صابئة أهل الكتاب:
أ- صابئة اليهود:
وهم نوعان:
النوع الأول: هم الذين اتبعوا المسيح من اليهود فهم في عرف اليهود صابئة.
النوع الثاني: وهم الذين وافقوا أبوللونيوس عندما أعلن الوثنية في معبدهم ووضع تمثالا لهيكل إغريقي.
ب- صابئة مسيحيون:
وهم الذين اتبعوا القديس يوحنا المعمدان في شعيرة التعميد "وهؤلاء هم المنديون" ولا يزال قوم منهم يسكنون إلى الآن الأغوار المحاذية لمصب الفرات١.
لهذه الأصناف الكتابية يمكن أن تحمل عليها ما نذكره من آثار:
- قال ابن أبي نجيح: قوم تركب دينهم من اليهودية والمجوسية لا تؤكل ذبائحهم.
- قال ابن عباس: هم قوم من اليهود والنصارى لا تحل مناكحتهم ولا تؤكل ذبائحهم.
- وقال أبو العالية: قوم من أهل الكتاب ذبائحهم كذبائح أهل الكتاب يقرءون الزبور ويخالفونهم في بقية أفعالهم.
- وقال الخليئ: هم أشباه النصارى قبلتهم مهب الجنوب ويقرءون الزبور ويعبدون الملائكة٢.
стр. 317
صابئة البطائح:
"يعيش بين ظهرانينا في العراق قسم من الناس لهم تقاليدهم، وعاداتهم ولغتهم، ويكادون يكونون ممتازين في كل مظاهر حياتهم حتى بأشكالهم وسحنة وجوههم، ويطلق عليهم اسم "الصابئة" وقد يكون هؤلاء هم الصابئة الأصليون وقد
стр. 318
لا يكونون، إلا أن الشيء المحقق هو أن قسما كبيرا من عبادة الصابئة من القدماء وطقوس دينهم، بارزة بين معتقدات هؤلاء القوم وطقوسهم، فعبادة النجوم واستقبال نجم القطب وتأليه الكواكب وغير ذلك من أصول الدين الصابئ مما يتدين به هذا المجموع المتميز.
وقد يتعرف الباحث من اللغة التي يتكلم بها هؤلاء ومن إسبالهم شعور لحاهم ورءوسهم، أنهم شعب غريب نزح إلى هذه البلاد واستوطنها واحتفظ بما له من تقاليد وعادات والتزم بالسكنى على ضفاف الأنهر، وبقرب المياه الجارية؛ نظرا لما يقيمه من الطقوس التي لا تتم إلا بالارتماء في الماء الجاري، لذا عرف هذا القسم من الناس بصابئة البطائح نسبة إلى بطائح العراق المشهور.
فإما أن يكون هذا الشعب قد انحدر من الصابئة الحرنانية أو أنه من بقية الصابئة الأقدمين، وهذا أمر مشكوك فيه وموكول إلى فحص التاريخ الدقيق.
ونظن أن أحسن رواية -وقد تكون أقربها إلى الحقيقة- هي التي أثبتها هنري يونيون في كتابه الفرنسي الموسوم بـ "الفرقة المندائية" المطبوع في عام ١٨٩٨، فقد جاء في ص٢٢٤ منه تحت عنوان "الفرق الدستئاية" وهي المندائية التي اشتهر بها الصابئة الحاليون ما مضمونه: أن صاحبها "أي صاحب هذه الفرقة" كان متسولا وقد جاء من بلاد ما بين الزابين إلى ميسان "أي جنوب العراق"؛ للتسول، وكان مسيحيا اسمه "دبدا" واسم أمه "أم كشطا"، ثم توطن ضفاف نهر قارون وأسس ديانة جديدة وعقائد مأخوذ معظمها من فرق المرقيونيين والمانويين والكنتيين وغيرها من الفرق الصابئة، ثم توسعت هذه الطائفة على مر السنين وسموا بالصابئة المغتسلة؛ لأن جميع طقوسهم الدينية لا تتم إلا بالاغتسال في الماء الجاري اهـ، والذي يؤسفنا كثيرا ويجعل تاريخ الصابئة مفصولا وغير مرتبط الحلقات، خلو هذا التلخيص من الزمن الذي يعين قدوم "دبدا" إلى جنوبي العراق "ميسان" الأمر الذي يوقفنا على تاريخ منشأ صابئة البطائح والصلة بينم وبين الصابئة الحرنانية. ومع ذلك لا يخلو من فائدة تاريخية تكشف لنا عن تاريخ غامض من تاريخ الصابئة١.
стр. 319
حول نسبة مذاهب الصابئة:
هرمس وعاذيمون:
نسب الشهرستاني مذهب الصابئة الأولى إلى هرمس قائلا:
قالت الحنفاء: بم عرفتم -معاشر الصابئة وجود هذه الروحانيات؟ والحس ما دلكم عليه، والدليل ما أرشدكم إليه؟
وقالوا -أي الصابئة: عرفنا وجودها وتعرفنا أحوالها من: "غاذيمون" و"هرمس" و"شيص" و"إدريس" ﵉.
هذا النص يعطي الباحث ارتياحا نفسيا لما يفيده ويكشفه عن واضع هذا المذهب، ولكن عندما يأتي الباحث على آخر المحاورة التي عقدها الشهرستاني بين الحنفاء والصابئة يرى نصا يقول فيه الشهرستاني: وكان في الخاطر بعض زوايا: نريد نمليها، وفي القلم خفايا أكاد أخفيها، فعدلت عنها إلى ذكر "حكم هرمس العظيم" لا على أنه من جملة فرق الصابئة حاشاه، بل على أن حكمه مما يدل على تقرير مذهب الحنفاء في إثبات الكمال في الأشخاص البشرية وإيجاد القول باتباع النواميس الإلهية على خلاف مذاهب الصابئة.
يفيد النص استبعاد "هرمس" أن يكون واضعا لمذهب الصابئة وحاشاه كما يقول: الشهرتاني، فوقع في النفس سؤالان:
من هرمس العظيم؟
ومن يكون إذا واضع مذهب الصابئة إذا لم يكن هو واضعه؟
فانتقلنا معه في كتابه؛ لنعرف من هرمس العظيم ونتعرف على سر عظمته فألفيناه يقول: عندما أراد أن يحقق شخصية "هرمس" وشخصية "عاذيمون": يقال: أن عاذيمون، وهرمس، هما: شيت، وإدريس ﵉.
وأسند الشهرستاني لعاذيمون وضع المبادئ الأولى وهي خمسة١.
стр. 320
الباري، والعقل، والنفس، والمكان، والخلاء، وبعدها وجود المركبات ولم ينقل هذا عن "هرمس".
ثم أسند أيضًا لهرمس طائفة من الحكم وهو -في نظر الشهرستاني- الذي وضع أسامي البروج والكواكب السيارة ورتبها في بيوتها وأثبت لها الشرف، والوبال، والأوج والحضيض، والمناظر: بالتثليث والتسديس، والتربيع، والمقابلة، والمقارنة، والمراجع، والاستقامة، ويبين: تعديل الكواكب وتقويمها، وأما الأحكام المنسوبة إلى هذه الاتصالات فغير مبرهن عليها عند الجميع.
وللهند والعرب طريقة أخرى في الأحكام أخذوها من خواص الكواكب لا من طبائعها ورتبوها على الثوابت لا على السيارات.
فهرمس عند الشهرستاني غير واضح في تاريخه وفي نسبه وفي موطنه وكل ما يعرفه به قول جاء على صيغة المجهول لا يلتمس من ورائه شيء سوى الدفع إلى مزيد من البحث يقول فيه: يقال هو إدريس النبي ﵇، فالعبارة فيها احتياطها العلمي للمتشكك في أمره أو الذي يحاول على وجه من التاريخ إثباته.
وأورد الشهرتاني نصا يفيد: أنه عايش الصابئة وحمل معهم مسئولية فكرهم وهو قوله: "انظروا -معاشرة الصابئة- كيف عظم الرسالة حتى قرن طلعة الرسول -الذي عبر بالناموس- بمعرفة الله تعالى".
على أي حال فإن الشهرستاني لم يتحقق شخصية هرمس لا لنفسه ولا للتاريخ وإن كان أسبغ عليه لقب العظيم، وربما كان منه؛ لكي يخفي قلقه من عدم معرفته وأن ما ذكره عنه من حكمة يبدو عليها التكلف، وطابع تأليف الشهرستاني.
وأما قوله: يقال هو إدريس النبي.
فإن المقارنات الحقيقية بين نصوص الشهرستاني فقط لَتستبعد هذا القول، وربما كان هذا هو ما جعل الشهرستاني يقف عند قوله "يقال" مرتين دون تعيب مريح أو غير مريح، ونأخذ على الشهرستاني عبارات تجعل هرمس في مدة تاريخية بعد الحنفاء منها: "أن حكمه تدل على تقرير مذهب الحنفاء" فلو كان هرمس معايشا
стр. 321
للحنفاء لكانت حكمه مؤسسة لمذهبهم أو واضعة له، فوصف حكمه بأنها مقررة لمذهب الحنفاء فيها ما يفيد بأنه وجد في فترة تالية لهم.
وعبارة هو إدريس، تفيد أنه مقدم على نوح أو هو جده، والحنفاء يرجع نسبتها إلى إبراهيم.
وصاحب كتاب فقر الحكماء ونوادر القدماء والعلماء١: اختار مجموعة من الفلاسفة، وذكر عنهم بعضا من حكمهم، ونوادرهم، وذكر من بينهم: "هرمس الفيلسوف"، فذكر حكمه ونوادره دون ذكر شيء عنه، وعند مطالعتنا تلك الحكم تبينا منها أنها هي الأخرى مجموعة تأليفات أخذت من حكم "لقمان" في القرآن، يقول الدكتور: عبد الرحمن بدوى: ويلوح أن المؤلف كان أديبا في غالب أمره ولم يكن من المشتغلين بالفلسفة أو علوم الأوائل إلا على سبيل الثقافة العامة. وقبل ذلك قال: على أن نقد المصدر لا يستطيع أيضا أن يعتمد على النقد الباطن لمضمون الكتاب وإنما تهجم المشاكل حين يتعرض الباحث لما فيه:
وأولها مشكلة الأسماء التي نسب إليها حكما ناردة فبعضها لا نعرف بالدقة من هم؟ وهذا ينطبق على: زيمون الشاعر، وأرطيبوس، وزيموس.
وعند مراجعتنا ابن النديم وجدناه يقول: قد اختلف في أمره.
فقيل: إنه كان أحد السبعة السدنة الذين رتبوا لحفظ البيوت السبعة.
وقيل: إنه كان إليه بيت عطارد وباسمه يسمى، فإن عطارد باللغة الكلدانية "هرمس".
وقيل: إنه انتقل إلى أرض مصر لأسباب وأنه ملكها وكان له أولاد عدة منهم: طاطا وصا، وأشمن، وأثريب، وقفط، وأه كان حكيم زمانه ولما توفي دفن في البناء
стр. 322
الذي يعرف بمدينة مصر بأبي هرمس، ويعرفه العامة بالهرمين، فإن أحدهما: قبره والآخر قبر زوجته، وقيل: قبر ابنه، الذي خلفه بعد موته، وذكر لهرمس كتبا منها:
كتب في النجوم، والنيرنجات، والروحانيات، وكتاب قيلادس، تلميذ هرمس في رأي هرمس، وعده ابن النديم من بين أسماء الفلاسفة الذين تكلموا في الصنعة، فقال: وهم: هرمس وأغاذيمون.
والآراء والأقوال التي ذكرها ابن النديم نراها لا تذكر ما رواه الشهرستاني بأنه قيل إدريس، فإذا أضفنا ما قاله الشهرستاني وهو، لم يذكره ابن النديم فإنه يعتبر قولا رابعا؛ لأنه لا يلتقي مع ما ذكره ابن النديم.
وينبغي أن يذكر أن ابن النديم ذكر أقوالا هي في مجموعها لها علاقة باسم "هرمس"، ومن جانب آخر أن ابن النديم يجزم أنه اسم لشخص وذكر مؤلفاته وأبناءه، فالمؤلفات العربية ترى في هرمس إنسانا له دوره التاريخي.
ونحن في سبيل التحقيق رجعنا إلى معجم اللغة الفارسية، واستعرضنا المادة فوجدناها تطلق على الآتي: هرماس: شيطان وأهريمن.
وهرمز: اسم كوكب المشتري، واليوم الأول من كل شهر شمسي.
واسم يوم الخميس ورب النوع لدى الزرادشتيين.
وتلفظ: أرمزد. وأورمز. أهرامزادا.
- وهرمس. وهرمزه: عطارد ورب النوع إله المصريين١.
قواميس اللغة الفارسية لم تذكر أن أطلق على شخص ما لكن كل ما ذكرته أنه اسم لإله الكواكب أي يحمل معنى من معاني المقدسات.
يذكر إميل برييه عن كرنوس في كتابه نصًّا يقول فيه:
стр. 323
إن هرمس: "هو اللغوس الذي أرسلته الآلهة من السماء نحونا"، ثم يقول: كلمة هرمس ترجع إلى أن اللغوس هو وسيلة دفاعنا وأنه كقلعة لنا، ثم يقول: وهرمس هو رئيس النعم.
واللغوس: عن فيلون: هو رسول الآلهة.
وهرمس: قائد الأرواح.
وهرمس ولد عند زوس.
فاتحد زوس ومليا "ابنه اطفلس ومعه عطارد" هذا الاتحاد كان منه هرمس.
فهرمس غير واضح أنه إنسان لا من جهة التاريخ ولا النسب ولا الموطن والمصادر التي تكلمت عنه يناقض بعضها بعضًا فضلًا على ضعف روايتها الكائن فيها.
ويترتب على ذلك ضرورة السؤال الثاني وهو: لمن ينتسب مذهب الصابئة؟ على فرض عدم نسبتها "لهرمس"، وهذا ما ذكره الشهرستاني ضمنًا في محاورة الحنفاء للصابئة عندما نفاها عنه، مع أنه نفسه لا يعرف من "هرمس" حين تكلم عنه في كتابه الذي خصصه لمثل تلك البحوث التاريخية الدينية وهو الملل والنحل، وصنعته فيه تحقيق التاريخ الديني، وسوف يظل السؤال: لمن تنتسب الصابئة؟
أما ابن النديم وهو الذي توسع في الحديث عنه توسعا يغلب عليه الإحاطة فإننا نراه خدم منهجه -وهو جمع المعلومات عن المؤلف ومؤلفاته- من حديث كونه وراقا، ليس مطلوبا منه أكثر مما قدم وهو فهرسته.
ومن العناصر التاريخية -من خلال ما ذكر- ما يؤكد أن هناك ارتباطا بين هرمس وعناصر مقدسة، ويطعن في نحله الاسم لشخص.
يقول الدكتور: أبو العلا عفيفي:
من بين الوثائق اليونانية الهامة: مجموعة من المقالات الفلسفية الدينية كتبها متأخرو العصر اليوناني بالإسكندرية فيما بين القرنين الأول والثالث المسيحيين على وجه التقريب وتعرف هذه المجموعة باسم الكتابات الهرمسية نسبة إلى هرميس الإله
стр. 324
اليوناني المصري١ المعروف باسم: هرميس المثلث الحكمة أو "المثلث العظمة"٢، وقد كان لهذه الكتابات أثر بالغ في تشكيل الحياة الروحية المسيحية وتشكيل العقلية الإسلامية الفلسفية والصوفية، وهذه الكتابات الهرمسية هي الحلقة المفقودة في تاريخ التراث اليوناني والفلسفة الإسلامية.
ثم يقول: لا عبرة بما ذهب إليه المؤرخون القدماء وتابعهم في القول به مؤرخو العرب من أن الكتابات الهرميسية منسوبة حقًّا إلى هرميس المثلث الحكمة الذي عاش في زمن موسى أو قبله، وأنه كان مصدر علوم اللاهوت والأسرار التي اختص بها كهنة مصر منذ عصور سحيقة، فقد أظهر التحليل التاريخي النقدي بطلان هذه الأسطورة منذ أواخر القرن السادس عشر، وبرهن على أن هذه المقالات صدرت عن أقلام كتاب عديدين لا كاتب واحد، وأن الفلسفة اليونانية، الأفلاطونية والفيثاغورية -بوجه خاص- كانت أصلا لها ومصدرا على عكس ما كان يعتقد من أن فلسفة هرميس كانت الأصل الذي استقى منه الفيلسوفان اليونانيان فلسفتهما.
ويختلف شرح هذه الرسائل باختلاف كتابها، فأحيانا ترى الحديث يدور بين هرميس وابنه طاط، أو بينه وبين إله الطب أسقليبوس، أو بينه وبين الملك آمون، وأحيانا يصور هرميس بصورة التلميذ الذي يتلقى الوحي أو عن الإله بويمدذريس كما هو الحال في الرسالة الأولى أو عن الإله أغاثا ذيمون.
وتدل الشواهد التاريخية على أن كتابات هرميس قد وصلت إلى المسلمين لا عن طريق الإسكندرية التي هي منبعها الأصلي، بل عن طريق "حران" التي ورثت ثقافة الإسكندرية وحافظت عليها قرونا عديدة قبل الإسلام وبعده. ولكننا لا ندري
стр. 325
على وجه التحقيق كيف بدأ وصول هذه الكتابات إلى حران ولا في أي زمن بدأ ولا الرجال الذين تم على أيديهم نقل هذه الثقافة.
ويحدثنا التاريخ أيضا: أن جماعة الحرنانيين الذين كانوا يعرفون باسم الصابئة.
قد اتخذوا فلسفة هرمس: دينًا لهم، واعتبروا هرميس وأغاثا ذيمون وغيرهما من الحكماء الذين وردت أسماؤهم في الرسائل الهرميسية أنبياءهم، كما اعتبروا هذه الرسائل: كتابهم المقدس، وأن وثنيي حران عندما أمنوا جانب المسلمين ونال بعضهم الحظوة عند خلفاء بني العباس تدفق سيلهم على بغداد وأسسوا المدرسة الأفلاطونية الحديثة أشبه بالمدرسة الأفلاطونية الحديث التي كانت قائمة في أثينا حتى أغلقها الإمبراطور جوستنيان حوالي سنة ٣٥٠م غير أن مدرسة بغداد الحرانية جعلت من أول أغراضها نشر تعاليم هرميس وإذاعتها بينما أغفلت أختها الأثينية هذه التعاليم وأهملتها١.
منذ ذلك الوقت اشتهر اسم هرميس في الأوساط الإسلامية وقد استحدث عنه وعن عجائب حكمته وعلمه، وظل موضع إجلال المسلمين واحترامهم حتى نهاية القرن السادس الهجري، ورفعه المسلمون لا إلى مصاف الآلهة كما فعل اليونان والمصريون بل إلى مصاف الأنبياء مما يثبت قطعا أن الفلسفة الهرميسية لم تصل إلى المسلمين في صورتها اليونانية الخالصة بل وصلتهم بعد أن امتزجت ببعض الأفكار والعقائد الإسرائيلية، ومما يثبت تأثر الفلسفة الهرميسية التي وصلت المسلمين بالأفكار اليهودية أن الهرامسة تعددوا عندهم وأصبحوا ثلاثة:
الأول: هرميس الهرامسة الذي قالوا عنه: أنه إدريس النبي أو أخنوخ، وقد ذكروا: أنه ولد بمنف، وعاش قبل الطوفان، وعنه ظهرت كل العلوم التي عرفها الإنسان في ذلك العهد.
الثاني: هرميس البابلي، الذي اعتبروه من تلاميذ فيثاغورس، وقد ذكروا أنه عاش بعد الطوفان، وأنه كان عالما بالطب والفلسفة وطبائع الأعداد والكيمياء. ونسبوا
стр. 326
إليه كثيرا من الروحانيات والطلسمات بل قالوا إنه انتقل إلى مصر وحكمها وكان له أولاد منهم طاط وأشمن وقفط وغيرهم.
الثالث: هرميس المثلث الحكمة: قالوا سمي كذلك؛ لأنه ثالث الهرامسة الحكماء، ومثلث العظمة.
وليس من شك في أن هرميس الأول من نسج الخيال اليهودى، وأن هرميس الثاني اسم اخترعه العرب لمؤلف المقالات الهرميسية التي تدور حول علوم الأسرار من السحر والطلسمة والكيمياء وما إليها.
أما هرمس الثالث: المثلث الحكمة فلم يعرفه العرب بالاسم فقط بل عرفوا الرسائل المنسوبة إليه، يقول القفطي في تاريخه: ونقلت من صحف هرمس المثلث الحكمة نبذا من مقالته إلى تلميذه طاطي على سبيل سؤال وجواب بينهما وهى على غير نظام ووِلاء؛ لأن الأصل كان باليا مفرقا، وهناك كتاب كثيرون غير القفطي يشيرون إلى رسائل هرميس ووجودها في أصل عربي، أو ترجمة سريانية وإلى اقتباسهم منها مما لا يدع مجالا للشك في أن العرب عرفوا هذه الرسائل في صورتها الأصلية. ويرد على ذلك أن كتبا عربية وضعت برمتها ملخصة الفلسفة الهرميسية مما يساعد كثيرا على ذيوع هذه الفلسفة وشيوعها بين المسلمين، من هذه الكتب: كتابان أشار إليهما العلامة الأستاذ "سانتلانا" في محاضراته في الفسلفة الإسلامية بالجامعة المصرية القديمة وهما:
- "كتاب "سر الخليقة" المنسوب لبليتوس "وهو ابن لونيوسالطيانى من أهل طيانة" الفيثاغوري من حكماء القرن الأول المسيحي.
وهذا الكتاب مخطوط بمكتبة باريس وهو يحمل طابعا هرميسيا لا يشك فيه الأستاذ سانتلانا.
- الثاني: رسالة "هرميس المثلث الحكمة في معاتبة النفس أو معازلة أو زجر النفس".
стр. 327
وقد تعرف أيضا باسم "رسالة المعانى"، وتنسب خطأ إلى سقراط وأحيانا إلى أفلاطون أو أرسطو.
وقد طبع الأبواب السبعة الأولى منها الأستاذ "فلايشر" سنة ١٨٧٠ وطبع الباقي منها الأستاذ "باردنهافر" سنة ١٨٧٣.
ونشر الرسالة بِرُمَّتها في العصر الحديث الراهب الخوري "فليمون" الكاتب أحد رهبان دير المخلص سنة ١٩٠٣ ببيروت١.
من كل هذا يتبين إلى أي حد انتشرت تعاليم هرميس في الشرق القديم قبل الإسلام وبعده.
стр. 328
بوداسف:
ذكر المسعودي صاحب كتاب "مروج الذهب": أن الذي جدد مذاهب الصابئة "بوداسف" الذي وفد من الهند إلى فارس في حكم طهمورث من ملوك الفرس الأولى، وما ذكره المسعودي لم نره لغيره.
وقد رأيت أن أتتبع تاريخه في المعاجم الفارسية ولا سيما بعد ما انتهينا من البحث عن تاريخ "هرمس" الذي ذكره الشهرستاني في المحاورة التي وقعت بين الحنفاء والصابئين، ورأينا ما وصل إليه البحث من نتائج.
ولما تتبعته في المعاجم الفارسية لم أعثر له على ذكر فيها غير أنه غلب على ظني أن "بوداسف" الذي أورده المسعودي على أنه المحدث لمذاهب الصابئة ولا سيما أنه نشأ في الهند -كما ذكر أيضا- هو "بوذا" واضع الديانة البوذية.
و"بوذا" "ينطق بالفارسية" بوذا، ويبدو أن المسعودى وهو الذي انفرد بذكره، نقله محرفا، أو نقله ترجمة عن الفارسية، بتلك الزيادة من بعض الرسائل القديمة.
وإذا كان "بوداسف" هو بوذا، فهناك علاقة بين ما ذكره المسعودي -وتعاليم "بوذا"؟
يقول الدكتور محمد غلاب:
стр. 329
ليس عندنا من المصادر عن الديانة الفارسية السابقة على "زرادشت" القدر الكافى لإعطائنا عنها صورة واضحة تمكننا من تحليلها على الطريقة العلمية القيمة.
ولكن ما نعرفه في هذا الصدد: هو أن نقوشًا أثرية، يرجع تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل المسيح وجدت في الشمال الغربي من بلاد فارس، ووجدت فيها أسماء آلهة هندية وهى:
- ميتهرا.
- أدرا.
- فارنا.
ولما كان من غير الممكن أن تصل هذه الآلهة الهندية إلى ذلك المكان دون أن تخترق البلاد الفارسية استنتج بعض الباحثين -ونخص منهم بالذكر الأستاذ "دينيس سوريه"- أن للديانة الهندية أثرا عظيمًا على الفارسية الأولى.
ثم يقول الدكتور غلَّاب: ومهما يكن من الأمر فإن تأثر الفارسية بالهندية أمر مقطوع به؛ إذ إننا نجد مثلا في الكتاب الفارسي المقدس أسطورة تحدثنا أن "بيما" هو أول إنسان أطعم أبناءه لحما محرما، ولعله "لحم ثور"؛ ليصيرهم خالدين.
ويلاحظ أن بيما الذي هو أول إنسان عند الفرس هو نفس "باما" أول إنسان في الديانة الهندية١.
هذا من وجهة النظر العامة، وهو لا يبعد عما يفهم من كلام المسعودي الذي نصه: "ويقال أن هذا الرجل أول من أظهر آراء الصابئة من الحرنانيين والكيماريين، وهذا النوع من الصابئة مباين للحرنانيين في نحلتهم".
ولفهم هذا النص ينبغي أن نوضح بصفة عامة: آراء الحرنانيين والكيماريين.
فنقول:
стр. 330
حران مدينة من مدن العراق عرفت مدرستها في التاريخ الفكري بأنها مدرسة وثنية، كانت ذات أهمية كبرى لمرور طرق القوافل، وأن اشتقاق اسم المدينة في البابلية هو: "حرانو" أو "حرانو" تعني الطريق.
كما اشتهرت في التوراة في سفر التكوين: ٢٤، ٤، ٢٩، ٢١، وقد كانت الموطن الأصلي للآباء العبرانيين الأوائل قبل ذهابهم إلى فلسطين.
والمرجح كثيرًا أن إبراهيم وأحفاده كانوا من سكان أراضي هذه المنطقة كما تشير إلى ذلك التوراة نفسها١ في هذا المركز عاشت الصابئة وهي كما يقول الشهرستاني: "الحرانية هم جماعة من الصابئة".
ثم يقول عن مذهبها الحلولي:
"ثم من المواليد من قد يتفق شخص مركب من صفوها -أي العناصر- دون كدرها- ويحصل له مزج كامل الاستعداد فيتشخص الإله به في العالم.
هذا فضلا عن فصل آخر للشهرستاني عنهم عنونه بقوله: "مزاعم الحرنانية"٢.
ويصفها "أوليرى" بصفة عامة فيقول:
هذا وكان هناك بعض مصادر ثانوية متفرقة للعلوم اليونانية مثل مدينة حران التي كانت مستعمرة يونانية ظلت متشبثة بوثنيتها في منطقة مسيحية ويغلب على الظن أنه كان لها نصيب في نقل العلوم اليونانية إلى العرب ولو في أضيق نطاق، فمدرسة حران عرفت وتخصصت في الوثنية ولا نرى مؤلفا أو باحثا في تاريخ الفكر العربي يذكرها دون أن يصفها بالوثنية.
فمدينة "حران" ظلت مركزا مهما دائما للثقافة اليونانية في المنطقة التي يتكلم أهلها اللغة الآرامية الشرقية، وكانت إلى جانب هذا نقطة مهمة للتبادل والاتصال، أما
стр. 331
أهلها فكانت الغالبية منهم وثنيين يعبدون الكواكب مما دفعهم إلى ملاحظة السماء والتعمق في الدراسات الفلكية١.
فالآراء التي حملها "بوداسف" تتميز بوثنية كوثنية حران، وليست هي آراء حران ولكنها تتفق في الوثنية فقط مع الحرنايين. وديانة "بوذا" من الديانات التي تتميز بالإلحاد ومن أقدمها تلك التي لا تعترف بإله خارج عن عناصره.
ومن هنا نتساءل: ما الإله؟
هل هو العناصر نفسها؟،.. فإذا كان ذلك فلا يكون في الأمر جديد سوى وضع اسم مكان آخر، وإذا كان غيرها ولها هذه الخواص التي نشاهدها فقد ثبت خلوه هو من بعض الخواص الثابتة للعناصر، وهو نقص فيه، وإذا كان كل خواصها لم يكن في حاجة إليها؛ لاتخاذها وسيلة لإيجاد العالم، وإذًا فنحن أمام خلاء من الألوهية يؤيده منطقها٢.
أخذت هذه الآراء عدة تحويرات حتى انتهت إلى "الحلولية" على يد "سانكرا" الذي قرر: أن هذا العالم الظاهر، ليس هو حقيقة الإله إنما هو كائن أدنى محدث، ولكن كل جزئية منه تشتمل على طرف من تلك الحقيقة الإلهية؛ غير أن "سانكرا" لم يكد يعلن هذه الآراء حتى وصفه البراهمة بأنه بوذي، يتقمص جسم "براهمي"، أو زنديق يرتدي ثوب متدين، وكان ذلك موافقا بالمصادفة لأوان الفتح الإسلامي، وعلى بدء تاريخ جديد يبرز للباحثين أثر الإسلام في تلك الأصقاع على صورته الحقيقية، فالإلحاد الوثني يتغلغل في البوذية وتعاليمها وهى أول ديانة -كما تزعم نفسها- تتخلى عن الله ولا تخرجه عن العناصر الكونية.
يقول الدكتور ميزرا مهدى:
стр. 332
وأهل هذا الدين، يعتقدون أن "ميرزا": هو أول من ظهر في الأرض على صورة البشر، ويجبر هذا الدين تابعيه على أن ينزهوا ملوكهم عن الغلطات ويقدسوهم عن الهفوات، فلذا نرى معابدهم: مزينة بصور سلاطينهم، وأكابر رجال كهنوتهم، وأعاظم ملتهم، وهؤلاء القوم ليس عندهم خبر نصي، أو أثري رمزي عن ظهور مجدِّد أو مصلح جديد في المستقبل؛ ليقوم ما أعوج من دعائم دين "بوذا" إلا أنهم يزعمون أن بوذا سوف يظهر مرة أخرى بنفسه عندما يرى عودته١.
لاحظ "ميجاشنيس" وهو عالم يوناني في بلاط "مجاذا" وقد وضع كتابا وصف فيه الهند أن بعض الهنود كانوا يرفعون بوذا إلى مرتبة الإله.
يقول أوليرى معلقا: ملاحظة لها طرافتها؛ لأنها ترينا أن البوذية في عهده كانت قد جاوزت فعلا طورها البدائي الذي كان فيه بوذا يعتبر مجرد معلم ديني، وأنها كانت في هذا الحين تنتقل إلى طورها الثاني الذي أله فيه بوذا والذي أدى إلى تصوير بوذا في صورة إنسانية٢.
إذا كانت هذه الديانة البوذية ترى في الإلحاد والوثنية عقيدة لها فإن وثنيتها ليست عبادة الكواكب كما كان يرى أهل حران فمن هنا حصل التباين بين عقيدتين وثنيتين كما ذكر المسعودي.
هل البوذية خرجت من الهند؟
يرى المؤرخون أنها خرجت من هناك؛ بيد أنهم يختلفون حول أسباب خروجها، فبعضهم يرى ذلك عندما اغتال برهمي متعصب اسمه سنجا آخر ملوك أسرة "ماوريا" وهو بوشيا ميترا سنة ١٨٤ ثم اغتصب العرش وأخذ يضطهد البوذيين، أي أن الاضطهاد السياسي كان وراء خروجها.
стр. 333
وبعضهم يرى أن الديانة البوذية كانت في بدايتها طائفة زهدية صغيرة ولكنها فيما بعد نمت وانتشرت حتى صارت إحدى ديانات العالم الكبرى، ويرجع أصل هذا الدين -في نظر أوليرى- إلى نظام السانخيا الفلسفي الذي كان قائما من قبل والذي بدأه كامبيلا.
أما الدكتور غلاب فيرى أن "كامبيلا" وبوذا متعاصران؛ إذ قد عثر في هذا المذهب، وفي المذهب البوذي: على تأثرات قوية متبادلة بين المذهبين مما يدل على أنهما متعاصران تقريبا.
ثم يقول الدكتور محمد غلاب: ولكن هذه الديانة حينما أجلتها البراهمية في القرون الأولى للميلاد المسيحي لم تكن قد انتهت من الوجود، وإنما كانت قد تفرقت شمالا وجنوبا إلى الصين: واليابان وجاوه وسومطره١.
أما إلى أي مدى انتشرت البوذية فعلا في العالم القديم فمسألة مستعصية، لكن يمكن القول بأن الديانة البوذية في عهد "سوكا": Asoqs ثالث ملوك أسرة "مارويا" التى اعتبرها الهندوك أسرة نجسة؛ لأنها لا تنتمى لطبقة الكهنة، أو طبقة الجند، هذا الملك اعتنق البوذية؛ لأنها لا تعير نظام الطبقات أية أهمية، فالديانة البوذية لقيت تعضيدًا قويا من هذا الملك ودعا إلى عقد مجمع بوذي ثالث في "الأسو كاراما" في ياتالى بوترا، وتلك قرية كان بوذا قد زارها في سالف الزمان. ونوقشت في هذا المجمع ثماني عشرة مشكلة مذهبية وتم التصالح بشأنها، ولكن الأهم من كل هذا أنه قد تقرر فيه أن البوذية ينبغى أن تنهج سياسة تبشيرية تدعو فيها شعوب العالم كلها إلى اعتناق ما يقضي به "قانون التقوى"، وطبقا لهذا القرار أوفدت الدعاة إلى الجنوب وإلى الغرب ٢.
فالقرار الذي اتخذه أسوكا: جعل الدعوة إلى الديانة البوذية دعوة عالمية.
وأوجب على الداعين أن يحملوا عبء الدعوة إليها فانتشروا في أفناء الأرض، وقد زاد من انتشار أتباعها أخيرا اضطهاد البرهميين لمعتنقيها.
стр. 334
فالعنصر البوذي الذي ظهر في شرق فارس يرجع إلى مدينة "باميان" جنوب بلخ وكان فيها مركز بوذي عام.
وفي القرن الثالث عشر يصف ياقوت: صنمين كبيرين لبوذا في هذه المدينة ويقعان في بهو واسع محفور في جانب الجبل، وهما صنمان كان يعرفان باسمه:
وأحدهما "سثق بد": أي بوذا الأحمر.
ثانيهما "وخنج بد": أي بوذا الأشهب.
وكانا قائمين في أيامه، وقد ذكرهما القزويني كما ذكرهما ياقوت.
وقد دمر "جنكيز خان" مدينة باميان هذه١.
فالبوذية خرجت من الهند واختلطت بتراث فارس هروبا من الاضطهاد الذي لاحقها من البراهمة، وتحقيقا لمنهجها في الدعوة التبشيرية التي قررتها لنفسها أخيرًا.
ولقد أصبحت مدرسة "جند يسابور" التي أنشئت في النصف الثاني من القرن الثامن أيام الملكين خسرو وأنوشروان، وبفضل العلماء الذين طردوا من الرها آنذاك قامت بعبء المزج بين التراث اليوناني والشرقي، وفي هذه المدرسة أيضا اتصل العلماء اليونانيون والسريان والفرس بعلماء الهند، وتأثر بعضهم ببعض وزاد ازدهارها حين أقفل "جوستينيان" مدارس أثينا وتولى الفلاسفة عنها إلى جنديسابور، وجلبوا معهم كتبا في الفلسفة والعلوم الهندية، ومن تلاميذها في "جنديسابور" الحارث بن كلدة وابنه النضر.
ثم لما ظهر مانى٢ أو "مانيس" مؤسس الديانة المانوية والمولود في بابل ٢١٥م من أم فارسية من نسل الملوك الأشكانيين وأب من رجالات همدان هاجر إلى بابل في تلكم البلاد.
стр. 335
وقد ادعى ماني النبوة وسمى نفسه "فارقليط" الذي أخبر عنه المسيح وقتله أحد ملوك الفرس سنة ٢٧٥ بعد المسيح، وكانت عقائده مزيجا من الهندية، والزرادشتية، واليهودية، والمسيحية، قبل وضع قواعد الكنيسة، ثم تبعه مزدك من الطرف الشرقى لنهر دجلة في بلدة اسمها "ماذارايا" في عهد الملك "قباذ" الذي حكم سنة ٤٨٨ م، ودعا إلى الإشتراكية في الأموال والنساء ثم قتل هو الآخر مع ثمانين ألفا من أتباعه.
ويقول ابن قتيبة: إن قباذ بنى في فارس والأهواز مدينة "أريجان" فأسكن فيها سبي "همذان" فوثب فيها "مردق" وقال بدعوته١.
فبوداسف الذي أظهر مبادئ الصابئة في ملك طهمورث ربما يكون هو "بوذا".
стр. 336
أصول فكر الصابئة الأولى:
يقول المقدسي: المنائية، والديصانية، والماهانية، والسمنية، والمرقوتية والكبائبون، والصابئون، وكثير من البراهمة والمجوس، وكل من قال باثنين، أو بأكثر، أو بشيء قديم مع البارئ، وكذلك القائلون بالجنة، والجوهر، والفضاء.
ويقول الصابئون: النور حيٌّ عالم، والظلمة جاهلة معمية، والمرقيون يقولون: ثلاثة أشياء قديمة: نور، وظلمة، وثالث معدل بينهما.
ويقول المنائية: النور خالق الخير، والظلمة خالق الشر.
ويجعل من مذاهب المجوسية: الذين يعبدون النار والشمس والقمر والنجوم.
ويقول المقدسى١ عن أصل مقالات الثنوية والحرانية: أصل اعتقاد هؤلاء في الجملة أن: المبدأ شيئان اثنان:
-نور.
стр. 337
- وظلمة.
وأن النور كان في الأصل: أعلى العلو، نورًا خالصًا.
وأن الظلمة كانت أسفل السفل. وظلمة خالصة.
غير مما سبق على مثال الظل والشمس فامتزجا فكان من امتزاجهما هذا العالم بما فيه.
هذا الذي يجمع أصل عقائدهم.
ثم اختلفوا بعد ذلك: فزعم "ابن ديصان" أن النور خالق الخير، والظلمة خالقة الشر، بعد قوله بأن: النور حيٌّ حساس، والظلمة موات؛ فكيف يصح الفعل من الموات؟
ولما رأى من فنون ما لحق المانوية، والديصانية من التناقض والفساد أحدث مذهبا زعم أن الكونين: النور والظلمة قديمان، ومعهما شيء قديم ثالث؛ وهو الذى حمل الكونين على المشابكة والامتزاج، ولولا ذلك المعدل بينهما لما كان من جوهرهما إلا التباين والتنافر.
وزعم "كنان" أن أصل القديم ثلاثة أشياء: الأرض، والماء، والنار، غير أن المدبر لها اثنان: خير، وشر.
وأما الحرانية: فمختلف عندهم في الحكاية؛ زعم أحمد بن الطيب في رسالة له يذكر فيها مذاهبهم أن القوم مجمعون على أن العالم علة، لم يزل.
ويقولون: المدبرات سبع واثنا عشر، ويقولون: في الهيولي والعدم، والصورة، والزمان، والمكان، والحركة، والقوة.
يقول "أرسطاطاليس": في كتاب سمع الكبا. وزعم "زرقان" أنهم يقولون مثل قول المانية، وقال بعضهم: إن مذهب الحرانية ناموس مذهب الفلاسفة، وما لم يكن يجرؤ أحد أن يظهر خلافهم.
стр. 338
وأما المجوس: فأصناف كثيرة، ولهم هوس عظيم وترهات متجاوزة الحد والمقدار، لا يكاد يوقف عليها، فبعضهم يقول بقول الثانوية.
وبعضهم على مذهب الحورانية والخرمية -جنس منهم يتسترون بالإسلام- ويقولون: مبدأ العالم نور، وأنه نسخ بعضه فاستحال ظلمة.
وأما أهل الصين: فعامتهم الثنوية إلى كثير ممن يليهم من الترك وفيهم المعطلة الذين يقولون: بقدم الأعيان، وأن العالم لا صانع له ولا مدبر.
والهنود أصناف كثيرة: وتجمعهم البراهمة والسمنية، والمعطلة الأخرى.
يقولون بالتوحيد: غير أنهم يبطلون الرسالة، ومنهم المهادرزية يزعمون أن المبدأ ثلاثة إخوة ولهم أسطورة طويلة ذكرها المقدسي.
هذا من جهة الصفة العامة الغالبة على المذهب أما تفصيلاته فهى:
أولا: الإقرار بالقوة الإلهية:
بمعنى أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدسا عن سمات الحدثان.
ثانيا: الإقرار بالعجز الإنساني:
في الإنسان عجز عن إدراكه؛ أى: الإله، وعلينا الإقرار بهذا العجز. وفي الوقت نفسه علينا التقرب إليه لحاجتنا إليه.
فاتخذوا سبيلهم إليه بالمتوسطات المقربين لديه.
ثالثا: الإقرار بإمكانية الاتصال به:
أدى شعورهم بالحاجة إلى إعمال الفكر؛ لكيفية تصور إمكانية العلاقة بينهم وبين القوة الإلهية، بيد أن هذه العلاقات كما تصوروها لا يمكن أن تكون مباشرة؛ لما عليه الإنسان من دنس النفس وإظلامها بالشهوات الطبعية، ولذلك رأوا أن الوسيط يجب أن يكون روحانيا.
стр. 339
والروحاني -في نظرهم- هو: المقدس من المواد الجسمانية المبرأ عن القوى الجسمانية المنزه عن الحركات والتغيرات الزمانية.
فللاتصال به علينا أن نطهر أنفسنا من علائق القوى الشهوانية حتى تحصل مناسبة ما بيننا وبين "الروحانيات" فحيئنذ نسأل حاجتنا منهم ونعرض أحوالنا عليهم.
وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باكتسابنا ورياضتنا وفطامنا عن الشهوات الدنيا.
والاستمداد هو: التضرع وإقامة الصلوات وبذل الزكاة، والصيام وتقريب القرابين وتبخير البخور، وفي هذه الحالة قد لا يحتاج الإنسان إلى وسيط.
لذلك رفضوا كل وساطة من البشر، فقالوا عن الأنبياء: إنهم أمثالنا في النوع وأشكالنا في الصورة يشاركوننا في المادة يأكلون مما نأكل ويشربون مما نشرب ويشاركوننا في الصورة.
أناس بشر مثلنا فمن أين طاعتهم؟
وبأية مزية لهم لزمت متابعتهم؟
قال تعالى: حاكيا ذلك عنهم: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ١.
стр. 340
أنواع الوساطات:
والوساطة قد تكون عبادة العناصر الطبعية وقد تكون عبادات تنجمية ظهرت على أنها عبادة واحدة ثم انقسمت إلى نجوم وسماء.
١- فمنها مدبرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها وهي هياكلها، فكل روحانى "هيكل"، ولكل "هيكل" "فلك"، ونسبة الروحانى إلى ذلك الهيكل الذي اختص به كنسبة الروح إلى الجسد فهو ربه ومدبره ومريده.
стр. 341
وكانوا يسمون العناصر: أمهات.
وفعل الروحانيات فيها هو: تحريكها على قدر مخصوص؛ ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر لمزج المركبات فتتكون القوى الجسمانية وتركب عليها نقوش روحانية مثل:
- أنواع النبات.
- أنواع الحيوان.
٢- والتأثير قد يكون آليا صادرًا عن روحاني كلي: فمع جنس المطرملك هو هذا الكلي.
والتأثير قد يكون جزئيًّا صادرًا عن "روحاني" جزئي أى مع كل قطرة ملك وهذا هو الجزئي.
٣- ومنها مدبرات الآثار العلوية:
- الظاهرة في الجو مثل: الأمطار والثلوج والرعد والبرق.
- الظاهرة في الأرض مثل: الزلازل والأبخرة.
٤- ومنها متوسطات القوى مثل: قوى الحس.
٥- ومنها: مدبرات الهداية مثل: العقل.
وهذه الروحانيات لها طعامها الذى يتناسب معها وهو:
التسبيح والتقديس والتهليل والتنجيد وأنسهم بذكر الله وطاعته.
أعمال الصابئة كلهم:
يصلون ثلاث صلوات، ويغتسلون من الجنابة، ومن مس الميت، وحرموا أكل الجزور والخنزير والكلب.
ومن الطير ما له مخلب، والحمام.
стр. 342
ونهوا عن السكر في الشراب وعن الاختتان.
وأمروا: بالتزويج بوليٍّ وشهود.
ولا يجوزون الطلاق إلا بحكم حاكم ولا يجمعون بين امرأتين.
стр. 343
هياكلهم-رؤساؤهم:
بنى الصابئة هياكلهم على أسماء الجواهر العقلية الروحانية وأشكال الكواكب السماوية فمنها: هيكل العلة الأولى ودونها: هيكل العقل وهيكل السياسة وهيكل الصورة وهيكل النفس - وكلها مدورات الشكل.
وهيكل زحل: مسدس.
وهيكل المشترى: مثلث.
وهيكل المريخ: مربع مستطيل.
وهيكل الشمس: مربع.
وهيكل الزهرة: مثلت في جوف مربع
وهيكل عطارد: مثلث في جوف مربع مستطيل.
وهيكل القمر: مثمن.
يقول المسعودى: والذي بقي من هياكلهم المعظمة في هذا الوقت وهو "سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ٣٣٢" بيت لهم بمدينة حران في باب الرقة يعرف بمغليتيا هو هيكل أبي إبراهيم عندهم.
رؤساؤهم: ذكرهم ابن النديم في فهرسته ومن أراد الوقوف عليهم فليرجع لها١.
стр. 344
تعقيب حول فكر الصابئة:
وأخيرا.. لقد خلفت الصابئة أثرا شاهدا على تاريخها: وهو عبادة النجوم التي تولد منها التنجيم؛ ذلك أن النجوم وفوق كل شيء الكواكب كانت فيما يبدو وفق قوانين ثابتة تقول بالتقابل والتوافق؛ أي أن السموات من فوق والأرض من تحت شقيقتان متكاملتان فما كان يحدث في العالم النجمي كان يعاد إخراجه على الأرض، وها هو الأمر الحيوي في الموضوع.
بيد أن حركات العالم النجمي ثابتة فإذا كان هناك تقابل فكل ما يحدث على الأرض يكون ثابتا، والحال بالمثل بالنسبة لأفعال الناس أيضا، فهي ثابتة وذلك الإنسان هو كون مصغر فهو الشقيق المكمل للعالم الكبير، وروحه شرارة من تلك النار السماوية التي تتوهج في صفحة النجوم.
ومن هنا نشأ مذهب من أفظع المذاهب التي عذبت الإنسانية على مر الزمان وهو المذهب البابلي المسمى "القضاء المحتوم" الذي يتحكم على السواء في النجوم والأرض والناس.
فحركة هذه الكائنات جميعا ثاتبة بفضل قوة باقية لا تتبدل وهي قوة لا علاقة لها بالأخلاق. قوة لا تحب ولا تكره ولكنها تواظب على مسارها بطريقة لا هوادة فيها مواظبة النجوم في مسارها عبر القبة الزرقاء.
وقد استطاع التنجيم في النهاية أن يتغلغل في كثير من الديانات ويصبغها بلونه. وكان هناك أكثر من نظام للتنجيم.
- عبادة الكواكب.
- أبراج الفلك وعلاماتها الاثنتا عشرة.
بيد أن التنجيم القائم على الكواكب كانت له قوة أعظم؛ فالكواكب السبع هي: الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشترى وزحل.
стр. 345
كانت في عبادتها المسيرات للقضاء والقدر وفي النهاية هي مستقر عروش "حكام هذا العالم" الذين أصبحوا فيما بعد معادين لروح الإنسان وشرا عليها بصورة قاطعة؛ لأنهم أصبحوا يجرون المقادير عليها بلا هوادة.
كذلك خصص للكواكب السبعة ألوانها الخاصة المقابلة للطوابق السبعة للمعبد البابلي.
كما خصص لها معادنها الخاصة ونباتاتها وحيواناتها.
- أما أبراج الفلك فقد كانت تتحكم في مصائر الشعوب ومدتها المنوعة وتشهد العملية بأن أنطاكية ونصيبين كانتا تحت سيطرة برج الحمل.
والرها تحت سيطرة برج الدلو.
وأن سنجارا و"ريساينا" تحت برج القوس١.
وإن الذي كان يهم الناس هو أن مصائرهم كانت ثابتة منذ الولادة بفضل نجومهم، كما أن المنجم المقتدر كان يستطيع أن يتنبأ لهم بالمستقبل عن طريق حسبانه لطوالعهم، وقد أسهم التنجيم في إدخال عناصر كثيرة غير منطقية مثل:
- الحظ.
- الفرص.
ثم تحدد مسار الكفاح الإنساني ضد سيطرة النجوم عليه بثلاثة خطوط رئيسية حاول بها الإنسان الفرار من تأثير نجومه عليه، وكلها تعتمد على الاعتقاد في الله الأقوى من كل شيء أعطى الإنسان كثيرا من الحرية والإرداة، والعقل البشرى سيادته من خلال توجيهات الوحي الذي استطاع به أن يثور ضد ثقل: "الجبرية" القاهر بسبب الاعتقاد في تأثير النجوم بأفلاكها عليه وعلى مصدره.
والخطوط الثلاثة هى:
- الدين.
- المعرفة الروحية.
- السحر.
стр. 346
وكفاح الدين ضد سيطرة النجوم على الإنسان سوف نعرض له من خلال محاورة نبى الله إبراهيم معهم.
أما المعرفة الروحانية: فهي بكنه الأشياء وليست هي المعرفة التي تتوافر للفيلسوف.
فالمعرفة الروحانية الحقة تجعل الإنسان يأمن من قضاء وقدر النجوم على أساس اعتقاده أن روحه بعيدة عن منالها، هذا من المبادئ الرفيعة للمعرفة الروحانية التي تساعد الإنسان ألا يذل لغير الله وهذا ما يتفق مع العقل.
السحر:
أما السحر فالفكرة الأساسية فيه: هي أنه باستخدام الوسائل الصحيحة يمكن إجبار القوى الخفية على العمل من أهداف السحر التي يراها الإنسان القديم أن يعود بالحرية إليه من سيطرة الكواكب عليه، ويعطي الإنسان مزيدًا من السيادة على القوى الخفية، وتصبح كل عبادة للنجوم التي تعطي لنفسها السيادة على الإنسان في نظر السحر والسحرة مرفوضة.
فالسحر طريق اتخذه الإنسان للحصول على رغائبه المادية والروحية، وفلسفته قائمة على منح الإنسان قدرة على تغيير ما قضت به النجوم عليه، وقد أوشك السحر أن يصبح نظاما دينيا.
وكانت للسحر صلات بأشكال المعرفة الروحانية السفلى. فأنت تستطيع أن تجبر القوى الروحية على أن تطلع الإنسان على ما لديها من خفايا وأسرار، بيد أن المعرفة الروحية في أسمى مراتبها تنبذ السحر، وكذلك الدين ينبذه؛ لأن السحر إذا كان يغير من قضاء المقدر من لدن الأرواح، فإن الدين يرفعك فوق قضاء التنجيم؛ إذ الهدف العام للدين هو أن يجعلك مرتبطا بالله مؤثرا كل قضاء صادر عنه.
стр. 347
من قضايا الصابئة وموقف القرآن منها:
من مشاكلهم التى أثارها القرآن:
١- عبادة الكواكب، وعبادة الأصنام كما في محاورة إبراهيم.
٢- القول بأن بشرية النبى تمنعه من الاتصال بالله ولا تتفق معه ليكون وسيطا.
المشكلة الأولى: عبادتهم للكواكب والأصنام.
стр. 348
إبراهيم والصابئة:
ساق القرآن محاورة من الأدب الراقي بين نبي الله إبراهيم وعباد الكواكب تعتبر تأسيسًا لعلم الكلام الديني مقارنا بين علم الكلام الديني وعلم الكلام الوثني.
ونلاحظ من تحاور إبراهيم مع قومه أنه علم الكلام الوثني قد نشأ بجانب علم التوحيد. وإبراهيم نبي الله إذ يهدم العبادات الطبعية التي انتشرت إبان بعثته -وهي التي ألهت العالم الطبعى- وكان بعضها من النيرات مثل الكواكب، والبعض الآخر له شكله الأدنى من حيث الإشراك أيضا مثل عبادة الأصنام التي عرض لها نبى الله إبراهيم، وهو إذ يهدم هذه المظاهر يبين لهم في النهاية أن الآلهة التي تحتوى عليها وثنيتهم ليست إلا أسماء كاذبة أطلقت على بعض أجزاء من العالم المادي.
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١. ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ٢. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ٣. ﴿فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
стр. 349
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
الواضح أن نبي الله إبراهيم قدم سعيا تدريجيا مصحوبا بنقد حقيقي لهذا الكون من العبادة، والسعي واضح من محاورة نبى الله إبراهيم لأبيه وليست لذات أبيه -وإنما هو لكل عباد هذا اللون من العبادة- عبادة مظاهر الطبيعة، كما قدم نقدا حقيقيا للتنجيم والعبادات الكونية وذلك ليس نقدا جدليا بل هو وصف تدريجى لمنحنى النفس الداخلى آخذا نقطة بدئه من المحسنات منتهيا به إلى اللامعقول.
والشك الذي أراد نبي الله إحداثه في نفوسهم حول هذه العقائد ليس إلا طريقة تمهيدية لحكمة أرفع شأنا وهي معرفة الإنسان لنفسه. هذه المعرفة هي التي تميز فينا ثنائيتنا وهي:
- الروح وهي غير مرئية غير أن لها قدرة السيطرة على الجسم.
- والجسم وهو مرئي وخاضع للروح.
كذلك معرفة الإنسان لنفسه التي أراد نبي الله إبراهيم لفت النظر إليها هى التي تحملنا على تأمل المعقول واللامعقول، كذلك تتيح للإنسان الانتقال من الكون إلى الإنسان ثم من الإنسان إلى الكون انتقالا عن علم وبصيرة نافذة وسبيل ذلك كله: هو الوحي الإلهي أساس علم التوحيد.
وقد أفادت المحاورة أن هذه الكواكب ليست شيئا من حيث عبادتها أو الاعتقاد في أنها مدبرة ولكنها كما قررها القرآن آيات كونية فقط.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢.
стр. 350
ويقول الرسول: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات لله لا ينكسفان ولا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته"؛ كذلك درأ القرآن انحرافهم بعلم الفلك إلى علم التنجيم؛ ليستطيع الإنسان من خلاله التنبؤ بمصير الإنسان، فربطوا مثلا: بين الدب الأكبر، والاتحاد بين الناس، وبين إنضاج الثمار والقمر، كذلك مبدأ قراءة المستقيل بالتنجيم: موجود لدى عبادها، ويمكن التنبؤ بالحوادث: من شروقها، وغروبها، وكسوفها، وخسوفها، وفي نظرهم إذا كانت النبوة لها قدرة التنبؤ بالمستقبل، فوسائلهم لها أيضا: قدرة التنبؤ، وهي في نظرهم: أرهف شفافية، لذلك عرض الإسلام هذا الاتجاه فقرر أنها ليست محلا للعبادة وليس لها علاقة بمشيئة الإنسان.
فالإسلام لا يقرر ما يقول به علم التنجيم؛ لأنه يسند كل شيء إلى غير مشيئة الله فلا يمكن أن تجرى الحوادث طبقا لسلطان الكواكب كما يعتقد الصابئة.
وأصبح هذا الرأي هو السائد بين المسلمين وعقيدتهم، فلم يعد أحد ينظر إلى الكواكب على أنها هي المسيطرة والموجهة للحوادث كما كانت في علم التنجيم الوثني بل أصبحت تعد مظاهر كونية وآيات من آيات الله.
وهذه النظرة التي قررها الإسلام تخالف ما كان عليه الصابئة وما كانت عليه اليهودية والمسيحية.
فاليهود يعترفون صراحة بالكواكب على أنها "حكام" استنادا على ما جاء في سفر التكوين "١، ١٤، ١٦" من الله وضع أنوار السماء؛ ليحكم الأرض.
وقد جرى المسيحيون على نهجهم في هذا الصدد:
وفي هذا المجال نعرض لكلمة: ديلاسى أوليرى في مقدمة كتابة "الفكر العربى ومكانة في التاريخ".. والتي يقول فيها:
والحق أن هذه الفلسفة الإسلامية في أساسها وفي جوهرها جزء من المادة الهلينية الرومانية، بل إنه حتى علم التوحيد الإسلامى قد حدد وقعد بوساطة منابع هلينية.
стр. 351
ثم يقول: وتظهر أعظم قوة لها في أنه قد عرض المادة القديمة في شكل جديد جدة تامة، فهنا مثلا أي تشابه بين اليهودية والإسلام، أو المسيحية والإسلام في هذا المقام الذى عرضناه.
ثم نقول أخيرًا: أي تشابه بينه وبين الهلينية، التي قررت الوثنية منذ أن بدأ الإنسان اليوناني يفكر من خلال مدارسه الطبعية عندما أجاب على سؤال: مم يتكون العالم؟ أمن الماء أم من التراب، أم من النار؟، حصر فكره فيها، ومن هنا تأسست الوثنية التي قررت أن مظاهر الطبيعة صالحة للعبادة حينما أسندت لها قدرة الكون والفساد أو التدبير.
стр. 352
الوساطة بين الإنسان والله
مدخل
...
الوساطة بين الإنسان والله:
المشكلة الثانية: أن الاتصال بالله لا يحتاج إلى وساطة الوحي:
إن اتخاذ وسيط بين الله والروح الإنسانية سمة كل الأديان والمذاهب الروحية القديمة من صابئة ومجوسية ووثنية وشرك، والوساطة قد تتنوع بتنوع المذاهب المختلفة:
- ففي الدين السماوى: تظهر في الوحي الإلهي في الإسلام، أو "الكلمة" في المسيحية، أو اليهودية، وهذه الوساطة لا شرك معها ولا تأثيم؛ لأنها توجه صاحبها إلى عبادة الله وتوحيده. فالوساطة هنا ليست معبودة، وإنما لها مظهر من مظاهر العبادة: وهو التقديس.
- وفي الفلسفة: تظهر في العقل الفعال، وبوساطته كان الفيض الإلهي، وهذه فكرة فلسفية ترجع إلى التراث اليوناني، وهذا أول ميل فكري نحو الشرك المنزه عن المادة.
- والديانات الوضعية في الشرق: تميل إلى فكرة الوساطة المجسدة، إما في شكل نار، أو حيوان، أو جمادات، ويشترك مع نزعة الشرق الفلاسفة الطبعيون الأول في اليونان وذلك حينما اعتبروا العناصر من ماء وهواء ونار وتراب أصل العالم.
стр. 353
فالمظاهر المادية التي رافقت الإنسان في تفسيره لله وشابت علاقته به كانت أصلا لنشأة الوثنية؛ لأنها اعتبرت مبادئ مدبرة وإلهية لا مادة للعالم.
فالوساطة: إما أن تكون موجهة إلى التوحيد، وإلى السلوك الطبعي للعبادة، وذلك: كالوحي أو الكلمة فلا شرك فيها ولا ميل إلى الشرك.
أما أن تكون الوساطة شركا، أو داعية إلى الشرك، وذلك إذا كان الوسيط يقوم مقام الله أو يشترك مع الله، ويقوم الإنسان بعبادته أو يعتقد فيه في حاجة إلى وسيط.
واضح أن فكرة الوساطة "الشريك" نشأت بعيدا عن الدين السماوي، وليس ذلك فحسب بل إن الدين السماوي نبذها وحاربها بمختلف وسائل المحاربة.
فالوساطة التي أنشأها الإنسان؛ ليعبدها تجدها نشأت إما في مجتمع خالٍ من الدين فابتدعها الإنسان تعبيرا عن ميله الفطري للعبادة، وإما أنها نشأت في مجتمع حافل بالفكر الذى يكثر القول عن السبب الاسمى، فإن استطاع الفيلسوف تصور قيمة هذه الفكرة، فإن عوام المجتمع سوف يهربون من تلك التصورات المنطقية الجافة ثم يقعون وهم يفرون من فكرة العقل الفعال في نظر الفلاسفة في حوزة الوسيط المجسد؛ لأن الوصول إليه عسير.
والكائنات التي رشحها الإنسان للعبادة ليست وسطاء بين الله والعالم فقط بل بين الله والنفس الإنسانية المتعطشة للدين حتى إنها؛ لاستحالة صعودها إلى أعلى وانبهار بصرها من التأمل لا يسعها إلا الوقوف عند درجة أدنى.
فمذهب الوسطاء ليس مؤداه استحالة خلق الله للعالم بل استحالة وصول النفس مباشرة إلى الله.
وما نستخلصه من وراء مذاهب عبادة الوسطاء وجود الروح الدينية العميقة المتغلغلة في النفس الإنسانية وأنها سلكت الإنسان طريق العبادة وطريق الفكر الميتافيزيقي.
وإذا كان فراغ المجتمع الإغريقي من الدين لم يستطع أن يلغي الإحساس بضرورة الحاجة إلى العبادة، وذلك باستحداثه أنماطا من الوساطات الدينية؛ ليدين لها.
وإذا كان الفكر الفلسفي لم يستطع أن يقدم للإنسان شيئا عن الله وعن علاقته به
стр. 354
سوى الدعوة إلى التأمل فقط، وكان في ذلك توسعة لمعنى المقدس، فإن الدين السماوي -"الإسلام" وهو المقدس الحقيقي- هو الدعوة الطبعية والآمنة من فراغ المجتمعات من الدين ولنبذ وثنية الوساطة والشرك التي يحوم حولها عندما يمحى الدين الإلهي منها.
стр. 355
ملاحظات على ما أورده الشهرستاني في المناظرة بين الصابئة والحنفاء:
أورد الشهرستاني مناظرة بين الحنفاء والصابئة وكان لنا عليها ملاحظات:
أولا: أنها خالية من تاريخ زمنها ومكانها فهل كانت أيام بعثة إبراهيم رأس الحنفاء؟ هذا الفرض لا نجد له في المناظرة ما يؤيده؛ لأن الشهرستاني ضمنها بيتين من الشعر لزهير:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
كذلك ضمنها آيات من القرآن.
كما ضمنها اصطلاحات فلسفية.
منها ما يرجع إلى الفكر اليوناني وما يرجع إلى أفلاطون كقوله: إن النفوس كانت في البدء في عالم الذكر ثم هبطت إلى عالم النسيان.
وما يعود إلى أرسطو مثل: الهيولي والصورة والحيوانية الناطقة. ومنها ما هو منسوب إلى مدرسة الإسكندر أو التراث الهلينى مثل:
العقل الفعال: ماهيات مجردة من المادة، العقل المستفاد، العقول المفارقة.
ومنها ما هو منسوب إلى اصطلاحات صوفية إسلامية مثل: وما أشرق عليه من الأنوار القدسية: وحيا وإلهاما ومناجاة وإكراما.
ومنها ما هو تأليفات شهرستانية مثل: النفس النبوية -الحيوان الناطق المائت، المتكلم الحنيف، المتكلم الصابئ.