ومع هذا تكون الصابئة دخلت الجزيرة العربية منذ نبي الله إبراهيم وإسماعيل بمضمون فكري غير أنها على هذا الفرض دخلت مقابلة للحنيفية، وبناء على هذا جعل القرآن -والعرب قبله- كل من لا يعتنق الحنيفية صابئًا.
فمن يوم أن دخل مذهب الصابئة العقدي شبه الجزيرة العربية دخل مضطهدا تحدوه لعنات نبي الله إبراهيم أبي الأنبياء، وبهذا نستطيع أن نفسر عدم انتشاره في الجزيرة العربية، كذلك نستطيع أن نفسير اضطهاد الذين اعتنقوه؛ لأنهم في عرف الجاهلية خارجين عن دين الجماعة.
وعندما جاء الإسلام أكد نبذ هذا المذهب، ولما لم يكن له كتاب يحمل مكوناته الفكرية، ضاع صلبه ولم يبق منه سوى مسائل وقضايا عرض لها القرآن.
وبسبب كل ذلك تعرض المذهب الصابئي لوسائل الضياع المتعددة الكفيلة بمحوه، من عدم كتاب له ومن اضطهاد ومكافحة إلى نبذ معتنقيه، كل ذلك لازم المذهب الصابئي منذ دعوة نبي الله إبراهيم والإسلام عندما عرض لها مناقشا كان ذلك منه؛ لخطورة قضاياها الدينية وأهمها:
منعهم أن يكون النبي وسيطا يبلغ عن الله؛ لأنه بشر وأحلوا محله في الوساطة "النيرات" ثم عبدوها.
والإسلام إذ يعرض لها بالنقد الجدلي لا يستقي معلوماته من صحف إبراهيم، فإنها لم تكن موجودة لدى العرب، ولا يستقيها من مصادر أصحابها؛ لأنهم لم يكونوا على علم كامل بها، إنما ذكرها له الوحي من حيث قضاياها الفكرية التي قد يثيرها العقل الإنساني، ويطيب له الجدل فيها، فما أثار القرآن من قضايا حولها كان يهم الصابئة الأولى والصابئة الأخرى، وذلك ما لم يتح للعربي الاضطلاع به والاطلاع عليه، ففكر القرآن عن الصابئة كان وحيا؛ لكونه أوسع مما كان يعرفه العرب عنها بل وأوسع مما كان يعرفه الصابئ العربي وغيره عن مذهبهم، وفي هذا ما يؤكد أن فكر القرآن عن الأديان كان فكرًا عالميًّا، أي يهم النوع الإنساني المفكر، دون نظر منه إلى مكونات العرب الفكرية خاصة.
стр. 282
وفي القرآن آيات تدل على أن عبادة الكواكب دخلت اليمن كما قصتها علينا سورة النمل قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٠-٢٥] .
وفي هذا يقول البلخي في كتاب "البدء والتاريخ": من قبائل الصابئة: سبا الحميرية أول من دان بها من العرب: يعبدون الشمس.
وكنانة: تعبد القمر.
وجرهم: المشتري.
وقريش: عبدوا الشعري "الشعرى اليمانية".
فقد ساد في جنوب الجزيرة العربية ثالوث من الكواكب، وفي أرض الرافدين منشأ الصابئة:
- إله نجمة الصباح.
هو عشتر: لدى البابليين والأشوريين.
وعشترت: لدى الكنعانيين.
- إله القمر: هو ود: عند المعينيين.
والمقه: عند السبئيين.
وعم: في قتبان.
وسين: في حضرموت.
وإله الشمس: اسمه في قتبان، وحضرموت: شمس، وشمش: في أرض الرافدين
стр. 283
فهذه الصلات تؤيد أن كثيرًا من العناصر الدينية في الشعوب السامية كان يتوقف بعضها على بعض١.
ولعل في تسميتهم: بعبد شمس، وعبد اللات، وعبد الشعرى، ما يفيد عبادتهم للكواكب.
لقد انبثَّت مظاهر في الوثنية العربية فارتفعت من مظاهر مادية في الأرض إلى عبادة النيرات أو أفلاكًا في السماء، فالمذهب الصابئي أثَّر كثيرًا في الوثنية العربية؛ ورضي العربي أن يأخذ منه ما يعدل به وثنيته. ففي وثنيته الكثير من العناصر الصبئية مثل عبادة الأفلاك، والحنيفية مثل عبادة الكعبة، والوثنية اليونانية مثل عبادة التماثيل، فخلطوا بينها وبين وثنيتهم وبينها وبين الحنيفية، لذلك قلنا: وإن ما لديهم من مذاهب الصابئة يعتبر ألوانا شاحبة.
وينقل الرواة -كما نقلوا من قبل- أن عمرو بن لحي هو أول من نصب الأصنام، وينقلون أيضا: أن أبا كبشة هو أول من أتى هو بعبادة النجوم إليهم، ويصبح مفاد الروايتين أن الوثنية العربية قد وفدت إلى العرب من بلاد خارج الجزيرة العربية، كذلك الصابئة أتى بها أبو كبشة.
стр. 284
العرب وعبادة الكواكب:
وقد رأى بعض العلماء أن عبادة أهل الجاهلية هي: عبادة الكواكب في الأصل، وأن أسماء الأصنام والآلهة -وإن تعددت وكثرت- إلا أنها ترجع كلها إلى ثالوث سماوي هو: الشمس، والقمر، والزهرة، وهو رمز لعائلة صغيرة تتألف من أب هو: القمر، ومن أم هي الشمس، ومن ابن هو الزهرة، وذهبوا إلى أن أكثر أسماء الآلهة هي في الواقع نعوت لها، وهي من قبيل ما يقال له الأسماء الحسنى في الإسلام١.
стр. 285
ونجد في حكاية كيفية اهتداء إبراهيم إلى عبادة إله واحد الواردة في سورة الأنعام تفسير لسبب تعبد الإنسان للأجرام السماوية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ ١ إلخ آية ٧٥ وما بعدها من سورة الأنعام، فقد لفت ذلك الكوكب نظر إبراهيم، وبهره بحسن منظره وبلونه الزاهي الخالب تعبد له، واتخذه ربا -فلما أفل، ورأى كوكبا آخر أكبر حجما وأجمل منظرا منه تركه، وتعبد للكوكب الآخر وهو: القمر، فلما أفل ورأى الشمس بازغة وهي أكبر حجمًا وأظهر أثرا وابين عملا في حياة الإنسان وفي حياة زرعه وحيوانه جوه ومحيطه ترك القمر، وتعبد للشمس، فيكون قد تعبد لثلاثة كواكب قبل أن يهتدي إلى التوحيد هي: القمر، والشمس، والمشترى، أو الزهرة على ما جاء في أقوال المفسرين.
ويشير القرآن: في مواضع أخرى إلى عبادة الجاهلين للأجرام السماوية، ولا سيما الشمس والقمر، ففيه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ ٢ ... إلخ.
فصلت آية ٣٧. وهذه الأجرام السماوية الثلاثة هي الأجرام البارزة الظاهرة التي بهرت نظر الإنسان، ولا سيما الشمس، والقمر، والزهرة.
واعتبر الجاهليون القمر أبا في هذا الثالوث، وصار هو الإله المقدم فيه، وكبير الآلهة، وصارت له منزلة خاصة في ديانة العرب الجنوبيين، وهذا ما حدا ببعض المستشرقين إلى إطلاق ديانة القمر على ديانة العرب الجنوبيين على سبيل التغليب٣.
والإله "القمر" هو الإله "المقه" عند السبئيين، وهو إله سبأ الكبير، وهو: "عم" عند القتبانيين، وهو: "ود" عند المعنيينن، وهو: "سين" عند الحضارمة، واتخذ "الثور" من الحيوانات رمزًا للقمر، ولذلك عد "الثور" من الحيوانات المقدسة التي ترمز إلى الآلهة.
ونجد: هذه الصورة مرسومة في النصوص اللحيانية، والثمودية، وعند غير العرب من الشعوب السامية؛ وقد نص على اسمه في الكتابات؛ إذ قيل: له "ثور". وقد ذكر الألوسي: أن عبدة القمر اتخذوا له صنما على شكل عجل وبيد الصنم جوهر
стр. 286
يعبدونه ويسجدون له، ويصومون له أياما معلومة في كل شهر؛ ثم يأتون إليه بالطعام والشراب، والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص، والغناء، وأصوات المعازف بين يديه؛ ولم يشر إلى اسم الجاهليين الذين فعلوا ذلك فعلَّه قصد عبدة القمر بصورة عامة من العرب وغيرهم١.
وقد تعبد العرب للشمس في مواضع مختلفة في جزيرة العرب، وترجح عبادتها إلى ما قبل الميلاد، وفي زمن لا نستطيع تحديده؛ لعدم وجود نصوص لدينا يمكن أن تكشف لنا عن وقت ظهور عبادة الشمس عند العرب؛ وعبدها أقوام آخرون من غير العرب من الساميين، مثل البابليين، والكنعانيين والعبرانيين؛ وقد أشير في مواضع عديدة من العهد القديم إلى عبادة الشمس بين العبرانيين، وجعل الموت عقوبة لمن يعبد الشمس، ومع ذلك عبدت في مدن يهوذا.
وقد اتخذت جملة مواضع لعبادة الشمس، فيها عرفت بـ "بيت الشمس" والشمس أنثى في العربية، فهي إلهة، أما في كتابات "تدمر" فهي مذكر، ولذلك فهي إله ذَكَر عند التدمريين.
ويرى "ولهوزن": أن ذلك حدث بمؤثرات خارجية، وكانت عبادة الشمس شائعة بين التدمريين، وورد في الكتابات التي عثر عليها في "حوران" أسماء أشخاص مركبة من "شمس" وكلمة أخرى؛ ويدل على ذلك شيوع عبادتها عند أهل تلك المنطقة٢.
وذكر "سترابو" أن: helios أي الشمس هي: الإله الأكبر عند النبط، ولكن الكتابات النبطية، لا تؤيد هذا الرأي. والإله الكبر فيها هي: "اللات" فلعل "سترابو" قصد: اللات؛ وإذا كان هذا صحيحًا فتكون "اللات هي الشمس" والشمس من الأصنام التي تسمى بها عدد من الأشخاص، فعرفوا بـ "عبد شمس".
وقد ذكر الإخباريون: أن أول من تسمى به "سبأ" الأكبر؛ لأنه: أول من عبد الشمس، فدعي بـ "عبد شمس".
стр. 287
وقد ذكر أن بني تميم تعبدت له، وكان له بيت وكانت تعبده بنو "اد" كلها، وكانت سدنته من "بني أوس بن مخاش" بن معاوية، فكره هند ابن أبي أهالة، وصفوان بن أوس بن مخاش. وذكر أن عبد "شمس" اسم أضيف إلى "شمس المساء"؛ لأنهم كانوا يعبدونها، والنسبة عبشمي١ ويلي الشمس والقمر الزهرة، وقد ذكرت في النصوص العربية الجنوبية، وتسمى "عشتر" وهو بمثابة الابن للشمس والقمر؛ وهذا الثالوث الكوكبي يدل في رأي الباحثين في أديان العرب الجنوبيين على أن عبادة العرب الجنوبية هي عبادة نجوم، وهو يمثل في نظرهم عائلة إلهية مكونة من ثلاثة أرباب هي: الأب: وهو القمر، والابن: وهو الزهرة، والأم: وهي الشمس٢.
وعبد بعض أهل الجاهلية أجراما سماوية أخرى، وتقربوا إليها بالنذور والصلوات، ففي كتب الإخباريين أن طائفة من تميم عبدت "الدبران" وفي كتبهم أيضا: أن بعض قبائل لخم، وخزاعة، وحمير، وقريش عبدوا "الشعرى". وأن أول من سن ذلك لهم، وأدخل تلك العبادة إليهم: "أبو كبشة" وهو من خزاعة أحد أجداد النبي ﷺ من قبل أمهاته. خالف قريشا في عبادة الأصنام، وعبد "الشعرى العبور" وكان يقول: إن الشعرى تقطع السماء عرضا، فلا أرى في السماء شيئا شمسا ولا قمرا، ولا نجما يقطع السماء عرضا٣.
وذكر القرطبي: أن أول من عبد "الشعرى": "أبو كبشة"؛ ولذلك كان: مشركو قريش يسمون النبي ﷺ ابن أبي كبشة حين دعا إلى الله تعالى وخالف أديانهم، وقالوا: ما لقينا من ابن أبي كبشة، وكان الحارث -وهو غبشان ابن عمرو بن ملكان- ويكنى أبا كبشة ممن يعبد الشعرى.
والشعرى: هي المقصودة في الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم آية ٤٩] وكان ناس في الجاهلية يعبدون هذا النجم الذي يقال له:
стр. 288
"الشعرى" وهو: النجم الوقاد الذي يتبع "الجوزاء" ويقال له: "المرزم" وقد كان من لا يعبد "الشعرى" من العرب: يعظمها، ويعتقد تأثيرها في العالم١.
ويذكرون أن بعض "طيئ" عبدوا "الثريا" وبعض قبائل ربيعة عبدوا "المرزم" وأن كنانة: عبدت "القمر".
ويتبين من بعض الأعلام المركبة مثل: "عبد الثريا" و"عبد نجم" أن "الثريا" و"نجما" صنمان معبودان في الجاهلية.
وقد ذهب بعض المفسرين: إلى أن النجم المذكور في سورة النجم في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ آية ٢ "الثريا" والعرب تسمي "الثريا" نجما، وقال بعض آخر: إن النجم هنا: الزهرة؛ لأن قوما من العرب كانا يعبدونها٣.
وعبد بعض الجاهليين "المريخ" واتخذوه إلها، كما عبد غيرهم "سهيلا" وعطارد، والأسد، وزحل".
وقد ذكر أهل الأخبار: أن أهل الجاهلية يجعلون فعلا للكواكب حادثا عنه، فكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وكانوا يجعلون لها أثرا في الزرع، وفي الإنسان. فأبطل ذلك الإسلام، وجعله من أمور الجاهلية جاء في الحديث: "ثلاث من أمور الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالأنواء" ٤.
стр. 289
معنى الصابئة وأقسامها:
رأينا فيما سبق من القول: أن الصابئة نشأت أول ما نشأت في العراق. سواء أكانت الصابئة الأولى التي أنشأها "هرمس" أو الصابئة الخرى التي نسبت إلى "بوداسف" فإن: النشأة كانت في العراق وبعض من بلاد فارس.
فيا هل ترى: عندما نقلت الكلمة إلى الجزيرة العربية نقلت من مصدرها إلى العربية كما هي؟ أم ترجمها العرب عن أصلها الفارسي أو الأرامي؟
стр. 290
لا نجد لدينا ما يرجح الاحتمال الثاني؛ لأن الكلمة مجهول نسبها إلى لغة معينة فيبقى الاحتمال الأول: وهو أنها نقلت إلى الجزيرة العربية، وأصبحت من الكلمات المشتركة بين اللغتين واللسانين العربي وغير العربي وذلك جائز.
وهناك احتمال ثالث وهو أن للكلمة وضع عربي، وأصبحت علما على مذهب غير عربي، وهذا ما نراه قريبا إلى الصواب.
ومما وصل إليه بحثنا عن أصل الكلمة أننا لم نجد لها أو حولها بيتا من الشعر، تناول معتنق هذا المذهب مدحا أو قدحا -قوي النسبة لشاعر أو منحول إليه- وهذا يجعلنا نميل إلى أن هذا اللفظ أطلقه القرآن اصطلاحا على مقابل من خالف وثنية الجاهلية الأولى وليس من أهل الكتاب.
يقول الألوسي: اختلف في اللفظ:
- فقيل: غير عربي.
- وقيل: عربي١.
ثم يترك الألوسي نقله "غير عربي" على عمومه من غير تعقيب يبين فيه أصل هذه الكلمة: أفارسي أم هندي أم سرياني، أعرض عن هذا ثم راح يبين اشتقاقها العربي٢ فقال:
- صبا معتلا بمعنى مال. قال الشاعر:
إلى هند صبا قلبي ... وهند مثلها يُصبِي
- وصبأت النجوم: إذا طلعت.
يقول ابن منظور: عنوا: أنه خرج من دين إلى دين، ونقل عن ابن إسحاق الزجاج قوله في الصابئين: معناه: الخارجون عن دين إلى دين.
стр. 291
وفي حديث بني جذيمة: كانوا يقولون لما أسلموا: صبأنا صبأنا. وكانت العرب تسمى النبي الصابئ١.
في اللسان العبري:
نرى كذلك الكلمة في اللسان العبري تفيد ما يفيده الوضع العربي:
ففي الأسفار:
- فصبأوا على مدين٢.
- هصبئتم على أريئل٣.
- أي الصابئون على بيت المقدس.
- وردت "أريا"٤ بمعنى: أسد، وإل في العبرية بمعنى: الله، يعني: أن الصابئين على بيت المقدس أسد الله٥.
- وورد بمعنى: الحند٦.
- بمعنى: الجهاد أو القتال والحرب٧.
стр. 292
- وأطلق على ما بالسموات من كواكب ونجوم١.
فالفعل في اللسان العبري يشمل: المعنى العربي وزيادة، فيفيد معنى: تقدموا، وتجمعوا، أعدوا أنفسهم للجهاد لله، والعمل لما يقضي به أمر الله٢.
"وصبأ" الأعداء: زحفوا وهجموا، فيها ما يحتمل أنها أطلقت لغويا وليس فيها ما يحتمل أنها أطلقت على نحلة، أو دين أو مذهب معين.
وتقول دائرة المعارف الإسلامية: أن اسم الصابئة مشتق من الأصل العبري "ص. ب. ع" أي غطس، ثم أسقطت العين وهو يدل بلا ريب على المنديا، أو الصبوء وهي فرقة يهودية نصرانية تمارس شعيرة التعميد في العراق "نصارى يوحنا المعمدان"٣.
ويبدو أن اصطلاح صابئة: أطلق على جماعتين من اليهود:
الجماعة الأولى: هم اليهود الذين خرجوا على المسيح: فهؤلاء صابئة مؤمنون.
الجماعة الثانية: هم اليهود الذين وافقوا أبوللونيوس "عندما فتح أورشليم ١٦٧، وهو أحد قواد أنطونيوس، هدم السور، وبني في مدينة داود قلعة جديدة، وملأها بالجند، وجاء في أعقابه مندوب يحمله أمرا بتحريم الديانة اليهودية ووضع هيكل إغريقي: هو الرجس المخرب٤ فوق المذبح اليهودي بفناء المعبد؛ ليحل الوثنية محل اليهودية، أو كما يقول المؤرخون٥؛ ليوحد الديانة بالبلاد، وافق كثير من اليهود على الدخول في تلك العقيدة الوثنية -واليهودي لا يصنع تماثيل للأرباب- وانضموا للحزب المشايع للهلينستية، المناصر لأنطيوخوس، فهؤلاء صابئة وثنيون من اليهود٦
стр. 293
فالمعنى في الوضع اللغوي لكلمة صابئ لا ينبئ من قريب أو من بعيد عن معنى مقدس، أراده العربي منها:
والصابئ عند العربي -مع العبري- كلمة وصفية تعطي معنى "زنديق" في العهد العباسي أو في عصرنا.
والعرف الجاهلي استعملها وأطلقها على كل من خرج عن دين الجماعة أو القبيلة، وعبر بها عن سخطه عندما أراد أن يسخط على كل من جانب دينه الرسمي أو مألوف وثنيته.
وعلى ذلك يكون معناها عند العربي واسعا: يتسع لمن استحدث دينا غير دين قومه، ووسعت أيضا كل من خرج من دينه إلى غير دين.
يقول الطبري: والصابئون جمع صابئ، وهو: المستحدث بسوى دينه دينا، كالمرتد في الإسلام عن دينه، وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب: صابئا.
ثم قال: اختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل الملل:
- فقال بعضهم: يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى دين.
- وقالوا: الذين عنى الله بهذا الاسم قوم لا دين لهم١.
وهذا يذهب إليه الشهرستاني: عندما عدها نحلة ولم يجعلها دينا٢.
فعندما يستعملها العربي فإنه يستعملها بمعناها اللغوي: الخروج أو الميل. قال المشركون للرسول: قد صبأ.
لذلك لم يؤمن بعض العرب برسول الله؛ لأنهم وضعوا في اعتبارهم أن الرسول وأصحابه من الصابئة، أي الخارجين على دين الجماعة.
стр. 294
فلم يستعمله العربي بمعنى: مذهب معين أو نحلة معينة لجماعة معينة أو يكون قد استعمله لكننا لم نر لذلك نصًّا لكن إطلاقه كان على الخارج مطلقًا.
أما الإسلام: فأطلقها على صنف ذي عقيدة، أخطأت تنزيه الله، فوسطت الكواكب بينها وبينه، إذ الكواكب في عرفهم تحتوي على النور الإلهي.
وبعضهم عبد الملائكة لخاصتها الروحيانية، وكان ذلك اجتهادا منهم أو توجيها من بعض حكمائهم.
يقول أبو حنيفة: إنهم ليسوا بعبدة أوثان، وإنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة١.
وقيل: هم قوم موحدون يعتقدون تأثيرهم النجوم ويقرون ببعض الأنبياء كيحيى٢.
ولعل هذا النص ظاهر الوضع والانتحال؛ لأنهم يقولون بالوسائط الروحانية ولا يقولون بوسيط بشري مثل وساطة الأنبياء، وهذا من أهم عقائدهم التي صادمهم فيها القرآن، ويمكن حمله على صنف معين: صابئة المنديا أي: الذين اتبعوا يوحنا المعمدان وخرجوا على تعاليم اليهود وهذا ما ذهبت إليه دوائر المعارف الأجنبية واختارته لكن المصادر الإسلامية عدتهم فرقة من فرقهم.
أما نص أبي حنيفة فإن القرآن يؤيده؛ لأنه عدهم وسطا بين اليهود والنصارى.
ويورد الطبري نصا عن ابن وهب يؤكد ما ورد عن أبي حنيفة يقول: الصابئون ليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول: "لا إله إلا الله"٣.
فهم قوم يعظمون الكواكب بناء على تفسيرين:
- الأول: أن خالق العالم: الله إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام.
стр. 295
- الثاني: أنه خلق الأفلاك والكواكب وفوض التدبير إليها، فيجب على البشر تعظيمها؛ لأنها هي المدبرة لهذا العالم.
يقول الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق١:
"ومذهب الصابئة- على ما يحيط بتاريخه من غموض- يكاد يتم الاتفاق على أنه يقر بالألوهية، ويرى أنها تحتاج في معرفة الله ومعرفة أوامره وأحكامه إلى متوسط يكون روحانيا لا جسمانيا؛ ففزعا إلى هياكل الأرواح وهي الكواكب، فهم عبدة الكواكب".
بعد ما سبق نقول: إن الكلمة في الاستعمال العربي الجاهلي أطلقت على من خرج من دينه سواء إلى دين أو إلى غير دين، ويقول أبو حيان المفسر: الصابئون: قيل هم الخارجون من دين مشهور إلى غيره.
وفي الاستعمال الإسلامي تطلق على جماعة بعينها معتنقة مذهبا معينا غير الحنيفية؛ لأن القرآن عندما يذكر الصابئة يذكرها مقترنة بدعوة معتنقيها إلى الإسلام، أما الحنيفية فإن الإسلام يصف بها نفسه.
وتبقى كلمة ذكرها المستشرق الألماني يوليوس فلهوزن يقول فيها:
"وإذا كانت أقدم تسمية أطلقها على المسلمين من لم يدخل في زمرتهم هي تسميتهم بالصابئين فلا يمكن أن يكون لها سبب غير ذلك"٢.
يعلق الدكتور أبو ريدة على هذا الهامش فيقول: ربما يكون قصد المؤلف ما لوحظ من شبه بين بعض عبادات الصابئة وبعض العبادات الإسلامية٣.
стр. 296
نقول: ربما هذا ما قصده المؤلف، أي أن الشبه بين المسلمين والصابئين هو الذي سوغ للمشركين أن يطلقوا على المسلمين صابئة بينما لو لاحظ -المؤلف- الآيات الثلاث التي تناولت الصابئين لم تعفهم من الدعوة إلى الإيمان والعمل الصالح وفي الأخرى تناولتهم بالإنذار الشديد من الله فلم يهادنهم الرسول، ولم يصطنع معهم دون غيرهم لينا في القول، إنما كان موقفه يتسم بالوضوح والحسم مع سائر الأديان، ولم يؤثر أن ادعي عليه أنه افتراه من الصابئة أو ادعت عليه الصابئة هذه الفرية.
أما من جهة إطلاق المشركين على المسلمين: صابئة، فإن هذا كما بينا كان من باب وصفهم بأنهم خرجوا على دين الجماعة الرسمي ومألوف عقائدها.
يقول الألوسي: وأهل دين هؤلاء فيما زعموا أنهم يأخذون محاسن ديانات العالم ومذاهبهم ويخرجون من قبيح ما هم عليه قولا وعملا؛ فقد خرجوا عن تقييدهم بجملة كل دين وتفصيله إلا ما رأوه فيه من الحق١.
قال ابن كثير: وأظهر الأقوال: قول مجاهد ومتابعيه ووهب بن منبه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين إنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقررا لهم يتبعونه ويتفهمونه.
ولذا كان المشركون ينبذون من أسلم: بالصابئ، أي: أنه قد خرج من سائر الأديان، وأديان أهل الأرض إذ ذاك٢.
стр. 297
أقسام الصابئة ١:
أولا- الصابئة الأولى أو صابئة الحنفاء:
أصل فكر الصابئة الأولى من جهة نظرنا: القول باحتياجها في معرفة الله، ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه: إلى متوسط، والتي يقال عنها: أنها تنسب إلى "هرمس" و"أنماثاذيمون" على ما تذهب إليه مصادر الإسلاميين.
стр. 298
......................................
стр. 299
والحنفاء: هم الذين اتبعوا ملة إبراهيم، وعندما يرتبط الاصطلاحان بعضهما ببعض يصبح المعنى الاصطلاحي مغايرًا لكل من الاصطلاحين على حدة، وينفرد بمعنى جديد وسوف نتتبع معالمه: فالصابئة كانوا يرون في الوسيط وجوب روحانيته؛ وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها، وقربها من رب الأرباب، وروحانية الوسيط يرون فيها أنها تتنافى مع الجسماني، فجسمانية الوسيط تجعله بشرًا مثلنا، يحتاج مثل ما نحتاج إليه من أكل وشرب ويماثلنا، في المادة، والصورة. عبر عن هذا المعنى الفكري القرآن فقال عنهم حاكيا: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ١.
فهم يرون: أن بشرية الوسيط تتنافى مع وساطته وعدم الجمع بينها وبين النبوة، فبشريته تحجبه عن الاتصال بالله، يبنون ذلك على أصل فكري لديهم يقول: إن أصل وجود العالم يتقدس أن يتوسط بينه وبين عالم الأرض بشر من الأرض أو النفس الإنسانية؛ لتغلبها في عالم الرذائل والشهوات وإنما يتقرب إليه وسيط من القوى الروحانية المفارقة للمادية قالوا عنها: هي آلهتنا وأربابنا ووسائلنا إلى حجتنا وبهم يتقرب إلى الله وهي المدبرة للكواكب.
ثم قالوا -من وجهة نظرهم: إن الكواكب الفلكية هي هياكل هذه الروحانيات، وإن نسبة الروحانيات إليها في التدبير لها نسبة الأنفس الإنسانية إلى أبدانها، وأن لكل روحاني هيكلا يخصه ولكل هيكل فلكا يكون فيه٢:
стр. 300
- فهم يومنون بالله.
- ويؤمنون بالوسيط من العالم العلوي مثل: النيرات الشفافية نورها وروحانيتها، فهم يقدسونها دون العبادة.
- ينكرون: أن النبوة تجامع البشرية.
وهؤلاء هم الذين قال فيهم أبو حنيفة: إنهم ليسوا بعبدة أوثان إنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة، وقول أبي حنيفة: يلقى مزيدا من الفهم للوسيط حيث يجعل تعظيمهم للنجوم ليس تعظيم عبادة إنما تعظيم تقديس كما تعظم الكعبة.
لكن ابن كثير قال: اختار الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض لها تدبير أمر هذا العالم.
ثم قال: وهذا القول المنسوب إلى الحرانانيين الذين جاءهم إبراهيم رادًّا عليهم ومبطلا لقولهم.
قال ابن كثير: قال القرطبي: والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكر بعض العلماء: أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم وأنها فاعلة، ويبدو أن ما اختاره الرازي وما حصله القرطبي متعلق بنوع معين هم الكلدانيون١.
وما قاله أبو حنيفة يصدق على أتباع "هرمس".
ويرجع تقديسهم الكواكب لما يقررونه عن "روحانية الوسيط" فلما وجدوا في النيرات ونورها شفافية الروحانيات قدسوها، كما نقدس الكعبة أو كما نقدس الرسل تقدسا دون العبادة٢.
стр. 301
يقول الألوسي: إنهم قوم موحدون يعتقدون تأثير النجوم.
فهؤلاء هم الصابئة الأولى أو صابئة الحنفاء قال فيهم الألوسي: صابئة الحنفاء شاركوا أهل الإسلام في الحنيفية.
منهم هلال بن محسن الصابئ صاحب الديوان الإنشائي والرسائل.
وأبو إسحاق الصابئ كان صابئا وعرض عليه عز الدولة أن يسلم فامتنع وقيل بذل له ألف دينار على أن يأكل الفول فلم يفعل؛ والصابئون يحرمون الفول والحمام.
يقول الدكتور زكي مبارك: ولكن حرصه على دينه لم يحل بينه وبين التحلي بأكرم الخصال في رعاية الإسلام، فقد كان يصوم رمضان مساعدة وموافقة للمسلمين وحسن عشرة منه لهم ويحفظ القرآن حفظا يدور على طرف لسانه وسن قلمه.
حتى إنه لما مات بكاه الشريف الرضي في قصيدته، واستكثر الناس عليه في دينه وجاهه، أن يبكي رجلا صابئا بمثل هذا الشعر الحزين ولكنه أجاب بأنه إنما بكاه لفضله١.
نأخذ على الدكتور زكي مبارك قوله: مساعدة وموافقة للمسلمين وحسن عشرة منه لهم؛ قد يكون هذا التعليل راجعا إلى حفظه للقرآن، وقد يكون حفظ القرآن راجعا إلى حرصه على الأدب لا على الدين الإسلامي، أما صومه رمضان فهذا يرجع إلى شريعة الصابئة الحنيفية.
وأما تحليه بأكرم الخصال فهم قوم يخرجون على رذائل الخصال ودناءة الطبع إلى كريم السجايا وطهارة الطوايا: راجع قول الألوسي السابق في تسميتهم صائبين، فإسحاق الصابئ فاضلا فما ظنه الدكتور زكي مبارك فيه وحمله على محمل حسن عشرة منه للإسلام والمسلمين وهو في واقع الأمر شريعة صابئية كما قدمنا، وأما بكاء الشريف عليه فإنما هو كما قال: "بكاء لفضله".
стр. 302
ونرجع فنقول: أما تسميتهم صابئة حنفاء فمرد ذلك في نظرنا إلى أنهم وافقوا الحنيفية من حيث العقيدة في التوحيد، ومن حيث الشريعة في بعض مبادئها، لذلك صح تسميتهم بحنفاء.
وفارقوا الحنيفية في إنكارهم أن يكون الوسيط "النبي" بشريًّا.
وقولهم: بوسائط الكواكب لروحانيتها ونورانيتها.
فيقول الألوسي: ولهذا لم تكن الصابئة من الأمم المستقلة التي لها كتاب ونبي، وإن كانوا من أهل دعوة الرسل فما من أمة إلا ولها نبي قد أقام حججه وقطع عنها حجتها؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وتكون حجته عليهم١.
فلكونهم من قوم إبراهيم وأخذوا ببعض دينه، وأعرضوا عن جانب منه أطلق عليهم "صابئة حنفاء" أي فيهم جانب من الفكر الصابئ، وجانب من الدين الحنفي.
فالصابئة الأولى: كان منهم الصابئة الحنفاء، بيد أننا بعد التعرض لشرح تسميتهم نضيف بعض تمايز رأيناه تمايزا مهما هو:
أن الصابئة الأولى: هي التي نشأت بعيدة عن الجزيرة العربية.
ويذكر عن بعض الباحثين:
"إن الصابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن سكنوا بلاد العرب ومصر قبل الإسلام، وقبل النصرانية، واليهودية، وقد انقرضوا وعفت أخبارهم فأصبح من المتعذر علينا بيان معتقدهم بالتفصيل"٢.
وصابئة الحنفاء يكونون هم الذين خرجوا من الحنفية العربية إلى تعاليم الصابئة التي وفدت إلى الجزيرة العربية واعتنقتها "سبأ الحميرية" ومن هنا أصبحت صابئية
стр. 303
الحنفاء مذهبا عربيا له مكوناته الفكرية التي من أهمها إنكار بشرية الرسول مع بقائهم على روحانياتهم وبقايا من دين إبراهيم، كذلك يفيد واقع تسميتهم أنهم جوزوا بفكرهم العقلي: الجمع بين دينهم ومذهبم الصابئ؛ أي الأخذ ببعض مبادئ الوحي -مذهبهم الوحي- ومع بعض مبادئهم الوضعية- نحلتهم البشرية- ويذكر البيروني أنه كانت لهم أصنام وهياكل كما يذكر حكاية أن الكعبة وأصنامها كانت لهم١.
стр. 304
صابئة بوداسف: أو الصابئة المشركون
التراث الهندي:
ظهر "بوداسف" بأرض الهند، وكان هنديا، وتنبأ وزعم أنه رسول الله وأنه واسطة بين الله وخلقه.
ويفيدنا التراث الهندي: أن دعوة "براهما" من الدعوات الدينية "الوضعية" التي ليس لله فيها وجود، والتي اعتبرها الباحثون الاجتماعيون نموذجا قويا على أن الأديان ليست جميعها تدعو إلى الله.
ومعتقد هذه الطائفة يصدر عن فكرة تقول: "إن أول من هبط من العالم العلوي إلى العالم السفلي "عقل سماوي" اكتسى بكسوة بشرية؛ لكي يتناسل في الأرض ويسعى في عمارها واسمه "برهما"١.
فالهنود -حسب دينهم- يعتقدون أن الله جسم، وأن الملائكة أجسام، ويرون: أن عليهم تقديس علمائهم، وحكمائهم، ورفع صورهم في معابدهم تقديسا لهم دون عبادتهم فهؤلاء -حسب دينهم- مجسمة ومشبهة.
قال المسعودي: وظلوا على هذا حتى نبههم بعض حكمائهم إلى أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام المرئية له، وأنها حية ناطقة، وأن كل ما يجري في هذا
стр. 305
العالم: إنما هو على قدر ما تجري به الكواكب من أمر الله، فعظموها وقربوا لها القرابين١.
ومن هنا يظهر لنا أن دعوة "بوداسف" الهندي أخذت منابعها من التراث الهندي، الحافل بألوان من الوثنية والشرك والزندقة، واتخذ "بوداسف" روافد لدعوته عبر السند، وسجستان، إلى أن بلغ فارس، وذلك في أوائل ملك "طهمورث".
ويقول المسعودي: وهو -أي بوداسف- أول من أظهر مذاهب الصابئة.
وجدد "بوداسف" عند الناس عبادة الأصنام والسجود لها، بِشُبَهٍ ذكَرَها، وقرَّب لعقولهم عبادتها بضروب من الحيل والخدع.
فصابئة "بوداسف": صابئة مشركون، جانبوا الصابئة الأولى: في توحيدها، وإنزال الوسيط معبودا غاية، وليس وسيلة وزلفى، وفارقوا الحنيفية: في وحيها السماوي، واتبعوا وثنية "بوداسف" الهندية، ويرى المؤرخون أنها أصناف:
- صابئة النبط والفرس والروم: مفزعها السيارات.
- صابئة الهند مفزعها الثوابت.
- صابئة فزعت إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئا.
- صابئة الحرنانية.
- صابئة الفلاسفة.
- صابئة البطائح.
هؤلاء الأصناف من الصابئة يمكن ردهم إلى مسمى واحد أطلقه القرآن ويدخلون تحته هو: ﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ .
وذلك عندما الوسيط في الصابئة الأولى -وكان عندهم له صفة التقديس والوسيلة- إلى غاية ومعبود، كذلك حولوا مفهوم الوسيط الروحاني:
стр. 306
إلى أشكال مختلفة من الصور المادية، فأدى هذا التحول إلى دراسة الفلك وتكوين علم له، فالذين نزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبع درسوا بيوتها ومنازلها ومطالعها ومغاربها واتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة، مترتبة على طبائعها، وتقسيم الأيام والليالي والساعات عليها ثم تقدير الصور والأشخاص والأقاليم، والأمصار عليها.
واستطاعوا من خلال رصدهم لها: أن يعيِّنوا اليوم فـ "زحل" أو غيرهم مثلا ليوم السبت، وراعوا فيه ساعته الأولى، وتختموا بخاتمه، والمعمول على صورته، وهيئته، وصفته، ولبسوا اللباس الخاص به. وتبخروا ببخوره الخاص، ودعوا بدعوته الخاصة به، سألوا حاجاتهم منه، وترتب على هذا الاتجاه الديني نحو الكواكب أن تسرب إلى الدين نوع من الوثنية وأخلاط من الشرك، هذا من جانب، ومن جانب آخر، نتجت دراسة طيبة تكون منها علم الفلك، ثم النهاية: خلطوا الطلسمات المذكورة في كتب السحر، والكهانة، والتنجيم، والتعزيم، والخواتيم، وخلطوها كلها بعلم الفلك.
يقول ابن حجر معللا:
وكانت علومهم أحكام النجوم، مع ذلك كان السحرة منهم يستعملون سائر وجوه السحر، وينسبونها إلى فعل الكواكب؛ لئلا يبحث عنها وينكشف تمويههم١.
وهؤلاء هم الصابئة الفرس، والنبط، والروم، والهند.
стр. 307
صابئة الأشخاص:
أما الصابئة الذين فزعوا إلى أشخاص، فقالوا: إذا كان لا بد من متوسط يتوسل به إذا كان من الروحانيات، فإننا لا نستطيع رؤيته، ولا مخاطبته، وإذا أخذنا هياكلها وسائط، فإن الهياكل قد ترى في وقت، ولا ترى في آخر؛ لأن لها أفولا وطلوعا.
لذلك كان لا بد لنا من صور أشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا نعكف عليها، فاتخذوا: أصناما "أشخاصا" على مثال الهياكل السبعة وصورها
стр. 308
بصورتها وراعوا في ذلك: الزمان، والمكان والساعة والدرجة الدقيقة، فإن أرادوا حاجة: تبخروا بالبخور، وتحينوا الساعة وراحوا يسألونه حاجاتهم.
فأصحاب الهياكل: هم عبدة الكواكب؛ إذ قالوا بآلهيتها.
وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان، وهذا النوع من الصابئة انتقل إلى الجزيرة العربية على يد عمرو بن لحي، وسوف نعرض له.
وصابئة الحرانية١ قالوا: "إن الصانع المعبود واحد وكثير" أما واحد: ففي الذات، والأول، والأصل، والأزل.
وأما كثير فلأنه يتكثر بالأشخاص في رأي العين وهي المدبرات السبعة.
والأشخاص الأرضية ونماذجها: الخير، والعلم، والفضيلة، فإنه يظهر بها ويتشخص بأشخاصها ولا تبطل وحدته في ذاته٢.
وواضح أن صابئة الحرانية: أخلاط: من فلسفة اليونان، وفلسفة الهند، ففيها مثل أفلاطون، وفيها: تجسيد "برهما" الديانة الهندية.
وهؤلاء هم من قال فيهم ديبور:
وقد أخذوا عن حسن نية بحكم وآراء موضوعة ترجع للعصر الإغريقي المتأخر، وربما يكون بعض هذه الحكم قد وضع بين ظهرانيهم٣.
ويذهب ابن النديم إلى أن الصابئة ليست مذهبا للحرانيين إنما هي منحولة لهم، فيقول:
стр. 309
قال أبو يوسف أيشع القطيعي النصراني في كتابه في الكشف عن مذاهب الحرنانيين المعروفين في عصرنا بالصابئة: إن المأمون اجتاز في آخر أيامه بديار مصر، يريد بلاد الروم للغزو، فتلقاه الناس يدعون له وفيهم جماعة من الحرنانيين، وكان زيهم -إذ ذاك- لبس الأقبية، وشعورهم طويلة بوفرات١ كوفرة قرة جد سنان بن ثابت، فأنكر المأمون زيهم، وقال لهم: من أنتم من الذمة؟
فقالوا: نحن الحرنانيون.
فقال: أنصاري أنتم؟
قالوا: لا.
قال: أمجوس أنتم؟
قالوا: لا.
قال لهم: أفلكم كتاب أو نبي؟
فجمجموا في القول.
فقال لهم: فأنتم إذن الزنادقة، عبدة الأوثان، وأصحاب الراس في أيام الرشيد والدي؟ وأنتم حلال دماؤكم لا ذمة لكم؟
فقالوا: نحن نؤدي الجزية، فقال لهم: إنما تؤخذ الجزية لمن خالف الإسلام من أهل الأديان، الذين ذكرهم الله في كتابه، ولهم كتاب، وصالحهم المسلمون عن ذلك.
فأنتم لستم هؤلاء ولا من هؤلاء فاختاروا الآن أحد أمرين:
إما أن تنتحلوا دين الإسلام، وإما دينا من الأديان التي ذكرها الله في كتابه.
وإلا قتلناكم عن آخركم؟ فإني قد أنظرتكم إلى أن أرجع من سفرتي هذه فإن أنتم دخلتم في الإسلام، أو في دين من هذه الأديان التي ذكرها الله في كتابه،
стр. 310
وإلا أمرت بقتلكم واستئصال شأفتكم، ورحل المأمون يريد بلاد الروم فغيروا زيهم وحلقوا شعورهم وتركوا لبس الأقبية، وقد قصر كثير منهم شعورهم ولبسوا زنانير، وأسلم منهم طائفة وبقى منهم شرذمة بحالهم، وجعلوا يحتالون ويضطربون حتى انتدب لهم شيخ من أهل حران فقيه، فقال لهم: قد وجدت لكم شيئا تنجون به وتسلمون من القتل، فحملوا إليه مالا عظيما من بيت مالهم أحدثوه منذ أيام الرشيد إلى هذه الغاية وأعدوه للنوائب.
فقال لهم: إذا رجع المأمون من سفره فقولوا له: نحن الصابئون فهذا اسم دين قد ذكره الله جل اسمه في القرآن فانتحلوه فأنتم تنجون به، واتفق أن المأمون توفي في سفرته تلك عام ١٢٨هـ.
انتحلوا هذا الاسم منذ ذلك الوقت؛ لأنه لم يكن بحران ونواحيها قوم يسمون بالصابئة، فلما اتصل بهم وفاة المأمون: ارتد كثير ممن كان تنصر منهم ورجع إلى الحرنانية، وطولوا شعورهم حسب ما كانوا عليه قبل مرور المأمون بهم على أنهم صابئون، ومنعهم المسلمون من لبس الأقبية، ومن أسلم منهم لم يمكنه الارتداد خوفا من أن يقتل، فأقاموا متسترين بالإسلام فكانوا يتزوجون بنساء حرنانيات ويجعلون الولد الذكر مسلمًا والأنثى حرانية وهذه كانت سبيل كل أهل "ترعوز" و"سلمسين" القريتين المشهورتين العظيمتين بالقرب من حران إلى نحو عشرين سنة هجرية.
فإن الشيخين المعروفين: بأبي زرارة، وأبي عروبة علماء أهل حران بالفقه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر مشايخ أهل حران وفقهائهم احتسبوا عليهم ومنعوهم من أن يتزوجوا بنساء حرنيات أعنى صابئات، وقالوا: لا يحل للمسلمين نكاحهم؛ لأنهن لسن من أهل الكتاب.
وبحران أيضا منازل كثيرة إلى هذه الغاية بعض أهلها حرانية ممن كان أقام على دينه في أيام المأمون وبعضهم مسلمون وبعضهم نصارى ممن كان دخل في الإسلام وتنصر في ذلك الوقت مثل: قوم يقال لهم: بنو أيلوط، وبنو قبطران وغيرهم مشهورين بحران١.
стр. 311
فما ذكره ابن النديم المتوفى ٣٧٨هـ يفيد من ظاهر نصه أن نحلة الصابئة انتحلت لهم في عصر المأمون وهو قابل للطعن وغير قابل للرفض.
أما قابليته للطعن: فإن ما ذكره الشهرستاني عند الحرنانيين "بأنهم جماعة من الصابئة"١ هذه العبارة تتيح مجالا للطعن فيما قاله ابن النديم فضلا عن كتب التاريخ الفكري التي تجعل حران مركزا مهما للتبادل الثقافي في تلك المنطقة، وتجعل أهلها وثنيين يعبدون الكواكب مما دفعهم إلى ملاحظة السماء والتعمق في الدراسات الفلكية، وهذه الدراسات لها عند الصابئة مكانتها الأولى العلمية والتقديسية، ومما يضاف إلى الطعون السابقة قول الألوسي: وهؤلاء أي الصابئة كانوا قوم إبراهيم وهم أهل دعوته وكانوا بحران٢.
ونرى أنفسنا أمام روايات متعددة تسند لحران مذهب الصابئة حينا وتجعلها مركزها القديم سوى نص ابن النديم الذي يقرر أن الصابئة منحولة للحرنانيين.
لذلك قلنا إن النص قابل للطعن وتيار الطعن قوي.
فالشهرستاني: يجعل الحرنانيين جماعة من الصابئة.
والألوسي: يقول إن الحرنانيين أصل الصابئة.
والمسعودي ينسب إلى بوداسف أول من أظهر آراء الصابئة من الحرنانيين والكيماريين وهذا النوع من الصابئة مباين للحرنانيين في نحلتهم.
هذه أقوال يمكن أن تتيح مجالا للطعن في رواية دون أخرى.
فإذا اعتبرنا قول ابن النديم منصرفا إلى هذه الجماعة بذاتها؛ فإنا نصدم بتعقيب داخل النص نفسه يقول: "وانتحلوا هذا الاسم منذ ذلك الوقت؛ لأنه لم يكن بحران ونواحيها قوم يسمون بالصابئة" فنص ابن النديم هو رواية عن كتاب ذكره على أنه حكاية في أمرهم من غير استقصاء تاريخي وعلى ذلك قد نقبلها ونصرفها إلى هذه
стр. 312
الجماعة بذاتها وأنها غير صابئة، ونرفض ما فيها من تعليقات، ولا سيما أن ابن النديم نقلها من غير تعليق وأسندها إلى غيره، وبذلك تتعاون النصوص على إثبات الصابئة للحرانيين.
وسواء قوى شيئا نص ابن النديم أو ضعف أمام نسبة الصابئة إلى حران فإن هناك شيئا جوهريا ينبغي التعقيب عليه وهو أن الصابئة المذكورة في القرآن ليست هي صابئة حران١.
стр. 313
صابئة الهند:
صابئة الهند منزعها الثوابت من حيث إنهم رابطوا عبادتهم بزحل وزحل من شأنه البقاء والثبوت وهم الذين قالوا بالتناسخ والحلول.
١- التناسخ: يعني لديهم أن تتكرر الأدوار والأطوار إلى ما لا نهاية ويحدث في كل دور مثل ما حدث في الأول.
وأن الثواب والعقاب سيحدث في هذه الدار لا في دار أخرى لا عمل فيها.
٢- الحلول: يعني لديهم أن الشخص ربما يحدث ذلك منه بحلول ذاته وربما يكون بحلول جزء من ذاته على قدر استعداد المزاج الشخصي.
والهياكل تحل فيه، فينطق بلسانها ويبصر بعينها ويسمع بآذانها ويقبض بيدها ويبسط بها١، وفي هذا يقول مجاهد: هم قوم لا دين لهم ليسوا بيهود ولا نصارى.
стр. 314
صابئة الفلاسفة:
وهم الذين ابتدعوا عبادة الكواكب وأبراجها، وقد وصفهم المسعودي بقوله: "ألا إنهم من حشوية الفلاسفة" ويقول: إنما أضفناهم إلى الفلاسفة إضافة سبب لا إضافة حكمة.
ويقول الألوسي: والفلاسفة يأخذون بزعمهم بمحاسن ما دلت عليه العقول، وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم، وبعضهم لا يوجب ذلك ولا يحرمه، وسفهاؤهم وسفلتهم يمنعون ذلك١.
ويبدو أن فلاسفتهم اتصلوا باليونان وكان بينهم وبين اليونانيين محاولات مما يسوغ إطلاق كلمة فلاسفة" على حكمائهم، ومما ينسبه ابن النديم للكندي أن له "رسالة فيما جرى بين سقراط والحرنانيين"، وبذا لا يجانبنا الصواب إن اعتبرنا أن لهم فلاسفة، ففلاسفة بمعناها اليوناني على خلاف ما يرى المسعودي.
ويقول الألوسي: فهؤلاء الصابئة كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل والأنبياء من أولهم إلى آخرهم.
الأول: عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دونه من إله.
والثاني: الإيمان برسله وما جاءوا به من عند الله تصديقا وإقرارا وانقيادا وامتثالا.
وليس هذا مختصا بمشركي الصابئة كما غلط فيه كثير من أرباب المقالات، بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم، ولكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب والعلويات٢.
стр. 315
والمعتمد عند علماء الإسلام أنهم ليسوا أهل كتاب ولا نبي أي هؤلاء الفلاسفة الصابئة:
стр. 316
صابئة أهل الكتاب:
أ- صابئة اليهود:
وهم نوعان:
النوع الأول: هم الذين اتبعوا المسيح من اليهود فهم في عرف اليهود صابئة.
النوع الثاني: وهم الذين وافقوا أبوللونيوس عندما أعلن الوثنية في معبدهم ووضع تمثالا لهيكل إغريقي.
ب- صابئة مسيحيون:
وهم الذين اتبعوا القديس يوحنا المعمدان في شعيرة التعميد "وهؤلاء هم المنديون" ولا يزال قوم منهم يسكنون إلى الآن الأغوار المحاذية لمصب الفرات١.
لهذه الأصناف الكتابية يمكن أن تحمل عليها ما نذكره من آثار:
- قال ابن أبي نجيح: قوم تركب دينهم من اليهودية والمجوسية لا تؤكل ذبائحهم.
- قال ابن عباس: هم قوم من اليهود والنصارى لا تحل مناكحتهم ولا تؤكل ذبائحهم.
- وقال أبو العالية: قوم من أهل الكتاب ذبائحهم كذبائح أهل الكتاب يقرءون الزبور ويخالفونهم في بقية أفعالهم.
- وقال الخليئ: هم أشباه النصارى قبلتهم مهب الجنوب ويقرءون الزبور ويعبدون الملائكة٢.
стр. 317
صابئة البطائح:
"يعيش بين ظهرانينا في العراق قسم من الناس لهم تقاليدهم، وعاداتهم ولغتهم، ويكادون يكونون ممتازين في كل مظاهر حياتهم حتى بأشكالهم وسحنة وجوههم، ويطلق عليهم اسم "الصابئة" وقد يكون هؤلاء هم الصابئة الأصليون وقد
стр. 318
لا يكونون، إلا أن الشيء المحقق هو أن قسما كبيرا من عبادة الصابئة من القدماء وطقوس دينهم، بارزة بين معتقدات هؤلاء القوم وطقوسهم، فعبادة النجوم واستقبال نجم القطب وتأليه الكواكب وغير ذلك من أصول الدين الصابئ مما يتدين به هذا المجموع المتميز.
وقد يتعرف الباحث من اللغة التي يتكلم بها هؤلاء ومن إسبالهم شعور لحاهم ورءوسهم، أنهم شعب غريب نزح إلى هذه البلاد واستوطنها واحتفظ بما له من تقاليد وعادات والتزم بالسكنى على ضفاف الأنهر، وبقرب المياه الجارية؛ نظرا لما يقيمه من الطقوس التي لا تتم إلا بالارتماء في الماء الجاري، لذا عرف هذا القسم من الناس بصابئة البطائح نسبة إلى بطائح العراق المشهور.
فإما أن يكون هذا الشعب قد انحدر من الصابئة الحرنانية أو أنه من بقية الصابئة الأقدمين، وهذا أمر مشكوك فيه وموكول إلى فحص التاريخ الدقيق.
ونظن أن أحسن رواية -وقد تكون أقربها إلى الحقيقة- هي التي أثبتها هنري يونيون في كتابه الفرنسي الموسوم بـ "الفرقة المندائية" المطبوع في عام ١٨٩٨، فقد جاء في ص٢٢٤ منه تحت عنوان "الفرق الدستئاية" وهي المندائية التي اشتهر بها الصابئة الحاليون ما مضمونه: أن صاحبها "أي صاحب هذه الفرقة" كان متسولا وقد جاء من بلاد ما بين الزابين إلى ميسان "أي جنوب العراق"؛ للتسول، وكان مسيحيا اسمه "دبدا" واسم أمه "أم كشطا"، ثم توطن ضفاف نهر قارون وأسس ديانة جديدة وعقائد مأخوذ معظمها من فرق المرقيونيين والمانويين والكنتيين وغيرها من الفرق الصابئة، ثم توسعت هذه الطائفة على مر السنين وسموا بالصابئة المغتسلة؛ لأن جميع طقوسهم الدينية لا تتم إلا بالاغتسال في الماء الجاري اهـ، والذي يؤسفنا كثيرا ويجعل تاريخ الصابئة مفصولا وغير مرتبط الحلقات، خلو هذا التلخيص من الزمن الذي يعين قدوم "دبدا" إلى جنوبي العراق "ميسان" الأمر الذي يوقفنا على تاريخ منشأ صابئة البطائح والصلة بينم وبين الصابئة الحرنانية. ومع ذلك لا يخلو من فائدة تاريخية تكشف لنا عن تاريخ غامض من تاريخ الصابئة١.
стр. 319
حول نسبة مذاهب الصابئة:
هرمس وعاذيمون:
نسب الشهرستاني مذهب الصابئة الأولى إلى هرمس قائلا:
قالت الحنفاء: بم عرفتم -معاشر الصابئة وجود هذه الروحانيات؟ والحس ما دلكم عليه، والدليل ما أرشدكم إليه؟
وقالوا -أي الصابئة: عرفنا وجودها وتعرفنا أحوالها من: "غاذيمون" و"هرمس" و"شيص" و"إدريس" ﵉.
هذا النص يعطي الباحث ارتياحا نفسيا لما يفيده ويكشفه عن واضع هذا المذهب، ولكن عندما يأتي الباحث على آخر المحاورة التي عقدها الشهرستاني بين الحنفاء والصابئة يرى نصا يقول فيه الشهرستاني: وكان في الخاطر بعض زوايا: نريد نمليها، وفي القلم خفايا أكاد أخفيها، فعدلت عنها إلى ذكر "حكم هرمس العظيم" لا على أنه من جملة فرق الصابئة حاشاه، بل على أن حكمه مما يدل على تقرير مذهب الحنفاء في إثبات الكمال في الأشخاص البشرية وإيجاد القول باتباع النواميس الإلهية على خلاف مذاهب الصابئة.
يفيد النص استبعاد "هرمس" أن يكون واضعا لمذهب الصابئة وحاشاه كما يقول: الشهرتاني، فوقع في النفس سؤالان:
من هرمس العظيم؟
ومن يكون إذا واضع مذهب الصابئة إذا لم يكن هو واضعه؟
فانتقلنا معه في كتابه؛ لنعرف من هرمس العظيم ونتعرف على سر عظمته فألفيناه يقول: عندما أراد أن يحقق شخصية "هرمس" وشخصية "عاذيمون": يقال: أن عاذيمون، وهرمس، هما: شيت، وإدريس ﵉.
وأسند الشهرستاني لعاذيمون وضع المبادئ الأولى وهي خمسة١.
стр. 320
الباري، والعقل، والنفس، والمكان، والخلاء، وبعدها وجود المركبات ولم ينقل هذا عن "هرمس".
ثم أسند أيضًا لهرمس طائفة من الحكم وهو -في نظر الشهرستاني- الذي وضع أسامي البروج والكواكب السيارة ورتبها في بيوتها وأثبت لها الشرف، والوبال، والأوج والحضيض، والمناظر: بالتثليث والتسديس، والتربيع، والمقابلة، والمقارنة، والمراجع، والاستقامة، ويبين: تعديل الكواكب وتقويمها، وأما الأحكام المنسوبة إلى هذه الاتصالات فغير مبرهن عليها عند الجميع.
وللهند والعرب طريقة أخرى في الأحكام أخذوها من خواص الكواكب لا من طبائعها ورتبوها على الثوابت لا على السيارات.
فهرمس عند الشهرستاني غير واضح في تاريخه وفي نسبه وفي موطنه وكل ما يعرفه به قول جاء على صيغة المجهول لا يلتمس من ورائه شيء سوى الدفع إلى مزيد من البحث يقول فيه: يقال هو إدريس النبي ﵇، فالعبارة فيها احتياطها العلمي للمتشكك في أمره أو الذي يحاول على وجه من التاريخ إثباته.
وأورد الشهرتاني نصا يفيد: أنه عايش الصابئة وحمل معهم مسئولية فكرهم وهو قوله: "انظروا -معاشرة الصابئة- كيف عظم الرسالة حتى قرن طلعة الرسول -الذي عبر بالناموس- بمعرفة الله تعالى".
على أي حال فإن الشهرستاني لم يتحقق شخصية هرمس لا لنفسه ولا للتاريخ وإن كان أسبغ عليه لقب العظيم، وربما كان منه؛ لكي يخفي قلقه من عدم معرفته وأن ما ذكره عنه من حكمة يبدو عليها التكلف، وطابع تأليف الشهرستاني.
وأما قوله: يقال هو إدريس النبي.
فإن المقارنات الحقيقية بين نصوص الشهرستاني فقط لَتستبعد هذا القول، وربما كان هذا هو ما جعل الشهرستاني يقف عند قوله "يقال" مرتين دون تعيب مريح أو غير مريح، ونأخذ على الشهرستاني عبارات تجعل هرمس في مدة تاريخية بعد الحنفاء منها: "أن حكمه تدل على تقرير مذهب الحنفاء" فلو كان هرمس معايشا