← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10007

طرق تدريس التربية الإسلامية نماذج لإعداد دروسها

عبد الرشيد عبد العزيز سالم

Полный текст (328 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أركان الحج: فمن أول أركان الحج: الإحرام. وله مكان محدد لكل قادم من جهة من جهات الدنيا، عنده يغتسل الحاج ويقلم أظافره ويقص شاربه وينظف شعر رأسه ولحيته, ويخلع ما كان يرتدي من ثياب، ويتزر بثياب الإحرام، وهي ثياب بيضاء ليست مخيطة، وهو بهذا كأنه خلع كل أمور الدنيا بمشاغلها وآثامها وآلامها، ليقبل بكليته على الله خالقه ورازقه ومالك ناصيته. وتلك النظافة التي يستعملها فوق أنها نظافة للبدن تحفظه وتحميه من الميكروبات والأمراض التي يمكن أن تعلق به أثناء أداء الفريضة وانتقاله من مكان إلى مكان، فإنها تمثل نظافة الروح وتطهيرها من الأدران والخبائث، وتصفيتها من كل علائق الدنيا التي تؤدي إلى الحقد والحسد والبغضاء. وقد ثبت أن هذه النظافة منعت وقوع الأمراض في مواسم الحج على مدار مئات السنين، فلم يثبت على التاريخ الطويل أن حدث

стр. 177

مرض وبائي اكتسح المئات أو الآلاف من بين ملايين الحجاج التي تقصد بيت الله الحرام في كل عام, والفضل في ذلك يرجع إلى النظام الذي حدده الشرع الحكيم للقيام بفريضة الحج، كما يرجع بالدرجة الأولى إلى الإحرام، ذلك الذي يستدعي أن يكون المرء متزرا بإيزار خال من المخيط, ومن الأركان والزوايا التي يمكن أن تلجأ إليها الحشرات التي غالبا ما تكون سببا في نقل الميكروبات والأوبئة إلى جسم الإنسان، وكذلك إلى أنواع النظافة المتعددة التي حددها رسول الله ﷺ وعمل بها في حجه فأصبحت سنة يتبعها المسلمون مثل الاغتسال لدخول مكة, ثم لطواف القدوم, ثم للوقوف بعرفة, ثم للوقوف بمزدلفة, ثم ثلاثة أغسال لرمي الجمار الثلاث, ثم لطواف الوداع، أي: تسعة اغتسالات تعقب كل فعل يقوم به الحاج ويؤدي إلى اختلاطه بالناس وتحمله شيئا من الغبار والعرق، ولا شك أن هذه النظافة المتتابعة تقي الحجاج شر الأمراض التي غالبا ما يكون أساسها بعض الإهمال في النظافة. ولو عرف غير المسلمين مدى عناية الإسلام بالنظافة لكان رأيهم في الإسلام والمسلمين غير ما نرى ونسمع في هذه الأيام, ولكن للأسف الشديد نسيان المسلمين لفلسفة دينهم وهجرهم لأحكامه وفضائله هي التي تسيء إلى الإسلام، وتحمل البعض على رميه بالتأخر وعدم مجاراة المدنية الحديثة، وقد رأينا هنا لمحة من ذلك تتعلق بنظافة البدن غير تلك النظافة الأهم التي تتعلق بالخلق حيث الجميع سواء فلا سيد ولا مسود ولا غني ولا فقير. ولا قوي ولا ضعيف، رداء واحد، ونداء واحد، وعمل واحد، واتجاه واحد، وتلك النظافة التي تتعلق بالمبادئ، في التوحيد والتقديس لإله واحد لا شريك له، وفي الاجتماع على كلمة الحق والإخلاص والمحبة بين الناس.

стр. 178

وثاني الأركان الطواف بالبيت: وهو يمثل في شكله ووقته عمق التربية الإسلامية، حيث يلتزم الحاج بمجرد وصوله إلى مكة إلى أرض الله الطيبة أن يطوف بالبيت طواف القدوم, فإذا أفاض من عرفات وأكرمه الله بمناجاته على جبل الرحمة طاف طواف الإفاضة، حتى إذا اكتمل حجة وتمتع بأيام الله, وأراد الرحيل طاف طواف الوداع. ومع كل طواف يغتسل ويطهر بدنه وثيابه ويستر عورته ويتوضأ، وهذه الأفعال في جملتها إنما تربي في الإنسان أدب اللقاء والوداع، وتعلمه كيف يتعامل مع الآخرين وهو نظيف القلب والروح والبدن، وتنقله من حالة الغافلين إلى دائرة الذاكرين الشاكرين. وبعد الطواف يكون السعي بين الصفا والمروة: ذلك السعي الذي يمثل في تاريخ الإنسان قصة الصبر والتضحية والفداء والذي يتذكر المرء به قدرة ربه، وأنه وحده مالك أمره فيأتيه باليسر بعد العسر وبالفرح بعد الضيق، وأن رحمة الله قريب من المتقين ولا عجب في ذلك؛ لأن قصة السعي تمثلها تماما، فهاجر أم اسماعيل حين أنجبته ملأت الغيرة قلب سيدتها سارة التي سعت لأن يتزوجها إبراهيم وهي جاريتها لعلها تنجب له ما يؤنس وحدته. ولكنها حين حملت وولدت، عادت طبيعتها الأنثوية إليها تنفث سموم الحقد والبغضاء على أم الوليد الذي سوف يأخذ حب زوجها منها، وأصرت على أن يبعدها إبراهيم مع ولدها إلى حيث لا تراهما ولا تسمع بهما, وتقبل إبراهيم ﵇ الأمر صابرا محتسبا إلى الله موقفه فألهمه الله أن يذهب بهما إلى هذا المكان المقدس، على الرغم من أنه كان صحراء جرداء لا ماء فيها ولا غذاء ولا إنسان ولا ديار، لتكون آية من آياته، وليعمر

стр. 179

هذا المكان الذي يعلم الله في الأزل أنه من أطهر أماكن الأرض وأقدسها، وأنه سيكون موطن الحجيج إلى آخر الدنيا. ومنبع آخر رسالة يرسلها إلى الأرض، ومنبت خير نبي وأعظم رسول محمد بن عبد الله ﷺ . وتقبلت هاجر الحكم صابرة، واحتضنت وليدها في انتظار أمر السماء فيهما واهتز قلب الأب وراح يدعو ربه في خشوع وتضرع. ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ١ وتعاقب الأيام على هاجر الصابرة، وأخذ المكان الموحش يفزعها وإرادتها القوية تهتز، وما معها من زاد وماء ينفد، وماذا يفعل لقد ضاقت بها الدنيا ولم يعد لها إلا السماء أملا، وطفلها الصغير يبكي جوعا وعطشا فيزيد ألمها تفجرا، وتتخايل أمامها أسراب وأوهام فتجري إليها متصورة أنها ماء حتى تصل في سعيها إلى الصفا ذلك المكان المرتفع من الأرض فلا تجد عنده بغيتها، فترتد عائدة بعد أن تنظر خلفها فيخيل لها أن الماء في الجهة الثانية على جبل المروة، وتسرع الخطى حتى إذا ما وصلت إلى هناك راعها أنه سراب، فتعود من حيث أتت عند الصفا ثم تقفل مرة أخرى إلى المروة وهكذا سبعة أشواط يمتد طولها وعرضها في أعماق النفس الإنسانية ليبين حرص آلام على وليدها، واستعدادها الدائم لفدائه بنفسها، وفي النهاية تنهار هاجر ويكل جسدها، ولكن عزيمتها لا تضعف، وصبرها لا ينفد، تنادي من أعماقها يا رب، وإسماعيل الصغير يبكي ويبكي ويضرب الأرض بقدميه وإذا بالماء يتفجر من تحت قدميه، ماء عذبا طيبا يملأ الأرض من حوله،

стр. 180

وينادي الملك هاجر يقول لها: زمي زمي. أي: حوطي الماء بما يجعله عينا، لذلك سميت العين التي ما تزال منذ هذه الآلاف من السنين باقية تروي الحجيج وغيرهم من أهل مكة. سميت زمزم. وكان ذلك النبع مسرى الحياة والعمران لهذه الأرض المقدسة. فقد قصده أول ما قصده الطير الذي يحوم في الفضاء باحثا عن الزاد والماء. وعن طريق الطير عرف الضاربون في الصحراء أن هناك حيث الطير ماء وحياة، فقصدوا المكان وأقاموا هناك، وتتابع القوم يرتوون عابرين أو مقيمين حتى أصبحت تلك البقعة الطاهرة أرض الحجيج ومولد الأمين محمد ﵊. وفي هذا المكان الطاهر وقعت قصة ذبح إسماعيل وفداء الله له بكبش من الجنة، وهذا يدل على أن نبي الله إبراهيم كان يزور ولده من حين إلى حين، واطمأن إلى أن الله استجاب دعاه وعمر المكان، وأن ولده أصبح في أمن وبين قوم وعشيرة يحبهم ويحبونه. ثم أتاه يوما بعد غيبة طويلة يفع فيها إسماعيل وأصبح رجلا، ليخبر ولده أن الله أمرهما أن يرفعا قواعد بيت الله في هذا المكان من الأرض, وكما هي عادة إسماعيل قال لأبيه لبيك أبي لك السمع والطاعة وعلي الجهد والصبر. وبعزيمة المؤمنين وصبر المجاهدين أتما ما أمر الله به, وفي هذا يقول القرآن الكريم١. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . تلك في إيجاز قصة بناء الكعبة وحادثه السعي بين الصفا والمروة وهما

стр. 181

يمثلان نوعا من التجرد لله تعالى والتسليم لأوامره، تلك الأوامر التي يجب أن يتمثلها المؤمنون في غدوهم ورواحهم ليكون لهم الأمن في دنياهم، والسلام مع أنفسهم، والرضا بقضاء الله وقدره. ذلك القضاء الذي الذي يخفى على الإنسان سره ويعجزه في الحقيقة رده أو دفعه. ويأتي بعد السعي الوقوف بعرفة: ذلك المكان الذي أعده الله ليكون مكان اجتماع المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، ليتعرفوا عليه وينادونه بما يريدون في يوم كامل من الفجر حتى غروب الشمس، يذكرون فيه شكواهم ويبثونه آلامهم، ويرفعون إليه أحلامهم وآمالهم، بلا تحديد لقول أو فعل فالقلب لله يقلبه كيف يشاء. وله في تلك الساعات أن يهتف بما يريد، وأن يقول ما يشاء بشرط أن يستشعر الخشوع والجلال لله وحده. وأن يتجه بروح صافية خالية من الأحقاد والبغضاء والهوى إلى ربه. وفي عرفات تمثيل ليوم الحشر، حيث كل الناس سواسية، حفاة عراة لا مال ولا أهل ولا ولد، الكل يرجوه ويتوسل إليه لا فرق بين إنسان وإنسان. وبعد عرفات يأتي رمي الجمار ذلك الفعل الذي يشعر الحاج بأنه قد طهر نفسه وروحه، وألقى بذنوبه بعيدا كما يلقي الجمار, وأنه قد تخلص من شيطانه فلم يعد له عليه سلطان، وكأنه بذلك يجدد العهد بينه وبين الله تعالى، أنه سوف يكون نعم العبد الصالح الذي يقاوم مغريات الحياة، ويتغلب على شهواته وهواه، فلا يترك بابا للشيطان إليه؛ لأن رمي الجمار لا يعني فيما يعنيه غير هذا المعنى. وعلى المرء أن يستشعر ذلك حين يذهب إلى رمي الجمار.

стр. 182

وإذا ما انتهت مناسك الحج حلق الرجل شعر رأسه أو قصره بأي قدر يشاء، ويحل له بعد ذلك ما كان محرما عليه في الإحرام إلا النساء وفي هذا بيان للنفس الإنسانية إنها مطالبة بأن تتجرد من كل أحوالها الدنيوية في وقت من الأوقات لتصفو فيها لله وحده، ولتقاوم النقائص البشرية التي تستهلك الإنسان في صبحه ومسائه. وكان ذلك في الحج أولى وأشد لتتمكن شعائر الحج من نفوس الحجاج وتنقلهم بالفعل من ماديتهم إلى الروحانية المقصودة من تلك الفريضة. وما أعظمه من أدب ذلك الذي يلزم الحاج بأن يغتسل ويتطهر ويطوف طواف الوداع شاكرا الله على ما أولاه من نعمه، وما تكرم عليه به من قدرة وصحة أعانته على أداء الفريضة، وطرح ما عليه من غبار الحياة، ومكنته من رؤية تلك البقاع الطاهرة التي شهدت الوحي وسار على رمالها خير الأنبياء وأعظم الرسل. وبطواف الوداع ينتهي المرء من حجه، وبروح تلك الأداب عليه أن يسلك طرق الحياة وأن يخوض غمارها.

стр. 183

كيف ندرس الحج لتلاميذ المرحلة الابتدائية: يجب على المعلم في المدرسة الابتدائية التي هي أساس التعلم ومنبعه أن يكون مدركا لأهداف التربية بوجه عام، وأهداف التربية الإسلامية بوجه خاص؛ لأن ذلك يساعده على السير في دروسه بأسس واضحة تصل به في النهاية إلى تحقيق تلك الأهداف. وأهداف التربية العامة كما هو رأي معظم علماء التربية ليست من الأمور المفروضة, والتي يجب التسليم بها كقضية مقدسة لا تحتمل التغيير أو المناقشة، وإنما هي خلاصة ما يجب أن يكون. ومن هذه الأهداف العمل على تكوين الطفل تكوينا يساعده على فهم

стр. 184

مجتمعه الذي هو منه وإليه، ومعرفة تراثه الثقافي وتعلقه به وإدراك التنظيمات والمؤسسات القائم عليها البناء الاجتماعي من حوله. وأن يكون ذلك كله في نمو دائم يساعدنا على بناء شخصية متكاملة، يمكننا في النهاية أن نتعرف على قدراتها وإمكاناتها الفاعلة داخل إطار المجتمع، مع اعتبار القيمة الشخصية للفرد، واحترام ذكائه والإيمان به، وبما يمكن أن يؤديه في موقف من المواقف الاجتماعية، وعلم المعلم -بجانب مراعاته لهذه الأهداف- أن يتجنب فكرة إعداد الصغار من أجل حياة الكبار أو على شاكلتهم؛ لأنه لا هو ولا غيره يستطيع أن يعرف ماذا ستكون عليه الحياة عندما يصبح هؤلاء الصغار كبارا. فالمهمة إذن ليست طبع صورة الكبار على أذهان الصغار ليكونوا مثلهم، إنما المهمة الأعظم أن نبين لهم أن الحياة في تغير دائم، وأن التعليم وسيلة لفهم حياتهم الحاضرة والمستقبلة وتهيئتهم لقبول التغير الدائم في نظم الحياة، ونحن بذلك نساعدهم على التقدم والرقي؛ لأن المجتمع الساكن الهامد الذي لا حركة فيه ولا تغير مجتمع خامل بعيد عن طبيعة الحياة التي هي في حقيقتها دائمة الحركة والتغيير. ونحن إذا استطعنا ذلك نكون قد ساعدناهم على الإلمام بالحركات الاجتماعية والتاريخية، وأعطيناهم القدرة على الانطلاق مع الحياة نموا وتغيرا وحافظنا في الوقت نفسه على تراثهم الثقافي والحضاري. وداخل هذا الإطار تكون مراعاة أهداف التربية الإسلامية التي هي في حقيقتها أهداف منطلقة إلى الأمام دائما, ومتسعة لأهداف الحضارة الإنسانية كلها ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وليس في هذا القول تغال؛ لأن التربية الإسلامية في إيجاز شديد تنشد بناء الإنسان: ١- الدائم الاتصال بالله. ٢ - المتوازن بين الروح والمادة.

стр. 185

٣- المتوافق بين نفسه ومجتمعه. ٤- القادر على العطاء خلقا وعلما وعملا. ٥- المقدر لدور الآخرين في بناء الحياة، وقيمته كفرد بين جماعات متعددة الأشكال والأجناس والأهداف. ٦- المؤمن بأن العمل الشريف هو الحياة، وأن غاية الإيمان العمل الدائب القائم على التضحية والإخلاص واليقين بالله. ٧- النظافة في الجسد، والروح والفكر. ٨- التدبر في القول والنظر والعمل. ٩- النظام والدقة فيما يقول ويعمل. ١٠- الثقة في النفس وتحريرها من عبودية المال والهوى. والعبادات الإسلامية في جملتها تعمل على تكوين الإنسان المتصف بهذه الصفات، والطفل بطبيعته الفطرية مستعد لتقبلها بشرط أن يجد التطبيق والمثل، فلو استطاع المعلم أن يكون هو المثل والنموذج أمام تلاميذه. كان تحقيقه لهذه الأهداف أمرا سهلا وميسرا، وتمكن بعد ذلك من خلال التطبيق العملي أن يجعل تلاميذه حاملين فعلا لروح التربية الإسلامية متمسكين بها سلوكا وعملا. والحج من العبادات الإسلامية التي تمثل نموذجا كاملا لهذه الصفات التي أشرت إليها، ويمكن للمعلم أن يبين لتلاميذه حكمة كل موقف من مواقف الحج عن طريق المناقشة والحوار, وذكر الآيات والأحاديث التي وردت في الحج, وأن يقص عليهم قصصا مشوقة تتعلق بالحج منذ بدء بناء الكعبة حتى عصرنا الذي نحن فيه, وأن يعرض على تلاميذه رسوما وخرائط تبين أماكنه مع التركيز على ما لهذه الأماكن من قدسية وحرمة شرفها الله بها. وعليه أن يبين

стр. 186

الهدف من كل عمل من أعمال الحج حتى يشعر التلاميذ بالقيمة الروحية التي ينشدها الإسلام من خلال هذه الفريضة. ويمكن تصور خطوات درس في العبادات تقوم على الآتي: ١- التمهيد للدرس تمهيدا قائما على أساس من الفهم والمعرفة بإبعاد دروس الدين. وذلك بأن يقصد المعلم من التمهيد الربط بين دروس العبادة والعقيدة التي هي مصدر هذه العبادة وسبب قيامنا بها. وكذلك الربط بينها وبين مشكلات الحياة وأثرها في علاج هذه المشكلات، هذا مع الحرص على أن يكون كل درس من دروس الدين مرتبطا بما سبق من الدروس الأخرى؛ لأن الدين وحدة متكاملة. ٢- عرض الدرس: ولا يتم بصورة سليمة إلا إذا استطاع المعلم أن يدير الحوار حول الموضوع، وأن يضرب الأمثلة من حياة الرسول وعبادته وطريقة أدائه لها، وكلما لاحت له فرصة ليقص عليهم قصة تتعلق بالعبادة التي هي موضوع الدرس ذكر تلك القصة وناقش تلاميذه فيها ليتمكن في النهاية من الوصول إلى وجدان التلاميذ وتأثرهم به وبالموضوع الذي يتناوله. ويمكنه أن يهيئ نفسه لذلك بالرجوع إلى كتب السيرة والتفسير والحديث. وما يتصل بها من الكتب الإسلامية كإحياء علوم الدين للغزالي والترغيب والترهيب, وزاد المعاد وغير ذلك من الكتب الحديثة التي تظهر في المكتبة الإسلامية كل عام. المهم أن يكون المعلم دائما على صلة بموضوعات الدين المختلفة حتى يتمكن من جعل درسه درسا مؤثرا في بناء شخصية التلميذ, وفي تكوين فكره وعقائده. ٣- الحرص على القيام بتطبيق العبادة عمليا، والمناقشة في كل فعل وحركة من حركاتها، والتركيز على الهدف منها، ومحاولة التعرف على وصول هذا الهدف

стр. 187

إلى التلاميذ بأن يتابع بعضهم وهم يطبقون عمليا في دائرة اتصالهم به وبزملائهم وبالمدرسة ككل. ٤- التقويم: ويجب أن يشتمل على نماذج من الأسئلة والمواقف التي يمكن الاسترشاد بها للتعرف على مدى نمو التلاميذ في تحصيل وفهم الموضوعات الدينية, واكتساب المهارات والاتجاهات والميول والقيم التي تعمل الفرائض والعبادات الإسلامية على تنميتها في نفوس التلاميذ. ويجب أن يكون هذا التقويم دائما ومتصلا طوال العام. وأن يكون شاملا ومخططا له. حتى يتناول كافة الأهداف الإسلامية التي تناولناها بالشرح والتحليل. وأحب أن أشير إلى أن التقويم لا يعني أبدا معرفة مدى تحصيل التلاميذ لمنحهم الدرجات، وإنما يعني إبراز الأهداف التربوية، والوصول من خلال معرفتها إلى الحكم على نجاح العملية التعليمية أو فشلها، أي: إن التقويم هو عبارة عن عملية تشخيص وعلاج ووقاية للمادة الدراسية التي يقوم المعلم بتأديتها, وهو في مادة التربية الإسلامية ضروري وهام؛ لأن هذه المادة لا تقوم على الوصف والتحليل واكتساب المعلومات، وإنما تقوم على بناء قيم وأهداف وإبراز صفات. وهذا يجعل التقويم الدائم والمستمر هام بالنسبة لها.

стр. 188

الفصل الثالث: نظرة في العقائد مدخل ... نظرة في العقائد: اقتضى الأمر فيما قدمناه من دراسة، أن نتناول البناء الإنساني في الإسلام. وأن نبين منهج العبادات الإسلامية الذي يساعد على إقامة هذا البناء شامخا وثابتا, لا تدمره الأعاصير ولا تحطمه الزلازل. ولما كانت العبادات قائمة على عقائد يقينية لا يتطرق إليها شك ولا يعتريها خلل، وجدت من الواجب أن أشير إلى هذه العقائد إشارات موجزة تفيد وترشد في عملية التخطيط لدروس العبادة السالفة الذكر. والعقائد في الإسلام تقوم على "الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والبعث، والحساب" وبعض هذه الأشياء غيبي غير مدرك، والبعض الآخر ملموس وإن اختلف الناس حوله منذ فجر حياتهم. وقد جاء الإسلام ليقضي على هذا الاختلاف نهائيا، ويبين كل هذه العقائد بصورة تجعلها كلها وكأنها ملموسة ومشاهدة. فعن الإيمان بالله، بين الإسلام وحدة الله المطلقة التي لا يتطرق إليها شك ولا شرك ولا تشبيه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ١

стр. 189

وكل الأديان قبل الإسلام سواء كانت سماوية أو اجتهادية أقرت وحدانية الله المطلقة، على الرغم مما نقرأه ونعرفه من تشويه بعضها أو إدخال فيها ما ليس منها، وقد بين القرآن أنهم جميعا -أي: المتمسكون بالتعاليم الحقة منها قبل الإسلام- على صواب وأن لهم أجرهم يوم القيامة. قال تعالى في سورة البقرة آية ٦٢: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ويوضح القرآن أنه لا اختلاف بين الأديان، وأن تربية الله لعباده تتابعت حسب الظروف والحاجات الإنسانية، وأن المختلفين ما أقاموا هذا الخلاف بينهم إلا لغاية دنيوية ينشدونها. لذلك فأمرهم إلى الله، هو وحده يتولاهم ويحكم بينهم. قال تعالى١: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والإسلام خاتم الأديان كلها، جاء معترفا بكل الأديان السماوية ومحللا لها، ومتحدثا عن أنبيائها، وملزما المسلمين بأن يؤمنوا بهم جميعا ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ومبينا أن أحكامه الأساسية هي التي أمر بها كل الأنبياء والرسل قال تعالى٢:

стр. 190

﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ فاختلاف الأديان إذن هو اختلاف من ناحية الشرائع فقط. ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ١ ولكن الكل مسلمون -أي: مسلمون لله بوحدانيته وقدرته وبقائه وعلمه- وكل ما عدا الله هباء وفناء. وهذا نوح يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢ وإبراهيم وإسماعيل ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٣ ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ٤ ويوسف ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٥ وكذلك عيسى والحواريون ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٦. ومن هنا كان الإسلام يعني الإيمان بكل الرسل، والكتب المنزلة عليهم، فلا يكون المرء مسلما إلا إذا آمن بهم جميعا، وصدق بكل ما جاءوا به؛ لأن الإيمان لا يتجزأ، ومن هنا أيضا كان الإسلام دينا عالميا للإنسان والجن بلا اختلاف ولا تمييز. وقد بين الله في كتبه أن له ملائكة هم جنوده لذلك كان الإيمان بهم من

стр. 191

مقتضيا التسليم له، والاعتراف بوحدانيته وقدرته قال تعالى١: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ ٢ واليوم الآخر: أي: يوم القيامة، أو الساعة، أو الحاقة، أو غير ذلك من الأسماء التي أطلقت على اللحظة التي يأمر الله فيها بأن تبدل الأرض غير الأرض والسموات، وهو من الأمور الغيبية التي لم يخبر الله به أحدا من أنبيائه، وجعل علمه مقصورا عليه وحده قال تعالى٣: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ والإيمان بهذا اليوم وغيره من الغيبيات هو دليل يقين الإنسان بالله، ومشهد تصديقه على القدرة الإلهية التي صنعت الكون بحساب، ورسمت نهايته بحساب، وأعدت البعث والحشر أيضا بحساب وقد أمدنا الله بلطف من عنده بعض علامات لهذا اليوم تحدث في الدنيا قبل وقوعه قال تعالى٤:

стр. 192

﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ، أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ، إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ وفي تلك العلامة إشارة إلى ابتعاد الناس عن الإيمان وهجرهم لتعاليم الله، فإذا ما جاءتهم هذه الظاهرة الطبيعية الرهيبة وامتلأت السماء بدخان يخنق الأنفاس ويحرق الأكباد، نادوا ربهم إنا مؤمنون، ويكشف الله عذابه إلى حين ثم تأتي الساعة التي لا مفر منها ولا خلاص. وهناك علامة أخرى يقول الله فيها١: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ووقوع القول يعني صدور أمر الله بما سيحدث, وقد أمر الله نبيه أن ينذر الظالمين بعذاب ذلك اليوم, وأن يحذرهم من هوله الذي لن ينفع فيه صديق ولا شفيع مهما بلغ جاهه أو سلطانه قال تعالى٢: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ وهذا اليوم الذي استأثر الله بعلمه، وذكر لنا بعض علاماته سيأتي في أي لحظة، لذلك الإعداد له بالعمل الصالح والتقرب إلى الله غير محدد بزمن، فكل الناس في كل عصر وعلى كل أرض يجب أن يعدو أنفسهم له فإنه آت لا ريب في ذلك: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ ٣ ووصف هذا اليوم

стр. 193

كما جاء في القرآن يوحي بقدرة الله الهائلة التي لا يمكن لعقل أن يحيط بها، ولا لعلم مهما بلغ أن يصل إليها. فهو يحدثنا عن خسوف القمر وكسوف الشمس، ونسف الجبال وانفجار البحار وزلزلة الأرض، وتشمل الصاعقة كل من في الأرض والسماء إلا من يحفظه الله من ذلك ليكون شاهدا لهذا اليوم العظيم. وفي هذا يقول تعالى١: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ وفي سورة التكوير: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ وفي سورة طه ١٠٥، ١٠٦: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ وفي سورة النبأ ١٩، ٢٠: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا، وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ وفي سورة الزمر آية ٦٨: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ والبعث: وهو عملية إعادة الأموات إلى الحياة مرة ثانية، الإيمان به لا يفترق في معناه عن الإيمان بغيره من الغيبيات، وإن كان يقين المؤمن به يجب أن يكون متابعا له في الليل والنهار وفي كل حركة من حركاته؛ لأنه الذي عن طريق تصوره يعرف المرء موقفه بين يدي الله، ويحاسب نفسه على قوله وفعله قبل أن يأتيه ذلك اليوم، فهو بمثابة رادع للمرء عن ظلمه وجبروته وطمعه في

стр. 194

دنياه، ومنبه له ليتحسس طريق الخيرالذي به ينجو يوم يعرض الله أعمال العباد عليهم. ولا شك أن إعادة الموتى إلى الحياة ثانية أسهل من بدء الخلق أولا، فالإيمان بالبعث لا يحتمل جدالا أو مناقشة، وإنما شكله وطريقته هو الذي لا نعرف منه شيئا واستأثر الله بعلمه، ولم يذكر لنا منه إلا بعض الأحوال التي ستحدث. وفي سورة الزمر يحدثنا المولى عن ذلك فيقول١: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وفي سورة يس ٥١: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ وفيها أيضا آية ٥٣: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ وفي سورة القمر ٧: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ وفي سورة الكهف ٤٧، ٤٨: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾

стр. 195

وفي سورة مريم ٦٨: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ وفي سورة يس ٨١: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ ولا بد أن يكون هذا البعث للحساب ليأخذ كل إنسان مكانه، وليعرف جزاء ما قدمت يداه، وهذا مركز الحركة، ومدار الأفعال، من عرفه وأدرك بعده خشي ربه وانتظمت الصلة بينه وبين خالقه. والعبادات التي تحدثنا عنها, وبينا طرق تدريسها في المرحلة الابتدائية يجب أن تكون مربوطة بتلك العقائد؛ لأن العبادات هي مظهر الامتثال لهذه العقائد, ودليل التعرف عليها، لذلك كان من الضروري أن يبين المعلم أثر هذه العقائد في دروس العبادة، وأن يصل من خلال الربط بينهما إلى تنشئة التلاميذ تنشئة تقوم على مفهوم واضح يصل بين العقيدة والعبادة وبينهما وبين العمل والسلوك الذي ننشده في مستقبل حياة أبنائنا.

стр. 196

طرق تدريس السيرة: سيرة رسول الله ﷺ تعني مضمون حياته القيادية والفكرية والعملية، ومنهجه في تبليغ الدعوة إلى بني الإنسان، وطريقة عرضه لتلك الدعوة سواء من الوجهة الأخلاقية أو من الوجهة النفسية والسياسية, وما واجه من مصاعب ومحن، وكيف تغلب عليها بعزم الرجال وتأييد الله له. وكيف استطاع وهو الفرد اليتيم الأمي أن يتغلب على جبابرة قريش وفصحائها وبلغائها، وأن يجذب إليه في أول أمره رجالا من أعظم رجالات التاريخ ليكونوا عونا له على أعدائه ودرعا له عند الخطر، وكما أيده الله بهم، استطاع هو أن يسكن في أعماق قلوبهم بخلقه وفكره وإرادته وأسلوبه في المعاملة، حتى إننا لنجد في سيرة رسول الله ﷺ وأصحابه ما لا نجده في أي عصر من عصور التاريخ قديمه وحديثه، كما لم نسمع عن رجال كانوا مثل هؤلاء القوم في الإخلاص والمحبة والتضحية والوفاء مما جعلهم مضرب المثل في كل عصر وفي كل موقف. وكما كانت حياة الرسول نموذجا خالدا لحياة الرجال، فقد كانت قصة طفولته نسجا رائعا لنشأة نبي وظهور معجزة ينحني الزمن لها إجلالا وتقديرا. ومن هنا كانت دراسة سيرة رسول الله وأصحابه في مدارسنا، وفي المدارس

стр. 197

الابتدائية على وجه الخصوص ذات أهمية كبرى، إذ عن طريقها نبني العزائم، ونوحد الأهداف وننشئ الإرادة، ونجدد النفوس التي أبلاها الطمع في الدنيا، والسعي وراء الشهوات والأهواء، ونقوم الخلق الذي حاولت الأمم غير الإسلامية أن تميته أو تجعله في غفلة دائمة بعيدا عن أخلاق الإسلام الحقة, وعن أخلاق رسول الإسلام، والتلاميذ في المرحلة الابتدائية، هم رجال الغد، ومهمتنا كمربين أن نخلق منهم جيلا إسلاميا يتأسى برسول الله وبصحابته فيما يقولون ويفعلون، وأن يتخذوا منهجهم في الحياة على أسس من الأخلاق التي تبني عزائم الرجال فلا تنهار عند الشدائد، وتعلمهم أن الموت في سبيل الأهداف السامية هو الذي يهبهم الحياة والخلود.

стр. 198

أهداف تدريس السيرة: ١- تكوين نفسية الطفل وبنائها على حب العظمة وتقليد رسول الله وأصحابه. ولا شك أن الطفولة مجال خصب لغرس المبادئ والقيم التي ينشدها مجتمع من المجتمعات، وهي محتاجة دائما إلى القدوة التي تشهد من خلال تعاملها معها واتصالها بها دلائل العظمة والتضحية وصدق الإرادة. وقد يجد الطفل في الأب والأم والمعلم أو المعلمة بعض رغباته، ولكن طموحه وتطلعه إلى الأسمى يجعلانه يشعر بالألم والحسرة، عندما يلاحظ بعض أوجه النقص أو الضعف في هؤلاء الذين تعلق بهم وحاول أن يتخذهم قدوة. وعندئد سنجده قد اتجه إلى أشياء خيالية يراها في القصص والمسلسلات، واتخذ من أبطالها الوهميين غاية له، يحاول تقليدها وترسم خطاها. ليصل من خلال ذلك إلى إرواء رغبته الجامحة في العظمة والقوة، وتتعدد الروايات، ويتعدد القراء وتختلف الاتجاهات، وتتضارب الشخصيات. وينتج عن ذلك

стр. 199

جيل مختلف في كل شيء. فلا تتفق طباعه ولا تتوحد مناهجه، وينشق على نفسه في صورة مخيفة تهدد المجتمع بالتمزق والانهيار، وهذا ما شاهدناه في فترات مختلفة من حياة أمتنا الإسلامية، وما نشكو منه الآن في حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولا علاج لذلك إلا بجمع أبناء الأمة وتوجيههم نحو سيرة رسول الله وأصحابه العظماء ليرتووا منها بكل ما هم في حاجة إليه، سواء في فترات الطفولة أو الشباب، وهي مليئة بقصص البطولة والعظمة والإقدام والتضحية مما يجذب التلاميذ ويحقق رغباتهم. ٢- السيرة طريق واضح سهل لفهم الإسلام ونظمه التطبيقية: ومن المعلوم أن الله تعالى أنزل القرآن على محمد بأحكام كلية ومبادئ شاملة، ولا يمكن لنا أن نتعرف على تطبيق هذه الأحكام وتلك المبادئ إلا عن طريق ما كان يفعله الرسول ويقوله ويهدف إليه، ودراسة السيرة تحقق لنا ذلك من أيسر طريق، سواء كان الأمر متعلقا بالمثل في الخلق، أو بالعبادات أو المعاملات، أو الآداب، أو الأحكام. ٣- السيرة وسيلة لجمع كلمة الأمة الإسلامية وتوحيد اتجاهاتها: ذلك لأن الأمة إذا اختلفت في الأفكار، والمبادئ والاتجاهات تفرقت إلى مذاهب وملل ونحل، وأصبحت بعيدة عن منبعها الأصيل الذي تجده في سيرة رسول الله ﷺ وأصحابه، والذي عن طريقها يمكن أن نحدد فضل أساليب تطبيق الإسلام، وأن تتضح لنا معالم الطريق الوحيدة التي لا يجوز اختراع غيرها. وفي السيرة منهج محدد الفكر والأخلاق والمبادئ والغايات التي ينشدها الإسلام، فإذا استطعنا إبراز ذلك لتلاميذنا، نكون قد نجحنا في وضع أول لبنة لبناء أمة موحدة، في جميع المجالات؛ لأن أول قاعدة ترتكز عليها وحدة الأمم، هي وحدة الفكر. ومما يروى عن رسول الله -صلى الله

стр. 200

عليه وسلم- أن الأمة ستفترق بضعا وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وأخبر عن الفرقة الناحية هذه بقوله: $"ما أنا عليه وأصحابي"١ فاتباع ما كان عليه رسول الله وأصحابه لا يأتي إلا عن طريق معرفة السيرة معرفة يقينية والتمثل بها في الحياة العملية والأخلاقية. ٤- العمل على أن يكون الشعار الإسلامي شعارا يعتز به الناشئة، بدل أن يتمثلوا بأفكار وآراء من صنع الإنسان سواء كان مسلما أو غير مسلم. وهذا لن يكون إلا بمعرفة السيرة معرفة توضح للناشئة شخصية الأمة الإسلامية، وسماتها التي تميزت بها عن الأمم الأخرى، ومن المعروف أن الأمة الإسلامية والعربية كانت قبل الإسلام أمة ممزقة الأوصال تحكمها طبائع شاذة، وتنتشر في ربوعها مبادئ غير إنسانية، فجاء الرسول وأصحابه ليوحدوا تلك الأمة، ويقضوا على كل فساد فيها، حتى أصبحت في مبدأ أمرها مضرب المثل في العدالة والإخاء والتسامح. وأقبل الناس يدخلون في دين الله أفواجا عن طواعية واختيار واقتناع, وتعلق الناس من مشارق الأرض ومغاربها بأبطال الإسلام يحاولون تقليدهم وتتبع خطاهم. ولولا هجر سيرة الرسول وأصحابه العظماء ما تغيرت الشخصية الإسلامية، ولظل بناء الأمة العظيم قائما متصلا يحرسه ويحميه جيل بعد جيل، ولكن تغيرت النفوس فتبدلت الأفكار والاتجاهات، وانحدرت الأمة لتصبح في وقت من الأوقات أمة مستعمرة ذليلة من أقصاها إلى أقصاها. ويطمع فيها الطامعون حتى في تغيير عقائدها وأسس دينها، ونحن الآن على صعيد آخر من دروب الحياة نكاد نمسك بزمام أمورنا كلها. وخير مما يحمينا ويصون وحدتنا، ويدعم قوتنا وإرادتنا هو العودة إلى سيرة رسول الله

стр. 201

أو صحابه لنتمثل بها في كل ما نقول ونعمل. وأن نعلم أبناءنا الاعتزاز بالإسلام ونبي الإسلام وأصحابه ورجال الأمة الأفذاذ الذين بنوا خير أمة أخرجت للناس. ولكي نحقق هذه الأهداف ينبغي أن نتبع في طرق تدريس السيرة ما يسهل على المعلم الوصول إليها. ويكون ذلك بتتبع هذه الخطوات: ١- عرض السيرة عرضا قصصيا منظما ودقيقا, بحيث يستطيع المعلم إبراز جوانب الأخلاق والبطولة والتضحية في مضمون القصة. وأن يكون ذلك بأسلوب جذاب يناسب عمر الأطفال وخيالهم. ومن المستحسن أن تعرض عليهم في السنوات الأولى من الدراسة طفولة النبي وشبابه وما فيهما من جهاد ومثل وفي السنوات الأخيرة نعمد إلى توضيح جوانب من نضاله وكفاحه وتحمله للأذى، وصبره وحسن قيادته للمسلمين واتباع مبدأ الشورى وروح التعاون والمحبة بينه وبينهم، وتفانيهم في طاعته والإخلاص له، والتمسك بأوامره، والحرص على تنفيذها في دقة وصبر، والتركيز على جوانب العظمة الفريدة التي كان يتحلى بها ﷺ ، وكيفية اتخاذ القدوة منها والسير على نهجها. ٢- الوقوف عند الأشياء التي يبرز من خلالها تأثير القرآن وأخلاقياته سواء كان ذلك عند رسول الله أو من أصحابه ممن نقوم بدراستهم، وذلك لكي نبين دور الإسلام في عملية البناء الرجولي والأخلاقي عند الرسول وأصحابه وكذلك عند المسلمين جميعا الذين يتتبعون خطواته ﷺ ويحاولون تقليده ومحاكاته. ٣- وعلى المعلم أن يحاول ربط دروس السيرة، بعملية التطبيق في الحياة

стр. 202

الشخصية للتلاميذ، وأن يركز لهم على أن المقصود من دروس السيرة هو الاقتداء بأعمال الرسول وأصحابه، والاهتداء بهديهم، وأن يسوق الدليل والبرهان لهم حول أهمية اتباع هذه الطرق, وذلك من خلال مواقف القصة وأحداثها التي استلزمت تصرفا معينا. ٤- ولكي تكتمل الفائدة لا بد من عقد مقارنات بين أفعال الرسول وصحابته ومواقفهم الإنسانية، وبين ما يقابلها من أفعال ومواقف نراها في هذه الأيام, فيها التكالب على المادة وإعراض الدنيا الزائلة من مراكز الحكم والسلطان والتسلط, وذلك عند رجالات هذا العصر من مختلف الأجناس والأديان والملل، وهذا يؤدي إلى إبراز السلوك الإنساني الذي تحلى به الرسول وأصحابه. والذي يجب أن يكون سلوك الفرد المسلم في كل زمان ومكان.

стр. 203

أساليب تدريس السيرة: ١- الطريقة الطولية: وهي الطريقة التي نعرض فيها سيرة الرسول ﷺ وأصحابه عرضا يتفق والمراحل الزمنية من الميلاد إلى البعثة إلى الهجرة حتى وفاة الرسول والخلفاء من بعده, وتقوم هذه الطريقة على تناول حياة الرسول ككل من غير حاجة إلى تحديد مواقف معينة. وكذلك حياة الصحابة. ٢- الطريقة العرضية: ونهتم فيها بإبراز أهم المواقف في حياة الرسول ﷺ أو

стр. 204

الصحابي، بصرف النظر عن التتابع الزمني، وذلك كأن نقصد إلى معالجة موقف الرسول من حلفائه، أو موقفه من أعدائه، معاملته لزوجاته وأصحابه، نظرته إلى الشورى رأيه وتصرفاته إزاء عمل من الأعمال وغير ذلك مما يبرز أهم المواقف في السيرة. ٣- طريقة القصة: وفيه يعرض المعلم الحدث على هيئة قصة تتلاءم مع الصغار، وإن كانت القصة في بنائها لا بد فيها من عقدة يبحث القارئ أو السامع عن حل لها، فإن القصة في السيرة يجب أن نعمد فيها إلى المواقف والأحداث التي تكون تلك العقدة تكوينا طبيعيا لا اصطناع فيه ولا خيال، وأن نثير التلاميذ نحو هذه العقدة ليبحثوا عن حل لها. ويجب أن يبني المدرس قصته على عناصر ثلاثة: أ- المقدمة وهي تمهيد قصير للفكرة التي في القصة يحاول المدرس عن طريقه أن يجذب التلاميذ إليه، وأن يحرك مشاعرهم نحو المواقف التي سيعرضها عليهم، وأن يشد انتباههم نحو الموضوع, ليحاولوا اكتشاف ما فيه عن رغبة وشوق. ب- العقدة وهي في السيرة تمثل موقفا من المواقف الصعبة التي واجهت الرسول ﷺ أو أحد أصحابه. وتحتاج العقدة دائما إلى حل، والمدرس الناجح هو الذي يثير نفوس تلاميذه ليبحثوا معه عن الحل، أو على الأقل يعيشون معه لحظة ترقب وشوق لمعرفة هذا الحل. جـ- الحل وهو في أي قصة معناه تحليل تلك العقدة وإنهاء المشكلة والخروج من المواقف الصعبة. وفي السيرة يكون الحل ببيان كيف تغلب الرسول

стр. 205

أو الصحابي على مواقفه الصعبة بيانا يتضح فيه الرمز الأخلاقي والنفسي والديني لدى الشخصية المتحدث عنها. وعلى المعلم أن يحيط بأبعاد القضية التي يرويها تاريخيا ونفسيا واجتماعيا، وألا يطيل في المقدمة، أو يضخم في العقدة حتى لا يضيع منه الهدف الذي ينشده، ومن المهم ملاحظة وحدة القصة وترابط عناصرها، وعدم الخروج عن هذه الوحدة بالانتقال إلى أحداث لا ضرورة لذكرها، وأن يتعرف على الشخصيات التي سوف يرد ذكرها مع رسول الله أو مع الصحابي الذي ستدور القصة حوله، وأن يبين مواقف هذه الشخصيات ودورها في الأحداث التي يرويها. ومن الأشياء التي يجب مراعاتها اللغة والأسلوب، فاللغة يجب أن تكون عربية سليمة من غير إغراب أو تحوير، والأسلوب يكون متلائما مع أفكار التلاميذ ومستواهم. ومن الواجب أن يهتم المعلم بأحداث القصة قدر اهتمامه بشخصياتها إن لم يكن أكثر, وأن يفكر في مواطن الاستجوابات التي قد توجه إليه من التلاميذ, وأن يعتمد على وسائل الإيضاح، ومن المستحسن أن يقلد بعض الأوضاع والحركات التي كان يقوم بها شخصيات القصية لينقل التلاميذ إلى جوهم الذي كانوا يعيشون فيه. وكلما كان المدرس قريبا إلى نفوس تلاميذه كلما كانت قصته أوقع في نفوسهم لهذا يجب أن يتبسط معهم, وأن يثير فيهم روح المرح والأنس وأن يتقرب منهم, ويمكنه أن يدنيهم منه حتى يكونوا كحلقة في مجلس سمر أو ناد, وزمن القصة في الصفين الأول الثاني يجب ألا يزيد عن ربع ساعة، حتى يفسح المجال للاستجواب والمناقشة في الوقت الباقي من الحصة. واهتمام المعلم باستخراج الأفكار الأساسية وسماع القصة من التلاميذ لا يقل أهمية عن عرض

стр. 206

القصة نفسها. لذلك يجب عليه العناية بها وكتابتها على السبورة كلما أمكن ذلك. ٤- الأسلوب الذاتي: وفيه يعتمد المعلم على جهد التلاميذ، بأن يرشدهم إذا كانوا في الصفوف النهائية من المرحلة الابتدائية إلى كتب مبسطة تناولت الموضوع الذي سيدرسونه ويطلب منهم قراءته وإعداده قبل الحصة بوقت كاف، ثم يجري الدرس حوارا حول ما طالعوا. أو يعد بطاقات بعدد الطلاب فيها الدرس المراد، وتحت هذا الدرس أسئلة يطلب من التلاميذ الإجابة عليها. ويمكن بعد ذلك أن يجعل الأهداف مركز الحوار بينه وبينهم. وهذه الطريقة من التدريس لا تصلح إلا في الحلقة الأخيرة من المرحلة الابتدائية "الصف الثالث والرابع" أو الخامس والسادس، ويستحسن تطبيقها بالمرحلتين المتوسطة والثانوية. ٥- أسلوب المسرحية: المسرحية في الغالب تحتاج إلى جهد ووقت طويل للإعداد، لذلك يمكن الاستعانة بها في تدريس الموضوعات الهامة من السيرة, ويكون ذلك أيضا في الصفوف الأخيرة من المرحلة الابتدائية, وهي تقوم على حوار بين التلاميذ. يمثل كل تلميذ شخصية من الشخصيات المراد دراستها ويحفظ دوره بعد كتابته من قبل المعلم وإعداده إعدادا يتلاءم مع مستوى التلاميذ وأعمارهم، ثم يؤدونها في الصف بعد فهمها ومناقشة أبعادها. ويمكننا أن نتصور درسا من دروس السيرة على هذا النحو: ١- التمهيد للدرس تمهيدا مناسبا يهيئ أذهان التلاميذ ويحرك أفكارهم نحو موضوع الدرس.

стр. 207

٢- عرض موضوع الدرس عرضا قصصيا مشوقا، يبرز فيه المعلم مواطن العبرة في حياة صاحب السيرة من حيث مبادئه وأخلاقه، وشخصيته، وإرادته، وتأثيره في المجتمع والناس. ومن المهم أثناء العرض أن يثير المعلم النواحي الوجدانية في التلاميذ، وأن يشيع الجو الروحي بينهم، وأن يحرك في نفوسهم الرغبة في الاقتداء بصاحب السيرة، وكلما استشهد المدرس بالآيات القرآنية والآحاديث التي تتصل بموضوع الدرس، كلما كان ذلك أوقع في نفوس التلاميذ وأدعى إلى الاهتمام بالقرآن والسنة ويجب أن يستشهد ببعض الأقوال المأثورة التي قالها صاحب السيرة التي يدرسها، ولكن في حدود ضيقة تتفق وأفكار التلاميذ ومستوياتهم العقلية. ٣- الاستنتاج: ويحاول فيه المعلم أن يستنتج من التلاميذ جوانب العظمة والعبقرية التي اكتشفوها في الشخصية التي درسوها. وكذلك المبادئ والأهداف والعبر والعظات التي توصلوا إليها. ٤- التطبيق: ويكون بأسئلة واضحة وهادفة، يراد منها اكتشاف مدى ما فهمه التلاميذ من الدرس. وأهدافه، وتعميق المفهوم لديهم.

стр. 208

التهذيب: تدريس التهذيب: التهذيب: في معناه العام يعني "التربية" وفيما نقصده هنا هو بناء الأخلاق وتقويم السلوك، وإيقاظ الضمير، وشحذ الهمم، وتربية الإرادة على أسس إسلامية تؤدي نتائجها إلى وجود الإنسان المسلم الحق الذي يتحلى بأخلاق القرآن وآداب الإسلام، ومبادئه في الأخوة والتسامح والعدالة والمحبة. وهكذا يوجد المجتمع المسلم الذي تهدف التربية الدينية بجملتها إلى بنائه وتكوينه.

стр. 209

أهداف التهذيب: ١- تنمية الشعور الديني عند الطفل، وتمسكه بالفضائل والأخلاق، كما تنهاه عن الرذائل والعادات القبيحة والأمور التي تخالف الدين. ٢- تربي فيه روح الخير والتسامح، وتعوده الثقه في النفس، وقوة الاحتمال والصبر، وضبط الانفعالات، والتضامن مع الآخرين في سبيل الخير والتفاني في العمل، واحترام الآخرين. لتتوفر له السعادة النفسية، والأمن والرضا داخل مجتمعه. ٣- إبراز الاتجاهات القويمة أمام التلاميذ ليتمكنوا عن طريقها من تكوين علاقات اجتماعية سوية وناضجة، أساسها الإخاء والتعاطف والتراحم

стр. 210

فيما بينهم، وغايتها معرفة واجباتهم نحو الآخرين. من احترام للحقوق، وتقدير للمزايا، ورعاية للصالح العام. ٤- تعلم آداب الزيارة والحديث، وما يجب أن يتحلى به الفرد من أخلاق فاضلة سواء كان في البيت أو في المدرسة أو في الشارع، وتعلمه فضيلة الاستماع وحسن المناقشة والترفع عن الدنايا والقبيح من القول والفعل. ٥- المقارنة بين الأهداف والمبادئ التي يتمسك بها الناس في تعاملهم اليومي الآن، وبين الأهداف المبادئ والمثل الإسلامية الحقة، لنغرس في نفوسهم حب الدين والاتجاه إليه والارتواء من فيضه في العلم والعمل. ٦- إبراز ما في التراث الإسلامي من عظمة وحضارة وفكر، وما كان عليه رجاله من خلق وبطولة وفداء. ليعتزوا بهذا التراث. ويحاولوا تقليد عظماء الإسلام والاقتداء بهم. ٧- بيان أن الحياة لا تستقيم إلا بالربط بين الروح والمادة، وأن الإسلام هو الدين الإنساني العام الذي جاء صالحا للدنيا كلها، ولكل زمان مهما اختلفت الأشكال والأجناس والألوان، وبذلك ننمي في نفوسهم الجوانب الروحية، والتمسك بتعاليم الدين. والنفس الإنسانية بطبيعتها لديها الاستعداد للتكوين الخلقي؛ لأن عامل المتعة والألم فيها موجود بالفطرة، والأخلاق تحقق لصاحبها اللذة والمتعة حيث يكون مقبولا بين الناس مستعدا للقاء ربه، ولذلك لم تخل الشرائع الإلهية من التهديد بالنار والوعد بنعيم الجنة، والقوانين والشرائع الوضعية أيضا تتضمن هذين الجانبين, وعن طريق الأخلاق يتحقق الوعد الإلهي بالجنة ويأمن الإنسان سطوة القانون الوضعي فيصل إلى اللذة والمتعة. وبانتفاء الأخلاق أي: خروجه على الأوامر الشرعية أو مخالفة القانون يتعرض للآلام والعذاب. والأطفال أكثر

стр. 211

استعدادا للخضوع لهذين العاملين لذلك نادى جان جاك رسو ومنتسوري بمبدأ عقوبة الطفل، العقوبة التي ترده عن المخالفة وتعود به إلى جادة الصواب، والقصة في التهذيب يجب أن تشمل على بيان الثواب والعقاب وكيف ينال الطفل عطف المجتمع وتضامنه معه، ولماذا يصبح البعض مكروها مبغضا من الآخرين, ومن خلال هذا السياق يعرض المعلم أوجه الثواب والعقاب عند الله وأسبابهما والطرق المؤدية إليهما. ولا يصح أن يكون العرض على هيئة أوامر ونواهي وإنما يجب أن يتضمن من الإيحاء ما يؤدي إلى غرس هذه الأخلاق والمثل -التي أشرنا إليها في النقاط السابقة- في نفوس التلاميذ غرسا يجعلها تصدر عنهم بغير تكلف أو رياء؛ لأنهم إذا أدركوا قيمتها الروحية ونسبتها إلى الله الذي هو وحده العالم بهم وبكل أعمالهم، امتلئوا بجب هذا الخالق العظيم، وشعروا بضرورة الرجوع إليه عند الشدائد. وأخضعوا نوازعهم لرقابة الله طمعا في محبته ورضاه لا عن خوف ورهبة. إذا استطاع المعلم إبراز هذين الجانبين، حب الله. وحب المجتمع، فإنه بذلك يكون قد وصل إلى الغاية المرجوة من دروس التهذيب. وحقق مبدأ إسلاميا عظيما وهو ربط العقيدة بالعمل. وأرى من المفيد في هذا المقام أن أبين بعض الأشياء التربوية التي تساعد على جعل دروس التهذيب أكثر فائدة، وأصدق وقعا في تربية النشء، وتنظيم اتجاهاته الأخلاقية بعيدا عن الانفعالات اللاإرادية، أو التقليد السيئ لحضارات ونظم مستوردة لا تقترب ولا تتشابه مع الإسلام في شيء. أولا: إيمان المعلم برسالته، ومعرفته للدور القيادي الذي يقوم به في بناء الأجيال حيث يشكل هو أعظم قاعدة أخلاقية وإنسانية في حياة أمته وفي نفوس تلاميذه، فهو بالنسبة للأمة المخترع العظيم الذي في معمله تبنى الرجال، وتفتح العقول،

стр. 212

وتحدد الاتجاهات. وبالنسبة لتلاميذه فهو القدوة الفعالة والمؤثرة لفترة طويلة شاء ذلك أم أبى. لذلك يجب عليه أن يزن تصرفاته وأقواله بميزان الحكمة والصدق، حتى يرى فيه تلاميذه صورة الإنسان الذي ننشد تكوينهم على مثاله، وليعلم أن كل حركة وسكنة محسوبة عليه، فالطفل أشد نقدا وأصدق نظرة لمعلمه من أي شيء آخر في حياته. فإذا ما ارتكب هذا المعلم حماقة أيا كان حجمها فإن الطفل سوف يتأثر بها، ويكون تأثره في الغالب ذا أبعاد لا تنحصر في دائرة المدرسة والمعلم، وإنما تتعدى ذلك إلى المجتمع وإلى حياته العملية والخلقية، فليحذر المعلم أن يكون سببا في فساد إنسان وانحلال مجتمع، وانهيار أخلاق. وليضع قاعدة لنفسه في الملبس، والمأكل، والمشرب والقول والفعل داخل المدرسة على الأقل. إن لم يكن في حياته كلها. وليس ذلك بعسير إذا ما عرف المعلم أنه صاحب رسالة، وأصحاب الرسالات يمتازون بصفات أخلاقية معينة. وإذا ما عرف المعلم أيضا أن الطفل الذي يربيه مفطور على المحاكات والتقليد. وأن أول من سيقلده هو معلمه فعليه أن يوجه نفسه إلى كل ما يريد أن يربي عليه أطفاله من أخلاق وعبادات ومعاملات ومثل، حتى يصدر درس التهذيب من صميم نفسه عن قناعة ويقين، وحتى لا يكون أمام تلاميذه أشبه بالمهرج الذي يقول ما لا يفعل، وبالتالي سيعود أطفاله الملق والنفاق والغش والخداع، وعدم اليقين بأي شيء، حتى تهتز في عيونهم صور اليقين نفسه، وبهذا نشاهد مجتمع اللامبالاة والشك والحيرة. ولست أجد مسئولا عن ذلك إلا المعلم بالدرجة الأولى والأسرة بالدرجة الثانية، وليس لغيرهما دور في ذلك إلا بدرجة تشبه اللقاء العابر في حياة الناس. ثانيا: تلك التربية التي تفسح المجال للطفل ليمارس بالفعل العادات والاتجاهات

стр. 213

والأخلاقيات والنظم والأفكار التي يتعلمها في دروس التهذيب: وخير طريق لذلك النشاط المدرسي، فقيام الطفل بالعمل في جمعية المدرسة يعلمه التعاون أفضل من عشرين درسا, وكذلك اشتراكه في فريق من فرق الكرة بالمدرسة أو ممارسته رياضة ما من الرياضات التي تقوم على تعاون الجماعة، وكذلك فإن عشرات الدروس في الآمانة ومئات الأمثلة من الأمناء، لا تعادل قيام التلميذ بأمانة الصندوق لجمعية مدرسية من قبل الطلاب بشكل دوري، وقيام بعض التلاميذ بجمع الزكاة أو الصدقة من أهل الخير والإشراف على توزيعها إلى من يستحق، تربي روح الخير والعطف على الآخرين، أفضل من مائة درس وألف رواية عن فعل الخير وأثره. ويمكننا عن طريق المشاركة الفعلية للتلاميذ في مثل هذه الأمور أن نكشف جوانب الخطأ في تربيتهم المنزلية، وأن نعمل على معالجتها بزيادة الرعاية وحسن التوجيه إلى ما تهدف إليه المدرسة وينشده المجتمع، وبإمكان المدرسة فعلا أن تمحو إساءة البيت إن أخلص القائمون بالأمر، وكانوا هم مثالا أفضل مما شاهد التلاميذ في منازلهم. وهذا يقتضينا أن نبين بعض المواقف التي تؤدي إلى عكس ما تهدف إليه التربية. مثل سوء الظن بالتلاميذ واعتبارهم دائما غير أهل لتحمل المسئولية، فإن ذلك بطريق غير مباشر يحملهم على اليأس والاشمئزاز من العمل، وبالتالي يربي فيهم روح التحدي والخيانة والعنف. فعلينا أن نمنحهم ثقتنا، ونوليهم عطفا يقربنا إلى قلوبهم، ونأخذ المتهم منهم بالنصح الانفرادي في حزم لا يشعر فيه بالتحدي، وبصبر لا يدرك من خلاله التهاون أو الضعف, وبهذا يمكن علاج النفوس المرهفة بلا جرح لها، واكتشاف النفوس الأخرى التي لا ينفع معها التلميح أو التصريح، فننتقل معها إلى مرحلة الحرمان من النشاط ومن مساعدة الجماعة في بعض المواقف, ويمكن أن يشتد العقاب أكثر من ذلك إذا لم تُجد هذه الطريقة, وهذا رأي علماء التربية بالنسبة للأطفال منذ عصر "القابسي". حتى عصرنا

стр. 214

هذا ويجب أن نسير فيه على طريق من النضج يتفق وحاجات العصر، وما تنشده التربية الإسلامية من بناء الروح والجسد. وما نعتبر الأمر فيه إلى التهذيب أوقع من أي درس آخر من دروس المدرسة. ثالثا: التعليم المباشر والمعروف لدى المعلمين. وأفضل ما يكون في التهذيب عن طريق القصة التي تتخللها الآيات والآحاديث النبوية والأمثال والحكم والمواقف التي تقرب السلوك الأخلاقي الذي ننشد تعليمه للطفل من الواقع الذي يعيشه ويحياه، وعلينا أن ننتهز الفرص والمناسبات، كأيام شهر رمضان، لنعلمهم الصدق والأمانة والعطف والرفق بالآخرين، وأن نبين لهم أن الله وحده هو الرقيب علينا في كل قول وفعل، وإن خفي على الناس أمرنا. وكذلك في الأعياد وفي الحج وفي المناسبات الوطنية كل موقف بما يتفق معه من الصفات والأخلاق التي نريد أن تصبح سلوكا لدى تلاميذنا. ولا يخفى علينا أن إرجاع الأمور إلى أصلها وهو الله يؤدي إلى خشوع القلوب وتهذيب الأرواح لذلك يجب أن نركز على بيان حكمة الله في كل شيء وأن الخالق سبحانه ما خلق الكون إلا ليكون دليلا عليه. وأن كل فعل يخرج عن هذه الدائرة فهو ساقط وعبث. والطفل مولود على تلك الفطرة وتقبله لها أيسر من تقبله لأي أمر آخر.

стр. 215

طرق تدريس التهذيب: ١- طريقة السرد في التهذيب: وهي الطريقة يعمد فيها المعلم إلى شرح الدرس المقرر على التلاميذ شرحًا يتفق مع مقدمة الدرس ونهايته، محاولًا بيان الهدف منه, ومظهرًا للأخلاق الفاضلة التي جاءت به. فإذا ما انتهى من شرحه بدأ في توجيه الأسئلة
следующие страницы →