← Акыда

Акыда · id 10006

تاريخ الفكر الديني الجاهلي

محمد إبراهيم الفيومي

Полный текст (634 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وإذا كانت ملة أبيكم إبراهيم فإبراهيم لم يكن من المشركين، وأخيرًا ألغى الوحي الإلهي مظهر البيت القبلي القرشي، ومظهره الوثني، وأتى على مذهب الحمس فعصف به، ثم رفع الوحيُ من شأن البيت الحرام، وجعله مثابة للناس وأمنا، وقبلة للناس جميعا، وأصبحت عالمية البيت الحرام بالإسلام حقيقة مقررة. أما الأصنام التي كانت منصوبة حول الكعبة فطعنها الرسول بسية قوسه في عيونها، وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"؛ ثم أمر بها فكفئت على وجهها، ثم أخرجت من المسجد فحرقت. فمن موقف الرسول مع المذهب الأحمس القرشي، وموقفه من الأوثان العربية وأصنامها وأنصابها وضح أن مصدر الإسلام لا يتصل بنسب إلى الوثنية العربية وإنما مصدره الوحي الإلهي.

стр. 527

الباب السادس: من قضايا الفكر الديني الجاهلي نظرات تحليلية في نشأة الديانة الوثنية ... نظرات تحليلية في نشأة الديانة الوثنية: زعم بعض المستشرقين: أن لفظة "الدين"؛ من أصل أعجمي وأنها من الألفاظ المعربة؛ وأصلها فارسي، هو: "دينا Daena"، وقد دخلت في العربية قبل الإسلام بمدة طويلة. وترد لفظة "دين" بمعنى: الحشر في الإرمية والعبرانية كذلك، وهي: "دينو" في الإرمية، وتقابل لفظة "Daino" الإرمية لفظة الديان في العربية، وهي بمعنى: القاضي في هذه اللغة، وتعني: لفظة "دين" القضاء في اللغة البابلية، و"ديان" الحاكم والمجازي، والقاضي في لغة بني إرم؛ وهي: بهذا المعنى في العربية أيضا. والدين في تعريف علماء اللغة: العادة، والشأن؛ تقول العرب: ما زال ذلك ديني وديدني؛ أي: عادتي. والدين: بمعنى الطاعة والتعبد، وقد ورد في الحديث: كان على دين قومه. أي: كان على ما بقي فيهم من إرث إبراهيم من الحج والنكاح، والميراث. وجاء: كانت قريش، ومن دان بدينهم؛ أي اتبعهم في دينهم، ووافقهم عليه، واتخذ دينهم له دينا وعبادة. ومن دين: الديان بمعنى الحاكم، والقهار، ومن ذلك: مخاطبة الأعشى الجرمازي الرسول بقوله: يا سيد الناس وديان العرب والديان: من أسماء الله تعالى. وقد وردت: هذه اللفظة في المعنى المفهوم منها في الإسلام، في بيت شعر ينسب إلى امية بن أبي الصلت، وهو: كل دين يوم القيامة عند الـ ... ـله إلا دين الحنيفة زور١ ووردت بهذا المعنى أيضا في النصوص الثمودية؛ ووردت في نص سجله رجل من قول ثمود، توسل فيه إلى الإله "ود" أن يحفظ له دينه، ووردت في نص آخر جاء فيه: بدين "ود أمت" أي: بدين ود أموت. فاللفظة إذن من الألفاظ العربية الواردة في النصوص الثمودية؛ وقد يعثر عليها في نصوص جاهلية، مدونة بلهجات عربية أخرى٢.

стр. 528

ذهب "رينان": إلى أن العرب هم مثل سائر الساميين الآخرين موحدون بطبعهم، وإن ديانتهم هي من ديانات التوحيد! وهو رأي يخالفه فيه نفر من المستشرقين. وقد أقام "رينان": نظريته هذه في ظهور عقيدة التوحيد عند الساميين من دراسته للآلهة، التي تعبد لها الساميون. ومن وجود أصل كلمة "أل. أيل" في لهجاتهم، فادعى أن الشعوب السامية كانت تتعبد لإله واحد، هو "أل. إيل" الذي تحرف اسمه بين هذه اللهجات، فدعي بأسماء أبعدته عن الأصل؛ غير أن أصلها كلها هو إله واحد؛ هو الإله "أل. إيل". وقد ذهب أهل الأخبار إلى أن العرب الأولى كانت على ملة إبراهيم من الإيمان بإله واحد أحد؛ اعتقدت به، وحجت إلى بيته وعظمت حرمه، وحرمة الأشهر الحرم؛ بقيت على ذلك؛ ثم سلخ بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم، وإسماعيل غيره؛ فعبدوا الوثان، وابتعدوا عن دين آبائهم وأجدادهم؛ حتى أعادهم الإسلام إليه. ونظرية "أن العرب جميعًا كانوا في الأصل موحدين؛ ثم حادوا بعد ذلك عن التوحيد، فعبدوا الأوثان، وأشركوا": نظرية يقول بها اليوم: بعض العلماء مثل: "ويليم شميد"؛ الذي درس أحوال القبائل البدائية الوثنية، ترجع بعد تحليلها، وتشريحها، ودرسها إلى عقيدة أساسية قائمة على الاعتقاد بوجود القديم؛ الكل، أو الأب الأكبر؛ الذي هو في نظرها العلة، والأساس؛ فهو إله واحد؛ وتوصل: إلى أن هذه العقيدة هي: عقيدة سبقت التوحيد؛ ثم ظهر من بعدها الشرك وقد أطلق عليها في الألمانية: مصطلح Urmon Otheismus أي: التوحيد القديم. رأينا فيما سبق أن الجاهلي عرف حياة دينية تتعمق به حينا ويطفو بها على السطح حينًا آخر، حتى يتسرب الشك إلى نفسه، وحتى يخيل إلينا أن البدوي قليل الدين، وأنه قلما يكترث لما يعبد.

стр. 529

والعربي إذ يتعمق في حياته الدينية أو يسخط عليها يصدر في ذلك عن طبيعته البدوية وليس عن فكر ديني في أغلب الأحيان. فالعربي ذكي إلى حد أنه تكفيه الإشارة، فمأثور الحكمة والأمثال يشهد بذكائه وحاضر بديهته وطبيعته من وراء ذلك، فهو شخص ميال إلى الاعتزال بنفسه بما يخدم حريته الشخصية فلا يدين لأحد، هو ذكي غير ميال إلى التفاهم الاجتماعي. ونظامه القبلي -وهو شكل اجتماعي بدائي- صرفه عن أن يفكر في محيط اجتماعي أوسع، فلم يفكر في تغيير مجرى حياته الاجتماعية أو الفكرية فانحصر فكره داخل قبيلته ولم يخرجها عن مألوفها إلا بقدر ما يخدم رؤيته الشخصية، فهو عضو في قبيلته مخلص مطيع لتقاليدها، ولذلك عاش العربي مقلدًا غير ميال إلى التغيير الاجتماعي، وكان يحب من الأفكار ما يلهيه ويرفع عنه سآمة الحياة ويتناسب مع سعة الخيال الخاص الذي يتسع للعقاب والغول والجان والشياطين سعة تتناسب أيضًا مع رحابة الصحراء في جزيرة العرب، كان يحب مثل هذا الفكر وليس ذلك لضعف في طبيعة عقله؛ ولكن لميوله الفكرية فهو يرى أنه غير ميال إلى التغيير ولم يغير؟ إنه رئيس في قبيلته أو عضو عامل فيها فالتغيير لماذا؟ إن الحفاظ على وضعه فيه نوع من الفكر الذووي المنغلق على نفسه هو؛ فلذلك اندفع نحو الخرافات؛ ليحفظ بها نظامه القبلي. وليس العربي وحده هو الذي كان مصدقًا للخرافات فالأمة اليونانية فيها خرافات كثيرة تتناسب مع عقلها المنطقي. فحياته الدينية كانت تقليدًا، وغير مرتبطة بحياة عقلية ناضجة وليست كما يرى بعض الباحثين من أن العقائد الدينية قبل الإسلام خضعت لعوامل التغيير والتحول، ومن هؤلاء الأستاذ أنور الرفاعي؛ إذ يقول: عرف عن عرب ما قبل الإسلام أنهم وثنيون وعرفت وثينتهم وتقاليدهم في القرآن الكريم بالجاهلية وعلى الرغم من

стр. 530

ذهاب معظم أخبارها، تسرب إلينا نتف كثيرة من أساطير الجاهليين ومعتقداتهم وأفكارهم، وكلها تدل على أن الوثنية ليست بسيطة التركيب ولا قريبة المتناول، فما وصلنا منها يدل على أنها مرحلة راقية، وأن كثيرًا من قديمها قد بقي في متأخرها وأن بعض أحوالها صيغ بالأفكار اليهودية أو الصابئية أو المسيحية أو اتحد مع عقائد أجنبية، ومن الضروري أن نلجأ في تفهمها إلى تصنيف تاريخي يمهد لبيان أطوارها ومعتقداتها في الزمن. واستعراض الأساطير والعقائد العربية الجاهلية يدلنا على أن الوثنية العربية مرت في أطوار تشبه تلك التي مرت بها وثنيات الأمم الأخرى فإنها عرفت: ١- الطور الحيوي: وفيه اعتقد العرب أن في كل شيء حياةً، فعبدوا الشجر والحجر والجن، واعتقدوا أن الحجر شجر الشياطين، وأن الصفا والمروة هما: رجل وامرأة فسقا في الحرم فمسخا حجرين، وأن الضب هو يهودي مسخ فلا يؤكل لحمه، وأن حجارة الحرم تحمل قدسيته فهم يحملون منها للعبادة في ديارهم ... إلخ. ٢- الطور الطوطمي: وفيه تنحصر الحياة والأرواح في أشياء محدودة: ومن بقايا هذا الطور ما وجد عندهم من تسمية الإنسان بأسماء الحيوان، ومن عبادة بعض البهائم، كالجمل الأسود عند طيئ، والكبش الأبيض، ومن التشاؤم بالغراب والبوم، ومن عبادة الأصنام على شكل الحيوان كيغوث وهو على شكل نسر، ويعوق وهو على شكل فرس ... إلخ. ٣- الطور الوثني وتعدد الآلهة: وفيه وصل العرب إلى تصور الإله بأشكال إنسانية، وتعددت الآلهة عندهم وتخصصت ومهدت للطور الوحداني الذي جاء به الإسلام. ونحن لا نشايع الأستاذ أنور الرفاعي فيما ذهب إليه من تحليل للوثنية العربية وانتقالها إلى أطوار مختلفة لما رأينا بينهم من أنهم مجتمع قبلي وأن لكل قبيلة معبودها حجرًا أو شجرًا أو حيوانًا، وأنها ذهبت في عبادتها لهذه الأوثان المتعددة والمختلفة مذهب التقليد والمحاكاة.

стр. 531

يقول اسبتينو موسكاتي١: وقد عرفت القبائل البدوية في وسط الجزيرة طائفة كبيرة من الآلهة، ولكنها ليست آلهة أو إلهات محددة تحديدًا واضحًا لها صفاتها وأساطيرها الثابتة، بل أرواح كل منها تهيمن على موضع وتحميه مثل البعول الكنعانية المختلفة. فخيال البدوي أضفى أرواحا على الآباء والأشجار والحجارة، وشعر بوجود آلهة فيها. وكانت تسكن الصحراء أرواح أخرى محلية غير الآلهة، هي خليط من مخلوقات غريبة بعضها خير وبعضها شرير، تملك القدرة على الاستخفاء، وكان على المرء استرضاؤها إذا أراد اجتناب أذاها. نظرية البيروني: يقول: معلوم أن انطباع العامي نازع إلى المحسوس، نافر عن المعقول الذي لا يعقله إلا العالمون، الموصوفون في كل زمان ومكان بالقلة، ولسكوته إلى المثال عدل كثير من أهل الملل إلى: التصوير في الكتب والهياكل "اليهود، والنصارى"؛ ثم "المنائية" خاصة؛ ناهيك شاهدًا على ما قلته: إنك لو أبديت صورة النبي ﷺ أو مكة والكعبة لعامي، أو امرأة لوجدت من نتيجة الاستبشار فيه دواعي التقبيل وتعضير الخدين، والتمرغ؛ كأنه شاهد المصور، وقضى بذلك مناسك الحج والعمرة؛ وهذا هو السبب الباعث على إيجاد الأصنام بأسامي الأشخاص المعظمة من الأنبياء، والعلماء والملائكة مذكرة أمرهم عند الغيبة والموت ومبقية آثار تعظيمهم في القلوب إلى أن طال العهد بعامليها، ودارت القرون والأحقاب عليها ونسيت أسبابها، ودواعيها، وصارت رسما وسنة مستعملة، ثم داخلهم أصحاب النواميس من بابها؛ إذ كان أشد انطباعا فيهم فأوجبوه عليهم؛ وهكذا وردت الأخبار فيمن تقدم عهد الطوفان، وفيمن تأخر عنه؛ وحتى قيل: إن كون الناس قبل بعثة الرسل أمة واحدة هو على عبادة الأوثان. ومن الأصنام المشهورة: صنم "مولتان" باسم الشمس، ولذلك سمي "أدت"، وكان خشبيًّا ملبسًا بسنحتيان أحمر، وفي عينيه ياقوتتان حمراوان.

стр. 532

ومتى كان الصنم المصور من أحد الجواهر كان خيرًا من الخشب، والخشب خير من الطين؛ فإن عوائد الجواهر تشمل رجال المملكة ونساءها، والذهب يخص صاحبه بالقوة، والفضة بالمدح، والنحاس بالزيادة في الولاية، والحجر بامتلاك الأرضين، والصنم يشرف بصاحبه لا بجوهره. وقد كانت اليونانية في القديم: يوسطون الأصنام بينهم، وبين العلة الأولى، ويعبدونها باسم الكواكب والجواهر العالية؛ إذ لم يصفوا العلة الأولى بشيء من الإيجاب؛ بل بسلب الأضداد تعظيما لها، وتنزيهًا، فكيف يقصدونها للعبادة؛ ولما نقلت العرب من الشام أصنافا إلى أرضهم عبدوها كذلك؛ ليقربوهم إلى الله زلفى. وهذا أفلاطون: يقول في المقالة الرابعة من كتاب النواميس: "واجب على من أعطى الكرامات التامة أن يتعبد بسر الآلهة والسكينات، ولا يترأس أصنامًا خاصة للآلهة الأبوية؛ ثم الكرامات التي للآباء إذا كانوا أحياء؛ فإنه أعظم الواجبات على قدر الطاقة، ويعني بالسر الذكر على المعنى الخاص، وهو لفظ يكثر استعماله فيما بين "الصابئة الحرانية"، "والثانوية المنائية"، ومتكلمي الهند. وقال جالينيوس في كتاب "أخلاق النفس": إن في زمان "قومودس" من القياصرة، وهو قريب من خمسمائة ونيف للإسكندر أتى رجلان إلى بائع الأصنام فساوماه صنم "هرمس" أحدهما يريد نصبه في هيكل؛ ليكون تذكرة "لهرمس"، والآخر يريد نصبه على قبر؛ ليذكر به الميت١. في نظر الرازي: يقول الرازي المفسر: اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكا يساويه في الوجود والقدرة والعلم والحكمة وهذا مما لم يوجد إلى الآن.

стр. 533

لكن في الوثنية يثبتون إلهين: - أحدهما: حليم: يفعل الخير. - والثاني: سفيه: يفعل الشر. وأما اتخاذ معبود سوى الله ففي الذاهبين إلى ذلك كثرة: الفريق الأول: عبدة الكواكب وهم الصابئة؛ فإنهم يقولون: إن الله خلق هذه الكواكب، وهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم، قالوا: فيجب علينا أن نعبد الكواكب والكواكب تعبد الله. الفريق الثاني: النصارى الذين يعبدون المسيح. الفريق الثالث: عبدة الأوثان واعلم أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأوثان؛ وذلك لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح وهو إنما جاء بالرد على ما أخبر الله عن قومه في قوله: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] . فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودة قبل نوح وهي باقية إلى الآن بل أكثر أهل العالم مستمرون على هذه المقالة. يقول الرازي: والدين والمذهب الذي هذا شأنه يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، ولكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السموات والأرض علم ضروري فيستحيل إطباق الجمع العظيم عليه فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سوى ذلك. يقول الرازي: الوجه الأول: اعتقاد الشبه ذكر أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي في بعض مصنفاته: أن كثيرا من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته ويعتقدون أن لله جسما وأنه ذو

стр. 534

صورة كأحسن ما يكون من الصور، وهكذا حال الملائكة أيضا في صورهم الحسنة وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة حسنة الرواء على الهيئة التي كانوا عليها ويعتقدونها من صور الآلهة والملائكة. فيعكفون على عبادتها قاصدين طلب الزلفى إلى الله وملائكته. قال الرازي تعليقًا عليه: فإن صح ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة الأوثان هو اعتقاد الشبه. الوجه الثاني: الاعتقاد في الأسباب الظاهرة ذكره أحد العلماء وهو أن الناس رأوا أن تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، فبحسب قرب الشمس وبعدها عن سمت الرأس تحدث الفصول المختلفة والأحوال المتباينة ثم إنهم رصدوا أحوال سائر الكواكب واعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها. فمنهم من اعتقد أنها أشياء واجبة الوجود لذواته وهي التي خلقت هذه العوالم. ومنهم: من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم. فالأولون اعتقدوا أنها هي الآلهة في الحقيقة. والفريق الثاني: اعتقدوا أنها هي الوسائط بين الله والبشر، فلا جرم أن اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصناما وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات تلك الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة، ثم لما طالت المدة ألفوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل. فهؤلاء في الحقيقة: هم عبدة الكواكب.

стр. 535

الوجه الثالث: تعظيم المجهول إن أصحاب الأصنام كانوا يعينون أوقاتًا في السنين المتطاولة إلى نحو الألف والألفين ويزعمون أن من اتخذ طلسمًا في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به في أوقات مخصوصة ويوجهه نحو السعادة والخصب ودفع الآفات. وكانا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه؛ لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلما بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة، ولما طالب مدة ذلك الفعل نسوا مبدأ الأمر، واشتغلوا بعبادتها على الجهالة بأصل الأمر. الوجه الرابع: الاعتقاد في الأرواح وكانوا يعتقدون أنه متى مات منهم رجل كبير كان مجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله فاتخذوا صنمًا على صورته يعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعًا لهم يوم القيامة عند الله على مقتضى ما أخبر الله به في قوله على ألسنتهم: "هؤلاء شفعاؤنا عند الله". الوجه الخامس: الاعتقاد في المقدسات ولعلهم اتخذوها محاريب لصلواتهم وطاعته ويسجدون إليها لا لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة، ولما استمرت هذه الحالة ظن الجهال من القوم أنه يجب عبادتها. الوجه السادس: الحلول ولعلهم كانوا من المجسمة فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل١. وبهذا الاتجاه الوثني نسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم من الضلالات، ومع ذلك بقيت فيهم بقايا من عهد إبراهيم وكانوا يتمسكون بها.

стр. 536

وذلك مثل تعظيم البيت والطواف والحج والعمرة بعرفة والمزدلفة وهدى البدن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس فيه. فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: "لبيك اللهم لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"، فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده بقول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ؛ أي: ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكًا من خلقي. ولقد لاحظنا أن العربي كان متدينًا سواء الدافع إلى اعتقاده الديني فكره كأمية، ولبيد، وقس بن ساعدة، أو كان الدافع إليه تقليد القبيلة، أو الدافع إليه بعض الاتجاهات السياسية كمسيحية غسان. وعلى أي حال ومهما كان الدافع فإنه كان متدينا. وذهب الباحثون في تدينه مذاهب شتى من حيث قضايا الفكر الديني، وليس الحال كما رأى بعض الباحثين من أن العربي وقع بتدينه تحت أطوار مختلفة، ولكننا نقول: إن حال العربي في دينه هو حاله مع آلهته كما تصوره هذه الرواية التاريخية: يقول الكلبي: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربًّا وجعل الثلاثة الباقية أثافي لقدره وإذا ارتحل ترك الحجر الرب فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك١. ويقول أبو عثمان النهدي "ند قبيلة من قضاعة": كنا في الجاهلية نعبد حجرًا ونحمله معنا فإذا رأينا أحسن منه ألقيناه وعبدنا الثاني وإذا سقط الحجر عن البعير قلنا سقط إلهكم فالتمسوا حجرًا٢. ويقول ابن دريد٣: "كان الرجل منهم إذا وجد حجرًا أحسن من حجر أخذه وعبده"؛ فالعربي لم يعبد الوثن معتقدًا أنه خالق الكائنات؛ لأنه تارة يستقسم عنده وتارة أخرى يسبه ويشتمه، ومرة ثالثة يأكله وقت المجاعة، لذلك لا نعد تصرف

стр. 537

العربي مع وثنه تحولا ولكن استخفافا، ومثله إذ انتقل من عبادة وثن إلى عبادة كوكب لا نرى في ذلك تحولا أيضا لأنه غير مصحوب بفكر عقلي، ولكن هو انتقال من صورة مظلمة إلى صورة مشعة كتركه الحجر لحجر أحسن في صورته، أما ما يصح أن نطلق عليه "انتقالا من طور إلى طور" هو الانتقال الذي يصحبه فكر ويتبعه قضايا دينية توجب على المتدين النظر أو الشك. لم يحصل شيء من هذا حتى عند الحنفاء الذين تشككوا في الأوثان، ورأوا أن علاج شكهم هو اختيار دين آخر، وتفرقت بهم سبل الاختيار، فلم يحاولوا عرض قضايا دينية أو قضايا فكرية، وذلك شأن العربي في الجاهلية. أما الإسلام فكان شيئًا جديدًا وكلًّا متكاملًا، وفي ذلك ما يدل على سماويته ونبوة الرسول ﷺ . ونتيجة لهذا التنقل في الاختيار وقع العربي تحت عدة تناقضات فكرية ودينية أشار إليها القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ١. وأشار أيضا إلى لون آخر من ألوان تناقضهم في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢. فمنهم من كان يعبد الله مع صنمه، ومنهم من كان لا يعبد الله مع صنمه. وسنشير إلى ألوان من عقائدهم؛ لنرى أن الحياة العقدية في مكة لم يحكمها قانون الترقي، ولكن حكمها قانون الانتشار والتقليد؛ فانتشرت في ربوع شبه الجزيرة العربية متفرقات من الملل والنحل وعايش بعضها بعضًا. وكان تعدد آلهة الصحراء نتيجة لحالة التشتت التي كانت تعيش فيها القبائل، ولميلها الغالب إلى التوفق، وكان الإله لا يستطيع التغلب على هذين العاملين ومد نفوذه إلى ما وراء حدود منطقته المحلية إلا نادرًا مثلما فعلت الإلهات الثلاث: اللات

стр. 538

ومناة والعزى، وكات تعبد في المطقة التي حول مكة وكان يعلو عليهن أبوهن الله١. الإله والتصور الوثني: هو في العادة يتكون من عدة آلهة، ولكن إذا ما انتصرت مدينة من المدن على عدة مدن، فيصبح إله هذه المدينة إلها عامًّا مشتركا تعترف به بقية المدن تحقيقًا لانتصار الإله وعباده. ولا نجد إلهًا قوميًّا خاصًّا بالعرب؛ كالذي نجده عند العبرانيين من تعلقهم بـ "يهوه"؛ وعدهم إياه إلها خاصا بإسرائيل. فقد صار هذا الإلهُ إلهَ جميع قبائل إسرائيل ويهوذا؛ أما العرب: فقد كانوا يعبدون جملة آلهة، كل قبيلة لها إله خاص بها، وآلهة أخرى، ولم يكن لها إله واحد له اسم واحد يعبده جميع العرب. والظاهر أن القبائل الساكنة في الحجاز، ونجد، والعراق، والشام صارت قبيل الإسلام تتنكر لأصنامها العديدة، وتأخذ بالتوحيد، وبالاعتقاد بإله واحد هو "الله تعالى"، وهو الذي: نجده في الشعر الجاهلي؛ مما يدل على أن: قبائل أولئك الشعراء دانوا بالاعتقاد بوجود ذلك الإله فوق الأصنام والأوثان، وقد توج هذه العقيدة بتاج النصر في الإسلام. غير أن: "الله تعالى" في الإسلام يختلف عن "الله" عند الجاهليين؛ "فالله" هو إله العالمين، إله جميع البشر على اختلافهم ليس له شريك من أصنام وأوثان. أما "الله" عند الجاهليين: فهو رب الأرباب، وإله الآلهة، يسمو فوق آلهة القبائل؛ ولهذا ذكر في شعر شعراء مختلف القبائل؛ لأنه لا يختص بقبيلة واحدة.

стр. 539

ولم يشر القرآن الكريم إلى اعتقاد الجاهليين بوجود زوجة له. فهو في نظرهم إذن إله واحد متفرد لا يشاركه مشارك في حياته؛ وإذا كان "الله" واحدا أعزب فلا يمكن أن يكون له ولد. ولكن القرآن: يشير إلى اعتقاد الجاهليين بوجود بنين وبنات "لله". ففي سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١. وقد ذهب المفسرون: إلى أن العرب قالت: الملائكة بنات "الله"؛ وقالت "اليهود، والنصارى: عزير والمسيح ابنا الله" وقال المشركون: الملائكة بنات "الله". وفي سورة النحل قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَات﴾ ٢. "الله" في الشعر الجاهلي: قد درس بعض المستشرقين هذا الموضوع؛ ولا سيما موضوع ورود اسم الجلالة في الشعر الجاهلي؛ فذهبوا في ذلك مذاهب: منهم: من أيد صحة وروده في ذلك الشعر، وآمن أن الشعر الذي ورد فيه هو شعر جاهلي حقًّا. ومنهم: من ذهب إلى أنه شعر صحيح، غير أن رواة الشعر أدخلوا اسم الجلالة فيه، ولم يكن هو فيه في الجاهلية، بأن رفعوا اسماء الأصنام، وأحلوا اسم "الله" بدل اللات. وبينما نجد: أهل الأخبار ينسبون إلى هؤلاء الشعراء، وأمثالهم، الاعتقاد "بالله" تعالى نجدهم: ينسبون إليهم الحلف بالأصنام، والاعتقاد بها؛ فقد نسبوا إلى خداش بن زهير شعرا آمن به بالله تعالى؛ ثم نسبوا إليه قوله: وبالمرورة البيضاء يوم تبالة ... ومحبسة النعمان حيث تنصرا

стр. 540

والمروة البيضاء: هي "ذو الخلصة"؛ ثم هو يقسم بمحبسة النعمان وهو نصراني. أفلا يدل هذا على وجود تنافر أو تناقض في عقيدة أمثال هؤلاء الشعراء؟ والذي لا وقوف له على طبائع أهل الجاهلية يرى هذا الرأي، أو يذهب إلى أن هذا الشعر مصنوع، مفتعل؛ أما الذي يعرف عادة العرب في القسم فلا يستغرب منه، ولا يرى فيه تنافرا. فقد كان الجاهليون يقسمون بكل شيء؛ يقسمون بالشجر والحجر، والكواكب، والليل والنهار، وبالأصنام، وبالمعابد "وبالله"، لا يرون في ذلك بأسًا ولا تناقضًا في عقيدتهم. فهذا: "عدي بن زيد" يقسم بمكة على قاعدة العرب في القسم، وهو نصراني، وقد أقسم بأمور أخرى من أمور أهل الجاهلية الوثنية، ولم يذكر أحد أنه بدَّل دينه، وصار وثنيًّا؛ وكذلك الأمر مع غيره من شعراء نصارى، ويهود، وعباد أصنام أقسموا برهبان النصارى، وبأمور نصرانية مع أنهم كانوا عباد أوثان١. ومن القائلين بالرأي الأخير: "نولدكه"؛ فقد ذهب إلى أن رواة الشعر وحملته في الإسلام هم الذين أدخلوا اسم الجلالة في هذا الشعر؛ وذلك بأن حذفوا منه أسماء الأصنام، وأحلوا محلها اسم "الله". وقد ذهب أيضا إلى: أن رواة الشعر في الإسلام حذفوا من شعر الجاهليين ما لم يتفق مع عقيدتهم. ومن جملة ما استدل به على أثر التغيير والتحريف في الشعر الجاهلي ورود كلمة "الرحمن" في شعر شاعر جاهلي من هذيل؛ زعم أن ورود هذه الكلمة في هذا الشعر دليل كافٍ لإثبات أثر التلاعب فيه؛ لأن هذه اللفظة إسلامية استحدثت في الإسلام، ولا يمكن أن ترد في شعر شاعر جاهلي، وقد فات "نولدكه" صاحب هذا الرأي أن الكلمة بهذا المعنى كلمة جاهلية، وردت في

стр. 541

نصوص المسند وفي نصوص جاهلية أخرى، وإن من جملة من استعملها: "أبرهة الحبشي" في نصه الشهير، المعروف بنص: "سد مأرب"، وإن قوما من الجاهليين تعبدوا للرحمن. أما "ولهوزن": فيرى أن عدم ورود أسماء للأصنام في الشعر الجاهلي إلا في النادر، وإلا في حالة القسم، أو في أثناء الإشارة إلى صنم أو موضع عبادة ليس من تغيير الرواة الإسلاميين وتبديلهم لأسماء الأصنام؛ وإنما سببه هو أدب الجاهليين، وعادتهم في عدم الإسراف والإسفاف في ذكر أسماء الآلهة الخاصة، وذلك على سبيل التأدب تجاه الأرباب، فاستعاضوا عن الصنم بلفظة "الله" التي لم تكن تعني إلا معينًا: وإنما تعني ما تعنيه كلمة "رب" "وإله"، ومن هنا كثر استعمالها في القسم وفي التمني أو التشفي وأمثال ذلك١. وقد ذهب: مستشرقون آخرون إلى صحة ورود لفظة الجلالة في الشعر الجاهلي، كما ذهبوا إلى أن ورودها في القرآن الكريم، أو في الحديث لا يمنع من ورودها في الشعر الجاهلي، ولا يكون سببًا للطعن في ذلك الشعر؛ لأن من الجاهليين من كان يؤمن بوجود "إله" فوق الآلهة عندهم، فورود اسمه في شعرهم ليس بأمر غريب.

стр. 542

الشرك ومظاهره عند العرب: يعرض القرآن الكريم في إشارات إلى أنواع من الشرك كان عليه الجاهليون، وفيه تعريف لمعنى الشرك. فالشرك في قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ ١ ... إلخ: عبادة الأصنام المصنوعة من الحجارة أو الخشب، أو المعادن؛ أي: مما لا روح له، وقابل للكسر. وفي بعض الآيات: إن من أنواع الشرك القول بأن الجنَّ هم شركاء "لله" تعالى، ومن أنواعه أيضا: القول بأن الملائكة هم شركاء "لله" تعالى وبناته.

стр. 543

وفي آيات أخرى: أن من الشرك اتخاذ آلهة أخرى مع "الله"، والآلهة هنا: شيء عام فيه تأليه الكواكب، وعبادة الأشياء غير المنظورة أي: غير المادية، وعبادة الأصنام. وفي القرآن الكريم جوانب عن: فلسفة القوم، وتعليلهم لعبادة الأصنام واتخاذهم أولياء من دون الله؛ إذ يقولون جوابًا عن الاعتراض الموجه إليهم في عبادة غير "الله" ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . ويتبين من هذه الآية، ومن آيات أخرى أن فريقًا من العرب كانوا يعتقدون بوجود الله، وأنه هو الذي خلق الخلق، وأن له السيطرة على تصرفات عباده وحركاتهم، ولكنهم عبدوا الأصنام، وغيرها، واتخذوا الأولياء والشفعاء؛ لتقربهم إلى "الله" زلفى، وفي كتاب "الله": مصطلحات لها علاقة بعبادة الشرك منها: شركاء: جمع شريك، وأنداد، وأولياء، وولي، وشفعاء، وشهداء فهذه الكلمات، وأمثالها تعبر عن عقائد الجاهليين قبيل الإسلام، وعن اعتقادهم في عبادة أشياء أخرى مع "الله" تعالى كانوا يرون: أنها تستحق العبادة؛ وأنها في مقابل "الله" في العرف الإسلامي؛ أو أنها: مساعدة "لله"١ ولعبادة "الأسلاف" علاقة بعبادة الأصنام. ويلاحظ: أن عبادة "السلف" تقود أتباعها في بعض الأحيان إلى الاعتقاد بأن قبيلتهم تنتمي إلى صلب جد واحد أصله حيوان في رأي الأكثرين، أو من النجوم في بعض الأحيان، وهذا ما يجعل هذه العقيدة قريبة من الطوطمية. ومعارفنا عن: عبادة "السلف" عند الجاهليين قليلة؛ ويمكن أن نستنتج من أمر النبي ﷺ بتسوية القبور ونهيه عن اتخاذها مساجد، ومواضع للصلاة أن الجاهليين كانوا يعبدون أرواح أصحاب هذه القبور، ويتقربون إليها. ولعل في عبارة "قبر ونفس" الواردة في بعض النصوص الجاهلية ما يؤيد هذا الرأي؛ فإن النفس هي الروح٢.

стр. 544

وقد أشار أهل الأخبار إلى قبور اتخذت مزارات كانت لرجال دين، ولسادات قبائل يقسم الناس بها، ويلوذون بصاحب القبر، ويجتمعون به؛ كالذي كان من أمر ضريح: "تميم بن مرة"؛ وكالذي ذكروه من أمر "اللات" من أنه كان رجلا في الأصل اتخذ قبره معبدا، ثم تحول الرجل إلى صنم. ونجد في كتب الحديث نهيا عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها، وقد أشارت إلى اتخاذ اليهود والنصارى قبور ساداتهم، وأوليائهم مساجد تقربوا إليها لذلك: نهى أهل الإسلام من التشبه بهم في تعظيم القبور١. كما نهى عن: تكليل القبور وتجصيصها؛ والتكليل: رفع القبر وجعله كالكلة؛ وهي: الصوامع، والقباب التي تبنى على القبور٢. ومن مظاهر الشرك المتجلي في التعبد للأمور الطبيعية، الملموسة: عبادة الشجر، وهي عبادة شائعة معروفة عند الساميين. وقد أشار ابن الكلبي إلى "نخلة نجران"؛ وهي نخلة عظيمة كان أهل البلد يتعبدون لها، لها عيد في كل سنة؛ فإذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجوده، وحلي النساء، فخرجوا يومًا إليها، وعكفوا عليها يومًا. ومنها: العزى، وذات أنواط. يحدثنا أهل الأخبار: عن "ذات أنواط"، فيقولون: ذات أنواط: شجرة خضراء عظيمة كانت الجاهلية تأتيها كل سنة تعظيمًا لها، فتعلق عليها أسلحتها، وتذبح عندها، وكانت قريبة من مكة، وذكر أنهم كانوا إذا حجوا يعلقون أرديتهم عليها، ويدخلون الحرم بغير أردية تعظيمًا للبيت؛ ولذلك: سميت "ذات أنواط". وقد روى أن بعض الناس قال: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط.

стр. 545

ونستطيع أن نقول: إن آثار عبادة الشجر لا تزال باقية عند الناس تظهر في امتناع بعضهم، وفي تهيبهم من قطع بعض الشجر، لاعتقادهم أنهم إن فعلوا ذلك أصيبوا بنازلة تنزل بهم، ولذلك تركوا بعض الشجر كالسدر فلم يتعرضوا له بسوء. وتعبد بعض أهل الجاهلية لبعض الحيوانات؛ فقد ورد أن جماعة الشاعر "زيد الخيل" وهم من طيئ كانوا يتعبدون لجمل أسود، فلما وفد وفدهم على الرسول قال لهم: "ومن الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله ". وورد: أن قوما كانوا بالبحرين كانوا يعبدون الخيل، ذكر أنهم قوم من المجوس كانوا مسلحة لحصن المشقر من أرض البحرين فهم فرس. وأن بعض القبائل مثل: إياد كانت تتبرك بالناقة١. ١- منهم من اتخذ آلهة من الأجسام المعدنية كالحجر والذهب والفضة والنحاس. ٢- ومنهم من اتخذه من النبات كالشجر. ٣- ومنهم من اتخذه من الإنسان. ٤- ومنهم من اتخذه من الأجسام البسيطة؛ إما السفلية: كعبدة النار وهم المجوس، أو العلوية: كعبدة الشمس والقمر وسائر الكواكب هم نوع من الصابئة. ٥- ومنهم من قال بالاثنية: النور والظلمة وهم الثنوية. ٦- ومنهم من قال: الملائكة عبارة عن الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح من الأرواح الفلكية يديره، وكذا لكل نوع من أنواع هذا العالم فيتخذون لتلك الأرواح صورا وتماثيل ويعبدونها وهم عبدة الملائكة.

стр. 546

وقد كان صِنف من العرب يعبدون الملائكة وهم بخلاف الصابئة الذين يقدسون الملائكة ولا يعبدونها، ويزعمون أنها بنات الله فكانوا يعبدونها؛ لتشفع لهم إلى الله. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ١. وقال أيضا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم] . ومنهم من قال: للعالم إلهان: - أحدهما خير؛ وهو: الله. - والآخر شر؛ وهو الشيطان. وهؤلاء هم الذين يشير إليهم القرآن الكريم بقوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢. ونهاية القول أن ما كان عليه العرب من مظاهر الشرك المتعددة مختلف إلى حد بعيد، فمنهم من كان يتعمق في عبادته حتى يرى الله وراء حقيقة الوجود، فوجه إليهم القرآن الكريم هذه الأسئلة: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٣. وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٤. ومن الملاحظات العامة على المظاهر الدينية القديمة التي كانت في البابليين والمصريين القدماء والفرس وحتى اليونان أنها كانت مرتبطة بظواهر علوية، أو سفلية، ارتباط تأليه أو تقديس.

стр. 547

الدهريون: والدهرية هم الذين يقولون بإسناد الحوادث إلى الدهر واستقلال الدهر بالتأثير، والدهر عندهم: هو حركات الفلك، وأن العالم يدار بمقتضى تأثير هذ الحركات والعرب يقولون به ولا صانع سواه. أما تعريف الدهر عند الإسلاميين: فهو مدة زمان الدنيا. وعرفه بعضهم بأنه أمد مفعولات الله في الدنيا أو فعله لما قبل الموت. يقول الألوسي: وزعم بعض من لا تحقيق لهم أن الدهر من أسماء الله، وهو غلط١ وأطلقه العرب بفتح الدال على الملحدين الذين ينكرون الله وتأثيره، أما إذا أرادوا منه الرجل المعمر فإنهم يقولون دُهري بضم الدال٢. وعقيدة الدهرية ترجع أيضا إلى بعض مبادئ الصابئة فهي خمسة: الرب، النفس، المادة، الدهر، الفضاء. وجعل الشهرستاني الدهرية من المعطلة فقال: معطلة العرب أصناف: صنف منهم أنكر الخالق والبعث والإعادة وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني وهم الذين أخبر القرآن عنهم في قوله سبحانه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ٣ [المؤمنون: ٣٧] . يقول الشهرستاني: إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي وقصر الحياة والموت على تركبها وتحللها فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٤ فاستدل عليهم بضرورات كرية وىيات فطرية في كثير من السور فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤] . وقال: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] .

стр. 548

فأثبت الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق وأنه قادر على الكمال ابتداء وإعادة. وروى صاحب الأغاني: يقول عدي بن زيد بلسان حال المقابر، يتضح منها أن لديهم أكثر من معنى للدهر: من رآنا فليحدث نفسه ... إنه موفٍ على قرن زوال وصروف الدهر لايبقى لها ... ولما تأتي به صم الجبال رب ركب قد أناخوا عندنا ... وجياد الخيل تردي في الجلال عمروا دهرا بعيش حسن ... آمنٌ دهرهم غير عجال ثم أضحوا عصف الدهرُ بهم ... وكذاك الدهر يودي بالرجال وكذاك الدهر يرمي بالفتى ... في طلاب العيش حالا بعد حال جـ- الموحدون: "وقد نقلت الصحراء أيضًا عدا التقاليد الوثنية تقاليد دين التوحيد، من أتباع الدينين الكبيرين اللذين كان مركزهما على مقربة من حدود الصحراء، فقد هاجر جماعات من اليهود إلى الجنوب ولعل ذلك كان من أيام تخريب الرومان لبيت المقدس وكونوا جاليات صغيرة على الطريق التجاري وفي واحدات الحجاز وكانوا يشتغلون بالزراعة خاصة، وقد أتوا إلى موطنهم الجديد بتقاليد قومهم الدينية والحضارية واتخذوا العربية لغة لهم١". ولقد كان منهم الموحد المقر بخالقه المصدق للبعث موقنًا بأن الله يثيب المطيع ويعاقب العاصي مثل الذين تخنفوا والذين تهودوا والذين تنصروا. وبعض القبائل لم تتغير فطرتهم ولا سيما "ربيعة" التي لازمت الحنيفية المشوبة بالأوثان، ومن الأشخاص مثل: قس بن ساعدة. وأمية بن أبي الصلت. ولبيد بن ربيعة.

стр. 549

يقول الشهرستاني: ومن العرب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، وينتظر النبوة، وكانت لهم سنن وشرائع قد ذكرناها فيما تقدم. فممن كان يعرف النور الظاهر، بالنسب الطاهر، ويعتقد الدين الحنيفي وينتظر المقدم النبوي زيد بن عمرو بن نفيل، وكان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: أيها الناس هلموا إليَّ؛ فإنه لم يبق على دين إبراهيم أحد غيري، وسمع "أمية بن أبي الصلت" يومًا ينشد: كل دين يوم القيامة عند الـ ... ـله إلا دين الحنيفة زور فقال له: صدقت: وقال زيد أيضا: فلن تكون لنفس منك واقية ... يوم الحساب إذا ما يجمع البشر ومن كان يعتقد التوحيد، ويؤمن بيوم الحساب "قس بن ساعدة الإيادي"، الذي قال في موعظه: كلا ورب الكعبة ليعودن ما باد، ولئن ذهب ليعودن يوما"، وقال أيضا: "كلا بل هو الله إله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وإليه المآب غدا". وأنشد في معنى الإعادة: يا باكي الموت والأموات في جدث ... عليهمُ من بقايا بزهم خرقُ دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم ... كما ينبه من نوماته الصعق حتى يجيئوا بحال غير حالهمُ ... خلق مضى ثم خلق بعد ذا خلقوا منهم عراة ومنهم في ثيابهم ... منها الجديد ومنها الأزرق الخلقُ ومنهم: عامر بن الظرب العدواني، وكان من شعراء العرب وخطبائهم، وله وصية طويلة يقول في آخرها: "إني ما رأيت شيئا قط خلق نفسه، ولا رأيت موضوعا إلا مصنوعا، ولا جاثيا إلا ذاهبا، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء"، ثم قال: "إني أرى أمورا شتى وحتى، قيل له: وما حتى؟ قال: حتى يرجع الميت حيا ويعود لا شيء شيئا، ولذلك خُلقت السموات والأرض، فتولوا عنه ذاهبين"، وقال: "ويل؛ إنها نصيحة ولو كان من يقبلها".

стр. 550

وكان عامر قد حرم الخمر على نفسه فيمن حرمها، وقال فيها: إن أشرب الخمر أشربها للذتها ... وإن أدعها فإني ماقت قالي لولا اللذاذة والقينات لم أرها ... ولا رأتني إلا من مدى عالي سآلة للفتى ما ليس في يده ... ذهابه بعقول القوم والمال تورث القوم أضغاثا بلا إحن ... مزرية بالفتى ذي النجدة الحالي أقسمت بالله أسقيها وأرويَها ... حتى يفرق ترب الأرض أوصالي١ وممن كان قد حرم الخمر في الجاهلية: قيس بن عاصم التميمي، وصفوان ابن أمية بن الحارث الكناني، وعفيف بن معد يكرب الكندي، وقالوا فيها أشعارا. وقال غيره، وقد حرم الخمر والزنا على نفسه: سلمت قومي بعد طول مضاضة ... والسلم أبقى في الأمور وأعرفُ تركت شرب الراح وهي أثيرة ... والمومسات وترك ذلك أشرفُ وعففت عنه يا أميم تكرمًا ... وكذاك يفعل ذو الحجا المتعففُ وممن كان يؤمن بالخالق، وبخلق آدم ﵇: عبدٌ "لطابخة بن ثعلب بن وبرة" من قضاعة، وقال فيه: وأدعوك يا ربي بما أنت أهله ... دعاء غريق قد تشبث بالعصمْ لأنك أهل الحمد والخير كله ... وذو الطول لم تعجل بسخط ولم تلمْ وأنت الذي لم يحيه الدهر ثانيًا ... ولم ير عبد منك في صالح وجمْ وأنت القديم الأول الماجد الذي ... تبدَّأ خلق الناس في أكثم العدمْ وأنت الذي أحللتني غيب ظلمة ... إلى ظلمة من صلب آدم في ظلمْ

стр. 551

ومن هؤلاء النابغة الذبياني، وقد آمن بيوم الحساب، فقال: ووجهتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقبِ وأراد بذلك الجزاء بالأعمال. ومن هؤلاء زهير بن أبي سلمى المزني، وكان يمر بالعضاه١، وقد أورقت بعد يبس فيقول: لولا أن تسبني العرب لآمنت أن الذي أحياك بعد يبس سيحيي العظام وهي رميم، ثم آمن بعد ذلك وقال في قصيدته التي أولها: أمن أم أوفى دمنة لم تكلمِ يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقمِ ومنهم علاف بن شهاب التيمي، كان يؤمن بالله تعالى وبيوم الحساب وفيه قال: ولقد شهدت الخصم يوم رفاعة ... أخذت منه خطة المقتال وعلمت أن الله جاز عبده ... يوم الحساب بأحسن الأعمال وكان بعض العرب إذا حضره الموت يقول لولده: ادفنوا معي راحلتي حتى أحشر عليها فإن لم تفعلوا حشرت على رجلي. قال جريبة بن الأشيم الأسدي في الجاهلية وقد حضره الموت - يوصي ابنه سعدا: يا سعد أما أهلكنَّ فإنني ... أوصيك إن أخا الوصاة الأقربُ لا تتركنَّ أباك يعثر راجلا ... في الحشر يصرع لليدين وينكبُ واحمل أباك على بعير صالح ... والغ المطية، إنه هو أصوبُ ولعل لي مما تركت مطية ... في الحشر أركبها إذا قيل اركبوا وقال عمرو بن زيد بن المتمني يوصي ابنه عند موته: أبني زودني إذا فارقتني ... في القبر راحلة برحل قاتر٢

стр. 552

للبعث أركبها إذا قيل اظعنوا ... متساوقين معا لحشر الحاشر من لا يوافيه على عيرانه ... فالخلق بين مدافع أو عاثر وكانوا يربطون الناقة معكوسة الرأس إلى مؤخرها مما يلي ظهرها أو مما يلي كلها وبطنها ويأخذون وليه، فيشدون وسطها ويقلدونها عنق الناقة ويتركونها حتى تموت عند القبر ويسمون الناقة "بلية"، والخيط الذي تشد به "ولية"، وقال بعضهم يشبه رجلا في "بلية": كالبلايا في أعناقها الولايا. وإذا تصفحنا الشعر الذي ذكره ابن هشام في سيرته عن حادثة الفيل وجيش أبرهة -لو تصفحناه جميعا وأردنا تحليله من ناحية عاطفتهم الدينية، ثم أردنا أن نصل إلى ظواهر دينهم العام لما ترددنا في الحكم عليهم بأنهم مؤمنون موحدون، لا يشوب إيمانهم شوائب الوثنية أو سذاجة الشرك فما رأينا في شعرهم اسما لوثن أو صنم. فعندما تقرأ شعر عبد المطلب يطالعك قوله: لاهُمَّ أن العبد يمنـ ... ـع رحله فامنع رحالكْ وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلكْ لا يغلبنَّ صليبُهم ... ومَحالُهم أبدا مَحالَكْ لاهم: أي يا الله فقابل بين الله والصليب. فهذا منه يعني إدراكًا موضوعيًّا حين قابل بينهما؛ أي بين الله والصليب، وأن الله حقيقة والصليب زائف. كذلك شعر عبد الله بن الزبعرى: فهو يذكره في شعره: والله من فوق العباد يقيمها فلم يذكر وثنا ولا صنما وهو العنيد في جداله مع الرسول. وأمية بن أبي الصلت الذي يبدأ قصيدته بقوله: إن آيات ربنا ثاقباتٍ ... لا يماري فيهن إلا الكفورُ

стр. 553

ثم ختمها بقوله: كل دين يوم القيامة عند الـ ... ـله إلا دين الحنيفة زورُ فالشعر الذي ساقه ابن هشام يذكرنا بأمرين؛ إما أنهم موحدون وإما أنه شعر منتحل. ولعل مثل هذه الملاحظات جعلت بعض المستشرقين يزعم أن الرواة الإسلاميين هم الذين وضعوا لفظ الجلالة في شعر الجاهليين بدلا من كلمة اللات التي تتفق معها في الوزن. يقول كارل فنيللينو: "بالغ الأب شيخو في كتابه المسمى بشعراء النصرانية من شعراء الجاهلية. بالغ في ظنه هذا الرأي أي مبالغة كأنه زعم نصرانيا كل شاعر جاهلي ورد في شعره شيء مما يقرب من اعتقاده وحدانية الله أو من التأملات والاعتبارات الدينية فعد من النصارى امرؤ القيس والنابغة وطرفة". يقول فنيللينو: لا شك عند كل منصف في إنهم من أصحاب الوثنية، أما المؤكد المثبت فإنما هو أن دين النصرانية ذاع في القرن السابق للهجرة في شمال جزيرة العرب فاعتنق بعض القبائل مثل بني تغلب، وقسم غير صغير من بني تميم فضلا عن أكثر المقمين بمملكة بني غسان وأكثر سكان مدينة الحيرة١. فنيللينو: يرد على مبالغة شيخو قائلا: "أنه ربما تكون الأفكار التي تقترب من التوحيد نتيجة -تأملات وليست نتيجة النصرانية ولا سيما أن النصرانية -من الناحية التاريخية- تأخرت عن معاصرة هؤلاء الشعراء"٢. ورأينا ما يؤيد فنيللينو في رواية مسلم عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: يا ابن أخي صليت سنتين قبل مبعث النبي ﷺ قال: قلت: فأين كنت توجه؟

стр. 554

قال: حيث وجهني الله، يقول رسول الله: "غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها ١ الله". فإن أبا ذر لم يبين أثر المسيحية أو اليهودية في توجهه إلى الله، وربما كان ذلك أثرا من الحنيفية ما زال موجودا بين العرب، وهذا ما نميل إليه، وعبادة الرسول قبل البعثة كانت على دين ابراهيم وكان يدفعهم إلى البحث عن اتجاهات عقلية تميل نحو البحث عن حقيقة الدين، ووجدنا مثل ذلك قد ظهر مع الحنفاء. يقول الشيخ مصطفى عبد الرازق:٢ كل ذلك يدل على أن العرب عند ظهور الإسلام كانوا يتشبثون بأنواع من النظر العقلي. ويقول: وكان يعد العرب للجدل الديني ويحفزهم إليه إما الدفاع عن أديانهم الموروثة ضد الأديان الدخيلة عليهم، وإما المهاجمة لهذه الأديان جميعا من أجل ما يلتسمون من الدين الحنيف دين إبراهيم". "على أنه ينبغي ألا نبالغ في تصور من تنصروا من العرب قبل الإسلام، ونظن أنهم قاموا بتعاليم النصرانية قيامًا دقيقًا، فقد عرفوا الكنائس والبيع والرهبان والأساقفة والصوامع، ولكنهم ظلوا لا يتعمقون في هذا الدين الجديد، وظلوا يخلطونه بغير قليل من وثنيتهم وربما كان مما يوضح ذلك خير توضيح قول عدي بن زيد العبادي: سعى الأعداء لا يألون شرا ... عليه ورب مكة والصليب فهو يجمع بقسمه بين رب مكة ورب الصليب. والحق أن نصارى العرب في الجاهلية إنما عرفوا ظاهرا من دينهم وقلما عرفوا حدوده، وقد سقطت إلى أشعارهم وأشعار الوثنيين أنفسهم كلمات ومصطلحات كثير منه ومن شخوصه وطقوسه فمنذ قول امرئ القيس: يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط في الذبال المفتل

стр. 555

والشعراء يرددون ذكر الربان ومحاريب كنائسهم؛ يقول الأعشى: كدمية صور محرابها ... بمذهبٍ في مرمر مائر وطالما تحدثوا عن نواقيسهم وقراعهم في أواخر الليل. يقول المرقش الأكبر في بعض شعره: وتسمع تزقاء من البوم حولنا ... كما ضربت بعد الهدوء النواقس١ وفي ذلك ما يدل -ولا سيما قول الأعشى وهو وثني- على أنه كان لديهم بعض معارف عن المسيحية أدخلوها في قصائدهم في بعض وجوه التشبيه أيا كان نوع هذا التشبيه كقول المرقش في جمعه بين البوم والنواقيس، وذلك يبعدها عن مظهر التقديس، وخاصة أن البوم مما يتشاءم منه العرب. وعلى أي حال يتضح أن معارفهم عن المسيحية تناهت إليهم فاسعملوا مصطلحاتها دون نظر إلى اتخاذها عقيدة كما هو واضح من أشعارهم. وظهرت بوادر لمذهب الجبر والاختيار، يروي صاحب الأغاني٢ ما نصه: قال لي يحيى بن متى راوية الأعشى وكان نصرانيا عباديا وكان معمرا قال: - كان الأعشى قدريا. - وكان لبيد مثبتا. قال لبيد: من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل وقال الأعشى: استأثروا الله بالوفاء وبالـ ... ـفضل وولى الملامة الرجلا قلت: فمن أين أخذ الأعشى مذهبه؟

стр. 556

قال: من العباديين نصارى الحيرة كان يأتيهم يشتري منهم الخمر، فلقنوه ذلك. كذلك كانت لهم وجهة نظر في تقسيم القوى الروحية فكان فيها الأرواح الخيرة، مثل الملائكة وكان فيها الأرواح الشريرة مثل الشياطين. وكانت فكرتهم عن هذه الأرواح أنها تحل فيما حولهم من مظاهر الطبيعة. كذلك كانت لهم دراية بتقسيم الشيء أو الأشياء: إلى شيء مقدس، وإلى شيء غير مقدس. وقد أشار إلى ذلك القرآن فقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ ١.

стр. 557

موقفهم من الرسالة: ذهبت الصابئة والبراهمة ومعهم الوثنيون إلى القول باستحالة النبوات، فرأينا في العرب من مال منهم إلى مبادئ الصابئة فطعنوا في أصل النبوة وهم الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا أبعث الله بشرا رسولا؟ فإن الصابئة لا يجوزون أن يكون الوسيط بشريا إنما يجوزوه ملكا فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ١. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٢. ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . وهناك موقف اليهود والنصارى ومن تابعهم ممن يسلم بأصل النبوة غير أنهم طعنوا في نبوة محمد ﷺ . والقرآن مملوء بالرد عليهم. وعلى طعنهم من وجوه:

стр. 558

تارة بالطعن في القرآن فأجاب الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] . وتارة بالتماس سائر المعجزات كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] . وتارة بأن هذا القرآن نزل منجما نجما نجما وذلك يوجب تطرق التهمة إليه فأجاب الله بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك﴾ [الفرقان: ٣٢] . وهناك موقف من ينكر رسالة محمد على جهة العصبية القبلية حكى الله ذلك بقوله: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم﴾ [الزخرف: ٣١] . وهناك موقف أهل عبادة الأوثان والدهريين الذين لا يعرفون جنة ولا نارا ولا قيامة ولا كتابا مثل الأوس والخزرج. يقول الشهرستاني: وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة وحجوا إليها، ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر وأحلوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم نذكرهم وهم الذين أخبر عنهم التنزيل: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ... إلى قوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ، فاستدل عليهم بأن المرسلين كلهم كانوا كذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ ٢. ٣- قضايا الغيب: ومن العرب من أقر بالخالق وأثبت حدوث العالم وأقر بالبعث والإعادة وأنكر الرسل وعكف على عبادة الأصنام.

стр. 559

وهم الذين قال الله فيهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] . قال المسعودي: وهذا الصنف هم الذين حجوا إلى الأصنام وقصدوها ونحروا لها البدن ونسكوا لها النساك وأحلوا لها وحرموا١. يقول الشهرستاني: وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع، وأنكروا البعث والإعادة وهم الذين أخبر عنهم القرآن: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ٢. فاستدل عليهم بالنشأة الأولى إذ اعترفوا بالخلق الول. فقال : ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٢، وقال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٤. ومن العرب من يعتقد التناسخ فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم الدماغ وأجزاء بنيته وانتصب طيرا "هامة" فيرجع إلى رأس القبر كل مائة سنة وعلى هذا أنكر عليهم الرسول فقال: "لا هامة ولا عدوى ولا صفر" ٥. يقول الألوسي عند قوله تعالى: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ : إعادة الروح لبدن آخر بطريق التناسخ وهو اعتقاد كثير من عبدة الأصنام٦. ويقول الشهرستاني: وشبهات العرب كانت مقصورة على هاتين الشبهتين: إحداهما: إنكار البعث؛ بعث الأنام. والثانية: جحد البعث؛ بعث الرسل. فعلى الأولى قالوا: أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون؟

стр. 560

وعبروا عن ذلك في أشعارهم: حياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو ولبعضهم مرثية في أهل بدر من المشركين يقول فيها: فماذا يا قليب قليب بدر ... ترى ماذا تكلل بالسنام يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام وأما الشبهة الثانية: فكان إنكارهم لبعث الرسول ﷺ في الصورة البشرية أشد وإصرارهم على ذلك أبلغ، وأخبر التنزيل عنهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ١، ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ ٢؟ فمن كان يعترف بالملائكة كان يريد أن يأتيه ملك من السماء، وقالوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك﴾ ٣، ومن كان لا يعترف بهم كان يقول: الشفيع والوسيلة لنا إلى الله هي الأصنام المنصوبة أما الأمر والشريعة من الله إلينا فهو المنكر. لاحظنا مما سبق تدرجا في مستويات القربى الروحية أو القوى المعبودة المؤلهة لدى عرب الجاهلية فرأينا قوى روحية عليا معبودة مثل الملائكة واختلطت صور بعضها الملائكة ببعض مثل بشرية أو أخضعوها لتصوراتهم البشرية. فقالوا عنها: إنها بنات الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ ٤. ووجدت قوى روحية سفلى في بني مليح من خزاعة وهم رهط طلحة الطلحات يعبدون٥ الجن والشياطين وأنهم كانوا يستخدمونها في كتابتهم، ولهم معها أساطير واتخذوا أيضا منها شركاء لله. قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ﴾ ٦.

стр. 561

ولهم أيضًا بجانب ذلك اتجاهات وثنية لا تنفك عن سذاجة الفطرة، كعبادة المحسوسات من شجر وحجر وغير ذلك، ورأينا فيهم على جاهليتهم وثنيهم أنهم يعرفون لفظ الجلالة "الله". وتدلنا الروايات التاريخية: أنهم وجدوه في الكعبة منذ أن بناها إبراهيم ومعه إسماعيل، وكانت قريش تعتبره هو المعبود الحقيقي، ومظاهرها الوثنية كانت زلفى إليه. ورأينا فيهم: من يتكلم عن الدهر كقوة عظمى تعلو فوق التصور الإنساني، وعبدوا النيران من شمس وقمر إلخ. ومع كل هذا لا يوجد في العرب طبقة دينية تختص بأمور الدين، وليس في بلاد العرب، ولا سيما في منطقة الحجاز ونجد طبقة إكليريكية خاصة، ولكن يقوم مقامها طائفة العرافين والزاجرين والقائفين والسدنة، ولم يكن لهذه الطائفة ما يميزهما أو يرفعهما عن سائر الناس فلا مسحة خاصة بها، ولا رتبة ولا فرقة في أساليب المعيشة بينهم وبين أبناء قبيلتهم لهم ما لها وعليهم ما عليها. القضاء والقدر: ونرى حاتم الطائي: وهو من النصارى على رأى مؤمنا بالقضاء والقدر، وبما يأمر به الله تعالى. ونجد المثقب العبدي: مؤمنا بالله تعالى وبالقدر. فما يقع للإنسان يكون بمشيئة الإله وقدره١. كذلك: نجد هذه العقيدة -عقيدة القدر في شعر "زهير بن أبي سلمى" وفي شعر غيره من الشعراء. هذا زهير يقول: إن المنايا أمر لا مفر منه، وإن من جاءت منيته لابد أن يموت راو حاول الارتقاء إلى السماء فرارا منه؛ ثم يقول: وجدت المنايا خبط عشواء من نصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم ومن القائلين بالقدر: عبيد بن الأبرص الشاعر الجاهلي الشهير ونجد: عمرو ابن كلثوم- في جملة من آمن بالقضاء والقدر. وتؤدي: لفظة "منا": معنى القدر؛

стр. 562

ومنها: "الماني" بمعنى القادر والمنية بمعنى الموت؛ لأن الموت مقدر بوقت مخصوص، وهي من الكلمات السامية المشتركة الواردة في مختلف لهجات هذه المجموعة، ولهذه الكلمة: صلة باسم الإله الكنعاني "منى": وهو إله القدر ولها أيضا: صلة بالصنم "منوات" من أصنام ثمود. و"مناة" من أصنام الجاهليين١. وتؤدي كلمة "المنون" معنى الدهر والموت؛ وقد تسبق بكلمة ريب في بعض الأحيان فيقال: ريب المنون؛ ما يقال: ريب الدهر. ويرى نولدكه: إن هذه الكلمات هي أسماء آلهة، وليست أسماء أعلام، هي أسماء تعبر عن معانٍ مجردة للألوهية، وهي مما استخدم في لغة الشعر للتعبير عن هذه العقائد الدينية، فالزمان مثلا أو الدهر لا يعنيان على رأيه هذا إلها معينا، ولا صنما خاصا؛ إنما هي تعبير عن فعل الآلهة في الإنسان. وبعض هذه الكلمات في رأي: "ولهوزن" مثل: "قضاء ومنية" هي بقايا جمل اختصرت ولم يبق منها غير بقايا هذه الكلمات. فكلمة قضاء هي بقية جملة أصلها: قضاء الله؛ سقطت منها الكلمة الأخيرة، وبقيت الأولى، وكذلك الحال في منية فإنها: بقية جملة هي: "منية الله" سقط عجزها وبقى صدرا، وهي تعني أن المنيةهي منية "الله" تصيب الإنسان٢. يبدو أن: من الغريب ذكر الدهر والزمان والحمام والمنايا، وأمثالا في الشعر، ونسبة الفعل إليها، بينما يهمل ذكر الأصنام فيه، أو نسبة الفعل إلى "الله" تعالى. فهل يعني هذا أن الجاهليين لم يكونوا يعلمون أن "لله" سلطانا وحولا، وأن المنايا، والحتوف وكل خير أو مكروه هو من فعل "الله تعالى"؟ الواقع: أن هذا الذي نذكر يذهب إليه أهل الجاهلية، ولم يقصدوه، وما ذكر الدهر في الشعر إلا: كتشكي الناس من الزمان أو من الحظ أو النصيب في هذه الأيام، وشكواهم من ذلك لا يعني تحديد سلطان "الله" تعالى أو نكرانه؛ وإنما هو بقية من تصور إنساني قديم بنسبة كل فعل وعمل إلى قوة خفية هي القوة العاملة،

стр. 563

وهي ما عبرت عنها بالدهر وبالزمان؛ وذلك لما يتصورونه من مرور الأيام والسنين، وبلاء الإنسان فيه، وبقاء الأرض والكون، ومثل هذه النسبة والشكوى عامة عند جميع الشعوب البدائية والمتطورة المتقدمة، فنراها عند القبائل البدائية، ونراها عند الغربيين١. وقد ذكر علماء التفسير: أن قريشا خاصموا الرسول في القدر، وأن رجلا جاء إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنف، أو في شيء قد فرغ مه؟ فقال رسول الله: "اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له". ويظهر من ذلك: أن قريشا -أو جمعا منهم- لم يكونوا يؤمنون بالقدر، بل كانوا يؤمنون بأن فعل الإنسان منه، وأن لا لأحد من سلطان في تصرفه وفعله٢. القدرية: وقد ذكر: أن الشاعر الأعشى كان قدريا، يرى أن للإنسان دخلا في فعله، وأن له سلطانا على نفسه؛ حيث يقول: استأثر الله بالوفاء وبالـ ... ـعدل وولى الملامة الرجلا فالإنسان مسئول عن فعله، ملام على ما يرتكبه من قبيح. فالله تعالى عادل لا يجازي الإنسان إلى على فعله، ولو كان قد قدر كل شيء له وحتمه عليه كان ظالما. وقد أخذ الأعشى رأيه ذا: من قبل العباديين، نصارى الحيرة كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك٣.

стр. 564

التأله والقرابين: ينقل "البيروني"١: عن جالينوس من كتابه الحث على تعلم الصناعات قوله: ذوو الفضل من الناس إنما استأهلوا ما نالوه من الكرامة حتى لحقوا بالمتألهين بسبب جودة معالجتهم للصناعات لا بالإحصاء والمصارعة ورمي الكرة.

стр. 565

ولقد بنى جالينوس فكرته: على أن الأنفس والأرواح قائمة بذاتها قبل التجسد بالأبدان، والاقتدار على تصاريف العالم، ولذلك سموها "آلهة"، وكانوا أي اليونانيين يسمون الماهر بصناعة الطب: رجل إلهي. وقال يحيى النحوي في رده على "أبروقلس": كان اليونانيون يوقعون اسم لآلة على الأجسام المحسوسة في السماء، كما عليه كثير من العجم؛ ثم لما تفكروا في الجواهر المعقولة أوقعوا هذا الاسم عليها. فباضطرار يعلم أن معنى التأله راجع إلى ما يذهب إليه في الملائكة. يعلق البيروني على ذلك فيقول: ولكن من الألفاظ ما يسمح به في دين دون دين، وتسمح به لغة وتأباه أخرى، ومنها لفظة: "التأله" في دين الإسلام؛ فإنا إذا اعتبرناها في لغة العرب وجدنا جميع الأسامي التي سمى بها الحق المحض متجهة على غيره بوجه ما سوى اسم "الله" فإنه يختص به اختصاصا قيل له إنه اسمه الأعظم. وإذا تأملناه في العبرية والسريانية اللتين نزلت بهما الكتب المنزلة قبل القرآن وجدنا: "الرب" في التوراة وما بعدها من كتب الأنبياء المعدودة في جملتها موازيا "لله" في العربي غير منطلق على أحد بإضافة كرب البيت، ورب المال ووجدنا الإله فيها موازيا للرب في العربي، فقد ذكر فيها: أن بني ألوهيم نزلوا إلى بنات الناس قبل الطوفان وخالطوهن. وذكر في كتاب أيوب الصديق: إن الشيطان دخل مع بني ألوهيم إلى مجمعهم وفي توراة موسى: قول الرب: إني جعلتك إلها لفرعون، وفي المزمور الثاني والثمانين من زبور داود: إن الله قام في جماعة الآلهة يعني الملائكة، وسمى في التوراة الأصنام "آلهة غرباء". يقول البيروني: والأمم الذين كانوا حول أرض فلسطين هم الذين كانوا على دين اليونانيين في عبادة الأصنام، ولم تزل بنو إسرائيل كانوا يعصون "الله" بعبادة صنم "بعلا" وصنم: "استروث" الذي للزهرة. فالتأله على وجه التملك عند أولئك كان يتجه على الملائكة وعلى الأنفس١.
следующие страницы →