﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ "إبراهيم"، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ "الحج".
وواضح من الآيات أن نبي الله إبراهيم لم يدعها مكة وإنما دعاها: بواد غير ذى زرع مرة، وبلدا آمنا مرة أخرى، والبلد الأمين الثالثة.
ثم يذكره الله ﵎ بقوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ .
فلم تذكر مكة في الروايات التاريخية للقرآن -كما رأينا- وفي هذا مدخل لبعض مؤرخي اليهود أو المسيحية؛ لينكروا رحلة إبراهيم إلى مكة وبناءه البيت؛ حيث لم يسمعوا ذاكرا لمكة، ويذكر المؤرخون المنصفون بعض الأسماء القديمة التى تشير إلى ذلك؛ يقول الشهرستاني نقلا عنهم وكما ورد في التوراة: إن الله تعالى جاء من "طور سيناء" وظهر "بساعير" واستعلن "بفاران".
وساعير: جبال المقدس التي كانت مظهر عيسى ﵇ وفاران: جبال مكة التي كانت مظهر المصطفى ﷺ فمن يتمعن الآيات القرآنية يجدها لا تشير من خلال رواياتها التاريخية إلى أن إبراهيم سماها مكة.
ويغلب في وجهة نظري من خلال آيات القرآن أن إبراهيم سار بهاجر وابنه إسماعيل بوحي إلهي وليس كما تزعم الروايات الأخرى أن سارة طردتها ولطمتها فتلك نزعة عرقية من اليهود تراودهم في كل وقت: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ، هذه النزعة صورت لهم دائما أنهم سلالة واحدة وعنصر لا يزاوج العناصر الغريبة عنه وهذا الإسراف في فهم الذات جعلهم مولعين بتزييف بعض الروايات التاريخية التي تخدم فكرتهم. ولذلك حدث أن نبي الله إبراهيم سار بهاجر وإسماعيل وفق نداء الله وحكمته في قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ فكانت المسيرة ذات هدف وظيفى وليست طردا أو غضبا، ولنا في ذلك حجة بالغة هى قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ، وأما تساؤل أهل الكتاب عن مصدر معرفة الرسول من أين استقى أخباره عن إبراهيم وبعضها
стр. 457
غير موجود في التوراة والإنجيل فإن الله رد عليهم بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ، هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ "آل عمران".
فروايات التوراة والإنجيل كانت من بعده فلا تنهض حجة لموقف سارة من هاجر١.
ومما نحب أن نقرره: أن الآيات القرآنية الخاصة بإسماعيل وصفته بالنبوة والرسالة معًا فهو نبي ورسول، واشترك مع والده في بناء البيت وإعداده مثابة للناس وأمنا، غير أن القرآن لم يوضح أو لم يُشِرْ إلى أي قوم كان مبعثه من العرب أو غيرهم. ويبدو أن رسالته كما أشار القرآن كانت إلى أهله.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ "مريم" وأهله هم الذين حطوا بجوار زمزم وتزوج منهم، ومما أشار إليه القرآن أنه كان من الصابرين. قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ "الأنبياء".
وعلى الرغم من أن دعوة إسماعيل كانت إلى ذلك الرهط الذى نزل بجوار زمزم وتزوج منهم إسماعيل فإنه لقي منهم عنتا ورهقا استلزما أن يصفه القرآن بأنه كان من الصابرين، ويبدو أن قريشا خلفهم لم يكونوا بأحسن حالا من سلفهم أصهار أبيهم إسماعيل.
ومما يحسن الالتفات إليه أن رسالة إسماعيل كانت لا تخرج عن ملة إبراهيم؛ لأن القرآن كثيرا ما كان يذكر العرب بأن الإسلام ملة إبراهيم حنيفا هو
стр. 458
سماكم المسلمين من قبل، وفي هذا ما يشير إلى أن ملة إبراهيم هي دعوة إسماعيل غير أنه أسند إليه أمر الدعوة في قومه العرب، فمنذ أن أقام إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت مثابة للناس وأمنا ودين التوحيد قائم معه لولا ما طرأ عليه من عوامل التغيير، وقد أصبحت رحلة إبراهيم تعني إقامة أهله حول البيت، ثم رفع قواعده وتأسيس دين التوحيد، ومن بقي من العرب على بقية من دين إسماعيل قبائل: "معد وربيعة ومضر الذين كانوا جميعا على بقية من دينه"١.
"والذين العربي القديم هو الخطوة السابقة للدين البابلي الآشوري المعقد، كما أن ذلك الدين العربي القديم هو الذي مهد لهذا الطور التاريخي للدين العربي اليهودي مع حرصه على الاحتفاظ بدين الآباء، دين الصحراء البدائي الذي دان به آباء الشعب وأجداده الأولون كما أنه بقي زمنا طويلا موضوع نزاع وعراك شديدين بين العقيدتين الدينيتين: السامية الشمالية والسامية الجنوبية والذى تحول أخيرا إلى الثالوث الإلهي "أب، وابن، والروح القدس"، ومن ثم خطا خطوة إلى التوحيد المسيحي في صورته القديمة التي نعرفها في الحضارة العربية القديمة٢.
ومن بين الباحثين المتخصصين الذين أكدوا الدور الفعال الذى أداه الساميون العرب من شبه جزيرتهم العربية في التحول السياسي أو الحضاري لمنطقة الشرق الأدنى وعلاقته الوثيقة بالعنصر السامي كما يقرر المستشرق الألماني دكتور أنطوان موتكات إذ يقول: "لا تعتبر بلدان الشرق الأدنى مركز الديانات فحسب بل مصدر الإشعاع الديني الذى أنار الأرض بكاملها"٣.
ويؤيد هذا ما يشير إليه الكلبي في رواية أخرى غير رواية عمرو بن لحي إلى أن الوثنية طارئة والأصل عندهم عبادة التوحيد التي كانت أثرا من دعوة إبراهيم وإسماعيل فيقول: وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل حجرا من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة تيمنا منهم بها أو صبابة بالحرم حبا له، ففكرة الأحجار المقدسة نشأت من حبهم لمكة.
стр. 459
وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل، ثم سلخ ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كنت عليه الأمم من قبلهم١، يقول المقدسى: وكان في مشركيهم بقية من دين إسماعيل كالنكاح والختان والمناسك وتعظيم الأشهر الحرم وغير ذلك٢.
وذكر الشهرستاني من سننهم التى وافقهم عليها القرآن فقال: قال محمد بن السائب الكلبي: كانت العرب في جاهليتها تحرم أشياء نزل القرآن بتحريمها: كانوا لا ينكحون الأمهات، ولا البنات، ولا الخالات، ولا العمات.
وكانوا يطلقون ثلاثا على التفرقة, وقال عبد الله بن عباس ﵄: أول من طلق ثلاثا على التفرقة إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وكان العرب يفعلون ذلك، فيطلقها واحدة وهو أحق الناس بها، حتى إذا استوفى الثلاث: انقطع السبيل عنها، ومنه قول "الأعشى ميمون بن قيس" حين تزوج امرأة فرغب قومها عنه، فأتاه قومها، فهددوه بالضرب أو يطلقها:
أيا جارتا بِينِي فإنك طالقهْ ... كذاك أمور الناس غادٍ وطارقه
قالوا: ثنِّه، فقال:
وبِينِي فإن البَيْنَ خيرٌ من العصا ... وأن لا ترى لي فرق رأسك بارقَه
قالوا: ثلِّث، فقال:
وبِينِي حصان الفرج غير ذميمة ... وموموقة قد كنت فينا، ووامقهْ
قال: وكانوا يحجون البيت ويعتمرون، ويحرمون، قال زهير":
وكم بالقيان من محل ومحرم
ويطوفون بالبيت سبعا، ويمسحون بالحجر، ويسعون بين الصفا والمروة، قال أبو طالب:
стр. 460
وأشواط بين المروتين إلى الصفا وما فيهما من صورة وتخايل
وكانوا يلبون، إلا أن بعضهم كان يشرك في تلبيته، بقوله: "إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"، ويقفون المواقف كلها، قال العدوى:
فأقسم بالذى حجت قريش ... وموقف ذى الحجيج على اللآلي
وكانوا يهدون الهدايا، ويرمون الجمار، ويحرمون الأشهر الحرم، فلا يغزون ولا يقاتلون فيها ... إلا "طيئ" وخثعم وبعض "بني الحارث بن كعب"؛ فإنهم كانوا لا يحجون، ولا يعتمرون، ولا يحرمون الأشهر الحرم ولا البلد الحرام، وكانوا يكرهون الظلم في "الحرم"، وقالت امرأة منهم تنهى ابنها عن الظلم:
أبني! لا تظلم بمكـ ... ـةَ لا الصغير، ولا الكبيرْ
أبني من يظلم بمكـ ... ـة يلق أطراف الشرورْ
أبني! قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبورْ
قال صاحب "الروض الأنف":
وينسبون إلى الوليد بن المغيرة قوله: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيِّبًا، لا يدخل فيه مهر بغيٍّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
ثم قال معلقا: وهو يدل على أن الربا كان محرما عليهم في الجاهلية كما كان الظلم والبغاء. وكانوا يعلمون ذلك ببقية من بقايا شرع إبراهيم، كما كان بقي فيهم الحج والعمرة وشيء من أحكام الطلاق والعتق.
وفي هذا ما يفيد ويقوي ما نحن بصدده؛ وهو أن الدعوة إلى التوحيد رافقت بناء البيت، وإذا كانت ملة إبراهيم هي الملة الكبرى، فإن رحلته في التاريخ هي الرحلة الكبرى؛ إذ كان لها أثرها في فلسطين، وكان لها أثرها في مكة، وأن الإله "إيل" هو إله إبراهيم الذي أصبح دينه منتشرا من مكة إلى فلسطين، وأنه ما دعا إلى الله إلا بعد أن حارب الصابئة وأبطل عبادة التنجيم، وحارب الوثنية، وجعل مسئولية تحطيمها على صنمهم الأكبر إمعانا في الزراية بهم.
стр. 461
ولقد كانت الكعبة حرم الله الآمن موطنًا لدعوة إسماعيل وأهله من نسله، فكانت منذ أن عهد الله ببنائها إلى إبراهيم وإسماعيل هي محل تقديس، وأرضًا لدين سماوي أقامه إسماعيل فيها وحولها، إلى أن آلت مقاليدها إلى جرهم ظلمًا من ولد إسماعيل -ورأى إسماعيل عدم منازعتهم لخئولتهم من جهة وإعظامًا لحرمة البيت من جهة أخرى.
بيد أن جرهم بغوا فيها واستحلوا كثير من الحرمات: فظلموا من دخلها من غير أهلها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها فتفرق أمرهم، فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة "لعلها مناف" بن كنانة وغبشان من خزاعة ذلك أجمعوا على حربهم وإخراجهم من مكة، فآذنوهم بالحرب فاقتتلوا فغلبتهم بنو بكر وغبشان فنفوهم من مكة، وآل أمر البيت إلى رئيسهم عمرو بن لحي.
وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلمًا ولا بغيًا ولا يبغى فيها أحد إلا أخرجته.
стр. 462
كيف نشأت:
أمامنا روايتان تتحدثان عن نشأة الوثنية العربية.
الأولى نرى أنها وافدة، والثانية نرى أنها نشأة محلية.
أما عن الراوية الأولى فإنها وفدت مع عمرو بن لحي حين غلبت خزاعة على البيت ونفت جرهم عن مكة، وقد جعلته العرب ربًّا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة؛ لأنه كان يطعم الناس ويكسوهم في الموسم، وتذكر الرواية التاريخية أنه أول من أدخل الأصنام في الحرم.
يقول الرازي المفسر: اعلم أن اليونايين كانوا قبل خروج الإسكندر قد عمدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة واتحذوها معبدا لهم على حدة وقد كان هيكل العلة الأولى عندهم هو الأمر الإلهي.
وهيكل العقل الصريح.
وهيكل العامة المطلقة.
стр. 463
وهيكل النفس والصورة وقد كانت مدورات كلها.
وكان هيكل زحل مسدسًا.
وهيكل المشترى مثلثًا.
وهيكل المريخ مستطيلًا.
وهيكل الشمس مربعًا.
وهيكل عطارد مثلثًا في جوفه مستطيلًا في ظاهره.
وهيكل القمر مثمنًا.
فزعم التاريخ: أن عمرو بن لحي لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم وولي أمر البيت الحرام اتفقت له سفرة إلى البلقان، فرأى قومًا يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، فقالوا: هذه أربابنا نستنصر بها فننصر، ونستسقي فيها فنسقى، فالتمس إليهم أن يكرموه بواحد منها فأعطوه الصنم المعروف "بهبل" فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة ودعا الناس إلى تعظيمه، وذلك في أول ملك "سابور ذي الأكتاف".
وواضح من هذه الرواية أنها تسند أول عملية أدخلت فيها الأصنام للحرم إلى عمرو بن لحي، وأنه أتى بها من اليونان، فالوثنية اليونانية دخلت مكة، وهذا من الآثار اليونانية، وهذه الرواية١ يبدو أنها أكيدة؛ لأن الأصنام غير "هبل" كانت حجارة خالية من الفن، والذوق الجمالي، فلو أنهم أبدعوها لألبسوها مسحة فنية جمالية، وفي هذا ما يشير إلى أن العربي غير من دينه الحنيفي، لكنه ظل محبًّا لرمزياته المقدسة، ومن أهمها الكعبة فحينما ابتدع أصنامًا أو حينما أتى بها من الخارج في بعض رحلاته رأيناه يودعها في الكعبة، فالرمزيات عند العربي، لا تخرج عن معنى: الإلف، والعادة، والفرث، ولا تحمل لديه مضمونا فكريا أو دينيا، لذلك كنا نراه لا يعنى بالدين في شيء، فالمعنى الديني عنده لا يخرج عن معنى العصبية القبلية، ولعل ما قاله لهم عمرو بن لحي: نستنصر فننصر، وقد صارت عقيدة بينهم توارثوها، ونراها ظهرت على
стр. 464
لسان عبد المطلب وهو يفاوض أبرهة حينما قال له: أما الإبل فهي لي وأما البيت فله رب يحميه"، وتعني هذه العبارة في نظرنا أن العربي يتميز بنظرته المادية، هذا من ناحية، وأما من ناحية الموقف العربي القبلي أمام أبرهة فلم يظهر بالمستوى اللائق به فإنه كان قبليا في تشتته وليس عربيا، فالوحدة العربية ظهرت مع الدعوة الإسلامية، ولعل ذلك يرجع في نظرنا إلى العربي نفسه حين أيد وجهة نظر العربي المفاوض: إن الأمان يتحقق عند العربي حين يأمن اقتصاديا ولو أوذي الدين وليس الأمان في الدين حين يهدد الاقتصاد، وكانت هذه النظرة من أهم ما كافحها الإسلام.
ونظرته المادية هذه هي التي دفعتهم -وفقا لما يقول المؤرخون الإسلاميون- إلى الاعتقاد أن فكرة الحجر المقدس نشأت أساسًا من حبه للكعبة وارتباطه الديني بها منذ أن بناها أبوه إبراهيم وربط بها ملته الحنيفية، غير أن العربي أكثر من الرمزيات المحسوسة دون مضمون فكري وراءها، فكانت وثنيته من غير مضمون فكري، وكانت أصنامه من غير مسحة فنية، وكانت الوثنية العربية ساذجة.
وأما عن الرواية الثانية فإنها ذكرت في أكثر من مصدر، يقول الألوسي: "وقد بلغ تعظيم العرب لمكة أنهم كانوا يحجون البيت ويعتمرون ويطوفون، فإذا أرادوا الانصراف أخذ الرجل منهم حجرًا من حجارة الحرم فنحته على صورة أصنام البيت، ثم يجعله في طريقه قبلة ويطوف ويصلي له تشبيها بأصنام البيت، ثم أفضى بهم الأمر بعد طول المدة إلى أن كانوا يأخذون الحجر من الحرم فيعبدونه فلذلك كان أصل عبادة العرب للحجارة في منازلهم شغفًا منهم بأصنام الحرم وليس تذوقا للمعنى الديني القويم.
ثم نعود فنقول نحن بين روايتين:
رواية عمرو بن لحي التي تقرر أن الأصنام وافدة من اليونان، أي نشأت عن مصادر خارجية.
والرواية الثانية: تقرر أنها ليست وافدة وإنها هي من صنعهم، أي نشأت نشأة محلية، ولا مانع لدينا أن نأخذ بالروايتين معًا على أساس أن عمرو بن لحي استقدم
стр. 465
التماثيل حتى يوافق هوى قومه من حبهم للأحجار وتصبح هذه الرواية مخصوصة بالأحجار المصورة المنحوتة وليس بأصل عبادتها.
стр. 466
الأصنام
اللات
...
الأصنام:
نجد في كتاب الأصنام لابن الكلبي، وفي المؤلفات الإسلامية مثل: المخصص لابن سيده أسماء عدد من الأصنام كان الجاهليون يعبدونها، وهي على الأكثر: أصنام كان يتعبد لها أهل الحجاز ونجد، والعربية الشمالية، وذلك قبيل الإسلام.
ومن هذه الموارد الإسلامية: استقينا علمنا عن هذه الأصنام، وهي أصنام ذكرت في القرآن الكريم؛ في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ .. إلخ الآية [النجم: ١٩] .
ويجب أن نضيف إليها "الشمس"١.
١- اللات:
ذكر ابن الكلبي: أنه كان صخرة مربعة بيضاء، بنت "ثقيف" عليها بيتًا، صاروا يسيرون إليه، يضاهون به الكعبة، وله حجبة، وكسوة، ويحرمون وادية، وكانت سدانته: لآل "أبي العاص" ابن "أبي يسار" بن مالك من ثقيف، أو لبني عتاب بن مالك، وكانت قريش، وجميع العرب يعظمونه أيضا، ويتقربون إليه، حتى إن ثقيفا كانوا إذا ما قدموا من سفر توجهوا إلى بيت "اللات" أولا؛ للتقرب إليه وشكره على السلامة، ثم يذهبون بعد ذلك: إلى بيوتهم، وقد كانت له معابد كثيرة منتشرة في مواضع عديدة من الحجاز٢.
وذكر ابن كثير أن "اللات" صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش، وكانت في داخل بيت له أستار على شاكلة الكعبة٣.
стр. 467
وللإخباريين روايات عن صخرة "اللات"؛ منها أنها في الأصل صخرة كان يجلس عليها رجل يبيع السمن واللبن للحجاج في الزمن الأول، وقالوا: إنها سميت "باللات"؛ لأن: "عمرو بن لحي" كان بلت عندها السويق للحجاج على تلك الصخرة.
وقالوا: بل كانت "اللات" في الأصل رجلًا من ثقيف، فلما مات قال لهم "عمرو بن لحي": لم يمت، ولكن دخل في الصخرة، ثم أمر بعبادتها؛ وأن يبنوا بنيانًا يسمى "اللات".
وقيل: كانت صخرة مربعة، وكان يهودي يلت عندها السويق.
وذكر المفسر أبو السعود: أن هناك رواية تزعم أن حجر "اللات" كان على صورة ذلك الرجل الذي قبر تحته، وهو الذي كان يلت السويق، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.
وقيل: إن "اللات" الذي كان يقوم على آلهتهم، ويلت لهم السويق١.
وذكر الطبري: أن "اللات" هي مِن "الله" تعالى، ألحقت فيه التاء فأنثت، كما قيل: "عمرو" للذكر، وللأنثى "عمرة"، وكما قيل: للذكر "عباس" ثم قيل للأنثى "عباسة"٢.
ولا يستبعد أن تكون صخرة "اللات" صخرة من هذه الصخور المقدسة، التي كان يقدسها الجاهليون، ومن بينها: "الحجر الأسود"، الذي كان يقدسه أهل مكة، ومن كان يأتي إلى مكة للحج، وفي غير موسم الحج، لذلك كانوا يلمسونه ويتبركون به.
و"اللات": من الآلهة المعبودة عند النبط أيضا، وقد ورد اسمها في نصوص: "الحجر، وصلخد وتدمر" وهي من مواضع النبط.
ويذكر الباحثون: أن النبط عدوا "اللات" أُمًّا للآلهة٣.
стр. 468
وقد عبدت "اللات": في تدمر، وفي أرض مدين عند اللحيانيين.
وقد ذهب: بعض المستشرقين إلى أن "اللات" تمثل الشمس، وهي أنثى أي: إلهة.
وقد انتهت إلينا أسماء رجال أضيفت إلى "اللات" مثل: "تميم اللات"، و"زيد اللات"، "شيع اللات"، "هب اللات"، وكما شاكل ذلك من الأسماء.
ومما يلفت النظر أننا لم نلاحظ ورود اسم "عبد اللات" بين أسماء الجاهليين.
وقد أقسموا "باللات" كما أقسموا بالأصنام الأخرى١.
стр. 469
٢- العزى:
"والعزى": صنم أنثى.
وأما الذي اتخذ العزى -على رواية ابن الكلبي- فهو "ظالم بن أسعد"، وقد ذكر الطبري روايات عديدة تفيد أن "العزى" شجيرات، ولكنه أورد روايات أخرى تفيد أنها حجر أبيض. فنحن إذن أمام رأيين:
رأي يقول: "إن "العزى" شجيرات.
ورأى يقول: إنها حجر.
وذكر ابن حبيب أن "العزى" شجرة بنخلة، عندها وثن تعبدها "غطفان".
سدنتها من بني "صرمة بن مرة".
وذكر غيره: أنها سمرة "لغطفان".
وقد تسمَّى العرب وقريش بالعزى، فقالوا: "عبد العزى"، وأقسموا بها.
وتشير رواية من زعم أن عمرو بن لحي قال لقومه:
стр. 470
"إن ربكم يتصف "باللات"؛ لبرد الطائف، ويشتوا بالعزى؛ لحر تهامة.
ويقول ابن الكلبي أيضا: ولم تكن قريش بمكة، ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئا من الأصنام إعظامهم "العزى"، ثم "مناة".
فأما "العزى": فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية، وكانت ثقيف: تخص "اللات" كخاصة هؤلاء الآخرين، وكلهم كان معظما لها؛ أي: العزى.
ولابن الكلبي رأي في إقبال قريش على "العزى" إذ يقول:
فأما "العزى" فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية، وذلك: فيما أظن؛ لقربها منها. فجعل بيت "العزى" من قريش هو السبب في إقبال عليها١.
وهو يرى هذا الرأي نفسه حين تكلم على الأصنام:
أ-ود.
ب-سواع.
جـ- يعوق.
د- نسر.
وقارن بينها وبين الأصنام: اللات، العزى، مناة؛ إذ قال:
ولم يكونوا: يرون في الأصنام الخمسة التي دفعها "عمرو بن لحي" كرأيهم في هذه، ولا قريبا من ذلك، فظننت أن ذلك كان؛ لبعدها منهم.
وقال ابن الكلبي في كتابه الأصنام: وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ ذكرها يوما فقال: لقد أهديت "للعزى" شاة عفراء وأنا على دين قومي، وكان فيمن يتقدم إلى "العزى" بالنذور والهدايا والد "خالد بن الوليد".
ذكر خالد أن والده كان يأتي "العزى" بخير ماله من الإبل والغنم، فيذبحها "للعزى" ويقيم عندها ثلاثة أيام.
стр. 471
وذكر الطبري أن "العزى" صنم لبني شيبان بطن من سليم -حلفاء بني هاشم- وبنو اسد بن عبد العزى- يقولون: هذا صنمنا، وإنها كانت بيتا يعظمه هذا الحي من قريش، وكنانة ومضر كلها١.
وينسب ابن الكلبي بناء بيت العزى إلى ظالم بن أسعد؛ إذ يقول: بس، بيت لغطفان بن سعد بن قيس عيلان كانت تعبده، بناه ظالم بن أسعد بن ربيعة لما رأى قريشا يطوفون بالكعبة ويسعون بين الصفا والمروة، فذرع البيت، ونص العباب، وأخذ حجرًا من الصفا، وحجرًا من المروة. فرجع إلى قومه، وقال: يا معشر غطفان لقريش بيت يطوفون حوله والصفا والمروة، وليس لكم شيء؟ فبنى بيتا على قدر البيت ووضع الحجرين، فقال: هذا الصفا والمروة فاجتزئوا به عن الحج، فأغار زهير بن جناب، فقتل ظالما، وهدم بناءه٢.
стр. 472
٣- مناة:
وهو من الأصنام المذكورة في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] .
وهذه الأصنام الثلاثة: هي إناث في نظر الجاهليين.
وموضع "مناة" بالمشلل على سبعة أميال من المدينة، وقيل: إنه بموضع "ودان" أو في موضع قريب منه.
وذكر اليعقوبي أن مناة كان منصوبا بفدك مما يلي ساحل البحر، والرأي الغالب بين أهل الأخبار أنه كان على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد.
وذكر محمد بن حبيب: أنه كان بسيف البحر، وكانت الأنصار، وأزد شنوءة، وغيرهم تتعبد له.
стр. 473
وأما سدنته: هم "الغطاريف" من الأزد. وذُكر أن تلبيته كانت: لبيك اللهم لبيك، لولا أن بكرا دونك، يبرك الناس ويهجرونك، وما زال حج عثج يأتونك، أنا على عدوائهم من دونك١.
ويظهر من أقوال ابن الكلبي ابن هذا الصنم كان معظما وخاصة عند الأوس والخزرج؛ أي أهل يثرب، ومن كان يأخذ مأخذهم من عرب المدينة، والأزد، وغسان؛ فكانوا يحجون ويقفون مع الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رءوسهم؛ فإذا نفروا أتوا "مناة" وحلقوا رءوسهم عنده، وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تماما إلا بذلك، ولكن القبائل العربية الأخرى كانت تعظمه كذلك، وفي جملتها: "قريش، وهذيل، وخزاعة، وأزدشنوءة"٢.
стр. 474
٤- هبل:
يقول ابن الكلبي: وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وكان أعظمها "هبل"، وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش فجعلت له يدا من ذهب، وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.
وكان يقال له: "هبل خزيمة"، وكان في جوف الكعبة، قدامه سبعة أقداح، مكتوب في أولها: "صريح" والآخر: "ملصق" إذا شكوا في مولود أهدوا إليه هدية؛ ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج "صريح" ألحقوه، وإن خرج "ملصق" دفعوه وقدح على الميت، وقدح على النكاح، وثلاثة لم تفسر على ما كانت فإذا اختصموا في أمر، أو أرادوا سفرا أو عملا أتوه فاستقسموا بالأزلام عنده، فما خرج عملوا به وانتهوا إليه، وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله.
стр. 475
وجاء في رواية أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره؛ فلما قدم "مآب" من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، وهم ولد عملاق -ويقال: عمليق- وجدهم يتعبدون للأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه الأصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنما يقال له "هبل" وأخذه فتقدم به إلى مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته.
وكانت تلبية من نسك "هبل": لبيك اللهم لبيك؛ إننا لقاح، حرمتنا على أسنة الرماح، يحسدنا الناس على النجاح١.
وذهب بعض المستشرقين إلى أن "هبل" هو رمز إلى الإله "القمر" وهو إله الكعبة، وهو الله عند الجاهليين وكان من شدة تعظيم قريش له أنهم وضعوه في جوف الكعبة، وأنه كان الصنم الأكبر في البيت، وقد ورد اسم "هبل" في الكتابات النبطية التي عثر عليها في الحجر، ورد مع اسم الصنمين: دوشرا: ذي الشرى. منوتو: مناة.
وقد تسمى به أشخاص وبطون من قبيلة كلٍّ؛ مما يدل على أن هذه القبيلة كانت تتعبد له، وأنه كان من معبودات العرب الشماليين.
وباسم هذا الصنم سمي: "هبل بن عبد الله بن كنانة الكلبي"٢.
وزعم ابن الكلبي٣: أن خمسة أصنام من أصنام العرب من زمن نوح وهي:
ود، سواع، يغوث، يعوق، نسر.
стр. 476
وقد ذكرت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا، وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا، وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ١.
стр. 477
٥- ود:
كان الصنم "ود" من نصيب عوف بن عذرة بن زيد اللات، أعطاه إياه: عمرو بن لحي، فحمله إلى وادي القرى، فأقره بدومة الجندل، وسمى ابنه "عبد ود"، فهو أول من سمي به، وهو أول من سَمَّى "عبد ود"، ثم سمت العرب به بعد، وقد تعبد له "بنو كعب"، ومنهم من يهمز فيقول: "أد"، ومنه سمي "عبد أد"، "أد ابن طابخة"، و"أدد" جد معد بن عدنان١.
ويظهر أنه "أود" عند ثمود، و"أدد" من السماء المعروفة وقبيلة "مرة" نسبة إلى "مرة بن أود".
ويظن: أن الإله "قوس" هو "ود"؛ أي: اسم نعت له.
وذهب بعض الباحثين إلى أن "نسرًا"، "ذا غابة" يرمزان إليه، "وود" هو الإله الأكبر لأهل معين٢.
стр. 478
٦- سواع:
أما "سواع": فكان موضعه بـ"رهاط" من أرض ينبع، وذكر أنه كان صنما على صورة امرأة. وهو صنم "هذيل".
وينسب ابن الكلبي انتشار عبادته -كعادته- إلى عمرو بن لحي فذكر أن "مضر بن نزار" أجابت عمرو بن لحي؛ فدفع إلى رجل من هذيل -يقال له "الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل"- سواعا فكان بأرض يقال لها "رهاط" من بطن نخلة يعبده من يليه من مضر.
стр. 479
وذكر ابن حبيب أنه كان بـ "نعمان" وأن عبدته "بنو كنانة" وهذيل، ومزينة، وكان سدنته "بنو صاهلة" من هذيل.
وفي رواية أن عبدة "سواع" هم آل ذي الكلاع.
وذكر اليعقوبي أنه كان لكنانة١.
ونسب بعض الأخبار هدم الصنم "سواع" إلى "غاوي بن ظالم السلمي".
ذكروا أن هذا الصنم كان لبني سليم بن منصور؛ فبينما هو عند الصنم؛ إذ أقبل ثعلبان يشتدان حتى تسنما، فبالا عليه فقال:
أرَبٌّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ثم قال: يا معشر سليم، لا والله هذا الصنم لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع؛ فكسره، ولحق بالنبي عام الفتح؛ فقال النبي ﷺ : "ما اسمك؟ " فقال: غاوي ابن عبد العزى، فقال: "بل أنت راشد بن عبد ربه"، وعقد له على قومه.
وقيل: إن هذه الحادثة، إنما وقعت لعباس بن مرداس السلمي. وقيل: لأبي ذر الغفارى٢.
стр. 480
٧- يغوث:
أما "يغوث": فكان على رواية ابن الكلبي في جملة الأصنام التي فرقها عمرو بن لحي على من استجاب إلى دعوته من القبائل، دفعه إلى أنعم بن عمرو المرادي، فوضعه بأكمة "مذحج باليمن"، فعبدته "مذحج" ومن والاها وأهل "جرش".
وذكر الطبري: أن بطنين من طيء أخذا "يغوث"؛ فذهبا به إلى مراد؛ فعبدوه زمانا، ثم إن بني ناجية أرادوا أن ينتزعوه منهم؛ ففروا به إلى بني الحارث بن كعب، أما سدنته فكانوا من بني أنعم من طيء، وكانوا في:"جرش"، وفي
стр. 481
حوالي سنة ٦٣٢م؛ أي السنة التي وقعت فيها معركة "بدر" حدث نزاع على الصنم؛ أراد بنو مراد أن يكون الصنم فيهم وسدنته لهم؛ وأراد بنو أنعم الاحتفاظ بحقهم فيه.
فهرب بنو أنعم بصنمهم إلى بني الحارث، واحتفظوا به بعد أن وقعت الهزيمة في مراد.
وفي الحرب التي وقعت بين بني أنعم، وغطيف حمل عبدة "يغوث" صنمهم معهم، وحاربوا مستمدين منه العون والمدد١.
ونجد بين أسماء الجاهليين عددا من الرجال سموا بـ "عبد يغوث" منهم: من كان في "مذحج" ومنهم: من كان في قريش؛ ومنهم من كان من هوازن٢.
стр. 482
٨- يعوق:
"ويعوق" أيضًا في جملة هذه الأصنام التي فرقها عمرو بن لحي على القبائل.
وذكر ياقوت الحموي أن ابن الكلبي قال:
واتخذت خيوان "يعوق"، وكان بقرية لهم يقال لها "خيوان" من صنعاء على ليلتين مما يلي مكة؛ ولم أسمع لها ولغيرها شعرًا فيه، وأظن ذلك؛ لأنهم قربوا من صنعاء، واختلطوا بحمير؛ فدانا معهم باليهودية أيام تهود ذي "نواس" فتهودوا معه.
ونسب الطبري عبادة "يعوق" إلى "كهلان"، وذكر أنهم توارثوه كابرا عن كابر؛ حتى صار إلى همدان، وذكر في رواية أخرى؛ أن "يعوق" اسم صنم كان لكنانة١.
стр. 483
٩- نسر:
وأما "نسر" فكان من نصيب حمير، أعطاه عمرو بن لحي. قيل: لذي رعين المسمى "معد يكرب"؛ فوضعه في موضع بلخع من أرض سبأ، فتعبدت له حمير إلى أيام ذي نواس، فتهودت معه وتركت هذا الصنم.
وكان عباد "نسر" آل الكلاح من حمير على رواية من الروايات.
وذكر محمد بن حبيب أن حمير تنكست "لنسر" وعظمته ودانت له، وكان في غمدان قصر ملك اليمن.
وذكر اليعقوبي أنه كان لحمير وهمدان، منصوبًا بصنعاء.
ولم يشر ابن الكلبي إلى صورة الصنم "نسر".
وذكر الطبرسي: في أشكال الأصنام، أسندها الواقدي قال فيها كان "ود":
على صورة رجل، و"سواع": على صورة امرأة، و"يغوث": على صورة أسد، "ويعوق": على صورة فرس، و"نسر": على صورة نسر من الطير١.
стр. 484
١٠- عميانس:
هو صنم "خولان"؛ وموضعه في أرض خولان؛ وكان يقدم له في كل عام نصيبه المقرر من الأنعام والحروث.
وذكر ابن الكلبي أن الذين تعبدوا له من خولان هم بطن منهم؛ يقال لهم الأدوم، وهم الأسوم. وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ ... إلخ [الأنعام: ١٣٦] .
وقد ورد ذكر هذا الصنم في خبر "وفد خولان" الذي قدم على رسول الله ﷺ في شعبان سنة عشر.
إذ ذكر أن رسول الله ﷺ قال لهم: "ما فعل عمأنسى؟ " فقالوا: بشر وعسر، أبدلنا الله به، ولو قد رجعنا إليه هدمناه، وقد بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به١.
стр. 485
١١- أساف ونائلة-رضى:
ذكر اليعقوبي: أن عمرو بن لحي وضع هبل عند الكعبة، فكان أول صنم وضع بمكة؛ ثم وضعوا به "إساف ونائلة"، كل واحد منهما على ركن من أركان البيت؛ فكان الطائف إذا طاف بدأ "بأساف" فقبله وختم به؛ ونصبوا على "الصفا" صنما يقال له: "مجاور الريح" وعلى المروة صنما يقال له: "مطعم الطير".
وذكر محمد بن حبيب أن أسافا كان على "الصفا"، وأما نائلة فكان على "المروة"، وهما صنمان، وكان من جرهم، ففجر أساف بنائلة في الكعبة؛ فمسخا حجرين، فوضعا على الصفا والمروة؛ ليعتبر بهما، ثم عبدا بعد، وكان نسك قريش "لأساف": لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك.
ويظهر أن مرد هذا القصص الذي يقصها علينا أهل الأخبار عن الصنمين إنما هو إلى شكل الصنمين.
كان: أساف تمثال رجل على ما يظهر من روايات الإخباريين، وكانت: "نائلة" تمثال امرأة. يظهر أنهما استوردا من بلاد الشام فنصبا في مكة، فتولد من كونهما صنمين لرجل وامرأة هذا القصص المذكور، ولعله من صنع القبائل الكارهة لقريش، التي لم تكن ترى حرمة للصنمين١.
ذكر ابن الكلبي: أنه كان لبني ربيعة بن كعب بن تميم، فهدمه "المستوغر" وهو عمرو بن ربيعة بن كعب؛ هدماه في الإسلام وتعبدت لهذا الصنم قبيلة تميم.
وقد ورد اسم "عبد رضى" بين أسماء الجاهليين، ويظهر أن قبيلة طيء كانت قد تعبدت له كذلك.
стр. 486
"ورضى" من الأصنام المعروفة عند قوم "ثمود".
وقد ورد اسمه في كتابات ثمودية عديدة، وكانت عبادته منتشرة بين العرب الشماليين.
وورد في نصوص تدمر، وبين أسماء بني إرم، كما ورد في كتابات الصفويين، وورد على هذا الشكل: "رضو، رضي، هرضو، هارضو" ويظن أنه يرمز إلى كوكب١.
стр. 487
١٢- مناف-ذو الخلصة:
صنم من أصنام الجاهلية؛ قال عنه ابن الكلبي: وكان لهم "مناف"، فبه كانت تسمي قريش "عبد مناف" ولا أدري أين كان، ولا من نصبه، وسمي به أيضا رجال من "هذيل" وبه سمي "عبد مناف"؛ وكانت أمه أخدمته هذا الصنم.
وقد عثر على كتابة وجدت في "حوران"؛ ورد فيها اسم "مناف" مع إله آخر، ورد اسم "مناف" فيها على هذا الشكل MN,PHA وقد عثر على كتابة أخرى وجد فيها الاسم على هذه الصور: "منافيوس" Manaphius مما يدل على أن المراد بالاسمين شيء واحد هو الإله مناف"١.
أما "ذو الخلصة": فكان صنم "خثعم"، و"بجيلة" و"دوس"، ومن قاربهم من بطون العرب من "هوازن" ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة، والحارث بن كعب، وزبيد، والغوث بن مر.
وذكر ابن الكلبي أن سدنته بنو أمامة من باهلة بن أعصر٢، وفي رواية لابن إسحاق أن عمرو بن لحي نصب "ذا الخلصة" بأسفل مكة، فكانوا يلبسونه القلائد، ويهدون إليه الشعير والحنطة، ويصبون عليه اللبن، ويذبحون له، ويعلقون عليه بيض النعام.
стр. 488
وهناك روايات جعلت "ذا الخلصة" الكعبة اليمانية "لخثعم" ومنهم من سماه كعبة اليمامة.
ويستنتج من كل هذه الروايات: أن "ذا الخلصة" بيت كان يدعى كعبة أيضًا، وكان فيه صنم يدعى "الخلصة" لدوس وخثعم، وغيرهم.
وكان بيت "ذي الخلصة": من البيوت التي يقصدها الناس للاستقسام عندها بالأزلام، وكان له ثلاثة أقداح: الآمر، الناهي، المتربص.
وفي "ذي الخلصة" قال أحد الرجازين:
لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا ... مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا١
стр. 489
١٣- سعد-ذو الكفين:
كان صخرة طويلة، وذكر اليعقوبي أنه كان لبني بكر بن كنانة، وذهب ابن إسحاق إلى أنه في موضع قفر، وقيل: إنه قرب اليمامة.
وذكر ابن الكلبي: أنه أقبل رجل منهم بإبل له؛ ليقفها عليه يتبرك بذلك فيها؛ فلما أدناها منه نفرت منه، وكان يهراق عليه الدماء، فذهبت في كل وجه وتفرقت عليه، وأسف؛ فتناول حجرًا فرماه به، وقال: لا بارك الله فيك إلهًا، أنفرت عليَّ إبلي، ثم خرج في طلبها حتى جمعها، وانصرف عنه وهو يقول:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فلا نحن من سعدِ
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا يُدعى لغيذٍ ولا رشدِ١
ذكر ابن الكلبي: أنه كان لدوس، ثم لبني منهب بن دوس، لما أسلموا بعث النبي ﷺ الطفيل بن عمرو الدوسي فحرقه، وهو يقول:
стр. 490
يا ذا الكفين لست من عبادكا
ميلادنا أكبر من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
وذكر أن هذا الصنم كان صنم عمرو بن حممة الدوسي أحد حكام العرب.
стр. 491
١٤- ذو الشرى-الأقيصر-نهم:
وكان لبني الحارث بن يشكر بن مبشر من الأزد -صنم، يقال له: "ذو الشرى".
وورد في رواية للإخباريين: أن "ذا الشرى" صنم لدوس، كان بالسراة. وقد ورد اسم هذا الصنم في الحديث النبوي، وورد: بين أسماء الجاهليين اسم "عبد ذي الشرى" "وذو الشرى": إله ورد اسمه في كتابات: بطر، وبصرى١.
كان صنم قضاعة، ولخم، وجذام، وعاملة، وغطفان. وكان في مشارف الشام.
وقد ذكر اسمه في: شعر لزهير بن أبي سلمى، ولربيع بن ضبع الفزارى، وللشنفرى الأزدي كانوا يحجون إليه، ويحلقون رؤوسهم عنده، ويلقون مع الشعر قرة من دقيق، وهي عادة كانت متبعة عند بعض قبائل اليمن كذلك.
ويذكر ابن الكلبي: أن هوازن كانت تنتاب حجاج الأقيصر؛ فإن أدركت المواسم قبل أن يلقى القرة، قال احدهم: لمن يلقى: أعطنيه فإني من هوازن ضارع، وإن فاته: أخذ ذلك الشعر بما فيه من القمل والدقيق فخبزه وأكله٢.
وكان: لمزينة، كسره سادنه خزاعي بن عبد نهم، وهو من مزينة من بني عداء، وأعلن إسلامه٣.
стр. 492
عائم-سعير-الغلس-اليعبوب-باجر-المحرق-شمس
...
١٥- عائم-سعير-الفلس-اليعبوب-باجر-المحرق-شمس:
وكان: لأزد السراة. ورد اسمه في شعر لزبد الخير، المعروف أيضا بزيد الخيل١.
أما "سعير" فهو صنم عترة، وكان الناس يحجون إليه، ويطوفون حوله، ويعترون العتائر له٢.
كان لطيء، وكان أنفا أحمر في وسط جبلهم، الذي يقال له: أجأ، أسود، كأنه تمثال إنسان. وكانوا يعبدونه، ويهدون إليه، ويعترون عنده العتائر، ولا يأتيه خائف إلا أمن عنده، ولا يطرد واحد طريدة فيلجأ بها إليه إلا تركت له، ولم تخفر حوزته وحرمه.
ذكر ابن حبيب: أنه كان بنجد، وسدنته بنو بولان٣.
وهو: صنم لجديلة طيء.
كان: صنما للأزد، ومن جاورهم من طيء، وقضاعة.
كان صنما لبكر بن وائل، وبقية ربعية في موضع سلمان، وأما سدنته فكانوا أولاد الأسود العجلي٤.
"والشمس": صنم كان لبني تميم، وله بيت، وكانت تعبده بنو "أد" كلها: ضبة، تميم، عدى، عكل، ثور.
стр. 493
وأما سدنته فكانوا من بني أوس بن مخاش بن تميم، فكسره هند بن أبي هالة، وصفوان بن أيد بن مخاش.
وقد قيل لها: الإلهة.
وذكر اليعقوبي أن قوما من عذرة تعبدوا لصنم يقال له: "شمس"١.
стр. 494
١٦- تيم:
به سمي رجال من تيم، ومن غيرهم؛ مثل: "عبد تيم"، "تيم الله"، وهناك أسماء أصنام أخرى لم ترد في كتاب الأصنام؛ إنما وردت في كتب اخرى. وقد ذكرها: "ابن الكلبي". نفسه في بعض مؤلفاته؛ ومن هذه الأصنام:
أ- الأسحم.
ب- الأشهل.
ج- أوال.
د- البجة.
هـ- الجبهة.
و جريش.
ز- جهار.
ح- الشارق.
ط- صمودا.
ي- العبعب.
ك- عوض.
ل- ذو اللبا.
م- السعيدة.
ن- عنم.
س- فزح.
ع- قيس.
стр. 495
ف- المنطبق.
ص- نهيك.
وغير ذلك١.
وذكر ابن الكلبي أن العرب تسمي الطواف حول الأصنام، والأوثان: الدوار.
وعرف بعض اهل الأخبار: الدوار بأنه: نسك للجاهلية، يدورون فيه لصنم، أو غيره٢.