ولهم أيضًا بجانب ذلك اتجاهات وثنية لا تنفك عن سذاجة الفطرة، كعبادة المحسوسات من شجر وحجر وغير ذلك، ورأينا فيهم على جاهليتهم وثنيهم أنهم يعرفون لفظ الجلالة "الله".
وتدلنا الروايات التاريخية: أنهم وجدوه في الكعبة منذ أن بناها إبراهيم ومعه إسماعيل، وكانت قريش تعتبره هو المعبود الحقيقي، ومظاهرها الوثنية كانت زلفى إليه.
ورأينا فيهم: من يتكلم عن الدهر كقوة عظمى تعلو فوق التصور الإنساني، وعبدوا النيران من شمس وقمر إلخ.
ومع كل هذا لا يوجد في العرب طبقة دينية تختص بأمور الدين، وليس في بلاد العرب، ولا سيما في منطقة الحجاز ونجد طبقة إكليريكية خاصة، ولكن يقوم مقامها طائفة العرافين والزاجرين والقائفين والسدنة، ولم يكن لهذه الطائفة ما يميزهما أو يرفعهما عن سائر الناس فلا مسحة خاصة بها، ولا رتبة ولا فرقة في أساليب المعيشة بينهم وبين أبناء قبيلتهم لهم ما لها وعليهم ما عليها.
القضاء والقدر:
ونرى حاتم الطائي: وهو من النصارى على رأى مؤمنا بالقضاء والقدر، وبما يأمر به الله تعالى.
ونجد المثقب العبدي: مؤمنا بالله تعالى وبالقدر. فما يقع للإنسان يكون بمشيئة الإله وقدره١.
كذلك: نجد هذه العقيدة -عقيدة القدر في شعر "زهير بن أبي سلمى" وفي شعر غيره من الشعراء. هذا زهير يقول: إن المنايا أمر لا مفر منه، وإن من جاءت منيته لابد أن يموت راو حاول الارتقاء إلى السماء فرارا منه؛ ثم يقول:
وجدت المنايا خبط عشواء من نصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
ومن القائلين بالقدر: عبيد بن الأبرص الشاعر الجاهلي الشهير ونجد: عمرو ابن كلثوم- في جملة من آمن بالقضاء والقدر. وتؤدي: لفظة "منا": معنى القدر؛
стр. 562
ومنها: "الماني" بمعنى القادر والمنية بمعنى الموت؛ لأن الموت مقدر بوقت مخصوص، وهي من الكلمات السامية المشتركة الواردة في مختلف لهجات هذه المجموعة، ولهذه الكلمة: صلة باسم الإله الكنعاني "منى": وهو إله القدر ولها أيضا: صلة بالصنم "منوات" من أصنام ثمود. و"مناة" من أصنام الجاهليين١.
وتؤدي كلمة "المنون" معنى الدهر والموت؛ وقد تسبق بكلمة ريب في بعض الأحيان فيقال: ريب المنون؛ ما يقال: ريب الدهر.
ويرى نولدكه: إن هذه الكلمات هي أسماء آلهة، وليست أسماء أعلام، هي أسماء تعبر عن معانٍ مجردة للألوهية، وهي مما استخدم في لغة الشعر للتعبير عن هذه العقائد الدينية، فالزمان مثلا أو الدهر لا يعنيان على رأيه هذا إلها معينا، ولا صنما خاصا؛ إنما هي تعبير عن فعل الآلهة في الإنسان.
وبعض هذه الكلمات في رأي: "ولهوزن" مثل: "قضاء ومنية" هي بقايا جمل اختصرت ولم يبق منها غير بقايا هذه الكلمات. فكلمة قضاء هي بقية جملة أصلها: قضاء الله؛ سقطت منها الكلمة الأخيرة، وبقيت الأولى، وكذلك الحال في منية فإنها: بقية جملة هي: "منية الله" سقط عجزها وبقى صدرا، وهي تعني أن المنيةهي منية "الله" تصيب الإنسان٢.
يبدو أن: من الغريب ذكر الدهر والزمان والحمام والمنايا، وأمثالا في الشعر، ونسبة الفعل إليها، بينما يهمل ذكر الأصنام فيه، أو نسبة الفعل إلى "الله" تعالى.
فهل يعني هذا أن الجاهليين لم يكونوا يعلمون أن "لله" سلطانا وحولا، وأن المنايا، والحتوف وكل خير أو مكروه هو من فعل "الله تعالى"؟
الواقع: أن هذا الذي نذكر يذهب إليه أهل الجاهلية، ولم يقصدوه، وما ذكر الدهر في الشعر إلا: كتشكي الناس من الزمان أو من الحظ أو النصيب في هذه الأيام، وشكواهم من ذلك لا يعني تحديد سلطان "الله" تعالى أو نكرانه؛ وإنما هو بقية من تصور إنساني قديم بنسبة كل فعل وعمل إلى قوة خفية هي القوة العاملة،
стр. 563
وهي ما عبرت عنها بالدهر وبالزمان؛ وذلك لما يتصورونه من مرور الأيام والسنين، وبلاء الإنسان فيه، وبقاء الأرض والكون، ومثل هذه النسبة والشكوى عامة عند جميع الشعوب البدائية والمتطورة المتقدمة، فنراها عند القبائل البدائية، ونراها عند الغربيين١.
وقد ذكر علماء التفسير: أن قريشا خاصموا الرسول في القدر، وأن رجلا جاء إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنف، أو في شيء قد فرغ مه؟ فقال رسول الله: "اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له". ويظهر من ذلك: أن قريشا -أو جمعا منهم- لم يكونوا يؤمنون بالقدر، بل كانوا يؤمنون بأن فعل الإنسان منه، وأن لا لأحد من سلطان في تصرفه وفعله٢.
القدرية:
وقد ذكر: أن الشاعر الأعشى كان قدريا، يرى أن للإنسان دخلا في فعله، وأن له سلطانا على نفسه؛ حيث يقول:
استأثر الله بالوفاء وبالـ ... ـعدل وولى الملامة الرجلا
فالإنسان مسئول عن فعله، ملام على ما يرتكبه من قبيح.
فالله تعالى عادل لا يجازي الإنسان إلى على فعله، ولو كان قد قدر كل شيء له وحتمه عليه كان ظالما.
وقد أخذ الأعشى رأيه ذا: من قبل العباديين، نصارى الحيرة كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك٣.
стр. 564
التأله والقرابين:
ينقل "البيروني"١: عن جالينوس من كتابه الحث على تعلم الصناعات قوله: ذوو الفضل من الناس إنما استأهلوا ما نالوه من الكرامة حتى لحقوا بالمتألهين بسبب جودة معالجتهم للصناعات لا بالإحصاء والمصارعة ورمي الكرة.
стр. 565
ولقد بنى جالينوس فكرته: على أن الأنفس والأرواح قائمة بذاتها قبل التجسد بالأبدان، والاقتدار على تصاريف العالم، ولذلك سموها "آلهة"، وكانوا أي اليونانيين يسمون الماهر بصناعة الطب: رجل إلهي.
وقال يحيى النحوي في رده على "أبروقلس": كان اليونانيون يوقعون اسم لآلة على الأجسام المحسوسة في السماء، كما عليه كثير من العجم؛ ثم لما تفكروا في الجواهر المعقولة أوقعوا هذا الاسم عليها.
فباضطرار يعلم أن معنى التأله راجع إلى ما يذهب إليه في الملائكة.
يعلق البيروني على ذلك فيقول: ولكن من الألفاظ ما يسمح به في دين دون دين، وتسمح به لغة وتأباه أخرى، ومنها لفظة: "التأله" في دين الإسلام؛ فإنا إذا اعتبرناها في لغة العرب وجدنا جميع الأسامي التي سمى بها الحق المحض متجهة على غيره بوجه ما سوى اسم "الله" فإنه يختص به اختصاصا قيل له إنه اسمه الأعظم.
وإذا تأملناه في العبرية والسريانية اللتين نزلت بهما الكتب المنزلة قبل القرآن وجدنا: "الرب" في التوراة وما بعدها من كتب الأنبياء المعدودة في جملتها موازيا "لله" في العربي غير منطلق على أحد بإضافة كرب البيت، ورب المال ووجدنا الإله فيها موازيا للرب في العربي، فقد ذكر فيها: أن بني ألوهيم نزلوا إلى بنات الناس قبل الطوفان وخالطوهن.
وذكر في كتاب أيوب الصديق: إن الشيطان دخل مع بني ألوهيم إلى مجمعهم وفي توراة موسى: قول الرب: إني جعلتك إلها لفرعون، وفي المزمور الثاني والثمانين من زبور داود: إن الله قام في جماعة الآلهة يعني الملائكة، وسمى في التوراة الأصنام "آلهة غرباء".
يقول البيروني: والأمم الذين كانوا حول أرض فلسطين هم الذين كانوا على دين اليونانيين في عبادة الأصنام، ولم تزل بنو إسرائيل كانوا يعصون "الله" بعبادة صنم "بعلا" وصنم: "استروث" الذي للزهرة. فالتأله على وجه التملك عند أولئك كان يتجه على الملائكة وعلى الأنفس١.
стр. 566
لقد كانت ديانات الجاهليين ذات حدود ضيقة، آلهتها آلهة محلية، فالإله إما إله قبيلة، وإما إله موضع. وطبيعي أن تكون صلة الإنسان بإلهه متأثرة بدرجة تفكير ذلك الإنسان وبالشكل العام للمجتمع. والإله في نظرهم هو حامي القبيلة وحامي الموضع وهو المدافع عنها وعنه في أيام السلم وفي أيام الحرب ما دام الشعب مطيعا له منفذا لأوامره وأحكامه وللشعائر المرسومة التي يعرفها ويقررها ويقوم بتنفيذها رجال الدين.
ومن أهم ما تقرب به الإنسان إلى آلهته: النذور والقرابين والمنح أي الصدقات والعطايا؛ وتدخل الذبائح في باب النذور كذلك١.
ويمكن تقسيم ما تقدم به الجاهليون إلى أربابهم إلى قسمين:
الأول: قسم إجباري يجب الوفاء به بسبب نذر مثلا.
الثاني: قسم تطوعي أي اختياري مثل المنح.
وأدخل في القسم الأول ما يقال له: "خطت، خطات، خطأة".
أي الخطيئة، ويراد بها تقديم فدية عن عمل مخالف قام به إنسان مثل تقديم ذبيحة بسبب دخول إنسان نجس في المعبد٢.
وتلعب النذورة دورا خطيرا في الحياة الدينية عند الجاهليين، حتى صارت عندهم بمثابة المظهر الأول والوحيد، فالعامة لا تكاد تفهم من الدين إلا تقديم النذور للآلهة؛ لتجيب لها طلباتها وتنعم عليها بنعمائها.
والنذور هي وعد على شروط يتوسل الناذر إلى آلهته بأنها إن أجابت طلبا بعينه وحققت مطلبا نواه فعليه كذا نذر يعينه ويذكره.
فهنا عقد ووعد بين طرفين في مقابل تنفيذ شرط أو شروط أحد طرفيه السائل صاحب النذر؛ أما الطرف الثاني فهو الإله أو الآلهة.
وأما الشرط: فهو تنفيذ المطالب التي يريدها الناذر، وأما النذر: فهو أشياء مختلفة؛ وقد تكون ذبيحة، وقد تكون جملة ذبائح، وقد تكون نقودًا، وقد تكون فاكهة وقد تكون أرضًا، وقد تكون تمثالا، وقد تكون حبسا لإنسان يهب نفسه أو
стр. 567
مملوكه أو ابنه لإلهه، وقد يوهب ما في بطن المرأة، أو ما في بطن الحيوان، وهكذا نجد: مادة النذر كثيرة مختلفة متبانية بتباين النذر والأشخاص١.
ومن هذه النذور: "الربيط" فقد كان الجاهليون ينذرون أنهم إذا عاش لهم مولود جعلوه خادما للبيت أي لبيت الصنم، ومن هنا لقب "الغوث بن مر" بالربيط؛ لأن أمه كانت لا يعيش لا ولد، فنذرت لئن عاش هذا لتربطن برأسه صوفة ولتجعله ربيط الكعبة، فعاش ففعلت وجعلته خادما للبيت، حتى بلغ الحلم فنزعته فلقب الربيط٢.
وقد أشار المفسرون، وأصحاب الحديث والأخبار إلى نذور كانت معروفة في الجاهلية فمنعها الإسلام، وفي بعضها نوع من التحايل والتلاعب؛ حيث كانوا يتصرفون بحسب أهوائهم، وشهواتهم ومنافعهم وقت استحقاق النذر، ومن ذلك: ما أشير إليه في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلخ الآية سورة الأنعام آية ١٣٦.
وقد ذكر المفسرون: أن من الجاهليين من كان يزرع "لله" زرعا وللأصنام زرعا، فكان إذا زكا الزرع الذي زرعوه "لله" ولم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام، جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه عليها، ويقولون: إن "الله" غني والأصنام أحوج، وإن زكا الزرع الذي زرعوه للأصنام ولم يزك الذي زرعوه "لله" لم يجعلوا منه شيئا "لله"؛ وقالوا: هو غني، وكانوا يقسمون الغنم فيجعلون بعضه "لله" وبعضه للأصنام؛ فما كان "لله" أطعموه الضيفان، وما كان للصنم أنفقوه على الصنم؛ كانوا إذا اختلط ما جعل للأصنام بما جعل "لله" تعالى ردوه، وإذا اختلط ما جعل "لله" بما جعل لأصنام تركوه وقالوا: الله أغنى، وإذا هلك ما جعل للأصنام بدلوه مما جعل "لله"، وإذا هلك ما جعل "لله" لم يبدلوه بما جعل للأصنام.
وقد كان الجاهليون: يعظمون البيت بالدم، ويتقربون إلى أصنامهم بالذبائح يرون أن تعظيم البيت أو الصنم لا يكون إلا بالذبح وإن الذبائح من تقوى القلوب،
стр. 568
والذبح هو الشعار الدال على الإخلاص في الدين عندهم، وعلامة التعظيم؛ وقال المسلمون: يا رسول الله كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم فنحن أحق أن نعظمه. وكلمة قربان وجمعها قرابين، هي من أصل "ق ر ب" وقد استعملت وخصصت بهذا المعنى؛ لأنها تقرب إلى الآلهة، والقربان هو كل ما يتقرب به إلى "الله". فليس القربان خاصا بالذبائح، وإن صار ذلك مدلوله في الغالب١.
ومن القرابين ما يقدم في أوقات معينة موقتة، ومنها ما ليس له وقت محدد ثابت، بل يقدم في كل وقت، ومن أمثلة النوع الأول: ما يقدم في الأعياد أو في المواسم أو في الأشهر أو في أوقات معينة من اليوم وفي ساعات العبادات.
ومن أمثلة النوع الثاني: ما يقدم عند ميلاد مولود، أو إنشاء بناء أو القيام بحملة عسكرية أو لنصر وما شابه ذلك من أحوال٢.
الترجيب:
وشهر رجب هو من الأشهر الحرم، التي لم يكن يحل فيها القتال، وقد سمي الذبح في هذا الشهر بـ "الترجيب"؛ وقيل للذبائح التي تقدم فيه "العتائر" جمع عتيرة؛ وقد عدت العتائر من شعائر الجاهلية، وأطلق بعض علماء اللغة: كلمة العتائر على ذبح الحيوانات الأليفة، وأطلق لفظة "النافرة" على ذبح الحيوانات الوحشية، وفي الحديث: "هل تدرون ما العتيرة؟ "
وهي التي يسمونها الرجيبة؛ كانوا يذبحون في شهر رجب ذبيحة وينسبونها إليه، يقال: هذه أيام ترجيب، وتعتار.
وكانت العرب: ترجب، وكان ذلك لهم نسكا.
وكان بعض السادة: ينحرون إذا أهل الشهر الأصم: شهر رجب؛ روي أن حاتما الطائي كان ينحر إذا أهل الشهر -ينحر عشرا من الإبل، ويطعم الناس لحومها؛ وذلك لحرمته ومنزلته عنده، ولتعظيم مضر، فهو من شهور مضر الخاصة.
وأصل النسك: الدم، وبهذا المعنى ورد: من فعل كذا وكذا فعليه نسك: أي دم يهريقه.
стр. 569
والنسيكة: الذبيحة، ومنسك: الموضع الذي تذبح فيه النسيكة وهذا هو المعنى القديم الأصلي للكلمة.
وقد صار من معانيها في العربية الشمالية: العبادة والطاعة وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى؛ لما كان للذبح من شأن في الديانات القديمة بحيث كان يعد عبادة أساسية عندها؛ ولذلك قيل: لمن انصرف إلى التعبد الناسك، وقد فسر علماء التفسير لفظة نسك الواردة في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ بذبح ذبيحة شاة أو ما فوق ذلك١.
وقد أبطل الإسلام "الرجيبة" وهي العتيرة كما أبطل "الفرع"؛ وهو: ذبح أول نتاج الإبل والغنم لأصنامهم؛ فكانوا يأكلونه ويلقون جلده على الشجر.
ويذكر: أنهم كانوا إذا أرادوا ذبح "الفرع" زينوه، وألبسوه؛ ليكون ذلك أوكد في نفوس الآلهة، وتعريفًا للناس؛ وكانوا يفعلون ذلك تبركا؛ وفي الحديث: "لا فرع ولا عتيرة"، والعتائر: الذبائح التي كانوا يذبحونها عند أصنامهم وأنصابهم في رجب وفي غير رجب، والتي كانوا يلطخون بدمائها الصنم الذي كانوا يعترون له.
وأما الرجيبة: فهي العتائر التي تعتر في رجب خاصة، وقد كانت كثيرة، ولذلك نسبت إلى هذا الشهر، ونظرا إلى كون "الرجبية" عتيرة ذهب البعض إلى أن "العتيرة" الرجبية، فطن أنهم قصدوا بذلك أن "العتيرة" هي "الرجيبة"، مع أن "الرجيبة" من العتائر، وليست مساوية لها٢.
ولم تكن للجاهليين أحكام في الحلال الحرام بالنسبة إلى المأكول على ما يظهر، بل كان مرجع الحرمة والإباحة عندهم إلى عرف القبائل.
وذكر: أن أناسا من المشركين دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: "الله قتلها"؛ قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الله حرام؟
وذكر أن فارس أوحت إلى أوليائها من مشركي قريش: أن خاصموا محمدا، وقولوا له: إن ما ذبحت فهو حلال، وما ذبح الله بشمشار من ذهب فهو حرام؟ فوقع
стр. 570
في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء فقد كانت قريش تأكل كل شيء من ميتة ومختنقة ومن نطيحة، وما أكل السبع، وما أهل به للصنم.
فنزل تحريم ذلك في الإسلام١.
стр. 571
المقدس وغير المقدس:
قد تعرض اليعقوبي لموضوع أديان العرب، وشعائرها فقال: كانت أديان العرب مختلفة بالمجاورات لأهل الملل، والانتقال إلى البلدان والانتجاعات؛ فكانت قريش وعامة ولد معد بن عدنان على بعض دين إبراهيم، يحجون البيت ويقيمون المناسك، ويقرون الضيف، ويعظمون الأشهر الحرم، وينكرون الفواحش، والتقاطع، والتظالم، ويعاقبون على الجرائم، فأدخل في الدين أمورًا نعدها اليوم من الأعراف وقواعد الأخلاق والسلوك وجعلها من سنة إبراهيم: أي دين العرب القديم قبل إفساده بالتعبد للأصنام.
وذكر "السكري" أن العرب كانت دون من سواها من الأمم تصنع عشرة أشياء منها في الرأس خمسة وهي: "المضمضة، والاستنشاق، والسواك، والفرق، وقص الشارب".
وفي الجسد خمسة وهي: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبطين وتقليم الأظافر والاستنجاء".
خصت بهذا العرب دون الأمم١.
الحيوانات المقدسة:
ومن النذور والقرابين ما يكون حيوانات حية.
وقد أشير في القرآن الكريم: إلى البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَة﴾ ... إلخ٢.
فأما البحيرة:
فالناقة، أو الشاة تترك فلا ينتفع من لبنها، ولا تحمل، ولا تركب وترعى، وترد الماء فلا تُرَدُّ؛ فإذا ماتت حرموا لحمها على النساء، وأباحوه على الرجال، ذلك بعد أن تنتج خمسة أبطن أو عشرة أو ما بين ذلك.
стр. 572
وقيل أيضا: الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس، فإذا كان ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء جميعا، وإن كانت أنثى شقوا أذنها فتلك "البحيرة".
وقيل "البحيرة": هي التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحتلبها أحد من الناس.
وقال بعض العلماء: "البحيرة" هي ابنة السائبة١.
وورد في الأخبار: أن أول من بحر البحائر، رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان فجدع آذانهما وحرم ألبانهما، وظهورهما، وقال: هاتان "لله"؛ ثم احتاج إليهما، فشرب ألبانهما وركب ظهورهما.
كما نسب التبحير: إلى "عمرو بن لحي"؛ إذ قيل إنه كان أول من بحر البحيرة٢.
السائبة:
أما السائبة فهي: الناقة، أو البعير، أو الدابة تترك لنذر، أو بعد بلوغ نتاجها حدا معلوما. فلا تركب، ولا يحمل عليها، ولا تمنع من ماء وكلأ، وتترك سائبة لا يحل لأحد كائنا من كان مخالفة ذلك.
وكان الرجل في الجاهلية: إذا قدم من سفر بعيد، أو برئ من علة قال: ناقتي سائبة؛ أي: تسيب فلا ينتفع بظهرها، ولا تركب، وأغير على رجل من العرب فلم يجد دابة يركبها؛ فركب سائبة فقيل: أتركب حراما؟ فقال: يركب الحرام من لا حلال له، فذهبت مثلا، ويذكر أهل الأخبار: إن أول من سيب السوائب؛ عمرو بن عامر الخزاعي؛ أي عمرو بن لحي أخو بني كعب، وهو أول من غيَّر دين إبراهيم٣.
الوصيلة:
أما الوصيلة: فالناقة التي وصلت بين عشرة أبطن، أو الشاة التي وصلت سبعة أبطن.
وفي رواية: إن الشاة إذا ولدت ستة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذبح، وأكل منه الرجال، والنساء.
стр. 573
وإن كان أنثى تركت في الغنم.
وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، ولم يذبح، وكان لحمه حرامًا على النساء.
وفي رواية: إن لبن الوصيلة حلال على الرجال دون النساء، قالوا: الوصيلة: الشاة إذا أتمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن، ليس بينهن ذكر، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث، إلا أن يموت شيء منها فيشترك في أكله ذكورهم وإناثهم١.
الحام:
وأما "الحام": فالبعير إذا نتج عشرة أبطن من صلبه.
قالوا: قد حمى ظهره؛ فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من مرعى.
وقالوا: "الحام" من الإبل؛ كان الفحل إذا انقضى ضرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس وسيبوه.
وقالوا: "بل الحام" إن الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهم أنثى حمى ظهره، ولم يركب، ولم يجز وبره، ويخلى في إبله يضرب فيها، لا ينتفع به بغير ذلك.
وذكروا: أن أول من حمى الحامي: هو عمرو بن لحي، وذلك في سنن أخرى سنها لأهل الجاهلية٢.
السدنة:
"السدنة" قومه لأصنام، متولو أمرها.
و"السدانة" تنتقل بالإرث من الآباء إلى أكابر الأبناء، وتحصر في الأسرة فتكون من حقها، ومن نصيبها، لا يمكن انتزاعها منها إلا بالقوة.
ومن واجب العشيرة التي تنتمي هذه الأسرة إليها الدفاع عنها إن حاول غريب انتزاع هذا الشرف منها.
стр. 574
لقد كانت سدانة الكعبة: في بني عبد الدار، وكانت حجابة "ود" في دومة الجندل إلى بني عامر بن الأحوص من كلب، وكانت سدنة "العزى" من بني صرمة بن مرة.
وكانت سدنة "جهار" من آل عوف من بني نضر.
وكان سدنة "سواع" بنو صاهلة من هذيل.
وكان سدنة بيت الربة؛ أي الشمس من بني أوس بن مخاش.
وكان سدنة "مناة" الغطاريف، وسدنة "ذو الخلصة" بنو هلال بن عامر، وسدنة "المحرق" آل الأسود.
ولا بد من إدخال: النسأة في رجال الدين، فقد كان الناسئ هو الذي ينسئ النسيء؛ يعين موسم الحج ويثبته للناس.
فهو -إذن- فقيه القوم، وعالمهم ومفتيهم في أمر الحج.
وقد أشار السكري إلى أئمة العرب، فذكر أنهم الذي تولوا أمر المواسم، وأمر القضاء بعكاظ، والذين كانوا سدنتهم على دينهم وأمناءهم على قبيلتهم؛ وكانوا من قريش، والذين تولوا الإفتاء في دينهم؛ وهم من بني مالك بن كنانة.
ولما تحدث عن النسأة قال: نسأة الشهور من كنانة، وهم القلامسة، واحدهم قلمس، وكانوا فقهاء العرب، والمفتين لهم في دينهم١.
ومن الصعب تصور وجود طبقة خاصة كبيرة لرجال الدين على نحو ما كان عند المصريين مثلا أو الأشوريين أو البابليين، أو اليونان أو الرومان، أو في الكنيسة؛ بسبب النظام القبلي الذي كان غالبًا على جزيرة العرب، وصغر المجتمعات الحضرية؟ فالأصنام هي أصنام محلية، أصنام قبيلة، لذلك كان عبدتها هم عبدة القبيلة أو القبائل المتعبدة لها٢.
شعائرهم الدينية:
ذكر اليعقوبي: أن العرب كانت إذا أرادت حج البيت الحرام وقفت كل قبيلة عند صنمها وصلوا عنده ثم تلبوا.
стр. 575
وقد أشير إلى سجود الناس للشمس والقمر في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَار﴾ ١ إلخ الآية.
كما أشير إلى سجود أهل سبأ إلى الشمس في قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ ٢ إلخ الآية.
الصوم:
قد ذكر الصوم في السور المدنية، أما في السور المكية فقد ذكر مرة واحدة في سورة مريم في قوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ ٣ الآية.
وقد حددت السور المدنية أصول الصيام في الإسلام.
والصوم المعروف عند اليهود، والنصارى: معروف عند أهل الجاهلية الذين كان لهم اتصال واحتكاك بأهل الكتاب؛ فقد كان أهل يثرب مثلا على علم بصوم اليهود؛ بسبب وجودهم بينهم.
وكان عرب العراق، وبلاد الشام على علم بصوم النصارى؛ بسبب وجود قبائل عربية متنصرة بينهم.
وكان أهل مكة، ولا سيما الأحناف منهم، والتجار على معرفة بصيام أهل الكتاب والرهبان المتمثل في السكوت والتأمل والجلوس في خلوة للتفكير في ملكوت السماوات والأرض.
ويظهر من أخبار أهل الأخبار أن من الجاهليين من اقتدى بهم، وسلك مسلكهم. فكان يصوم صوم السكوت والتأمل والامتناع عن الكلام، والانزواء في غار حراء وفي شعاب جبال مكة.
стр. 576
وذكر بعضهم: كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية اقتداء بشرع سابق، وكان النبي ﷺ يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه على عادته وأمر أصحابه بصيامه في أول السنة الثانية؛ فلما نزل رمضان: كان من شاء صام يوم عاشوراء، ومن شاء لا يصومه، وعللوا سبب صيام قريش هذا اليوم: أنه كان أصابهم قحط؛ ثم رفع عنهم فصاموه شكرًا١.
ورواية: أن قريشا كانت تصوم في يوم عاشوراء لا تتفق مع الروايات الأخرى في كيفية فرض صيام شهر رمضان.
ففي هذه الرواية: أن النبي ﷺ حين قدم المدينة رأى يهود تصوم يوم عاشوراء، فسألهم فأخبروه أنه اليوم الذي غرق "الله" فيه في آل فرعون، ونجي موسى ومن معه منهم؛ فقال: نحن أحق بموسى منهم فصامه، وأمر الناس بصومه؛ فلما فرض صوم شهر رمضان لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء، ولم ينههم عنه٢.
التحنث:
كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كل سنة شهرا وكان مما تحنث به قريش في الجاهلية.
والتحنث: التبرر فكان رسول الله يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله جوارا من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعة، ثم يرجع إلى بيته.
وذكر: أن ذلك الشهر هو شهر رمضان.
وكانوا إذا تقربوا إلى صنم، أو دعوا ربهم، أو أدوا مناسك حجهم فلا يسألون ربهم إلا متاع الدنيا؛ فمن الناس من يقول: ربنا آتنا في الدنيا، هب لنا غنما، هب لنا إبلا، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ ... إلخ الآية٣.
стр. 577
بيوت العبادة:
المعبد:
هو المحور الأساسي الذي تتركز حوله الحياة في المدينة اعتقادا في أن المعبد هو بيت الإله المعبود، وهو مالك الأرض التي تدر عليهم بالخير.
ولبيوت الأصنام سدنة يحفظون الأصنام بها ويرعونها، وينقلونها معهم حيث ترحل القبيلة؛ فإذا نزلت نزلوا بها؛ ليقيموا لها الواجبات الدينية المفروضة في الخيمة المقدسة وبيوت العبادة عند الجاهليين ثلاثة أنواع:
١- بيوت عبادة خاصة بالمشركين عبدة الأصنام، وهم الكثرة الغالبة.
٢- بيوت عبادة خاصة باليهود.
٣- بيوت عبادة خاصة بالنصارى.
أما بيوت عبادة المجوس: فقد عرفت في العربية الشرقية، وفي العربية الجنوبية؛ ولكن عبادها هم من المجوس أي العجم.
فالمجوسية لم تنتشر بين العرب، ولم تدخل بينهم إلا بين عدد قليل من الناس.
والبيت: مأوى الإنسان، ومسكنه في الأصل؛ ثم تجوز الناس فأطلقوا اللفظة على المعبد باعتبار أنه بيت الآلهة أو الإله؛ لاعتقادهم أن الآلهة تحل به.
وأما الكعبة: فالبيت المربع، وكل بيت مربع كعبة عند العرب، وقد خصصت في الإسلام بالبيت الحرام بمكة.
والمسجد: كل موضع يتعبد فيه؛ وقد اسعملها الجاهليون بهذا المعنى. وذهب "كلاسر" وغيره: إلى أن مكربة Mocoraba المدينة المذكورة في جغرافيا بطليموس هي مكة؛ لأنها مقربة إلى الأصنام فهي بمعنى البيت والكعبة في لهجتنا.
ولفظة "البد" وهي تؤدي معنى صنم كذلك.
стр. 578
وذكروا أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية، عربت من "بت"، وأنها تعني البيت إذا كان فيه أصنام وتصاوير١.
والهيكل: من الألفاظ الدالة على موضع العبادة، استعملت لبيوت الأصنام مجازا، ولمعابد النصارى، والظاهر أن استعمالها كان عند العرب الشماليين في الغالب٢.
ومن المعابد الشهيرة: "البيت الحرام"؛ أي الكعبة مكة، ومعبد ذو الشرى بمدينة بطرا، وقد خصص هذا البيت بعبادة الإله "ذي الشرى".
وذات الكعبات: بيت كان لبكر وتغلب ابني وائل وإياد.
وكان بنجران بيت عبادة عرف: "بكعبة نجران" وهو بناء بني على هيئة الكعبة.
وقد ذكر ابن الكلبي: أن رجلًا من جهينة يقال له: عبد الدار بن حديب أراد بناء بيت بأرض من بلادهم يقال لها الحوراء؛ ليضاهي به الكعبة، حتى يستميل به العرب، فأعظم قومه ذلك وأبوا عليه، ونجد في كتاب الأصنام لابن الكلبي، وفي كتب أهل الأخبار: أسماء مواضع ذكر أنها كانت بيوت عبادة حج إليها العرب حجهم لمكة.
وذكر: أن قريشا بنت للعزى بيتًا بوادي حراض بإزاء الغمير، وحمت له شبعا من وادي حرا يقال له سقام يضاهون به الكعبة، وقد حجت إليه، وكانت تنحر عنده، ويتقربون إلى العزى بالذبائح٣.
المذابح:
وتلحق بالمعابد مذابح تذبح عليها القرابين، التي يتقرب بها المؤمنون إلى آلهتهم، ويقال للواحد منها: مذبح، ونصب.
стр. 579
وقد وردت كلمة النصب في آية اللحوم المحرمات التي لا يجوز أكلها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ١ ... إلخ الآية.
سدنة الآلهة:
ولبيوت العبادة سدنة، وحجبة وخدم يقومون كلهم بخدمة البيت وما فيه من الأصنام؛ ويعبر في عربيتنا عن الذي يتولى أمر الصنم بـ "السادن"، "سادن" الصنم.
وتكون وراثية في الأغلب تنتقل في أفراد العائلة من الأب إلى ابنه الأكبر، أو إلى غيره من البارزين في الأسرة.
وكانت السدانة واللواء بمكة لبني عبد الدار في الجاهلية، فأقرها النبي لهم في الإسلام؛ فكان إليهم أمر مفتاح البيت.
الكعبة:
يذكر أهل الأخبار: أن أهل مكة استعانوا بتسقيف البيت بخشب سفينة رجل من تجار الروم، رمى البحر بسفينته إلى الساحل إلى الشعبية، وهو مرفأ السفن من ساحل الحجاز، وكان مرفأ مكة، ومرسى سفنها قبل جدة -فجاؤوا بالخشب إلى مكة، وكان بها نجار قبطي، استعين به في تسقيف البيت بذلك الخشب.
وذكر: أن الذي سقف البيت "علج"؛ كان في السفينة يحسن النجارة اسمه "باقوم" فجيء به مع الخشب، وسقف الكعبة؛ وقد سألهم عن كيفية تسقيفها هل يجعل السقف قبة، أو مسطحا؟ فأمروه أن يكون مسطحا فعمله على ما أمروه به.
ويذكرون: أن قريشا حين أرادوا بناء الكعبة؛ أتى "عبد الله بن هبل" ومعه مال فقال: دعوني أشرككم في بنائها؛ فأذنوا له، فبنى الجانب الأيمن؛ فلبني كلب يد بيضاء في نصرتهم لقريش حين بنوا الكعبة، وصاحب هذا الخبر هو: "ابن الكلبي"، ولا أستبعد أن يكون خبره هذا من وحي العاطفة نحو قومه الكلبيين٢.
стр. 580
وقد زوقت الكعبة بعد حريق -زوق سقفها وجدرانها من بطنها ودعائمها، وجعلت في دعائمها، وجعلت في دعائمها صور الأنبياء وصور الشجر، وصور الملائكة؛ فكان فيها صورة "إبراهيم خليل الرحمن" شيخ يستقسم بالأزلام، وصورة "عيسى بن مريم" وأمه، وصورة الملائكة ﵈ أجمعين؛ فلما كان يوم فتح مكة: دخل رسول الله البيت؛ فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم؛ ثم أمر بثوب فيبل بالماء، وأمر بطمس تلك الصور فطمست؛ ووضع كفيه على صورة عيسى "ابن مريم" وأمه ﵉، وقال: امح جميع الصور إلا ما تحت يدي؛ فرفع يديه عن "عيسى بن مريم" وأمه، ونظر إلى صورة إبراهيم فقال: قاتلهم الله، جعلوه يستقسم بالأزلام، وما لإبراهيم والأزلام١.
لقد ذهب يولهوزن: إلى أن قدسية البيت عند أهل الجاهلية لم تكن بسبب الأصنام التي فيه، بل كانت بسبب هذا الحجر.
لقد كان هذا الحجر مقدسا في ذاته، وهو الذي جلب القدسية للبيت فصار البيت نفسه مقدسا في حد ذاته بحجره هذا الذي هو فيه، ولعله شهاب نيزك، أو جزء من معبود مقدس قديم.
وقد ذهب بعض المستشرقين: إلى أن البيت لم يكن إلا بمثابة إطار للحجر الأسود، الذي كان من أهم معبودات قريش؛ لأنه يمثل بقايا حجر قديم كان مقدسًا عند قدماء الجاهليين؛ غير أنه لم يكن معبود قريش الوحيد٢.
الكسوة:
وذكر أن أول من كسا البيت الحرير: "نتيلة بنت ناب بن كليب"، وهي من بني عامر المعروف بالضحيان، وكان من ملوك ربيعة، وكان العباس بن عبد المطلب ابنها قد ضاع وهو صغير، فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير فكسته، فهي أول من كساه ذلك.
стр. 581
وقيل: أول من كسا البيتَ الديباجَ: "خالدُ بن جعفر بن كلاب"؛ أخذ لطيمة من البر، وأخذ فيها أنماطا فعلقها على الكعبة١.
الحج والعمرة:
وكلمة "حج" من الكلمات السامية الأصلية العتيقة.
وقد وردت: في كتابات مختلف الشعوب المنسوبة إلى بني سام، كما وردت في مواضع من أسفار التوراة، وهي تعني قصد مكان مقدس وزيارته.
ويكون الحج بأدعية، وبمخاطبة إلى الآلهة، وبتوسلات؛ لتتقبل حج ذلك الشخص، الذي قصدها تقربا إليها.
وقد ميز الشهر الذي يقع فيه الحج عن الأشهر الأخرى بتسميته شهر "ذي الحجة" "شهر الحج"؛ وذلك لوقوع الحج فيه.
وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات﴾ ٢، قال الطبري: اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات﴾ فقال بعضهم: يعني بالأشهر المعلومات شوالا، وذا القعدة، وعشرًا من ذي الحجة.
جعلهن الله تعالى للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح أن يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحج، والعمرة يحرم بها في كل شهر.
والحج إلى "مكة"، وإلى البيوت المقدسة الأخرى مثل بيت "اللات" في الطائف، وبيت "العزى" على مقربة من عرفات، وبقية البيوت الجاهلية المعظمة إنما هو أعياد يجتمع الناس فيها للاحتفال معا بتلك الأيام، وهم بذلك يدخلون على أنفسهم وعلى أنفس آلهتهم بحسب اعتقادهم، وتقترن هذه الاحتفالات بذبح الحيوانات كل يذبح على قدر طاقته ومكانته.
стр. 582
والطواف بالبيوت وبالأصنام ركن من أركان الحج، ومنسك من مناسكه، وكانوا يفعلونه كلما دخلوا البيت الحرام؛ فإذا دخل أحدهم البيت الحرام، وإذا سافر أو عاد من سفر فأول ما كان يفعله الطواف بالبيت؛ وقد فعل غيرهم فعل قريش ببيوت أصنامهم؛ إذ كانوا يطوفون حولها كالذي يفعله أهل يثرب من: طوافهم "بمناة"١.
إن الطائفين بالبيت كانوا صنفين: صنف يطوف عريانا، وصنف يطوف في ثيابه؛ ويعرف من يطوف بالبيت عريانا "بالحلة" أما الذين يطوفون بثيابهم فيعرفون "بالحمس".
وأضاف بعض أهل الأخبار: صنفًا ثالثًا قالوا له: "الطلس" وقبائل الحلة من العرب: تميم بن مر كلها غير يربوع، ومازن وضبة، وحميس، وقيس عيلان بأسرها ما خلا ثقيفًا، وعدوان وغيرهم وغيرهم٢.
وقد ذكر هذه الأسماء: "محمد بن حبيب"؛ وذكرها: "اليعقوبي" وهم يذكرون أن "الحلة" هم ما عداد الحمس".
وإنهم كانوا يطوفون عراة إن لم يجدوا ثياب أحمسي، وكانوا يقصدون من طرحهم ثيابهم طرحهم ذنوبهم معها.
ويذكرون أنهم كانوا يقولون: لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب، ولا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها؛ فيلقون الثياب عنهم، ويسمون ذلك الثوب اللقى.
كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون بالبيت عراة، إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء؛ فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبًا، ولا يسار يستأجر به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانا؛ وإما أن يطوف في ثيابه؛ فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه؛ فلم يمسه أحد، وكان ذلك الثوب يسمى اللقى.
стр. 583
وجاء في رواية: أن الحمس كانوا يقولون: نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا١.
وللجاحظ ملاحظات قيمة عن قريش لها صلة بالتحمس، وقد تفسر لنا معنى: "التحمس"، وسبب شموله أناسًا هم من غير قريش.
ذكر: أن الإسلام لَمَّا ظهر لم تكن هنالك أية امرأة قرشية كانت مسبية عند غير قريش؛
ولم تكن هنالك أية امرأة مسبية في أيدي القبائل وأمها من قريش.
ويذكر أيضا: أن قريشا لم تكن تزوج بناتها من أبناء أشراف القبائل حتى تشترط عليهم أن من تلد منهن فيكون من يلدن من الحمس، أما هم فكانوا إذا تزوجوا من بنات قبائل أخرى؛ فإنهم لم يشترطوا على أنفسهم أي شرط.
وكان من هذه القبائل: عامر بن صعصعة، وثقيف، وخزاعة، والحارث بن كعب؛ وكانوا ديانين، وكانوا على دين قريش في أمورها؛ وكانت قريش كريمة، ولم ترض بالغارات، والغزو ولا بالظلم، ولم تقبل بالوأد، ولا بالدخول بمن يقع في أيديهم أسرى من النساء، وكان من فضائلهم: أن منَّ الله عليهم بالإيلاف؛ فأغناهم وجعلهم "لقاحًا" فلم يخضعوا لملك، ولم يستبعدهم سلطان أجنبي، ولم يدفعوا أي شيء عنهم لملك من الملوك؛ بل كانت الملوك تأتي إلى مكة، وتعظم البيت، وتحرم سكانه؛ وهم قريش "الحمس"٢.
الطلس:
أما "الطلس" فقد وصفهم محمد بن حبيب بقوله: إنهم بين الحلة والحمس، يصنعون في إحرامهم ما يصنع الحلة، ويصنعون في ثيابهم ودخولهم البيت ما يصنع الحمس.
وكانوا لا يتعرون حول الكعبة، ولا يستعيرون ثيابا، ويدخلون البيوت من أبوابها، وكانوا لا يئدون بناتهم، وكانوا يقفون مع الحلة، ويصنعون ما يصنعون؛ وهم سائر أهل اليمن وأهل حضرموت، وعجيب، وإياد بن نزار٣.
стр. 584
وقد ذكر علماء التفسير: أن قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ١ نزلت في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا، فكانوا يبقون عالة على الناس؛ فنهوا عن ذلك، وأمروا بالزاد، وكان النبي ﷺ في مسيره راحلة عليها زاد وفد عليه ثلثمائة رجل من مزينة؛ فلما أرادوا أن ينصرفوا قال: يا عمر زود القوم.
كما روى البخاري: عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس٢.
التلبية:
قد تعرض اليعقوبي لموضوع التلبية فقال: فكانت العرب إذا أرادت الحج إلى بيت الله الحرام، وقفت كل قبيلة عند صنمها، وصلوا عنده، ثم لبوا حتى يقدموا مكة؛ فكانت تلبياتهم مختلفة.
وكانت تلبية قريش: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.
وكانت تلبية كنانة: لبيك اللهم لبيك، اليوم يوم التعريف، يوم الدعاء والوقوف.
وكانت تلبية بني أسد: لبيك اللهم لبيك، يا رب أقبلت بنو أسد أهل النوائب والوفاء والجلد إليك.
وكانت تلبية بني تميم: لبيك اللهم لبيك، لبيك عن تميم، قد تراها قد أخلقت أثوابها، وأثواب من وراءها، وأخلصت لربها دعاءها.
والتلبية: إجابة المنادي، أي: إجابة الملبي ربه، وقولهم: "لبيك اللهم لبيك".
معناه: إجابتي لك يا رب، وإخلاصي لك.
وقد كان الجاهليون يلبون لأصنامهم تلبيات مختلفة٣.
стр. 585
والتلبية هي من الشعائر الدينية التي أبقاها الإسلام؛ غير أنه غير صيغتها القديمة، بما يتفق مع عقيدة التوحيد؛ فصارت على هذا النحو: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"١.
الإفاضة:
ومن عرفة تكون الإفاضة إلى المزدلفة، وإن "قصي بن كلاب" كان قد أوقد نارًا على المزدلفة حتى يراها من دفع من عرفة؛ وإن العرب سارت على سنته هذه، وبقيت توقدها حتى في الإسلام.
ويفيض الحجاج في الجاهلية عند طلوع شمس اليوم العاشر من ذي الحجة من المزدلفة إلى منى لرمى الجمرات، ولنحر الأضحية٢.
وقد ذكر العلماء: أن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير، وأن النبي ﷺ خالفهم حين أسفر قبل طلوع الشمس، ورمي الجمرات بمنى من مناسك الحج وشعائره.
وكلمة "رجم": من الكلمات السامية القديمة، وقد وردت: في حديث عبد الله بن مغفل -لا ترجموا قبري- أي لا تجعلوا عليه الرجم وهي: الحجارة على طريقة أهل الجاهلية، ولا تجعلوه مسنمًا مرتفعًا، وقد فعله أهل الجاهلية على سبيل التعظيم؛ فكان أحدهم إذا مر بقبر وأراد تقدير صاحبه، وتعظيمه، وضع "رجمة، أو رجاما عليه"٣.
ويرجع أهل الأخبار مبدأ رمي الجمرات إلى -عمرو بن لحي- يذكرون: أنه جاء بسبعة أصنام، فنصبها بمنى عند مواضع الجمرات وعلى شفير الوادي، ومواضع أخرى، وقسم عليها حصى الجمار، إحدى وعشرون حصاة؛ يرمى كل منها بثلاث جمرات.
стр. 586
ويظهر من الروايات الواردة عن: "ثبير" أنه كان من المواضع المقدسة عند الجاهليين؛ أو أن على قمته صنمًا أو بيتا كانوا يصعدون إليه لزيارته، وللتبرك به١.
وكان الجاهليون يقلدون هديهم بقلادة، أو بنعلين يعلقان على رقبتي الهدى إشعارا للناس بأن الحيوان هو هدى، فلا يجوز الاعتداء عليه، كما كانوا يشعرونه، والإشعار: الإعلام، وهو أن يشق جلد البدنة، أو يطعن في أسنمتها في أد الجانبين بمبضع أو نحوه وقيل في سنامها الأيمن؛ حتى يظهر الدم ويعرف أنها هدى، والشعيرة: البدنة المهداة٢.
العمرة:
العمرة: هي بمثابة الحج الأصغر في الإسلام؛ وكان أهل الجاهلية يقومون بأدائها في شهر رجب٣.
أما بالنسبة إلى الجاهليين: فيظهر من ذكره العمرة في القرآن الكريم أنهم يؤدونها كما كانوا يؤدون الحج، ولوقوعها في شهر رجب، وهو شهر كان الجاهليون يذبحون العتائر فيه، لعلنا لا نخطئ إذا قلنا: إنهم كانوا يذبحون ذبائحهم في العمرة حينما يأتون أصنامهم فيطوفون حولها؛ أما في الإسلام فالعمرة دون الحج؛ وإذا كانت في شهر رجب في الجاهلية كانت حجا خاصًا مستقلا عن الحج الآخر، الذي يقع في شهر ذي الحجة.
حرص الجاهليون على: ألا يوافق موعدها مواسم الحج لما كان لها من أهمية عظيمة عندهم فلا تزيد على الطواف المألوف في شهر الحج٤.
وقيل: إن من شعائر الجاهليين في الحج: أن الرجل منهم كان إذا أحرم تقلد قلادة من شعر فلا يتعرض له أحد، فإذا حج وقضى حجه تقلد قلادة من "إذخر".
стр. 587
والإذخر: نبات ذكي الرائحة وأن الرجل منهم يقلد بعيره، أو نفسه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يخاف من أحد، ولا يتعرض له أحد بسوء.
وتذكرنا هذه العادة بما يلبسه بعض الحجاج عند إتمامهم حجهم، وعودتهم إلا بلادهم من لباس: كوفية خاصة بأهل مكة ومن عقال حجازي؛ وذلك بالنسبة للرجال، وخمار أبيض بالنسبة للنساء، وذلك طيلة الأيام السبعة الأولى من احتفالهم بالعودة من الحج.
стр. 588
رمزياتهم:
الاختلاف في النفس عند العرب في الجاهلية:
يقول المسعودي: كانت للعرب مذاهب في الجاهلية في النفوس، وآراء يتنازعون في كيفياتها:
١- فمنهم من زعم أن النفس هي الدم لا غير، وأن الروح والهواء الذي في باطن جسم المرء منه نفسه.
ولذلك سموا المرأة منه نفساء؛ لما يخرج منها الدم، ومن أجل ذلك تنازع فقهاء الأمصار فيما له نفس سائلة إذا سقط في الماء: هل بنجسه أم لا؟
وقال تأبط شرا لخاله الشنفرى الأكبر وقد سأله عن قتيل قتله: كيف كانت قصته؟ فقال: ألقمته عضبا، فسال نفسه سكبا، وقال: إن الميت لا ينبعث منه الدم ولا يوجد فيه أبدا في حالة الحياة. وطبعة الحياة: النماء مع الحرارة والرطوبة؛ لأن كل حي فيه الحرارة ورطوبة فإذا ما بقي اليبيس والبرد نفيت الحرارة.
وقال ابن براق بن كلعة:
وكم لاقيت ذا نجب شديد ... تسيل به النفوس على الصدور
إذا الحرب العوان به استهامت ... وحال فذاك يوم قمطرير
٢- وطائفة منهم تزعم أن النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان فإذا مات أو قتل لم يزل مطبقا به متصورا إليه صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشًا.
стр. 589
وفي ذلك يقول بعض الشعراء وذكر أصحاب الفيل:
سلط الطير والمنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام
البعث:
لم يكن كثير من الجاهليين يؤمنون بالبعث؛ كما يتبين ذلك من القرآن الكريم.
لقد كانوا يرون أن: الموت نهاية؛ وأنهم غير مبعوثين، وأن البعث بعد الموت شيء غير معقول؛ لذا تعجبوا من قول النبي بوجود البعث والحساب؛ ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ١ ... إلخ الآية، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ٢، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ٣ ... إلخ الآية.
ونجد: رأي الناكرين للبعث في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ٤ ... إلخ الآية.
فهم يقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ويحيا أبناؤنا بعدنا فجعلوا حياة أبنائهم بعدهم حياة لهم؛ لأنهم منهم، وبعضهم؛ فكأنهم بحياتهم أحياء.
والدهر: الزمان، هو الذي يهلك ويفنى، فالحياة بهذا المعنى فعل مستمر، وتطور لا ينتهي؛ يهلك جيل؛ ليأخذ محله الجيل الذي نبت منه، وكل يأخذ دوره في الحياة فإذا انتهى دور إنسان قام بدوره نسله، وهكذا، وبهذا المعنى تفسير الحياة، ويفسر الموت.
الروح والنفس والقول بالدهر:
الرجعة:
واعتقد قوم من العرب في الجاهلية بالرجعة، أي: الرجوع إلى الدنيا بعد الموت فيقولون: إن الميت يرجع إلى الدنيا كرة أخرى، ويكون فيها حيا كما كان.
стр. 590
ولما توفي رسول الله ﷺ قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي، وإن رسول الله والله ما مات؛ ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، يزعمون أن رسول الله مات، ثم جاء أبو بكر وعمر يكلم الناس فقال: على رسلك يا عمر؛ فانصت فأبى إلا أن يتكلم؛ فلما رآه أبوبكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه، وتركوا عمر؛ فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس؛ إنه من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت؛ ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول﴾ ١ ... إلخ. وقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها، فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله قد مات.
وقد اعتقد بعض الجاهليين "بالمسخ" وهو: تحول صورة إلى صورة أخرى أقبح، وتحول إنسان قردًا أو حيوانًا آخر، أو إلى شيء جماد؛ من ذلك ما يراه بعض أهل الأخبار عن "اللات" من أنه كان رجلا يلت السويق عند صخرة بالطائف؛ فلما مات قال لهم: عمرو بن لحي: إنه لم يمت، ولكنه دخل الصخرة، ثم أمرهم بعبادته، وبنى بيتا عليها يسمى "اللات"٢.
стр. 591
تسخير عالم الأرواح:
لم يتوصل الباحثون حتى الآن إلى رأى ثابت في أصل كلمة "الجن".
فمنهم من رأى أنها اسم صنم من أصنام العرب القديمة، ومنهم من رأى أنها من أصل أعجمي؛ ومنهم من وجد لها صلة بالحبشية.
أما علماء اللغة فرأوا: أن معنى الكلمة الأصلى هو الاستتار، وأنها من الاجتنان، ولعدم إمكان رؤية ذلك العالم أطلقت عليه كلمة "الجن"؛ وتقابل لفظة "الجن" لفظة "Demons" الإنجليزية ويرى "نولدكه": أن فكرة الجن فكرة
стр. 592
استوردها العرب من الخارج بدليل قولهم: إن الجنة من عمل الجن، ومن تلبس الجن بالإنسان، وهي في نظره عقيدة قديمة دخلت العرب من جيرانهم الشماليين، فقد كان الإيرانيون يطلقون على المجنون لفظة: "ديوانة" أي الذي به "ديو" من الأصل "ديوة" ومعناه الجان.
ومن هذه الفكرة دخلت العهد الجديد من الكتاب المقدس.
ويأتي "نولدكه": بدليل آخر على إثبات نظريته في أن فكرة "الجن" فكرة مستوردة، شيوع قصص بناء جن سليمان مدينة تدمر بين الجاهليين، وهو قصص ورد من قصة بناء سليمان "لتامار" في العهد القديم، وتفسير "تامار بتدمر" عند المفسرين العبرانيين، وإذا سكن الجني مع الناس قالوا: "عامر"، والجمع "عمار"؛ وإن كان ممن يعرض للصبيان فهم "أرواح"؛ فإن خبث أحدهم وتعرم فهو: "شيطان" فإن زاد على ذلك فهو: "مارد"؛ فإن زاد على ذلك فهو "عفريت"؛ فإن ظهر الجني ونظف وصار خيرا كله فهو "ملك"، وهم في الجملة "جن وخوافي" وفي القرآن الكريم: إن قريشا جعلت بين الله تعالى وبين الجنة نسبا؟ قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ ١.
وإنها جعلت: "الجن" شركاء له قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ ٢.
أي: جعلوا "لله" تعالى الجن شركاء في عبادتهم إياه، وخرقوا له بنين وبنات، وتخرصوا لله كذبا؛ فافتعلوا له بنين وبنات وجهلا وكذبا. وورد: أن الله -تعالى- تزوج الجن، وأن الملائكة هم بناته من هذا الزواج؛ وقال كبار قريش: الملائكة بنات الله فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: بنات سراة الجن، ويفهم من القرآن الكريم أيضا: أن من العرب من كان يعبد الجن. قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ ٣ إلخ الآية.
стр. 593
وذكر ابن الكلبي: أن بني مليح من خزاعة كانوا: ممن تعبد الجن من الجاهليين؛ ويزعمون أن الجن تتراءى لهم، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ١.
وذكر: أن قبائل من العرب عبدت الجن، أو صنفا من الملائكة يقال لهم: الجن، ويقولون هم بنات الله؛ فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢ إلخ الآية.
وقد يقع الحب بين الجن والإنس، فقد ذكر: أن الجنية قد تتبع الرجل تحبه، ويقال لها تابعة، ومن ذلك قولهم: معه تابعة أي من الجن، والتابعة جنية تتبع الإنسان، كما يكون للمرأة تابع من الجن، يتبع المرأة يحبها، وقد يعشق الجن امرأة ويتصادق معها؛ هذا "منظور" الجني عشق امرأة اسمها "حبة"، وتصادق معها، فكانت "حبة" تتطبب بما يعلمها "منظور".
وأهم مواطن الجن في نظر الجاهليين: هي المواضع الموحشة، والأماكن المقفرة، التي لا تطرق إلا نادرا، والمحلات التي لا تلائم الصحة والمقابر، والأماكن المظلمة المهجورة.
وسكنت الجن المواضع المظلمة والفجوات العميقة فيها، وباطن الأرض ولذلك قيل لا: ساكنو الأرض ما سكنت المقابر.
وقد ادعى أناس من الجاهليين أنهم كانوا يرون الغيلان، والجن، ويسمعون عزيف الجان، أي صوت الجن، وقد بالغ الأعراب في ذلك، وأغربوا في قصص الجان؛ لما كانوا يتوهمونه من ظهور الأشباح لهم في تجوالهم بالفيافي المقفرة الخالية، فتصوروه جنًّا وغولا وسعالى، وبالغوا في ذلك أيضا لما وجدوه في أهل الحضر؛ ولا سيما في الإسلام من ميل إلى سماع قصص الجان، والسعالى والغول٣.
стр. 594
ونسبوا إلى الجن إحداث كثير من الأمور غير الطبيعية مثل: الأمراض والأوبئة، والصرع والاستهواء، والجنون خاصة.
فالجنون هو: تلبس الجن بالإنسان، ودخولهم جسمه؛ لذلك: ربطوا بين الجن والجنون.
ويرى "نولدكه": أن فكرة الجنون من عمل الجن عقيدة قديمة، وجدت عند غير العرب كذلك١.
الشيطان:
الشيطان -"سلطان، سطن" في العبرانية، ومعناه عدو ومشتكٌّ في هذه اللغة.
وذكر الطبري: "الشيطان" في كلام العرب: كل متمرد من الجن والإنس والدواب، وكل شيء؛ ثم قال: وإنما سمي المتمرد من كل شيء شيطانا؛ لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاق سائر جنسه وأفعاله، وبعده من الخير، وقد قيل: إنه أخذ من قول القائل: شطنت داري من دارك؛ يريد بذلك بعدت.
ومن الشياطين: شيطان اسمه "زوبعة"، وقيل هو رئيس للجن، ومنه سمي الإعصار زوبعة، ويقال: "أم زوبعة، وأبو زوبعة"، وهو الذي يثير الأعصاب حين يدور على نفسه، ثم يرتفع في السماء ساطعًا كأنه عمود.
وأما ما ورد في القصص عن الشياطين عند الجاهليين: فهو يختلف عما جاء عن الشيطان في الكتب اليهودية والنصرانية؛ مما يدل على أن منبعه منبع آخر، وأن الشيطان عند الجاهليين هو غير الشيطان المعروف عند اليهود والنصارى، الذي دخل إلى العرب قبيل الإسلام وفي الإسلام.
وقد وصف الشيطان بالقبح؛ فإذا أريد تعنيف شخص وتقبيحه قيل له: يا وجه الشيطان، وما هو إلا شيطان؛ يريدون بذلك القبح، وذلك على سبيل تمثيل قبحه بقبح الشيطان.
стр. 595
وقيل: الشيطان حية ذو عرف قبيح الخلقة، وقالوا: الشجرة تكون ببلاد اليمن لها مظهر كريه، رؤوس الشياطين؛ وبهذا لمعنى فسرت رؤوس الشياطين في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيم﴾ ١ ... إلخ الآية؛ يعني: شجرة الزقوم في قبحه وسماجته رؤوس الشياطين في قبحها؛ وذلك أن استعمال الناس قد جرى بينهم في مبالغتهم إذا أراد أحدهم المبالغة في تقبيح الشيء قال: كأنه شيطان؛ فذلك أحد الأقوال؛ والثاني: أن يكون مثل برأس حية معروفة عند العرب تسمى شيطانا٢.
وكانت الشعراء تزعم: أن الشياطين تلقي على أفواهها الشعر، وتلقنها إياه وتعينها عليه، وتدعي أن لكل فحل منهم شيطانًا يقول الشعر على لسانه؛ فمن كان شيطانه أمرد كان شعره أجود.
وقد انتقلت هذه العقيدة في إلهام الشعر للشعراء إلى المسلمين كذلك، وقد دعا جرير شيطانه الذي يلقي عليه الشعر: إبليس الأباليس.
ويكنى عن الشيطان بالشيخ النجدي، وقد أشير إليه مرارا في كتب السير والأخبار؛ أشير إليه في بنيان الكعبة؛ حين حكموا رسول الله ﷺ في أمر الركن من يرفعه فحضر في زي شيخ نجدي بين الحاضرين، وصاح: يا معشر قريش أرضيتهم أن يليه هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أسنانكم، وحضر اجتماع دار الندوة، وأيَّد قرارهم في قتله.
وذكر علماء الأخبار: أنه عرف بالشيخ النجدي؛ لأنه: تمثل نجديا، وقيل: لأن نجدا يطلع منها قرن الشيطان، ورووا أحاديث تذكر ذلك؛ وتذكر أن الفتن تخرج من المشرق والمشرق: "نجد" بالنسبة لأهل الحجاز.
وكان الكهان يستعينون بالشياطين في الإخبار عن المغيبات، يذكرون أن الشياطين يسترقون السمع من السماء؛ فيخبرونهم عن أنباء الأرض؛ وكان للكاهن "صاف بن صياد" شيطان يلقي إليه بما خفي من أخبار الأرض.
стр. 596
وإبليس من هذه الأفكار التي نفذت إلى العرب عن طريق أهل الكتاب والعلماء، على أن الكلمة معربة، وهي كذلك؛ فأصلها: ديابولس Diabolos، وهي كلمة يونانية استعملت في مقابل لفظة شيطان١.
الهاتف والرئى:
ويؤمن الأعراب بالهاتف، ويتعجبون ممن يرد ذلك، وهم يزعمون أنهم يسمعون الهاتف يخبرهم ببعض الخبر فيكون صحيحًا، وكانوا يقولون: إذا ألف الجني إنسانًا وتعطف عليه، وخبره ببعض الأخبار وجد حسه، ورأى خياله، فإذا كان عندهم كذلك قالوا: مع فلان رئى من الجن يخبره بما وقع، ويقع وعن الأسرار٢.
الملائكة:
والملائكة: هم روحانيون؛ أي من أرواح في نظر أهل الجاهلية، ويدل ورود الملائكة في مواضع عديدة من القرآن الكريم، ومن الآيات التي تشير إلى مجادلة المشركين، ومحادثتهم للرسول في الملائكة، وإن فكرة الملائكة كانت معروفة شائعة بينهم؛ وأن بعض العرب كانوا يعبدونها كما يظهر ذلك من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ﴾ إلخ الآية [سبأ: ٤٠] .
ويظهر: أن الجاهليين لم يكونوا يعرفون شيئا عن الملائكة؛ لأن الاعتقاد بالملائكة من عقيدة الديانة اليهودية، ثم النصرانية، وهم لا يعرفون الكتاب إلا من كان منهم على دين اليهودية، أو النصرانية أو كان من الحنفاء، أو على اتصال بأهل الكتاب كأمية بن أبي الصلت، وأمثاله٣.
الهامة:
الهامة وهي اليوم وكانوا يعتقدون أن الرجل إذا قتل خرجت من رأسه هامة تصيح: اسقوني اسقوني حتى يأخذ بثأره، قال ذو الأصبع العدواني:
стр. 597
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتى تقول الهامة اسقوني١
ويضيف المسعودي ص٣٦٩.
وهي أن تتوحش وتصدح وتوجد أبدًا في الديار المعطلة والنواويس وحيث مصارع القتلى وأجداث الموتى.
ويزعمون أن الهامة لا تزال على ذلك عند ولد الميت في محلته بفنائهم؛ لتعلم ما يكون بعده فتخبره به.
وحتى قال الصلت بن أمية لبنيه: هامتي تخبرني بما تستشعرون.
لنتجنب الشنعاء والمكروه.
ولما جاء الإسلام قال: لا هام ولا صفر٢.
وذكر الزبير بن بكار أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قتل الرجل ولم يؤخذ بثأره خرجت من راسه هامة وهي دودة فتدور حول قبره فتقول: اسقوني اسقوني فإن أدرك ثأره ذهبت وإلا بقيت.
قال: وكانت اليهود تزعم أنها تدور حول قبره سبعة أيام ثم تذهب.
وذكر ابن فارس وغيره من اللغويين نحو الأول إلا أنهم لم يعينوا كونها دودة، وقال القزاز: الهامة طائر من طير الليل كأنه البومة، وقال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم، يقول: نعت إلي نفسي أو أحدًا من أهل داري.
وقال أبو عبيد: كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامة فتطير ويسمون ذلك الطائر٣: الصدى.
стр. 598
ويعبر هذا عن فتن اليهود للسيطرة على عرب الجاهلية؛ لأن معنى سبعة أيام مدة زمنية كافية ليؤلب اليهود مواقع الثأر بين العرب أي على العربي أن يثأر، وبذلك أشعلوا الحرب بين الأوس والخزرج باستغلال تلك المعتقدات.
ب- الغول:
"العرب يزعمون أن الغول "السعلاة" يتغول لهم في الفلوات ويظهر لخواصهم في أنواع من الصور فيخاطبونها، وربما ضيفوها، وكانت إذا تراءت لهم في الليالي وأوقات الخلوات فيتوهمون أنها إنسان فيتبعونها فتزيلهم عن الطريق التي هم عليها وتتبعهم، وكذلك لهم اعتقادات ومزاعم في الشياطين والمردة والجن١.
يقول المسعودي: ويمكن لجميع ما قلناه مما حكيناه عما ذكرناه من أهل البقاع أن يكون ضربًا من السوانح الفاسدة والخواطر الرديئة أو غير ذلك من الآفات والأدوار المعترضة لجنس الحيوان من الناطقين وغيرهم.
ج- الهواتف والجان ٢:
أما الهواتف فقد كانت كثرة في العرب، ومن حكم الهاتفة أن يهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي، وقد كانت العرب قبل ظهور الإسلام تقول: إن من الجن من هو على صورة نصف الإنسان وأنه يظهر لهم في أسفارهم وحين خلواتهم وتسميه شقا، وذكروا أشخاصا قتلتهم الجن:
- حرب بن أمية.
- وعباس بن مرداس٣.
стр. 599
يقول المسعودي:
إن ما تذكره العرب وتنبئ به من ذلك فإنما يعرض لا من قبل التوحد في القفار، والتفرد في الأودية والسلوك في المهامه الموحشة؛ لأن الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن وتوحد وتفكر إذا هو تفكر وجل وجبن وإذا هو جبن داخلته الظنون الكاذبة والأوهام المؤذية والسوداوية الفاسدة فصورت له الأصوات ومثلت له الأشخاص وأوهمته الحال بنحو ما يعرض لذوي الوسواس، وأنتج ذلك في رأسه سوء التفكير والخروج على غير نظام قوي أو طريق مستقيم سليم؛ لأن المنفرد في القفار والمتوحد في المفاوز مستشعر للمخاوف متوهم للمتالف متوقع للحتوف؛ لقوة الظنون الفاسدة على فكره وانغراسها في نفسه فيتوهم ما يحكيه من هتاف الهواتف واعتراض الجان له.
ونضيف أن مثل هذه الأشياء تعتبر من لوازم الوثنية؛ إذ أن الإيمان بالله موجب لطرح هذه الخواطر الفاسدة.
د- التطير:
- التطير هو: أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع.
- وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، وكانوا يسمونها السانح والبارح.
فالسانح ما ولاك ميامنة بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح العكس وكانوا يتيمنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح لأنه لا يمكن رمية إلا بأن ينحرف إليه.
يقول ابن حجر: وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي شيئا مما اعتقدوه١.
وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له؛ إذا لا نطق للطير ولا تمييز فيستدل بفعله على مضمون معنى فيه. وطلب العلم من غير مكانه جهل من فاعله.
стр. 600
وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويمتدح بتركه.
قال شاعر منهم:
ولقد عدوت وكنت لا ... أعدو على وافٍ وحائمْ
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائمْ
وقال آخر:
الزجر والطير والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب أقفال
وقال آخر:
بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير
ويقول لبيد٢:
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع
سلوهن إن كذبتموني متى الفتى ... يذوق المنايا أو متى الغيث واقع؟
ويقول ابن حجر: وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين.
يقول أبو هريرة: إذا تطيرتم فأمضوا وعلى الله فتوكلوا.
وعن أبي الدرداء: لن ينال الدرجات العلا من تكهن أو استقسم أو رجع.
وعن ابن مسعود: الطيرة شرك، وما منا إلا تطير ولكن الله يذهبهن بالتوكل. من كلام ابن مسعود.
وقال ابن حجر: وإنما جعل ذلك شركا؛ لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعا أو يدفع ضرا فإنهم أشركوه مع الله.
وعن عبد الله بن عمر: من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك.
ومن علاج التطير الفأل: