← Акыда

Акыда · id 10006

تاريخ الفكر الديني الجاهلي

محمد إبراهيم الفيومي

Полный текст (634 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ثم يقول: وتظهر أعظم قوة لها في أنه قد عرض المادة القديمة في شكل جديد جدة تامة، فهنا مثلا أي تشابه بين اليهودية والإسلام، أو المسيحية والإسلام في هذا المقام الذى عرضناه. ثم نقول أخيرًا: أي تشابه بينه وبين الهلينية، التي قررت الوثنية منذ أن بدأ الإنسان اليوناني يفكر من خلال مدارسه الطبعية عندما أجاب على سؤال: مم يتكون العالم؟ أمن الماء أم من التراب، أم من النار؟، حصر فكره فيها، ومن هنا تأسست الوثنية التي قررت أن مظاهر الطبيعة صالحة للعبادة حينما أسندت لها قدرة الكون والفساد أو التدبير.

стр. 352

الوساطة بين الإنسان والله مدخل ... الوساطة بين الإنسان والله: المشكلة الثانية: أن الاتصال بالله لا يحتاج إلى وساطة الوحي: إن اتخاذ وسيط بين الله والروح الإنسانية سمة كل الأديان والمذاهب الروحية القديمة من صابئة ومجوسية ووثنية وشرك، والوساطة قد تتنوع بتنوع المذاهب المختلفة: - ففي الدين السماوى: تظهر في الوحي الإلهي في الإسلام، أو "الكلمة" في المسيحية، أو اليهودية، وهذه الوساطة لا شرك معها ولا تأثيم؛ لأنها توجه صاحبها إلى عبادة الله وتوحيده. فالوساطة هنا ليست معبودة، وإنما لها مظهر من مظاهر العبادة: وهو التقديس. - وفي الفلسفة: تظهر في العقل الفعال، وبوساطته كان الفيض الإلهي، وهذه فكرة فلسفية ترجع إلى التراث اليوناني، وهذا أول ميل فكري نحو الشرك المنزه عن المادة. - والديانات الوضعية في الشرق: تميل إلى فكرة الوساطة المجسدة، إما في شكل نار، أو حيوان، أو جمادات، ويشترك مع نزعة الشرق الفلاسفة الطبعيون الأول في اليونان وذلك حينما اعتبروا العناصر من ماء وهواء ونار وتراب أصل العالم.

стр. 353

فالمظاهر المادية التي رافقت الإنسان في تفسيره لله وشابت علاقته به كانت أصلا لنشأة الوثنية؛ لأنها اعتبرت مبادئ مدبرة وإلهية لا مادة للعالم. فالوساطة: إما أن تكون موجهة إلى التوحيد، وإلى السلوك الطبعي للعبادة، وذلك: كالوحي أو الكلمة فلا شرك فيها ولا ميل إلى الشرك. أما أن تكون الوساطة شركا، أو داعية إلى الشرك، وذلك إذا كان الوسيط يقوم مقام الله أو يشترك مع الله، ويقوم الإنسان بعبادته أو يعتقد فيه في حاجة إلى وسيط. واضح أن فكرة الوساطة "الشريك" نشأت بعيدا عن الدين السماوي، وليس ذلك فحسب بل إن الدين السماوي نبذها وحاربها بمختلف وسائل المحاربة. فالوساطة التي أنشأها الإنسان؛ ليعبدها تجدها نشأت إما في مجتمع خالٍ من الدين فابتدعها الإنسان تعبيرا عن ميله الفطري للعبادة، وإما أنها نشأت في مجتمع حافل بالفكر الذى يكثر القول عن السبب الاسمى، فإن استطاع الفيلسوف تصور قيمة هذه الفكرة، فإن عوام المجتمع سوف يهربون من تلك التصورات المنطقية الجافة ثم يقعون وهم يفرون من فكرة العقل الفعال في نظر الفلاسفة في حوزة الوسيط المجسد؛ لأن الوصول إليه عسير. والكائنات التي رشحها الإنسان للعبادة ليست وسطاء بين الله والعالم فقط بل بين الله والنفس الإنسانية المتعطشة للدين حتى إنها؛ لاستحالة صعودها إلى أعلى وانبهار بصرها من التأمل لا يسعها إلا الوقوف عند درجة أدنى. فمذهب الوسطاء ليس مؤداه استحالة خلق الله للعالم بل استحالة وصول النفس مباشرة إلى الله. وما نستخلصه من وراء مذاهب عبادة الوسطاء وجود الروح الدينية العميقة المتغلغلة في النفس الإنسانية وأنها سلكت الإنسان طريق العبادة وطريق الفكر الميتافيزيقي. وإذا كان فراغ المجتمع الإغريقي من الدين لم يستطع أن يلغي الإحساس بضرورة الحاجة إلى العبادة، وذلك باستحداثه أنماطا من الوساطات الدينية؛ ليدين لها. وإذا كان الفكر الفلسفي لم يستطع أن يقدم للإنسان شيئا عن الله وعن علاقته به

стр. 354

سوى الدعوة إلى التأمل فقط، وكان في ذلك توسعة لمعنى المقدس، فإن الدين السماوي -"الإسلام" وهو المقدس الحقيقي- هو الدعوة الطبعية والآمنة من فراغ المجتمعات من الدين ولنبذ وثنية الوساطة والشرك التي يحوم حولها عندما يمحى الدين الإلهي منها.

стр. 355

ملاحظات على ما أورده الشهرستاني في المناظرة بين الصابئة والحنفاء: أورد الشهرستاني مناظرة بين الحنفاء والصابئة وكان لنا عليها ملاحظات: أولا: أنها خالية من تاريخ زمنها ومكانها فهل كانت أيام بعثة إبراهيم رأس الحنفاء؟ هذا الفرض لا نجد له في المناظرة ما يؤيده؛ لأن الشهرستاني ضمنها بيتين من الشعر لزهير: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل كذلك ضمنها آيات من القرآن. كما ضمنها اصطلاحات فلسفية. منها ما يرجع إلى الفكر اليوناني وما يرجع إلى أفلاطون كقوله: إن النفوس كانت في البدء في عالم الذكر ثم هبطت إلى عالم النسيان. وما يعود إلى أرسطو مثل: الهيولي والصورة والحيوانية الناطقة. ومنها ما هو منسوب إلى مدرسة الإسكندر أو التراث الهلينى مثل: العقل الفعال: ماهيات مجردة من المادة، العقل المستفاد، العقول المفارقة. ومنها ما هو منسوب إلى اصطلاحات صوفية إسلامية مثل: وما أشرق عليه من الأنوار القدسية: وحيا وإلهاما ومناجاة وإكراما. ومنها ما هو تأليفات شهرستانية مثل: النفس النبوية -الحيوان الناطق المائت، المتكلم الحنيف، المتكلم الصابئ.

стр. 356

فالمناظرة حوت الكثير من المصطلحات المختلفة من حيث الزمن والمكان ومن حيث الألوان الكفرية ففيها الفلسفي القديم والوسيط والديني الإسلامي وغيره والعربي وغير العربي. وهذا مما يجعلنا نميل إلى أنها ثقافة شهرستانية -صياغة وفكرًا، ويصبح الاعتماد عليها؛ لبيان أصولها الفكرية مقدوحًا فيه؛ لتصرف الشهرستاني فيها، ولقد صرح بهذا التصرف فقال: وقد جرت مناظراته ومحاوراته بين الصابئة والحنفاء في المفاضلة بين الروحاني المحض والبشرية النبوية. "ونحن أردنا أن نوردها على شكل سؤال وجواب". هذا فضلا عما يظهر فيها من التكلف المنطقي الذي يجانب الفكر الشرقي القديم. ثانيا: ومما يلاحظ -وهو شيء غريب- أن المناظرة خالية من النصوص القديمة التي تمثل صحف إبراهيم، وإن كانت اعتمدت على الجدل المنطقي. فاستوفاها الشهرستاني من كل شيء عدا نصوص من صحف إبراهيم. ثالثا: لم يذكر الشهرستاني من صاحبها ولا تاريخ نشأتها ولا مكانها وفي المناظرة ما يفيد -من خلال كلام الصابئة أنفسهم وبتصريحهم- أنها تنتسب إلى "هرمس" و "عاذيمون". غير أن الشهرستاني وحده -أي: على لسانه هو دون لسان الحنفاء- استبعد أن يكون هرمس من الصابئة، وهذا تصرف جريء لا يقدر عليه إلا إذا كانت المحاورة من تأليفاته. رابعًا: وفي المناظرة فكر يخدم الفكر الإنساني من حيث النظرة العامة وفيها: ما لا ينفع الحنفاء؛ حيث إنهم ورثة إبراهيم بل يناقض مذهبهم. وهذا وقع فيه الشهرستاني وهو يصوغ فكره معتمدًا على أسلوبه الفلسفي دون الرجوع إلى مستندهم الحقيقي.

стр. 357

خامسًا: ومما ينبغي لفت النظر إليه أن الشهرستاني حاول -وهو غير مسبوق إليها- أن يضع تمييزًا بين الحنفاء والصابئة. ملاحظات على ما ذكره المسعودي عن الصابئة في كتابه مروج الذهب: ذكر المسعودى أخبارا عن الصابئة في موضعين: الموضع الأول: ذكر فيه تاريخا عن أحداث مذاهب الصابئة واسم الملك الحاكم. وذلك في صفحة ١٦٨. الموضع الثاني: عاود القول عنهم فذكر البيوت المعظمة والهياكل المشرفة للصابئة وغيرها، وغير ذلك مما لحق بهذا الباب واتصل بذلك المعنى، وذلك في صفحة ٤٦٧-٤٧٠,

стр. 358

ملاحظات على ما ذكره المسعودي: أنه قدم معلومات محددة ودقيقة فيها استقصاء لبعض استفهامات يحاول المسعودى وهو مؤرخ أن يثيرها مثل قولهم "هيكل العقل". يقول المسعودى متسائلا: وما أدرى أأشاروا إلى العقل الأول أم الثاني؟ وحول هذا الاستفهام الذي يدل على نزعة المسعودي الفلسفية -وهو مؤرخ- يقدم إجابات مسندة إلى مراجعها القديمة. وعندما أخذ في شرح الهياكل قدم لنا شواهد كثيرة تؤيد ما يسوقه لنا منها: - حكاية رجل من ملكانية النصارى من أهل حران يذكر اسمه فيقول: أخذ يعرف بالحارث بن سنباط للصابئة الحرنانيين، وحكى المسعودى أشياء قال عنها: امتنعنا عن ذكرها مخافة التطويل. - وقدم ما شهده من هياكلهم وحدد السنة التي شاهد فيها هيكل آزر.

стр. 359

- وذكر لابن عيشون الحرناني القاضي -المتوفى بعد الثلثمائة- قصيدة طويلة يذكر فيها مذاهب الحرنانيين المعروفين بالصابئة. -وروى شيئا مما أراه في وصفه فقال: ورأيت على باب مجمع الصابئة بمدينة حران مكتوبًا على مدفنه بالسريانية قولا لأفلاطون فسره مالك ابن عقبون وغيره هو: من عرف ذاته تأله. وما ذكره المسعودي من مشاهدة العيان يفيد بوضوح الأثر الأفلاطوني في مبادئ هذا المذهب. ثم تكلم عن مراجع الصابئة التى قرأ فيها أخبارًا عن مذاهب الصابئة الحرنانية. فمن ذلك كتاب رآه لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي الفليسوف صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره: ذكر فيه مذاهب الصابئة الحرنانيين ودون فيه مذهب الصابئة الحرنانيين منهم دون من خالفهم من الصابئة الكيماريين. ثم قال: وقد خاطب مالك بن عبقون وغيره منهم بشيء مما ذكرناه وغيره مما عنه كتبنا.. ثم قال ممتحنا ما دونه عنهم: فمنهم من اعترف ببعض وأنكر بعضًا من ذكر القرابين وغيره من الآراء مثل: فعلهم بالثور الأسود. ومن ذلك أيضا ما قدم روايات تاريخية مسندة إلى روايات سمعها بنفسه أو شاهدها لآثارهم كل ذلك وفق منهجه التاريخي. وما قدمه عن الصابئة من الناحية التاريخية أمر جديد لم يذكره الشهرستاني؛ أكبر مؤرخ ديني كتب الكثير عن الصابئة، مثل: بوداسف الذى أحدث مذاهب الصابئة في فارس وفي الهند: كذا أفاد صلة حران بالصابئة من قديم ما ذكره ابن النديم. وفي كلامه ما يفيد: صلة المذهب الصابئى بالأفلاطونية. كذلك ذكر أن للصابئة فلاسفة بيد أنهم حشوية يقول فيهم: إنما أضفناهم إلى الفلاسفة إضافة سبب لا إضافة حكمة.

стр. 360

وخلاصة القول: أن ما ذكره المسعودي يعتبر مصدرًا مفيدًا عن الصابئة وهو بتقدمه الزمني والتاريخي على الشهرستاني قدم مادة تاريخية تخدم الباحث في تكوين تصور ما عن الصابئة وهذا ما لم يتوافر للشهرستاني. وللمسعودي: كتب في الدين المقارن -هذا الفن الديني- نراه كثيرًا ما كان ينبه إليها ويحيل القارئ عليها ومنها: - المقالات في أصول الديانات. - الاستبصار. - الصفوة. - سر الحياة. - الدعاوي. في هذه الكتب ما يشير إلى عنايته بهذه القضايا على الرغم من أن هذه الكتب مفقودة إلى الآن، غير أننا كنا نلاحظ من خلال النصوص التي كان يذكرها المسعودي في هذه الكتب أنه كان متخصصًا في تاريخ المذاهب والديانات، واللمحات التي ذكرها؛ لتنبئ عن أصالة ثقافته في هذا المجال.

стр. 361

الزندقة عند عرب الجاهلية: يقول جواد علي: إن في كلام أهل الأخبار عن الزندقة، ووصفهم لزندقة قريش إيهاما وغموضًا، وخلطًا؛ وإذا كان الزنديق هو القائل: ببقاء الدهر، وبعدم وجود عالم ثانٍ بعد الموت؛ فتكون الزندقة: الدهرية، ويكون الزنديق هو: الدهري؛ لقوله بالدهر؛ وبأبدية الكون والمادة؛ أما القول بالثنوية: بالنور والظلمة، وبالكفر والإلحاد: إنما وقع في الإسلام بسبب الخلط الذي وقع بين المعنى المفهوم للفظة في الفارسية القديمة، وفي الفارسية الحديثة، وبالمعنى الذي ظهر للكلمة في الإسلام،

стр. 362

والذي تحول إلى زندقة بغيضة تحوى العناصر المذكورة والتي كانت تؤدي بمن يتهم بها إلى القتل١. وقد ذكر محمد بن حبيب أسماء زنادقة قريش، فجعلهم: أبو سفيان بن حرب، وعقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف، والنضر بن الحارث، ومنبه، ونبيه ابنا الحجاج، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة. وذكر أنهم تعلموا الزندقة من نصارى الحيرة؛ فربط هنا بين الزندقة وبين نصارى الحيرة. وقد ذهب ابن قتيبة أيضا إلى أخذ قريش الزندقة من الحيرة، والذى نعرفه عن المذكورين، أنهم: كانوا من المتمسكين الأشداء بعبادة الأصنام؛ وقد كان أبو سفيان يستصرخ "هبل" على المسلمين يوم أحد، ويناديه: اعل هبل.. اعل هبل؛ وقد نص على أنه كان من أشد المتحمسين لعبادة الأصنام؛ ولم يذكر أحد من أهل الأخبار أنهم كانوا ثنويين على رأي المجوس، يقولون بإلهين -بالنور، والظلمة- وأنهم تعبدوا للنار، أو تأثروا برأى "مزدك" أو "مانى" الذي أضيف إليه الزنادقة، ولا نجد في آرائهم المنسوبة إليهم- وفي حججهم في معارضة الرسول ما يشير إلى زندقة بمعنى ثنوية، لذلك: فزندقة من ذكرت لا يمكن أن تكون بهذا المعني٢. وأما ما يراه أهل الأخبار من أخذ زنادقة قريش زندقتهم من الحيرة، أو من نصارى الحيرة، فإن فيه تأييدا لما قلته: من أن الزندقة لا تعني المجوسية، والثنوية، وإنما القول: بالدهر وإنكار المعاد الجمساني. ولنا ملاحظات على ما ذكره ابن قتيبه عن أديان العرب وزندقتهم: ذكر ابن قتيبه أديان العرب في الجاهلية فقال:

стр. 363

كانت النصرانية في "ربيعة" و"غسان" وبعض "قضاعة". وكانت اليهودية في "حمير" وبنى "كنانة" و"بنى الحارث بن كعب وكندة". وكانت المجوسية في بني "تميم". منهم زرارة بن عدس التميمى وابنه حاجب ابن زرارة، وكان قد تزوج ابنته ثم ندم، ومنهم الأقرع بن حابس -وكان مجوسيا، وأبو سودة جد وكيع بن حسان- وكان مجوسيًّا. - وكانت الزندقة في قريش أخذوها من "الحيرة" وكان "بنو حنيفة" اتخذوا لها في الجاهلية إلها من "حيس" فعبدوه دهرا طويلا ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه فقال رجل من "بني تميم" شعرا: أكلت ربها حنيفة من جو ... عٍ قديم بها ومن إعوازِ ونلاحظ أن المادة العلمية التي قدمها ابن قتيبة غير دقيقة لا من جهة الموضوع ولا من جهة الحصر ولا من جهة تحديد القبائل التي تدين بالدين الذي نسبهم إليه. فهو أولًا لم يعد الصابئة ضمن أديان العرب. وثانيًا: أنه ذكر الزندقة في أديان العرب. فأخرج الصابئة وهي داخلة في أديانهم وأدخل الزندقة وهي خارجة عنهم. وفي نظرنا يعتبر هو الوحيد الذي ذكر الزندقة، والوحيد أيضا الذي لم يعد الصابئة. يقول الألوسي ١: والذي يظهر أن مراد ابن قتيبة من الزندقة هو الملة التى نسبها إلى بعض العرب الذين اعتنقوا الثنوية أو القائلين بالنور والظلمة بمقتضى قوله: أخذوها من الحيرة؛ فإنها من بلاد الفرس.

стр. 364

وإن كان سكانها وملوكها من العرب المتدينين بدين الفرس أو دين المسيح ولو كان مراده من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية؛ لما كان لقوله: "أخذوها من الحيرة" وجه؛ فإن كثيرا من قبائل العرب كانوا كذلك فتعين أن مراده ما ذكرنا. ثم يقول في لفظ زندقة: وهو أى: الزندقة اصطلاح جديد ولا مشاحة فيه والزندقة اصطلاح فارسي يرجع إلى العصر العباسي حين اتهم به البرامكة. يقول ابن قتيبة: وكذا البرامكة يرمون بالزندقة، وفيهم قال الأصمعي: إذا ذكر الشرك في مجلس ... أضاءت وجوه بنى برمكِ وإن تليت عندهم آية ... أتوا بالأحاديث عن مزدكِ يقول صاحب لسان العرب: ١ الزنديق القائل ببقاء الدهر فارسي معرب. وليس في كلام العرب زنديق. وإنما تقول العرب: زندق وزندقي إذا كان شديد البخل. فإذا أرادت العرب بمعنى ما تقوله العامة قالوا ملحد ودهري بفتح الدال. أما معناه في المسموع فدهري بضمها. ويرجع اصطلاح الزندقة إلى "ماني" وذلك أن الفرس حين أتاهم "زرادشت" أتاهم بكتابه المعروف: "بالبستاه" باللغة الأولى من الفارسية وعمل له التفسير وهو: "الزند" وعمل لهذا التفسير شرحًا سماه "البازند"، وكان الزند بيانًا لتأويل المنزل. ومن أورد في شريعتهم شيئًا بخلاف المنزل الذي هو البستا، وعدل إلى تأويل هو الزند، قالوا: هذا زندي فأضافوه إلى التأويل وإنه منحرف عن الظواهر من المنزل إلى التأويل وهو بخلاف التنزيل.

стр. 365

فلما أن جاءت العرب أخذت هذا المعنى من الفرس، وقالوا: زنديق وعربوه، والثنوية: هم الزنادقة. قال المسعودي: وألحق بهؤلاء سائر من اعتقد القدم وأبى حدوث العالم١. ويقول الشهرستاني: ومما اتفقت حوله الأديان والملل: أن للعالم قوة إلهية مدبرة له، بيد أنها لها أسماء شتى: - تسمى عند "زرادشت" مشا سيد. - وعند الفلاسفة: العقل الفعال، ومنه في الفيض الإلهي. - وعند المانوية: الأرواح الطيبة. - وعند العرب: الملائكة. - وفي الإسلام: الله. ولعل ما لاحظه الشهرستاني: كان موضع تقدير لدى الذين حاولوا توحيد الأديان، وذلك على أساس أن الشعوب المختلفة إنما تعبد في الحقيقة الإله نفسه تحت أسماء مختلفة، وأنه يمكن بناء على ذلك توحيد الأسماء والنحل، وهذا الاعتقاد هو ما جعل أنطيوخوس الرابع يعتقد أنه لن تكون هناك صعوبة شديدة تستعصي على إدخال عبادة "زيوس" حتى في بلاد اليهودية نفسها.

стр. 366

المجوسية أقدم من زرادشت: وكلمة مجوس من الكلمات المعربة، عربت عن لفظة "مغوس" الفارسية، التي تعني "عابد النار"، وهي من الألفاظ التي دخلت إلى اليونانية كذلك حيث وردت لفظة "Magus". وقد دخلت إلى لغة بنى إرم أيضًا، ولا ندري اليوم على وجه صحيح من أي طريق دخلت لفظة مجوس إلى العربية؛ عند الفرس أنفسهم، أو عن اليونانية، أو عن طريق لغة بني إرم. ترتد الديانة المجوسية من حيث تشابه عناصرها إلى التراث الهندي وتناقضها مع ديانة جيرانهم الساميين وفي ذلك يقول دي بورج:

стр. 367

في أزمان ما قبل التاريخ ترك فرع من الأسرة الهندية -الأوربية موطنهم الأصلي في أراضي السهوب شمالي قزوين، وهاجر في اتجاه جنوبي شرقي، ولقد سار بعضه عبر ممر خيبر إلى البنجاب، بينما استقر البعض الآخر في شرق الهضبة الإيرانية العظيمة، وفي بواكير السنوات الألف الثانية، يممت هذه القبائل الإيرانية -سمت نفسها آرية ومن هذه التسمية اشتق الاسمان المحليان آريا وإيران- صوب الغرب إلى المرتفعات التى تحف سهول ما بين النهرين وكلديا، وبعد ذلك بألف سنة نجد الميديين في الجنوب من بحر قزوين، والبرتيين في خراسان، والبكتريين في منحدرات الهندوكوش الشمالية، والفرس في الجبال التي تشرف على الخليج الفارسي إلى الشمال الشرقي، وكانت سلاسل جبال الهندوكوش وسليمان تقوم حاجزا من جهة الهند.. ولقد أحضر هؤلاء الآريون معهم الحصان وهو من نتاج سهول السهوب، ولم يكن للبابليين أيام حمورابي عهد به ولكن استخدمه الأشوريون كعدة حرب١. ولقد حملوا معهم كذلك دينًا متميزًا يتناقض تناقضًا يسترعي البال مع دين جيرانهم الساميين المستوطنين السهل، وكان يختلف أيضا -على الرغم من أساس مشترك دأب على المحافظة على نفسه بين الفرس إلى يومنا- عن دين الآريين ذوي قرابتهم في الهند٢، وبينما أخضعت العقيدة الهندية كل الآلهة الأخرى إلى إله أعظم أوحد وجدنا الدين الإيراني له مظاهر ثنائية٣، وكان مجمع آلهتهم يأتلف حول قوتين لهما السيادة الواحدة قوة الخير وهي إيجابية ومصدر النور والحياة، والأخرى قوة الشر وهى الظلمة والموت، وهي سالبة، وكانت القوتان تسميان على الولاء، أهورا مزدا" أورمزد" وأهريمن. والصراع خارق العادة، بين هاتين القوتين الإلهيتين غدا ينعكس في مجرى تاريخ البشر. وبين الاثنين، ويقف الإنسان وقد وهب الحرية الخلقية التي

стр. 368

يتوقف على استخدامها مصيره في العالم الذي يقع فيما يلي اللحد.. وكان الدين الإيراني ينزع إلى آداب السلوك ولم تكن آلهيته كآلهة الآريين الهنود. معاني مجردة تصورية ولكنهم كانوا شخوصًا خلقيين، ولم يكن هدف الجهد الإنساني الاندماج التألهي في مطلق وحدة الوجود ولكن سعادة أبدية في السماء حيث يحكم أهورا مزدا، وما كانت الحياة الإنسانية وما يلازمها من فروض اجتماعية وأفراح وأحزان بخدعة، ولكنها المجال للعمل في همة والقيام بالواجب الخلقى، وفي اعترافه بقيمة الثقافة الدنيوية واتجاهه إلى غاية يكون فيها الخلاص الفردي، وليس الخلاص القومي، نجد دين إيران يختلف عن دين العبريين وإن تشابه معه في تعليمه الخلقى الرفيع. وكان الفرس يتسامحون مع الديانات المحلية عندما لا تناصب دينها العداء، ومع هذا فإن عقيدتهم انتشرت صوب الغرب بتوسع إمبراطوريتهم، وفي نقاوته كما نهض به النبي زرداشت، كان دون ريب عقيدة القلة أكثر من أن يكون عقيدة الكثرة، وكان من شأنه بين أيدي المجوس، "وهم طبقة من الكهنة" أن يتدهور إلى فرائض رسمية، بينما أصبحت الجماهير تفسر تعاليمه في صيغ ديانة ما قبل زرداشت القديمة١، وكان مرجع قوته الحقيقية إلى إصراره على المسئولية الخلفية.

стр. 369

المجوسية أقدم من زرادشت ... يتوقف على استخدامها مصيره في العالم الذي يقع فيما يلي اللحد.. وكان الدين الإيراني ينزع إلى آداب السلوك ولم تكن آلهيته كآلهة الآريين الهنود. معاني مجردة تصورية ولكنهم كانوا شخوصًا خلقيين، ولم يكن هدف الجهد الإنساني الاندماج التألهي في مطلق وحدة الوجود ولكن سعادة أبدية في السماء حيث يحكم أهورا مزدا، وما كانت الحياة الإنسانية وما يلازمها من فروض اجتماعية وأفراح وأحزان بخدعة، ولكنها المجال للعمل في همة والقيام بالواجب الخلقى، وفي اعترافه بقيمة الثقافة الدنيوية واتجاهه إلى غاية يكون فيها الخلاص الفردي، وليس الخلاص القومي، نجد دين إيران يختلف عن دين العبريين وإن تشابه معه في تعليمه الخلقى الرفيع. وكان الفرس يتسامحون مع الديانات المحلية عندما لا تناصب دينها العداء، ومع هذا فإن عقيدتهم انتشرت صوب الغرب بتوسع إمبراطوريتهم، وفي نقاوته كما نهض به النبي زرداشت، كان دون ريب عقيدة القلة أكثر من أن يكون عقيدة الكثرة، وكان من شأنه بين أيدي المجوس، "وهم طبقة من الكهنة" أن يتدهور إلى فرائض رسمية، بينما أصبحت الجماهير تفسر تعاليمه في صيغ ديانة ما قبل زرداشت القديمة١، وكان مرجع قوته الحقيقية إلى إصراره على المسئولية الخلفية.

стр. 370

زرادشت مدخل ... زرادشت: يقول البيروني: وقد كانت خراسان، وفارس، والعراق، والموصل إلى حدود الشام في القديم على دين "الشمنية" -نحلة هندية- إلى أن نجم "زرداشت" في أذربيجان، ودعا ببلخ إلى المجوسية، وراجت دعوته عند "كشتاسب"، وقام بنشرها ابنه "إسفنديار" في بلاد المشرق والمغرب قهرا وصلحا، ونصب بيوت النيران من الصين إلى الروم، ثم استصفى الملوك بعده فارس والعراق لملتهم فانجلت "الشمنية" عنها إلى مشارق بلخ، وبقي المجوس إلى الآن -زمن البيروني ٤٤٠- بأرض الهند ويسمون بها "مسك".

стр. 371

وهناك مدرسة واحدة من المدارس الفكرية تنادي بأنه لم يكن له وجود على الإطلاق، وأقدم تاريخ ذكر هو سنة ٦٠٠٠ ق. م. وقد تمسك "بيروسبوس" المؤرخ البابلي الذي عاش في القرن الرابع ق. م. بالرأي القائل بأن: زرادشت: قد ولد حوالي سنة ٢٠٠٠ق. م. ويميل العلماء اليوم إلى الاعتقاد بأن زرادشت لم يولد قبل ٦٦٠ ق. م. واسم زرادشت Zaradstrs هو: الترجمة الإغريقية لـ "زرداثوسترا" الذي ضمنه "نيشته" في مسرحيته الشعرية المشهورة، كذلك قال: زرادثو سترا، وقد ولد زرادشت في بلاد فارس. "أفيستا" أقدم نص ديني فارسي، من هنا كان من الصعب بالطبع الجزم بالموقع المضبوط -موطن "زرادشت" وتعاليمه، هل هو "باكتريا" أم "مرغيانا"، يرى العالم السوفيتي "مستروفه": بأن مرغيانا "مرو" والبلاد المتاخمة لها هي الاحتمال الأقوى. ويرى دليله على فرضه هو: أن "أفيستا" يذكر بلدًا هو: "مرو" أي مرغوش بالفارسية، وميرغيانا باليونانية بوصفه البلد الوحيد الذي يتبع أهله قواعد قانونية "آشا" أي أساس الأسس في تعاليم "زرادشت"؛ وهذا القانون تشخيص للنظام الحقوقي الثابت، والذي ترتكز عليه كل الفضائل.. وهذا القول: لا ينسبه كتاب "أفيستا" إلى أي من البلدان التي يتطرق إليها ما عدا "مرو". وعلى أساس هذه المعطيات وغيرها يؤكد الأكاديمي "مستروفه" قائلا: لذا أرى في هذه الإشارة دليلا يعزز افتراض بأن "مرغيانا" هي أول منطقة تنبت الجماهير الشعبية فيها تعاليم "زرداشت". وفي ختام بحثه يقول: وحاولت أن أثبت بأن مرغيانا والمناطق المتاخمة لها في آسيا الوسطى كانت موطنا للزرادشتية"، وهناك أقوال أخرى لا تزال تفترض فرضيات معاكسة تقول: إن وطن زرادشت هو: بلاد "الميلابين" غربي إيران، حتى أقصى جنوب غربي أفغانستان. يذهب بعض علماء الآثار إلى افتراض أصل مشترك بين قبائل هضبة إيران الشرقية "تل تيه وبازتيه" وشبه القارة الهندية؛ وذلك أن المكتشفات الأثرية تشير إلى الثنائية الواضحة في المعتقدات المحلية، وتلك نظرية فلسفية أخلاقية تكاد تكون مطابقة لجوهرة تعاليم "زرادشت" ومن معطيات الدراسة لتلك الدراسة استنتج الباحثون الأثريون أن "زرادشت" عاش وأسس تعاليمه في فترة لا تتجاوز القرن السابع ق. م. ففي هذه

стр. 372

الفترة التاريخية عاش "زرادشت" وعن طريق تعاليمه نشأت الزرداشية كمذهب فلسفي وأخلاقي وديني. ويرى علماء الآثار أن مضمونها يجسد تصورات متطورة جدا للفلسفة الطبيعية، وذلك يقوي افتراضهم أنها لم تنشأ من فراغ، وأن المجتمع الذي نشأت فيه قد قطع شوطا بعيدا في تطوره الذهني فقد كان ثمة أفكار تسبق تطابق ما عليه. من هنا يرى علماء الآثار أن المبادئ الأساسية للديانة "الزرادشتية" غرفت من مناهل النظرات الفلسفية والأخلاقية المنتشرة قبلها على نطاق واسع في: "باكتريا ومرغيانا". ولما سمح له في الوقت المناسب بمصاحبة الأرواح كان في استطاعة زرادشت أن يوجه أسئلة إلى "أهورا مازاد" نفسه، فلقد تساءل: "في علم التجسيد، ما هو الشيء الأول في الكمال؟ وأيها الثاني؟ وأيها الثالث؟ " فرد عليه "أهورا مازاد" قائلا: "إن أول كمال هو: الأفكار السديدة، وثانيها: الكلمات الطيبة، وثالثها: الأعمال الصالحة"١ في بدء رسالته، يبدو أن "زرادشت" قد عاش حياة الناسك. وعلى شاكلة "يوحنا المعمداني" نزح إلى البرية، وعاش على لا شيء اللهم إلا على الجبن والجذور، ثم جاء الإغراء. قامت الشيطانة "سيندارماد" بالتغرير بـ زرادشت، ولم يتم اللقاء في البرية بل بين أشخاص عاديين قرر زرادشت أن يدرس عاداتهم: "لقد اتجه زرادثو سترا إلى العالم الذي يعيش فيه، عالم الصداقة، مستهدفا أن يراقب تماما ذلك الطريق المعبد للوجود التجسيدي. ثم تقدمت الشيطانة امرأة ذات جسد ذهبي، ناهدة الصدر. لقد طلبت صحبته كما طلبت أن يخاطبها وأن يعاونها". ولما كان على علم بأن مفاتنها خداعة تماما، طالبها بأن تدير ظهرها ولكنها ردت عليه قائلة: يا زاراثوسترا الأستبماسى، حينما نكن، تكن النساء منا جميلات من الأمام، قبيحات بصورة مخيفة من الخلف، فلا تطالبنى بأن أدير ظهرى" ولكنه

стр. 373

أصر، وبعد أن عارضت للمرة الثالثة، وافقت على أن تدير ظهرها، عندئذ خرجت منها سلالة كريهة من الثعابين والضفادع البرية والسحالي وأم الأربع والأربعين، والضفادع البحرية، على أن المحنة الحقيقية جاءت فيما بعد في صورة هجمات شيطانية عليه، من بينها كان إيلاج رصاص مصهور في معدته، ولكن لم يفلح شيء في زعزعة إيمانه في عدالة الإله الذى تمتع بصحبته أعني "أهورامازدا"، وأخيرا كمكافأة له على تعبده الرواقى أهداه "أهورا مازدا" شخصيا بكتاب الحكمة السماوية الذي سمي فيما بعد باسم "أفيستا Avesta" وكان هذا هو الإنجيل الذي كان يحلم به وهو صبي، وبذا صار للمبعوث الآن إنجيله، وبرغم أن تبشيره قد لقي في بادئ الأمر أذنا صماء؛ لأن الفرس كان لديهم بالفعل آلهتهم وطقوسهم الطبيعية -إلا أن "زرادشت" قد بدأ بالتدريج في اجتذاب مهتدين، وعندما قرر في النهاية أمير فارسى يدعى "فيشتاسبا Vishastspa"، أو هيستاسبس Hystspes أن يعتنق العقيدة الجديدة بدأت حركة تحول دينية قوية؛ لأن هذا الأمير أعلن على الفور عن نيته في نشر العقيدة الزارادشتية في أرجاء مملكته، ولكن خليفة "قمبيز" وكان يعتقد في آلهة الماجيين القدامى Old Magingods سعى لاستئصال شأفة الديانة الزرادشتية، ولكن باعتلاء "داريوس الأول" العرش في سنة ٥٢١ ق. م. أعلنت العقيدة الزرادشية ديانة رسمية للفرس، ويعتقد بعض المؤرخين أن الأمير "هيستاسبس" الذي كان أول من صادق زرادشت لم يكن إلا ولد "داريوس" وإذا صح هذا القول فإن هذا ينهض دليلا على أن زارادشت قد ولد في أقدم تاريخ عزي إليه١. - كانت آلهة الفرس السابقة لعصر "زرادشت" تحمل شبهًا كبيرًا لتلك الآلهة الواردة بالكتب المقدسة الهندية Vedas، وفي الواقع لقد كان كثيرا ما ينادي العلماء الهنود بأن الأفستا Avesta- تكاد تدين بكل تعاليمها الأساسية للفيداس بما في ذلك اسمها، لقد كان "البانثيون Pantheon أو مدفن عظماء الآلهة يضم إلهين عظيمين: ميثرى Mithre إله الشمس، وأنيتا Anaita إله الأرض والخصوبة، وقد تأكدت أهمية عبادة الخصوبة أكثر من ذلك بعبادة هاووما Hama الإله الثور، الذي

стр. 374

كان من المفروض أن دمه يهب الخلود لمن شربه، لقد كان عشب "هاووما" أول ما حلت به روح زرادشت في رحلتها البعيدة نحو مولده. ولما كانت الهاووما موجودة بصورة خاصة في الجبال لذا كانت لها خصائص مخدرة، وكانت عبادة الإله الثور تتمثل في شرب عصير النبات باعتباره مماثلا للدم الذي يهب الحياة. ومن المحتمل أن يكون إله الهند "سوما Soma" مثل الهاووما، ونجد أيضا بين هؤلاء الناس القدامى آثارا واضحة لعبادة السلف: ديانة ترك احتفاؤها في الأزمنة المتحضرة فراغًا يملؤه مثل تلك الأمور البديلة المجردة مثل القومية، العقيدة الوحيدة التي قدمها الغرب للشرق. لقد ذكرنا أن الكتب الزرادشتية المقدسة التي بقيت أعني الأفستا والنصوص البهلوية تصعب قراءتها على الدارس الغربي، ولا شك أن السبب في هذا هو أنه لا يكاد هناك شيء في الأدب الغربي يمكن مقارنته بها. والواقع هو أن النصوص التي بقيت لا تعدو أن تكون أجزاء من مجموعة كبيرة جدا من الكتب المقدسة١.

стр. 375

مضمون العقيدة: إن ما يبدو أن "زرادشت" قد فعله هو: تنقية عبادة الخصوبة من مظاهرها الخشنة. ولا شك أن زرادشت حاول أن يمنع أبناء وطنه من عبادة "الهاووما"١. فهنا نجد أن قد ورد بوضوح ذكر جوهر علم اللاهوت الزرادشتي الذي هو صراع على مستوى العالم بين قوى الخير والشر، النور والظلمة "أهورا مازدا" وأهريمان Ahriman الشيطان الوحيد. وبدلا من كونه الطوفان قد بعث به الله كجزاء وعقاب كما جاء في سفر التكوين نجد أن الكارثة الزرادشتية قد خططتها بدقة قوى الظلمة للإطاحة بـ "أهورامازدا". ويشكل صراع الريح والماء فحسب خلفية لصراع ثنائي هائل بين أهورامازدا، وخلفائه من ناحية "وأهزيمان" من ناحية أخرى. ولم يكن إلا عن طريق ما وهب به تيستار Tistar إله النجوم من "قوة عشرة جياد قوية وعشرة جمال قوية،

стр. 376

وعشرة ثيران قوية، وعشرة جبال وعشرة أنهر" إلى أن دبرت قوى الخير أن تكون لها السيادة بالفعل١.

стр. 377

الخير والشر: ونجد في "زاد سبارام" رواية رمزية غامضة عن الخلاف المتأصل بين: "أهورامازدا" و"أهزيمان" ونحاط علما في كلمات تذكرنا بسفر التكوين القديم أنه في بداية الزمن "كان النور فوق والظلمة تحت، وبين هذين الاثنين فراغ مكشوف" وقد سكن "أهورامازدا" مملكة النور كما سكن "أهريمان" مملكة الظلام، وفي الوقت الذي كان فيه "أهورامازدا" على علم بوجود "أهريمان" وقدومه للصراع لم يكن "أهريمان" مع ذلك على علم بمملكة النور التى فوق رأسه، وذات يوم في أثناء تسكعه في الظلام، خرج "أهريمان" مصادفة من المناطق السفلية وإذا به يرى شعاعا من النور؛ ونظرا لاختلاف طبيعة ذلك الشعاع في اعتقاده "جاهد أهريمان للوصول إليه" حتى يمكن أيضا أن يدخل في نطاق نفوذه المطلق: عند ذلك اقترب "أهورامازدا" من الحدود١. ولو رجعنا إلى الوصايا العشر العبرية لوجدنا أن ثمانية من بنودها من النواهي والتعاليم الزرادشتية برغم ما تضمنته من النواهي والمتناقضات في لاهوتيتها، إلا أنها في مجموعها إيجابية في وصاياها٢. أما عن أن هدف زرادشت الرئيسي فكان بالأحرى تنقية العقيدة التقليدية لأبناء وطنه لا الإطاحة بها، فتشير إليه عدة أصول، فقد كان "مثرى" إله الشمس، وهو أبعد من أن يطرد، يعبد على أنه نار سماوية، كما كان يمتدح في معظم الأناشيد الزرادشتية و"هاووما" الثور، وتماما مثلما لم يكن مسموحا لأتباع زرادشت بأن تكون لهم معابد، فكذلك كان محظورا عليهم أن تكون لهم أصنام٣. وهنا نجد عبارة طويلة عن الإقلاع عن شيء واتجاها بصورة خاصة إلى التخلص من نفوذ الشياطين: "من بعيد أنا أنكر الشياطين وكل من تتملكهم: العرافين، وكل

стр. 378

من يصدقون أساليبهم، وكل كائن حي موجود ينهج نهجهم، إننى أنكر أساليبهم، كما أنكر كلماتهم وأفعالهم، وذريتهم التي تفشي خطيئتهم، إنني أنكر رعايتهم كما أنكر رئاستهم. ويقال أحيانا بأن زرادشت في توكيد سمو أهورامازدا كان يقصد إنكار حقيقة الشياطين١.

стр. 379

زرادشت وكتاب الأفستا: إن الديانة الفارسية من حيث لاهوتها، ومن حيث المستوى الخلقي الأدبي لا تضاهيها ديانة أخرى من ديانات العالم القديم باستثناء الديانتين اليهودية والمسيحية. وهي ديانة تفضل الديانات التي كانت تدين بها بلاد ما بين النهرين ومصر واليونان، ومؤسس الديانة الإيرانية الوطنية التي كانت تدين بها السلالة الأخمينية إلى الدولة الساسانية، كان زرادشت وهو مصلح ديني من ميديا توفى حوالى٦٠٠ ق. م. وقد اكتنفت حياته هالة من الأسرار والأساطير. وكان الدين الجديد الذي بشر به عميق الجذور في المعتقدات الشعبية الإيرانية التي لم تكن تختلف عن المعتقدات الشعبية عند قدامى الهنود. وكتاب الزرادشتية المقدس ويعرف بكتاب الأفستا، من أقدم الكتب الأدبية في بلاد فارس، وهو مجموعة أقوال قديمة تعزى إلى النبي زرادشت، وتراتيل دينية ترتل عند تقديم الذبائح وصلوات وشرائع كهنوتية وطقوس عبادة جوهر الديانة الزرادشتية تقوم على ثنائية تجسد المبدأين المتضادين مبدأ الخير ومبدأ الشر، أو مبدأي النور والظلام، ويمثل هذين المبدأين إلهان كبيران -أهورا مازدا "أو رمازد" وضده أهريمان؛ والمبدآن الخير والشر مبدآن يتصفان بقوى مبدعة خالقة، ويذكرنا الإله أهورامازدا بالإله العبري يهوه بوصفه إلها كلي المعرفة، كلي الوجود، غير مخلوق، مبدعا لكل ما هو نقي وحي، وأما ضد أهريمان فيذكرنا بالشيطان على ما نعرفه في العصور التالية. والزرادشتية تتصور الحياة أنها صراع دائم بين هاتين القوتين، قوة الخير وقوة الشر١.

стр. 380

وأما النصر النهائي فلمبدأ الخير، وواجب المؤمن الديني والخلقي أن يقوم بكل عمل من شأنه مساعدة قوة الخير؛ لكي تنتصر على قوة الشر، وجميع أفكار الإنسان وأعماله وأقواله مكتوبة في سجل الحياة؛ لتقابل يومًا بأعماله الشريرة وبخطاياه التي لا يمكن الإغضاء عنها أو منحه المغفرة عن واحدة منها، وعندما تفارق الروح الجسد تقاد إلى ما يسمونه -جسر الحساب- الذي يتحتم على نفس المرء أن تعبره؛ لتدخل ملكوت السماء، وإذا رجحت كفة ميزان الأعمال الصالحة التي علمها الإنسان في حياته سمح له أن يعبر الجسر، وإلا فإنه يهوي من على الجسر إلى جهنم. وفكرة الجسر تشبه الميزان عند المصريين القدماء ومن بعدهم الصراط عند المسلمين؛ لأن فكرة الحياة الثانية بعد الموت كما هي في القرآن الكريم، وكما هي في العهد الجديد والتى تتوقف على الأعمال الصالحة التى يقوم بها المرء في الحياة الدنيا أقرب إلى أن تكون فكرة وثيقة الصلة بكتاب الأفستا عند الفرس وكتاب الموتى عند المصريين، منها أن تكون فكرة مستمدة من العهد القديم؛ أما تحريم حرق الجثة أو دفنها، وتركيز العبادة حول النار المقدسة على المذابح تلك التي أصبحت فيما بعد هياكل للنار المقدسة فهي أمور دخلت الزرادشتية وتطورت في عصور تالية. أما الشهادة التي يطلب إلى معتنق الديانة أن يؤديها، فتشهد على مبلغ سمو مستوى الشريعة الخلقية في ديانة زرادشت، يقول الداخل في الدين "أقسم أني منذ اليوم أمتنع عن اللصوصية، وسرقة الماشية، والنهب وتدمير القرى التي تخص المؤمنين من عباد مزدا وأعد أرباب البيوت المقيمين مع ماشيتهم في أية بقعة من بقاع الأرض أن لا أتعرض لهم بسوء، وأن يتجولوا أنى يشاؤون ويقيموا أنى يشاؤون دون أن يزعجهم أحد، وبكل خشوع رافعا يدي إلى السماء إلى آشا -أقسم على هذا، ومنذ الآن أعد بأن لا أجلب الخراب والدمار على القرى المزدية حتى إن كان ذلك للأخذ بثأر قتيل. وأعترف أني من عباد مزدا وتابع من أتباع زرادشت ومن المؤمنين بهما، كما أومن بالأفكار النافعة والأقوال الحكيمة والأعمال الصالحة"، وآخر عبارة في هذا القسم هي شعار الديانة الزرادشتية١.

стр. 381

بعد دخول الإسلام بلاد فارس في العقد الثالث من القرن السابع للميلاد، ولم يبقَ من أتباع زرادشت سوى عدد قليل جدًّا، وقد بقيت من أولئك القلائل الذين لجأوا إلى مدينة بومباي أو إلى ضواحيها جالية إلى يومنا هذا تعرف بجماعة البارسي -أي الفرس- تخلت عن كثير من المعتقدات الدينية القديمة التى تدور حول أهريمان، وبذلك أصبحوا من أصحاب التوحيد١. وهذه الديانة لا تجيز عبادة الأصنام أو احترام الأوثان مطلقا، ولا تقر إلا بإله واحد أزلي سرمدي أبدي ليس له شريك في الملك ومنه الأمر وإليه يرجع، ويسمون "الله": "أورمزيد. أو -هرمز أو هرمس" والإله "إيزد"، ويعتقدون بخلود النفس وبعالم آخر بعد الموت يكون فيه العقاب والثواب، ولكن يعتقدون بأن الله خلق مع الخلق قوتين عظيمتين: اسم أولاهما: يزدان مصدر الخير. واسم الثانية: أهرمن مصدر الشر. فجميع الخيرات والشرور في هذه الدنيا ينسب إلى هاتين القوتين ويفسرهما حكماؤهم بالعقل والنفس. وهم يبجلون ويعظمون كل الأقمار والكواكب والنجوم وجميع النيرات المضيئات بقولهم: إنها مظاهر الأنوار الأبدية ولا سيما الشمس فإنهم يتعاونون في تعظيمها؛ لاعتقادهم فيها أنها مصدر النور والحرارة، وهما أصل مادة الحياة وأعظم وساطة عند الله تعالى، وأكبر مظهر من مظاهر الله، ولولاها لما وجد كائن حي في العوالم التى تحت نظامها. ويوجد في كتبهم أخبار متعددة عن ظهور مجدد ومصلح جديد، ويوجد لهذا المصلح علامات في تلك الكتب ينطبق البعض فيها صراحة على أحوال حضرة صاحب الرسالة "الرسول"، والبعض جاء تلميحًا وتأويلًا٢.

стр. 382

والمجوس إنما يعظمون النار لمعانٍ فيها منها: أنها جوهر شريف علوي، ومنها: أنها ما أحرقت إبراهيم، ومنها: ظنهم أن التعظيم لها ينجيهم في "المعاد" من عذاب النار. وبالجملة: هى قبلة لهم، ووسيلة وإنارة. ومن عجيب الأمر أن فارس المقدسة لو كانت في عصرنا لدلت العلماء على آبار البترول التي تغذيها، فالنار كان وراءها سر عجيب وهو البترول كم أفنت تلك النار آبارا. يقول الشهرستاني: ولقد كان في كل أمة من الأمم قوم مثل الإباحية والمزدكية والزنادقة والقرامطة وكان تشويش ذلك الدين منهم وفتنة الناس مقصورة عليهم١. ويقول فيليب حتى: عبدة النار "المجوس" من أتباع زرادشت٢ هي أصفى وأطهر العناصر المخلوقة لا على أنها هي الخلاق المعبود، وقال مشيرًا إلى أن المجوسية سابقة على كون زرادشت قد استخلص من أخلاط المجوسية وسطا بين العقيدة الوثنية الأولى والعقيدة الإلهية الحديثة٣. ويقول الشهرستاني فارقا بين المجوسية والحنفية: إن الحنفية هى الملة الكبرى والشريعة العظمى وذلك هو الدين القيم. والتوحيد من أخص أركان الحنفية، ولهذا يقترن نفي الشرك بكل موضع ذكر فيه الحنيفية "حنيفا" وما كان من المشركين. ويقول: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ٤.

стр. 383

ثم إن الثانوية اختصت بالمجوس الذين أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين. يقتسمان الخير والشر والنفع والضر والصلاح والفساد. يسمون أحدهما: النور والآخر الظلمة، وبالفارسية: يزدان وأترامان. ومسائل المجوسية كلها تدور على قاعدتين اثنتين: إحداهما: بيان سبب امتزاج النور والظلمة. والثانية: بيان سبب خلاص النور من الظلمة. وجعلوا الامتزاج مبدأ والخلاص معادا١. وقد أصاب الشهرستاني حين قال: إن هذه الثنوية هي ألزم سمات المذاهب المجوسية؛ لأنها تتراءى في كل مذهب منها بلا استثناء، وهي كذلك أبقى منها في مجال التفكير ومجال الاعتقاد على السواء؛ لأننا نرى منها ملامح اليونان٢.

стр. 384

المجوسية والعرب مدخل ... المجوسية والعرب: وقد عرف علماء اللغة بأن لفظة "مجوس" من الألفاظ المعربة، وقد ذهبوا إلى أنها معربة عن الفارسية القديمة، ولكنهم اختلفوا فيما بينهم في أصل اللفظة وفي بيان معناها؛ وذهبوا في ذلك مذاهب. وإذا صحَّ ما ورد في شطر بيت منسوب إلى الشاعر الجاهلي: التوأم اليشكري المعاصر لامرئ القيس، هو: كنارِ مجوسَ تستعرُ استعارَا فإن فيه دلالة على أن هذا الشاعر هو وامرؤ القيس كانا على علم بنار المجوس، وكان مجوس اليمن من الفرس الذين أرسلهم كسرى؛ لطرد الحبش من اليمن فهم وأبناؤهم كانوا على هذا الدين. دين الإمبراطورية الفارسية، ولما ظهر الإسلام نبذ هؤلاء المجوسية، واعتنقوا الإسلام. وأما مجوس عمان، وبقية أنحاء العربية الجنوبية فقد كانوا من الفرس كذلك، وأما مجوس البحرين فقد كانوا أكثر عددًا، وأكبر نفوذًا من إخوانهم في عمان؛ لقرب

стр. 385

هذه الأرضين من إمبراطورية الساسانيين، ولهجة الفرس من السواحل المقابلة، ومن طريق الأبلة الساحلي١. وقد عرف عالم المجوس ورئيسهم الروحي عند العرب بـ "الموبذان" وعرف كبيرهم بـ "موبذان موبذ"؛ وجعل بعض العلماء "الموبذان" بمنزلة قاضي القضاة للمسلمين؛ والموبذ بمنزلة القاضي. وقد فسر المسعودي لفظة "الموبذ" بمعنى حافظ الدين، ورجع أصلها إلى "مو" بمعنى دين في رأيه؛ و"بذ" بمعنى حافظ. ورأى اليعقوبي: أن "الموبذان" بمعنى عالم العلماء، وقد ذكر الألوسي أن صنفًا من العرب عبد النار، وقال عنهم: وهم أشتات من العرب، وكأن ذلك سري إليهم من الفرس والمجوس٢. وإلى النعمان تشير الروايات متحدثة عن قصة تلقبه بالسائح، فتذكر أنه جلس يومًا في مجلسه من الخورنق، فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان مما يلى المغرب، وعلى الفرات مما يلي الشرق وهو على متن النجف في يوم من أيام الربيع، فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار، فقال لوزيره وصاحبه: هل رأيت مثل هذا المنظر قط؟ فقال: لا، لو كان يدوم. قال: فما الذي يدوم؟ قال: ما عند الله في الآخرة، قال: فبم ينال ذاك؟ قال: بتركك الدنيا وعبادة الله والتماس ما عنده، فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح، وخرج مستخفيا هاربا لا يعلم به. وقد يكون في هذه القصة تفسير؛ لاعتناقه النصرانية وتفكره بخلق الله وعزوفه عن العبادة الوثنية. وهناك روايات تنسب تنصره إلى غير هذه القصة، فتقول: إنه تنصر بتأثير القديس سمعان العموري الذي يقوم بالتبشير للمسيحية بين أهل الحيرة، وإن سمعان هذا شفاه ببركته من مرض كان به فتنصر٣.

стр. 386

وقد خلف المنذر الأول "٤١٨-٤٦٢" أباه النعمان على العرش وكانت له متزلة رفيعة عند كسرى الفارسي يزدجرد حتى إنه على ما يذكر الطبري شرفه وأكرمه وملكه على العرب وحباه بمرتبتين سنيتين تدعي أحداهما رام أبزووذ يزدجرد وتأويلها "زادسرور يزدجرد" والأخرى تدعى بمهشت وتأويلها "أعظم الخول" وأمر له بصلة وكسوة بقدر استحقاقه لذلك في منزلة. وقد فوض يزدجرد المنذر بحكم جميع الأرض -أرض العرب١. والمنذر بن امرئ القيس المعروف بابن ماء السماء "٥١٢-٥٥٤" هو أول المشهورين من ملوك الحيرة المناذرة اللخميين، وماء السماء هو لقب أُمِّهِ مارية بنت عوف بن جشم ينتهى نسبه إلى النمر بن قاسط، وقد لعب المنذر هذا دورا بارزا في الحروب التى قامت بين فارس وبيزنطة في عصره؛ ففي سنة ٥١٨ قام كسرى الفارسي قباذ يطالب الإمبراطور البيزنطة جوستين الأول بدفع الأتاوة التي قبلت بيزنطة بدفعها لفارس في الصلح الذي عقد بينهما عام ٥٠٦، ولما تباطأ جوستين بدفع الاتاوة قام المنذر بتحريض من قباذ بالهجوم على الممتلكات البيزنطية في سورية سنة٢ ٥١٩. وفي أيام المنذر وقع الاحتلال الحبشي لليمن، فاتسع بذلك نفوذ الروم في بلاد العرب، وذلك لما يربط الأحباش بالبيزنطيين من روابط ودٍّ أساسها تدينهما بدين واحد، وفي سنة ٥٤٥ وقَّعت فارس وبيزنطة هدنة جديدة مدتها خمس سنوات. ولكن هذه الهدنة لم تؤد إلى توقف المناوشات بين الحارث بن جبلة -الذى كان قد عين ملكا على عرب الشام- والمنذر بن ماء السماء٣، وتمكن المنذر في إحدى المرات من أسر ابن الحارث فقدمه للإله العزى. ولعل من المهم قبل أن نختم هذه الصفحة المشرقة من تاريخ دولة المناذرة التى خطها المنذر بن ماء السماء بدمه وعصبه أن نشير إلى النزاع الذي قام بينه وبين الكسرى الفارسي قباذ من أجل الذهب المزدكي.

стр. 387

وتفصيل الأمر أن قباذ "٤٨٨-٥٣١" كان يحكم في فترة اضطربت فيها الأحوال في فارس وزاد تسلط كبار المُلَّاك ورجال الإقطاع، ففكر في طريقة يضع فيها حدًّا لتسلطهم وما يمثلونه من خطر حتى على ملكه بالذات فوجد أن خير ما يفعل هو نشر تعاليم مزدك بين أتباعه وأهل مملكته فإذا انتشرت هذه المبادئ كانت كفيلة بالقضاء على الأغنياء ورجال الدين المتنفعين. وكان مزدك وأصحابه يقولون: "إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض؛ ليقسمها العباد بينهم بالتأسي، ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين، وأنه من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأولى به من غيره، فافترض السفلة ذلك واغتنموه وكاتفوا -أي عاونوا- مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم". وفي هذا الوصف لمذهب مزدك الذي يقدمه الطبري شرح لآرائه التي كانت تقوم على الاعتقاد بأن الغيرة والحقد والتنافس بين الناس منشؤها شيئان هما: المال والنساء، فإذا جعلنا هذين الشيئين مشاعا بين الناس زالت هذه المساوئ التى تفرقهم وتخلق الفتن بينهم. وقد تبع الكثير من العامة هذا المبدأ فقوى وازدادت قوته بانضمام قباذ إليه، وطلب قباذ من المنذر أن يعتنق المزدكية فرفض المنذر ذلك، فغضب قباذ وعزل المنذر عن ملك الحيرة، وكان ذلك على ما يقرر جواد علي بعد مناقشات طويلة في سنة ما تقع بين "٥١٥، ٥٣١". وقد لجأ المنذر بعد عزله إلى القبائل العربية في الصحراء وظل لاجئا عندهم حتى توفي قباذ وملك بعده ابنه أنوشروان الذي قاوم المزدكية وعارضها منذ حياة أبيه١، فأعاد المنذر إلى ملك الحيرة. كان قباذ حين عزل المنذر، قد ولَّى عرش الحيرة الحارث بن عمرو الكندى -من كندة- وقد عزله أنوشروان بعد وفاة قباذ، وأعاد العرش إلى صاحبه الأول، ويعلق جواد علي هذه القضية بقوله:

стр. 388

"وليس بمستبعد في نظري أن تكون هذه القصة قصة دخول الحارث الكندي في المزدكية، ومتابعته دين قباذ من وضع أهل الحيرة المعادين لكندة؛ وضعوها وألصقوها بالحارث الكندي؛ لتكون سبة له وعارًا عليه وعلى كندة؛ لهذا العمل الذي قام به تجاههم، وهم كما نعلم يكرهون هذا الكندي، وينكرون توليه الحيرة، ولا يدخلون اسمه في قائمة ملوك الحيرة، كما صرح بذلك ابن الكلبي. يقول ابن قتيبة: وكانت المجوسية في تميم، ومنهم زرارة بن عدس التيمي، وابن حاجب بن زرارة، وكان تزوج ابنته ثم ندم. ومنهم: الأقرع بن حابس؛ وكان مجوسيا، وأبو سودة جد وكيع بن حسان، وكان مجوسيا. قال أبوحاتم: إن المجوسية لم تكن فيهم -العرب- على ما ذكره الرواة وقالوا: سمى "دقئوس" باسم ابنة كسرى وتزوجها فعيره بذلك أهل بيته: فقال: أليست حلالا في ديني؟ ثم ندم على ذلك وأنشأ يقول: لحا الله دينك من أغلف ... تحل البنات لنا والخوات أحشت على أسرتى سوءة ... وطوقت جيلي بالمخزيات وأبقيت في عقبي سنة ... مشاتم تحيا بعيد الممات١ ثم قال: ولم يتمجس منهم أحد قبل. ويقول: ويقال: إن المجوسية كانت في بني تميم. ويقول: وروي عن أبي عمرو بن العلاء أن نسرا كان صنما لبعض حمير وكانوا فيما يزعمون مجوسا.

стр. 389

وهم الذين ذكروا في كتاب الله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢١، ٢٤] . ويقال أن بقايا المجوس الذين كانوا باليمن والبحرين منهم.

стр. 390

علاقة الإسلام بهم: سنن أبي داود: عن عباس رضى الله عنه قال: كان رجل من الإسبنديين من أهل البحرين١ -وهم مجوس- هاجر إلى رسول الله فمكث عنده ثم خرج، فسألته ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: بشر. قلت: مه؟ قال: الإسلام أو القتل. قال: وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل منهم الجزية. قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن، وتركوا ما سمعت أنا من الأسبندي، "الأسبنديون منسوبون إلى بلدة بهجر بالبحرين"، وقيل: الكلمة فارسية ومعناها: عبدة الفرس وكانوا يعبدون فرسا، والفرس في لغة الفرس: أسب. وفي حديث آخر عن عمر بن أوس: فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس. ثم قال: وفرقنا بين كل رجل من المجوس وحرمه في كتاب الله. مرويات لم تحقق:
следующие страницы →