← Акыда

Акыда · id 10006

تاريخ الفكر الديني الجاهلي

محمد إبراهيم الفيومي

Полный текст (634 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عناصر التشابه بين ما نزل من وحي السماء، فهو من غير أن يدري يدور في فلك الآية السابقة حين أكدت وحدة وحي السماء، وفي الوقت نفسه يؤكد دعوى نبوة الرسول، وصدق ما قاله ودفع النوازع في النفوس البشرية حين تريد أن تخلق من المتجانسات تنافرًا. وأهم علامة فارقة ميزت نصارى عرب الجاهلية عن العرب الوثنيين هي أكل النصارى للخنازير، وحملهم للصليب وتقديسه، ورد أن الرسول قال لراهبَيْن أتياه من نجران؛ ليبحثا فيما عنده: "يمنعكما عن الإسلام ثلاث: أكلكما الخنزير، وعبادتكما الصليب، وقولكما: لله ولد". وورد أنه رأى عدى بن حاتم الطائي وفي عنقه صليب من ذهب؛ لأنه كان على النصرانية. أما الزمن الذي دخلت فيه النصرانية إلى جزيرة العرب فتحاول مؤلفات رجال الكنائس رد ذلك التاريخ إلى الأيام الأولى من التأريخ النصراني١. وإذا كانت اليهودية قد دخلت جزيرة العرب بالهجرة والتجارة، فإن دخول النصرانية إليها كان بالتبشير. وبدخول بعض النساك والرهبان إليها للعيش فيها بعيدين عن ملذات الدنيا، وبالتجارة وبالرقيق ولا سيما الرقيق الأبيض المستورد من أقطار كانت ذات ثقافة وحضارة، وبفضل ما كان لكثير من المبشرين من علم ومن وقوف على الطب والمنطق ووسائل الإقناع وكيفية التأثير في النفوس تمكنوا من اكتساب بعض سادات القبائل فأدخلوهم في دينهم، أو حصلوا منهم على مساعدتهم وحمايتهم، فنسب دخول بعض سادات القبائل ممن تنصر إلى مداواة الرهبان لهم ومعالجتهم حتى تمكنوا من شفائهم مما كانوا يشكون منه من أمراض، وقد نسبوا ذلك إلى فعل المعجزات والبركات الإلهية، وذكر بعض مؤرخي الكنيسة أن بعض أولئك الرهبان القديسين شفوا بدعواتهم وببركات الرب النساء العقيمات من مرض العقم، فأولدن أولادًا، ومنهم من توسل إلى الله أن يهب له ولدًا ذكرًا فاستجاب دعوتهم، فوهب لهم ولدًا ذكرًا كما حدث لضجعم سيد الضجاعمة؛ إذ توسل أحد الرهبان إلى الله أن يهبه ولدا ذكرا فاستجاب له، فلما رأى ضجعم ذلك دخل في دينه وتعمد هو وأفراد قبيلته، ومنهم من شفى بعض الملوك العرب من أمراض كانت به

стр. 247

مثل -ما رايشو عزخا- الراهب ذكروا أنه شفى النعمان ملك الحيرة من مرض عصبي ألم به، وذلك بإخراجه الشيطان من جسده١. ولم يعبأ المبشرون بالمصاعب والمشقات التي كانوا يتعرضون لها، فدخلوا مواضع نائية في جزيرة العرب، ومنهم من رافقوا الأعراب وعاشوا عيشتهم وجاروهم في طراز حياتهم فسكنوا معهم الخيام حتى عرفوا "بأساقفة الخيام" و"بأساقفة أهل الوبر"، و"بأساقفة القبائل الشرقية المتحالفة"، و"بأساقفة العرب البادية"، وقد ذكر أن مطران بصرى كان يشرف على نحو عشرين أسقفا انتشروا بين عرب حوران وعرب غسان، وقد نعتوا بالنعوت المذكورة؛ لأنهم كانوا يعيشون في البادية مع القبائل عيشة أهل الوبر. وقد دخل أناس من العرب النصرانية باتصالهم بالتجار النصارى وبمجالستهم لهم، وروي أن رجلا من الأنصار يقال له: أبو الحصين كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصروا فرجعا إلى الشام معهم. ودخلت النصرانية جزيرة العرب مع بضاعة مستوردة من الخارج هي تجارة الرقيق من الجنسين، فقد كان تجار هذه المادة المهمة الرابحة يستوردون بضاعتهم من أسواق عالمية مختلفة، ولكن أثمن هذه البضاعة وأغلاها هي البضاعة المستوردة من إمبراطوريتي الروم والفرس؛ لمميزات كثيرة امتازت بها عن الأنواع المستوردة من أفريقية مثلا، فقد كان صنفها من النوع الغالي الممتاز؛ الجمال والحسن والإتقان ثم الابتكار وبالقيام بأعمال لا يعرفها من هم من أهل إفريقية. وقد كان في مكة وفي الطائف وفي يثرب وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب رقيق نصراني كان يقرأ ويكتب ويفسر للناس ما جاء في التوراة والأناجيل، ويقص عليهم قصصا نصرانيا ويتحدث إليهم عن النصرانية، ومنهم من تمكن من إقناع بعض العرب في الدخول في النصرانية، ومنهم من أثر على بعضهم فأبعده عن الوثنية، وسفه رأيها عندهم، لكنهم لم يفلحوا في إدخالهم في دينهم فبقوا في شك

стр. 248

من أمر الديانتين يرون أن الحق في توحيد الله وفي اجتناب الأوثان لكنهم لم يدخلوا في نصرانية؛ لأنها لم تكن على نحو ما كانوا يريدون من التوحيد وتحريم الخمر وغير ذلك مما كانوا يبتغون ويشترطون١. وقد تسربت النسطورية إلى العربية الشرقية من العراق وإيران فدخلت إلى قطر وإلى جزر البحرين وعمان واليمامة ومواضع أخرى، ومن الحيرة انتقلت النسطورية إلى اليمامة فالأفلاج فوادي الدواسر إلى نجران، واليمن وصلت إليها بالتبشير وبواسطة القوافل التجارية، فقد كانت بين اليمن والحيرة علاقات تجارية وثيقة، وكانت القوافل التجارية تسلك جملة طرق في تنمية هذه العلاقات وتوثيقها. وقد قوى هذا المذهب -ولا شك- بعد دخول الفرس إلى اليمن، ولما عرف من موقف رجاله من كنيسة الروم، ولما كان لأصحابه من نفوذ في بلاط الشاهنشاه، ومن صداقته لهم٢. وقد بقيت النسطورية قائمة في اليمن في أيام الإسلام. أما اليعاقبة فقد انتشر مذهبهم بين عرب بلاد الشام والبادية، وقد اصطدم هذا المذهب بالكنيسة الرسمية للبيزنطيين واعتبرته من المذاهب المنشقة الباطلة لذلك حاربته الحكومة وقاومت رجاله، كما عارضه النساطرة؛ لاختلافه معهم في القول بطبيعة المسيح وفي أمور أخرى، وهذا ما حمل النساطرة على الحكم بهرطقة اليعاقبة، كما حمل هذا الاختلاف اليعاقبة على الحكم بهرطقة النساطرة حتى صار اختلاف الرأي هذا سببا في وقوع معارك كلامية وجدل طويل عريض بين رجال المذهبيين٣. واليعاقبة يدعون بالمنوفسيتين أي القائلين بالطبيعة الواحدة؛ لقولهم إن للمسيح طبيعة واحدة وأقنوما واحدا فقيل لهم من أجل ذلك أصحاب الطبيعة الواحدة، هم مذهب من مذاهب الكنيسة الشرقية نسبوا إلى يعقوب البرادعي ويسمى بجيمس أيضا، المولود في حوالي سنة ٥٠٠ للميلاد في مدينة الأجمة من أعمال

стр. 249

نصيبين في شرقي الرها والمتوفى سنة ٥٧٨ للميلاد ولد في أسرة كهنوتية، وتتلمذ لـ ساويرس الذي صار رئيسا على بطريركية أنطاكية في عام ٥١٤ للميلاد. ثم اضطر إلى مغادرة أنطاكية إلى مصر؛ لاختلافه مع رجال الدين في هذه المدينة في طبيعة المسيح؛ إذ كان يقول بوجود طبيعة واحدة فيه؛ وأخذ يعقوب رأيه هذا في المسيح. وذهب يعقوب في حوالي سنة ٥٢٨ للميلاد إلى القسطنطينية لحمل القيصرة -ثيودورة- Theodora- على التأثير في الكنيسة، وحملها على الكف عن اضطهاد القائلين برأيه في طبيعة المسيح، وقد مكث في القسطنطينية خمسة عشرعاما، وسعى حثيثا في نشر مذهبه والتبشير به، وهذا ما أوقعه في نزاع مع بقية رجال الدين هناك؛ لخروجه على تعاليم المجمع الخلقيدوني الذي عين التعاليم الثابتة في طبيعة المسيح١، وكان يعقوب أسقفا على الرها في حوالي سنة ٥٤١م. وكان الحارث بن جبلة من المقدرين له، والمحبوبين عنده، لذلك كان ممن توسطوا لدى بلاط القسطنطينية للسماح له بالخروج منها، وللتوفيق بين آرائه وآراء الكنيسة البيزنطية، كما توسط المنذر لدى البيزنطيين للغرض نفسه٢. وكانت في أيامه أسقفيتان على العرب: أسقفية عرفت بأسقفية العرب، وأسقفية التغلبيين، وكرسيها بـ عاقولا، وعاقولا هي موضع بالكوفة، أما كرسي أسقفية العرب فكان في الحيرة. وقد دخل أكثر الغساسنة في هذا المذهب وتعصبوا له، وطالما توسطوا لدى الروم في سبيل حملهم على الكف عن اضطهادهم والتنكيل بهم ظلوا مخلصين لهذا المذهب إلى ظهور الإسلام٣. وكان لليعاقبة مشهد مقدس يحجون إليه؛ للتبرك به والنذر له هو مشهد القديس سرجيوس في مدينة سرجيوبوليس Sergigapalis وهي الرصافة.

стр. 250

وكانت أمراء الغساسنة يبالغون في تعظيمه والاحتفاء به ويقصدونه؛ للتبرك به على عكس نصارى الحيرة الذين امتهنوا القبر في حروبهم مع الغساسنة واعتدوا على المدينة. وقد كان نصارى الحيرة على مذهب نسطور في الأغلب كما كانوا من الوثنيين، ولذلك لم تكن لسرجيوس في نفوسهم منزلة ومكانة، وذكر أهل الأخبار أن من بين فرق النصرانية أو الفرق التي هي بين بين -بين النصرانية والصابئة دين يقال له الركوسية، وذكروا أن الرسول قال لحاتم الطائي: "إنك من أهل دين يقال له الركوسية"، ولكني أشك في صحة هذا الحديث؛ إذ كانت وفاة حاتم قبل مبعث الرسول، ولم يثبت أنه التقى به١.

стр. 251

٢- المسيحية والرسول: وبعد ذلك فنستطيع القول عن الأثر المسيحي، وزعم القول به على الرسول من خلال ما سبق أن نزعة التبشير في المسيحية إلى الاضطهاد الذي تعرضت له من الدولة الرومانية، هذه النزعة ظهرت للمرة الأولى بعد استشهاد القديس أسطفانوس، وما تلاه من اضطهاد، ولم يكن الاضطهاد هو السبب الوحيد في انتشار المسيحية، ولكنه كان سببًا من أسباب انتشارها ولعله كان من أهم الأسباب: وكان من نتائج هذا الاضطهاد لجوء بعض المسيحيين -على أثره- إلى بلاد ما بين النهرين خارج الإمبراطورية الرومانية، وبذلك استطاعوا أن ينشئوا كنيسة ما بين النهرين، خصوصًا فيما حول "الرها" في هذه الكنيسة ظهرت المسيحية: بآدابها وبلغتها السريانية، والترجمة للكتاب المقدس إلى السريانية كانت عن النص العبري، وليست عن النص اليوناني. وأصبحت "الرها" بتمايزها السرياني: كنيسة، ومدرسة، مركزًا مشعا وطيد الأركان، ذا شهرة واسعة بين سكان ما بين النهرين، وفارس وممن يتكلمون السريانية باعتبارها مركزا كنسيًّا للشعوب المتكلمة بالسريانية، فإنها مثلت الجانب السرياني من الحياة العقلية، وضارعت به الإسكندرية، وانتشرت اللغة السريانية تدريسًا وتعليقًا في الرها، ونصيبين، وحران.

стр. 252

ومن هنا ظهر تمايز بين كنيستين في الشرق من حيث الوسائل التعليمية: - كنيسة الإسكندرية: وهي يونانية ذات شكل مسيحي. - كنيسة سريانية: مسيحية في تقاليدها١. وقد أدى هذا التمايز في الأسلوب إلى حساسية مفرطة، أخذت تزداد بفضل النعرة العنصرية، بين السريان، والهلينيين: ثقافة أو جنسًا أدى إلى تأليب الإسكندرية "الكنيسة الجامعة"، والسياسة الإمبراطورية على الكنيسة السريانية، ورأت الإمبراطورية -من وجهتها السياسية- أن في هذا تمردًا على السلطان: سلطانها السياسي من جهة، وعلى الكنيسة الجامعة من جهة أخرى، ومن هنا راحت تقضي بعنف على تلك الكنائس المحلية، ذوات الصبغة القومية، أو المنزع الاستقلالي لغة ودينا. هذا من حيث الموقف السياسي. وأما من الناحية الدينية -وهي التي تكمن وراء هذا الاختلاف بين أنطاكية والإسكندرية وما بينهما من منافسة وميول متعارضة- فإن الكنيسة السريانية كانت تنزع إلى تناول اللاهوت بما يمكن أن نسميه تناولا عقليا -مشوبا بالحذر- بقدر ما يحتاج إليه النص المقدس: من حيث الفهم، أو التأويل. وأما الإسكندرية: فكانت تميل إلى تناوله تناولا فلسفيا يوافق القوعد اليونانية، أو تناولا رمزيا، وفق رمزية الهند وفارس، وقد تعدى الخلاف الشكلي إلى انقسام حقيقي في العقيدة. فأصبحت الكنيسة السريانية تذهب إلى إنكار إمكان إطلاق لقب والدة الإله على العذراء مريم، ذاهبة إلى أنها لم تكن إلا أُمًّا لعيسى؛ باعتباره بشرًا آدميًّا، وطرد في سبيل ذلك نسطورس بقرار من مجمع أفسوس سنة ٤٣١ بزعامة كرلس، بطريرك الإسكندرية، ولكن السريان لم يقبلوا هذا القرار، ورفضوا قرارات المجمع، وانفصلوا، وعرفوا باسم النساطرة، وانبرت الرها تعضد نستوريوس٢ بوجه عام، واقترن النساطرة بالرها والمنطقة العربية عموما.

стр. 253

ومنذ أن أصبح المذهب النسطوري مضطهدًا، ونحن نلاحظ سرعة في انتشاره وإشرافا، وتوجيها، وسيطرة على الكنائس والمدارس في المنطقة العربية، وانتشر نشاط النساطرة بين العرب في الجنوب الغربي، ثم اتجه نحو الشرق عبر آسيا الوسطى إلى أن بلغ الشرق الأقصى. ومن المدن العربية الكبرى التي تنصرت: الحيرة، وذلك حوالي نهاية القرن السادس، وذلك حين تنصر النعمان ملك الحيرة، وتبع هذا تحول كثير من الأعراب إلى المسيحية، وهم من قبيلة اللخميين يؤلفون الأرستوقراطية الحاكمة في الحيرة. يقول ابن هشام: وبنجران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل، أهل فضل واستقامة من أهل دينهم لهم رأس يقال له: عبد الله بن تامر. يقول ديلاسي أوليري: ويبدو أن هؤلاء الذين اعتنقوا المسيحية قد أخذوا المذهب النسطوري، وارتضوا أن يقوم بخدمة القداس رجال الدين النساطرة، الذين يتكلمون السريانية. وعلى الرغم من هذا كله فشلت المسيحية في أن تمد جذورها بين العرب فلم يتأثر وسط الجزيرة العربية بالمسيحية. خلاصة القول كما يقول دوزي أن المسيحية لم تستطع بما فيها من تقاليد وعقيدة التثليث وعقيدة صلب المسيح أن تجذب انتباه العرب أو أفكارهم١. ومن وجهة النظر العامة: عجزت المسيحية أن تنتشر في الشرق مثل انتشارها في الغرب؛ وذلك للسبب الذي يقوله "رينان"؛ لأنها الوارثة بلا واسطة لآثار الآراميين من مدرسة الإسكندرية.

стр. 254

أصحاب الطبيعة الواحدة: يرجع نشر عقيدة أصحاب الطبيعة الواحدة في المنطقة العربية إلى يعقوب البرادعي، ولم يذهب إليها مضطهدا، شأن نسطورس، إنما جاء به إلى المنطقة العربية الحارث بن جبلة ملك قبيلة غسان العربية، وكان قد قدم في ٥٤٣ ق. م. إلى بلاط

стр. 255

ثيودورا، وكانت الحكومة البزنطية تمده بالمال لقاء حمايتها للحدود السورية، وكانت تسبغ عليه لقب ملك بصفة رسمية، وحدث في هذه الزيارة أن طلب الإذن لبعض الأساقفة فأجيب إلى طلبه. فأعطى لبصرى يعقوب البرادعي. وللرها: ثيودور وأصبح أصحاب الطبيعة الواحدة مجتهدين، وموفقين في نشاطهم التبشيري، وكانوا يجوبون الصحارى في حمى قبيلة غسان العربية. قال النابغة الذبياني في وصف آل غسان: محلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيَّون بالريحان يوم السباسب١ يقول فيليب حتى: "وفي أيام البعثة المحمدية كان معظم هذه القبائل من المسيحيين، وكانت الأديرة، والصوامع، منتشرة في الوادي كله، وقد كان رهبان النساطرة ينتشرون من هذا المركز العام، فيجوبون خلال بلاد العرب كلها، ويزورون الأسواق الكبرى، ويعظون من يصيخون إليهم السمع، وقد جاء في السيرة أن النبي ﷺ قد ذهب إلى سورية في شبابه، والتقى بالقرب من بصرى براهب يدعى نسطورا. ثم يقول فيليب حتى: وأصبحت بصرى التي بنيت كاتدرائيتها في عام ٥١٢ العاصمة الدينية في المنطقة، كما اشتهرت كمركز تجاري كبير، وتقول المرويات الإسلامية أن النبي محمد ﷺ مَرَّ بها هو وقافلته. ويضيف "حتى" قائلا: وهناك اطلع على كثير مما عرفه عن المسيحية. ويقول حتى: وقبل أن يزول الغساسنة نقلوا بعض الأفكار المسيحية التي كان لها تأثير مع بعض أفكار أخرى على الإسلام.

стр. 256

وهكذا زودت الحضارة السورية الإسلام ببعض العناصر المبدعة، كما فعلت بالنسبة لليهودية والنصرانية من قبل١. يقول الدكتور محمد عبد الله دراز: وسوف لا نعول كثيرا على قصة بحيرا الراهب الواردة في الأثر والتي تذكر أن محمدًا ﷺ قابله وهو في الثانية عشرة من عمره عندما صاحب عمه أبا طالب في سفره إلى سورية، فالصواب يمنعنا من الأخذ بهذه المقابلة العارضة، واعتبارها مصدرا لتعليم محمد ﷺ ؛ لأن الحادثة إما أنها أسطورية، أو أنه يتعين علينا أخذ كل الوقائع التي تذكرها في الحسبان، وحينئذ نجد أن القصة تذكر أن هذه المقابلة كانت في حضور جميع أفراد القافلة، وأن محمدا كان في دوره "مسئولا" لا مستمعا، وبانتهاء الاستجواب: خلص الراهب إلى نبوءة مضموها توقع بعثة هذا الشاب رسولا في المستقبل؛ إن الفكرة إذن تفند نفسها٢. ونحب أن نعرض للرواية التاريخية التي ذكرت مقابلة الرسول ﷺ لبحيرا الراهب، والرواية التي ذكرت مقابلة ثانية في مرحلة أخرى من العمر لنسطورا الراهب.

стр. 257

رواية بحيرا: قال ابن إسحاق: التقى بحيرا برسول الله وهو ابن تسع سنين، وفي الطبري: ابن اثنتي عشرة سنة. وكان الرسول قد خرج مع ركب أبي طالب وهو في تجارته إلى الشام، فمر على راهب في صومعته في بصرى: هو بحيرا، فمن بحيرا؟

стр. 258

قال ابن إسحاق: بحيرا كان إليه علم أهل النصرانية. ووقع في سيرة الزهري: بحيرا كان حبرا من يهود تيماء. وفي المسعودي: أنه كان من عبد القيس واسمه سرجيس، تلك رواية بحيرا. ثانيا- رواية نسطورا الراهب: رآه الراهب تحت ظل شجرة، وهو في رحلته بتجارة خديجة إلى الشام. وتذكر الرواية: أنه ليس بحيرا الراهب؛ لأن هذه الرواية كانت بعد العشر. الروايتان تفيدان معا: التقاءهما بالرسول ﷺ ، وهو في رحلة تجارية مع قبائل قريش، وأن الرسول ﷺ لم يجالسهما، وإنما تكلم في شأن مستقبله مع شيخ الركب، وأنهما نصحا بعودته خوفا عليه من الروم أو اليهود، ولم يقترحا استبقاءه معهما حتى عودة القافلة من رحلتها، فالمسيحية الأولى: قامت بالدور التبشيري لمستقبل رسالة الإسلام ونبيه. وهذا ما تقرره الروايتان: أنهما لم يتحدثا إليه، لا من قريب ولا من بعيد في شأن تعلمه. وعلى احتمال أنه تعلم منهما واستمع إليهما، فأي شيء تعلمه منهما؟ وعقيدة أي مذهب تعلم؟ هل العقيدة النسطورية؟ أو عقيدة مذهب الطبيعة الواحدة، وكلاهما كان منتشرا في تلك المنطقة؟ ثم ما المدة الزمنية التي تكفي لإحاطته بالمسيحية؟ بعض المستشرقين يرى أن وراء هذه الروايات دورا تاريخيا في صلة الرسول بالمسيحية، ومثل هذه الآراء وجدت من بحوث المستشرقين ما ناهضها، وناقضها، ووفق مناهج بحوثهم أثبتوا تفاهتها من عدة أمور منها: - عدم تعرض القرآن لمشكلات المسيحية. - تناقض ما جاء في القرآن عنها مع شعراء العرب المعاصرين للنبي ﷺ وقد ثبت من تحرير شعرهم أنهم كانوا على صلة بالمسيحية: كأعشى قيس شاعر

стр. 259

الغساسنة، وكأمية بن أبي الصلت الذي بات آسفا على نفسه وخيبة رجائه في فشل قيادته الدينية، وهم على ذلك الحال لم يتقولوا على محمد ﷺ بأنه أفاك. - الحاجز اللغوي: الذي أشار إليه القرآن بين الرهبان ومحمد يمنع ما ينتج من هذه الروايات. - يقرر هوارت: Huart: أنه مهما كان إغراء الفكرة التي تقول بأنه تفكير المصلح الشاب "محمد" ﷺ قد تأثر بقوة عندما شاهد الديانة المسيحية بسورية، فإنه يجب استبعادها؛ نظرا لضعف الأسس التاريخية للوثائق التي كانت أمامنا، وعدم وجود روايات صحيحة غيرها. وسوف نرى رأيا لمستشرق قدم بحثا مفصلا ودقيقا في هذه الموضوعات١ قال ذاك المستشرق: ومن البهتان ما شاع من القول أن النبي ﷺ علم من هؤلاء قصص التي تحتل مكانا بارزا في القرآن. وقد قال أعداؤه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُون﴾ ٢. وفي القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٣ وفيه أيضا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ ٤. وهؤلاء المسيحيون المستضعفون في مكة لم يكونوا هيئة منظمة، ولم يكن لهم أسقف. ويقول هذا المستشرق عن أصحاب الطبيعة الواحدة:

стр. 260

وكانت مدينة نجران، في بلاد العرب، غير بعيدة عن مكة وهي الأخرى مسيحية تدين بمذهب الطبيعة الواحدة، ولا نستطيع أن نحدد مركزا لأصحاب الطبيعة الواحدة يدّعي نقل الثقافة اليونانية إلى العرب بالثقة نفسها التي حددنا بها مركز النساطرة في جنديسابور. ومع ذلك لا يمكن إغفال هذه الصلة؛ لأن مراكز أصحاب الطبيعة الواحدة كانت في الحق أديرة، ولم تكن جامعات، كما كان الأمر في جنديسابور، ولذلك لم تكن مراكزهم وثيقة الصلة بالعرب، كما كانت مدرسة النساطرة. ويقول عن مدرسة نصيبين: وكانت مدرسة نصيبين مزدهرة إبان الفتح الإسلامي، ولكنها لم تكن فيما يبدو ذات أثر مباشر على العرب، ولعل السبب في ذلك أنها كانت لاهوتية صرفة. ثم يقول: لم تكن "في المنطقة العربية" كتب بالعربية، ولم تكن في العربية ترجمة للكتاب المقدس، ولم يكن هناك قداس باللغة العربية. ثم قال: إن الثقافة اليونانية لم تنتقل إلى العرب عن طريق الاتصالات الأولى، ولقد تحقق انتقال العلوم اليونانية إلى العرب، عندما استقرت الخلافة العربية في مدينة بغداد. ثم يقول: "إن الفتح العربي في سنة ٦٣٢ لم يوقف الحياة الدينية أو الفكرية لطائفة النساطرة أو أصحاب الطبيعية الواحدة". ويتكلم صاحب تاريخ سورية عن علاقة المسلمين بالمسيحيين فيقول: "لقد فرض العرب الجزية وتركت الطوائف التي تدفع الجزية حرة تتبع قوانينها وديانتها وتقاليدها وتحيا حياتها الفكرية الخاصة١. ولقد كتب أحد بطاركة الكنيسة الشرقية يقول: إن العرب الذين أولاهم الله السلطة على العالم في هذا العهد هم -كما تعلمون- يقيمون بيننا ولا يتخذون من النصرانية موقف عداء بل هم على عكس من

стр. 261

ذلك يمتدحون ديننا ويجلون الكهنة والقديسين ويجودون بالتقدمات للكنائس والمناسك١". بعد ذلك نقول عن المسيحية في المنطقة العربية: عجزت المسيحية -قبيل الإسلام- على الرغم من تعدد مراكزها وانتشار رجالها في المنطقة العربية عن أن تكون دينا للمنطقة العربية سوى بعض قبائل اعتنقوها تزلفا سياسيا، ولعل عدم انتشارها يرجع إلى عدة عوامل كامنة في المسيحية ذاتها مثل: - التنافس بين مذاهبها. - انشقاقاتها العقدية حول طبيعة المسيح والموضوعات المتعلقة بها. - الاضطهاد السياسي للمذاهب التي تسربت من اضطهاد القيصر لها ثم اعتنقها الناس. - عدم رضا بعض رجال الكنائس عن عملية التوفيق بين المسيحية والتراث الفلسفي اليوناني الذي أظهر المسيحية من حيث معارفها الفلسفية كأنها منظمة مزيجها يوناني وروماني، ومخلخلة البينان من حيث بناؤها الديني. هذه الأمور وغيرها ساعدت الناس على أن يرغبوا عنها؛ لأن الوجه الهليني الذي ظهرت به طبع عليها أخص خصائصه: وهو الوثنية؛ إذ الفلسفة اليونانية لا تحب إلا أن تكون وثنية في جوهرها. وبات عجز المسيحية عن الانتشار واضحا في المنطقة العربية، وبلغ من عجزها أن ظهرت عبادات قريبة الشبه بها كالزرادشتية والبوذية بين الجماعات المسيحية نفسها. وظهرت المانوية وهي من أخطر العبادات الجديدة، وقد أسسها ماني حوالي ٢٤٦م وقد مات ماني في السجن بسبب معتقداته.

стр. 262

وهذا وغيره أدى إلى انصراف الناس عنها إلى اعتناق هذه المذاهب، فكانت هذه المذاهب على خطورتها -في نظرهم- أقل تعقيدا في قضاياها، وأجمع للقلوب؛ لقلة اختلاف ذويها، ولا تُناظر المسيحية من حيث جفاف روحها الديني. يقول تايلور في كتابه "المسيحية القديمة": أما ما قابله محمد ﷺ وأتباعه في كل اتجاه فلم يكن إلا خرافات منفرة، ووثنية منحطة، ومخجلة، ومذاهب كنيسة مغرورة، وطقوسا دينية منحلة، وصبيانية، بحيث شعر العرب ذوو العقول النيرة: بأنهم رسل من قبل الله، ومكلفون بإصلاح ما ألم بالعالم من الفساد١. ويقول الدكتور شوقي ضيف: على أن هناك آفات كانت تشيع في هذا المجتمع الجاهلي لعل أهمها الخمر واستباحة النساء والقمار. ثم يقول: وأكثر من كان يتجر بها -أي الخمر- اليهود والنصارى، وكانوا يجلبونها لهم من بصرى وبلاد الشام ومن الحيرة وبلاد العراق. ويقول: إنهم كانوا يضربون خيامهم في بعض الأحياء أو في بعض القرى، ويضعون فوقها راية تعلن عنهم فيأتيهم الشباب؛ ليشربوا، وليسمعوا بعض القيان ممن يصاحبنهم٢. ومن جانب المقابلة بين التراث الشرقي والتراث الغربي نقول: استطاع الشرق بعد أن هزم سياسيًّا: أن يرفض بعنف سيطرة التراث اليوناني الروماني، وحاول حصره داخل مدرسة الإسكندرية، وأن يصر بعنف بالغ -كما رأينا في موقف اليهودية- على رفض الوثنية الدينية، وتعرض اليهود من أجل ذلك إلى الشتات؛ وذلك في سبيل عقيدتهم. وهذا موقف يصم السياسة بأنها لا تستطيع تغير من عقائد الناس. هذا من ناحية الموقف الرافض للتراث الهليني من قبل اليهود.

стр. 263

أما المسيحية بعد ما بيَّنَّا موقفنا فإننا نلاحظ في النهاية -وهي دين شرقي- أنها سيطرت من جانبها على الوثنية الرومانية، وتشكلت الدولة الرومانية بالمسيحية، وحملت -ضمن أعبائها- عبء مشاكلها وتبعة نشرها. وليس في الأمر -كما رأينا- عجز في طبيعة العقل الشرقي أو انحطاط الشرق عن الغرب كما يزعمون، إنما كل ما في الأمر أن الورمان تبنوا -والغرب بعدهم- الثقافة الهلينية وهي ما كانت تعنيهم. أما حضارة الشرق فإن الإسكندر ما استطاع -ولا خلفاؤه من بعده- أن يقرها وإن هزمه سياسيَّا وحربيًّا غير أنه لم يقهره ثقافيًّا؛ لأنه لا يحب أن يكون منتميا إلا إلى نفسه من خلال تراثه السماوي أو الوضعي، وليس لعلة مرضية كما يزعمون حين يعللون رفض الشرق التراث اليوناني ووثنيته، وإذا كان كذلك فكيف يكون مريضًا وعنده من الوعي الحضاري الذي به فرض رسالته الدينية عليه؟ وهذا أعقد ما في المسألة.. وفي ذلك ما يفيد -من وجه آخر للمسألة- أن رسالة الشرق الدينية ضرورية للإنسانية، وذلك يفسر فيما بعد ظهور الإسلام: وإلا فلماذا أخذ الغرب بالدين الشرقي؟ ألسنا أمام مشكلة فيها تقابل الاستفهام وهو: لماذا رفض الشرق التراث الهليني؟ ولماذا قبل الغرب الدين الشرقي؟ وفي النهاية نقول: وحقيقة دور المسيحية واليهودية من خلال مصادر تاريخية أنهم كانوا وفق نصوصهم يعتقدون في "مسيا"١ جديد -أي: الممسوح بالطيب أو الذي مسحه يهوه بالطيب- وكانوا يذهبون إلى تفسير اضطهادهم بأن التاريخ -وفق تصورهم- يدور؛ ليحقق عودة مجتمعهم الذي تتحقق فيه الإرادة الإلهية واستفاضة نبوءتهم.

стр. 264

يقول ابن سعد: كان في بني تميمك محمد بن شعبان بن مجاشع، وكان أسقفا يذكر سبب تسميته محمدا، قيل لأبيه: إنه يكون للعرب نبي اسمه محمد، فسماه محمدا١. يقول ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من فوقه قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه ما كنا نسمع من رجال يهود -كنا أهل شرك، أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه تقارَبَ زمانُ نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم٢. كان اليهود دائما يبشرون بمسيا يخلصهم من وطأة ما وقع عليهم من شدائد حتى بعد مجيء المسيح٣. فهذه النصوص التاريخية تفيدنا أن المسيحية أو اليهودية على حد سواء قامتا بدور تبشيري بنبي قرب مبعثه فكيف بعد مجيء محمد رسولا ينكرون عليه رسالته؟ لا أرى باعثًا على ذلك سوى أنهم كانوا يحاولون تزييف التاريخ الديني للرسالات الإلهية، وتلك قضية أثبتها القرآن حين أثارها عليهم.

стр. 265

التنظيم الديني: من الألفاظ التي لها علاقة بالدرجات والرتب الدينية عند النصارى لفظة البطرك، والبطريق -وقد وردت لفظة- البطريق- في شعر ينسب إلى أمية بن أبي الصلت، وقد ذهب علماء اللغة إلى أن البطرك هو مقدم النصارى، وهو في معنى البطريق أيضا. وبين البطريق والأسقف منزلة يقال لشاغلها: المطران، وقد عرف بأنه دون البطرك وفوق الأسقف.

стр. 266

وقد ذكر القلقشندي بأنه القاضي الذي يفصل الخصومات بين النصارى. والأسقف من الألفاظ التي تدل على منزلة دينية عند النصارى، وقد وردت في كتب الحديث. وقد ذكر بعض علماء اللغة أنه إنما سمي أسقف النصارى أسقفا؛ لأنه يتخاشع١. والقس من الألفاظ الشائعة بين النصارى، ولا تزال مستعملة حتى الآن، ويقال لها قسيس في الوقت الحاضر أيضا، وهي من أصل آرامي هو Gachicho ومعناه كاهن وشيخ، وقد جمعها أمية بن أبي الصلت على قساقسة٢، وذكر بعض علماء اللغة أن القس والقسيس: العالم العابد من رءوس النصارى، وقد وردت لفظة "قسيسين" في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ [المائدة: ٨٢] . وترد لفظة شماس في جملة الألفاظ التي لها معادن دينية عند النصارى الجاهلية، وهي من الألفاظ الحية التي لا تزال تستعمل في هذا اليوم أيضًا وتعدُّ من الألفاظ المعربة عن السريانية، وتعني خادم، ومنها البيعة، فهي إذن ليست من الوظائف الدينية الكبيرة، وإنما هي من المراتب الثانوية في الكنيسة. وورد في كتاب رسول الله إلى سادة نجران: "لا يغير أسقف عن سقيفاه ولا راهب عن رهبانيته ولا واقف عن وقفانيته" ويظهر من هذا الكتاب أن الواقف منزلة من المنازل الدينية التي كانت في مدينة نجران والظاهر أنها تعني الواقف على أمور الكنيسة أي الأمور الإدارية والمالية والمشرف على أوقافها وأملاكها٣.

стр. 267

الراهب: هو المتبتل المنقطع إلى العبادة وعمله هو الرهبانية، وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة، وقد ذكرت الرهبانية في القرآن الكريم، وذكرت في الحديث. وقد نهى عنها الإسلام: لا رهبانية في الإسلام. وقد ندد القرآن الكريم كثيرًا من الأحبار والرهبان فورد: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ ١، ومن عادات الرهبان وتقاليدهم التي وقف عليها أهل الجاهلية الامتناع عن أكل اللحوم والودك أبدا أو أمدا، وحبس النفس في الأديرة والصوامع والكهوف، والاقتصار على أكل الصعب من الطعام والخشن من الملبس، ولبس السواد والمسوح، وهي عادة انتقلت إلى الأحناف أيضا وإلى الزهاد من الجاهليين الذين نظروا نظرة زهد وتقشف إلى هذه الحياة، كما كانوا لا يهتمون بشعورهم فكانوا يطلقونها ولا يعتنون بها، ولذلك كانت شعورهم شعثا، وعبر عن الراهب بالأشعث؛ لأنه كان يطلق شعر رأسه ولا يحلقه ولا يعتني به٢. وقد نهى الرسول بعض الصحابة -مثل عثمان بن مظعون- وهو من النصارى في الأصل من تقليد الرهبان في الإخصاء وفي الامتناع عن الزواج ومن التشدد في أمورٍ أحلها الله للناس. ويظهر أن هذا التشدد إنما جاء إليه وإلى أمثاله من وقوفهم على حياة الرهبان وعلى رأيهم وفلسفتهم بالنسبة لهذه الحياة، وفي حق هؤلاء نزل الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧] . وذكر أن الرسول لما سمع بابتعاد "عثمان" من أهله دعاه، فنهاه عن ذلك ثم قال: "ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم: ألا إني أنام وأقوم وأفطر وأصوم وأنكح النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"، فنزلت الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلخ. يقول لعثمان: لا تجبّ نفسك فإن هذا هو الاعتداء. وورد في الحديث: "لا صرورة في الإسلام"، والصرورة التبتل وترك النكاح؛ أي ليس ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج؛ لأن هذا ليس من أخلاق المسلمين بل هو من فعل الرهبان٣.

стр. 268

الساعور-الدير: من أسماء المسيح وهو من أصل -سوعورو- Soouro- بمعنى زائر. وتطلق اللفظة على من يزور القرى ويطلع على أحوالها وذلك بأمر من الأسقف -والكنيس والكنيسة- موضع عبادة اليهود والنصارى فهما في مقابل المسجد الجامع عند المسلمين، والكلمة من الألفاظ المعربة عن الآرامية وتعني لفظة Knovchto كنشتو. كنشت في السريانية اجتماع ومجمع، وأطلقت بصورة خاصة على كنيس اليهود. ولهذا نجد العرب يطلقونها على معبد اليهود كذلك، ويقال في العبرانية للكنيس "كنيستا" بمعنى محل الصلاة، ونجد الكتب العربية تفرق بين موضع عبادة اليهود وموضع عبادة النصارى، فتطلق "الكنيس" على موضع عبادة اليهود، والكنيسة على موضع عبادة النصارى١. ومن الكنائس التي اكتسبت حرمة كبيرة عند النصارى العرب: كنيسة القيامة، وكنيسة نجران، وكنيسة الرصافة، وقد أشير في شعر للنابغة إلى صليب على الزوراء منصوب؛ أي على كنيسة، والصوامع والبيع هما من الألفاظ التي استعملها الجاهليون للدلالة على مواضع العبادة عند النصارى. وقد ذهب العلماء إلى أن البيعة من الألفاظ المعربة أخذت من السريانية. وقال علماء اللغة العرب: الصومعة كل بناء متصمع الرأس أي متلاصقه، والأصمع اللاصقة أذنه برأسه، وقد أشير إلى البيع في القرآن: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ ٢ [الحج: ٤٠] . لفظة الدير هي من الألفاظ النصرانية الشهيرة المعروفة بين العرب وهي أكثر اشتهارا من الألفاظ الأخرى التي لها علاقة بمواضع العبادة أو السكن عند النصارى.

стр. 269

كما كانت محلا ممتازا للشعراء ولأصحاب الذوق والكيف حيث كانوا يجدون فيها لذة ومتعة تسر العين والقلب من خضرة ومن ماء بارد عذب ومن خمر يبعث فيهم الطرب والخيال، ولذلك أكثر الشعراء في الجاهلية والإسلام من ذكر الأديرة في شعرهم حتى الشعراء النصارى مثل -عدي بن زيد العبادي- يترنم في شعره بذكر الدير؛ لأنه نادم فيه -بني علقما- وعاطاهم الخمر ممزوجة بماء السماء. ولفظة "الدير" هي مثل أكثر الألفاظ النصرانية من الألفاظ المعربة -عربت من أصل سرياني هو دير Dayr بمعنى دار- أي بيت الراهب١.

стр. 270

المحراب، الهيكل، قنديل: من الألفاظ التي استعملها النصارى في أمور دينهم -إذ أطلقوها على صدر كنائسهم وقد استعملت في الإسلام أيضا؛ حيث يشير إلى القبلة، ويؤم الإمام فيه المصلين. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن محاريب بني إسرائيل مساجدهم التي كانوا يصلون فيها، وقد وردت لفظة المحراب في أشعار بعض الجاهليين كما وردت بالقرآن الكريم٢ وفي الشعر الجاهلي٣. ويذكر علماء اللغة أن الهيكل بيت النصارى فيه صورة مريم وعيسى، وربما سمى به ديرهم، وأن الهيكل: العظيم واستعمل للبناء العظيم، ولكل كبير، ومنه سمي بيت النصارى الهيكل. لفظة قنديل من الألفاظ المعربة، أصلها يوناني هو Candela أي شمعة، وقد دخلت إلى العربية قبل الإسلام عن طريق الاتصال التجاري بين جزيرة العرب وبلاد الشام٤.

стр. 271

ومن أهم العلامات الفارقة التي ميزت معابد النصارى عن معابد اليهود والوثنيين الناقوس الذي ينصب فوق سطوح الكنائس وفي منائرها للإعلان عن أوقات العبادة ولأداء الفروض الدينية، وهو عند الجاهليين خشبة طويلة يقرع عليها بخشبة أخرى قصيرة يطلقون عليها "الوبيلة"، وهو في مقبال البوق عند يهود يثرب إذا أرادوا الإعلان عن مواعيد العبادة، وقد عرف هذا البوق بين عرب يثرب بـ القنع، وبـ الشبور، وقد ذكر علماء اللغة أن الشبور شيء يتعاطاه النصارى بعضهم لبعض كالقربان يتقربون به١.

стр. 272

أثر النصرانية في الجاهليين: وأهل نجران هم الذين كانوا يجادلون الرسول في طبيعة "المسيح" فلم يكن بمكة أو يثرب قوم منهم يستطيعون مجادلته في أمور الدين. وقد ذكر بعض المفسرين أن أهل نجران كانوا أعظم قوم من النصارى جادلوا الرسول في "عيسى" جاءوا إلى الرسول فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ فقال: "من هو؟ " قالوا: عيسى؛ تزعم أنه عبد الله، فقال: "أجل إنه عبد الله". قالوا: فهل رأيت مثل عيسى، أو أنبئت به؟. ثم خرجوا من عنده غاضبين. وقالوا: إن كنت صادقا فأرنا عبدا يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه. فلما عادوا قال رسول الله: "مثل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون". لقد كانت النصرانية عاملا مهما بالطبع في إدخال الآراء الإغريقية، والسريانية إلى نصارى العرب، فقد كانت الكنيسة مضطرة إلى دراسة الإغريقية، ولغة بني "إرم"؛ لما للُّغتين من قدسية خاصة نشأت من صلتهما بالأناجيل.

стр. 273

الباب الرابع: الصابئة والمجوسية تاريخ الصابئة وجغرافيتها الفكرية مدخل ... الباب الرابع: الصابئة والمجوسية تاريخ الصابئة وجغرافيتها الفكرية: من الملل والنحل التي تحدث عنها القرآن -وهو يذكر الأديان والملل: الصابئة، والصابئة من الملل التي أثار القرآن بعض قضاياها، وعرض لها بالنقاش والجدل في أكثر من موضع، وكان من أهمها: "بشرية الرسول". كذلك عرض لها حين عرض لمقابلها وهو الحنيفية ملة إبراهيم الكبرى كما وصفها القرآن، فالصبوة -كما يذكر المؤرخون للأديان- في مقابلة الحنيفية١. فمن الناحية التاريخية: نجد أن الصابئة سابقة على الحنيفية التي جاءت مجادلة ومناقضة لها. يقول الشهرستاني: وكانت الفرق في زمان إبراهيم راجعة إلى صنفين اثنين: - الصابئة. - الحنفاء. فإن كان هذا النص يفيد: أن الفرقتين متساويتان في النشأة التاريخية، فنرى أن هناك من النصوص التي ذكرها الشهرستاني: ما تصرح بأسبقية الفكر الصابئي على الدين الحنفي، وذلك حينما ردَّ فكره -بتصريحهم- إلى "عاذيمون" و"هرمس"، ورد الحنيفية إلى رأس الحنفاء "إبراهيم"٢. والصابئة كذلك أقدم من المجوسية، التي ترتد في نشاطها إلى "زرادشت"٣ الذي ظهر في ملك "بختنصر" الذي جاء بعد "النيروز" بكثير وهو الذي أرسل إليه نبي الله إبراهيم على بعض الروايات التاريخية. ومن هنا كانت الصابئة من أقدم المذاهب فكرًا.

стр. 274

يروي الطبري: أنهم كانوا بجزيرة "الموصل"١ ويؤكد هذا النقل المسعودي فيقول: وديارهم بين بلد واسط والبصرة من أرض العراق٢. ويقرر ابن حجر أن أهل بابل كانوا قوما صابئين٣. ويقول النيسابوري: وينسب هذا المذهب إلى الكلدانيين٤، ويتوسع الشهرستاني فيجعلهم يشملون النبط، والفرس، والروم، والهند٥. فهذا المذهب كان واسع الانتشار الجغرافي، وأمته من الأمم الكبار. وقد اختلف فيه اختلافا كثيرا بحسب ما وصل إليهم من معرفة عن هذا المذهب. ويفيد نقل الشهرستاني: أنه شمل دولا من الشرق، ودولا من الغرب. والنقول السابقة -عدا توسع الشهرستاني- تفيد أن هذا المذهب نشأ في بلاد شرقية، وكانت الدول التي تميزت وتفردت بالسيادة في الشرق هي دولة الفرس. ودولة الفرس: هي التي حكمت تلك المناطق الجغرافية التي ذكرها الرواة تارة، وحكمتها الدولة الرومانية تارة أخرى. فالفرس أخذوا الملك من البابليين، كذلك والعراق كانت تحكم حت حكم ملوك دولتي الفرس الأولى والثانية. ويقول المسعودي: إن أنهار العراق احتفرت في عهدهم آخذة من الفرات٦، فيكون أول الصابئة ظهر في إحدى ولايات دولة الفرس. ثم يتابع ويقول: ظهر في ملك "طهمورث" -من ملوك دولة الفرس الأولى- رجل وفد من الهند، يقال له: "بوداسف" وأحدث مذاهب الصابئة٧.

стр. 275

ويقال إن هذا الرجل كان أول من أظهر آراء الصابئة من الحرنانيين والكيماريين. وهذا النوع من الصابئة مباين للحرنانيين في نحلتهم القديمة. وكلام المسعودي يفيد أن نشأتها الأولى كانت في حران، وما ينسب لبوداسف هو أنه أظهر آراءهم القديمة، ويرجع ظهور نشاطها بين ملوك فارس الأولى لميولهم الدينية وقد ورد في وصايا أردشير لابنه سابور: يا بني: إن الدين والملك أخوان، ولا غنى لواحد منهما عن صاحبه، فالدين أس الملك، والملك حارسه، وما لم يكن له أس: فمهدوم، وما لم يكن له حارس: فضائع. كذلك من ينظر في موضوعات عبادتها: يجد بينها وبين اهتمامات الدولة الفارسية شبهًا كبيرًا، فالمسعودي تحدث عن أعمال ملوك فارس الأولى قائلا: وتكلم هؤلاء القوم في مراتب الألوان: من الحمرة، والسواد، ومراتب الأنوار، وما وراء ذلك من أسرار الطبيعة. ثم قال: وتغلغل القوم في هذه المعاني: إلى ما علا من الأجسام السماوية من النيرين والأفلاك واختلافها في ألوانها وإلى غير ذلك من الأشخاص العلوية. وهذا التسطيح الفكري قابل لأن يجعل منه "بوداسف" مظاهر العبادة فيقول: إن معالي الشرف الكامل، والصلاح الشامل، ومعدن الحياة في هذا السقف المرفوع، وفي النجوم السيارة، وفي أفلاكها: التدبير الأكبر١. وفي المناظرة التي أوردها الشهرستاني في كتاب "الملل والنحل" ما يفيد أن صاحبها الأول "هرمس"، "وعاذيمون" لكن بعد انتهاء المناظرة استبعد٢ الشهرستاني أن يكون "هرمس" من الصابئة.

стр. 276

وربما يقصد الشهرستاني من نفيه عن "هرمس": أن يكون من الصابئة ذلك النوع الذي نص عليه المسعودي -وهو متقدم على الشهرستاني- الذي ينسبه إلى "بوداسف" الهندي الذي أظهر نوعًا معينًا من "الصابئة" هذا النوع من الكيماريين. ويبدو أن "بوداسف" الهندي أظهر نوعا معينا من الصابئة "هذا النوع من الصابئة مباين للحرنانيين في نحلتهم" كما يروى المسعودي. وفي نظرنا: يمكن أن ينصرف استبعاد الشهرستاني لـ "هرمس" أن يكون من الصابئة إلى هذا النوع الذي أظهره "بوداسف" وهذا النوع الذي أظهره هو الخاص بعبادة الكواكب. ويؤكد احتمالنا ما رواه ابن النديم عن الكندى من أنه قال: إنه نظر في كتاب يقربه هؤلاء القوم: وهو مقالات لـ "هرمس" في التوحيد كتبها لابنه على غاية من التقائه في التوحيد -لا يجد الفيلسوف إذا اتعب نفسه مندوحة عنها وعن القول بها١. فهرمس يعتبر مؤسس مذهب التوحيد: في الصابئة و"بوداسف" أحدث الوثنية: في التوحيد. وعلى ذلك يكون "هرمس" و"عاذيمون" أوجدا الصابئة الأولى؛ التي تدعو إلى الروحانية، و"بوداسف" أحدث مذهب عبادة الكواكب، وذلك ما تقرره مصادر الإسلاميين٢. وسواء أكان المراد هو الصابئة الأولى -تعبير الشهرستاني- أم صابئة بوداسف تعبير المسعودي، فإنهما معا نبت فكرهما في الشرق في بعض المناطق العربية من بلاد الرافدين. يقول صاحب "بلوغ الأرب"٣: والصابئة قوم إبراهيم، كانوا بحران فهي دار الصابئة الأولى وكانوا قسمين هما:

стр. 277

- صابئة حنفاء. - صابئة مشركون١. قال ابن حزم: وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الأرض والغالب على الدنيا ويقول: وهم المكذبون بنبوة إبراهيم٢.

стр. 278

انتقالها إلى جزيرة العرب: ولما كانت صلة جزيرة العرب بالفرس قديمة، من حيث متاخمة الحدود والعلاقات السياسية، فإنه لمن المنتظر أن نرى انتقالا فكريًّا، يتناسب مع طبيعة عقل البدوي، وهذه العلاقات قديمة، حتى قيل: إن من ملوك الفرس الأولى من عرب الضحاك "اسمه: بيوراسب"، وزعموا أنه من اليمن، قال الشاعر العربي: وكان منا الضحاك تعبده الـ ... ـجامل والوحش في مساربها١ ويذكر المسعودي: أن الناس تنازعوا في ملوك الطوائف أمن الفرس كانوا، أم من النبط؟ أم من العرب؟ وكانت ملوك العرب من مضر بن نزار بن معد من اليمن. وقد قيل: إن أول من نزل من الملوك ببلخ وانتقل من العراق "يكادوس"، وقد كان سار نحو اليمن بعد أن كان له بالعراق -تمرد على الله- ببنيان بناه لحرب السماء. وملك اليمن الذي سار إليه "كيكاووس" في ذلك الوقت هو "شموين فريقس".

стр. 279

قال المسعودي: "وقد كانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام وتطوف به تعظيما له". وكان آخر من حج منهم -الفرس الأول- "ساسان" و"ساسان بن بك" أهدى غزالتين من ذهب وجواهر قذفها في زمزم. قال المسعودي: وقد ذهب قوم من مصنفي الكتب في التواريخ وغيرها من السير أن ذلك كان لجرهم حين كانت بمكة١. ثم قال معلقا: وجرهم لم تكن ذات مال فيضاف لها. فمتاخمة الجزيرة لتخوم الفرس، وعلاقتها بها من الناحيتين الاقتصادية والسياسية ورحلات العرب التجارية: صيفا وشتاء، تحدث عنها القرآن فقال: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ ... السورة. وهذا يفيد أنه كما تبودلت السلع التجارية بين العرب وجيرانهم، تبادلوا معم إفرازات العقول والآراء على قدر ما لهم من حظ ف يالعقل ونصيب من الفكر والرأي. وهذا طريق طبعي لروافد انتقال الآراء الفكرية لأي أمة من الأمم، وأمة العرب ليست بدعا في ذلك. فاتصالات العرب التجارية بالعراق والشام زودت في العرب خبرة النقل التجاري والفكري بيد أن الشهور الطوال التي كان العربي يضربها بإبله عبر الصحراء قللت من اهتماماته الفكرية؛ فكان حظه من النقل الثقافي يبدو متواضعا بل وساذجا، لا يتكافأ مع نقله التجاري، كذلك كان ميلهم إلى الشعر يجعلهم ينأون عن استنباط الأمور، ومع ذلك يمكن أن نقول: من هذا الاهتمام الضئيل بالمعروف انتقلت ألوان شاحبة من الصابئة إلى الجزيرة العربية.

стр. 280

فلم يتفرغ دارس من العرب لدراستها إنما نقل منها شوائب ألم بها العربي: من تاجر عامله معاملة الصابئة، فإذا أعجبته نقلها، وإن عافها نبذها من غير سؤال عنها في الحالين. ينقل الشهرستاني "أن لهم حدودا وأحكاما" أي أن للصابئة شريعة عملية ذات كيان فكري، وإن صح ما قلناه تكون قد انتقلت إلى جزيرة العرب اسما من غير مضمون فكري؛ لأن استعمالها في اللسان العربي جعلها بمعنى: مال أو خرج، أو طلع، وليست اسما لمذهب فهو لفظ أطلقه العرب على خوارج الجاهلية، أي: الذين خرجوا عن دين الجاهلية، وعلى كل من استحدث دينا غير دينه، وهم الذين أطلق عليهم صابئة الحنفاء، هذا الإطلاق في حد ذاته يرشح رأينا في أنها انتقلت إليهم من غير مضمون فكري. أو يكون المذهب الصابئي انتقل بمضمونه الفكري منذ رحلة إبراهيم وإسماعيل، ونحن نعلم أن إبراهيم وإسماعيل استوطنا الجزيرة العربية. وهذا الفرض له من آيات القرآن ما يؤيده؛ فمنها ما ورد في سورة إبراهيم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون﴾ ١، ومنها ما ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . كذلك ذكر القرآن الكثير من مجادلات إبراهيم للصابئة. وهناك جانب آخر ذكره أنتوني نتنج٢، أنه خلال فترة قصيرة حكم الكلدانيين الشام وبلاد شبه جزيرة العرب وجنوب تركيا خلفا للأشوريين.

стр. 281

ومع هذا تكون الصابئة دخلت الجزيرة العربية منذ نبي الله إبراهيم وإسماعيل بمضمون فكري غير أنها على هذا الفرض دخلت مقابلة للحنيفية، وبناء على هذا جعل القرآن -والعرب قبله- كل من لا يعتنق الحنيفية صابئًا. فمن يوم أن دخل مذهب الصابئة العقدي شبه الجزيرة العربية دخل مضطهدا تحدوه لعنات نبي الله إبراهيم أبي الأنبياء، وبهذا نستطيع أن نفسر عدم انتشاره في الجزيرة العربية، كذلك نستطيع أن نفسير اضطهاد الذين اعتنقوه؛ لأنهم في عرف الجاهلية خارجين عن دين الجماعة. وعندما جاء الإسلام أكد نبذ هذا المذهب، ولما لم يكن له كتاب يحمل مكوناته الفكرية، ضاع صلبه ولم يبق منه سوى مسائل وقضايا عرض لها القرآن. وبسبب كل ذلك تعرض المذهب الصابئي لوسائل الضياع المتعددة الكفيلة بمحوه، من عدم كتاب له ومن اضطهاد ومكافحة إلى نبذ معتنقيه، كل ذلك لازم المذهب الصابئي منذ دعوة نبي الله إبراهيم والإسلام عندما عرض لها مناقشا كان ذلك منه؛ لخطورة قضاياها الدينية وأهمها: منعهم أن يكون النبي وسيطا يبلغ عن الله؛ لأنه بشر وأحلوا محله في الوساطة "النيرات" ثم عبدوها. والإسلام إذ يعرض لها بالنقد الجدلي لا يستقي معلوماته من صحف إبراهيم، فإنها لم تكن موجودة لدى العرب، ولا يستقيها من مصادر أصحابها؛ لأنهم لم يكونوا على علم كامل بها، إنما ذكرها له الوحي من حيث قضاياها الفكرية التي قد يثيرها العقل الإنساني، ويطيب له الجدل فيها، فما أثار القرآن من قضايا حولها كان يهم الصابئة الأولى والصابئة الأخرى، وذلك ما لم يتح للعربي الاضطلاع به والاطلاع عليه، ففكر القرآن عن الصابئة كان وحيا؛ لكونه أوسع مما كان يعرفه العرب عنها بل وأوسع مما كان يعرفه الصابئ العربي وغيره عن مذهبهم، وفي هذا ما يؤكد أن فكر القرآن عن الأديان كان فكرًا عالميًّا، أي يهم النوع الإنساني المفكر، دون نظر منه إلى مكونات العرب الفكرية خاصة.

стр. 282

وفي القرآن آيات تدل على أن عبادة الكواكب دخلت اليمن كما قصتها علينا سورة النمل قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٠-٢٥] . وفي هذا يقول البلخي في كتاب "البدء والتاريخ": من قبائل الصابئة: سبا الحميرية أول من دان بها من العرب: يعبدون الشمس. وكنانة: تعبد القمر. وجرهم: المشتري. وقريش: عبدوا الشعري "الشعرى اليمانية". فقد ساد في جنوب الجزيرة العربية ثالوث من الكواكب، وفي أرض الرافدين منشأ الصابئة: - إله نجمة الصباح. هو عشتر: لدى البابليين والأشوريين. وعشترت: لدى الكنعانيين. - إله القمر: هو ود: عند المعينيين. والمقه: عند السبئيين. وعم: في قتبان. وسين: في حضرموت. وإله الشمس: اسمه في قتبان، وحضرموت: شمس، وشمش: في أرض الرافدين

стр. 283

فهذه الصلات تؤيد أن كثيرًا من العناصر الدينية في الشعوب السامية كان يتوقف بعضها على بعض١. ولعل في تسميتهم: بعبد شمس، وعبد اللات، وعبد الشعرى، ما يفيد عبادتهم للكواكب. لقد انبثَّت مظاهر في الوثنية العربية فارتفعت من مظاهر مادية في الأرض إلى عبادة النيرات أو أفلاكًا في السماء، فالمذهب الصابئي أثَّر كثيرًا في الوثنية العربية؛ ورضي العربي أن يأخذ منه ما يعدل به وثنيته. ففي وثنيته الكثير من العناصر الصبئية مثل عبادة الأفلاك، والحنيفية مثل عبادة الكعبة، والوثنية اليونانية مثل عبادة التماثيل، فخلطوا بينها وبين وثنيتهم وبينها وبين الحنيفية، لذلك قلنا: وإن ما لديهم من مذاهب الصابئة يعتبر ألوانا شاحبة. وينقل الرواة -كما نقلوا من قبل- أن عمرو بن لحي هو أول من نصب الأصنام، وينقلون أيضا: أن أبا كبشة هو أول من أتى هو بعبادة النجوم إليهم، ويصبح مفاد الروايتين أن الوثنية العربية قد وفدت إلى العرب من بلاد خارج الجزيرة العربية، كذلك الصابئة أتى بها أبو كبشة.

стр. 284

العرب وعبادة الكواكب: وقد رأى بعض العلماء أن عبادة أهل الجاهلية هي: عبادة الكواكب في الأصل، وأن أسماء الأصنام والآلهة -وإن تعددت وكثرت- إلا أنها ترجع كلها إلى ثالوث سماوي هو: الشمس، والقمر، والزهرة، وهو رمز لعائلة صغيرة تتألف من أب هو: القمر، ومن أم هي الشمس، ومن ابن هو الزهرة، وذهبوا إلى أن أكثر أسماء الآلهة هي في الواقع نعوت لها، وهي من قبيل ما يقال له الأسماء الحسنى في الإسلام١.

стр. 285

ونجد في حكاية كيفية اهتداء إبراهيم إلى عبادة إله واحد الواردة في سورة الأنعام تفسير لسبب تعبد الإنسان للأجرام السماوية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ ١ إلخ آية ٧٥ وما بعدها من سورة الأنعام، فقد لفت ذلك الكوكب نظر إبراهيم، وبهره بحسن منظره وبلونه الزاهي الخالب تعبد له، واتخذه ربا -فلما أفل، ورأى كوكبا آخر أكبر حجما وأجمل منظرا منه تركه، وتعبد للكوكب الآخر وهو: القمر، فلما أفل ورأى الشمس بازغة وهي أكبر حجمًا وأظهر أثرا وابين عملا في حياة الإنسان وفي حياة زرعه وحيوانه جوه ومحيطه ترك القمر، وتعبد للشمس، فيكون قد تعبد لثلاثة كواكب قبل أن يهتدي إلى التوحيد هي: القمر، والشمس، والمشترى، أو الزهرة على ما جاء في أقوال المفسرين. ويشير القرآن: في مواضع أخرى إلى عبادة الجاهلين للأجرام السماوية، ولا سيما الشمس والقمر، ففيه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ ٢ ... إلخ. فصلت آية ٣٧. وهذه الأجرام السماوية الثلاثة هي الأجرام البارزة الظاهرة التي بهرت نظر الإنسان، ولا سيما الشمس، والقمر، والزهرة. واعتبر الجاهليون القمر أبا في هذا الثالوث، وصار هو الإله المقدم فيه، وكبير الآلهة، وصارت له منزلة خاصة في ديانة العرب الجنوبيين، وهذا ما حدا ببعض المستشرقين إلى إطلاق ديانة القمر على ديانة العرب الجنوبيين على سبيل التغليب٣. والإله "القمر" هو الإله "المقه" عند السبئيين، وهو إله سبأ الكبير، وهو: "عم" عند القتبانيين، وهو: "ود" عند المعنيينن، وهو: "سين" عند الحضارمة، واتخذ "الثور" من الحيوانات رمزًا للقمر، ولذلك عد "الثور" من الحيوانات المقدسة التي ترمز إلى الآلهة. ونجد: هذه الصورة مرسومة في النصوص اللحيانية، والثمودية، وعند غير العرب من الشعوب السامية؛ وقد نص على اسمه في الكتابات؛ إذ قيل: له "ثور". وقد ذكر الألوسي: أن عبدة القمر اتخذوا له صنما على شكل عجل وبيد الصنم جوهر
следующие страницы →