١٤- ذو الشرى-الأقيصر-نهم:
وكان لبني الحارث بن يشكر بن مبشر من الأزد -صنم، يقال له: "ذو الشرى".
وورد في رواية للإخباريين: أن "ذا الشرى" صنم لدوس، كان بالسراة. وقد ورد اسم هذا الصنم في الحديث النبوي، وورد: بين أسماء الجاهليين اسم "عبد ذي الشرى" "وذو الشرى": إله ورد اسمه في كتابات: بطر، وبصرى١.
كان صنم قضاعة، ولخم، وجذام، وعاملة، وغطفان. وكان في مشارف الشام.
وقد ذكر اسمه في: شعر لزهير بن أبي سلمى، ولربيع بن ضبع الفزارى، وللشنفرى الأزدي كانوا يحجون إليه، ويحلقون رؤوسهم عنده، ويلقون مع الشعر قرة من دقيق، وهي عادة كانت متبعة عند بعض قبائل اليمن كذلك.
ويذكر ابن الكلبي: أن هوازن كانت تنتاب حجاج الأقيصر؛ فإن أدركت المواسم قبل أن يلقى القرة، قال احدهم: لمن يلقى: أعطنيه فإني من هوازن ضارع، وإن فاته: أخذ ذلك الشعر بما فيه من القمل والدقيق فخبزه وأكله٢.
وكان: لمزينة، كسره سادنه خزاعي بن عبد نهم، وهو من مزينة من بني عداء، وأعلن إسلامه٣.
стр. 492
عائم-سعير-الغلس-اليعبوب-باجر-المحرق-شمس
...
١٥- عائم-سعير-الفلس-اليعبوب-باجر-المحرق-شمس:
وكان: لأزد السراة. ورد اسمه في شعر لزبد الخير، المعروف أيضا بزيد الخيل١.
أما "سعير" فهو صنم عترة، وكان الناس يحجون إليه، ويطوفون حوله، ويعترون العتائر له٢.
كان لطيء، وكان أنفا أحمر في وسط جبلهم، الذي يقال له: أجأ، أسود، كأنه تمثال إنسان. وكانوا يعبدونه، ويهدون إليه، ويعترون عنده العتائر، ولا يأتيه خائف إلا أمن عنده، ولا يطرد واحد طريدة فيلجأ بها إليه إلا تركت له، ولم تخفر حوزته وحرمه.
ذكر ابن حبيب: أنه كان بنجد، وسدنته بنو بولان٣.
وهو: صنم لجديلة طيء.
كان: صنما للأزد، ومن جاورهم من طيء، وقضاعة.
كان صنما لبكر بن وائل، وبقية ربعية في موضع سلمان، وأما سدنته فكانوا أولاد الأسود العجلي٤.
"والشمس": صنم كان لبني تميم، وله بيت، وكانت تعبده بنو "أد" كلها: ضبة، تميم، عدى، عكل، ثور.
стр. 493
وأما سدنته فكانوا من بني أوس بن مخاش بن تميم، فكسره هند بن أبي هالة، وصفوان بن أيد بن مخاش.
وقد قيل لها: الإلهة.
وذكر اليعقوبي أن قوما من عذرة تعبدوا لصنم يقال له: "شمس"١.
стр. 494
١٦- تيم:
به سمي رجال من تيم، ومن غيرهم؛ مثل: "عبد تيم"، "تيم الله"، وهناك أسماء أصنام أخرى لم ترد في كتاب الأصنام؛ إنما وردت في كتب اخرى. وقد ذكرها: "ابن الكلبي". نفسه في بعض مؤلفاته؛ ومن هذه الأصنام:
أ- الأسحم.
ب- الأشهل.
ج- أوال.
د- البجة.
هـ- الجبهة.
و جريش.
ز- جهار.
ح- الشارق.
ط- صمودا.
ي- العبعب.
ك- عوض.
ل- ذو اللبا.
م- السعيدة.
ن- عنم.
س- فزح.
ع- قيس.
стр. 495
ف- المنطبق.
ص- نهيك.
وغير ذلك١.
وذكر ابن الكلبي أن العرب تسمي الطواف حول الأصنام، والأوثان: الدوار.
وعرف بعض اهل الأخبار: الدوار بأنه: نسك للجاهلية، يدورون فيه لصنم، أو غيره٢.
стр. 496
١٧- مرحب-رئام-الوثن:
وأما "مرحب": فصنم من أصنام حضرموت؛ وبه سمي: "ذو مرحب" سادن هذا الصنم، وكانت تلبية من نسك له: لبيك لبيك، إننا لديك، لبيك جئنا إليك.
وذكر اليعقوبي أن للأزد صنما يقال له: رئام.
قال ابن هشام: يقال لكل صنم من حجر، أو غيره: صنم، ولا يقال وثن إلا لما كان من غير صخرة كالنحاس ونحوه.
وقد أورد أيضا نصًّا يفهم منه خلا ذلك، وهو رواية: عن عمر بن الخطاب يقول فيه: اللهم غفرًا، لقد كنا في الجاهلية على شر من هذا، نعبد الأصنام، ونعتنق الأوثان.
يفهم من قول عمر: أن الأصنام تطلق على مظاهر عبادتهم، والوثان على عقائدهم، فهما على القولين ليس من المترادفات فنقول مثلا إن آلهة الوثنيين أصنام، فالوثني يترادف مع المشرك ويتقابل مع الموحد في الرواية التي ذكرها ابن هشام وتشير إلى التفريق بين الصنم والوثن، نراها غيره دقيقة فالوثنية عقيدة والصنم مظهرها.
стр. 497
سدنتها:
السدنة: هم الذين يقومون بأمر الكعبة أو بطواغيتها.
فكان للات سدنتها وحجابها من بني معتب من ثقيف، ولمناة سدنتها من الأوس والخزرج، وللعزى سدنتها من بني شيبان خلفاء بني هاشم.
وهذه أسماء سريانية١ وقعت إلى الهند فسموا بها أصنامهم التي زعموا أنها الدراري السبعة ثم أدخلها عمرو بن لحي، ثم أصبحت عادتها تقليدًا حتى خلفت الخلوف، وقالوا: ما عظم هؤلاء آباؤنا إلا لأنها ترزق وتنفع وتضر واتخذوها آلهة.
فاتخذت العرب مع الكعبة هذه الطواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي إليها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها مع عرفانها بفضل الكعبة.
والطواغيت أطلقها القرآن على كل معبود من دون الله.
والجبت: الكاهن.
قال الرازي: كلمتان وضعتا علمين على من كان غاية في الفساد٢.
وقال ابن الكلبي: وكان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتسمح به، وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضًا٣.
وتدنت العرب في عبادة الأصنام:
فمنهم من اتخذ بيتًا ومنهم من اتخذ صنمًا، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت: نصب حجرا أمام الحرم وأمام غيره مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت٤،
стр. 498
وسموها: الأنصاب، فإذا كانت تماثيل دعوها الأصنام، والأوثان وسموا طوافهم الدوار، وكان الرجل إذا سافر، فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها، فاتخذه ربا، وجعل الثلاثة: أثافي للقدر، وإذا ارتحل: تركه فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك.
فكانوا ينحرون ويذبحون عندها كلها ويتقربون إليها، وهم على ذلك عارفون بفضل الكعبة عليها يحجونها ويعتمرون إليها، وكان الذين يفعلون ذلك في أسفارهم يهدفون للاقتداء بما يفعلون عندها والصبابة بها، وكانوا يسمون ذبائح الغنم التي يذبحون عند أصنامهم وأنصابهم تلك: العتائر، والعتيرة في كلام العرب: الذبيحة والمذبح الذي يذبحون فيه لها العتر.
ويقول ابن الكلبي: وكانت للعرب حجارة غير منصوبة يطوفون بها ويعترون عندها يسمونها الأنصاب ويسمون الطواف بها الدوار١.
وما زالت بداية ظهور الإلحاد عند العرب سرًّا غامضًا، ولكننا نعتقد أن إلحادهم كان يختلف عن أي نوع من الإلحاد عند الأمم الأخرى.
وإذا نظرنا إلى تقدمهم العقلي نجد أفكارهم الدينية ساذجة وسهلة، وإذا سلطنا عليهم أضواء التاريخ نجد لديهم نوعا من أحط أنواع الوثنية٢.
ففي العصر الجاهلي لا نجد أي تعاليم جوهرية، ولكن على الرغم من ذلك كانت الأحداث كما يقول "كرهل": لا تثبت إذا ما كان الشعب السامي الذي هاجر إلى بلاد العرب من الشمال الشرقي قد اعتنق العبادة التي وجدها في البلاد، ثم أدخل نوعا جديدا من العبادة التي انتشرت في أطوار تدريجية بين العرب٣.
فتحولهم من التوحيد إلى الوثنية والإلحاد، لم يكن مباشرة، وإنما تم بعد مرحلة جرهم العبثية التي فسد فيها الدين وشوه، فلما ولي عمرو بن لحي دفعه إلى الوثنية لون من العصبية، وليست قضايا عقلية شغلته، فأراد لها حلًّا فتحول بسببٍ إلى الإلحاد، ولكن كانت العصبية، والتقليد، وهجر ما كان عليه جرهم من فساد وعبث.
стр. 499
وهذا التعدد في الأصنام والأوثان والأنصاب واختلاف أسمائها ليس نتيجة فكر شغل به العقل العربي، ولكن ذلك ناشئا من مجاورتهم لأهل هذه الملل والنحل "إن أديان العرب كانت مختلفة بالمحاورات لأهل الملل والانتقال إلى البلدان والانتجاعات"١.
ولم تأتِ هذه الآلهة جميعها من التراث القومي؛ فبعضها وفد من الشعوب المجاورة طبقًا لاستعداد عام بين العرب الجنوبيين يحدوهم إلى النقل والاستيعاب استعداد يسّر في مراحل متأخرة دخول عقائد اليهودية والمسيحية.
стр. 500
اتجاه قريش نحو الزعامة:
١- ولاية الكعبة:
ولي قصىٌّ البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه، فكان قصي أول رجل من كعب بن لؤي أصاب ملكا أقر له به قومه، ثم أعطوه مقاليد الأمور فكان له أمر:
الحجابة.
والسقاية.
والرفادة.
والندوة
واللواء.
وبها حاز شرف مكة كله.
أعاد تخطيط مكة، فقطعها رباعًا بين قومه. فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها، وأصبحت داره بيت شورى لقريش والعرب، فلا يقضى أمر من أمورها إلا وفيه تشريعاته.
стр. 501
وقد أقر للعرب ما كانوا عليه، وذلك أنه كان يراه دينا في نفسه، لا ينبغي تغييره، فأقر: آل صفوان، وعدوان، والنسأة، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه حتى جاء الإسلام.
على أي شيء أقرهم؟
آل صفوان:
كان صفوان هو الذي يجيز للناس بالحج من عرفة، ثم بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام هو كرب بن صفوان.
وعدوان:
وكانت الإفاضة من المزدلفة: في عدوان، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام: هو أبا سيادة بن الأعزل.
والنسأة:
هي التي كانت تحرم صفرا أو غيره من الأشهر بدلا من الشهر الحرام.
ومرة بن عوف:
وكان يلي للناس الإجازة بالحج من بعد عرفة.
والغوث:
كان الغوث إذا دفع بالناس يقول:
لا هم إني تابع تباعه ... إن كان إثم فعلى قضاعه
وتقول بعض الأخبار أن ولاية الغوث بن مرة كانت من قبل ملوك كندة، قسم بعد تقسيمهم في مكة ففرض على قريش: رفادة الحاج وهي وضع طعام لمن لا زاد له من الحجاج فقال:
стр. 502
يا معشر قريش: إنكم جيران الله، وأهل بيته، وأهل الحرم، وأن الحجاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيام الحجيج، حتى يصدروا عنكم، ففعلوا ظلك سنة، حتى بعد الإسلام ولم تنقطع إلا في عصرنا هذا، وأصبح قصى في قومه لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه، فكان أمره من قريش في حياته، بعد مماته كالدين المتبع لا يعمل بغيره.
لاحظت تشريعات قصى هذه الاعتبارات فأعطت لقبيلة قريش إمكان السيطرة على من جاورهم من العرب، فأصبح لها الزعامة السياسية، والدينية، فزعامتها السياسية مكنتها من تخطيط مكة مرة ثانية، وحفظت عليها وضعها وقيادتها، وزعامتها الدينية أعطتها سلطة تشريعية في الدين، فشرعت مذهبها الديني وهو ما عرف بتشريع الحمس.
وهذا التشريع: حفظ عليها دينها، وعصبيتها القبلية، وساعد على انتشار ما ورثوه من وثنية عمرو بن لحي، وبقايا دين إسماعيل، وبفضل هذا أصبحت ذات كيان مقدس وذلك بمظهرها الطبقي الديني.
стр. 503
٢- لقريش محامد تنسب إليهم:
- فمنهم كعب بن لؤي وهو أول من جمع يوم العروبة، ولم تسم العروبة الجمعة إلا منذ جاء الإسلام.
- وإلياس: أول من أهدى البدن للبيت.
- وعبد بن قصي: أول من أدخل الكتاب العربي أرض الحجاز قبل تعلمه بالحيرة، وتعلمه أهل الحيرة من أهل الأنبار.
- وأسعد الحميري: قال الرسول: "لا تسبوا أسعد الحميري؛ فإنه أول من كسا الكعبة".
- ودار قصي: هي دار الندوة، وقد جعل بابها إلى مسجد الكعبة ففيها كانت قريش تقضي أمورها.
стр. 504
- وهاشم: هو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلتي الشتاء، والصيف، وأول من أطعم الثريد للحجيج وكان يسمى: الفيض؛ لسماحته.
وبجانب طبيعتها الدينية كانت ذات مظهر حضاري أيضا.
"ويبتدئ يقص التاريخ تاريخا جديدا ليس لقريش ولكنه لمكة كلها؛ فقد نظم أمور مكة على شكل مبتكر جمهوري قبلي، يمكن أن يشبه بجمهورتي: البندقية، وقرطاجة؛ لسيطرة الماليين من أرباب التجارة ورءوس الأموال عليها.
ولا يفترق قصي في وصفه هذا عن "الملك" في المملكة الرومانية الأولى، إلا أنه كان لا يحمل لقب ملك، والمؤرخون المسلمون منحوه فيما بعد هذا اللقب رمزًا لهذه السلطة الواسعة١ وكانت فوق ذلك تحوز أكبر الأصنام.
١- العزى:
وكان الذين اتخذوا العزى إلهًا هو ظالم بن أسعد.
وكان بوادٍ من نخلة الشامية يقال له: حراض بإزاء الغمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال، فبنى عليها بسا -"يريد: بيتا"- وكانوا يسمعون فيه الصوت، وكانت العرب وقريش تسمي عبد العزى.
وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يزورونها ويهدون لها، ويتقربون عندها بالذبح، وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول٢:
واللات والعزى ... ومناة الثالثة الأخرى
فإنهن الغرانيق العلا ... وإن شفاعتهن لتُرْتجى
وكانوا يقولون: إنها بنات الله وهن يشفعن إليه.
وكانت قريش قد هيأت لها شعبًا من وادي حراض يقال له: سقام، يضاهون به حرم الكعبة، وكان لها منحر: ينحرون فيه هداياهم، يقال له: الغبغب ويقسمون
стр. 505
لحوم هداياهم فيمن حضرها وكان عندها، وتخصها بالإعظام، وسدنة العزى: بنو شبيان ابن جابر بن مرة من بني سليم، وكان آخر من سدنها منهم دبية بن حرمي السلمي.
فلم تزل العزى كذلك حتى بعث الله نبيه فعابها وغيرها من الأصنام ونهاهم عن عبادتها ونزل القرآن فيها: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩-٢٣] .
فاشتد ذلك على قريش، ومرض أبو أحيحة مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه أبو لهب يعوده فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك يا أبا أحيحة؟ أمن الموت تبكي ولا بد منه؟ قال: لا؛ ولكني أخاف ألا تعبد العزى بعد.
فقال أبو لهب: والله ما عبدت في حياتك لأجلك، ولا تترك عبادتها بعد لموتك.
وكانت للعزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما فتح النبي مكة بعث خالد بن الوليد فقال له: "ايت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاثا سمرات، فاعضد الأولى"، فأتاها فعضدها، فلما جاء إليه، قال: "هل رأيت شيئا؟ " قال: لا قال: "فأعضد الثانية"، فأتاها فعضدها، ثم أتى النبي فقال: "هل رأيت شيئا؟ " قال لا: فقال: "فاعضد الثالثة"، فأتها فإذا بحبشية نافشة شعرها، واضعة يديها على عاتقها تصرف بأنيابها وخلفها دبية وكان سادنها.
فلما نظر إلى خالد قال:
أعزاه شدي شدة لا تكذَّبي ... على خالد ألقي الخمار وشَمِّرِي
أيا عز إن لم تَقتلي المرء خالدًا ... فبوئي بإثم عاجل أو تنصَّرِي
стр. 506
فقال خالد:
يا عزُّ كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك
ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة ثم عد الشجرة وقتل دبيةَ السادن، ثم أتى النبي فأخبره فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب؟ أما إنها لن تعبد بعد اليوم. قال أبو النذرة: ولم تكن قريش بمكة ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئًا من الأصنام إعظام العزَّى ثم اللات، ثم مناة، فأما العزى فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية، وذلك فيما أظن كان لقربها منها.
٢- هبل "بعل":
وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وكان أعظمها عندهم هبل وكان يسمى "بعلا" كما سيأتي، وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر وكان يقال له "هبل خزيمة" وكان في جوف الكعبة قدامه سبعة أقداح مكتوب في أولها: صريح، والآخر: ملصق.
فإذا شكوا في مولود أدوا له هدية ثم ضربوا بالقداح فإن خرج صريح ألحقوه وإن خرج ملصق دفعوه.
وقدح على الميت، وقدح على النكاح، وثلاثة١ لم تفسر لي على ما كانت، فإذا اختصموا في أمر، أو أرادوا سفرا، أو عملا أتوه فاستقسموا بالقداح عنده،
стр. 507
فما خرج عملوا به وانتهوا إليه، وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله والد الرسول ﷺ وهو الذي قال له أبو سفيان بن حرب حين ظفر يوم أحد: اعل هبل؟ أي علا دينك، فقال رسول الله: الله أعلى وأجل١.
وهبل هو الصنم الذي أتى به عمرو بن لحي ونصبه على البئر التي حرقها إبراهيم ﵇ في بطن الكعبة وكان تمثالا من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك فجعلت له يدا من ذهب، وكما هو واضح في الرواية نرى أن الصنم واسمه مستعربان.
لذلك رأينا للمؤرخين خلافا حول أصل اشتقاق اسمه:
فبعضهم يذهب إلى أن أصل اشتقاقه من العربية ويقول: هبل، أظنه من الهابل وهو الكثير اللحم والشحم ويستأنس بقول عائشة: والنساء يومئذ لم يهبلن اللحم أي: لم يسمنَّ.
أو من الهبل والهبالة: وهو الغنيمة "أي" أنه يغتنم عبادته أو يغتنم من عبده٢.
أو من الهبل والشكل يراد به أن لم يطعمه هبله: أي شكله.
ونلاحظ أن هذا التحليل فيه تكلف التوجيه ومشقة الرد إلى أصل عربي وخروج باللفظ عن حد الاعتدال في تأويله.
- وبعضهم يذهب إلى أن لفظ هبل لا اشتقاق له في العربية من معناه. فهو غير مشتق من لفظ عربي. ويقول: إنه عبراني أصله هبعل ومعنى بعل السيد.
وزاد على ذلك فقال: إن الهاء في التعبير العبري أداة التعريف مثل: "أل" في اللغة، فبإضافة هذه الأداة إلى بعل يريد الأكبر.
وقال: أما العين الزائدة، فسهل إهمالها بالتخفيف، ثم ضياعها بالاستعمال وخصوصا في لفظ بعل؛ لأن الكلدانيين كانوا يلفظونه "بل" بإهمال العين وهو اسم هذا الإله عندهم. وقيل أن هبل القرشي هو بعل الإسرائيلي٣.
стр. 508
وعلى ذلك إذا صح تعليل الأستاذ جورجي زيدان اللغوي فلا يبقى شك في أن هبل هو بعل، والذي يؤكد صحة هذا الرأي أن الله أورده في التنزيل: "أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين".
فقال الله: "بعلا" ولم يقل هبلا.
وفي هذا ما يدل على أنه كان يسمى بعلا عند الإسرائيليين١.
والأوفق عندي من خلال البحوث الحديثة: أن بعلا كان إله العبرانيين ولكن متى عرف العبرانيون وثنية بعل؟ والجواب أن ذلك حدث عندما استقر العبرانيون في كنعان وتمت عملية امتزاج بطيئة تركت عرضا علامات في دين العبرانيين مثل عبادات آلهة الكنعانيين "بعليم: أسياد البلاد"، ولم يكن هؤلاء البعليم على غرار يهوه آلهة حرب ولكنهم كانوا آلهة طبيعة مسالمين تتمثل في شخوصهم قوي الخصب والحياة المنتجة ويتألفون أزواجًا: ذكر "بعلا" وأنثاه "عشتاروت".
ولهم ديانات محلية متباينة تصحبها الشهوة المخزية فربما كان دين العبريين قد هبط في يسر إلى مستوى الدين الكنعاني وكان يهوه قد اندمج في البعليم ولما ترك العبريون طابعا على تاريخ البشر الروحي، وظل يهوه بين كل ما تمثلوه من العبادات الكنعانية كالمرتفعات والصور الخشبية لعشتاروت أو العمد المقدسة إله شعبه المختار.
وهذا أثر كنعاني على العبريين.
وأما العبراني فهو أقدم من بني إسرائييل وإن كان إسرائيل منهم غير أن العبراني أعم من جهة ثانية؛ لأنه يشمل إبراهيم وقومه وهم غير اليهود، فكان بعل هذا هو إله قوم إبراهيم ويققارب أن يكون اسمه "هبعل البعل" ولعله يقابل "مردوخ" البابليين وبعل الكلدانيين، فأصله لا شك دخيل"٢.
حاول عمرو بن لحي أن يجعله إله الجزيرة الأكبر، إذ بمقارنة وظائف هذه الآلهة مع ما روي عن هبل يتضح لنا أنه كان إله الخصب، والرزق، ومن ثم إله
стр. 509
السعادة عند العرب، وربما أيضًا كان إله الحرب، فلا يرحل الراحل ولا يثوب الآيب المغترب إلا ويطوف به، وكانت عنده أقداح الأزلام ولا يستقسم بها إلا أمامه، ومراسم الأفراح والأحزان عنده أيضا.
يقول علي حسن إبراهيم: وتشير إقامة هبل على البئر الكائن في بطن الكعبة إلى أنه كان ذا علاقة بالرزق والخصب في عقيدة العرب"١.
يقول محمد عبد المعين خان: لا أتردد أن أقول: إن هبل كان إله الخصب والرزق ومن ثم إله السعادة وشبه رب الأرباب في عقيدة العرب٢.
وفي الروايات ما يؤكد عدم تردد خان في أن هبل هو الإله الذي عناه عمرو بن لحي حينما قال: إن ربكم مصيف باللات؛ لبرد الطائف ويشتو بالعزى؛ لحر تهامة٣.
وبذلك يكون هبل أو بعل رب الأرباب عند العرب وله جميع السلطات؛ وأهمها: الخصب والتجارة والرزق، ومن "اللات والعزى ومناة" وهم بناته يتشفع بهن لديه تكون عائلة وثنية مقدسة أبطلها الله بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ .
стр. 510
معاهدتهم التجارية
...
٣- معاهداتهم التجارية:
وملكت قريش المعاهدات التجارية التي عرفت بالإيلاف.
والإيلاف كتاب أمان: يعني أن يأمنا عندهم في أرضهم بغير حلف إنما هو أمان الطريق، وكان في قريش يقول الهروي في "الغربيين": الإيلاف: عهود بينهم وبين الملوك.
- تعاقد هاشم مع الروم على أمان التجارة في طريق الشام ومات في إحدى
стр. 511
- وتعاقد المطلب بن عبد مناف مع اليمن وأخذ من ملوكهم عهدا لمن يتجر إليهم من قريش.
- وتعاقد عبد شمس بن عبد مناف مع الحبش فأخذ إيلافا، وهلك بمكة فقبره بالحجون.
- وتعاقد نوفل بن عبد مناف فأخذ عهدا من كسرى لتجار قريش وإيلافا ممن مر به من العرب ثم خدم ورجع إلى العراق ومات بسلمان.
وبهذه الإيلافات "العهود الآمنة" لمسالك التجارة اتسعت تجارة قريش وكثرت أموالها١.
стр. 512
٤- التحمس القرشي ١:
الحمس جمع الأحمس وهم: قريش، ومن ولدت قريش، وكنانة، وبجيلة، وقيس، سموا حمسا؛ لأنهم تحمسوا في دينهم، أي تشددوا، والحماسة الشجاعة، بمعنى: أنهم كانوا يقفون بمزدلفة، ولا يقفون بعرفة، ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم، وكانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون، وكانوا قد ذهبوا في ذلك مذهب التزهد والتأله، يقول ابن إسحق: لا أدري قبل الفيل، أو بعده
стр. 513
ابتُدِعت آراء الحمس، ويغلب على ظني أنهم ابتدعوا هذا المذهب قبل عام الفيل منذ أن استقر أمرهم على خدمة البيت بعد قصي، ووزعوا الزعامة بينهم وأحسوا بعصبيتهم القبلية وتميزهم، فبيتهم: بيت العرب، ورب قبيلتهم: رب العرب، فنشأت فكرة الجمع بين فكرة الألوهية، وفكرة الملكية للبيت؛ ليصبغ عليهم الصفة المقدسة.
ولقد قالوا في سبب تميزهم الطبقي والديني: نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرمة، وولاة البيت، وقطان مكة وسكانها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم؛ فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظم من الحرم، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها -وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم- ويرون لسائر العرب أن يفيضوا منها.
إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم فليس ينبغي أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس. والحمس: أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا للعرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم قد دخلوا معهم في ذلك، ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن؛ لأنهم حتى قالوا: يحل لهم ما يحل لنا ويحرم عليهم ما يحرم علينا، وكانت كنانة وخزاعة ترى أنه ينبغي للحمس أن يأتقطوا، ويأكلوا السمن، وهم لا يدخلون بيتا من شعر ولا يستظلون إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا.
ثم رفعوا في ذلك فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاءوا حجاجا أو عمارا ولا يطوفوا بالبيت؛ إذ قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة.
فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب الحمس، فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوفه، ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبدا. وكانت العرب تسمي تلك الثياب اللقى.
стр. 514
فحملوا على ذلك العرب فدانت به، ووقفوا على عرفات، وأفاضوا منها وطاف الرجال بالبيت عراة، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعا مفرجا ثم تطوف فيه١.
قال الشاعر يذكر شيئا تركه من ثيابه فلا يقربه، وهو يحبه:
كفى حزنا كري عليها كأنها ... لقى بين أيدي الطائفين حريم
أي حرام لا تمس.
ونلاحظ أن هذا المذهب الديني عندما وضعته قريش رمت به إلى ربط قبيلتها بقدسية البيت سواء أكانت القبيلة قائمة في حرمه الآمن أم كانت في الحل، فكل من ينتمي إلى قريش توالدا يكون تشريعه الخاص في نسكه.
هكذا أصبح للعبدة في الكعبة مراسيم وثنية معينة: يحج الناس إليها في التاسع من ذي الحجة، فيحرمون، ويطوفون، ويلبون، ويرمون الحجارة، ويتمسحون بالأنصاب والأوثان التي فيها، ويهدون ما هم مهدون ثم ينصرفون. وكان أهل الحرم يؤمون الناس في المناسك، وسدانة البيت عندهم: وراثية في آل "عبد الدار" "وهم يشبهون الأسر الدينية التي كان بيدها تنظيم الأعياد الدينية لدى اليونان"٢.
ومن جانب آخر عززت قريش بكل قوتا مركزها المالي باستغلال مركز مكة التجاري فنظمت القوافل فكان لها رحلتان: رحلة الشتاء: إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، عدا الرحلات إلى الحيرة وتزايدت في اليمن وبالغت في نشر قداسة البيت الحرام لحماية تجارتها في الصحراء من غزو الفتاك.
وبهذا الإيلاف ربطت علائقها مع الأمم المجاورة أي باتفاقاته.
عقد هاشم بن عبد مناف: أحدها مع أمراء الغساسنة والرومان، فأذنوا له ولقومه بالتجارة مع الولاية العربية في بصري ومع ولاية فلسطين في غزة، وعقد عبد شمس
стр. 515
وإخوته: إذنًا مع ملوك الحبشة بأكسوم ونال مثل هذا الإذن أخواه نوفل والمطلب من الحمريين في اليمن ومن فارس والمناذرة في العراق، وبذلك "نشأت في مكة بيوت تجارية "وكالات" للحبشة وللرومان، ولعلها كانت نتيجة لهذه الاتفاقات، وبلغ من تغلغل التجارة في قريش أنه قيل من لم يكن من قريش تاجرًا فليس بشيء"١.
عززت قريش وضعها الاقتصادي: برحلاتها التجارية، وعززت أيضًا وضعها القبلي: بتشريعاتها الوثنية، وارتباطها بالبيت حتى أصبح كل من يتمرد على قريش متمردا على قدسية البيت، ومن يتمرد على البيت فهو يتمرد على قريش، وبهذا أصلت الوثنية الوضع القبلي وأصبح هدم النظام القبلي يستدعي هدم النظام الوثني، وهذه تعد عقبات في سبيل الإصلاح.
стр. 516
٥- نتائج التحمس القرشي:
الطواغيت:
ولما رأت العرب ذلك طلبوا بيوتا يضاهون بها الكعبة، قال ابن هشام: وكانت العرب قد اتخذت من الكعبة طواغيت؛ وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب، وتهدي إليها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها حول البيت العتيق، ومنها بيت رضا، فأصبح هناك بيت لبني ربيعة يدعى بيت رضا -بضم الراء والتنوين- هدمه المستوغر في الإسلام.
وذو الكعبات بسنداد: لبكر وتغلب ابني وائل.
وكان لإياد كعبة أخرى بسنداد من أرض الكوفة والبصرة في الظهر، وهي التي ذكرها الأسود بن يعفر، وقد سمعت أن هذا البيت لم يكن بيت عبادة إنما كان منزلا شريفا فذكره.
والقليس: وقد كان أبرهة الأشرم قد بنى بيتا بصنعاء "كنيسة" سماها: رالقليس -بالرخام وجيد الخشب المذهب- وكتب إلى ملك الحبشة يقول: إني قد
стр. 517
بنيت لك كنيسة لم بينِ مثلها أحد قط، ولست تاركا العرب حتى أصرف حجهم عن بيتهم الذي يحجون إليه، فبلغ ذلك بعض نسأة الشهور، فبعث رجلين من قومه وأمرهما أن يخرجا حتى يتغوطا فيها، ففعلا، فلما بلغه ذلك غضب وقال: من اجترأ على هذا١، فقيل: بعض أهل الكعبة، فغضب وخرج إلى الحبشة فكان من أمره ما كان.
اللات: بيت لثقيف بالطائف كانوا يعظمونه مثل تعظيم الكعبة.
كعبة نجران: وكان لبني الحارث كعبة بنجران يعظمونها؛ وهي التي ذكرها الأعشى في قوله:
وكعبة نجران حتم عليـ ... ـك حتى تناخي بأبوابها
وقد زعموا أنها لم تكن كعبة عبادة ولكن كانت غرفة لأولئك القوم الذين ذكرهم.
رئام٢: كان لحمير بصنعاء يعظمونه ويتقربون عنده بالذبائح، وكانوا فيما يذكرون: يكلمون منه، فلما انصرف تُبَّع من مسيره الذي سار فيه إلى العراق قدم معه الحبران اللذان صحباه من المدينة فأمراه بهدم رئام، فقال: ما شأنكما به؟ فهدماه وتهود تبع وأهل اليمن، ثم لم يسمع بذكر رئام ولا نسر في شيء من الأشعار ولا الأسماء.
بيت الحوراء: وكان رجل من جهينة يقال له: "عبد الدار بن حديب" قال لقومه: هلم نبني بيتا -بأرض في بلدهم يقال لها الحوراء- نضاهي به الكعبة ونعظمه؛ حتى نستميل به كثيرا من العرب، فأعظموا ذلك وأبوا عليه.
стр. 518
ولعل نشأة تلك البيوت المقدسة أو الطواغيت يرجع -في نظرنا- إلى نشأة مذهب قريش الأحمسي الذي صبغ البيت الحرام بصبغة قبلية قرشية اضطرت القبائل المجاورة أن تحاكيها بمثل بيتها.
стр. 519
تقويم التحمس القرشي:
ينازعنا القوم في محاولتنا الإدلاء برأي يحدد بوجه تقريبي تاريخ ابتداع قريش تحمسهم.
يغلب على ظني أن ابتداع مذهب الحمس القرشي كان قبل غزو أبرهة للبيت؛ لأن مذهب الحمس يؤكد على عصبية قريش القبلية، وكانوا يرون في ذلك امتيازا طبقيًّا "فليس لأحد من العرب مثل حقنا" فلا يساوي الحرم وساكنوه بالحل وساكنيه، وقالوا بعضهم لبعض: "إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم"، واقتضاهم رأيهم في تحمسهم أن يخرجوا فيه عن بعض دين إبراهيم، "فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر ومناسك الحج ودين إبراهيم".
فتألههم العصبي "العرقي" جرفهم عن الالتزام بدين إبراهيم.
وكما أنهم خرجوا بتحمسهم عن دين إبراهيم؛ ليرفعوا عصبيتهم على دينهم فرضوا تحمسهم على العرب، "فحملوا على ذلك العرب فدانت به"، وكان من نتائج ذلك على العرب وقريش أن اعتبر العرب أن مسئولية البيت تقع بالدرجة الأولى على قريش، وظهر ذلك عندما سأل أبرهة عن سيد أهل هذا البلد وشريفها، فقيل له: عبد المطلب فلما جاء إليه عبد المطلب سأله أن يرد إليه الإبل قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! قال له عبد المطلب: الإبل لي والبيت له رب يحميه.
هذا يعني أن قريشًا عزلت نفسها والبيت عن العرب، كذلك مر حديث أبرهة وغزوه للبيت لدى كتاب السير، كما لو كان الأمر مكيدة لعبد المطلب وبيته فقط، فلم يتحرك له العرب وهم أشعلوا الحروب القبلية أو بين القبيلة الواحدة لأتفه
стр. 520
الأسباب، وعلى ما نظنه يظهر أن الأمر في هذا لا يفهم إلا من خلال رأي قريش في التحمس وهو أنهم عزلوا أنفسهم به من حيث أرادوا تسودًا ورفعة قبلية.
وكانت النتيجة أن ظهرت قريش وعليها طابع الذلة عند مفاوضتها لأبرهة، وتخلف العرب عنه. يقول ابن هشام: ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده.
ويبدو لنا أن حلف الفضول؛ وهو يحمل في طياته نزعة إنسانية عالية حيث تعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا أقاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته.
قلنا: يبدو لنا -ولا سيما أنه كان معه حملة أبرهة- أنه رد فعل لموقف العرب من قريش وأبرهة وتحويل للجانبين السياسي والاجتماعي لمذهب الحمس القرشي الذي وصفه الرسول بقوله: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت؛ تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها وألا يعزّ ظالم مظلومًا".
بينما قريش وصفته بقولها١: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر، فلم يكن الحلف واقعا من قريش موقع الرضا إنما اعتبرته تدخلا في فضل من الأمر.
ونلاحظ أن الدعوة إليه كانت في دار عبد الله بن جدعان ولو رضيت عنه قريش لدعو إليه في دار ندوتهم.
على أية حال نرى أن ما ابتدعته قريش من رأي الحمس يرجع إلى ما قبل أبرهة بكثير منذ نزعت العرب إلى تقليد الكعبة بطواغيتها، وقد أورد ياقوت نصا يؤيد فيه ما وصلنا إليه، ويقول فيه: كانت تحج إليها وفود حمير وكندة وغسان مقرِّين بأنهم مدينون للحمس من قريش ويرون تعظيمهم والاقتداء بآثارهم فرضًا وشرفًا عندهم.
стр. 521
وإذا صح ما ذهبنا إليه وهو أن مذهب الحمس القرشي بانت أصوله قبل حملة أبرهة الحبشي، وحملت قريش العرب عليه فتكون مظاهر الوحدة العربية والسيادة القرشية سابقة على العصر الإسلامي؛ فدينهم الوثني هو دين الجزيرة وبيتهم بات مركزًا للأصنام الممثلة للقبائل -كما حكى الأزرقي أنه وجد في مكة ما يربو على ثلاثمائة صنم؛ أي أنه لكل قبيلة صنمها في ربعها وصنم في بيت الأصنام.
كذلك يتبع المظهر العام للوحدة، المظهر اللغوي، ونعني به أن لغة قريش أصبحت سائدة ولا سيما في المناسبات الرسمية التي تقتضيهم قرض الشعر والمفاخرة به وإذاعته في منتدياتهم الرسمية عكاظ ومجنة وذي المجاز.
نقول: اتجه العرب على اختلاف لهجات قبائلهم إلى صياغة أشعارهم بلغة قريش -وذلك واضح من قراءتنا لها- حيث لا يبدو اختلاف في لهجتهم ونطقهم لا على جدار الكعبة ما يؤيد ما تذهب إليه أن هذه المعلقات تكلف لها العرب لغة قريش لترف على بيت قريش وتعتبر ظاهرة الواحدة -أي طابع قريش العام- من حيث اللغة والدين ونسك الحج والاقتصاد مما سيطر على العرب قبل الإسلام، وكانت كلها عوامل ممهدة لنزول القرآن بلغة قريش؛ إذ ليس من المعقول أن ينزل القرآن بلغة قبيلة من قبائل العرب دون أن يكون وراءه أسباب تاريخية تشهد بسمو هذه اللغة القرشية على غيرها وفي رأينا -الذي له شواهده التاريخية- أن هذه اللغة القرشية تعدت نطاق قبيلة قريش فحملوها معهم -وهم رسل التجارة- إلى بطن الجزيرة ومشارفها وخارجها، فكتبت بها العهود التجارية التي أبرمتها مع الرومان، والفرس، واليمن، والحبشة، وفي النقل التجاري عوامل حيوية في ميدان الاقتباس، فعندما نزل القرآن كان يتفق مع الروح العربية في اصطفائها لغة قريش؛ لغة ثفافة وحضارة ونشر للآداب والأشعار.
أما من ناحية المضمون الفكري فنرى أن القضايا الفكرية التي تناولتها لائحة قريش التنفيذية كانت خالية من أي عمق فكري فلا نرى فيها ما يشير من قريبب أو من بعيد إلى مشكلات المجهول: كقضايا البشرية، والخلق، ويبدو أنها كانت لا تراود عقل العربي إلا في النادر اليسير من الأوقات.
стр. 522
فدينهم الوثني: لا حياة فيه ولا معنى له، ولا يساعد أحدا منهم على أن يحدد العلاقات التي تربط هذه الآلهة المتعددة بالبشر، وصرفهم عن فهم ما لديهم من فكر غامض ناشئ عن قوة عالية فكانوا يقدسون الأوثان؛ لأنها تمثل هذه القوة بوساطة طقوس وثنية ورثوها عن أجدادهم.
ووثنية العرب لم تستطع أن تجيب إجابات مقنعة على الأسئلة البدهية التي تتردد في ذهن كل شخص مفكر مثل:
من أين خلقت؟ وإلى أي نهاية مصيري؟ وما هدفي وغرضي من الحياة؟
"لم يشغل العربي ذهنه بشيء من القضايا أو ما هو من قبيلها، ولكن كانت حياة العربي حياة حرية ومرح وسرور ومجون، وكانت المخمر والنساء والحرب هي الأشياء التي يحبها العربي ويهتم بها"؛ فهو إما أن يستغرق في الخمر أو ينصرف إلى الفسق أو يستنفد قوته وطاقته في الحروب القبلية أو سلب جاره وكانت حياة مرح لا يعكر صفوها أفكار خطيرة أو تأملات دينية تدفع إلى الميل أو الرغبة في عمل الخير.
"لقد كان هدفهم من الحياة أن يتمتعوا بحاضرهم وأن يحرزوا النصر في معاركهم، وإلى يومنا هذا نجد البدوي محتفظًا بهذه الصفات فهو في غالب حالاته لا يتقيد بالدين١.
"والدلائل تشير إلى أن الوثني في الجاهلية على العموم لم يكن يتمسك في دينه بعقيدة نابعة من شعور ديني عميق أو عاطفة روحية شديدة قائمة على عقل سديد أو تفكير سليم، ولكن هي عادات تأصلت في نفوسهم تقليدًا لغيرهم أو تمسكًا بسلوك آبائهم وأجدادهم السابقين"٢.
ويحلل بلاشير٣ العاطفة الدينية عند الجاهلية فيقول: إن العاطفة التي كانت تسيطر على النفوس في المحيط العربي قبل ظهور
стр. 523
الإسلام شبيهة بالعاطفة التي كانت تسيطر على النفوس عند العبرانيين في مرحلة البداوة وهي:
الاعتقاد بتعدد الشياطين وهذا نوع من المذهب النفسي ومن صفاته: شعور الرجل بأنه محاط بقوى خفية يصعب عليه تحديد ماهيتها وتسميتها بأسماء خاصة إلا أنه يعجز دوما عن تشخيصها.
فإن عبادة الأوثان والإيمان بالجن والأغوال -وهي نفوس شريرة تهاجم الإنسان في الوحدة"- كل هذا يشكل أساس الدين ومذهبه الفكري في علاقتهم بالحياة.
وإن تعدد الآلة في صلته الضيقة مع تعدد الشياطين يدل على استعداد العرب القدماء لتشخيص القوة الكامنة في الأشجار وينابيع المياه وتسميتها بأسماء وربطها مع الإلهيات، ومهما يكن منشأ تعدد الآلهة، فلا نرى بدًّا من تقرير أنه أفاد العرب باستثناء بعض النفوس المتزمتة في بعض المراكز الحضارية، وقادهم إلى جعل الدين مصدر تأملات أو بحوث نظرية.
على أن حوادث الحياة والتجارب مع العلم بأن قوى الطبيعة هي الغالبة في الصحراء قد نمت في العربي المحارب قدرية عميقة لا لأن العربي يشبه أيوب الصابر على الأذى؛ بل لأن العربي المحارب بالإضافة إلى المتناقضات في خلقه لا يحتمل أحداث الحياة بصورة سلبية فإنَّ موقفه منها بادئ الأمر هو: موقف المناضل غير أنه إذا وجد أمام المقدور انحنى خاضعا شاعرًا بعقم الجهد أمام هذه القوى الهائلة المنطوية تحت كلمة "الدهر".
وهذا الاستسلام النهائي يملي عليه حكمًا ذات يسارة لا تخلو من السمو موحية إليه بتصرفات عرضية ولكنها مؤثرة جدا في بعض الأحيان، وهكذا كان العربي بارتفاعه فوق نظرته التافهة للوجود قد عوض إلى حد ما عن فقر فكره الديني.
стр. 524
موقف القرآن من التحمس:
إذا كان التحمس مذهب قريش فإن من المتصور لرجل الإصلاح وهو قرشي سوف ينهض بدعوته من هذا المذهب؛ ليجذب أفراد قبيلته إليه من جانب، ويحيي عصبيتها القبلية والدينية من جانب آخر.
كان هذا هو المتصور، ولكن واقع الأمر كان غير ذلك فرسالة الإصلاح التي
стр. 525
اضطلع بعبئها الرسول ﷺ لم تكن نابعة من تصوره ولا مدفوعا إليها رغبة في زعامة أو رياسة أو جاه حتى تكون وفق ما تصورنا، ولكن كانت رسالة إلهية تبغي الإصلاح ما استطاعت إليه سبيلا، ورسالة هزت كيان القبائل العربية وأوثانها وكان على رأس هذه القبائل جميعًا قبيلته ﷺ فهدم عصبيتها القبلية والدينية؛ ليحل محلها معاني جديدة في مدلولها الإنساني كمبدأ الإخاء والتضامن والتكافل، نعم هدم بها عصبيتها الدينية فألغى تشريعاتها التي عرفت بالحمس، وأحل محلها دينه وفرض في حجه المساواة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] .
يعني على قريش أن تتساوى مع الناس ي فريضة الحج فيصعدوا معهم إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها.
وأنزل الله عليه فيما كانوا قد حرموا على الناس من طعام ولباس عند البيت حين كانوا يطوفون عراة، قوله:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف] .
وقال ﵎ عائبا عليهم سلوكهم الديني: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ ١؛ أي أنهم كانوا يطوفون عراة ويصفقون ويصفرون.
وقال: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ٢.
لأن الحمس لا يدخلون تحت سقف ولا يحول بينهم وبين السماء عتبة باب ولا غيرها، فإن احتاج أحدهم في داره تسنم البيت من ظهره ولم يدخل من الباب فرد الله ذلك عليهم بقوله سبحانه: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.
ثم بين أنهم يسندون هذه الشعائر إلى ابراهيم.
стр. 526
وإذا كانت ملة أبيكم إبراهيم فإبراهيم لم يكن من المشركين، وأخيرًا ألغى الوحي الإلهي مظهر البيت القبلي القرشي، ومظهره الوثني، وأتى على مذهب الحمس فعصف به، ثم رفع الوحيُ من شأن البيت الحرام، وجعله مثابة للناس وأمنا، وقبلة للناس جميعا، وأصبحت عالمية البيت الحرام بالإسلام حقيقة مقررة.
أما الأصنام التي كانت منصوبة حول الكعبة فطعنها الرسول بسية قوسه في عيونها، وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"؛ ثم أمر بها فكفئت على وجهها، ثم أخرجت من المسجد فحرقت.
فمن موقف الرسول مع المذهب الأحمس القرشي، وموقفه من الأوثان العربية وأصنامها وأنصابها وضح أن مصدر الإسلام لا يتصل بنسب إلى الوثنية العربية وإنما مصدره الوحي الإلهي.
стр. 527
الباب السادس: من قضايا الفكر الديني الجاهلي
نظرات تحليلية في نشأة الديانة الوثنية
...
نظرات تحليلية في نشأة الديانة الوثنية:
زعم بعض المستشرقين: أن لفظة "الدين"؛ من أصل أعجمي وأنها من الألفاظ المعربة؛ وأصلها فارسي، هو: "دينا Daena"، وقد دخلت في العربية قبل الإسلام بمدة طويلة.
وترد لفظة "دين" بمعنى: الحشر في الإرمية والعبرانية كذلك، وهي: "دينو" في الإرمية، وتقابل لفظة "Daino" الإرمية لفظة الديان في العربية، وهي بمعنى: القاضي في هذه اللغة، وتعني: لفظة "دين" القضاء في اللغة البابلية، و"ديان" الحاكم والمجازي، والقاضي في لغة بني إرم؛ وهي: بهذا المعنى في العربية أيضا.
والدين في تعريف علماء اللغة: العادة، والشأن؛ تقول العرب: ما زال ذلك ديني وديدني؛ أي: عادتي.
والدين: بمعنى الطاعة والتعبد، وقد ورد في الحديث: كان على دين قومه.
أي: كان على ما بقي فيهم من إرث إبراهيم من الحج والنكاح، والميراث. وجاء: كانت قريش، ومن دان بدينهم؛ أي اتبعهم في دينهم، ووافقهم عليه، واتخذ دينهم له دينا وعبادة.
ومن دين: الديان بمعنى الحاكم، والقهار، ومن ذلك: مخاطبة الأعشى الجرمازي الرسول بقوله:
يا سيد الناس وديان العرب
والديان: من أسماء الله تعالى.
وقد وردت: هذه اللفظة في المعنى المفهوم منها في الإسلام، في بيت شعر ينسب إلى امية بن أبي الصلت، وهو:
كل دين يوم القيامة عند الـ ... ـله إلا دين الحنيفة زور١
ووردت بهذا المعنى أيضا في النصوص الثمودية؛ ووردت في نص سجله رجل من قول ثمود، توسل فيه إلى الإله "ود" أن يحفظ له دينه، ووردت في نص آخر جاء فيه: بدين "ود أمت" أي: بدين ود أموت. فاللفظة إذن من الألفاظ العربية الواردة في النصوص الثمودية؛ وقد يعثر عليها في نصوص جاهلية، مدونة بلهجات عربية أخرى٢.
стр. 528
ذهب "رينان": إلى أن العرب هم مثل سائر الساميين الآخرين موحدون بطبعهم، وإن ديانتهم هي من ديانات التوحيد!
وهو رأي يخالفه فيه نفر من المستشرقين.
وقد أقام "رينان": نظريته هذه في ظهور عقيدة التوحيد عند الساميين من دراسته للآلهة، التي تعبد لها الساميون.
ومن وجود أصل كلمة "أل. أيل" في لهجاتهم، فادعى أن الشعوب السامية كانت تتعبد لإله واحد، هو "أل. إيل" الذي تحرف اسمه بين هذه اللهجات، فدعي بأسماء أبعدته عن الأصل؛ غير أن أصلها كلها هو إله واحد؛ هو الإله "أل. إيل".
وقد ذهب أهل الأخبار إلى أن العرب الأولى كانت على ملة إبراهيم من الإيمان بإله واحد أحد؛ اعتقدت به، وحجت إلى بيته وعظمت حرمه، وحرمة الأشهر الحرم؛ بقيت على ذلك؛ ثم سلخ بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم، وإسماعيل غيره؛ فعبدوا الوثان، وابتعدوا عن دين آبائهم وأجدادهم؛ حتى أعادهم الإسلام إليه.
ونظرية "أن العرب جميعًا كانوا في الأصل موحدين؛ ثم حادوا بعد ذلك عن التوحيد، فعبدوا الأوثان، وأشركوا": نظرية يقول بها اليوم: بعض العلماء مثل: "ويليم شميد"؛ الذي درس أحوال القبائل البدائية الوثنية، ترجع بعد تحليلها، وتشريحها، ودرسها إلى عقيدة أساسية قائمة على الاعتقاد بوجود القديم؛ الكل، أو الأب الأكبر؛ الذي هو في نظرها العلة، والأساس؛ فهو إله واحد؛ وتوصل: إلى أن هذه العقيدة هي: عقيدة سبقت التوحيد؛ ثم ظهر من بعدها الشرك وقد أطلق عليها في الألمانية: مصطلح Urmon Otheismus أي: التوحيد القديم.
رأينا فيما سبق أن الجاهلي عرف حياة دينية تتعمق به حينا ويطفو بها على السطح حينًا آخر، حتى يتسرب الشك إلى نفسه، وحتى يخيل إلينا أن البدوي قليل الدين، وأنه قلما يكترث لما يعبد.
стр. 529
والعربي إذ يتعمق في حياته الدينية أو يسخط عليها يصدر في ذلك عن طبيعته البدوية وليس عن فكر ديني في أغلب الأحيان.
فالعربي ذكي إلى حد أنه تكفيه الإشارة، فمأثور الحكمة والأمثال يشهد بذكائه وحاضر بديهته وطبيعته من وراء ذلك، فهو شخص ميال إلى الاعتزال بنفسه بما يخدم حريته الشخصية فلا يدين لأحد، هو ذكي غير ميال إلى التفاهم الاجتماعي.
ونظامه القبلي -وهو شكل اجتماعي بدائي- صرفه عن أن يفكر في محيط اجتماعي أوسع، فلم يفكر في تغيير مجرى حياته الاجتماعية أو الفكرية فانحصر فكره داخل قبيلته ولم يخرجها عن مألوفها إلا بقدر ما يخدم رؤيته الشخصية، فهو عضو في قبيلته مخلص مطيع لتقاليدها، ولذلك عاش العربي مقلدًا غير ميال إلى التغيير الاجتماعي، وكان يحب من الأفكار ما يلهيه ويرفع عنه سآمة الحياة ويتناسب مع سعة الخيال الخاص الذي يتسع للعقاب والغول والجان والشياطين سعة تتناسب أيضًا مع رحابة الصحراء في جزيرة العرب، كان يحب مثل هذا الفكر وليس ذلك لضعف في طبيعة عقله؛ ولكن لميوله الفكرية فهو يرى أنه غير ميال إلى التغيير ولم يغير؟
إنه رئيس في قبيلته أو عضو عامل فيها فالتغيير لماذا؟ إن الحفاظ على وضعه فيه نوع من الفكر الذووي المنغلق على نفسه هو؛ فلذلك اندفع نحو الخرافات؛ ليحفظ بها نظامه القبلي. وليس العربي وحده هو الذي كان مصدقًا للخرافات فالأمة اليونانية فيها خرافات كثيرة تتناسب مع عقلها المنطقي.
فحياته الدينية كانت تقليدًا، وغير مرتبطة بحياة عقلية ناضجة وليست كما يرى بعض الباحثين من أن العقائد الدينية قبل الإسلام خضعت لعوامل التغيير والتحول، ومن هؤلاء الأستاذ أنور الرفاعي؛ إذ يقول: عرف عن عرب ما قبل الإسلام أنهم وثنيون وعرفت وثينتهم وتقاليدهم في القرآن الكريم بالجاهلية وعلى الرغم من
стр. 530
ذهاب معظم أخبارها، تسرب إلينا نتف كثيرة من أساطير الجاهليين ومعتقداتهم وأفكارهم، وكلها تدل على أن الوثنية ليست بسيطة التركيب ولا قريبة المتناول، فما وصلنا منها يدل على أنها مرحلة راقية، وأن كثيرًا من قديمها قد بقي في متأخرها وأن بعض أحوالها صيغ بالأفكار اليهودية أو الصابئية أو المسيحية أو اتحد مع عقائد أجنبية، ومن الضروري أن نلجأ في تفهمها إلى تصنيف تاريخي يمهد لبيان أطوارها ومعتقداتها في الزمن.
واستعراض الأساطير والعقائد العربية الجاهلية يدلنا على أن الوثنية العربية مرت في أطوار تشبه تلك التي مرت بها وثنيات الأمم الأخرى فإنها عرفت:
١- الطور الحيوي: وفيه اعتقد العرب أن في كل شيء حياةً، فعبدوا الشجر والحجر والجن، واعتقدوا أن الحجر شجر الشياطين، وأن الصفا والمروة هما: رجل وامرأة فسقا في الحرم فمسخا حجرين، وأن الضب هو يهودي مسخ فلا يؤكل لحمه، وأن حجارة الحرم تحمل قدسيته فهم يحملون منها للعبادة في ديارهم ... إلخ.
٢- الطور الطوطمي: وفيه تنحصر الحياة والأرواح في أشياء محدودة: ومن بقايا هذا الطور ما وجد عندهم من تسمية الإنسان بأسماء الحيوان، ومن عبادة بعض البهائم، كالجمل الأسود عند طيئ، والكبش الأبيض، ومن التشاؤم بالغراب والبوم، ومن عبادة الأصنام على شكل الحيوان كيغوث وهو على شكل نسر، ويعوق وهو على شكل فرس ... إلخ.
٣- الطور الوثني وتعدد الآلهة: وفيه وصل العرب إلى تصور الإله بأشكال إنسانية، وتعددت الآلهة عندهم وتخصصت ومهدت للطور الوحداني الذي جاء به الإسلام.
ونحن لا نشايع الأستاذ أنور الرفاعي فيما ذهب إليه من تحليل للوثنية العربية وانتقالها إلى أطوار مختلفة لما رأينا بينهم من أنهم مجتمع قبلي وأن لكل قبيلة معبودها حجرًا أو شجرًا أو حيوانًا، وأنها ذهبت في عبادتها لهذه الأوثان المتعددة والمختلفة مذهب التقليد والمحاكاة.