← Акыда

Акыда · id 10006

تاريخ الفكر الديني الجاهلي

محمد إبراهيم الفيومي

Полный текст (634 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقد خلف المنذر الأول "٤١٨-٤٦٢" أباه النعمان على العرش وكانت له متزلة رفيعة عند كسرى الفارسي يزدجرد حتى إنه على ما يذكر الطبري شرفه وأكرمه وملكه على العرب وحباه بمرتبتين سنيتين تدعي أحداهما رام أبزووذ يزدجرد وتأويلها "زادسرور يزدجرد" والأخرى تدعى بمهشت وتأويلها "أعظم الخول" وأمر له بصلة وكسوة بقدر استحقاقه لذلك في منزلة. وقد فوض يزدجرد المنذر بحكم جميع الأرض -أرض العرب١. والمنذر بن امرئ القيس المعروف بابن ماء السماء "٥١٢-٥٥٤" هو أول المشهورين من ملوك الحيرة المناذرة اللخميين، وماء السماء هو لقب أُمِّهِ مارية بنت عوف بن جشم ينتهى نسبه إلى النمر بن قاسط، وقد لعب المنذر هذا دورا بارزا في الحروب التى قامت بين فارس وبيزنطة في عصره؛ ففي سنة ٥١٨ قام كسرى الفارسي قباذ يطالب الإمبراطور البيزنطة جوستين الأول بدفع الأتاوة التي قبلت بيزنطة بدفعها لفارس في الصلح الذي عقد بينهما عام ٥٠٦، ولما تباطأ جوستين بدفع الاتاوة قام المنذر بتحريض من قباذ بالهجوم على الممتلكات البيزنطية في سورية سنة٢ ٥١٩. وفي أيام المنذر وقع الاحتلال الحبشي لليمن، فاتسع بذلك نفوذ الروم في بلاد العرب، وذلك لما يربط الأحباش بالبيزنطيين من روابط ودٍّ أساسها تدينهما بدين واحد، وفي سنة ٥٤٥ وقَّعت فارس وبيزنطة هدنة جديدة مدتها خمس سنوات. ولكن هذه الهدنة لم تؤد إلى توقف المناوشات بين الحارث بن جبلة -الذى كان قد عين ملكا على عرب الشام- والمنذر بن ماء السماء٣، وتمكن المنذر في إحدى المرات من أسر ابن الحارث فقدمه للإله العزى. ولعل من المهم قبل أن نختم هذه الصفحة المشرقة من تاريخ دولة المناذرة التى خطها المنذر بن ماء السماء بدمه وعصبه أن نشير إلى النزاع الذي قام بينه وبين الكسرى الفارسي قباذ من أجل الذهب المزدكي.

стр. 387

وتفصيل الأمر أن قباذ "٤٨٨-٥٣١" كان يحكم في فترة اضطربت فيها الأحوال في فارس وزاد تسلط كبار المُلَّاك ورجال الإقطاع، ففكر في طريقة يضع فيها حدًّا لتسلطهم وما يمثلونه من خطر حتى على ملكه بالذات فوجد أن خير ما يفعل هو نشر تعاليم مزدك بين أتباعه وأهل مملكته فإذا انتشرت هذه المبادئ كانت كفيلة بالقضاء على الأغنياء ورجال الدين المتنفعين. وكان مزدك وأصحابه يقولون: "إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض؛ ليقسمها العباد بينهم بالتأسي، ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين، وأنه من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأولى به من غيره، فافترض السفلة ذلك واغتنموه وكاتفوا -أي عاونوا- مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم". وفي هذا الوصف لمذهب مزدك الذي يقدمه الطبري شرح لآرائه التي كانت تقوم على الاعتقاد بأن الغيرة والحقد والتنافس بين الناس منشؤها شيئان هما: المال والنساء، فإذا جعلنا هذين الشيئين مشاعا بين الناس زالت هذه المساوئ التى تفرقهم وتخلق الفتن بينهم. وقد تبع الكثير من العامة هذا المبدأ فقوى وازدادت قوته بانضمام قباذ إليه، وطلب قباذ من المنذر أن يعتنق المزدكية فرفض المنذر ذلك، فغضب قباذ وعزل المنذر عن ملك الحيرة، وكان ذلك على ما يقرر جواد علي بعد مناقشات طويلة في سنة ما تقع بين "٥١٥، ٥٣١". وقد لجأ المنذر بعد عزله إلى القبائل العربية في الصحراء وظل لاجئا عندهم حتى توفي قباذ وملك بعده ابنه أنوشروان الذي قاوم المزدكية وعارضها منذ حياة أبيه١، فأعاد المنذر إلى ملك الحيرة. كان قباذ حين عزل المنذر، قد ولَّى عرش الحيرة الحارث بن عمرو الكندى -من كندة- وقد عزله أنوشروان بعد وفاة قباذ، وأعاد العرش إلى صاحبه الأول، ويعلق جواد علي هذه القضية بقوله:

стр. 388

"وليس بمستبعد في نظري أن تكون هذه القصة قصة دخول الحارث الكندي في المزدكية، ومتابعته دين قباذ من وضع أهل الحيرة المعادين لكندة؛ وضعوها وألصقوها بالحارث الكندي؛ لتكون سبة له وعارًا عليه وعلى كندة؛ لهذا العمل الذي قام به تجاههم، وهم كما نعلم يكرهون هذا الكندي، وينكرون توليه الحيرة، ولا يدخلون اسمه في قائمة ملوك الحيرة، كما صرح بذلك ابن الكلبي. يقول ابن قتيبة: وكانت المجوسية في تميم، ومنهم زرارة بن عدس التيمي، وابن حاجب بن زرارة، وكان تزوج ابنته ثم ندم. ومنهم: الأقرع بن حابس؛ وكان مجوسيا، وأبو سودة جد وكيع بن حسان، وكان مجوسيا. قال أبوحاتم: إن المجوسية لم تكن فيهم -العرب- على ما ذكره الرواة وقالوا: سمى "دقئوس" باسم ابنة كسرى وتزوجها فعيره بذلك أهل بيته: فقال: أليست حلالا في ديني؟ ثم ندم على ذلك وأنشأ يقول: لحا الله دينك من أغلف ... تحل البنات لنا والخوات أحشت على أسرتى سوءة ... وطوقت جيلي بالمخزيات وأبقيت في عقبي سنة ... مشاتم تحيا بعيد الممات١ ثم قال: ولم يتمجس منهم أحد قبل. ويقول: ويقال: إن المجوسية كانت في بني تميم. ويقول: وروي عن أبي عمرو بن العلاء أن نسرا كان صنما لبعض حمير وكانوا فيما يزعمون مجوسا.

стр. 389

وهم الذين ذكروا في كتاب الله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢١، ٢٤] . ويقال أن بقايا المجوس الذين كانوا باليمن والبحرين منهم.

стр. 390

علاقة الإسلام بهم: سنن أبي داود: عن عباس رضى الله عنه قال: كان رجل من الإسبنديين من أهل البحرين١ -وهم مجوس- هاجر إلى رسول الله فمكث عنده ثم خرج، فسألته ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: بشر. قلت: مه؟ قال: الإسلام أو القتل. قال: وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل منهم الجزية. قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن، وتركوا ما سمعت أنا من الأسبندي، "الأسبنديون منسوبون إلى بلدة بهجر بالبحرين"، وقيل: الكلمة فارسية ومعناها: عبدة الفرس وكانوا يعبدون فرسا، والفرس في لغة الفرس: أسب. وفي حديث آخر عن عمر بن أوس: فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس. ثم قال: وفرقنا بين كل رجل من المجوس وحرمه في كتاب الله. مرويات لم تحقق:

стр. 391

عن ابن عباس قال: إن أهل فارس لما مات نبيهم كتب لهم إبليس كتابًا.

стр. 392

القدرية والمجوس: قال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث والأثر" "٤: ٨٥": من حديث أبي هريرة قال: القدرية مجوس هذه الأمة. قيل: إنما جعلهم مجوسا؛ لمضاهاة المجوس في قولهم بالأصلين وهما: النور والظلمة. يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة. وكذا القدرية: يضيفون الخير إلى الله، والشر: إلى الإنسان والشيطان، والله تعالى خالقهما معا لا يكون شيء منهما إلا بمشيئة الله، فهما مضافان إليه خلقا وإيجادا وإلى الفاعلين لهما: عملا وكتابا. المشركون والمجوس: "الذين أشركوا" قال الألوسى: هم المجوس، ووصفوا بالإشراك؛ لأنهم يقولون بالنور والظلمة١. النيسابوري على هامش الطبرى يقول٢: ومن الذين أشركوا: عبدة النار وهم المجوس. لماذا كان حاجب بن زرارة هو الذي تمجس؟ يقول صاحب السيرة الحلبية٣: لما أجدبت أرض تميم "بدعاء" النبي ﷺ عليهم ذهب سيدهم حاجب بن زرارة والد عطارد ﵁ إلى كسرى؛ ليأخذ منه أمانا لقومه؛ لينزلوا ريف العراق؛ لأجل المرعى، فقال له كسرى: أنتم قوم غدر وأخاف على الرعايا منكم، فقال له حاجب: أنا ضامن أن لا نفعل شيئا من ذلك، فقال له كسرى: ومن لي بوفائك؟

стр. 393

قال: هذه فرسي رهينة، فحمقه كسرى وجلساؤه وضحكوا منه، فقال له: العرب لو رهن أحدهم شيئا فلا بد أن يفي به، فكانت بنو تميم تعد ذلك القول من مفاخرها. وأورد البلاذري في فتوح البلدان، قال: أخذ رسول الله الجزية من مجوس هجر. ومجوس أهل اليمن وفرض على كل من بلغ الحلم من مجوس اليمن من رجل وامرأة دينارًا. هذه روايات تفيد أن المجوسية هي دين زرادشت في المفهوم العربي. وأما الروايات التاريخية الخاصة بتجمس حاجب بن زرارة فهي -من وجهة نظري- غير صحيحة؛ لأننا تتبعنا كلمة وفد بني تميم بين يدي الرسول فما وجدنا ما يشير من قريب أو بعيد إلى نسبة المجوسية إليهم أو نسبتهم إليها سواء أكان القول قول خطيبهم أم كان القول قول حسان بن ثابت. وإذا كنا رفضنا الرواية الخاصة بحاجب بن زرارة فإنا لا نمنع أن يكون بين قومه من تمجس، ولا سيما أنهم كانوا من غسان وهم ملوك الشام وهم وسط الأعاجم يقول حسان: فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا ... ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم وجاء في كلمة وفد بنى تميم ما يفيد ذلك على لسان الزبرقان "من أسماء القمر" حيث قال: نحن الكرام فلا حيٌّ يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع يقال عن الزبرقان إنه كان يرفع بيتا من عمائم وثياب وينضحه بالزعفران والطيب، وكانت بنو تميم تحج ذلك البيت، قال الشاعر وهو المخبل السعدى وأمه كعب بن ربيعة: وأشهر من عوف جلولا كثيرة

стр. 394

حنفاء العرب رواد الثقافة الهلينستية: يقول خودا بخش: كان العرب -كما يبدو يقدسون آلهتهم، فيحجون إلى أماكنهم المقدسة ويقدمون الأضحيات في معابدهم، ويخضبون بدماء هذه الأضحيات الهياكل المصنوعة من الأحجار أو الخشب ويستجيرون بكهنتها في وقت الشدة ويسألونهم عما يخبئه المستقبل، ولكن كان ذلك تظاهرا وتصنعا فلم يكن هناك شعور بإيمان حقيقي. يقول دوزي: كان العربي يبدي غضبه لأقل شيء على الآلهة ويخاطبهم وكأنه يعرف حقيقتهم فيسخر منهم. ومن هذه المظاهر التي لوحظت عليهم: وضح لنا أن عرب ما قبل الإسلام كانوا في حالة قلق ديني عاجزين عن الوصول إلى ما هو أحسن بحيث يرضي حاجاتهم ومطالبهم، ويمارسون عبادة الأوثان، ولكن بدون شعور بإيمان حقيقي، ووجود المسيحية واليهودية بينهم أبرز حالة القلق الديني وأدى ببعض منهم إلى تحويل أفكارهم من الوثنية إلى أفكار أسمى وسعوا في طلبها. وسنقدم عدة نماذج من الذين سخطوا على أوثانهم، وكان وراء هذا السخط بعض الخطوات الفكرية ومن أهم ما نشير إليه من تلك الخطوات الفكرية "عدم معقولية الإله أو المعبود"، وهذا المعنى يفيده موقف الساخطين ولازم أيضا للذين تشككوا في أوثانهم ورغبوا عنها إلى ملة سماوية.

стр. 395

سحب الثقة من عبادة الأصنام: أولا: موقف الساخطين على الأوثان: ١- ذو الخلصة وامرؤ القيس: لما أقبل امرؤ القيس بن حجر يريد الغارة على بني أسد مر بذى الخلصة، وكان صنما بتبالة، وكانت العرب جميعا تعظمه، وكانت له ثلاثة أقداح: الآمر، والناهي، والمتربص، فاستقسم عنده ثلاث مرات: فخرج الناهي، فكسر القداح وضرب وجه الصنم، وقال:

стр. 396

لو كنت يا ذا الخلص الموتورا ... مثلي وكان شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العداة زورا لو كان أبوك هو الذي قتل ما توانيت عن الثأر، ثم غزا بني أسد فظفر بهم. فلما فتح رسول الله مكة وأسلمت العرب ووفدت عليه وفودها قدم عليه جرير بن عبد الله مسلما فقال له: يا جرير ألا تكفينى ذا الخلصة؟ فقال: بلى، فوجهه إليه، فخرج حتى أتى بني أحمس من بجيلة فسار بهم إليه فقاتلته خثعم وباهلة دونه، فقتل من سدنته ومن باهلة يومئذ مائة رجل وأكثر القتل في خثعم، وقتل مائتين من بنى قحافة بن عامر بن خثعم، فظفر بهم وهزمهم وهدم بنيان ذى الخلصة. وأضرم فيه النار فاحترق، وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة. ٢- سعد: وكان لمالك وملكان ابني كنانة صنم يقال له: سعد، وكان صخرة طويلة، فأقبل رجل منهم بإبل له؛ ليقفها عليه يتبرك فيها، فلما أدناها منه نفرت منه وكان يهراق عليها الدماء، فذهبت في كل وجه وتفرقت عليه وأسف فتناول حجرا فرماه به وقال: لا بارك الله فيك إلها نفرت عليَّ إبلي. ثم خرج في طلبها حتى جمعها وانصرف عنه وهو يقول: أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد، فلا نحن من سعدِ وهل سعد إلا صخرة بتنوفةٍ ... من الأرض لا يدعى لغيٍّ ولا رشدِ ٣- وقال أوس بن حجر يحلف باللات: وباللات والعزى ومن دان دينها ... وبالله إن الله منهن أكبرُ ٤- وقال بعضهم حين وجد الثعلبان بال على رأس صنمه: إله يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالبُ ويروى: "أرَبٌّ" بدل "إله" وقال شاعر: أكلت ربها حنيفة من جو ... ع قديم بها ومن إعوازِ

стр. 397

وقال آخر: أكلت حنيفة ربها ... زمن التقحم والمجاعهْ لم يحذروا من ربهم ... سوء العواقب والتباعهْ١

стр. 398

ثانيا: المتشككون في أوثانهم: الحنيفية: ما معنى الحنيف؟ في معنى الحنيف أقوال: ١- هو المائل عن الأديان كلها. قاله ابن عباس. ٢- أو المائل عما عليه العامة. قاله الزجاج. ٣- أو المستقيم. قاله بن قتيبة. ٤- أو الحاج. قاله ابن عباس وابن الحنفية. ٥- أو المتبع. قاله مجاهد. ٦- أو المخلص. قاله السدي. ٧- أو المخالف للكل. قاله ابن حجر. ٨- أو المسلم. قاله الضحاك. ٩- قالوا: فإذا جمع الحنيف مع المسلم فهو الحاج أو المختتن. ١٠- أو الحنف هو الاختتان وإقامة المناسك وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات. روى أبو حيان المفسر١ عشرة أقوال متقاربة في المعنى. وإنما خص إبراهيم بالإمامة لما سنه من مناسك الحج والختان وغير ذلك من شرائع الإسلام مما تبتدئ به إلى قيام الساعة. وصارت الحنيفية علما مميزا بين المؤمن والكافر.

стр. 399

وسمي الحنيف من ابتعد واستقام على هديه وسمي المنكث عن ملته بسائر أسماء الملل، فقيل يهودي، ونصراني، ومجوسي وغير ذلك من ضروب الملل. والآراء الكثيرة المذكورة تتجه وجهتين: وجهة الاتجاه اللغوي عند العرب، وتعني المائل أو المخالف. والوجهة الثانية اصطلاحية: وتعني من اتخذ وجهته نحو إبراهيم دينا، من حديث التوحيد أو شريعة من اختتن أو شعائر الحج. ومن حيث المنهج الإسلامى: سوَّى القرآن بين الحنيفية والإسلام والفطرة. يقرر الشهرستاني١: إن الصبوة في مقابل الحنيفية، فيقول: وكانت الفرق في زمان إبراهيم راجعة إلى صنفين اثنين: حنفاء وصابئة. ومدار مذهب الصابئة: التعصب للروحانيين. والصابئة تدعي أن مذهبها هو الاكتساب. ومدار مذهب الحنفاء هو: التعصب للبشرية الجسمانيين. والحنفاء تدعي أن مذهبها الفطرة. وكانوا يقولون: إنا نحتاج في المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس البشر تكون درجته في الطهارة والعصمة والتأييد فوق الروحانيات، ويماثلنا في البشرية، ويمايزنا في الروحانية. ويتلقى الوحي بطرف الروحانية، ويلقي إلى النوع الإنساني بطرف البشرية. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢، وقال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٣، ولقد قررها: إبراهيم، وأطلق عليها: الملة الكبرى، والأنبياء بعده أطلقوا على دينهم وصف الحنيف، ولا سيما القرآن، فالتوحيد كان من أخص أركان الحنيفية، ولهذا يقترن عدم الشرك بكل موضع ذكرت الحنيفية فيه.

стр. 400

قال تعالى: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ . [سورة النحل: ١٢٣] . وقال: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [سورة الحج: ٣١] . والصابئة بمذهبها الروحي وعمقها التاريخي تضع أمامنا مشكلة وهي: كيف عرف الإنسان الاتجاه الروحي -وهو أعقد من الاتجاه المادي؟ أعرف بالعقل؟ أم بالوحي؟ وهل الإنسان فكر أو لا.. ماديا أو روحيًّا؟ يجيب الشهرستاني في المناظرة بين الصابئة والحنفاء: إنهم عرفوه أي الاتجاه الروحي من الأنبياء١. بعد ما قلناه عن معنى الحنيفية ترجع إلى الحنفاء الشاكين في أصنامهم فنقول: إن التعدد في الأصنام، والأنصاب، وإنشاء البيوت المقدسة لها، كي يزاحم بها الكعبة، مع نظرات الساخطين عليها، إلى وجود المسيحية، بجانب اليهود، وأشتات من الصابئة، ولاجئين من المجوس، كل ذلك: حفلت به الجزيرة العربية وله آثاره الواضحة في خلق آفاق جديدة من التفكير لدى بعض أفراد أداهم ميلهم العقلي إلى تقويم ما حولهم من وثنية، واضطلعوا بعبء مسئولية التفكير فيها. قال الشافعى في الأم: فكانت المجوس يدينون غير دين أهل الأوثان، ويخالفون أهل الكتاب من اليهود والنصارى في بعض دينهم، وكان أهل الكتاب اليهود والنصارى يختلفون في بعض أحكام دينهم. ويقول الشيخ مصطفى عبد الرازق معلقًا: وكان هذا الجدل يتناول بالضرورة شئون الألوهية والرسالة والبعث والآخرة والملائكة والجن والأرواح، ويدعو إلى الموازنة بين المذاهب المختلفة في تلك الشئون وقوي أمر هذا الجدل الديني في ذلك العهد حتى تولدت نزعة ترمي إلى تلمس دين إبراهيم أبي العرب٢، وبذلك تسرب الشك في الأصنام والأوثان إلى نفوس العرب. قال ابن إسحاق: واجتمعت قريش يوما في عيدٍ لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعطمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويدبرون به، وكان ذلك عيدا لهم في

стр. 401

كل سنة يوما، فخلص منهم أربعة نفر نجيا، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتمن بعضكم على بعض، قالوا: أجل وهم: ورقة بن نوفل، عبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل١، فقال بعضهم لبعض: "تعلموا والله ما قومكم على شيء لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع؟ يا قوم التمسوا لأنفسكم؛ فإنكم والله ما أنتم على شيء، فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم. فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى علم علما من أهل الكتاب، وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة فلما قدمها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هناك نصرانيًّا، وكان عبيد الله بن جحش حين تنصر يمر بأصحاب رسول الله وهم هناك من أرض الحبشة فيقولون: فقحنا -أي أبصرنا- وصأصأتم؛ أي تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد، وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر وحسنت منزلته عنده. قال صاحب الروض: إن قيصر الروم كان قد توج عثمان وولاه أمر مكة، فلما جاءهم بذلك أنفوا من أن يدينوا لملك، وصاحَ الأسود بن أسد بن عبد العزى ألا إن مكة حي لقاح لا تدين، فلم يتم له مراده.. قال: وكان يقال له البطريق ولا عقب له ومات بالشام مسمومًا سمه عمرو بن جفنة الغساني الملك.

стр. 402

وأما زيد بن عمرو: فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان، ونهى عن قتل الموءودة، وقال: أعبد رب إبراهيم ونادى قومه يعيب ما هم عليه. ثم خرج إلى الشام يسأل عن الدين، ويتبعه فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم وقال: إني لأحب أن أدين بدينكم فأخبروني فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفرُّ إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وإني أستطيعه فهل تدلنى على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله، فخرج زيد فلقى عالما من النصارى فذكر له مثله، فقال: لن تكون على دين حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضب الله شيئا أبدا وإني أستطيع فهل تدلنى على غيره؟ قال: ما أعلمه أن يكون حنيفا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج فلما برز مع ولديه قال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم. وفي حديث البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قال: رأيت زيد بن عمر بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والله ما منكم على إبراهيم غيري، وكان يحيى الموءودة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها أكفك مؤنتها، فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها. ومن الشعر يقول زيد بن عمرو بن نفيل:

стр. 403

أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور عزلت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الجلد الصبور فلا عزَّى أدين ولا ابنيتها ... ولا صنمي بني عمرو أزور ولا هبلا أدين وكان ربا ... لنا في الدهر إذ حلمي يسير عجبت وفي الليالي معجبات ... وفي الأيام يعرفها البصير بأن الله قد أفنى رجالا ... كثيرا كان شأنهم الفجور وبينا المرء يعثر تاب يوما ... كما يتروح الغصن العطير ولكن أعبد الرحمن ربي ... ليغفر ذنبي الرب الغفور فتقوى الله ربكم احفظوها ... متى ما تحفظوها لا تبوروا ترى الأبرار دارهم جنان ... وللكفار حامية سعير وخزي في الحياة وإن يموتوا ... يلاقوا ما تضيق به الصدور وقال مما ذكره أبو الفرج: أدين إلها يستجار ولا أرى ... أدين لمن لا يسمع الدهر داعيا ومما سبق نلحظ أن هؤلاء الأربعة خرجوا عن الوثنية، ثم بعد ذلك تفرقوا إلى وجهات مختلفة غير وجهة الوثنية، وكانت لهم وجهة نظر في اطراح الوثنية هى: أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، وهم إذ يقولون هذا يخرجون عن وصف قطعة الحجر أنها كذلك، غير أنهم لم يبحثوا فيما وراء ذلك من مشكلات دينية، وعلى الرغم من أنهم لم يستهزئوا بالدين استهزءوا بالإله المصنوع من حجر وغيره، فإن من الواضح أن فكرة وجود إله مغاير لما عليه الأصنام كانت تؤرقهم غير أنهم لم يبحثوها ولو من ناحية تحقيق حاجاتهم الدينية التى كانوا يحسون أن ما هم عليه لا يحقق رغبتهم فيها ولا سيما بعد ما بدا لهم أن آلهتهم تعتبر غريبة على هذا العالم. ولقد رأوا أن عليهم اختيار دين آخر مما هو منتشر بينهم، فمنهم من اتخذ سبيل المسيحية والبحث كورقة، ومن تحير إلى أن تنصر ومات كعبيد الله بن جحش، ومن وقع في براثن السياسة كابن الحويرث، ومن قال: "كذلك يفعل الجلد

стр. 404

الصبور"، فتحسس المسيحية واليهودية إلى أن وقع هواه على الحنيفية دين أبيه إبراهيم، كزيد بن عمرو. "وسُمِّي هؤلاء المفكرون بـ "الحنفاء"، ولكنهم لم ينتظموا في طائفة ولم يرتبطوا برباط واحد ولم يشتركوا في عبادة واحدة معينة، ثم ظهر الصابئة الذين كانوا يسمون أيضا الحنفاء. وقد نبذ هذان النوعان من الحنفاء: اليهودية والمسيحية وآمنوا بدين إبراهيم وكانت تعاليمهم فطرية يسيرة تتفق مع سلوك العرب. ولتصبح الحنيفية دين العرب كانت في حاجة إلى تعاليم محددة وتنظيم قوي وطقوس دينية وكتاب سماوي، ولما كانت الحنيفية تعوزها الأسس السماوية التي تحذب الإنسان فإنها لم تتمكن من الانتشار بحيث تصبح دين العرب. وخلاصة القول: أن الإسلام منح العرب عقيدة التوحيد في أنقى صورها غير متأثرة بغيرها، وأشعرهم بمسئوليات الحياة وقضى على الفساد الاجتماعي من جذوره وحطم حياتهم الانعزالية وجعلهم رسل الحضارة. ولا نجد ما يعبر عن خلاصة هذا البحث خيرا مما قاله الأستاذ براون وهو: "فقد رأينا في موقعة "ذى قار" علاقات تدل على حيوية العرب العظيمة وشدة بأسهم بينما كان جيرانهم ينظرون إليهم على أنهم كميات مهملة بشكل غير مألوف كما كانوا في عصر ما قبل الإسلام١. أما الإسلام ذلك القانون الإلهى الفريد الذي لا يستطيع أي متعلم منصف أن ينكر عظمته فقد جعل العرب يأخذون نصيبا كبيرا من أسباب العظمة والمجد ويؤدون دورهم في الحضارة على خير وجه. بعد ذلك نحب أن نذكر بعض التعليقات حول بعض الأسماء التي أطلقت على ذلك النفر من بعض كتب السيرة فبعضها أطلق على هؤلاء النفر "حنفاء"، والبعض الآخر أطلق عليهم لفظة "المتحنثين". فمن ناحية كلمة "حنفاء" يجوز إطلاقها عليهم من جهة المعنى اللغوي أي الذين خرجوا على دين قومهم.

стр. 405

ومن ناحية المعنى الاصطلاحي نراه يشملهم جميعا من باب قصدهم؛ فهم قصدوا جميعا -عند ما انسحبوا من عبادة الأوثان ودين قومهم الحنيفية، أو من باب التغليب أي لما كان منهم من انتسب إلى الحنفاء سموا جميعا بالحنفاء؛ لأن الذى اعتنق الحنيفية بعد أن بحث عنها واحد منهم فقط. أما من ناحية: أهل الحنث. حنث في اليمين: أي نقضها. قال الجوهري: بلغ الغلام الحنث: أي بلغ المعصية أو الطاعة. وفيه أن الرسول كان يأتي حراء، فيتحنث فيه: أي يتعبد فيه. يقال: فلان يتحنث: أي يفعل فعلا يخرج به من الإثم والحرج. ومنه حديث حكيم بن حزام: أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية؛ أي أتقرب بها إلى الله. ومنه حديث عائشة: ولا أتحنث إلى نذري؛ أي: لا أكسب الحنث وهو: الذنب والإثم. ومنه: تكثر فيهم أولاد الحنث؛ أي: أولاد الزنا. ما عرضناه من معانٍ لكلمة "الحنث" هو معانٍ صالحة لإطلاقها على أهل الحنث، فهم حنثوا؛ أي: نقضوا ما توعدوا عليه وهو طلب الحنيفية، ثم لم يطلبها غير واحد. وبعضهم بلغ بحنثه "عبادته" المعصية، ولا سيما ما كان من بعضهم عندما ترك الحق واتبع السياسة فأهلكته، والبعض الآخر بلغ بحنثه الطاعة، وكلهم طلبوا أمورا صالحة في نظرهم لتعبدهم، وكلهم فعلوا فعلا خرجوا به من الإثم إلى الطاعة بحسب اجتهادهم. وهكذا أوقفتنا معاجم اللغة -كما رأينا- أمام حشد من المعاني دون تنبيه منها يبين متى نشأ المعنى الاصطلاحي للفظ أو متى نقل من معناه اللغوي إلى معناه المذهبي.

стр. 406

وقد وردت لفظة "حنيفًا" في عشر مواضع من القرآن الكريم١، ووردت لفظة "حنفاء" في موضعين منه٢، وبعض الآيات التى وردت فيها: آيات مكية، وبعضها مدنية. وقد نص في بعض منها: على "إبراهيم" وهو على الحنيفية؛ لم ينص في مواضع منها على "اسمه". وقد وردت لفظة "حنفاء" في: سورتين فقط٣، وهما من السور المدنية، وقد لخص الفخر الرازى، والطبرسي: آراء العلماء في الحنيفية، وأجملاها في تفسيرهما للآية الكريمة؛ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ فقالا: وفي الحنيفية أقول: أحدها- أنها: حج البيت؛ عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد. ثانيها- أنها: اتباع الحق؛ عن مجاهد. ثالثها- أنها: اتباع "إبراهيم" فيما يأتى به من الشريعة، التي صار بها إماما للناس بعده، من الحج والختان، وغير ذلك من شرائع الإسلام. رابعها: أنها الإخلاص لله وحده، والإقرار بالربوبية، والإدغان للعبودية. يقول جواد على ونلاحظ أن أهل الأخبار لم يكونوا على بينة تامة، وعلم واضح بأحوال "الحنيفية"؛ وبآرائها، وقواعد أحكامها وأصولها، وأنهم خلطوا في بعض الأحيان فيما بينها وبين الرهبنة، ولا سيما: "رهبنة النصرانية"٤، فأدخلوا فيها من يجب إخراجهم عنها؛ لأنهم: كانوا نصارى، على ما يذكره نفس أهل الأخبار في أثناء تحدثهم عنهم. ومن هؤلاء: "قس بن ساعدة الإيادي، وورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث". فقد نصوا نصوصًا صريحة على أنهم كانوا من العرب المتنصرة؛ ثم نجدهم مع ذلك يدخلونهم في جملة "الأحناف".

стр. 407

وللمستشرقين بحوث في أصلها، ومعناها، وفي ورودها عند العرب قبل الإسلام، ومنهم من يرى: أن اللفظة من أصل "إرمى" وقد كانت معروفة عند النصارى؛ وأخذها الجاهليون منهم؛ وأطلقت على القائلين "بالتوحيد" من العرب - على أولئك الذين ظهروا في اليمن خاصة، ونادوا: "بالتوحيد وعبادة الرحمن" وهى: ديانة "توحيد" ظهرت بتأثير اليهودية، والنصرانية. غير أن أصحابها لم يكونوا "يهودا، ولا نصارى"؛ وإنما كانوا فرقة مستقلة تأثرت بآراء الديانتين١. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن اللفظة من أصل "عبراني" وهو: "تحينوت". Thinath. أو من "حنف" Tnef. ومعناه: "التحنث" في العربية. وذلك لما لهذه اللفظة من صلة بالزهد والزهاد. وقال "نولدكه": إنها من أصل "عربي"، وهو: "تحنف" على وزن "تبرر"، وهى من الكلمات التي لها معانٍ دينية، ويلاحظ أن السريان يطلقون لفظة "حنف" على "الصابئة". وقد وردت لفظة "حنف" في النصوص العربية الجنوبية بمعنى: "صبأ" أي: مال وتأثر بشيء ما. وعندي: أن لفظة "حنيف" هي في الأصل بمعنى "صابئ"؛ أى: خارج عن ملة قوم، وتارك لعبادتهم، ويؤيد رأيي هذا ما ذهب إليه علماء اللغة من أنها من الميل عن الشيء ونزله، ومن ورودها بهذا المعنى في النصوص العربية الجنوبية؛ وبمعنى "الملحد" -المنافق، الكافر- في لغة بنى "إرم"؛ ومن إطلاق المسعودى ابن العبري لهذه اللفظة على "الصابئة"، ومن ذهاب "المسعودي" إلى أن اللفظة من الألفاظ السريانية المعربة. وقد أطلقت على "المنشقين" على عبادة قومهم، الخارجين عليها كما أطلق أهل مكة على النبي ﷺ وعلى أتباعه "الصابئ"، "الصباة"، فصارت علما على من تنكر لعبادة قومه، خرج على الأصنام. ولهذا نجد الإسلام يطلقها في بادئ الأمر على: نابذي عبادة الأصنام، وهم الذين دعاهم بأنهم على دين "إبراهيم".

стр. 408

ولما كان التنكر للأصنام هو عقيدة الإسلام، لذلك صارت مدحًا لمن أطلق عليهم تلك اللفظة لازما١. وقد عدَّ بعض المستشرقين "الحنفاء" شيعة من شيع "النصرانية" وعدوهم نصارى عربا زهادا، كيفوا النصرانية بعض التكييف، وخلطوا فيها بعض تعاليم من غيرها. وقد استدلوا على ذلك بما ورد من تنصُّر بعضهم؛ وبما ورد في بعض الأشعار الجاهلية من مواضع يفهم منها على تفسيرهم أن المراد بهم شيعة من شيع "النصرانية"٢. غير أن: "القرآن الكريم" قد نص نصا صريحا على أن الحنفاء لم يكونوا يهودا، ولا نصارى، وأنهم ينتمون في عقيدتهم إلى: "إبراهيم". ثم إن: الإخباريين وإن أدخلوا في الأحناف أناسا نصوا على أنهم كانوا نصارى إلا أنهم نصوا في الوقت نفس نصا صريحا على أن البقية كانت واقفة، لم تدخل في "يهودية"، ولا "نصرانية"، وإذا وجدت في كل ديانة من الديانتين أمورًا جعلتها تتريث، فلم تدخل في إحداهما، وبقيت مخلصة لسنة إبراهيم. لذلك: فلا يمكن اعتبار "الأحناف" "نصارى" خلصًا، أو شيعة من الشيع "النصرانية"٣. وجُلُّ هؤلاء الأحناف هم من أسر معروفة، وبيوت يظهر أنها كانت مرفهة، أو فوق مستوى الوسط بالنسبة إلى تلك الأيام. ولهذا صار في إمكانهم الحصول على ثقافة، وعلى شراء الكتب، وقد كانت غالية الثمن إذ ذاك؛ لنيل العلم منها. كما صار في إمكانهم الطواف في خارج جزيرة العرب؛ لامتصاص المعرفة من البلاد المتقدمة بالنسبة إلى تلك الأوقات مثل: العراق، وبلاد الشام، وقد اتصلوا -كما يزعم أهل الأخبار- فعلا برجال العلم والدين فيها، وتحادثوا معهم، وأخذوا الرأي منهم. ومن يدري فلعلهم قرأوا عليهم الكتب، وفي جملتها كتب اليونان، أو ترجمات كتبهم بالسريانية فحصلوا نتيجة لذلك على علم بمقولات اليونان، وبآرائهم في الفلسفة والدين والحياة.

стр. 409

وقد تكون بعض الآراء المنسوبة إليهم -والتي ترجع إلى أصل يوناني- قد قالوها من أخذهم لها من تلك الكتب، ومن دراستهم على من اتصلوا بهم من العلماء في أثناء وجودهم في العراق، وفي بلاد الشام١. وقد ذهب "ولهوزن" إلى أن: الأحناف هم من النصارى، وإن حركتهم حركة نصرانية، وإنهم كانوا القنطرة التى توصل بين النصرانية والإسلام غير أن ما لدينا من معارف عن الأحناف لا يكفى لإبداء رأي كهذا الرأي، وللتسليم بمثل هذا القول ينبغي لنا الوقوف على آرائهم وقوفا دقيقا، ومقارنة ما لدينا بما نعرفه من النصرانية؛ لنتمكن من التوصل إلى رأي علمي في هذا الشأن٢. وقد أدخل "المسعودي": بعض الأحناف في جماعة "أهل الفترة" ممن كان بين "المسيح ومحمد" ﵉ ومن أهل "التوحيد" ممن يقر بالبعث، ثم قال: وقد اختلف الناس فيهم، فمن الناس من رأى: أنهم أنبياء، ومنهم من رأى غير ذلك٣. وقد ذكر من بينهم: "حنظلة بن صفوان، وخالد بن سنان العبسى، ورئاب الشنى، وأمية بن أبي الصلت، وقس بن ساعدة الإيادي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وبحيرا الراهب". ومن هؤلاء من كان على النصرانية، وقد نص المسعودي على ذلك٤. والرجال الذين قال أهل الأخبار عنهم أنهم كانوا على دين، وكانوا من "الأحناف" هم "قس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأمية بن أبى الصلت، وزهير بن أبي سلمى، وخالد بن سنان، وكعب بن لؤي"، وغير هؤلاء كثير ذكرهم المسعودي٥. وقد اقتصر محمد بن حبيب على ذكر بعض من تقدم، حين تكلم عن أسماء الذين رفضوا عبادة الأصنام؛ فذكرهم على النحو الذي نذكر بعضه: "عثمان ابن الحويرث، ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، عبيد الله بن جحش"، وذكر منهم من تنصر ومات على النصرانية. مثل "عثمان، وورقة، وعبيد الله".

стр. 410

وأما قس بن ساعدة، فقد رفعه الإخباريون من مصافِّ أسوياء البشر، ووضعوه في صف المعمرين، الذين عاشوا مائتين من السنين قبل سبع مئة سنة أو أقل من ذلك، غير أنه لا يقل عن ثلاث مائة سنة على كل حال١. وقس هو: مخترع؛ أوجد للعرب أشياء عديدة على زعم أهل الأخبار، أحدث لهم أمورا كثيرة: فهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكأ عند خطبته على سيف أو عصا، وأول من علا على شرف، وأول من قال "أما بعد"، وأول من قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"، فكل ما عرفه العرب من مثل هذه الأمور هو من صنعة قس وعمله، ثم إنه كان أحد حكماء العرب وخطيبهم كافة، كما ذكروا أن له ولقومه فضيلة ليست لأحد من العرب؛ لأن الرسول ﷺ روى كلامه وموقفه على جمله الأورق بعكاظ، وموعظته، وعجب من حسن كلامه، وقال فيه: "يحشر أمة وحدة". وذهب "شبرنكر": إلى أن: قسا كان من "الركوسية"؛ وهم فرقة عرفهم أهل اللغة بأنهم: بين النصارى والصابئين، شملت جماعة من الحائرين في أمر دينهم؛ ولذلك عمدوا إلى: السياحة، والترهيب، والإنزواء، وقد حسبهم العرب نصارى فأدخلوهم فيهم في أثناء كلامهم على هؤلاء٢. وجميع هذا القصص المروي عن "قس" هو من النوع الذي يحتاج إلى تمحيص. ١- زيد بن عمرو بن نفيل: هو: زيد بن عمرو بن نفيل بن رباح بن عبد الله، ينتهى نسبة غالب بن فهر فهو من "قريش" ولم تعجبه عبادة قومه، فانتقدها، وهزئ منها، ووقف فلم يدخل في "يهودية" ولا "نصرانية" وفارق دين قومه، فاعتزل الأوثان، ونهى عن قتل الموءودة وامتنع عن الذبح للأنصاب، ومن أكل الميتة، وما ذبح على النصب. وترجع إحدى الروايات: سبب خروج "زيد" على عبادة قومه أنه حضر يوما، وحضر معه في ذلك اليوم: ورقة بن نوفل، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث -عيدًا من أعياد قريش عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه، ويعكفون

стр. 411

عنده، وينحرون له فلما خلا بعضهم إلى بعض، وتصادقوا قالوا: ليكتم بعضكم على بعض واتفقوا على ذلك؛ ثم قال قائلهم: تعلمون والله ما قومكم على شيء لقد أخطأوا دين "إبراهيم" وخالفوه؛ وما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع فابتغوا لأنفسكم؛ فإنكم والله ما أنتم على شيء، فخرجوا يطلبون، ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل الكتاب١. وقد زار "زيد" الشام، والبلقاء، وعاش إلى خمس سنين قبل البعثة فهو: من أولئك الرهط الثائرين على قومهم، والذين أدركوا أيام الرسول؛ وقد نسبوا إليه شعرًا في تسفيه عبادة قومه، وفي فراقه دينهم، وما لقيه منهم، كان قد أوذي لمقالته هذه في دين قومه؛ حتى أكره على ترك مكة والنزول بـ "حداء" وكان الخطاب بن نفيل" عمه. وقد وكل به شبابًا من شباب قريش، وسفهاء من سفهائهم كلفهم ألا يسمحوا له بدخول البلدة ويمنعه من الاتصال بأهلها مخافة أن يفسد عليهم دينهم، وأن يتابعه أحد منهم على فراق ما هم عليه، واضطر زيد إلى المعيشة في هذا المحل معتزلا قومه إلا فترات كان يهرب خلالها سرًّا؛ ليذهب إلى موطنه ومسكنه؛ فكانوا إذا أحسوا بوجوده هناك آلموه وآذوه٢. وقالوا إنه التقى في أثناء أسفاره هذه بأحبار من اليهود، وبعلماء من النصارى، ولكنه لم يجد عندهم ما يطمئن نفسه، وما يرى فيه التوحيد الخالص، ومبادئ إبراهيم لذلك لم يدخل في ديانة ما من هاتين الديانتين حتى قتل. وهناك روايات أخرى تفيد رجوع "زيد" إلى قومه بعد عودته من الشام، ووفاته وفاة طبيعية لا قتلا بيد إنسان، ودفن بأصل حراء٣. ٢- عبيد الله بن جحش: هو: "عبيد الله بن جحش بن رئاب بن أسد بن عبد العزى بن قصى". وقد بقى مرتابا في دين قومه، بعيدا عنهم وعن عبادتهم، حتى إذا ظهر الإسلام دخل فيه؛ ثم هاجر مع هاجر إلى الحبشة، ومعه امرأته "أم حبيبة" بنت

стр. 412

أبي سفيان، وكانت مسلمة كذلك. فلما صار في الحبشة فارق الإسلام، وتنصر وهلك هناك١. ٣- عثمان بن الحويرث: وأما عثمان هذا: فقد بقى مغاضبا قومه في دينهم، ثم رأى الذهاب إلى الروم، فذهب إليهم، وتقرب إلى قيصر، وحسنت منزلته عنده، وتنصر ومنحه لقب "بطريق"؛ وأراد تنصيبه "ملكا" على "مكة". ولكن قومه أبوا عليه ذلك، فلم يتم له مراده، ومات بالشام مسمومًا، سمه عمرو بن جفنة الغساني. وذكر الزبيري: أن والدة "عثمان" هي "تماضر" بنت عمير، وأنه خرج إلى قيصر فسأله أن يملكه على قريش، وقال: "أحملهم على دينك، فيدخلون في طاعتك، ففعل وكتب له عهدًا وختمه بالذهب فهابت "قريش" "قيصر" وهموا أن يدينوا له؛ ثم قام الأسود بن المطلب أبو زمعة فصاح، والناس في الطواف: إن قريشًا لقاح لا تَملُك، ولا تُملَك، فاستمعت قريش إلى كلامه ومنعوا عثمان مما جاء له، فمات عند ابن جفنة، فاتهمت بنو أسد ابن جفنة بقتله، وكان ابن جفنة حبس أبا ذئب عنده وأبا أحيحة بسبب عثمان بن الحويرث، ويقصدون بابن جفنة: عمرو بن جفنة الغساني٢. ٤- أمية بن أبي الصلت: وأما أمية فهو أحسن الحنفاء حظا في بقاء الذكر؛ بقي كثير من شعره؛ وربما وضع كثير منه على لسانه، وحفظ قسط لا بأس به من أخباره، وسبب ذلك: بقاؤه إلى ما بعد البعث، واتصاله بتأريخ النبوة، والإسلام اتصالا مباشرًا وملاءمة شعره بوجه عام لروم الإسلام، لم يكن مسلمًا ولم يرضَ أن يدخل في الإسلام؛ لأنه كان يأمل أن تكون النبوة فيه، وأن ينزل الوحي عليه؛ فيكون نبي العرب والعالم أجمعين، فلما رأى النبوة في الرسول حسده وأثار المشركين عليه، ورثى قتلاهم في معركة بدر،

стр. 413

وحرض قريشًا عليه حتى مات على حسده وعناده سنة تسع بالطائف قبل أن يسلم قومه الثقفيون؛ فهو لم يمت مسلمًا، ولم يمت على دين الوثنيين من قومه، بل مات كافرا بالديانتين١. وقد ورد في بعض الأخبار أن أمية سافر مرة مع أبي سفيان والد معاوية في تجارة إلى بلاد الشام، فكان كلما نزل منزلا أخذ فيه سفرًا له يقرؤه على من معه، كما كان يزور علماء النصارى، ويتباحث معهم، وكان يلبس ثوبين أسودين حينما يقابلهم. ولأمية ديوان ضم أكثر ما نسب إليه من شعر، وفي بطون كتب الأدب والأخبار أشعار أخرى لم يرد ذكرها في هذا الديوان، ومعظم شعره عن الدين، والآخرة، وعن الجنة والنار والحساب والكتاب، وقد تضمن إشارات إلى حوادث وقعت في أيامه، أو في أيام قريبة من أيامه مثل قصة الفيل. كما تضمن بعض قصصالأنبياء، ولتعرض شعره إلى هذه النواحى نعت بشاعر الآخرة. ومما ذكره الإخباريون، ورواة شعر أمية من أمثلة على استعماله للكلم الغريب أنه استعمل: "الساهور للقمر"؛ وأنه ذكر السلطليط "اسما لله تعالى"، وأطلق كلمة "التغرور" على الله تعالى. وأنه سمى السماء "صاقورة"، و"حاقورة". ولولعه باستعمال الغريب رفض علماء اللغة الاحتجاج بشعره٢. والساهور كلمة آرامية الأصل من أصل "سهرو" بمعنى "القمر" وذكر ابن دريد: كان بعض العلماء يقول له: لولا النبي ﷺ لادعت ثقيف أن أمية نبي؛ لأنه قد دارس النصارى، وقرأ معهم، ودارس اليهود وقرأ كل الكتب٣. وقد كسف وتألم كثيرا وأكل الحسد قلبه حين فلت الأمر منه، إذ سمع بإعلان الرسول رسالته، ودعوة الناس إلى دين الله تعالى، الذي كان أمية نفسه يدعو إليه, وقد ورد أنه لما سمع بنبوة الرسول قال: إنما كنت أرجو أن أكونه.

стр. 414

ويروي أهل الأخبار أن أمية كان قد مات، وهو معتقدٌ بأن "الحنيفية حق"؛ إذ رووا أنه قال في مرض موته: قد دنا أجلى، وهذه المرضة فيها منيتى، وأنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك: يداخلنى في "محمد"، وقال: لا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر١. ويذكرون عنه أنه: بعد أن صبأ عن قومه وتحنف لبس المسموح على زي المترهبين الزاهدين في هذه الدنيا، ورافق الكتب ونظر فيها؛ ليستلهم منها العلم والحكمة والرأي الصحيح؛ ثم حرم الخمر على نفسه مثل: بقية المتألهين، وتجنب الأصنام، والتمس الدين، وذكر إبراهيم وإسماعيل، وأنه كان أول من أشاع بين قريش افتتاح الكتب، والمعاهدات والمراسلات بجملة: "باسمك اللهم"، وهي الجملة التي نسخت في الإسلام بجملة: "بسم الله الرحمن الرحيم"٢. ويروى أن النبي ﷺ سمع شعر أمية، وقال: "كاد يسلم"، وذكر أن الرسول ﷺ قال في حديث له عنه: آمن شعره، وكفر قلبه، وإنه لما سمع شعره في الحنيفية والدين، والذي مطلعه: الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربي ومسَّانا قال: "إن كاد أمية ليسلم"٣. ٥- ورقة بن نوفل: هو: ورقة بن نوفل بن أسد ... يلتحم نسبه بنسب الرسول ﷺ في جد جده. ذكروا أنه: ساح على شاكلة من شك في دين قومه، وتتبع اليهود والنصارى، وقرأ الكتب، وعد في جملة المتنصرين في أغلب الروايات فقد ذكروا أنه تنصر واستحكم في النصرانية، ومات عليها؛ وهذا هو رأي أكثر أهل الأخبار.

стр. 415

وهو: ابن عمِّ السيدة "خديجة" الكبرى، زوج "الرسول"؛ وقد أشير إليه في خبر مجيء جبريل إلى النبي ﷺ في حراء، وله كلام مع الرسول على ما ورد في بعض الروايات١. يقال: إنه قال للرسول ﷺ وكان قد ذهب إليه مع زوجته "خديجة"؛ ليسأله رأيه فيما رآه من الرؤيا: ليتني كنت حيا حين يخرجك قومك! " وإن الرسول ﷺ قال: "أوَمُخرجيَّ هُم؟ "، قال: نعم. إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودى؛ ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصرا مؤزرا. وجاء في خبر: أن ورقة كان يمر بمكة فيرى بلالًا وهو يعذب؛ يعذبه المشركون برمضاء "مكة" يلصقون ظهره بالرمضاء، ويضربونه، يريدون منه أن يشرك "بالله تعالى"، فلا يشرك، ويأبى إلا أن يقول: "أحد أحد"، فيرثي ورقة لحاله، ويقول: "أحد أحد والله يا بلال"، ولئن قتلتموه فأنتم من الخاسرين٢. وورد في بعض الروايات: أنه كان يكتب الكتاب العربي، فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء أن يكتب. ورود في رواية أخرى: أنه كان يكتب الكتاب "العبراني" فكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب. ولما كان الإنجيل باليونانية، وبلغة بني "إرم" التي كانت لغة العلم والأدب، فقد أخطأ الرواة بجعل لغة الإنجيل هي: "العبرانية". وهم يتوهمون كثيرا فيخلطون بين العبرانية والسريانية، والغالب أنهم كانوا يريدون بالعبرانية لغة بني "إرم" التي كانت لغة العلم والأدب والدين في العراق، وفي بلاد الشام٣.

стр. 416

٦- وكيع بن سلمة: هو: وكيع بن سلمة بن زهير الريادي، زعم ابن الكلبي أنه ولي البيت بعد "جرهم". فبنى صرحا بأسفل "مكة"، وجعل فيه أمة يقال لها: "حزورة"، وبها سميت "حزورة مكة". وجعل في الصراح سلما، فكان يرقاه، ويزعم أنه يناجي الله تعالى١. ٧- عمير بن جندب: كل ما عرفه أهل الأخبار عنه: أنه كان من "جهينة"، أنه كان موحدا لم يشرك بربه أحدا، وأنه مات قبل الإسلام٢. ٨- عامر بن الظرب العَدَوَاني: كان من الحكماء، ونسبت إليه أقوال في الحكم والدين؛ منها: "إني ما رأيت شيئا خلق نفسه، ولا رأيت موضوعا إلا مصنوعا، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء"، ثم قال: "إني أرى أمورا شتى وحتى، قيل له: وما حتى؟ قال: حتى يرجع الميت حيًّا ويعود اللاشيء شيئا؛ ولذلك خُلِقَت السماوات والأرض، فتولوا عنه ذاهبين"٣. ٩- المتلمس بن أمية الكناني: ذكروا أنه: كان قد اتخذ من فناء الكعبة موضعًا يخطب فيه، ويعظ قومه عظات دينية، فكان في جملة ما قاله لهم: "إنكم قد تفردتم بآلهة شتى؛ وإني لأعلم ما الله تعالى راضٍ به، وإن الله تعالى رب هذه الآلهة، وإنه ليحبُّ أن يعبد وحده، فنفرت كلماته هذه وأمثالها القوم منه وتجنبوه. وقالوا عنه: إنه على دين بني تميم"٤.

стр. 417

١٠- عبيد بن الأبرص: هو شاعر جاهلي شهير، له في قتله قصة هي من ذيول قصة "الغربيين" للمنذر بن ماء السماء. نجد في الشعر المنسوب إليه: اسم الله "تعالى" يتردد في كثير من المواضع؛ ونراه من المتشائمين، المؤمنين بالمنايا وبالمحتم المكتوب؛ ونراه في القصيدة البائية يتوكل على الله تعالى، ويدعو الناس إلى الاعتماد عليه. فيقول: من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيبُ بالله يدرك كل خير ... والقول في بعضه تلغيبُ والله ليس له شريك ... علام ما أخفت القلوبُ ونراه يقول في المنايا: فأبلغ بنيَّ وأعمامَهُمْ ... بأن المنايا هي الواردهْ لها مدة فنفوس العباد ... إليها وإن كرهت قاصدهْ فلا تجزعوا للحمام دنا ... فلملوت ما تلد الوالده١ ١١- كعب بن لؤي بن غالب: كان على الحنيفية؛ وهو: جدٌّ من أجداد النبي ﷺ وإليه كانت تجتمع قريش في كل جمعة، فكان يعظهم، ويوجههم، ويرشدهم ويأمرهم بالطاعة والتفكر في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتقلب الأحوال والاعتبار بما جرى على الأولين والآخرين، ويحثهم على صلة الأرحام، وإفشاء السلام، وحفظ العهد، ومراعاة حق القرابة، والتصدق على الفقراء والأيتام٢. خلاصة ما تقدم: يقول جواد علي: لقد جعل أهل الأخبار معظم من تحدثنا عنهم -إن لم نقل: كلهم- من القارئين الكاتبين؛ ونسبوا إلى بعضهم قراءة الكتب والصحف والزبور ومجلة لقمان، يريدون بذلك الكتب المقدسة.

стр. 418

ويفهم من كلامهم في بعض الأحيان أن منهم من كان يحسن فهم "العبرانية" أو لغة بنى "إرم". ولكن الإخباريين -عفا الله تعالى عنهم- لم يتبسطوا لنا في الحديث عن ماهية تلك الصحف، وعن محتويات مجلة لقمان، وعن الكتب المنزلة؛ ولم يأتوا بنماذج مفصلة طويلة، أو قطع ترشد إلى المظان التى نقلت منها، فأضاعوا علينا -بعدم الإشارة إلى هذه الأمور- أشياء كثيرة مهمة بنا حاجة ماسة إلى معرفتها؛ للوقوف على الحالة الدينية في جزيرة العرب قبيل الإسلام، وإبان ظهوره، ويؤكد أهل الأخبار أن بعض أولئك الحنفاء كانوا يسيرون على سنة "إبراهيم" وشريعته؛ وإن بعضًا آخر منهم كان يتلمس كلماته، ويسأل عنها، وإنهم في سبيل ذلك تحملوا المشاق، والأسفار والصعاب. وقد جعلوا وجهة أكثرهم أعالي الحجاز، وبلاد الشام وأعالي العراق أى: المواضع التي كانت غالبية أهلها على النصرانية يومئذ، وجعلوا أكثر كلامهم وسؤالهم مع الرهبان، وقد أضافوا إليهم الأخبار أحيانا وذكروا أن الرهبان والأحبار أشاروا عليهم بوجوب البحث والتأمل، فليس عندهم ما يأملونه ويرجونه من دين "إبراهيم" و"إسماعيل"؛ ولذلك لم يدخلوا في "يهودية"، ولا "نصرانية" بل ظلوا ينتظرون الوعد الحق، ومنهم من مات وهو على هذه العقيدة، مات معتقدا بدين "إبراهيم" حنيفا غير مشرك بربه أحدا. أما كيف كانت شريعة "إبراهيم"؟، وعلى أي نهج سار الحنفاء؟ وهل كان لهم كتاب، أو كتب، أو نحو ذلك؟ فأسئلةلم يجب عنها أهل الأخبار إجابة صريحة واضحة، لذلك صرنا في جهل بأمر تلك الشريعة -شريعة إبراهيم- شريعة التوحيد الحق١. ويذكر أهل الأخبار: أنه كان لأتباع "إبراهيم" من العرب علامات وعادات ميزوا أنفسهم بها عن غيرهم، منها: "الختان، وحلق العانة، وقص الشارب"، وهي

стр. 419

علامات جعلها بعض المفسرين من كلمات "إبراهيم"، التي ذكرت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] . ذهب القائلون بهذا الرأي: إلى أن تلك الكلمات هى عشر: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ فأما التي في الرأس، فالمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وفرق الرأس، والسواك، وأما التي في الجسد فهي: الاستنجاء، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط وخلق العانة، والختان، ومن سنن شريعة "إبراهيم" الاختتان، وهو من العادات القديمة الشائعة بين العرب الجاهليين الوثنيين. أما العرب النصارى فلم يكونوا يختتنون، فالحنفاء في هذه العادة والوثنيون سواء. وفي أخبار معركة "حنين" أن الأنصار حينما أجهزوا على قتلى "ثقيف" ممن سقط في هذه المعركة مع "هوازن" وجدوا عبدا عندما كشف؛ ليستلب ما عليه وجد "أغرل"، فلما تبين ذلك للأنصار نادى أحدهم بأعلى صوته: يعلم الله أن ثقيفا "غرل" ما تختتن، فقام إليه: "المغيرة بن شعبة" -وهو من ثقيف- فأخذ بيده، وخشي أن يذهب ذلك عن قومه في العرب، فقال له: لا تقل ذلك فداك أبي وأمي؛ إنما هو غلام لنا نصرانى، ثم جعل يكشف له قتلى قومه ويقول له: ألا تراهم مختتنين. ويتبين من هذا الخبر: أن العرب كانوا يعدون "الغرل" شيئًا معيبًا ومنقصة تكون حديث الناس. وهناك خبر آخر يفيد أن العرب جميعا كانوا يختتنون، وأن الاختتان كان من السمات التى تميزهم عن غيرهم، وأنهم في ذلك "كاليهود".

стр. 420

وقد ورد في: الموارد اليهودية ما يفيد اختتان العرب، ولعل التوارة التي ذكرت قصة اختتان "إسماعيل" أخذت خبرها هذا من تقاليد العرب الشماليين، التي كانت شائعة بينهم في ذلك العهد١، ومن جهة نظرنا أن هؤلاء الحنفاء -من بين قومهم- خرجوا يبتغون الثقافة في رحلة علمية من مراكزهم المنتشرة على مشارف الجزيرة التي أشرنا إليها سابقا وليست طلبا للتجارة، وحين رجع بعضهم إلى مكة اعتزل الأصنام وهيأ بما دعيا إليه الذهن للتوحيد فكان ورقة أول من بشر الرسول ... وأمية بن الصلت قال عنه الرسول: آمن لسانه وكفر قلبه.. وعبد الله بن الزبعرى يحاجج الرسول عندما سمع قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ٢ قال للرسول: إن النصارى تعبد عيسى فهل هو كذلك.. وما ذلك كان منهم إلا من ثقافتهم.

стр. 421

الباب الخامس: مكة عاصمةٌ ثقافية ودينية الحجاز: إن الحجاز -بعكس الجزء الجنوبي الغربي من الجزيرة- أمضى قرونا طويلة من حياته في القديم، وهو في شبه عزلة عن العالم المتمدن؛ اللهم إلا بعض ما كان له من نشاط تجاري. فجدب الحجاز وقساوة إقليمه، وصعوبة الوصول إليه، ووعورة مسالكه.. كلها كانت عوامل في إبعاد الفاتحين العظام في التاريخ القديم عن غزو هذه البقعة من الجزيرة العربية أو محاولة ضمها إلى إمبراطورياتهم. لهذا: كله، عاش الحجاز حياته الخاصة بعيدًا عن أضواء السياسة العالمية والاحتكاك بالدول؛ وظل أهله على بداوتهم، وارتحالهم إلا في القليل النادر، حيث نشأت بعض المدن التي كان أهمها: "مكة". وقضية البداوة لها دور هام وبارز في الإطار العام لحياة الحجاز في فترة ما قبل الإسلام. والاقتصاد البدوي القائم على الارتحال مع قطعان الماشية، من أجل البحث عن مواطن الكلأ والماء هو اقتصاد الحجاز في هذه الفترة؛ لأنه ما عدا بعض المدن "مكة، المدينة، الطائف" التي كانت كجزر صغيرة في خضم صحراوي كبير؛ كان الارتحال هو ناموس الحياة ومحورها الأساسي. وكما هو معلوم فإن الحياة البدوية تعتمد على تربية الماشية، وبصورة خاصة "الجمال" كأساس في نشاطها اليومي، وكناظم لتحركها، وأسلوب معيشتها. ولما كان تدبير الكلأ، والماء لهذه المواشي هو الشغل الشاغل للناس، فإن التنقل وعدم الاستقرار أديا إلى عدم قيام حضارة مستقرة على أرض الحجاز القديم، وما عدا بعض الواحات وبعض المنبسطات الخصبة في الجبال فإن أرض الحجاز لم تكن صالحة للزراعة، ولا تبنت إلا أعشابا، وشجيرات، تستسيغها الماشية بشكل عام، والجِمال بشكل خاصّ. وكان محصول النخيل أهم محصولات الواحات، أما في المناطق الجبلية المثمرة، كالطائف مثلًا، فقد كان الحبوب تنتج بكميات محدودة، لا تكفي للاستهلاك المحلي.

стр. 422

وكانت هناك مستعمرات يهودية تزرع فيها بعض المزروعات، التي تستهلك محليا، أو تنقل إلى المدن المجاورة لاستهلاك سكانها١. مكة وموقعها المتميز: تقع مكة في وادٍ منحصر بين الجبال في منطقة جافة، ذات مناخ قاريٍّ حار جدًّا في الصيف، قليل الأمطار في الشتاء، وحين تسقط الأمطار، فإنها لا تكون غزيرة، ولكنها تشكل سيولًا، تنحدر من الجبال إلى الوديان والشعاب، وكثيرًا ما جرفت "الكعبة". وإنه مما لا شك فيه أن "مكة" منذ أن ظهرت للوجود كانت مركزًا تجاريًّا هامًّا، وأن ازدهارها كمركز مرتبط إلى أبعد الحدود بوجود الحرم فيها، وهو المنطقة التي تحرم فيها كل أنواع القتل. يضاف إلى هذا موقعها الجغرافي، ووجودها على مفترق الطرق، التي تحمل التجارة من "اليمن إلى سورية"، ومن "الحبشة إلى العراق" قد ساعدا على إضفاء الأهمية التجارية عليها. وهكذا: فقد كانت "مكة" مقصد البدو الذين يرتادونها لشراء ما يحتاجون من البضائع التي تصلها من جميع الجهات، بواسطة القوافل التجارية. وأغلب الظن: أن المكيين كانوا في الأساس وسطاء تجاريين، أو تجار مفرق، ولم يكونوا من فئة المستوردين الكبار، الذين ينظمون القوافل ويسيرونها٢. ويذهب التجار المكيون بالمقابل إلى الحيرة ليبتاعوا، وينقلوا ما يحتاجون من منتوجاتها. كذلك كان نشاط المكيين التجاري واسعًا مع بلاد الشام، فقد كانوا يأتون إليها حاملين بضائع الهند، ويعودون منها ومعهم الحبوب والزيت، والخمور والأسلحة، والمنسوجات والجواري. وكان الصيف هو الفضل الذي تقصد فيه قوافلهم بلاد الشام، تزور مدن "غزة" حيث دفن هاشم جد النبي ﷺ و"آيلة": و"بصرى"، وتعود بعد أن تقوم بعملية البيع والشراء محملة بالبضائع من جديد.

стр. 423

أما مع الحبشة: فقد كانت تجارتهم تجري عن طريق البحر، وكذلك كانت رحلاتهم التجارية إلى اليمن تتم في فصل الشتاء، وكدليل على أهمية التجارة عند المكيين، يمكننا أن نذكر الألفاظ المتعلقة بالتجارة وهى كثيرة جدًّا "بالقرآن الكريم"، حيث نجد: كلمات تجارية مثل: "حساب، ميزان، قسط، ذرة.." تتردد كثيرا، ولم يقتصر العمل بهذه المهنة على الرجال؛ بل اشتغلت بها النساء؛ كخديجة بنت خويلد، وهند بنت عبد المطلب وغيرهما. وقد مهر المكيون بالتجارة لدرجة ضرب بها المثل، فكان يقال مثلا عن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يحصل الذهب من الحجارة. وكان البعض يقوم بهذه التجارة مستقلًّا لنفسه؛ بينما كان آخرون، يتشاركون في تجارتهم، ويقوم عدد كبير منهم في تجهيز قافلة واحدة، ويسير أصحاب القافلة مع قوافلهم بأنفسهم، أو يرسلون أجيرا لهم أو إنسانا يستأجرونه لهذا العمل. ولتأمين حماية القوافل كانوا يعقدون الاتفاقيات مع رؤساء القبائل التي ستمر قوافلهم في أراضيها. وحين تقصد هذه القوافل بلدا معينا كانوا: يعقدون محالفات مع رؤساء أو حكام هذه الدول. وتسمى هذه المعاهدات عادة "بالإيلاف". وقد أدى هذا النشاط التجاري -عند المكيين- إلى نشوء أعمال مصرفية، ونشوء طبقة من الصيارفة يهتمون بشئون عملات الدولة التى يتعامل معها المكِّيون. كما وجد المرابون الذين يقومون بالإقراض، ويفرضون الفوائد الفاحشة على المدينين١. علاقات "مكة" التجارية: أقدم من سجل اسمه من اليونان في سجل العلاقات العربية اليونانية هو: "الإسكندر الأكبر" ٣٥٦- ٣٢٣ ق. م. بعد أن سيطر هذا الرجل الجبار الغريب

стр. 424

الأطوار، الذي توفي شابًّا على أرض واسعة، وأسس إمبراطورية شاسعة الأرجاء، ذات منافذ على البحر الأحمر، والخليج العربي، وبعد أن استولى على مصر، والهلال الخصيب، فكر في السيطرة على جزيرة العرب، وجعلها جزءًا من إمبراطوريته؛ ليتم له بذلك الوصول إلى سواحل المحيط الهندي، والسيطرة على تجارة "إفريقية، وآسية"، وتحويل ذلك المحيط إلى بحر يوناني. وقد شرح الكاتب "أريان" المولود سنة ٩٥ ب. م، والمتوفى سنة ١٧٥ ب. م الأسباب التي حملت الإسكندر على التفكير في الاستيلاء على جزيرة العرب وعلى بحارها في الكتاب السابع من مؤلفه Anabasis Alexxandri، فذكر أن هناك من يزعم أن الإسكندر إنما جهز تلك الحملة البحرية؛ لأن معظم القبائل العربية لم ترسل إليه رسلا؛ للترحيب به ولتكريمه فغاظه ذلك. أما "أريان" فإنه يرى أن السبب الحقيقي الذي حمل الإسكندر على إرسال هذه الحملة يكمن في رغبته في اكتساب أرض جديدة. وأورد "أريان"١ في كتابه قصة أخرى خلاصتها: أن العرب كانوا يتعبدون لإلهين هما: "أورانوس، ديونيسوس". وجميع الكواكب وخاصة الشمس فلما سمع "الإسكندر" بذلك أراد أن يجعل نفسه الإله الثالث للعرب. وذكر أيضا: أنه سمع ببخور بلاد العرب وطيبها، وحاصلاتها الثمينة، وبسعة سواحلها، التي لا تقل مساحتها كثيرا عن سواحل الهند، وبالجزر الكثيرة المحدقة بها، وبالمرافئ الكثيرة فيها، والتي يستطيع أسطوله أن يرسو فيها، وببناء مدن يمكن أن تكون من المدن الغنية، وسمع بأشياء أخرى. فهاجت فيه هذه الأخبار الشوق إلى الاستيلاء عليها؛ فسير إليها حملة بحرية للطواف بسواحلها إلى ملتقاها بخليج العقبة.

стр. 425

ليست فتوحات الإسكندر، التي قذفت بالإغريق، والرومان إلى مساحات واسعة من آسية حدثًا سياسيًّا فحسب؛ إنما هي: فصل من فصول كتاب التأريخ البشري؛ نقرأ فيه أخبار التقاء العالمين: الشرقي، والغربي، وجهًا لوجه على مساحات واسعة من وجه المسكونة؛ ونزعة الغرب في السيطرة على الشرق وتأثر الحضارات والثقافات بعضها ببعض، وحصول علماء اليونان والرومان على معارف مباشرة عن أحوال أمم كانوا يسمعون أخبارها من أفواه التجار والسياح والملاحين، فإذا وصلت إليهم كان عنصر الخيال فيها الذي يميل إلى التفخيم، والتجسيم قد انتهى من عمله، وأدى واجبه. فصححت فتوحات "الإسكندر" هذه للهلال الخصيب ولمصر بعض تلك الأوهام، وجاءت بعلماء من اليونان إلى هذه البلاد؛ ولا سيما مصر، فأفادوا، واستفادوا وصارت "الإسكندرية" بصورة خاصة، وبعض مدن بلاد الشام ملتقى الثقافات؛ الثقافات الشرقية، والثقافات الغربية، ومركز الاتصال العقلي بين الغرب والشرق؛ وبقيت الإسكندرية محافظة على مكانتها هذه حتى ظهور الإسلام. وقد حملت فتوحات "الإسكندر"، والحروب التي وقعت بين الروم والفرس إلى الشرق الأدنى دمًا جديدًا هو: دم الإغريق، ومن دخل في خدمة "الإسكندر"، واليونان والرومان من الجنود والمتطوعة والمرتزقة من سواحل البحر المتوسط الشمالية، وما صاقبها من أصقاع أوربية. لقد بنى "الإسكندر" الأكبر مدينة Gharax- على ملتقى نهر: "كارون" بدجلة، وأسكنها أتباعه، وجنوده ومواطني المدينة الملكية كما بنى مدنا أخرى، وقد كان من المحبين المولعين ببناء المدن، وبنى خلفاؤه مدنا جديدة في الشرق، وكذلك من أخذ تراثهم من اليونان والرومان. وحمل الفرس عددًا من أسرى الروم، وأسكنوهم في ساحل "الخليج" وفي مواضع أخرى. وطبيعي أن تترك سكنى هؤلاء في الشرق أثرًا ثقافيًّا في الأماكن التي أقاموا فيها، وفي نفوس من جاوروهم أدرك قيمته المؤرخون المعاصرون١.
следующие страницы →