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها: ما كان نبؤه؟ ٣- وسلوه عن الروح: ما هي؟ فإن أخبركم فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أخبر أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها، فهو نبي، وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم. فجاءوا رسول الله، فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول: قد كانت لهم قصة عجب. وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها. وأخبرنا عن الروح؛ ما هي؟

стр. 223

فقال لهم رسول الله: "أخبركم بما سألتم عنه غدا"، ولم يستثنِ، فانصرفوا عنه. فمكث رسول الله -فيما يذكرون- خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة فقالوا: وعدنا محمد غدًا، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، وأحزن رسول الله مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، والروح في سورة الإسراء. رواية علاقة الرسول بحكمة لقمان: دعا رسول الله سويد بن الصامت إلى الإسلام. فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي. فقال له رسول الله: "وما الذي معك؟ ". قال: مجلة لقمان "يعني حكمة لقمان". فقال له رسول الله: "اعرضها عليَّ"، فعرضها عليه، فقال له: إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله علي هو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه. وقال: إن هذا القول حسنن ثم انصرف عنه. فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج، وقيل: أسلم. ويظهر من المحاورة: يعني مناقشة الرسول في مصدر القرآن: -أن محمدًا: أعلن إعلانا ذاع بين قومه ومسجلا في القرآن: أنه لم يتلقَّ عِلما من إنسان، وسمع ذلك النضر نفسه، وغيره ممن شك فيهم العرب: أنهم يعلمون الرسول، فلم يعلن أي إنسان منهم، أو من اليهود، أو من المسيحيين أنه هو الذي يعلم الرسول فضلًا عن أنه لم يدع أحد منهم ذلك.

стр. 224

- وكما تفيد الرواية أن النضر بن الحارث على ما كان يدعيه من علم تلقاه من مدرسة جنديسابور كان يعلمهم أخبار الفرس فقط. - وسويد بن الصامت صاحب مجلة لقمان سمع منه الرسول وقال له: هذا كلام حسن، ثم سمع الرسول فقال له: إن هذا القول حسن، ولم يدَّعِ سويد أنه علم الرسول أو أن الرسول أخذ منه شيئا. وأن اختيار اليهود له، كان يعني: إظهار علامات النبوة وهم أعلم الناس بها وبدلائلها، وقالوا للنضر: إن أفتاكم فهو نبي مرسل، واليهودية وهي دائما ضد الوثنية الرومانية أمدت الوثنية العربية بعد أن أفلست في جدلها مع الرسول بأسلحة ماضية؛ لتختبره بها، ثم تشاء إرادة الله أن تنتهي الوثنية ومعها اليهودية بأسلحتها ويصير سفراء العرب إلى دعاة على الرغم منهم، فيظهرون علامات النبوة. علاقة القرآن بهما: خلاصة القول: إن القرآن حدد موقفه من اليهودية والنصرانية على حد سواء. أولا: من حيث المبدأ: - اعترف بهما: دينين سماويين، وموسى وعيسى رسولين أوحي إليهما١. - حض على الإيمان بهما: وأن إيمان المسلم لا يصح إلا بالإيمان بهما وبغيرهما من الرسل٢. - وضح علاقة الإسلام بهما على أنها تكميل وتتميم وتصحيح٣.

стр. 225

- قام القرآن بما اشتمل عليه من التاريخ الديني للرسالات السابقة عليه بنشر مضمون الكتب السابقة عليه، مظهرا بذلك وحدة السلسلة الدينية١. ثانيا: من حيث التفاصيل - أبدى ملاحظات اساسية عليهما منها: - نزاع بعضهم بعضا: قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ ٢. - تفرقهم في العقيدة إلى فرق لكل فرقة كتابها: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٣.

стр. 226

- إهمالهم للتوراة: قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ١. - تحريفهم لكتبهم المقدسة: تحريف في العقيدة: "كقولهم المسيح ابن الله وعزيرا ابن الله"٢ تحريفهم مفهوم علاقة البشرية بالله إلى بنوة له قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ٣. - تحريفهم في شريعتهم: قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ ٤. وفي القرآن عن قضية التحريف التي منها: قوله تعالى: أ- ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٥. وقوله: ب- ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه﴾ ٦. وقوله: جـ- ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٧. وقوله: د- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ ٨. ثم بعد ذلك رسم القرآن للرسول الغاية النهائية من بيان ذلك قائلا: ﴿فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ ٩.

стр. 227

ولهذه الغاية النبيلة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ ١. ولقد كان موقف أهل الكتاب من القرآن عجيبا: فإن وجدوا بعض ما في القرآن يتفق معهم قالوا: أخذه محمد من الكتاب٢، وإن وجدوا روايات لا تنتمي إلى كتبهم مع أنها خاصة بتاريخهم قالوا هذا حديث مفتري٣.

стр. 228

وإذا تقدمت البحوث وعلم الحفائر وأظهرت دلائل تؤيد روايات القرآن وتثبت لهم ما حرفوا في كتبهم بالزيادة أو الحذف -وهذا ما قاله القرآن عنهم- دعوا إلى التفاهم وتبادل الثقة ما دمنا ندين بدين واحد، من حيث المصدر والغاية١. وحقيقة أن الدعوى إلى التفاهم اشتدت في عصرنا، ولكنها دعوى مغلوطة؛ لأننا نؤمن بالمسيحية واليهودية وبالأديان السماوية مع الإسلام على حد سواء، فليس بين الإسلام والتوراة والإنجيل أزمة ثقة، أما هم: فإننا نراهم يعانون أزمة الثقة بينهم كطوائف وبين اليهودية كدين، وهذا قديم تاريخيا، ثم أخيرا بينهم جميعا وبين الإسلام، أما نحن المسلمين فبراء منها؛ لماذا؟ لأن الدعوة طرحها القرآن -وما زالت مطروحة- وعليهم الاستجابة لها، وبالتالي فالمشكلة التي بيننا وبينهم هي في مدى قدرتهم على الاستجابة نحو الكلمة السواء٢.

стр. 229

.....................................................................................................

стр. 230

.................................................................................

стр. 231

بيد أن موقفهم السيكولوجي ما زال كما قرره القرآن في قوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ . فالحرب الصليبية -وهي تعتبر أول غزو مسلح ذي شكل ديني قامت به أوروبا لغزو الإسلام في داره- جعلت هدفها الظاهر الدعوة التبشيرية للمسيحية كما هو واضح في اسمها -وفي حقيقة الأمر كانت أطماعا في لبن الشرق وعسله- والدعوة التبشيرية لمن؟ للإسلام، وتلك دعوة في ظاهرها مغلوطة فضلًا عن رفضها من حيث المبدأ من عدة جوانب؛ لأن دين الإسلام يعترف بالأديان السماوية ويعتبر الإسلام نفسه أنه مكمل لها، وعلى هذه الأديان دراسة العلاقة التي قررها الإسلام، ومن حيث دولة الإسلام ذات السيادة؛ فإنها تعترف بالدين المسيحي وتحترم المسيحية، فغزو أوروبا لدولة الإسلام كي تحملها على الاعتراف بالدين السماوي غير وارد. وأما من ناحية علاقة الإسلام -من كونه دينًا ودولة- بالأقليات الدينية فإن حقوقهم قد كفلها الإسلام وباتوا إخوة مع المسلمين فغزوهم؛ لتأمين هذه الأقليات غير وارد أيضا كأسباب لغزو مسلح. لذلك قلنا: إن الصليبية حملت الصليب رمزا للتعذيب، ولم ترفع الكتاب رمزا للحب والسلام. وفي النهاية يقول كارلو نللينو١: التشريع عند النصارى عمل بشري ليس له ارتباط متين بأقوال الإنجيل، أما التشريع في الإسلام فلا يتصور إلا كفرع من العلوم النقلية الدينية؛ أصوله في القرآن، والسنة، والإجماع. فلهذا السبب أيضا تنطوي كتب الفقه الإسلامية على العبادات التي لا مكان لها في فقه الأمم النصرانية، وكفى ذلك برهانا على عظيم شأن القرآن في الهيئة الاجتماعية الإسلامية، ودخول أحكامه في أمور دنيوية فقط عند النصارى.

стр. 232

ومما ذكرته كتب التاريخ الإسلامي عن علاقة المسلمين بالمسيحيين -وفق التوجيه النبوي ما ذكره ابن سعد في طبقاته عن كتبه ورسائله إلى الأساقفة وديار المسيحية في العرب وما أوصى به سفراءه، يذكر ابن سعد فيروي: وكتب رسول الله لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم أن لهم على ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم جوار الله ورسوله لا يغير أسقف عن أسقفيته ولا راهب عن رهبانيته ولا كاهن عن كهنوته ولا يغير حقًّا من حقوقهم ولا سلطانهم ولا شيء مما كانوا عليه ما نصحوا أو أصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين١. وكتب إلى ضغاطر الأسقف: سلام على من آمن، أما على أثر ذلك فإن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم الزكية وإني أومن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ابراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. والسلام على من اتبع الهدى ... وفي بعض كتبه لأهل نجران يقول ﷺ : ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم وملتهم وارضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم وصلواتهم لا يغير أسقفا عن أسقفيته ولا راهبا عن رهبانيته ولا واقفا عن وقفانيته وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير وليس ربا ولا دم جاهلية ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين. إلى أن قال: وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي أبدا حتى يأتي الله بأمر إن نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم٢.

стр. 233

المسيحية في بلاد العرب مدخل ... المسيحية في بلاد العرب: ١- الهلينستية وآباء الكنيسة: يقول حتى: في الوقت الذي كان الناس في العالم ينتجهون بأبصارهم ناحية "روما" على أنها سيدة الدنيا ومحور نشاطها؛ وفي الوقت الذي كانوا ينظرون بدهشة وذهول إلى عرش قيصر وجلال مجده، في هذا الوقت ولد طفل في "مذود" في مدينة قابعة في زاوية من زوايا ولاية صغيرة تابعة للإمبراطورية الرومانية؛ ولكن "المذود" هذا خلد على مر الزمن؛ بينما أعمل العدم في إمبراطورية روما معوله؛ أما المولود فهو "يسوع" وهو اسم عبري معناه: "يهوه هو الخلاص". ولم يذكره مؤرخ لاتيني كلاسيكي معاصر سوى: مؤرخ واحد اسمه "تافيطس" وذلك عندما تكلم بصورة عابرة عن رجل يدعى "المسيح" وهي لفظة آرامية معناها "الممسوح بالدهن" وهي علامة على "النبة أو الملوكية". وهذا المسيح هوالذي حكم عليه الوالي "بنطس بيلاطس" بالموت في عهد "طياريوس قيصر" حوالي ٢٧م. وقد طبق السيد "المسيح" تعاليمه، ومارسها في حياته؛ ومن أجلها مات على الصليب، وعلى وجه العموم نستطيع أن نقول: إن تعاليم المسيحية الجديدة أمدت البشر بنظرة جديدة إلى الحياة، كما أنها أكدت على ضرورة تكريس الذات تكريسا لمحبة الله، ومحبة الإنسانية، وكانت سيرة "المسيح" على الأرض خير مثال تجسدت فيه هذه المثل بصورة واقعية، وما كان للمسيحية أن تنتشر هذا الانتشار لو لم يكن في رسالتها أجوبة عن أمثلة يسألها الناس عن جوهر الحياة ومعناها، وعن الموت ومعناه: أجوبة ترضي فضول السائلين فكريًّا وروحيًّا؛ لأن العصر الذي ظهرت فيه المسيحية كان عصرا يتمخض بقلق فكري وروحي، وكان من الطبيعي أن يسأل الناس عن الحياة والموت وعن أسرار هذا الكون. أما الديانات الإغريقية الرومانية فكانت تعد بالخلود قلة من الناس هم الذين خدموا أمتهم، وأحسنوا إليها، كما أن أسرار الديانات الشرقية القديمة كانت وقفا على نخبة من الناس.

стр. 234

أما المسيحية فقد كانت على نقيض هذه الديانات؛ كانت ديانة للجميع بمثلها وأخلاقياتها ومعتقداتها الراسخة، وبتعاليمها عن الحياة الثانية. ولفظة "النصرانية، نصارى" التي تطلق في العربية على أتباع المسيح من الألفاظ المعربة، يرى بعض المستشرقين أنها من أصل سرياني هو نصرويو، نصرايا Nosroya-Nasroya ويرى بعض آخر أنها من Naerenes التسمية العبرانية التي أطلقها اليهود على من اتبع ديانة المسيح، وقد وردت في العهد الجديد في أعمال الرسل حكاية على لسان يهود، ويرى بعض المؤرخين أن لها صلة بالناصرة التي كان منها يسوع حيث يقال يسوع الناصرين أو أن لها صلة بـ الناصرين Nasarenes إحدى الفرق القديمة اليهودية المتنصرة، وقد بقى اليهود يطلقون على من اتبع ديانة المسيح "النصارى"، وبهذا المعنى وردت الكلمة في القرآن الكريم، ومن هنا صارت النصرانية علما لديانة المسيح عند المسلمين. ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في معنى هذه الكلمة وفي أصلها هي من قبيل التفسيرات المألوفة المعروفة عنهم ف يالكلمات الغريبة التي لا يعرفون لها أصلا، وقد ذهب بعضهم إلى أنها نسبة إلى الناصرة التي نسب إليها المسيح١. وأن قدماء النصارى حينما كانوا يتحدثون عن أنفسهم كانوا يقولون. تلاميذ المسيح؛ ذلك أنهم كانوا ينظرون إلى المسيح نظرهم إلى معلم يعلمهم، وكذلك نظروا إلى حوارييه، فورد تلاميذ يوحنا وقصدوا بذلك النصارى٢. أما في القرآن الكريم وفي الأخبار فلم ترد هذه اللفظة اليونانية الأصل ولهذا نجد أن العربية اقتصرت على إطلاق نصارى، نصراني، نصرانية على النصارى تمييزا لهم عن أهل الأديان الأخرى.

стр. 235

أما مصطلح عيسوي، مسيحي فلم يعرفا في المؤلفات العربية القديمة وفي الشعر الجاهلي، فهما من المصطلحات المتأخرة التي أطلقت على النصارى وقد قصد في القرآن الكريم بـ أهل الإنجيل١ النصارى؛ إذ لا يعترف اليهود بالإنجيل، وقد أدخل علماء اللغة اللفظة في المعربات٢.

стр. 236

مدرسة الإسكندرية واللاهوت المسيحي: كانت الإسكندرية مهد الأفلوطوينية، وأكاديمية الإسكندرية مرضعتها، وكان من حسن طالع المسيحية التي ورثت كثيرا من الفلسفتين: "الفيثاغورية والأفلاطونية المحدثة" أن مال إليها منذ بدء عهدها جمهور من كبار المفكرين البارزين في العالم الروماني الهليني؛ ففي مدينة الإسكنرية كانت تلتقي التيارات الفكرية من: يهودية ومسيحية ووثنية فتصطرع حينًا، وتتفق حينًا آخر، تألفت مدرسة فكرية تعني بتعليم العقائد الدينية وإليها يعزى الفضل في تقدم المسيحية الفكري. بولس الرسول: بدأت عملية إدخال العناصر الهلينية بالرسول "بولس" الذي كان رجلًا يهوديًّا ارتد عن دينه، واعتنق الهلينية مذهبا فكريا، ثم جاء من بعده آباء الكنيسة الذين كانوا أيضا أتباع الهلينية، وكان "بولس" قد سعى قبل ظهور آباء الكنيسة إلى تحرير الديانة الجديدة من قيود التقليد اليهودي المتعنت. وبالتوفيق بينها وبين الفلسفة الإغريقية أعدت المسيحية نفسها؛ لتكون نواه قوة عالمية، وجعلت من نفسها جسرا يربط، بين الفكر الشرقي والغربي راحت ترسي قواعدها في حوض المتوسط الشرقي؛ ومن هناك أخذت تبث رسالتها إلى البشرية؛ وعلى يد الرسول "بولس" أخذت علاقة المسيحية بالفلسفتين: الرواقية والأفلوطينية المستحدثة علاقة أخذ وعطاء. وما إن أطل القرن الثالث الميلادي حتى كانت المسيحية قد أفلحت باللحاق بركب الرواقية، ونجحت في التوفيق بين نظرتهما والاقتباس من ملامحها. ولعل

стр. 237

"بولس" أبرز شهيد لاقى حتفه؛ تنفيذًا لأوامر نيرون سنة ٦٧م، واستمرت تلك الاضطهادات عنيفة قاسية حتى أصبحت في عهد "قسطنطين" دين الدولة الرسمي.

стр. 238

كلمنت ١٦٠م-٢٠٣، أوريجين المتوفي سنة٢٥٣م، اثنا سيوس المتوفي ٣٧٣م: "بولس" أبرز شهيد لاقى حتفه؛ تنفيذًا لأوامر نيرون سنة ٦٧م، واستمرت تلك الاضطهادات عنيفة قاسية حتى أصبحت في عهد "قسطنطين" دين الدولة الرسمي. يعتبر "كلمنت" مؤسس المدرسة الإسكندرانية للاهوت المسيحي، كان في بادئ الأمر وثنيا له اطلاع واسع على الفلسفة الإغريقية، وحاول -وفق منهجه- التوفيق بين أفضل ما في الوثنية القديمة من فكر، وبين الديانة المسيحية الجديدة. ولد "أوريجين" في مصر حوالي سنة ١٨٥م من أبوين وثنيين كما يدل على ذلك اسمه الذي يعني: "هبة الإلهة هورس" وهو تلميذ "كلمنت"، وبعد خصومة نشأت بينه وبين أسقف بدلته رحل إلى "قيسرية من أعمال فلسطين"؛ حيث أقام هناك ويؤلف، وفي شروحه وتعليقاته على أسفار التوراة اعتمد الأسلوب المجازي الرمزي، وعذب وأهين وسجن في الاضطهاد الذي سنه دقيانوس. ظهر في القرن الثالث للميلاد قديس ثالث من آباء الكنيسة الإغريقيين "اثناسيوس". ولد في الإسكندرية، وكان من أشد خصوصم الوثنية، ومن ألد أعداء الهرطقة، ويعتبر بحق من آباء الأرثوذكسية. وكانت خصومته للهرطقة موجهة بالدرجة الأولى لمذهب "أريوس" المتوفى سنة ٣٣٦ الذي كان أحد رجال "الإكليربوس" في الإسكنرية وفي الإسكندرية نشأ هذا المذهب الذي عرف باسمه. كان "أريوس" يقول: بأن "الله" فوق إدراك البشر ومعرفتهم، وأنه منفصل عن أي مخلوق كائن، وأن "السيد المسيح" لم يكن "الله" بالمعنى الشامل؛ إلا أن تعاليم "أريوس" رفضت في مجمع "نيقيا" سنة ٣٢٥ وفي مجمع "نيقيا" برز "اثناسيوس" بسبب وضعه قانون الإيمان المعروف بالقانون: "التيفانوس" وفيه تشديد على الثالوث؛

стр. 239

وبوصفه أسقفا لمدينة الإسكندرية رفض "أثناسيوس" تقبل الأوامر التي كان يصدرها الإمبراطور، والتي كانت تنم عن عطف على "الأربولية ومناصرة لها"، ثم نفى مرارًا وعزل، ثم في منفاه عاش مع النساك. وفي كتاب يعزى إلى: "أثناسيوس" نجد وصفًا مسهبًا لحياة ناسك كان يعرفه "أثنا سيوس" اسمه "أنطوني" مصريًّا عاش هذا المتزهد المصري المولد مدة عشرين سنة في الصحراء المصرية وبعد ذلك نشأت رهبنيات في مصر السفلى، ومن مصر انتشرت حركة الرهبنة إلى سوريا، ومنها إلى فلسطين إلى أن عمت العالم المسيحي بأسره. الرها: احتدم الجدل اللاهوتي في خلال القرن الرابع والخامس وكان من أمتع النشاطات الفكرية وأطرفها لدى علماء ذينك القرنين، كان ذلك الجدل يدور حول شخص "المسيح وطبيعته الإنسانية"، وعلاقتها بطبيعته الإلهية؛ وعلى مر الأيام انقسمت الكنيسة السريانية إلى طائفتين: السريانية الشرقية، التي تعرف بالنسطورية، وأصحابها النساطرة. السريانية الغربية: التي تعرف باليعقوبية، وأصحابها اليعاقبة. الكنيسة السريانية الشرقية: كانت الكنيسة السريانية الشرقية تفاخر بأنها تأسست في عهد الرسل، وبهذا تكون تأسست قبل عهد "نسطورا" بما لا يقل عن قرنين من الزمن وهي تعتبر نسطورا من الأباء اليونانيين، لا من الآباء السريان. ولكن بما أنها رفضت أن تصدر في حقه الحرم الكنسي، فقد ظل اسمه مقرونًا بهذه الكنيسة المعروفة بالنسطورية. احتضنت مدرسة الرها العقيدة النسطورية، وتولت الدفاع عنها، وانطلقت منها رسل التبشير إلى الصين والهند.

стр. 240

الكنيسة السريانية الغربية، آباء الكنيسة اللاتين، أوغسطس ٣٥٤ ... الكنيسة السريانية الغربية، آباء الكنيسة اللاتين، أوغسطين ٣٥٤: إذا كان الفرع الشرقي للكنيسة السريانية الذي غرس جذوره في إيران يعتبر من ناحية الفلسفة اللاهوتية نسطوريا، فإن الفرع الغربي الذي تأصلت جذوره في كنائس سوريا "مونوفستيا" أي: كنيسة القائلين بأن "المسيح" طبيعة واحدة؛ أي القائلين بأن "المسيح" إنسان إله وتعظيم العذراء. وفي مطلع القرن السادس كانت قد ترسخت في سوريا وأصبحت تعرف بالكنيسة اليعقوبية وأصحابها اليعاقبة؛ نسبة إلى "يعقوب البرادعي" واضع طقوسها واسقف الرها ٥٤٣م-٥٧٨م ومن سوريا انتشرت عقيدة أصحاب الطبيعة الواحدة شمالًا إلى أرمينيا وجنوبا إلى مصر حيث اعتنقتها الكنيسة القبطية. يقول حتى: في الوقت الذي كان فيه آباء الكنيسة في الإسكندرية يعملون على إغناء اللاهوت المسيحي بتلقيح العقائد المسيحية بعناصر من الفلسفة الإغريقية، كان الآباء القديسون اللاتين يدخلون على سلطة الكنيسة وإدارتها عناصر رومانية في حقلي التشريع والقضاء. ولد سنة ٣٥٤ في "نوميديا" غرب مدينة قرطاجة؛ ولم يعتنق المسيحية حتى سنة ٣٨٧، بعد أن كان من دعاة الأفلاطونية الجديدة؛ وبعد اعتناقه بسبع سنوات رسم أسقفا على مدينة "هبو" وهي مستعمرة فينيقية ثانية في شمال إفريقيا، وبقى في هذا المنصب حتى مماته سنة ٤٣٠م ومما شهره مؤلفه الموسوم بـ "اعترافات" وهو: كتاب ممتع يسر وفيه سيرة حياته؛ وكذلك مؤلَّفه "مدينة الله" الذي يتخيل فيه الكنيسة المسيحية إمبراطورية جديدة ناشئة تقوم على أنقاض روما. من هنا يظهر على سبيل المقارنة بين آباء الكنيسة الإسكندرانية وآباء الكنيسة الرومانية، بأن آباء الكنيسة الإسكندرية وارثو التراث الإغريقي الحضار الذي يؤكد الإيمان بالعقل وحب العلم وطلب المعرفة لذاتها.

стр. 241

هم الذين أوجدوا الفكر المسيحي القديم، وخلقوا له نظاما خاصًّا به، وكان الثلاثة: "كلمنت، وأوريجين، وأوغسطين" هم الذين وضعوا العقيدة في الثالوث، وقد أكد الآباء الإغريق على الأفلاطونية الجديدة التي نادى بها أولا "بولس" الرسول، وتمييزها بين عالم المحسوسات الذي هو عالم زائل منقلب وبين عالم الفكر الذي هو ثابت دائم سرمدي؛ وهذا التمييز من شأنه أن يوضح الفرق بين المادة والروح بين الجسد والنفس. يقول حتى: لقد أضحى العالم "وادي الدموع" الذي يأخذ بيد الإنسان إلى العالم الآخر. كما أن حياة التنسك والتقشف أصبحت في نظر الناس هي الحياة الفضلى. وعلى نقيض الآباء اليونانيين كان الآباء اللاتين وارثو التقليد الروماني يعنون أولا بتنظيم المجتمع البشري، ووضع الشرائع والقوانين التي تضبط شئونه؛ كما أنهم يعملون على تنظيم الكنيسة كمؤسسة ونظام، وذلك لأن الشعب الروماني كان واقعيًّا في نظرته أكثر من الشعب الإغريقي.

стр. 242

توسع الرهبنة، القديس مارون، أفرام السورياني ٣٠٦-٣٧٣: هم الذين أوجدوا الفكر المسيحي القديم، وخلقوا له نظاما خاصًّا به، وكان الثلاثة: "كلمنت، وأوريجين، وأوغسطين" هم الذين وضعوا العقيدة في الثالوث، وقد أكد الآباء الإغريق على الأفلاطونية الجديدة التي نادى بها أولا "بولس" الرسول، وتمييزها بين عالم المحسوسات الذي هو عالم زائل منقلب وبين عالم الفكر الذي هو ثابت دائم سرمدي؛ وهذا التمييز من شأنه أن يوضح الفرق بين المادة والروح بين الجسد والنفس. يقول حتى: لقد أضحى العالم "وادي الدموع" الذي يأخذ بيد الإنسان إلى العالم الآخر. كما أن حياة التنسك والتقشف أصبحت في نظر الناس هي الحياة الفضلى. وعلى نقيض الآباء اليونانيين كان الآباء اللاتين وارثو التقليد الروماني يعنون أولا بتنظيم المجتمع البشري، ووضع الشرائع والقوانين التي تضبط شئونه؛ كما أنهم يعملون على تنظيم الكنيسة كمؤسسة ونظام، وذلك لأن الشعب الروماني كان واقعيًّا في نظرته أكثر من الشعب الإغريقي. فمنذ إعلان المسيحية دينا رسميا في عهد "قسطنطين" للدولة الرومانية ولمدة قرنين ازدهر عصر "المطارنة والأساقفة" والرهبان والراهبات، والمتنسكين والزهاد، بشكل لم يعهد من قبل، فقد تضاعف عدد الكنائس والأديرة في مصر وعبر سوريا حتى آسيا الصغرى. وكان أسلوب العيش المفضل هو عيش الرهبنة التي نشأت في المسيحية بممارسة التقشف والزهد، ومن الذين أنعشوا حياة التزهد والترهبن: إن القديس "مارون" مؤسس "الطائفة المارونية" وشفيع كنيستها في لبنان راهبا ناسكا قضى حياته في البرية الواقعة إلى الشمال من أنطاكية. كان "أفرام السورياني" أولا لاهوتيا في الكنيسة السريانية؛ هو الذي دعاها إلى الرهبنة بين قومه، وهو الذي أنشأ في "الرها" مدرسة اللاهوت، أصبحت فيما بعد أول جامعة في الكنيسة السريانية.

стр. 243

وبهذا شاركت في دخول المسيحية الكنيسة بآبائها اليونانيين في نشر الثقافة اليونانية من جانب، وإسباغ ثوب الثقافة اليونانية على المسيحية من جانب آخر، وبلغ منها أن باتت تفضل قراءة العهد القديم في ترجمته اليونانية. ثم بدأت جهود فردية تعكف على التوفيق بين العقيدة المسيحية والفلسفة اليونانية، وظنوا أن تضافرها مع الفلسفة يعطيها قوة، ولكن خيب ظنهم انشقاقها العقدي الذي ظهر فيما بعد. وظهر الأثر الفلسفي على القديس بولس -وهو رائد التوفيق بين المسيحية والتراث الفكري عند الشعوب الداخلة فيها في رسائله التي وفق فيها بين المسيحية والفلسفة اليونانية- وظهر جليا: عندما نشبت الخصومات داخل الكنيسة أن صيغت هذه الخصومات في مصطلحات فلسفية يونانية ودارت معاركها وفقًا للأصول الفلسفية. وقد استخدم القديس بولس -وهو من أهل طرسوس أحد مراكز الرواقية المختارة: لغة تلك المدرسة؛ للتعبير عن المجتمع الروحي الذي ينتظم كل المسيحيين أعضاء، وتتردد باستمرار في رسائله: فكرة رعوية سماوية، وفي عظته في أثينا: اقتبس من أنشودة إفلينشي الرواقي لزيوسن وأعلن في ألفاظ تردد صدى العقائد الأساسية في المذهب الرواقي: أن الله لا يسكن هياكل مصنوعة بالأيدي، وأنه "صنع من دم واحد: جميع أمم الناس؛ ليسكنوا كل وجه الأرض"١ وهكذا منذ البدء أتيح للكنيسة المسيحية أن تكون مبشرة بالثقافة العقلية اليونانية، وبالعقيدة الإنجيلية معًا. ورأينا وجهة نظر يهودية معاصرة تقول: إن دخول المسيحية في الهلينية: انحراف منها إلى اليسار، وأنهم يدفعون بأنفسهم في استهانة متزايدة نحو التراخي، ويدفعون من جانبهم: الحركة الهلينية في اطراد إلى الأمام. وبسبب هذه الانتقادات اليهودية: وقعت خصومة٢ بين اليهود والمسيحيين.

стр. 244

وكانت هذه الخصومة ما يفيد أن المسيحية هي وريثة الهلينية، وذلك عندما سايرت إلى حد كبير تيار الفكر الهليني في الشرق. وفي النهاية نقول: لقد حققت المسيحية توسعا دينيا، فأصبحت الدولة الرومانية مسيحية بعد وثنيتها اليونانية، وأصبح من المعالم البارزة التي طبعها الشرق على الغرب: أن دان الغرب بدين شرقي، غير أن الغرب أخذها بعد أن طبعها اليونان بطابعهم الفلسفي، مما جعلها فيما بعد إبان عصور النهضة الأوربية محل انتقاد من البعض، ورفض وإنكار من البعض الآخر. وفي هذا ما يميز الإسلام عنهما: فهو قد انتشر بلغته، وكتابه، وشمل أمما، وشعوبا، فضلوا لغته على لغاتهم، كذلك يتميز بأنه دين دعوة منذ أن نشأ، وفي حياة الرسول نفسه: أرسلت سفراء، وكتب؛ لنشر الدعوة الإسلامية، وكان له من القوة التي كفلت له حمل السيف، على من ناصبه العداء، أو في سبيل تأمين دعوته إذا تعرضت لمناورات الخصوم المعارضين. وكان من أكبر الآثار الفلسفية على المسيحية: أن صرفت النصارى عن التوحيد دين المسيح، إلى عبادة الصليب، وفي هذا التحول تغير مفهوم المقدس الحقيقي لديها؛ لأن الصلب والصليب لم يكن تشريعا منه. وعلى أية حال لقد توسعت في مفهوم المقدس حين أدخلت قضايا فلسفية إلى صميم دينها بل إلى صميم عقيدتها. يقول جيبون: وخلط الغنوصيون، بالإيمان بالمسيح: كثيرًا من العقائد، والمذاهب الغامضة، تلك اشتقوها من الفلسفة الشرقية، بل حتى من ديانة زرادشت التي تتعلق بخلود المادة، ووجود عنصرين والتسلل الغامض للعالم غير المرئي. واستطاع هؤلاء الهراطقة الغنوصيون أن يخرجوا بدلا من الناجيل الأربعة التي قررتها الكنيسة بمجموعة كبيرة من التواريخ، التي تلتئم فيها مناقشات المسيح، وحوارييه، وأعمالهم، مع أفكار كل شيعة بعينها.

стр. 245

كيف دخلت المسيحية مكة والجزيرة العربية: كانت هناك روافد حملت المسيحية إلى الجزيرة العربية، بل إلى مكة ذاتها هي: ١- الاضطهاد الذي وقع على المسيحية منذ المسيح ذاته جعل أتباعها يبحثون عن أماكن في كهوف الجبار وبطون الصحرء ليتواروا عن أعين الرقباء من الرومان. ٢- رحلات قريش التجارية ونظرية تقسيم الناس إلى أحرار وعبيد شاركت بدورها في إدخال المسيحية إلى مكة. ٣- دخلت المسيحية الجزيرة العربية دخولًا رسميًّا على يد "الحارث الغساني". ٤- دخلت المسيحية قلب مكة مع الغزو الحبشي لها. ٥- ظهور جماعة يدعون بالحنفاء يرمون وراء تحنفهم سحب الثقفة الدينية من الأوثان، ثم طلبوا أديانا شتى فبعضهم طلب الحنفية وبعضهم طلب الأوثان وبعضهم طلب المسيحية. وإذا كانت المسيحية قد دخلت مكة فإلى أي حد انتشرت؟ بقيت المسيحية رهينة لغتها السريانية أو الرومانية فلم تنتشر انتشارا ملحوظا لا من قريب ولا من بعيد، وكل الذين اعتنقوها من العرب هم الذين كانوا على صلة باللسان الأعجمي فلم ينتشر كتابها المقدس؛ لأنه لم يترجم إلى اللغة العربية، كذلك شعائر صلاتها "القداس" لم تترجم. ليس معنى وجود المسيحية وانتشارها بين العرب تعلُّمَ الرسول منها وأنها كانت مصدره في تأليفه للقرآن؛ لأن الرسول ادعى النبوة وكان الوحي مصدره فيما قال وفيما يفعل، وقامت شواهد الواقع والتاريخ على صدق دعوته، ثم كان القرآن من أكبر شواهد الأدلة بيننا عليه. وأما ما بينهما من عناصر متشابهة ومثلها اليهودية فإن القرآن نفسه حسم ذلك حين قال إن ما أنزل على محمد ليس بدعا عما نزل على غيره من الرسل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ... ١ الآية، ويصبح كل بحث يحاول أن يبرز

стр. 246

عناصر التشابه بين ما نزل من وحي السماء، فهو من غير أن يدري يدور في فلك الآية السابقة حين أكدت وحدة وحي السماء، وفي الوقت نفسه يؤكد دعوى نبوة الرسول، وصدق ما قاله ودفع النوازع في النفوس البشرية حين تريد أن تخلق من المتجانسات تنافرًا. وأهم علامة فارقة ميزت نصارى عرب الجاهلية عن العرب الوثنيين هي أكل النصارى للخنازير، وحملهم للصليب وتقديسه، ورد أن الرسول قال لراهبَيْن أتياه من نجران؛ ليبحثا فيما عنده: "يمنعكما عن الإسلام ثلاث: أكلكما الخنزير، وعبادتكما الصليب، وقولكما: لله ولد". وورد أنه رأى عدى بن حاتم الطائي وفي عنقه صليب من ذهب؛ لأنه كان على النصرانية. أما الزمن الذي دخلت فيه النصرانية إلى جزيرة العرب فتحاول مؤلفات رجال الكنائس رد ذلك التاريخ إلى الأيام الأولى من التأريخ النصراني١. وإذا كانت اليهودية قد دخلت جزيرة العرب بالهجرة والتجارة، فإن دخول النصرانية إليها كان بالتبشير. وبدخول بعض النساك والرهبان إليها للعيش فيها بعيدين عن ملذات الدنيا، وبالتجارة وبالرقيق ولا سيما الرقيق الأبيض المستورد من أقطار كانت ذات ثقافة وحضارة، وبفضل ما كان لكثير من المبشرين من علم ومن وقوف على الطب والمنطق ووسائل الإقناع وكيفية التأثير في النفوس تمكنوا من اكتساب بعض سادات القبائل فأدخلوهم في دينهم، أو حصلوا منهم على مساعدتهم وحمايتهم، فنسب دخول بعض سادات القبائل ممن تنصر إلى مداواة الرهبان لهم ومعالجتهم حتى تمكنوا من شفائهم مما كانوا يشكون منه من أمراض، وقد نسبوا ذلك إلى فعل المعجزات والبركات الإلهية، وذكر بعض مؤرخي الكنيسة أن بعض أولئك الرهبان القديسين شفوا بدعواتهم وببركات الرب النساء العقيمات من مرض العقم، فأولدن أولادًا، ومنهم من توسل إلى الله أن يهب له ولدًا ذكرًا فاستجاب دعوتهم، فوهب لهم ولدًا ذكرًا كما حدث لضجعم سيد الضجاعمة؛ إذ توسل أحد الرهبان إلى الله أن يهبه ولدا ذكرا فاستجاب له، فلما رأى ضجعم ذلك دخل في دينه وتعمد هو وأفراد قبيلته، ومنهم من شفى بعض الملوك العرب من أمراض كانت به

стр. 247

مثل -ما رايشو عزخا- الراهب ذكروا أنه شفى النعمان ملك الحيرة من مرض عصبي ألم به، وذلك بإخراجه الشيطان من جسده١. ولم يعبأ المبشرون بالمصاعب والمشقات التي كانوا يتعرضون لها، فدخلوا مواضع نائية في جزيرة العرب، ومنهم من رافقوا الأعراب وعاشوا عيشتهم وجاروهم في طراز حياتهم فسكنوا معهم الخيام حتى عرفوا "بأساقفة الخيام" و"بأساقفة أهل الوبر"، و"بأساقفة القبائل الشرقية المتحالفة"، و"بأساقفة العرب البادية"، وقد ذكر أن مطران بصرى كان يشرف على نحو عشرين أسقفا انتشروا بين عرب حوران وعرب غسان، وقد نعتوا بالنعوت المذكورة؛ لأنهم كانوا يعيشون في البادية مع القبائل عيشة أهل الوبر. وقد دخل أناس من العرب النصرانية باتصالهم بالتجار النصارى وبمجالستهم لهم، وروي أن رجلا من الأنصار يقال له: أبو الحصين كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصروا فرجعا إلى الشام معهم. ودخلت النصرانية جزيرة العرب مع بضاعة مستوردة من الخارج هي تجارة الرقيق من الجنسين، فقد كان تجار هذه المادة المهمة الرابحة يستوردون بضاعتهم من أسواق عالمية مختلفة، ولكن أثمن هذه البضاعة وأغلاها هي البضاعة المستوردة من إمبراطوريتي الروم والفرس؛ لمميزات كثيرة امتازت بها عن الأنواع المستوردة من أفريقية مثلا، فقد كان صنفها من النوع الغالي الممتاز؛ الجمال والحسن والإتقان ثم الابتكار وبالقيام بأعمال لا يعرفها من هم من أهل إفريقية. وقد كان في مكة وفي الطائف وفي يثرب وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب رقيق نصراني كان يقرأ ويكتب ويفسر للناس ما جاء في التوراة والأناجيل، ويقص عليهم قصصا نصرانيا ويتحدث إليهم عن النصرانية، ومنهم من تمكن من إقناع بعض العرب في الدخول في النصرانية، ومنهم من أثر على بعضهم فأبعده عن الوثنية، وسفه رأيها عندهم، لكنهم لم يفلحوا في إدخالهم في دينهم فبقوا في شك

стр. 248

من أمر الديانتين يرون أن الحق في توحيد الله وفي اجتناب الأوثان لكنهم لم يدخلوا في نصرانية؛ لأنها لم تكن على نحو ما كانوا يريدون من التوحيد وتحريم الخمر وغير ذلك مما كانوا يبتغون ويشترطون١. وقد تسربت النسطورية إلى العربية الشرقية من العراق وإيران فدخلت إلى قطر وإلى جزر البحرين وعمان واليمامة ومواضع أخرى، ومن الحيرة انتقلت النسطورية إلى اليمامة فالأفلاج فوادي الدواسر إلى نجران، واليمن وصلت إليها بالتبشير وبواسطة القوافل التجارية، فقد كانت بين اليمن والحيرة علاقات تجارية وثيقة، وكانت القوافل التجارية تسلك جملة طرق في تنمية هذه العلاقات وتوثيقها. وقد قوى هذا المذهب -ولا شك- بعد دخول الفرس إلى اليمن، ولما عرف من موقف رجاله من كنيسة الروم، ولما كان لأصحابه من نفوذ في بلاط الشاهنشاه، ومن صداقته لهم٢. وقد بقيت النسطورية قائمة في اليمن في أيام الإسلام. أما اليعاقبة فقد انتشر مذهبهم بين عرب بلاد الشام والبادية، وقد اصطدم هذا المذهب بالكنيسة الرسمية للبيزنطيين واعتبرته من المذاهب المنشقة الباطلة لذلك حاربته الحكومة وقاومت رجاله، كما عارضه النساطرة؛ لاختلافه معهم في القول بطبيعة المسيح وفي أمور أخرى، وهذا ما حمل النساطرة على الحكم بهرطقة اليعاقبة، كما حمل هذا الاختلاف اليعاقبة على الحكم بهرطقة النساطرة حتى صار اختلاف الرأي هذا سببا في وقوع معارك كلامية وجدل طويل عريض بين رجال المذهبيين٣. واليعاقبة يدعون بالمنوفسيتين أي القائلين بالطبيعة الواحدة؛ لقولهم إن للمسيح طبيعة واحدة وأقنوما واحدا فقيل لهم من أجل ذلك أصحاب الطبيعة الواحدة، هم مذهب من مذاهب الكنيسة الشرقية نسبوا إلى يعقوب البرادعي ويسمى بجيمس أيضا، المولود في حوالي سنة ٥٠٠ للميلاد في مدينة الأجمة من أعمال

стр. 249

نصيبين في شرقي الرها والمتوفى سنة ٥٧٨ للميلاد ولد في أسرة كهنوتية، وتتلمذ لـ ساويرس الذي صار رئيسا على بطريركية أنطاكية في عام ٥١٤ للميلاد. ثم اضطر إلى مغادرة أنطاكية إلى مصر؛ لاختلافه مع رجال الدين في هذه المدينة في طبيعة المسيح؛ إذ كان يقول بوجود طبيعة واحدة فيه؛ وأخذ يعقوب رأيه هذا في المسيح. وذهب يعقوب في حوالي سنة ٥٢٨ للميلاد إلى القسطنطينية لحمل القيصرة -ثيودورة- Theodora- على التأثير في الكنيسة، وحملها على الكف عن اضطهاد القائلين برأيه في طبيعة المسيح، وقد مكث في القسطنطينية خمسة عشرعاما، وسعى حثيثا في نشر مذهبه والتبشير به، وهذا ما أوقعه في نزاع مع بقية رجال الدين هناك؛ لخروجه على تعاليم المجمع الخلقيدوني الذي عين التعاليم الثابتة في طبيعة المسيح١، وكان يعقوب أسقفا على الرها في حوالي سنة ٥٤١م. وكان الحارث بن جبلة من المقدرين له، والمحبوبين عنده، لذلك كان ممن توسطوا لدى بلاط القسطنطينية للسماح له بالخروج منها، وللتوفيق بين آرائه وآراء الكنيسة البيزنطية، كما توسط المنذر لدى البيزنطيين للغرض نفسه٢. وكانت في أيامه أسقفيتان على العرب: أسقفية عرفت بأسقفية العرب، وأسقفية التغلبيين، وكرسيها بـ عاقولا، وعاقولا هي موضع بالكوفة، أما كرسي أسقفية العرب فكان في الحيرة. وقد دخل أكثر الغساسنة في هذا المذهب وتعصبوا له، وطالما توسطوا لدى الروم في سبيل حملهم على الكف عن اضطهادهم والتنكيل بهم ظلوا مخلصين لهذا المذهب إلى ظهور الإسلام٣. وكان لليعاقبة مشهد مقدس يحجون إليه؛ للتبرك به والنذر له هو مشهد القديس سرجيوس في مدينة سرجيوبوليس Sergigapalis وهي الرصافة.

стр. 250

وكانت أمراء الغساسنة يبالغون في تعظيمه والاحتفاء به ويقصدونه؛ للتبرك به على عكس نصارى الحيرة الذين امتهنوا القبر في حروبهم مع الغساسنة واعتدوا على المدينة. وقد كان نصارى الحيرة على مذهب نسطور في الأغلب كما كانوا من الوثنيين، ولذلك لم تكن لسرجيوس في نفوسهم منزلة ومكانة، وذكر أهل الأخبار أن من بين فرق النصرانية أو الفرق التي هي بين بين -بين النصرانية والصابئة دين يقال له الركوسية، وذكروا أن الرسول قال لحاتم الطائي: "إنك من أهل دين يقال له الركوسية"، ولكني أشك في صحة هذا الحديث؛ إذ كانت وفاة حاتم قبل مبعث الرسول، ولم يثبت أنه التقى به١.
следующие страницы →