← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10007

طرق تدريس التربية الإسلامية نماذج لإعداد دروسها

عبد الرشيد عبد العزيز سالم

Полный текст (328 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد اعترف بذلك المنصفون من أهل الرأي من غير المسلمين ففي المجلة الإسلامية الإنجليزية كتب "هراس ليف" يقول: "ما كان شيء في العالم ليقنعني بأن أي دين من الأديان يدعو إلى المساوة بين الناس، ولو أن بعضها يتظاهر بهذه الدعوة: فقد زرت كثيرا من الكنائس والمعابد فرأيت التفريق بين الطبقات داخل المعابد كما هو خارجها، وكان اعتقادي بالطبع أن الأمر لا بد كذلك داخل المساجد الإسلامية. ولكن ما كان أشد دهشتي حينما رأيت الشعور بالمساواة على أتمه بين المسلمين في عيد الفطر في مسجد "ووكنج بلندن" هنالك وجدت أجناسا مختلطين على اختلافهم في المراتب اختلاطا لك أن تسميه بحق أخويا، ولم أكن شاهدت مثل ذلك. ترى في المسجد نبويا من بلاد ممباسا يصافح عظيما من رجال الأعمال المصريين أو سياسيا من بلاد العرب. وقد ارتفعت الكلفة بين الجميع فلا يأنف أحدهم مهما عظم قدره من أن يجاوره في الصلاة أقل الناس شأنا, وإنك لا تجد أقل محاولة لتخطي الصفوف إلى مكان ممتاز بالمسجد؛ لأنه ليس هنالك أي مكان ممتاز. فالكل عند الله سواء لا فضل لأحد على سواه، وعندما صرح لي إمام المسجد بأن المسلمين يعتقدون رسالة جمع الأنبياء ويؤمنون بما أنزل إليهم كدت لا أصدق أذني. وكان هذا جديد استفدته عن الإسلام لذلك لم أعد أشك في أن هذا الدين يصلح لأن يكون دينا عاما". وإذا كان هذا رأي رجل غير مسلم، فحري بنا أن نعلم لماذا جعل الله ترك الصلاة عنوانا على الانغماس في الشهوات وطريقا للوقوع في الغي والضلال، وسبيلا للهلاك في الدنيا وسببا من أسباب الخلود في النار. قال تعالى في سورة مريم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾

стр. 142

وفي سورة المدثر: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ، فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ الْمُجْرِمِينَ، مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ وعرفنا أيضا أن ترك الصلاة وعدم تدبر معناها، والامتثال لها عملا وروحا يعد علامة من علامات التكذيب بيوم الدين. قال تعالى في سورة الماعون: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ وإذا اشتد الضيق بالإنسان، وأتته المحن من حيث لا يدري وتكالبت عليه الأوهام، وأصبح لا يجد لنفسه مخرجا فعليه بالصلاة، فإن فيها العزاء والفرج، والمناجاة والأمل. ولا عجب فهي لقاء مع الله الذي بيده العمر والرزق والصحة والسعادة. والرسول ﵊ يقول: "جعلت قرة عيني في الصلاة": ويقول تعالى في سورة البقرة آية ١٥٣: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ وفي الآيتين ٤٥ و ٤٦ من البقرة أيضا يقول : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وقبل أن أنهي حديثي عن الصلاة أحب أن أشير إلى أن الصلاة عبادة

стр. 143

لم تخل منها شريعة من الشرائع، فهي قديمة قبل الإسلام وكل الأنبياء والرسل أمروا بها. وعلموا قومهم إياها, وإن كانت تختلف بعض الشيء عن صلاة المسلمين. ولكنها تضم في معناها وهدفها ما تضمه الصلاة في الإسلام. وجاءت تعاليم الصلاة لرسول الله في رحلة "المعراج" وهو بين يدي ربه وأمر بنظامها وعددها وهيئتها وأوقاتها على رأي معظم الفقهاء والمفسرين ورواة الحديث. وقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على قدم هذه الفريضة، كقول سيدنا إبراهيم يدعو الله تعالى أن يأخذ بيد ولده اسماعيل وأمه بعد أن تركهما في الصحراء عند بيت الله الحرام. في سورة إبراهيم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ وحين أمر الله إبراهيم وإسماعيل ﵉ ببناء الكعبة ناداهما ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٥] . وحدثنا المولى عن عظمة إسماعيل وقيمته عند الله فقال تعالى في سورة مريم: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ ونبي الله لقمان يوصي ابنه فيقول له [سورة لقمان آية: ١٧] . ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾

стр. 144

ويأتي موسى ﵇، ويشتد الحوار بينه وبين بني إسرائيل فمرة يطيعون، ومرات يكفرون، حتى يأتيه أمر الله بميثاق وعهد يأخذه عليهم، ومن نصوص هذا الميثاق الصلاة. قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وفي سورة المائدة: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ويبث الله الطمأنينة في قلب مريم، ويخبرها بأنها طاهرة صادقة أم لنبي، وعليها أن تشكر الله على ذلك فتصلي له وتركع وتسجد، ويأتيها الخطاب بذلك من ملائكة الله الموكلين بها: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ . وحين أنطق الله عيسى وهو في مهده. كان نطقه بنبوته ثم بوصية الله له بالصلاة. التي هي عماد الدين كل دين. قال: كما جاء في القرآن الكريم على لسان عيسى ﵇ من سورة مريم: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾

стр. 145

ومن هنا يتبين لنا قيمة الصلاة عند الله، وجعلها عصب الإيمان في كل دين، وروح العقيدة في كل رسالة، وأقرب الأفعال للتقرب إليه، وأسمى الأعمال لتطهير النفس والروح، وأسهل الوسائل وأيسرها للقاء الله ورفع حاجات المرء إليه بلا خوف ولا فزع، ومن أوامر الله إلى محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ . ولهذا كله كان تدريس الصلاة في مدارسنا عملا علميا وتعبديا، يرفع مكانة المعلم والمتعلم، ويجعلنا في موقف من يحافظ على أديان الله كلها، ويصون كلمة الحق، ويحفظ لنفسه المكانة عند ربه ليلقاه طاهر النفس والروح والبدن. طريقة تدريس الصلاة في المرحلة الابتدائية: هي تلك الطريقة التجريبية القائمة على التدريب في المصلى، ومحاكاة التلاميذ لأستاذهم بعد أن يتوضأ أمامهم أكثر من مرة، ثم يطلب من بعض التلاميذ أن يحاكوه واحدا بعد واحد، ثم مجموعة بعد مجموعة، حتى يطمئن إلى أنهم قد أدركوا جميعا كيفية الوضوء. وأثناء قيام بعض التلاميذ بالوضوء يشرح المعلم للباقين ترتيب استعمال الأعضاء وكيفيته، ويناقشهم فيما يفعله زملاؤهم مبينا لهم الصواب من الخطأ، ويجب أن يكرر ذلك أكثر من مرة وفي أكثر من حصة. حتى يطمئن إلى أن التلاميذ جميعا أصبحوا يجيدون الوضوء. وفي درس الصلاة يصلي المدرس أمام التلاميذ مرة أو أكثر، ويشرح قبل أن يصلي نوع الصلاة التي سيؤديها صبحا أو ظهرا، وكيف سيؤديها،

стр. 146

ثم بعد الأداء يطلب من أحد التلاميذ ممن يجيدون الصلاة أن يصلي أمام زملائه، ويقف المدرس مع الآخرين في موقف خاضع. ثم يشرح لهم ما يفعله زميلهم، ثم يطلب من آخر أن يصلي ويلاحظه بدقة من حيث الركوع والسجود والقيام والقعود، ويصلح له خطأ كل فعل أولا بأول أمام التلاميذ حتى يدركوا مواقع الصواب والخطأ، وهكذا يتابع عملية التعلم من واحد إلى آخر حتى يصلي الجميع أمامه. وعليه أن يوجههم إلى أن هذه الصلاة تقرب العبد من ربه وتسهل له أمور دينه ودنياه، وتساعد على النجاح والفوز والسعادة. ويحثهم على أدائها في المنزل وفي المساجد في أوقاتها. ثم يتابع ذلك في حصص متفرقة حتى يطمئن إلى أن التلاميذ أجادوا أداء الصلاة وأصبحوا يحرصون عليها.

стр. 147

الزكاة من الوجهة الدينية والنفسية والجسدية والاجتهادية مدخل ... الزكاة: من الوجهة الدينية والنفسية والجسدية والاجتماعية الزكاة في الإسلام فريضة تذكر الفرد بحق الجماعة في ماله الذي منحه الله إياه، سواء كان إرثا، أو عن طريق كده وكدحه وكفاحه، وهي في جوهرها وسيلة لتعليم الإنسان أن يعمل لغيره كما يعمل لنفسه، وقد جعلها الله إحدى دعائم الإسلام الخمس ليمتحن المؤمنين فيما تهواه أنفسهم من المال والمتاع، وهي واجبة الأداء على المسلمين في أموالهم النقدية، وأعيانهم التجارية، وفي المواشي والزرع والثمر بنسب محددة لا تعجز صاحب المال، وفي نفس الوقت تقوم بحاجة الجماعة وتزيل عن الغير همه، وتساعد على إنشاء المصالح العامة في الأمة وتقرب بين القلوب، وتزيل أحقاد الطبقات، وتبني مجتمعا متحابا متعاونا. تلك هي فريضة الزكاة التي جعلها الله قرينة الصلاة في غير موضع من القرآن الكريم, والتي يطهر بها العبد ماله، كما يطهر بالصلاة روحه. وقد قاتل المسلمون من ارتدوا عنها، واعتبروا في نظرة الإيمان خارجين منه. وأبو بكر الخليفة الأول يقول: "والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة". والله ﵎ يقول في شأن الكافرين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ . ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ١.

стр. 148

والإنسان بتأديته الزكاة يحس باشتراكه في النشاط الاجتماعي، ويشعر بأنه يؤدي للمجتمع نفعا وبأنه عضو عامل في هذا المجتمع، وأنه يسعى دائما لخدمته فيدفعه ذلك إلى الانصهار مع الناس والابتعاد عن التعالي الذي هو من ويلات المجتمعات غير الإسلامية، وبالتقارب بين الغني والفقير بهذه الصورة تتوحد الإرادة وتتآلف القلوب، فينطلق المجتمع في بنائه وتقدمه من غير عقد ولا خوف. ويحل السلام في النفوس محل الحسد والحقد والضغينة. وفوق هذا فإن الغني المعطي يشعر براحة نفسية تزيل عنه حب المال وعبادته، ذلك الحب الذي يؤدي في أغلب الأحيان إلى أن يصبح مالك المال عبدا له، بدل أن يكون المال وسيلة لتحقيق مصالحه. ومما يدل على قيمة فريضة الزكاة أن الرسول ﷺ حين أرسل معاذا إلى اليمن أوصاه وصية ربط فيها بين شهادة التوحيد وبين الزكاة قال: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" ١. وأمر الله بالزكاة واضح لا يحتاج إلى اجتهاد أو خلاف فهو تعالى يقول في سورة البقرة آية ٤٣: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾

стр. 149

وفي سورة البينة آية ٥: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾

стр. 150

مقادير الزكاة: والزكاة واجبة على كل مسلم، ولو لم يبلغ الحلم، ولو كان محجورا عليه أو موكلا من يقوم بشأنه في ماله. فيجب على الوصي والوكيل أن يخرج زكاة هذا المال الموصى عليه أو الموكل فيه. وتؤدى كما يقول الشيخ محمود شلتوت١ "في الذهب والفضة. والنقد التعاملي كيفما كان والزرع والثمار، والمواشي، وعروض التجارة، وكل ما يتموله الإنسان في هذه الحياة". وهي تؤدى مرة كل عام، وفي الزروع والثمار عند تمام نموها، وكمال نضجها. ومقدارها كما جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة٢ من غير تفصيل أو إسهاب كما هو موضح في كتاب الفقه. الإبل: إذا ملك الإنسان خمسا منها يزكي عنها بشاة من الضأن أو المعز، فإذا ملك عشرا أخرج شاتين. وهكذا كلما زاد العدد زاد المطلوب إخراجه من الزكاة على تفصيل محدد في كتب الفقه. البقر وفصيلته: إذا ملك الإنسان منها ثلاثين، اخرج عنها بقرة صغيرة تابعة لأمها

стр. 151

أي: بلغت من العمر سنة واحدة، فإن ملك أربعين أخرج بقرة عمرها سنتان, وهكذا كلما زاد رأس المال زادت النسبة المطلوب الزكاة بها على تفصيل موضح في كتب الفقه. الغنم ضأنا أو معزا: إذا بلغ ملك الإنسان منها أربعين زكى عنها بشاة من الضأن أو المعز إن كانت ضأنا، فإن كانت معزا فالإخراج من المعز، وإن كانت الغنم ضأنا ومعزا فإن كان الغالب أحدهما فالشاة المخرجة تكون منه وإن تساويا مثل أن يكون عنده عشرون من الضأن، وعشرون من المعز كان محصل الزكاة بالخيار في أخذ الشاة من أي الصنفين شاء، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان. وهكذا كلما زاد العدد بقدر محدد زاد العدد المطلوب التزكية به. وأما في المال: فمن يملك اثني عشر دينارا أو جنيها أو غير ذلك من العملة المقدرة بالذهب والفضة وجب عليه أن يخرج ربع العشر إذا مضى على ملكيته لهذا المبلغ عام كامل وعلى هذا النحو تقدر الزكاة مهما بلغ مقدار المال ما دام قد مضى عليه عام كامل, وهو في حوزة صاحبه أو في البنك أو مودعا لدى آخر أو غير ذلك من الوجوه المتعارف عليها في التعامل، وهناك تفصيل أوفى عن هذا الموضوع بكتاب الفقه على المذاهب الأربعة١. وفي عروض التجارة: القماش والحديد والأخشاب والساعات والأدوات الكهربائية وغير ذلك

стр. 152

مما يتاجر فيه الناس في كل زمان ومكان فيجب أن تخرج زكاتها "ربع العشر" بعد مضي عام كامل من وقت ملك مواد التجارة بشرط بلوغها النصاب الذي تجب فيه الزكاة, وتتكرر زكاة التجارة بتكرر الأعوام ما دام النصاب كاملا، وكيفية إخراجها كما عند الشافعي١: "أن تقوم آخر العام بما اشتريت به من ذهب وفضة، أما إذا اشتراها بغير نقد فتقوم بالنقد الغالب في البلد, ولا بد في التقويم آخر الحول من عدلين؛ لأنها شهادة بالقيمة، والشاهد في ذلك لا بد من تعدده، والواجب فيها ربع العشر". ويضم الربح الناشئ عن التجارة إلى أصل المال في نهاية العام. وكذلك المال الذي استفاده من غير التجارة، وتخرج من ذلك كله. الزرع والثمار: قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ . وقال ﷺ : "ما سقت السماء ففيه العشر، وما سقى غرب "دلو" أو دالية "دولاب أو آلة". ففيه نصف العشر". وذلك إذا ما بلغ النصاب وهو مقدر عند الشافعية بأربعة آرادب وكيلتين إذا تحصل للإنسان هذا القدر من زرعه وجب عليه إخراج الزكاة العشر إن كانت أرضه تروى بالمطر أو نصف العشر إن كانت تروى بالآلة, وفي الزروع والثمار التي لا تكال، يخرج الزكاة بالطريقة السابقة إذا بلغ إنتاجه ما يعادل ٧٥٠ كيلو من الوزن الحالي. وذلك في مثل التمر والعنب والبرتقال، والخيار، والباذنجان، والرياحين، والورد، وقصب السكر وغير ذلك مما هو معروف في الزراعة الآن. وهناك تفصيل أوفى عن ذلك يرجع إليه٢.

стр. 153

والله تعالى قد بشر من يؤدي الزكاة بالفوز في الدنيا والآخرة, فقال سبحانه في سورة "المؤمنون". ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ وهذا الجزء الإلهي الذي أعده لمخرجي الزكاة، وتقديره تعالى لفعلهم يرفع الزكاة عن أن تكون إحسانا أو صدقة يتكرم بها الغني على الفقير. إنما هي حق معلوم فرضه الله ليصون كرامة الفقير، فلا يشعر بأنه موضع الصدقة والإحسان، بل صاحب حق قرره الله الذي أعطى هذا ومنع ذاك, وبهذا فإن الزكاة ليست وسيلة لمحاربة الفقر، قدر ما هي وسيلة لمحاربة جرائم الفقر، وليست منحة بقدر ما هي حق، وكل مجتمع تؤدى فيه فريضة الزكاة يشعر بالأمن والمحبة، وتزول منه دواعي الثورات المدمرة، وتمتد يد الفقير خدمة وعملا وجهادا لتنمية مال الغني، ولا تصبح الثروات مالا يكتنز في يد واحدة، بل يصبح خيرا سائلا يشد أزر الجماعة ويبني المجتمع وقد توعد الله من يمنع الزكاة بأشد عقاب وأرهبه، وسماه مكتنزا للمال. قال تعالى في سورة التوبة آية ٣٤: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ والمراد بالكنز في الآية هو كل مال لا تؤدى الزكاة فيه, وإن لم يكن مدفونا في باطن الأرض. وأما الأموال التي تؤدى زكاتها فهي ليست مكنوزة وإن كانت مكنوزة فعلا. وإن كان ذلك أيضا مكروه؛ لأن فيه حبس المال عن المنفعة التي تعود على جميع أفراد الأمة غنيها وفقيرها.

стр. 154

من تصرف لهم: وأما عن الذين تصرف لهم الزكاة فقد حددهم الله سبحانه وهو عليم بعباده. وذلك في سورة التوبة آية ٦٠: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والفقراء والمساكين: هم الذين لا يجدون ولا يستطيعون أن يحصلوا ما يقوم بحاجتهم وحاجة من يعولونهم. وقد دعانا الله في مواقف كثيرة أن نمد أيدينا إلى هؤلاء الناس, وأن نزيل عنهم حاجاتهم، فجعل معظم الكفارات تصرف لهم، كما حدد لهم أيضا حقا في الغنيمة والفيء، ووصف الذين لا يمدون العون لهم بأنهم مكذبون بالدين, قال تعالى في أول سورة الماعون: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ وليس الفقراء أو المساكين هم الذين يتصنعون ذلك في الشوارع وأمام المساجد وبين وسائل المواصلات، إنما هم الذين يعرفون بحالتهم الاجتماعية ولا يسألون الناس إلحافا. والعاملون عليها: هم الموظفون الذين تسند إليهم أمور تحصيل الزكاة من مصادرها في مواعيدها وبالمقدار الذي حدده الرسول ﷺ وقد كانت الدولة الإسلامية في أول عهدها تقوم على هذا النظام حتى جاء الوقت الذي

стр. 155

أهمل الحكام فريضة الزكاة، وعمل الجشع من الناس عمله فهجروا هذه الفريضة وأصبح الفقراء ضياعا وسط اللئام، وهؤلاء الذين كانت تنطبق عليهم هذه الصفة لم يعد لهم وجود الآن. المؤلفة قلوبهم: هم ضعفاء الإيمان الذين يخشى المسلمون عليهم أن يرتدون عن الإسلام لحاجتهم أو تحت إغراء ما، وتنطبق هذه الصفة أيضا على الداخلين في الإسلام حديثا، أو من يقوم بقضاء مصالح المسلمين الهامة. وإن كان بعض الفقهاء قد رأى إسقاط هذا الصنف من دائرة الاستحقاق؛ لأن عمر ﵁ أسقطهم بموافقة الصحابة جميعا، فإن ذلك وإن اتفق مع عصر عمر، فإنه لا يتفق مع عصرنا الحال الذي نحن فيه في أمس الحاجة إلى تأليف القلوب حول الإسلام والمسلمين لرد كيد الأعداء، ولسد الطريق على من يريدون شراء ذمم ضعاف الإيمان وتحريضهم على الخيانة والغدر, وإفساد روح الأمة بالكلمة أو بالفعل, والقرآن الكريم قد أمرنا بذلك وحرضنا عليه، وما جاء به القرآن لا يلغى بقول أو فعل أحد مهما مهما عظم شأنه، ولكن ظروف الحياة وتطبيقاتها تتغير حسب أوضاع الأمة ومكانتها. وفي كل الأحوال لا تخرج على دائرة القرآن, وإن كان عصر عمر ﵁ كان من القوة بحيث لم تعد حاجة إلى المؤلفة قلوبهم فإن عصرنا نحن في أمس الحاجة إلى تطبيق هذا النداء الإلهي, ويا حبذا لو استعملناه في تأليف قلوب الملايين ممن لا دين لهم في إفريقيا وآسيا، وأشعرناهم بأن الإسلام دعوة الحق والخير لكل الناس، وإن دين الإسلام دين "الإنسانية" الذي يدعو أبناءه أن يمدوا أيديهم إلى كل الناس ولو كانوا من أقصى بقاع الأرض، إن هذا المبدأ لو طبق لقاوم بعثات التبشير

стр. 156

التي تنتشر في هذه البلاد الإفريقية والأسيوية, ولكنا بذلك نقوم بنشر دين الله الذي هو مسئولية كل مسلم ومسلمة. وفي الرقاب: والمراد بذلك عتق العبيد، ذلك المبدأ الذي كان الإسلام أول دين يدعو إليه ويحرض الناس على فعله، ويقدم في كفارة الذنوب دائما عتق رقبة. وقد انتهى هذا الوضع في العالم، وإن كان هناك رق غير واضح, ويمكننا أيضا أن نستخدم المال في إزالته تحقيقا لأمر الله. ومن أمثال هذا الرق المستور، وجود كثير من الفقراء والمحتاجين الذين يعيشون تحت سلطان الأغنياء وكأنهم عبيد لهم وإن كان لهم بعض الحرية الشخصية. والغارمين: وهم الذين لحقتهم ديون لا يستطيعون أداءها بسبب تحملهم لتبعات مالية لبعض المصالح العامة كإصلاح ذات البين، أو لحقتهم بسبب ضياع تجارتهم أو خسارة كبيرة فيها أو في مصانعهم التي كانت تنتفع الأمة بها، وهذا الصنف من الناس موجود في كل زمان ومكان ونشاهد منهم في حياتنا الكثير. وليس منهم من لحقته الديون لفساد خلقي أو سوء تصرف أو إسراف وتبذير, وهذا التطبيق يؤدي إلى أن يشعر الناس بمعنى التضامن الإسلامي ولا يخشى أحد إلا الله فيما يقول ويفعل؛ لأنه يثق في أمته وفي كفالتها له عند الشدائد. وفي سبيل الله: وسبيل الله يعني المصالح العامة للمسلمين المتمثلة في هيكل الدولة الصحي، والتعليمي، والحربي، والمرافق العامة والطرق وشق الترع وإقامة الجسور

стр. 157

وسد الثغور وغير ذلك مما يحفظ للأمة قوتها المادية والروحية، ويساعد على بناء الفرد جسديا وتعليميا ويقوي من هيبة الأمة أمام الأعداء فيجعلها مرهوبة الجانب محفوظة المكانة. والله تعالى ليس في حاجة إلى مال الدنيا كله؛ لأنه هو خالقه وواهبه لعباده ولكن ما ينفق في هذه الوجوه يتقبله الله تعالى وكأن عبده قد قدمه إليه, قال تعالى في سورة التوبة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وابن السبيل: هو المسافر الذي انقطع عن بلده وبعد عنه ماله، واحتاج إلى مال ليقضي حاجته ويقوم بشئونه حتى يعود إلى وطنه، ومن هؤلاء من يذهبون في رحلات طويلة إما لقضاء حاجات الناس، أو للتعرف على أحوال المسلمين، وليس منهم من يكون في نزهة أو رياضة أو عمل غير مشروع مهما كان شكله أو لونه. وبنظرة دقيقة إلى هذه الأحكام والمواقف الإسلامية يتضح لنا أن الإسلام بمبادئه الإلهية قد حقق الأمان لجميع الناس, وقضى على المغالات في كل شيء, فعلى الرغم من أنه لا يعادي رأس المال إلا أنه يمنع طغيانه واستبداده ولا يعادي الملكية الفردية، ولكنه يمنع تجاوز أصحابها حدودهم، والاستئثار بمالهم. والإسلام يصون الملكيات، وفي نفس الوقت يخفف من الفوارق بين الطبقات بالزكاة والصدقة دون الالتجاء إلى مصادرة الأملاك, ويرى الإسلام أن المساواة المطلقة بين الناس شيء لا يتفق والنواميس الطبيعية؛ لأن من الناس الزكي والغي والقوي والضعيف، وحسن التصرف وسيئه، هذا غير ما هو معروف من اختلافهم في العلم والتعلم وطرق اكتساب الرزق. لذلك لا بد وأن يختلف الناس غنى وفقرا. ولكن ما يشدد عليه الإسلام هو أن

стр. 158

يتعاون الجميع على البر والتقوى، وأن يأخذ غنيهم بيد فقيرهم. ومن هنا كان قول الله تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ . وهذه المبادئ الإسلامي ترفض مطامع أصحاب رءوس الأموال وجشعهم في الحصول على الثروة باستغلال الضعفاء، واستخدام الربا وعدم إخراج الزكاة، والتهرب من الصدقات الواجبة, كما ترفض أيضا مبادئ الشيوعية في الاستيلاء على الأموال وغير ذلك من المبادئ التي تقوم على المغالاة يمينا أو يسارا وإن ذلك ليحقق قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾ فالإسلام بحق هو الذي يحقق التوازن بين الشيوعية والرأسمالية، وهو دين العدالة والكفاية والرحمة.

стр. 159

كيف تدرس الزكاة في المرحلة الابتدائية: من الضروري قبل أن نتكلم في طريقة تدريس الزكاة كأحد عناصر المنهج الديني في المدارس الإسلامية، أن نلقي نظرة على الأهداف التربوية لهذا المنهج. إن الزكاة في الإسلام كما سبق تمثل عنصرا هاما من عناصر بناء المجتمع الإسلامي، وهي فوق أنها ركن من أركان الإسلام فإنها تعد فلسفة تربوية ذات هدف محدود يتعلق بمشكلات الحياة، ذلك الهدف الذي رسمه الإسلام لتحقيق العدالة الاجتماعية والأمن والمحبة بين أبنائه، وعمد أن يجعل من هذا المبدأ الاقتصادي الهام وسيلة للحد من سيطرة المال على نفوس الناس، وبالتالي من سيطرته على المجتمع، وكان الإسلام بذلك سابقا لكل النظريات والأراء

стр. 160

الاقتصادية التي جاءت بعده محاولة تحقيق العدالة الاجتماعية والحد من سيطرة رأس المال، كما في النظريات الاشتراكية وغيرها من النظريات. وإن كانت الحاجة ماسة في كل منهج تربوي، أن يكون مرتبطا بالأهداف التربوية وبمشكلات الحياة. فإن الزكاة في المنهج الإسلامي يجب أن تعد فلسفة اجتماعية وهدفا تربويا تتخذ له كافة الوسائل المعينة على نقل المنهج إلى مجال التطبيق، ولن يتم ذلك عن طريق الحوار والمناقشة بين المعلم وتلاميذه، أو عن طريق عرض القيم والمثل التي تعمل الزكاة على إبرازها في المجتمع الإسلامي. إنما يتم عن طريق تحديد طبيعة السلوك المناسب للحياة الإسلامية: ومن أجل هذا يجب: ١- أن تقام في كل صف دراسي جماعة تسمى "جماعة الزكاة" يشرف عليها معلم يتحلى بتلك القيم الإسلامية، بقصد توجيه سلوك التلاميذ نحو التعامل مع هذه الفريضة في نطاق ما يملكون، وأما ما يتصورونه مستقبلا، وأن يعودهم أولا على الصدقة والإحسان، وثانيا على الهدف الأهم من الزكاة وهو التعاون, وثالثا على مواجهة الميول والحاجات طبقا لفلسفة إنسانية هي فلسفة الزكاة. ٢- تكوين مدركات ومفاهيم وتعميمات حول الزكاة وطريقة أدائها ونتائجها المباشرة وغير المباشرة على الفرد والمجتمع. ٣- محاولة الوصول إلى التوافق الشخصي والاجتماعي عن طريق التعود على العطاء والمنح، والرضا أيضا بالقبول والأخذ من غير وجود حساسيات بين المعطي والآخذ، لنصل من خلال ذلك إلى المفهوم الإسلامي عن الغني والفقير وحاجة كل إلى الآخر. ٤- العمل الصادق من خلال المدرسة على تكوين عادات حسنة تنتشر بين

стр. 161

التلاميذ, لا يكتفى لخلقها على الحصص الدراسية، وإنما يجب أن يحدد لها وقت من أوقات الدراسة، يقوم فيه التلاميذ بالممارسة العملية تحت إشراف رائد ممتاز، يراقب ما يجري هناك بعيدا عن التدخل أو فرض إرادته، ثم يلتقي بهم بعد ذلك ليبين لهم أوجه الصواب والخطأ, متخذا من المبادئ الإسلامية الدليل والبرهان. ٥- التركيز في دروس الزكاة على خلق فلسفة للحياة تمس وجدان الطفل وميوله، وبيان تلك الفلسفة بالطرق العملية والوسائل الموضحة التي تساعد على تكوين سلوك محدد، وصور من التفكير والتعليل قائمة على الفهم والتقدير لهذه الفريضة الإنسانية "فريضة الزكاة". ولو تصورنا درسا نظريا عن الزكاة بالمدرسة الابتدائية فإنه يجب أن يتخذ هذه الخطوات: ١- التمهيد: ويكون بأسئلة توضح قيمة التعاون وأثره في حياة التلميذ مع أسرته وزملائه والمحيطين به. ٢- بيان الهدف المقصود من الدرس. ٣- الغرض: ويمكن أن يكون على النحو التالي: أ- قصة رمزية أو واقعية تبين جزاء الله لمن زكى عن ماله ومكانته بين الناس، وحرص الناس على معاونته والتقرب إليه، وكثرة الخير بين يديه، وأمانه على ماله ونفسه. ب- تمثيل عملية الزكاة بين مجموعة من التلاميذ, وبيان أثر ذلك فيما بينهم حين يتحقق فعلا.

стр. 162

جـ- ذكر بعض آيات القرآن الدالة على الزكاة وتوضيحها بصورة مبسطة. ٤- الحوار والمناقشة: ويكون ذلك في القصة التي عرضها المعلم، ثم في معنى الآيات الدالة على الزكاة، مع ربط المناقشة بما هو واقع في حياة الطفل من وجود فقير وغني وضعيف وقوي, وصلة الزكاة في الربط بينهم. ٥- التقويم: ويكون بمحاولة معرفة إن كان الهدف من الدرس قد تحقق أم لا. وعلى المدرس أن يحاول من خلال ذلك كله أن يبين الحكمة من تشريع الزكاة، وأن يوضح الآثار الاجتماعية لها، وأن يربطها بالحياة الواقعية، هذا مع الحرص على التعامل مع جماعة الزكاة التي تكون في كل صف، حتى تتأكد تلك القيمة الإسلامية العليا في نفوس التلاميذ وتصبح مسلكا لهم في حياتهم.

стр. 163

الصوم: من الوجهة الدينية والنفسية والجسدية والاجتماعية الصوم في الإسلام رياضة روحية يدل عليها الضمير، ذلك الحارس الوحيد الذي يجعل من هذه الرياضة حقيقة واقعة بين العبد وربه. وهو مرتبط بالحاسة الخفية في الإنسان، تلك الحاسة التي تميز الحق من الباطل والزائف من الصحيح, وترتقي بالإنسان فوق رغباته وشهواته، ليدخل طائعا في منطقة الروح حيث الطهر النابع من حريتنا الداخلية العميقة الباطنة، التي أراد الخالق أن تكون طليقة من كل قيد من قيود الهوى، وحفظها من كل دنس، وجعلها مركز الثقل في صاحبها، يحيى بها، ويموت من غيرها، تلك المنطقة هي "روح الإنسان" حيث سريرته، ومناط تفكيره، ومنبع ضميره، ومحور أعماله، وهي مركز المساءلة التي عن فعلها قال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" , والله وحده هو الرقيب عليها، يعلم سرها، ويدرك بعدها ويعرف كل صغيرة وكبيرة من فعلها. لهذا كان الصيام عبادة هامة؛ لأنها تنبع من هذا السر وتتصل به، وتدل عليه وكانت قيمتها عند الله عظيمة حيث يقول في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". وكما أن للصوم فوائد تتعلق بالروح، فإن له فوائد تتعلق بالجسد لذلك كانت فرضيته عامة على الأغنياء والفقراء معا، فليس المراد من الصوم إشعار

стр. 164

الأغنياء بحاجة الفقراء حين يحسون بمرارة الجوع والحرمان فحسب، وإنما المراد هو تطهير النفس وترقيتها، وتنقية الجسد من علائق كثيرة تتراكم عليه من تتابع الطعام كل يوم، ويقول الأستاذ عبد الرزاق نوفل في معرض حديثه عن الصيام١: "تقول أحدث نظريات علم الصحة أنه من الواجب -لا سيما على المتقدمين في السن- أن يصوموا يوما على الأقل كل أسبوع ... أو أسبوعا كل شهر, والأفضل شهرا كل عام.... إذ قد ثبت أن الإنسان غالبا ما يصاب ببعض البؤرات الصديدية التي تتكون داخل جسمه, وتصب إفرازاتها السامة في الدم ... ولا يشعر الإنسان بها إلا إذا زاد ذلك الإفراز.. فإذا الإنسان يمرض فجأة بأمراض قد يكون التسمم أقلها ... وقد عرف أن الصوم خير وسيلة لتجنب الإصابة بهذه البؤرات ... إذ عندما تقل المواد الغذائية في الجسم يبدأ الجسم في استهلاك أنسجته الداخلية ... وأول ما يستهلكه منها الخلايا المصابة التي تكون قد ضعفت نتيجة الالتهاب كما يذهب الصيام أية أورام صغيرة في أول تكونها ... ويمنع تكوين الحصوات والرواسب الجيرية ... إذ يحللها أولا بأول. وفي ذلك يقول الدكتور روبرت بارتولو: "لا شك في أن الصوم من الوسائل الفعالة في التخلص من الميكروبات وبينها ميكروب الزهري لما يتضمن من إتلاف للخلايا ثم إعادة بنائها من جديد". والصوم عبادة قديمة فرضها الله على الأمم السابقة على الإسلام قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وقد ثبت أن بعض الحيوانات تصوم أيضا "كالجمل" الذي يعرف الكثير من خواص صيامه من يقوم بتربيته والعناية به سواء كان من أهل البادية أو من

стр. 165

الفلاحين أو غيرهم وصيامه يؤدي إلى زيادي قوته وقدرته على العمل، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن أثر الصوم الطبي الذي أشرنا إليه إنما يتعدى من الإنسان إلى الحيوان أيضا. والوثنيون يعرفون الصوم طريقا من طرق الرياضة النفسية، وبه يتدربون على مقاومة الشهوات وتربية الروح وترقية الوجدان، وصوم الزعيم "غاندي" الشهور الطوال ليس بخاف على أحد، ولست مغاليا إذا قلت أن الصوم معروف عند كل كائن حي حتى النبات فالأرز مثلا له فترة "يصوم فيها عن الماء" ولو فرض وأصابه ماء في هذه الفترة قل الإنتاج إن لم يتلف نهائيا, وكذلك القمح وغير ذلك مما هو معروف لدى علماء النبات والحيوان. وهذه حكمة إلهية اقتضتها تعادلية الكون، واتساق بنائه وتكوينه. وفي يقيني أن الصوم عملية فطرية يشعر المرء بالحاجة إليها في فترات مختلفة ... وقد أخذت بها أشهر مصحة في العالم الآن "مصحة الدكتور هنريج لاهمان في درسدن في سكسونيا" حيث يقوم العلاج فيها بالصوم. ومن هنا نستطيع أن نقرر أن الصوم أحد أركان الإسلام الأساسية عبادة إنسانية راقية تقوي الجسد، وتصلح النفس وتهذب الروح، وتساعد على غرس الأمانة في نفوس النشء، وإن كانت التربية الحديثة تعمد إلى طرق عملية في تعويد الطفل الأمانة, فليست هناك طريقة تماثل الصوم، حيث يترك طعامه وشرابه بوحي من ضميره، ووازع من نفسه يجعله يخشى الله في كل ما يقول ويعمل؛ لأنه بالصوم يتعلم أن الرقيب الأسمى على كل شيء إنما هو الله خالق الكون ومانحه العافية والقدرة. وصوم المسلمين ليس هو الإمساك عن الطعام والشراب والجنس, وإنما هو الإمساك عن كل ما يخالف الإيمان والفضيلة والخلق وما لا يتفق وفضيلة

стр. 166

التقوى ومراقبة النفس قولا وإرادة وعملا. فالذي يتجه إلى غير الله كما يقول الشيخ شلتوت١: "بالقصد والرجاء لا صوم له، والذي يفكر في الخطايا ويشتغل بتدبير الفتن والمكائد، ويحارب الله ورسوله في جماعة المؤمنين لا صوم له. والذي يطوي قلبه على الحقد والحسد والبغض لجمع كلمة الموحدين، والعمل على تفريقهم، وإضعاف سلطانهم لا صوم له. والذي يحابي الظالمين، ويجامل السفهاء ويعاون المفسدين لا صوم له. والذي يستغل مصالح المسلمين عامة ويستعين بمال الله على مصالحه الشخصية، ورغباته وشهواته، لا صوم له، وكذلك من يمد يده أو لسانه أو جارحة من جوارحه بالإيذاء لعباد الله أو إلى انتهاك حرمات الله لا صوم له، فالصائم ملاك في صورة إنسان، لا يكذب ولا يرتاب ولا يشي ولا يدبر في اغتيال أو سوء. ولا يخادع، ولا يأكل أموال الناس بالباطل". وفي حديث رسول الله بيان ذلك كله فهو يقول: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" وقوله: "ليس الصيام من الأكل والشرب. وإنما الصيام من اللغو والرفث". ذلك هو صيام المسلمين. الصيام الذي يخلق في المرء الصبر، ويعلمه القدرة على مواجهة الشدائد والمحن ويسلب من بين أنيابه غرائز الشر، ويرفعه فوق ترابيته ليرتقي درجة في عالم الروح، والصبر فضيلة يتعود عليها الإنسان فإن استعملها أصبح قادرا عليها، وبقدرته عليها تهون كل أمور الدنيا؛ لأنه ليس أيسر على الصابر من الحياة نفسها، ولا نعرف شيئا يعادل صبر الإنسان على الجوع والعطش والشهوة، يرى كل هذه الأشياء بين يديه وهو في حاجة إليها، ولكنه لا يقربها إيمانا

стр. 167

بالله وامتثالا لأوامره وثقة في عزيمته وإرادته ذلك هو صوم المسلمين ولا صوم يعدله. وقد جاءت آيات الله بفرضية الصوم واضحة كل الوضوح في أوقاته ونظامه وعلى من يجب، ولمن يجوز الإفطار مع القضاء قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . والآيات تبين أن صوم شهر رمضان مقصود بذاته؛ لأنه الشهر الذي بدأ فيه نزوله القرآن، وأن هنالك صوم تطوع في غير شهر رمضان يثاب به العبد وينتفع صحة وتربية وخلقا. وبينت أن للمريض والمسافر الإفطار في رمضان وعليه القضاء في أيام الصحة والإقامة، والمقصود بالإقامة هنا: الإقامة في بلده الذي سافر منه، أو المكان الذي يقصده بالسفر، بمجرد وصوله إليه يعود إلى الصوم؛ لأن رخصة الإفطار إنما هي للمشقة والمشقة تزول بزوال سببها وهو السفر نفسه. وتيسيرا من الله على عباده أباح للمقيمين والأصحاء الذين يشق عليهم الصوم ويسبب لهم جهدا شديدا، أو يعرضهم للخطر، كالشيوخ والحوامل والمراضع، الإفطار في رمضان، وعليهم أن يطعموا مسكينا واحدا عن كل يوم يفطرونه. وهذا هو المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ومعنى "يطيقونه" يتحملونه بشدة ومشقة،

стр. 168

حيث إن الإطاقة لا تكون إلا في الشيء الصعب، فلا يقال فلان يطيق الاستحمام في بيته ولكنه يقال يطيق عبور المانش مثلا. وإن كان الصوم كله أمانة بين العبد وربه فمرجع المشقة أو عدمها إنما هو مسئولية الفرد وحده، وله أو عليه تقع التبعة والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ كمال قال سبحانه تماما: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وهذا شأن الدين الإسلامي دائما، يحرر الإرادة ويطلق العقل، ويعلم الحرية، وبها يحاسب، وعليها مدار التكليف. ولا نجده أبدا في فرض من فرائضه أو حكم من أحكامه يقصد الإرهاق أو العسر، وإنما يقصد التقوى والتطهير وصلاح الفرد والمجتمع، والصوم في أدائه ورخصه مثال على ذلك. كيف ندرس الصوم في المدارس الابتدائية: لكي نعرف كيف نعلم أطفالنا فريضة الصوم تطبيقا ومعنى وأثرا، فإنه يجب أن يدرس المعلم الانفعالات الخاصة بالطفل، وأثرها على تقبله لنوع من المعلومات، وكذلك معرفة حاجات التلاميذ ومشكلاتهم؛ لأن هذه الأشياء لها تأثير كبير في عمل المخ الإنساني ووظائفه، وكذلك في الجهاز العصبي بكل تعقيداته، فإذا أدرك المعلم أثر هذه الانفعالات وتبين حاجات التلاميذ ومشكلاتهم أمكنه اختيار الوقت المناسب لينقل لهم لونا ما من ألوان المعرفة يتفق مع انفعالاتهم ومشاكلهم. وتلميذ المرحلة الابتدائية غالبا ما يكون عند دخوله المدرسة في سن السادسة ويستمر بها حتى سن العاشرة أو الثانية عشرة على حسب النظام التعليمي السائد في المجتمع، فقد تكون المرحلة الابتدائية أربع سنوات، وقد تكون ستا. ولكن معظم البلاد، ترى أن سن السادسة أو السادسة والنصف هي السن

стр. 169

الملائمة لبدء الطفل تعلم المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب وبعض المعارف الدينية. لذلك كان بدء المرحلة الابتدائية هو في هذه السن، وفكرة التلميذ عما حوله في هذا العمر تدور حول خبراته السابقة في دور الطفولة ورياض الأطفال، ويستطيع تحديد المدركات الكلية، وتزداد قدرته على هذا مع انتقاله في صفوف المرحلة، حتى إذا ما وصل إلى نهايتها عرف بصورة ما النظام والمساواة والحرية والحق والواجب، وأدرك معنى كلمة الدين والفرض والسنة، واستطاع أن يفرق بين أمر يأتيه من قبل إنسان وأمر مركزه السلطة الإلهية، وعرف أبعاد الطاعة والمعصية، ومعنى التقرب من الله أو الابتعاد عنه, وتتكون لديه قدرة على الاستيعاب والفهم وحل المشكلات، كما يستطيع أن يدرك شيئا من العلاقات بين الأشياء، وتتكون له ميول محددة أكثر موضوعية، كما يميل إلى الاهتمام بالعالم الخارجي، والتعرف على كثير مما يجري فيه، وبخاصة على أشياء معينة تستهويه ويميل إلى معرفتها وينتج من هذا كله الإطار العام لبناء شخصية هذا الطفل الذي نعلمه في المدرسة الابتدائية، لذلك يجب على معلم الدين أن يعمل جهده لمساعدة تلاميذه على إعلام دوافعهم، والسيطرة عليها وتكوين ما يسمى بالضمير الخلقي عندهم. وأن يوجه ميولهم نحو الدين، وأن يعمل على تنمية هذه الميول بالمثل الصالح والتطبيق الفعلي في سلوكه ومنطقه وتصرفه. والصوم كرياضة روحية عالية يجب أن يعالج بطريق المناقشة, وأن يهتم المعلم بتوضيح حكمة الصوم، وآثاره الدينية والخلقية وأن يذكر الآيات الكريمة المتعلقة به, موضحا مفهومها في إيجاز, وكلما كان درس الصوم في شهر رمضان كلما كان أوقع وأثبت في نفوس التلاميذ, حيث يكون المدرس نفسه صائما وحيث يكون بعض التلاميذ صائمين وعندئذ يمكنه أن يناقشهم

стр. 170

في أحاسيسهم بالصوم وآثاره في نفوسهم وفي أجسامهم. وعليه أن يشير إلى بناء الأخلاق والسلوك وأهمية الصوم في هذه العملية, وأن يقوم بدور التوجيه والإصلاح بين المتخاصمين أو المتنازعين من تلاميذه في هذا الشهر بالذات, مبينا لهم أن الصائمين لا يتشاتمون ولا يتخاصمون؛ لأنهم في صومهم يرتقون إلى درجة الملائكة الذين لا يأكلون ولا يشربون ولا يتنازعون. وينتقل معهم من حالة المعرفة بالصوم وأحكامه ومبطلاته إلى بيان الحالة الروحية التي يمر بها الصائم. تلك الحالة التي تمنح المؤمنين القدرة على التأمل والصبر، وتدعوهم إلى التخلص من أخطائهم والسعي نحو الكمال وإرضاء ربهم في الفعل والقول. ولا يتم ذلك مهما حاول المعلم إلا إذا كان قدوة لهم واعيا بآمالهم وأحلامهم. مدركا لانفعالاتهم ومشكلاتهم العاطفية والوجدانية. ويجب أن يكون التمهيد للدرس شاملا لبيان: أ- قدرة الله ووحدانيته. ب- حتمية الإيمان، وضرورة التسليم لخالق الكون ومبدعه. جـ- أثر الفرائض في الربط بين العبد وربه. د- أهمية الصوم في نقاء النفس، وطهارة القلب، وسلامة الجسد. هـ- كمال العقيدة في السر والجهر؛ لأن الصائم لا يطلع عليه إلا خالقه وحده. و الحث على مراقبة الله في كل شيء. وأما بالنسبة لعرض الموضوع. فيرجع إلى المعلم ومهارته في إدارة الحوار والمناقشة مع تلاميذه, ليصل إلى الأهداف التي ينشدها، والمعاني السامية التي تتضمنها فريضة الصوم عقيدة وعملا.

стр. 171

الحج من الوجهة الدينية والنفسية والجسدية والاجتماعية مدخل ... الحج: من الوجهة الدينية والنفسية والجسدية والاجتماعية تعد فريضة الحج أعظم دعوة للإخاء الإنساني والمساواة بين بني البشر، تجتمع فيه وفود المسلمين من كل أنحاء الدنيا في بقعة واحدة، لا يدفعهم لهذا الاجتماع طمع في مال، أو رغبة في سلطان، أو سعي إلى مغنم. إنما تدفعهم روحانية مجردة تنقلهم من دنيا الأهواء والشهوات إلى عالم من الصفاء تتجه فيه الأبصار -كل الأبصار- إلى خالق الكون، تدعوه بقلب خاشع، ويقين مطلق، وثقه لا حدود لها في الثواب والعطاء والأمن. وفي الحج رمز واضح لوحدة المسلمين على اختلاف أجناسهم، وفيه إثبات المساواة الاجتماعية المطلقة، إذ يكون المسلمون جميعا بلباس واحد ومن نوع واحد، وعلى شكل واحد، وليس كهذا الوضع شيء يدل على محو فوارق الجنس واللون والطبقة. إذ إننا نعرف أن اللباس ونظمه وتقاليده من أكبر مظاهر التفرق بين الأجناس والطبقات, وبمحو الفروق في الملبس، يتساوى الجميع، فلا يعرف الأمير من الفقير والغني من المحتاج، إذ يشعر الجميع بالوحدة الإنسانية والوحدة الإسلامية، وعندما يقف الجميع على عرفات مناديا "يا رب" لبيك اللهم لبيك، تنصهر تلك الوحدة الإسلامية في وحدة بني الإنسان, إذ كل من على الأرض يقول يا رب، وكأني بقول الله تعالى آمرا نبيه إبراهيم ﵊ بنداء الناس -كل الناس- إلى السعي لحج بيت الله الحرام،

стр. 172

وتأدية ما يجب له من الجلال والعظمة والتقدير، وجاء الأمر بذكر "الناس" لا يذكر المسلمين ليبين أن الإسلام فوق أنه دين عام شامل لكل بني البشر، فهو دين الإخاء والمساواة والاجتماع والألفة, قال تعالى في سورة الحج مخاطبا إبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ . وكان التعبير الإلهي بقوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ بيان لأن الحج فوق أنه عبادة روحية، ينطلق فيها المرء بكليته -ماله وصحته وآماله- إلى الله ، فإنه يعد مؤتمرا عاما للمسلمين، يباشرون فيه أمور حياتهم، ويناقشون فيه قضاياهم، ويحلون مشكلاتهم، ويدرسون رغبات المسلمين وحاجاتهم أينما كانوا. وإن كان الناس قد انصرفوا عن ذلك, واتخذوا لهم مسلكا خاصا فيما يقولون ويفعلون في الحج فإن ذلك يعد تقصيرا من المسلمين وترك ركن هام من أركان الحج، الذي أتصور أنه من أهم أسباب فرض هذه الفريضة ودعوة كل الناس إليها. وقد تحددت فريضة الحج على المسلمين بقول الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ . ففي الآية السابقة من سورة الحج نداء، وفي هذه الآية فرض ولازم. وربط الحج بالاستطاعة إنما يدل على يسر الإسلام وسماحته، وإنه دين لا تشدد فيه ولا تزمت، إنما هو دين الرحمة، الذي يحرص في كل أمر من أوامره على سلامة الإنسان وأمنه وسعاته بدينه ودنياه وآخرته. لذلك كانت فريضة الحج على كل "مسلم بالغ، عاقل، حر، مستطيع" والاستطاعة هنا تعني ماليا. وجود ما يكفي حجه وعودته والإنفاق على من يجب عليه

стр. 173

نفقته حتى عودته. وأن يكون ذلك من ماله الحلال الخالي من الشوائب والشبه، وأن يحرص قبل حجه على أداء ديونه ورد الأمانات إلى أصحابها. وصحيا: أن يكون في صحة يستطيع معها تحمل مشقة السفر وأداء مناسك الحج وعناء الرحلة. وبالنسبة للأمن. يجب أن يأمن الطريق إلى الحج، وفي الحقيقة ليست هذه شروط الحج فقط، وإنما هي تتعلق بكل عقائد الإسلام وتكاليفه؛ لأن أوامر الإسلام لا تحمل أي نوع من الإرهاق والعسر؛ لأنها ما شرعت أصلا إلا رحمة بالإنسان ولخير الإنسانية وسعادتها في دنياها وأخراها. وقد حدد الإسلام للحج أشهرا معلومة، كما بين أن له أماكن محدودة وأشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة من الأشهر العربية, وأماكنه: البيت الحرام، ومنى، وعرفات، والمزدلفة، ومكان رمي الجمار. هي أماكن حرم الله فيها على الحاج أي إيذاء حتى صيد الحيوان أو إزعاجه بأي صورة من الصور ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ كما حرم عليه قطع الأشجار أو إتلاف ثمرها أو أي فعل يضر بها كما قال رسول الله ﷺ : "لا يختلي خلالها، ولا يقطع شوكها"، وجعل الله أشهر الحج أيضا من الأشهر الحرم التي يحرم فيها القتال وإيذاء الناس أو الاعتداء عليهم. وكأن الإسلام بذلك يدعو الناس جميعا إلى وضع هدنة بينهم مدة أربعة أشهر هي أشهر الحج ومعها "شهر رجب" لكي يلتقطوا أنفاسهم ويراجعوا الحساب فيما بينهم عسى أن يكتشفوا ضلالا في الرأي أو فسادا في الحكم، فيعودوا إلى رشدهم ويبتعدوا عن العداوة والبغضاء والقتال فيما بينهم. وقد فرض الحج في هذه الأشهر؛ لأن في الحج جهادا يأخذ من العبد طاقته البدنية، وينقله إلى حالة من الصفاء الروحي، تجعله يكتشف صواب الأشياء ويتعرف عليها بصورة غير التي كان يراها بها وسط ضوضاء الحياة، وإلحاح

стр. 174

الرغبات والمنافع، ويقول الشيخ شلتوت١: "ولما كان البيت الحرام في مكان مخصوص لا يدركه كل مظلوم ولا كل الناس, ولا ينال حظه من الأمن فيه إلا من ارتحل إليه، ولم يكن من الممكن أن يرتحل إليه جميع سكان المعمورة في وقت واحد، لهذا جعل الأشهر الحرم ملجأ أمن عام، تنشر على الناس, وهم في أقاليمهم وأقطارهم ألوية الأمن والاطمئنان، ويدخلون بها في هدنة الرحمن الرحيم، فقرر كذلك في القلوب حرمتها، فيها تكون السيوف في أغمادها، وتتجه القلوب إلى ربها، وفيها يتضاعف الجزاء لمن أحسن أو أساء وفي ذلك يقول تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ . إذا آمن الإنسان بهذه الهدنة الإلهية، وانفعلت نفسه بشرائع ربه، وعالج نفسه في ظلها وهي أربعة أشهر من اثني عشر شهرا صار ولا شك إلى فسحة وراحة واتسع أمامه مجال العمل والسياحة، واستطاع الاتصال بإخوانه بني الإنسان، وكان معهم في أمن واطمئنان، متعاونين على البر والتقوى عزوفين عن الإثم والعدوان. لذلك كان الحج عبارة عن مؤتمر دوري ينعقد في كل عام تحت راية من السلام والمحبة, يناقش أحوال المسلمين في كل أنحاء العالم، ويقربهم من بعضهم، ويجعلهم على بينة من أمورهم. مهما باعدت بينهم الأقطار واختلفت بهم الدروب والأمصار، وهو بذلك يحقق هدفا ساميا من أهداف المجتمع الإسلامي، الذي يقوم أول ما يقوم على التعاون والتراحم والتواد، ولا يكون ذلك أبدا إلا إذا توافر الأمن والسلام بين الناس والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢.

стр. 175

ولا نجد بين الأديان دينا كالإسلام يدعو الناس إلى هجر القتال والجدال، والسب والضرب، وانتهاك الحرمات، والاعتداء على الغير، حتى على الحيوان والنبات, ولو فهم الناس تلك الدعوة لعرفوا حقيقة الإسلام, ولأدرك الكافرون والمنافقون أن تعاليم الإسلام أصح تعاليم للأرض وللإنسان في كل زمان ومكان، وأنها كفيلة لسعادة بني الإنسان، في مجتمعهم، وسياستهم، واقتصادهم، وسلمهم، وحربهم، وأن المنهج الإسلامي في التربية يقوم على فهم الطبائع الإنسانية، ويلائم بين الرغبات والحقائق بين الدوافع والمكتسبات، ولا يترك الإنسان لنفسه تعبث به أبدا، إنما يمدها بالضوء الذي به تهتدي إلى طريق الحق والصواب، ويمكننا لو تصورنا أركان الحج أن نتعرف على نموذج من نماذج التربية الإسلامية خلقا وعملا.

стр. 176

أركان الحج: فمن أول أركان الحج: الإحرام. وله مكان محدد لكل قادم من جهة من جهات الدنيا، عنده يغتسل الحاج ويقلم أظافره ويقص شاربه وينظف شعر رأسه ولحيته, ويخلع ما كان يرتدي من ثياب، ويتزر بثياب الإحرام، وهي ثياب بيضاء ليست مخيطة، وهو بهذا كأنه خلع كل أمور الدنيا بمشاغلها وآثامها وآلامها، ليقبل بكليته على الله خالقه ورازقه ومالك ناصيته. وتلك النظافة التي يستعملها فوق أنها نظافة للبدن تحفظه وتحميه من الميكروبات والأمراض التي يمكن أن تعلق به أثناء أداء الفريضة وانتقاله من مكان إلى مكان، فإنها تمثل نظافة الروح وتطهيرها من الأدران والخبائث، وتصفيتها من كل علائق الدنيا التي تؤدي إلى الحقد والحسد والبغضاء. وقد ثبت أن هذه النظافة منعت وقوع الأمراض في مواسم الحج على مدار مئات السنين، فلم يثبت على التاريخ الطويل أن حدث

стр. 177

مرض وبائي اكتسح المئات أو الآلاف من بين ملايين الحجاج التي تقصد بيت الله الحرام في كل عام, والفضل في ذلك يرجع إلى النظام الذي حدده الشرع الحكيم للقيام بفريضة الحج، كما يرجع بالدرجة الأولى إلى الإحرام، ذلك الذي يستدعي أن يكون المرء متزرا بإيزار خال من المخيط, ومن الأركان والزوايا التي يمكن أن تلجأ إليها الحشرات التي غالبا ما تكون سببا في نقل الميكروبات والأوبئة إلى جسم الإنسان، وكذلك إلى أنواع النظافة المتعددة التي حددها رسول الله ﷺ وعمل بها في حجه فأصبحت سنة يتبعها المسلمون مثل الاغتسال لدخول مكة, ثم لطواف القدوم, ثم للوقوف بعرفة, ثم للوقوف بمزدلفة, ثم ثلاثة أغسال لرمي الجمار الثلاث, ثم لطواف الوداع، أي: تسعة اغتسالات تعقب كل فعل يقوم به الحاج ويؤدي إلى اختلاطه بالناس وتحمله شيئا من الغبار والعرق، ولا شك أن هذه النظافة المتتابعة تقي الحجاج شر الأمراض التي غالبا ما يكون أساسها بعض الإهمال في النظافة. ولو عرف غير المسلمين مدى عناية الإسلام بالنظافة لكان رأيهم في الإسلام والمسلمين غير ما نرى ونسمع في هذه الأيام, ولكن للأسف الشديد نسيان المسلمين لفلسفة دينهم وهجرهم لأحكامه وفضائله هي التي تسيء إلى الإسلام، وتحمل البعض على رميه بالتأخر وعدم مجاراة المدنية الحديثة، وقد رأينا هنا لمحة من ذلك تتعلق بنظافة البدن غير تلك النظافة الأهم التي تتعلق بالخلق حيث الجميع سواء فلا سيد ولا مسود ولا غني ولا فقير. ولا قوي ولا ضعيف، رداء واحد، ونداء واحد، وعمل واحد، واتجاه واحد، وتلك النظافة التي تتعلق بالمبادئ، في التوحيد والتقديس لإله واحد لا شريك له، وفي الاجتماع على كلمة الحق والإخلاص والمحبة بين الناس.

стр. 178

وثاني الأركان الطواف بالبيت: وهو يمثل في شكله ووقته عمق التربية الإسلامية، حيث يلتزم الحاج بمجرد وصوله إلى مكة إلى أرض الله الطيبة أن يطوف بالبيت طواف القدوم, فإذا أفاض من عرفات وأكرمه الله بمناجاته على جبل الرحمة طاف طواف الإفاضة، حتى إذا اكتمل حجة وتمتع بأيام الله, وأراد الرحيل طاف طواف الوداع. ومع كل طواف يغتسل ويطهر بدنه وثيابه ويستر عورته ويتوضأ، وهذه الأفعال في جملتها إنما تربي في الإنسان أدب اللقاء والوداع، وتعلمه كيف يتعامل مع الآخرين وهو نظيف القلب والروح والبدن، وتنقله من حالة الغافلين إلى دائرة الذاكرين الشاكرين. وبعد الطواف يكون السعي بين الصفا والمروة: ذلك السعي الذي يمثل في تاريخ الإنسان قصة الصبر والتضحية والفداء والذي يتذكر المرء به قدرة ربه، وأنه وحده مالك أمره فيأتيه باليسر بعد العسر وبالفرح بعد الضيق، وأن رحمة الله قريب من المتقين ولا عجب في ذلك؛ لأن قصة السعي تمثلها تماما، فهاجر أم اسماعيل حين أنجبته ملأت الغيرة قلب سيدتها سارة التي سعت لأن يتزوجها إبراهيم وهي جاريتها لعلها تنجب له ما يؤنس وحدته. ولكنها حين حملت وولدت، عادت طبيعتها الأنثوية إليها تنفث سموم الحقد والبغضاء على أم الوليد الذي سوف يأخذ حب زوجها منها، وأصرت على أن يبعدها إبراهيم مع ولدها إلى حيث لا تراهما ولا تسمع بهما, وتقبل إبراهيم ﵇ الأمر صابرا محتسبا إلى الله موقفه فألهمه الله أن يذهب بهما إلى هذا المكان المقدس، على الرغم من أنه كان صحراء جرداء لا ماء فيها ولا غذاء ولا إنسان ولا ديار، لتكون آية من آياته، وليعمر

стр. 179

هذا المكان الذي يعلم الله في الأزل أنه من أطهر أماكن الأرض وأقدسها، وأنه سيكون موطن الحجيج إلى آخر الدنيا. ومنبع آخر رسالة يرسلها إلى الأرض، ومنبت خير نبي وأعظم رسول محمد بن عبد الله ﷺ . وتقبلت هاجر الحكم صابرة، واحتضنت وليدها في انتظار أمر السماء فيهما واهتز قلب الأب وراح يدعو ربه في خشوع وتضرع. ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ١ وتعاقب الأيام على هاجر الصابرة، وأخذ المكان الموحش يفزعها وإرادتها القوية تهتز، وما معها من زاد وماء ينفد، وماذا يفعل لقد ضاقت بها الدنيا ولم يعد لها إلا السماء أملا، وطفلها الصغير يبكي جوعا وعطشا فيزيد ألمها تفجرا، وتتخايل أمامها أسراب وأوهام فتجري إليها متصورة أنها ماء حتى تصل في سعيها إلى الصفا ذلك المكان المرتفع من الأرض فلا تجد عنده بغيتها، فترتد عائدة بعد أن تنظر خلفها فيخيل لها أن الماء في الجهة الثانية على جبل المروة، وتسرع الخطى حتى إذا ما وصلت إلى هناك راعها أنه سراب، فتعود من حيث أتت عند الصفا ثم تقفل مرة أخرى إلى المروة وهكذا سبعة أشواط يمتد طولها وعرضها في أعماق النفس الإنسانية ليبين حرص آلام على وليدها، واستعدادها الدائم لفدائه بنفسها، وفي النهاية تنهار هاجر ويكل جسدها، ولكن عزيمتها لا تضعف، وصبرها لا ينفد، تنادي من أعماقها يا رب، وإسماعيل الصغير يبكي ويبكي ويضرب الأرض بقدميه وإذا بالماء يتفجر من تحت قدميه، ماء عذبا طيبا يملأ الأرض من حوله،

стр. 180

وينادي الملك هاجر يقول لها: زمي زمي. أي: حوطي الماء بما يجعله عينا، لذلك سميت العين التي ما تزال منذ هذه الآلاف من السنين باقية تروي الحجيج وغيرهم من أهل مكة. سميت زمزم. وكان ذلك النبع مسرى الحياة والعمران لهذه الأرض المقدسة. فقد قصده أول ما قصده الطير الذي يحوم في الفضاء باحثا عن الزاد والماء. وعن طريق الطير عرف الضاربون في الصحراء أن هناك حيث الطير ماء وحياة، فقصدوا المكان وأقاموا هناك، وتتابع القوم يرتوون عابرين أو مقيمين حتى أصبحت تلك البقعة الطاهرة أرض الحجيج ومولد الأمين محمد ﵊. وفي هذا المكان الطاهر وقعت قصة ذبح إسماعيل وفداء الله له بكبش من الجنة، وهذا يدل على أن نبي الله إبراهيم كان يزور ولده من حين إلى حين، واطمأن إلى أن الله استجاب دعاه وعمر المكان، وأن ولده أصبح في أمن وبين قوم وعشيرة يحبهم ويحبونه. ثم أتاه يوما بعد غيبة طويلة يفع فيها إسماعيل وأصبح رجلا، ليخبر ولده أن الله أمرهما أن يرفعا قواعد بيت الله في هذا المكان من الأرض, وكما هي عادة إسماعيل قال لأبيه لبيك أبي لك السمع والطاعة وعلي الجهد والصبر. وبعزيمة المؤمنين وصبر المجاهدين أتما ما أمر الله به, وفي هذا يقول القرآن الكريم١. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . تلك في إيجاز قصة بناء الكعبة وحادثه السعي بين الصفا والمروة وهما
следующие страницы →