الباب الخامس: مكة عاصمةٌ ثقافية ودينية
الحجاز:
إن الحجاز -بعكس الجزء الجنوبي الغربي من الجزيرة- أمضى قرونا طويلة من حياته في القديم، وهو في شبه عزلة عن العالم المتمدن؛ اللهم إلا بعض ما كان له من نشاط تجاري.
فجدب الحجاز وقساوة إقليمه، وصعوبة الوصول إليه، ووعورة مسالكه.. كلها كانت عوامل في إبعاد الفاتحين العظام في التاريخ القديم عن غزو هذه البقعة من الجزيرة العربية أو محاولة ضمها إلى إمبراطورياتهم.
لهذا: كله، عاش الحجاز حياته الخاصة بعيدًا عن أضواء السياسة العالمية والاحتكاك بالدول؛ وظل أهله على بداوتهم، وارتحالهم إلا في القليل النادر، حيث نشأت بعض المدن التي كان أهمها: "مكة".
وقضية البداوة لها دور هام وبارز في الإطار العام لحياة الحجاز في فترة ما قبل الإسلام.
والاقتصاد البدوي القائم على الارتحال مع قطعان الماشية، من أجل البحث عن مواطن الكلأ والماء هو اقتصاد الحجاز في هذه الفترة؛ لأنه ما عدا بعض المدن "مكة، المدينة، الطائف" التي كانت كجزر صغيرة في خضم صحراوي كبير؛ كان الارتحال هو ناموس الحياة ومحورها الأساسي.
وكما هو معلوم فإن الحياة البدوية تعتمد على تربية الماشية، وبصورة خاصة "الجمال" كأساس في نشاطها اليومي، وكناظم لتحركها، وأسلوب معيشتها.
ولما كان تدبير الكلأ، والماء لهذه المواشي هو الشغل الشاغل للناس، فإن التنقل وعدم الاستقرار أديا إلى عدم قيام حضارة مستقرة على أرض الحجاز القديم، وما عدا بعض الواحات وبعض المنبسطات الخصبة في الجبال فإن أرض الحجاز لم تكن صالحة للزراعة، ولا تبنت إلا أعشابا، وشجيرات، تستسيغها الماشية بشكل عام، والجِمال بشكل خاصّ.
وكان محصول النخيل أهم محصولات الواحات، أما في المناطق الجبلية المثمرة، كالطائف مثلًا، فقد كان الحبوب تنتج بكميات محدودة، لا تكفي للاستهلاك المحلي.
стр. 422
وكانت هناك مستعمرات يهودية تزرع فيها بعض المزروعات، التي تستهلك محليا، أو تنقل إلى المدن المجاورة لاستهلاك سكانها١.
مكة وموقعها المتميز:
تقع مكة في وادٍ منحصر بين الجبال في منطقة جافة، ذات مناخ قاريٍّ حار جدًّا في الصيف، قليل الأمطار في الشتاء، وحين تسقط الأمطار، فإنها لا تكون غزيرة، ولكنها تشكل سيولًا، تنحدر من الجبال إلى الوديان والشعاب، وكثيرًا ما جرفت "الكعبة".
وإنه مما لا شك فيه أن "مكة" منذ أن ظهرت للوجود كانت مركزًا تجاريًّا هامًّا، وأن ازدهارها كمركز مرتبط إلى أبعد الحدود بوجود الحرم فيها، وهو المنطقة التي تحرم فيها كل أنواع القتل. يضاف إلى هذا موقعها الجغرافي، ووجودها على مفترق الطرق، التي تحمل التجارة من "اليمن إلى سورية"، ومن "الحبشة إلى العراق" قد ساعدا على إضفاء الأهمية التجارية عليها.
وهكذا: فقد كانت "مكة" مقصد البدو الذين يرتادونها لشراء ما يحتاجون من البضائع التي تصلها من جميع الجهات، بواسطة القوافل التجارية.
وأغلب الظن: أن المكيين كانوا في الأساس وسطاء تجاريين، أو تجار مفرق، ولم يكونوا من فئة المستوردين الكبار، الذين ينظمون القوافل ويسيرونها٢.
ويذهب التجار المكيون بالمقابل إلى الحيرة ليبتاعوا، وينقلوا ما يحتاجون من منتوجاتها. كذلك كان نشاط المكيين التجاري واسعًا مع بلاد الشام، فقد كانوا يأتون إليها حاملين بضائع الهند، ويعودون منها ومعهم الحبوب والزيت، والخمور والأسلحة، والمنسوجات والجواري.
وكان الصيف هو الفضل الذي تقصد فيه قوافلهم بلاد الشام، تزور مدن "غزة" حيث دفن هاشم جد النبي ﷺ و"آيلة": و"بصرى"، وتعود بعد أن تقوم بعملية البيع والشراء محملة بالبضائع من جديد.
стр. 423
أما مع الحبشة: فقد كانت تجارتهم تجري عن طريق البحر، وكذلك كانت رحلاتهم التجارية إلى اليمن تتم في فصل الشتاء، وكدليل على أهمية التجارة عند المكيين، يمكننا أن نذكر الألفاظ المتعلقة بالتجارة وهى كثيرة جدًّا "بالقرآن الكريم"، حيث نجد: كلمات تجارية مثل: "حساب، ميزان، قسط، ذرة.." تتردد كثيرا، ولم يقتصر العمل بهذه المهنة على الرجال؛ بل اشتغلت بها النساء؛ كخديجة بنت خويلد، وهند بنت عبد المطلب وغيرهما.
وقد مهر المكيون بالتجارة لدرجة ضرب بها المثل، فكان يقال مثلا عن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يحصل الذهب من الحجارة.
وكان البعض يقوم بهذه التجارة مستقلًّا لنفسه؛ بينما كان آخرون، يتشاركون في تجارتهم، ويقوم عدد كبير منهم في تجهيز قافلة واحدة، ويسير أصحاب القافلة مع قوافلهم بأنفسهم، أو يرسلون أجيرا لهم أو إنسانا يستأجرونه لهذا العمل.
ولتأمين حماية القوافل كانوا يعقدون الاتفاقيات مع رؤساء القبائل التي ستمر قوافلهم في أراضيها. وحين تقصد هذه القوافل بلدا معينا كانوا: يعقدون محالفات مع رؤساء أو حكام هذه الدول. وتسمى هذه المعاهدات عادة "بالإيلاف".
وقد أدى هذا النشاط التجاري -عند المكيين- إلى نشوء أعمال مصرفية، ونشوء طبقة من الصيارفة يهتمون بشئون عملات الدولة التى يتعامل معها المكِّيون.
كما وجد المرابون الذين يقومون بالإقراض، ويفرضون الفوائد الفاحشة على المدينين١.
علاقات "مكة" التجارية:
أقدم من سجل اسمه من اليونان في سجل العلاقات العربية اليونانية هو: "الإسكندر الأكبر" ٣٥٦- ٣٢٣ ق. م. بعد أن سيطر هذا الرجل الجبار الغريب
стр. 424
الأطوار، الذي توفي شابًّا على أرض واسعة، وأسس إمبراطورية شاسعة الأرجاء، ذات منافذ على البحر الأحمر، والخليج العربي، وبعد أن استولى على مصر، والهلال الخصيب، فكر في السيطرة على جزيرة العرب، وجعلها جزءًا من إمبراطوريته؛ ليتم له بذلك الوصول إلى سواحل المحيط الهندي، والسيطرة على تجارة "إفريقية، وآسية"، وتحويل ذلك المحيط إلى بحر يوناني.
وقد شرح الكاتب "أريان" المولود سنة ٩٥ ب. م، والمتوفى سنة ١٧٥ ب. م الأسباب التي حملت الإسكندر على التفكير في الاستيلاء على جزيرة العرب وعلى بحارها في الكتاب السابع من مؤلفه Anabasis Alexxandri، فذكر أن هناك من يزعم أن الإسكندر إنما جهز تلك الحملة البحرية؛ لأن معظم القبائل العربية لم ترسل إليه رسلا؛ للترحيب به ولتكريمه فغاظه ذلك.
أما "أريان" فإنه يرى أن السبب الحقيقي الذي حمل الإسكندر على إرسال هذه الحملة يكمن في رغبته في اكتساب أرض جديدة.
وأورد "أريان"١ في كتابه قصة أخرى خلاصتها: أن العرب كانوا يتعبدون لإلهين هما: "أورانوس، ديونيسوس". وجميع الكواكب وخاصة الشمس فلما سمع "الإسكندر" بذلك أراد أن يجعل نفسه الإله الثالث للعرب.
وذكر أيضا: أنه سمع ببخور بلاد العرب وطيبها، وحاصلاتها الثمينة، وبسعة سواحلها، التي لا تقل مساحتها كثيرا عن سواحل الهند، وبالجزر الكثيرة المحدقة بها، وبالمرافئ الكثيرة فيها، والتي يستطيع أسطوله أن يرسو فيها، وببناء مدن يمكن أن تكون من المدن الغنية، وسمع بأشياء أخرى. فهاجت فيه هذه الأخبار الشوق إلى الاستيلاء عليها؛ فسير إليها حملة بحرية للطواف بسواحلها إلى ملتقاها بخليج العقبة.
стр. 425
ليست فتوحات الإسكندر، التي قذفت بالإغريق، والرومان إلى مساحات واسعة من آسية حدثًا سياسيًّا فحسب؛ إنما هي: فصل من فصول كتاب التأريخ البشري؛ نقرأ فيه أخبار التقاء العالمين: الشرقي، والغربي، وجهًا لوجه على مساحات واسعة من وجه المسكونة؛ ونزعة الغرب في السيطرة على الشرق وتأثر الحضارات والثقافات بعضها ببعض، وحصول علماء اليونان والرومان على معارف مباشرة عن أحوال أمم كانوا يسمعون أخبارها من أفواه التجار والسياح والملاحين، فإذا وصلت إليهم كان عنصر الخيال فيها الذي يميل إلى التفخيم، والتجسيم قد انتهى من عمله، وأدى واجبه. فصححت فتوحات "الإسكندر" هذه للهلال الخصيب ولمصر بعض تلك الأوهام، وجاءت بعلماء من اليونان إلى هذه البلاد؛ ولا سيما مصر، فأفادوا، واستفادوا وصارت "الإسكندرية" بصورة خاصة، وبعض مدن بلاد الشام ملتقى الثقافات؛ الثقافات الشرقية، والثقافات الغربية، ومركز الاتصال العقلي بين الغرب والشرق؛ وبقيت الإسكندرية محافظة على مكانتها هذه حتى ظهور الإسلام.
وقد حملت فتوحات "الإسكندر"، والحروب التي وقعت بين الروم والفرس إلى الشرق الأدنى دمًا جديدًا هو: دم الإغريق، ومن دخل في خدمة "الإسكندر"، واليونان والرومان من الجنود والمتطوعة والمرتزقة من سواحل البحر المتوسط الشمالية، وما صاقبها من أصقاع أوربية.
لقد بنى "الإسكندر" الأكبر مدينة Gharax- على ملتقى نهر: "كارون" بدجلة، وأسكنها أتباعه، وجنوده ومواطني المدينة الملكية كما بنى مدنا أخرى، وقد كان من المحبين المولعين ببناء المدن، وبنى خلفاؤه مدنا جديدة في الشرق، وكذلك من أخذ تراثهم من اليونان والرومان.
وحمل الفرس عددًا من أسرى الروم، وأسكنوهم في ساحل "الخليج" وفي مواضع أخرى. وطبيعي أن تترك سكنى هؤلاء في الشرق أثرًا ثقافيًّا في الأماكن التي أقاموا فيها، وفي نفوس من جاوروهم أدرك قيمته المؤرخون المعاصرون١.
стр. 426
وفي أيام "بطليموس فيلادلفوس" كذلك أسست موانئ جديدة على سواحل البحر الأحمر لرسو السفن فيها، وللمحافظة على الطرق البحرية من لصوص البحر بلغت مداها جزيرة "سقطرى"؛ حيث أنشئت فيها جملة مستعمرات يونانية؛ وقد بقي اليونانيون فيها عصورا، غير أن نزولهم فيها لا يدل على احتلالهم لها١.
ويذكر الباحثون أن تسميتها جاءتها من "السنسكريتة" "دفيبا سوخنزا".
وهى تسمية إن صح أنها من هذا الأصل فإنها تدل على صلة أهل "الهند" بها منذ عهد قديم.
وأهلها خليط من عرب وروم إفريقيين وهنود يتكلمون بلهجات متداخلة، وهذا الاختلاط نفسه أمارة على الأهمية التي كانت للجزيرة في ذلك الزمن.
وقد ذكر "ياقوت الحموي" أن أكثر أهلها نصارى عرب، وأن اليونانيين الذين فيها يحافظون على أنسابهم محافظة شديدة، وقد وصلوا إليها في أيام "الإسكندر".
ويزعم بعض الإخباريين: أن "كسرى" هو الذي نقل اليونانيين إليها؛ ثم نزل معهم جمع من "مهرة" فساكنوهم، وتنصر معهم بعضهم، وفي الروايات العربية عن: الروم الذين بجزيرة "سقطرى" شيء من الصحة٢.
لقد أحدث دخول اليونان البحار الجنوبية من الخليج العربي ومن البحر الأحمر احتكاكا مباشرا بين الثقافة اليونانية والثقافات الشرقية، وقد عثر على كتابات يونانية في مواضع متعددة من الخليج، ومن السواحل الإفريقية تتحدث عن وجود اليونان في هذه الأماكن٣.
وقد عثر في خرائب مدينة "تمنع" على كثير من الأشياء الهيلينية الأصل، أو المتأثرة بالهيلينية من تماثيل، وتحف فنية، وفخار وما شابه ذلك هي من نتائج التبادل التجاري، والاتصال، الذي كان بين حوض البحر المتوسط، وعرب الجنوب٣.
стр. 427
مكة والصراعات السياسية بين الفرس والرومان:
وفي جملة ما اتخذه البيزنطيون من وسائل التأثير في الشرقيين وفي جملتهم العرب: نشر النصرانية الديانة التى قبلوها، ودانوا بها، واتخذوها ديانة رسمية للدولة.
وتمكنت النصرانية من كسب بعض العرب فجرتهم إليها، وجذبت إليها القبائل الساكنة على حدود الأرياف والأطراف؛ أي: سكان المناطق الحساسة الدقيقة بالنسبة إلى الخطط السياسية والعسكرية "للساسانيين" و"للبيزنطيين" على حد سواء.
وقد كان من سوء المصادفات أن النصرانية كانت قد تجزأت إلى شيع؛ وأن غالبية النصارى العرب تمذهبت بمذهب يخالف مذهب الروم؛ ولكنها كانت تشعر على كل حال أنها مع الروم على دين واحد، ولهذا: لم يحفل ساسة "القسطنطينية" كثيرا بموضوع اختلاف المذاهب، وإن تألموا من وجوده وظهوره، فساعدوا نصارى اليمن، ونصارى الأماكن الأخرى من جزيرة العرب على اختلافهم عنهم، وعملوا في الوقت نفسه على نشر مذهبهم بين العرب؛ ليتمكنوا بذلك من إيجاد محيط ثقافي سياسي يؤيد البيزنطيين١.
وشجع "الساسانيون" مذهب "نسطور" مع أنهم كانوا مجوسًا ولم يكونوا نصارى، وشجعوه؛ لأنه مذهب يعارض مذهب الروم، فانتشر في العراق، وفي إيران، وفي سائر الأرضين الخاضعة للحكم الساساني، ودخل في هذا المذهب أكثر النصارى العرب في العراق.
وكان من نتائج العداء الموروث بين "الساسانيين" و"البيزنطيين" أن انتقلت عدواه للعرب أيضًا. فصار أناس منهم مع "الفرس" وآخرون مع "الروم" وبين العربين عداوة وبغضاء، مع أنهما من جنس واحد، وكلاهما غريب عن الساسانيين والبيزنطيين.
стр. 428
وقد تجمعت هذه العداوة: في غزو "عرب الحيرة" للغساسنة، وفي غزو "الغساسنة" لأهل الحيرة، حتى في الأيام التي لم يكن فيها قتال بين الفرس والروم، مما أدى أحيانا إلى: تكدير صفو السلم، الذي كان بين البيزنطيين والساسانيين١.
أما ملوك "الساسانيين" فقد كانوا يتاجرون مع العرب، يشترون منهم، ويبيعونهم ويرسلون القوافل بأسمائهم إلى العربية الجنوبية؛ لبيع ما تحمله في أسواقها، ولشراء سلع العربية الجنوبية يحملونها إلى أسواق العراق، وقد كانوا يوكلون حراستها إلى جماعة يختارونهم من سادات القبائل المهيبين المعروفين بِجُعْل يدفعونه لهم٢.
ويظهر من روايات أهل الأخبار أن جماعة من أهل مكة قد تخصصت بالاتجار مع العراق، وقد كان لها تعامل مع "كسرى"؛ وربما مع كبار رجال دولته أيضا، من أولئك الذين اقتدوا بملوكهم في الاشتغال بالتجارة وبالنزول إلى الأسواق.
فإنا نجد أناسا من كبار تجار مكة كانوا يفدون على المدائن، ويتصلون بديوان "كسرى"، ويتعاملون هناك بيعا وشراء. وكانت لهم دالة على ملك المدائن، وربما كان يساعدهم هو نفسه في مال القوافل، أو يجعل له نصيبا من الأرباح٣.
стр. 429
بناء البيت والدعوة إلى التوحيد:
رأينا من عرضنا السابق لتاريخ المنطقة العربية وخاصة شبه الجزيرة العربية أنها لم تكن معزولة عمن حولها: سياسيا، اقتصاديا، ثقافيا، أو دينيا، فرأينا كيف قامت هنا أو هناك تحت إشراف الكنيسة التي أنشأتها وساعدت على قيامها مدارس وميول مذهبية، وهكذا كنا نرى أنها لا تكاد توجد إلا ويعطل رئتيها الهواء، وهذه المدارس الوليدة كانت صبغة دينية ولسانها لا يرطن بغير السريانية لغتها القومية.
стр. 430
ومع هذا الاضطهاد وجدت قبائل عربية ذات مظهر حضاري اعتزلت الأوثان إلى المسيحية، وكنا نلاحظ أن الدافع إلى هذا التغيير ليس دينيا خالصا إنما بعضه كان سياسيا.
ووجدت قبائل يهودية الأصل، أو يهودية الدين، غير الجنس، أى قبائل عربية في يثرب، ويختلف المؤرخون حول تاريخ نزولهم، وأصلهم في هذه المنطقة، وهل هي قبائل يهودية الأصل؟ أو قبائل عربية تهودت؟ والاحتمال الثانى له من أسمائهم العربية ما يسوغه، وهذا فضلا عن التيارات الأخرى.
كانت هذه التيارات حول مكة، مركز المنطقة العربية، فهل تجاوبت مكة مع هذه التغيرات؟ أو بمعنى آخر: هل أحست مكة بهذه التغيرات؟ وما دلائل هذا الإحساس؟
لا شك أن هذه الأشياء بدَّدت سكون المنطقة العربية، وأحلَّت فيها تغيرات شاهدناها محصورة على مستوى أفراد من القبائل، ولم يبلغ مستوى عامتها إلى الشعور الاجتماعى.
- فوجدنا من تمرد على الوثنية، وأطلقوا على أنفسهم "المتحنثين".
- ومن اعتنق المسيحية.
- ومن اعتنق الحنيفية، وأتى بها من الشام.
- ووجدنا من تثقف ثقافة عامة تلقاها في مدرسة جنديسابور مثل: النضر بن الحارث ووالده الحارث بن كلدة.
- ومن كان عنده "مجلة لقمان"؛ مثل: سويد بن الصامت.
- والداعون إلى توحيد الله بفطرتهم مثل: قس بن ساعدة.
- وطبقات من الحكماء. مثل: أكثم بن صيفي.
- والإباحيون، الذين يسبون أصنامهم؛ مثل: امرئ القيس.
- ورواية تاريخية تسند إلى"عمرو بن لحي" أنه أتى بصنم من بلاد البلقاء بعد غزو الإسكندر للشرق.
- ووجدنا فيها الصابئين والمجوس.
ونلاحظ أن: هذه التغييرات كان منها: ما هو شرقي، وما أكثره، ومنها ما هو هيليني، وذلك يظهر في الأصنام.
стр. 431
كذلك لم تبق الجزيرة العربية بمنأى عن ديني التوحيد الكبيرين اللذين قاما على حدودها. فقد نفذت اليهودية والمسيحية إلى الصحراء.
ومن المصادر المهمة التي تفيد كثيرًا في معرفة المساحة الجغرافية التي انتشرت فيها اليهودية، المسيحية والمجوسية، وبعض العقائد الوثنية على خريطة شبه الجزيرة العربية وخارجها؛ كتاب: "فتوح البلدان للإمام: أبي الحسن البلاذري المتوفى ٢٩٦هـ".
فلقد ضمنه كثيرا من الإشارات المهمة في جمل وجيزة، عن بعض أحوال البلاد التى فتحها المسلمون من حيث العقائد المسيحية، أو اليهودية أو المجوسية، أو الملل الوثنية، التي قد لا يعثر عليها في المصادر المعنية بدراسة موضوع العقائد والأديان والمذاهب.
كذلك يمكن للقارئ أن يتتبع موضوع العقائد التي انتشرت في رقعة فتوح البلدان، التي فتحها "الله" عليهم من خلال كتب المصالحة التي صالح الرسول ﷺ عليها أهل تلك البلاد أو صحابته؛ فإنه كثيرًا ما ينص فيها على عقائد تلك البلاد.
كذلك يمكن للقارئ من خلال كتب المصالحات، أو المعاهدات أن يتبين العلاقة بين أصحاب الأديان المختلفة في البلد الواحد، فهل الغلبة لليهودية، أو المسيحية، أو المجوسية، أو الوثنية؟ ومن منهم كان أكثر استجابة للإسلام، وأمنعهم عليه؟ ومن منهم كان أكثر تآمرا عليه، وغدرا به؟
مثال ذلك:
١- ما رواه عن المجوس حين تحصن "المكبر" الفارسي صاحب كسرى، وانضم إليه المجوس، وامتنعوا عن أداء الجزية.
٢- ومن ذلك قوله: فكره المجوس واليهود الإسلام، ورحبوا أداء الجزية.
٣- وقوله: قال هشام: وسمعت مشايخنا يذكرون: أن اليهود كانوا كالذمة، يؤدون إليهم الخراج فدخلوا معهم الصلح.
وذلك كان فتح مدينة دمشق.
٤- وثنية دومة الجندل:
стр. 432
ذكر البلاذري: صلح دومة الجندل، الذي كتب به "رسول الله ﷺ " لأكيدر. حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد، والأصنام.
وقال في رواية: وكانوا من عباد الكوفة؛ أى: كانت وثنية.
٥- مسيحية نجران: ويبدو أن المسيحية كانت غالبة على نجران.
يقول البلاذري: دخل يهود نجران مع النصارى في الصلح، وكانوا كالأتباع لهم.
٦- صلح اليمن: وفي صلح اليمن ورد فيه: وجز رءوس من أقام على النصرانية والمجوسية، واليهودية منهم.
٧- أمر نصارى بنى تغلب:
روى البلاذري وهو يتكلم عن أمر نصارى بنى تغلب بن وائل: أن نصارى بني تغلب يطلق عليهم نصارى العرب، وقال: ليس في مواشي أهل الكتاب صدقة إلا نصارى بني تغلب، أو قال نصارى العرب.
٨- البحرين: قال البلاذري: وكانت أرض البحرين من مملكة الفرس، وكان بها خلق كثير من "عبد القيس"، و"بكر بن وائل"، وكان على العرب بها من قِبَل الفرس على عهد رسول الله ﷺ المنذر بن ساوي أحد بني عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة، وعبد الله بن زيد هذا هو الأسبذي، نسب إلى قرية بهجر يقال لها: الأسبذ، ويقال: إنه نسب إلى الأسبذيين، وهم قوم كانوا يعبدون الخيل بالبحرين.
فلما كانت سنة ثمانٍ: وجه رسول الله ﵌ والعلاء بن عبد الله بن عماد الحضرمي حليف بني عبد شمس إلى البحرين؛ ليدعو أهلها إلى الإسلام أو الجزية، ثم قال: فأما أهل الأرض من المجوس واليهود والنصارى: فإنهم صالحوا العلاء فكره المجوس واليهودُ الإسلامَ، وأحبوا أداء الجزية، فقال منافقو العرب: زعم محمد أنه لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، وقد قبلها من
стр. 433
مجوس هجر وهم غير أهل كتاب، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . [المائدة: ١٠٨] .
وذلك قلٌّ من كثر، ذكرناه لبيان لقيمة الكتاب لدى الباحث، الذي يريد رسم منحنى بياني لانتشار اليهودية، والمسيحية، والمجوسية في شبه الجزيرة، وما فتحه المسلمون من البلاد والدول.
يقول المقدسي في معرض ذكره شرائع أهل الجاهلية ومللها: "كان فيهم من كل ملة ودين. وكانت "الزندقة، والتعطيل" في قريش، "والمزدكية والمجوسية" في تميم، واليهودية والنصرانية في غسان، والشرك وعبادة الأوثان في سائرهم.
ونستطيع أن نقول: إن قلب الجزيرة العربية في مكة استقبل تيارات متضاربة من الأفكار، والمذاهب، والديانات؛ مثل المزدكية واليهودية والمسيحية الشرقية، والبوذية، والعقائد السحرية الآتية من بلاد الزنوج، وكلها نجد لها ردود فعل في القرآن الكريم.
لكن السؤال هو: إذا كانت الاتجاهات الدينية وجدت في مكة كلها، أو أكثرها، وفدت إليها من خارج فما هو الاتجاه الديني لمكة؟
стр. 434
نبي الله إبراهيم والجزيرة العربية:
عصر إبراهيم الخليل يرجع تاريخه إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، وهو عصر عربي بحث قائم بذاته وبلغته، وهى مرتبطة بالجزيرة العربية وبلغتها وبقبائلها التي سميت فيما بعد: بالعرب البائدة لانقراضها.
وقد كانت القبائل العربية المعروفة بالقبائل البائدة آنئذ على قيد الحياة في جزيرتهم في هذا العهد، وقد أدت دورًا مهما في تنمية الحضارة العربية السامية.
وقد نبه "القرآن الكريم" على ذلك بربط صلة إبراهيم الخليل بالجزيرة العربية، وبيت الله العتيق، وليس بفلسطين.
стр. 435
وإن الأثريين ميزوه عن الأدوار التالية، وأطلقوا عليه تسمية: "عصر الجوالين".
ومن المهم ذكره في هذا الصدد أن القرآن الكريم كان أول كاشف لنا عن هذه الحقيقة، وقد جاءت المكتشفات الأثرية حول الهجرات السامية ودراسة علم المقارنة بين اللغات مؤيدة لهذه الحقيقة نفسها التى تربط صلة إبراهيم بجزيرة العرب.
والتوراة ترى أن أرض فلسطين باعتراف التوراة ذاتها كانت أرض غربة بالنسبة إلى آل إبراهيم وآل إسحاق وآل يعقوب؛ إذ كانوا مغتربين في أرض فلسطين بين الكنعانيين سكانها الأصليين، والتوراة تتحدث عنهم بصفتهم غرباء وافدين طارئين على فلسطين١.
أما وطنهم الأصلى فهو "أرام النهرين" أي منطقة حران "حران الحالية" حيث كانت العشائر الآرامية، المنتمية إليها قد استقرت عند منابع نهر البليخ بعد هجرتها من الجزيرة العربية٢.
ثم نزحت فروع من هذه القبائل إلى جنوب العراق "منطقة بابل" فكان إبراهيم الخليل من ذريتها، وقد وردت كلمة "اغتراب" كلما ذكر تنقل إبراهيم في فلسطين وفي مصر، فقيل: "تغرب إبراهيم في أرض الفلسطينيين"٣.
стр. 436
و"انحدرا إبرام إلى مصر للتغرب هناك"١ وانتقل إبراهيم إلى أرض الجنوب وسكن بين قادش وأشور في جرار٢ ... ولما اشترى إبراهيم مغارة المكفيلة من الحيثيين في حبرون قال لهم: "أنا غريب ونزيل عندكم، أعطوني ملك قبر معكم لأدفن ميتي"٣، ومثل ذلك ورد في التوراة فيما يخص إسحاق ويعقوب: "وسكن يعقوب في أرض غربة أبيه كنعان٤" وجاء يعقوب إلى إسحاق أبيه في حبرون؛ حيث تغرب إبراهيم وإسحاق٥، "تصرخ وتقول أمام الرب إلهك: أراميا تائها كان أبي فانحدر إلى مصر وتغرب هناك"، وهكذا فلا يمكن أن تكون كلمة "تغرب" بمعنى اتجه نحو الغرب؛ لأن ورود كلمة "أرض الغربة" تنفي هذا الاحتمال.
ثانيًا: إن أنباء إسرائيل الاثني عشر ولدوا كلهم باعتراف التوراة في فران آرام منطقة حران٦ حيث مكث يعقوب المسمى إسرائيل عشرين سنة٧، ويعني ذلك أن مولدهم ونشأتهم كانا خارج فلسطين، وهؤلاء هم بنو إسرائيل الذين ورد ذكرهم في التوراة.
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ ٨، "قرآن كريم".
يتضح مما تقدم أن تسمية إبراهيم "إبراهيم الخليل" بالعبرانى كما في التوراة كان يراد بها معنى "العبريين"؛ أي القبائل البدوية العربية، والقبائل الآرامية التي
стр. 437
ينتمي إليها الخليل نفسه. وبهذا المعنى جاءت كلمة "عبيرو" التي عثر عليها في النصوص المصرية والتي تعود إلى القرنين الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد، ويعترف جورج بوست في مصنفه "قاموس الكتاب المقدس" بأن لقب إبرام بالعبراني لم يقصد به الإسرائيلي وإنما يمكن تأويله على تعبيره بإبرام السائح أو المهاجر١؛ فقد عثر في تل العمارنة بمصر على ست رسائل من أحد ملوك منطقة أورشليم الكنعانية اسمه "عبد خيبا" موجهة إلى فرعون مصر أمنوفيس الرابع يتكلم فيها عن "العبيرو" الذين اجتاحوا بلاده. ولما كانت أرض فلسطين في هذا الدور محمية مصرية فإن "عبد خيبا" يقول في رسائله: لم يبق في أرض مولاي الملك شيء.. نهب "العبيرو" كل البلاد من سيد الملك.. البلاد وقعا في أيدى "العبيرو". ومن الواضح هنا أنه يمكن أن يكون "العبيرو" الذين ورد ذكرهم في هذه الرسائل هم اليهود. وهكذا في التوراة حين تصف إبراهيم الخليل بالعبراني تساير واقع الحال باعتباره من قبائل الخبيرو "العبيرو" التي ينتمى إليها، أي القبائل الأرامية، قبل أن يكون لليهود وجود بعد. ويؤيد ذلك المستشرق توردارسون، أستاذ اللاهوت في جامعة أيسلندا، فيرى أن إبراهام شبه بدوي ينتمي إلى القبائل القديمة المسماة بالعبيرو ولعله ينحدر من هذا العرق القبائلي نفسه٢، فقد عاش إبراهيم في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، أي في زمن يسبق عهد موسى بسبعمائة عام. وقد ظلت هذه التسمية، أي تسمية عبري وعبراني، تطلق على الجماعات من القبائل النازحة من البادية ومن جهة فلسطين إلى مصر وعلى هذا الأساس صار المصريون يسمون الإسرائليين بالعبرانيين باعتبارهم من تلك الجماعات البدوية٣.
стр. 438
وأما ما أورده الباحثون من أن كلمة "عبري" مشتقة من عبر أي قطع نهرًا أو غيره أو من "عابر" أحد أسلاف إبراهيم١، فغير مستند إلى أي دليل أو أساس وهي من قبيل الحدس والاجتهاد، وقد نبه القرآن الكريم إلى هذه الناحية حيث قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ، هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ [آل عمران: ٦٦، ٦٧] .
ولهاتين الآيتين الشريفتين معنيان؛ المعنى الأول: هو أن إبراهيم ما كان على دين "يهوه إله اليهود بل كان حنيفا مسلما" كما تقدم، والمعنى الثانى: هو أن دور إبراهيم الخليل هو غير دور اليهود، ولا يتصل بدور اليهود الأخير.
يتضح من التنبيه الذي ورد في القرآن الكريم أن هناك من وقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه الكتاب العرب بربطهم عهد إبراهيم الخليل باليهود، وأن هذا التنبيه إلى أن إبراهيم الخليل ظهر قبل وجود اليهود وأنه لا يمكن أن يكون يهوديا ثم الإشارة إلى اتصاله بالجزيرة العربية "بيت الله العتيق" يتفق تمامًا مع ما توصل إليه العلماء في ضوء الاكتشافات الأخيرة، وعلى الباحثين أن يتبعوا ما نبه إليه القرآن الكريم في هذا الموضوع؛ لأن استعمال كلمة عبري بمعنى يهودي عندما يبحث عن تلك الأزمان القديمة لا يتفق مع المستند العلمي التاريخي فضلا عما يحدثه من ارتباك إذ يربط اليهود بأدوار تاريخية قديمة٣.
стр. 439
إله إبراهيم الخليل غير إله اليهود:
إن الإله الذي كان إبراهيم الخليل يدعو لعبادته هو غير إله اليهود الذي تصفه التوراة، دعوة إبراهيم الخليل لعبادة الإله الواحد كانت دعوة عامة موجهة إلى جمع السكان الوثنيين في عصره بلا استثناء الإله الأوحد خالق السموات
стр. 440
والأرض وجميع البشر، رب جميع المخلوقات بدون تمييز بين الأقوام١.
ومما يؤيد ذلك أن إبراهيم الخليل لما استدعى عبده وأمره بأن يذهب٢ إلى "حران"؛ ليأخذ زوجة لابنه إسحاق من عشيرته هناك قال له: فأستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض ألا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن معهم٣.
وقد ورد ذكر هذا الإله الذى دعا إبراهيم إلى عبادته باسم "إيل" في التوراة٤، وهو مفرد لكلمة "أباهييم" الكنعانية المراد بها الجمع والتعدد، أي الآلهة، ومنه جاءت تسمية "بيت"٥ و"إيل" هو الإله الذي تكلم مع هاجر٦.
كما ورد هذا المصطلح نفسه في نصوص الكنعانيين والآرامية ثم في النصوص المصرية التي ترجع إلى عهد الهكسوس بهذا المعنى فقيل "يعقوب إيل" و"يوسف إيل" أي يعقوب الإله أو يوسف٧ عملا بالطريقة التي كانت متبعة بإضافة اسم الإله إلى اسم الشخص تبركا به كما هو متبع الآن بتسمية الأشخاص بعبد الله وعبد الإله إلخ ... وذلك مما يدل على أن كلمة "إيل" بمعنى الإله الواحد كانت معروفة في كنعان في عهد إبراهيم الخليل وفي عصر الهكسوس الذي يليه أى قبل أن يظهر موسى واليهود بعدة قرون، ولما ظهر اليهود عبدوا إلههم الخاص بهم الذى سمى باسم "يهوه" وهو الإله الذي لا يهمه من العالم والخلق سوى اليهود وشعبه المختار، وذلك على غرار مبدأ التفريد، وهو المبدأ الذى اعتنقه الأقوام القدماء عندما كانت كل مدينة تختص بإله واحد من بين مجموعة الآلهة بدون نبذها عبادة الآلهة الأخرى والقضاء عليها٨. وهو حاكمها وهو قائدها على صورة البشر، والبشر على
стр. 441
صورة الإله، مسكنه في السماء وينزل أحيانا إلى الأرض، فيتفحص الأشكال البشرية، ويكلم البشر بصوت ولفظ ويأكل ويشرب ... إلخ١.
وهكذا كان الإله تصوره اليهود إلها قبليًّا خاصًّا بهم، ويناقش آلهة الأقوام الأخرى ويحارب معهم كما كانت الحال عليه في عصر دويلات المدن في العراق القديم.
ولا يخفى أن دعوة إبراهيم الخليل للوحدانية الخالصة بدأت في العراق وليس من فلسطين وهي موجهة إلى جميع الوثنيين في عصره ولم تخطر ببال إبراهيم الخليل فكرة الشعب المختار، وهي البدعة التي اختلقها مدونو التوراة وأدخلوها في الكتاب المقدس بعد ربطها بابراهيم الخليل؛ إذ لا يمكن أن تكون هذه الادعاءات منزلة من الإله خالق السماوات والأرض الذى دعا إبراهيم الخليل إلى عبادته قبل أن يظهر اليهود بعدة قرون.
لذلك كله تعتبر دعوة إبراهيم الخليل إلى الوحدانية الخالصة أول دعوة عامة للتوحيد بالمعنى الدقيق لمصطلح التوحيد في تاريخ البشرية، وهي عربية لغة ووطنا، كما جاءت بعدها رسالة محمد ﵊ النبي العظيم خاتم الأنبياء، وقد نزلت عليه باللغة العربية أيضا؛ لأن اللغة التي كان يتكلم بها إبراهيم الخليل والآراميون معه في تلك الأزمان هي اللغة العربية الأم التي يرجع وطنها الأصلى إلى الجزيرة العربية، وكانت لغة واحدة تتكلم بها جميع القبائل، وذلك قبل أن تتفرق هذه اللغة الأصلية إلى لهجات مختلفة ضمن كتلة اللغات السامية، وما كان الإسلام إلا ملة إبراهيم حنيفًَا.
يقول الدكتور هوميل: "ومما لا يشك فيه أن اللغة الآرامية في عصر أبرام "إبراهيم الخليل" كانت لهجة عربية، ويقصد هنا اللغة الأصلية التي كان يتكلم بها الأراميون في الجزيرة العربية قبل هجرتهم منها، لأن ما نسميه بالآرامية لم يظهر إلى
стр. 442
حيز الوجود إلا بعد زمن متأخِّر جدًّا وأن ما يعرف بآرامية التوراة آرامية عصر المسيح يرجع إلى زمن الفرس وأيام العصر المسيحي١.
وقد ورد اسم الإله "إيل" مضافًا إلى أسماء عدد من الملوك المعينيين في اليمن ومنهم: "وقه -إيل"، "يصدق إيل" ملك حضرموت ومعين الذي كان حكمه حوالي سنة ٢٠١ ق. م. و"يشع إيل" كما ورد اسم الإله إيل مضافا إلى أسماء بعض ملوك سبأ، والمعروف منهم "يدع إبل" "كرب إيل" وتر الأول والثاني والثالث والرابع والخامس "وهب إيل"؛ ففى ذلك دليل واضح على ارتباط إبراهيم الخليل بالجزيرة العربية وأن الإله الواحد الذي كان يدعو إلى عبادته إبراهيم الخليل كان معروفًا في جزيرة العرب بصفته "الإله العلي" مثل ما كان معروفا عند الكنعانيين والآراميين بهذه الصفة، وأن إضافة اسمه إلى أسماء بعض ملوك اليمن دليل على أن اسم "إيل عربي الأصل أي الإله".
ومما يدل على أن عبادة إبراهيم الخليل للإله "إيل" منفصلة تماما عن عبادة اليهودية للإله "يهوه" التي ابتدعها كتبة التوراة بعد عهد إبراهيم الخليل بأربعمائة وألف سنة أن أسرة إبراهيم الخليل في ثلاثة أظهر كانت تضيف اسم الإله "إيل" إلى أسماء زعمائها، فإبراهيم الخليل نفسه هو النبي الوحيد الذي سمي "خليل الله" كما ورد في القرآن الكريم ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ٢.
ومن المرجح أن كلمة "خليل" عربية مركبة من "خل" وإيل، بمعنى صديق الإله "إيل"، ومثلها اسم إسماعيل الذي معناه ليسمع للإله "إيل" وكذلك اسم يعقوب "إسرائيل" الذي معناه عبد الإله "إيل".
ويؤيد المستشرق ثورير ثوردارسون أستاذ اللاهوت في جامعة إيسلندا كون ديانة التوحيد التي دعا إبراهيم الخليل إلى عبادتها هي خاصة به وبعشيرته ولا صلة لها باليهودية، فيقول في ذلك: "لقد أظهرت المدونات الآشورية من القرن العشرين قبل الميلاد والكتابات التي تعود إلى العصور التي تلي ذلك أن دعوة إبراهيم تستند إلى
стр. 443
الإيمان بالإله العلي، وهذا يتفق مع الصورة التي نجدها في التوراة "أنا إله إبراهيم أبيك"١ فإبراهيم إذن هو مؤسس وحامل لواء هذه الديانة التي تدعو إلى عبادة الإله العلي وأصبحت تقترن بصلة وثيقة بعشيرته٢.
ومما يذكر في هذا الصدد أن التوراة عندما تتحدث عن إبراهيم الخليل وعن كلامه مع الإله تستعمل كلمتي "الله" و"إيل"، وقال الله لإبراهيم..٣ مع أنها تستعمل أحيانا كلمة "الرب" ومثل ذلك هي الحال بالنسبة ليعقوب، ثم قال "الله" ليعقوب: قم واصعد إلى بيت "إيل" وأقم هناك واصنع هناك مذبحا لله ... ٤ وظهر الله ليعقوب ... إلخ٥.
أما الإله "يهوه" فإنه لم يبدأ استعماله إلا في عهد النبي موسى "﵇" إله اليهود وحدهم٦.
стр. 444
النبوة الإلهية عربية لفظا ومعنى:
ويؤكد المرحوم الأستاذ العقاد أن الإسرائيليين "اليهود" تعلموا النبوة الإلهية بلفظها ومعناها من شعوب العرب، ولم تكن لهذه الكلمة عند الإسرائيليين "اليهود" لفظة تؤديها قبل وفودهم إلى أرض كنعان ومحاورتهم للعرب المقيمين في أرض "مدين".
فيقول: "إن كلمة "نبي" عربية لفظا ومعنى؛ لأن المعنى الذي تؤديه لا تجمعه كلمة واحدة في اللغات الأخرى، والعبريون قد استعاروها من العرب في شمال الجزيرة بعد اتصالهم بهم؛ لأنهم كانوا يسمون الأنبياء القدماء بالآباء، ولم يفهموا من كلمة النبوة في مبدأ الأمر إلا معنى الإنذار.. فكانوا يسمون "النبي"
стр. 445
بالرائي١ والناظر، أو رجل "الله" ولم يطلقوا عليه اسم النبي إلا بعد معرفتهم بأربعة من أنبياء العرب المذكورين في التوراة، وهم: "ملكي صادق وأيوب وبلعام وشعيب، الذى يسمونه "يثروب"، وهو معلم "موسى الكليم٢".
وقد سمي "إبراهيم الخليل" برئيس الآباء٣.
ويستشهد "العقاد": ببعض علماء الأديان الغربيين، الذين ذهبوا إلى تأييد اقتباس أتباع موسى كلمة النبوة من العرب: الأستاذ/ "هولشر" والأستاذ/ "شميدت" اللذين يرجحان أن: الكلمة دخلت اللغة العبرية بعد وفد القوم على فلسطين، فتسير التوراة إلى أن "عاموس" اغتاظ وغضب لما أطلق عليه اسم نبي وقال: لست أنا نبيًّا ولا أنا ابن نبي بل إسرائيل٤، أنا راعٍ وجاني جميز. فأخذنى الرب من وراء الضأن، وقال الرب: اذهب تنبأ لشعبي.
стр. 446
إلى وايل:
يجد الباحثون صعوبة في الاتفاق على تعبين أصول أسماء مثل:
أل. إيل. وضبط معانيها، وهناك أسماء واضحة، جلية ظاهرة، تدل على أشياء معروفة محسوسة مثل: شمس، ورخ "بمعنى قمر" وعثتر، والشعرى العبو، ونجم، وثريا ... وأمثال ذلك من أسماء تشير إلى أشياء مادية هى كواكب ونجوم، ويستدل بها على وجود عبادة الأجرام السماوية عند الجاهليين. وهناك أسماء هى نعوت في الواقع لا تدل على ظواهر حسية؛ وإنما تعبر عن أمور معنوية مثل: ود، بمعنى حب، ورضي، وسعد، وحكم، ونهي، ورحمن، ورحم، والرحيم، ومحرم.
стр. 447
وأمثال ذلك من ألفاظ هى نعوت جرت بين الناس مجرى الأسماء وعلى هذه الصفات الأسماء سيكون جل اعتمادنا في استنباط الصورة، التي نريد تكوينها عن طبيعة آلهة العرب الجنوبيين.
وعلينا أن نضيف على ما تقدم الأعلام المركبة المضافة للأشخاص مثل: عبد ود، عبد مناف، عبد شمس، عبد يغوث، أمت العزى.
فالكلمات الثانية من الاسم، أسماء أصنام، وفي تركيب الاسم على هذا النحو دلالة على تذلل الإنسان تجاه ربه، واعتبار نفسه عبدًا له، وفيه تعبير عن صلة الأشخاص بربهم، أضف إليها الأعلام المركبة تركيبا إخباريا مثل:
ود أبم؛ أي ود أب أو أب ود.
ففى هذا التركيب دلالة على حنو الإله على المؤمنين به، وإشفاقه عليهم إشفاق الأب على أولاده.
ومن بين أسماء الآلهة أسماء مركبة استهلت بـ "ذ" أو ذتع، "ذأ" بمعنى "ذو" في عربيتنا، "ذت" بمعنى "ذات"، "ذ" للمذكر، "ذات" للمؤنث.
أما الكلمات التالية فهى صفات فجملة: عثتر ذ قبضم تدل على إله ذكر، اسمه عثير ذو القبض. أو عثتر القابض بتعبير أصح.
وجملة "ذشقرن"، "ذصهرم"، "ذعذبتم"، "ذيسرم"، "ذابنى" هى جملة تشير إلى أن ذكر لوجود "ذ": علامة التذكير فيه. "جملة ذت حمم" "ذت بعدن"، "ذت" "سرن"، "ذت غضدن" تشير إلى آلهة إناث لوجود ذت في الاسم.
ومعنى هذا أن العرب الجنوبيين كانوا قد جعلوا الآلهة كالإنسان إناثا وذكورًا.
وكل اسم ورد في المسند استهل بلفظة "ذت"، "ذات" فيراد به "الشمس"، وهي إلهة.
وكل لفظة بدأت بـ "ذ"، "ذي"؛ فإنها تعني: هو "القمر" أو "عثتر".
فنحن أمام ثالوث سماوي يمثل عقيدة الجاهليين في الألوهية، كما يمثل عقيدة الساميين عمومًا.
стр. 448
والثالوث السماوي هو نواة الألوهية عند جميع الساميين، ومنه انبثقت عقيدة التوحيد فيما بعد.
"وعثتر" هو:
النجم الثاقب، المذكور في القرآن الكريم. في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] .
وقد ذهب المفسرون إلى أن العرب كانت تسمي "الثريا" النجم، وذكر بعض منهم: أن "النجم الثاقب" هو "زحل"، والثاقب الذي قد ارتفع على النجوم.
وذكر بعض آخر: أن النجم الثاقب هو "الجدي".
وأقسم في موضع آخر من القرآن الكريم بـ: "النجم" في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] .
ونحن لا يهمنا هنا اختلاف علماء التفسير في تثبيت المراد من النجم: إنما يهمنا أن المراد به النجم من النجوم، فنكون أمام ثالوث معبود هو:
الشمس. القمر. النجم الثاقب الذي هو "عثتر" في نصوص العرب الجنوبيين.
وقد ذكر أن العرب تعبدت "للشمس" و"للقمر". وأن طائفة منها تعبدت لكواكب أخرى مثل: الشعرى؛ حيث: تعبدت لها خزاعة وقيس.
ومثل: سهيل؛ حيث: تعبدت لها طيئ.
ومثل: الزهرة؛ وقد تعبد لها أكثر العرب.
ومثل: زحل؛
стр. 449
وقد تعبد له أهل مكة حتى أن من الباحثين من زعم أن الكعبة كانت معبدا لزحل في بادئ الأمر.
المشترى؛ وتعبد للمشترى قوم من لخم وجذام.
ونجد في الكتابات العربية الجنوبية جملة: ود أبم؛ أي: "ود أب"، "وأبم ودم" أي "أب ود". كما نجد جملة: ولد ود؛ أي: أولاد "ود" بمعنى شعب معين. وتعبر الجمل الأولى عن معنى أن الإله "ود" هو إله شفيق رحيم عطوف على الإنسان هو بالنسبة له بمنزلة الأب من الابن.
فهو أب للإنسان لا بالمعنى الحقيقى بالطبع أي: بمعنى أن الإنسان انحدر من صلبه، بل بالمعنى المجازى الذى أشرت إليه.
وبهذا المعنى نفسر جملة "أولاد ود" تعبيرا عن شعب معين فالإله "ود" هو أب هذا الشعب يحميه ويدافع عنه، ويعطف عليه، وبهذا المعنى وردت أيضًا جملة: ولد عم: عند القتبانيين.
وولد المقة: عند السبئيين.
فـ"عم"، الذي هو "القمر" في لغة القتبانيين هو بمنزلة الأب لشعبه وكذلك: "المقه" الذي هو "القمر" في لهجة سبأ.
وقد عبر عن "الشمس" بلفظة: هـ "الت؛ أي الآلهة في النصوص العربية الشمالية، وقيل لها: "نكرح" في النصوص المعينية، ذت حمم.
ذات حميم.
في النصوص السبئية، كما قيل لها: ذت بعدن: ذت غضرن، ذت ظهرن:
стр. 450
في هذه النصوص كذلك، وقيل لها:
ذات صنم: ذت صهرن.
وقد وردت: لفظة "حميم ويحموم" في القرآن الكريم في سورة الواقعة آية ٣.
والحميم: الحار الشديد الحرارة، المتقد من شدة الحر، الساخن الشديد السخونة.
وقد ذكر علماء التفسير أن: "اليحموم" دخان حميم، ودخان شديد السواد يخرج من نار جهنم. فمعنى: ذت حمم -إذن- الإلهة ذات الحرارة الشديدة، المتقدة المهلكة، التي تلفح وتحرق. والشمس نفسها حارة ملتهبة متقدة، لذلك يكون الناس قد أخذوا صفتها هذه منها فأطلقوها عليها، وصاروا ينعتونها بها، ويخيفون الناس منها بانتقامها منهم إن خالفوا أمرها، وعملوا عملا يثير غضبها عليهم.
ويقابل هذه الآلهة:
ذات الحميم: الإله.
الحمون.
-بعل حمون. عند الساميين الشماليين.
فهذا الإله الذكر عند الساميين الشماليين بسبب أن لفظة الشمس نفسها مذكرة عندهم؛ هو "ذو حميم"، و"حما" أي: ذو سخونة وحماوة، وشدة حرارة.
وقد نعت عندهم بالنعت الذي نعت به عند العرب، فهو إله ذو حرارة مفزعة، وحميم لا يوصف.
стр. 451
قد استمد هذا الوصف من الطبيعة بالطبع. فالشمس مبعث الحرارة على هذه الأرض، يدرك الإنسان حرارتها في مكان، فهي إذن: ذات حمم حقا١.
وقد يعبر عن "الشمس" بـ "الفرس"، و"الفرس": من الحيوانات التى قدسها قدماء الساميين.
وقد كان العرب الجنوبيون يتقدمون بتماثيل "الخيل" تقربا إلى الآلهة، ومنها الإلهة "ذت بعدن"؛ أي البعيدة وهي "الشمس".
وأما: "عثتر"، الذي هو "الزهرة" فيرد اسمه في نصوص عربية جنوبية كثيرة.
ولاسمه هذا صلة بأسماء بعض الجاهليين الواردة إلينا مثل: "أوس عثتر" بمعنى "عطية عثتر".
وفي الكتابات العربية الجنوبية أسماء يظن أنها تخص الإله "عثتر" منها:
ذ قبضم، ذ يهرق، متب نطين، متب مضجب ... وغيرها.
وقد عرف "عثتر" بـ "الشارق" في الكتابات فورد: "عثتر شرقن"؛ أي: "عثتر الشارق"، وعرف بـ "شرقن" فقط٢.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن المراد من "شرقن" بمعنى "الطالع من الشرق"، وهو تفسير رده بعض آخر من الباحثين؛ إذ رأوا: أن "شرقن" بمعنى "الشارق"، وهي لفظة ترد في اللهجات العربية الشمالية. وورد في بعض كتابات المسند:
"ذغريم"؛ "عثتر ذغريم": أي "الغارب"، و"عثتر الغارب"، ومعنى ذلك: "نجمة الغروب" أو: "نجمة الماء" في مقابل: "نجمة الصباح" و"كوكب الصباح".
стр. 452
وورد: "عثتر ثورو" أي: "عثتر نور"، ونور صفة من صفات الله تعالى في الإسلام؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، ولفظة "نورو" هي نعت من نعوت "عثتر".
ورود "سحرن" بمعنى: السحر، والسحر قبيل الصبح، وآخر الليل، فيراد بذلك "كوكب السحر" أي: الكوكب الذي يطلع عند طلوع السحر، كما ورد "متب نطين"؛ أي إلى مل للرطوبة، وورد: "عثتر قهحم"؛ أي: عثتر القديم، وعثتر القادر والقاهر، و"سمعم" أي: السميع، و"يغل" بمعنى المدمر والمنتقم.
وقد ورد: هذا النعت في أحجار القبور بصورة خاصة، وذلك لتذكير من يحاول تغير الحجر أو أخذه من موضعه، أو تدميره أو إلحاق أذى به، أو الاستفادة منه في أغراض أخرى بأنه في حماية إله قدير منتقم١.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الإله "رضى" الذي يرد في النصوص "الثمودية" و"الصفوية" هو الإله "عثتر" وهو: صنم ذكره أهل الأخبار، لكنهم لم يذكروا شيئا عن صلته بالكواكب، ولا عن المعبود الذى يمثله٢.
وقد ورد: في الأخبار المتعلقة بـ "الرها" أن أهل هذه المدينة كانوا يعبدون "الشمس"، ويعتقدون بوجود إله يطلع قبلها، اسمه: "إزيزوس" Azizos وإله يظهر بعدها يسمى: "مونيموس".
وذهب الباحثون: إلى أن "أزيزوس" هو "عزيز" وهو نجم الصباح، ويطلع قبل طلوع الشمس ويمثل "رضى وعثتر".
ويرد: اسم "رضى" في الكتابات التدمرية كذلك.
"وعزيز والعزيز": من صفات الله تعالى في الإسلام.
وقد ذهب: بعض الباحثين إلى أن الصنم المنحوت على شكل طفل هو رمز "عثتر أي رضى، وعزيز". وقد حفر على شكل طفل عاري الجسم في الكتابات التدمرية.
стр. 453
أما- "الشمس والقمر": فقد مثلا إنسانين كاملين ونجد هذا التصور للآلهة في الديانات الفطرية، التي استمدت إدراكها لكُنْه الآلهة عن مظاهر الطبيعة.
ولعل تصور الجاهليين الإله: "رضو" على هيئة طفل هو الذي يحل لنا المشكلة الواردة في أخبار "نيلوس" عن تقديم العرب قرابين أطفالا لكوكب الصباح.
ذكر "نيلوس" أن العرب سرقوا ابنه الجميل الصغير "ثيودولس"، وقرروا تقديمه قربانا لكوكب الصباح، وقد قضى الطفل ليلة تعسة، صعبة، فلما طلع الكوكب، وحان وقت تقريب الطفل قربانًا له نام مختطفوه ولم يستيقظوا إلا وقد طلعت الشمس وفات وقت القربان؛ وبذلك نجا الطفل من الهلاك.
وقد تفسر جملة: "إننا نقدم لك قربانًا يشبهك"؛ الواردة في دعاء "عثتر" على نصه في "حران". قصة تقديم الأطفال الجميلة قرابين إلى هذا الإله.
وقد أشار كتاب يونان إلى تعبد العرب إلى الشمس، والقمر وكوكب الصباح؛ وهي أجرام سماوية تراها العين، ذاكرين أن العرب لا يتعبدون لآلهة روحية، لا يبصرونها بأعينهم. ولهذا: تعبدوا لهذه الأجرام المادية وللأحجار١.
стр. 454
الاتجاه نحو الوثنية وأصنامها:
رحلة إبراهيم:
الكعبة مركز ديني قديم عده المؤرخون أحد البيوت السبعة المقدسة، ووصفه القرآن بأنه أول بيت وضع للناس وهو الذي بمكة مباركًا فيه آيات بينات، ويسند القرآن تجديد بنائه إلى إبراهيم وإسماعيل فيقول:
﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ .
ويقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
وليس في القرآن ما يدل على أن إبراهيم دعا سكان البلد الحرام أو من جاورهم إلى دعوته الحنيفية، وكل ما أشار إليه القرآن أن إبراهيم كلف بأمرين:
стр. 455
الأمر الأول: إيداع إسماعيل وأمه في جوار البيت.
الأمر الثاني: بناؤه هو وإسماعيل البيت الحرام.
كانت مكة وهي المدينة الرئيسية بالحجاز والتي اشتق اسمها من كلمة "محراب" بلغة أهل سبأ١ تضم ما لا يقل عن ثلاثمائة وثن تُرضِي كل ذوق.
أي أوجدت كل قبيلة وكل أسرة بل كل محراب مستقل طقوس دينه ومادة عبادته كما عمدت إلى تغييرها، ولكن الأمة العربية في كل عصر خضعت لدين مكة كما أحنت الرأس أمام لهجتها.
ويرجع تاريخ الكعبة حقًّا إلى ما قبل العصر المسيحي، وقد لاحظ المؤرخ اليوناني "ديودوروس" في وصفه لشاطئ البحر الأحمر أن هناك معبدًا شهيرًا يقع بين أرض ثمود وأرض سبأ ييجله العرب؛ لما له من قدسية سامية.
وجدير بالذكر أن الكسوة المصنوعة من التيل أو الحرير كان أول من قدمها ملك تقي من ملوك حمير عاش قبل زمن محمد بسبعمائة سنة٢.
وتعتبر مكة من البلاد القديمة قدم بيتها، وكان اليونانيون يعرفون مكة ويطلقون عليها "ماكواريا" يقول جيبون: وهذا يدل على عظمة هذه البلدة٣.
ويبدو أن اسم مكة٤ لم يكن معروفا قبله، وذلك يظهر من قول إبراهيم حكاية عنه في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ .
стр. 456
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ "إبراهيم"، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ "الحج".
وواضح من الآيات أن نبي الله إبراهيم لم يدعها مكة وإنما دعاها: بواد غير ذى زرع مرة، وبلدا آمنا مرة أخرى، والبلد الأمين الثالثة.
ثم يذكره الله ﵎ بقوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ .
فلم تذكر مكة في الروايات التاريخية للقرآن -كما رأينا- وفي هذا مدخل لبعض مؤرخي اليهود أو المسيحية؛ لينكروا رحلة إبراهيم إلى مكة وبناءه البيت؛ حيث لم يسمعوا ذاكرا لمكة، ويذكر المؤرخون المنصفون بعض الأسماء القديمة التى تشير إلى ذلك؛ يقول الشهرستاني نقلا عنهم وكما ورد في التوراة: إن الله تعالى جاء من "طور سيناء" وظهر "بساعير" واستعلن "بفاران".
وساعير: جبال المقدس التي كانت مظهر عيسى ﵇ وفاران: جبال مكة التي كانت مظهر المصطفى ﷺ فمن يتمعن الآيات القرآنية يجدها لا تشير من خلال رواياتها التاريخية إلى أن إبراهيم سماها مكة.
ويغلب في وجهة نظري من خلال آيات القرآن أن إبراهيم سار بهاجر وابنه إسماعيل بوحي إلهي وليس كما تزعم الروايات الأخرى أن سارة طردتها ولطمتها فتلك نزعة عرقية من اليهود تراودهم في كل وقت: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ، هذه النزعة صورت لهم دائما أنهم سلالة واحدة وعنصر لا يزاوج العناصر الغريبة عنه وهذا الإسراف في فهم الذات جعلهم مولعين بتزييف بعض الروايات التاريخية التي تخدم فكرتهم. ولذلك حدث أن نبي الله إبراهيم سار بهاجر وإسماعيل وفق نداء الله وحكمته في قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ فكانت المسيرة ذات هدف وظيفى وليست طردا أو غضبا، ولنا في ذلك حجة بالغة هى قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ، وأما تساؤل أهل الكتاب عن مصدر معرفة الرسول من أين استقى أخباره عن إبراهيم وبعضها
стр. 457
غير موجود في التوراة والإنجيل فإن الله رد عليهم بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ، هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ "آل عمران".
فروايات التوراة والإنجيل كانت من بعده فلا تنهض حجة لموقف سارة من هاجر١.
ومما نحب أن نقرره: أن الآيات القرآنية الخاصة بإسماعيل وصفته بالنبوة والرسالة معًا فهو نبي ورسول، واشترك مع والده في بناء البيت وإعداده مثابة للناس وأمنا، غير أن القرآن لم يوضح أو لم يُشِرْ إلى أي قوم كان مبعثه من العرب أو غيرهم. ويبدو أن رسالته كما أشار القرآن كانت إلى أهله.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ "مريم" وأهله هم الذين حطوا بجوار زمزم وتزوج منهم، ومما أشار إليه القرآن أنه كان من الصابرين. قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ "الأنبياء".
وعلى الرغم من أن دعوة إسماعيل كانت إلى ذلك الرهط الذى نزل بجوار زمزم وتزوج منهم إسماعيل فإنه لقي منهم عنتا ورهقا استلزما أن يصفه القرآن بأنه كان من الصابرين، ويبدو أن قريشا خلفهم لم يكونوا بأحسن حالا من سلفهم أصهار أبيهم إسماعيل.
ومما يحسن الالتفات إليه أن رسالة إسماعيل كانت لا تخرج عن ملة إبراهيم؛ لأن القرآن كثيرا ما كان يذكر العرب بأن الإسلام ملة إبراهيم حنيفا هو
стр. 458
سماكم المسلمين من قبل، وفي هذا ما يشير إلى أن ملة إبراهيم هي دعوة إسماعيل غير أنه أسند إليه أمر الدعوة في قومه العرب، فمنذ أن أقام إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت مثابة للناس وأمنا ودين التوحيد قائم معه لولا ما طرأ عليه من عوامل التغيير، وقد أصبحت رحلة إبراهيم تعني إقامة أهله حول البيت، ثم رفع قواعده وتأسيس دين التوحيد، ومن بقي من العرب على بقية من دين إسماعيل قبائل: "معد وربيعة ومضر الذين كانوا جميعا على بقية من دينه"١.
"والذين العربي القديم هو الخطوة السابقة للدين البابلي الآشوري المعقد، كما أن ذلك الدين العربي القديم هو الذي مهد لهذا الطور التاريخي للدين العربي اليهودي مع حرصه على الاحتفاظ بدين الآباء، دين الصحراء البدائي الذي دان به آباء الشعب وأجداده الأولون كما أنه بقي زمنا طويلا موضوع نزاع وعراك شديدين بين العقيدتين الدينيتين: السامية الشمالية والسامية الجنوبية والذى تحول أخيرا إلى الثالوث الإلهي "أب، وابن، والروح القدس"، ومن ثم خطا خطوة إلى التوحيد المسيحي في صورته القديمة التي نعرفها في الحضارة العربية القديمة٢.
ومن بين الباحثين المتخصصين الذين أكدوا الدور الفعال الذى أداه الساميون العرب من شبه جزيرتهم العربية في التحول السياسي أو الحضاري لمنطقة الشرق الأدنى وعلاقته الوثيقة بالعنصر السامي كما يقرر المستشرق الألماني دكتور أنطوان موتكات إذ يقول: "لا تعتبر بلدان الشرق الأدنى مركز الديانات فحسب بل مصدر الإشعاع الديني الذى أنار الأرض بكاملها"٣.
ويؤيد هذا ما يشير إليه الكلبي في رواية أخرى غير رواية عمرو بن لحي إلى أن الوثنية طارئة والأصل عندهم عبادة التوحيد التي كانت أثرا من دعوة إبراهيم وإسماعيل فيقول: وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل حجرا من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة تيمنا منهم بها أو صبابة بالحرم حبا له، ففكرة الأحجار المقدسة نشأت من حبهم لمكة.
стр. 459
وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل، ثم سلخ ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كنت عليه الأمم من قبلهم١، يقول المقدسى: وكان في مشركيهم بقية من دين إسماعيل كالنكاح والختان والمناسك وتعظيم الأشهر الحرم وغير ذلك٢.
وذكر الشهرستاني من سننهم التى وافقهم عليها القرآن فقال: قال محمد بن السائب الكلبي: كانت العرب في جاهليتها تحرم أشياء نزل القرآن بتحريمها: كانوا لا ينكحون الأمهات، ولا البنات، ولا الخالات، ولا العمات.
وكانوا يطلقون ثلاثا على التفرقة, وقال عبد الله بن عباس ﵄: أول من طلق ثلاثا على التفرقة إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وكان العرب يفعلون ذلك، فيطلقها واحدة وهو أحق الناس بها، حتى إذا استوفى الثلاث: انقطع السبيل عنها، ومنه قول "الأعشى ميمون بن قيس" حين تزوج امرأة فرغب قومها عنه، فأتاه قومها، فهددوه بالضرب أو يطلقها:
أيا جارتا بِينِي فإنك طالقهْ ... كذاك أمور الناس غادٍ وطارقه
قالوا: ثنِّه، فقال:
وبِينِي فإن البَيْنَ خيرٌ من العصا ... وأن لا ترى لي فرق رأسك بارقَه
قالوا: ثلِّث، فقال:
وبِينِي حصان الفرج غير ذميمة ... وموموقة قد كنت فينا، ووامقهْ
قال: وكانوا يحجون البيت ويعتمرون، ويحرمون، قال زهير":
وكم بالقيان من محل ومحرم
ويطوفون بالبيت سبعا، ويمسحون بالحجر، ويسعون بين الصفا والمروة، قال أبو طالب:
стр. 460
وأشواط بين المروتين إلى الصفا وما فيهما من صورة وتخايل
وكانوا يلبون، إلا أن بعضهم كان يشرك في تلبيته، بقوله: "إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"، ويقفون المواقف كلها، قال العدوى:
فأقسم بالذى حجت قريش ... وموقف ذى الحجيج على اللآلي
وكانوا يهدون الهدايا، ويرمون الجمار، ويحرمون الأشهر الحرم، فلا يغزون ولا يقاتلون فيها ... إلا "طيئ" وخثعم وبعض "بني الحارث بن كعب"؛ فإنهم كانوا لا يحجون، ولا يعتمرون، ولا يحرمون الأشهر الحرم ولا البلد الحرام، وكانوا يكرهون الظلم في "الحرم"، وقالت امرأة منهم تنهى ابنها عن الظلم:
أبني! لا تظلم بمكـ ... ـةَ لا الصغير، ولا الكبيرْ
أبني من يظلم بمكـ ... ـة يلق أطراف الشرورْ
أبني! قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبورْ
قال صاحب "الروض الأنف":
وينسبون إلى الوليد بن المغيرة قوله: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيِّبًا، لا يدخل فيه مهر بغيٍّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
ثم قال معلقا: وهو يدل على أن الربا كان محرما عليهم في الجاهلية كما كان الظلم والبغاء. وكانوا يعلمون ذلك ببقية من بقايا شرع إبراهيم، كما كان بقي فيهم الحج والعمرة وشيء من أحكام الطلاق والعتق.
وفي هذا ما يفيد ويقوي ما نحن بصدده؛ وهو أن الدعوة إلى التوحيد رافقت بناء البيت، وإذا كانت ملة إبراهيم هي الملة الكبرى، فإن رحلته في التاريخ هي الرحلة الكبرى؛ إذ كان لها أثرها في فلسطين، وكان لها أثرها في مكة، وأن الإله "إيل" هو إله إبراهيم الذي أصبح دينه منتشرا من مكة إلى فلسطين، وأنه ما دعا إلى الله إلا بعد أن حارب الصابئة وأبطل عبادة التنجيم، وحارب الوثنية، وجعل مسئولية تحطيمها على صنمهم الأكبر إمعانا في الزراية بهم.