← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10007

طرق تدريس التربية الإسلامية نماذج لإعداد دروسها

عبد الرشيد عبد العزيز سالم

Полный текст (328 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

استعدادا للخضوع لهذين العاملين لذلك نادى جان جاك رسو ومنتسوري بمبدأ عقوبة الطفل، العقوبة التي ترده عن المخالفة وتعود به إلى جادة الصواب، والقصة في التهذيب يجب أن تشمل على بيان الثواب والعقاب وكيف ينال الطفل عطف المجتمع وتضامنه معه، ولماذا يصبح البعض مكروها مبغضا من الآخرين, ومن خلال هذا السياق يعرض المعلم أوجه الثواب والعقاب عند الله وأسبابهما والطرق المؤدية إليهما. ولا يصح أن يكون العرض على هيئة أوامر ونواهي وإنما يجب أن يتضمن من الإيحاء ما يؤدي إلى غرس هذه الأخلاق والمثل -التي أشرنا إليها في النقاط السابقة- في نفوس التلاميذ غرسا يجعلها تصدر عنهم بغير تكلف أو رياء؛ لأنهم إذا أدركوا قيمتها الروحية ونسبتها إلى الله الذي هو وحده العالم بهم وبكل أعمالهم، امتلئوا بجب هذا الخالق العظيم، وشعروا بضرورة الرجوع إليه عند الشدائد. وأخضعوا نوازعهم لرقابة الله طمعا في محبته ورضاه لا عن خوف ورهبة. إذا استطاع المعلم إبراز هذين الجانبين، حب الله. وحب المجتمع، فإنه بذلك يكون قد وصل إلى الغاية المرجوة من دروس التهذيب. وحقق مبدأ إسلاميا عظيما وهو ربط العقيدة بالعمل. وأرى من المفيد في هذا المقام أن أبين بعض الأشياء التربوية التي تساعد على جعل دروس التهذيب أكثر فائدة، وأصدق وقعا في تربية النشء، وتنظيم اتجاهاته الأخلاقية بعيدا عن الانفعالات اللاإرادية، أو التقليد السيئ لحضارات ونظم مستوردة لا تقترب ولا تتشابه مع الإسلام في شيء. أولا: إيمان المعلم برسالته، ومعرفته للدور القيادي الذي يقوم به في بناء الأجيال حيث يشكل هو أعظم قاعدة أخلاقية وإنسانية في حياة أمته وفي نفوس تلاميذه، فهو بالنسبة للأمة المخترع العظيم الذي في معمله تبنى الرجال، وتفتح العقول،

стр. 212

وتحدد الاتجاهات. وبالنسبة لتلاميذه فهو القدوة الفعالة والمؤثرة لفترة طويلة شاء ذلك أم أبى. لذلك يجب عليه أن يزن تصرفاته وأقواله بميزان الحكمة والصدق، حتى يرى فيه تلاميذه صورة الإنسان الذي ننشد تكوينهم على مثاله، وليعلم أن كل حركة وسكنة محسوبة عليه، فالطفل أشد نقدا وأصدق نظرة لمعلمه من أي شيء آخر في حياته. فإذا ما ارتكب هذا المعلم حماقة أيا كان حجمها فإن الطفل سوف يتأثر بها، ويكون تأثره في الغالب ذا أبعاد لا تنحصر في دائرة المدرسة والمعلم، وإنما تتعدى ذلك إلى المجتمع وإلى حياته العملية والخلقية، فليحذر المعلم أن يكون سببا في فساد إنسان وانحلال مجتمع، وانهيار أخلاق. وليضع قاعدة لنفسه في الملبس، والمأكل، والمشرب والقول والفعل داخل المدرسة على الأقل. إن لم يكن في حياته كلها. وليس ذلك بعسير إذا ما عرف المعلم أنه صاحب رسالة، وأصحاب الرسالات يمتازون بصفات أخلاقية معينة. وإذا ما عرف المعلم أيضا أن الطفل الذي يربيه مفطور على المحاكات والتقليد. وأن أول من سيقلده هو معلمه فعليه أن يوجه نفسه إلى كل ما يريد أن يربي عليه أطفاله من أخلاق وعبادات ومعاملات ومثل، حتى يصدر درس التهذيب من صميم نفسه عن قناعة ويقين، وحتى لا يكون أمام تلاميذه أشبه بالمهرج الذي يقول ما لا يفعل، وبالتالي سيعود أطفاله الملق والنفاق والغش والخداع، وعدم اليقين بأي شيء، حتى تهتز في عيونهم صور اليقين نفسه، وبهذا نشاهد مجتمع اللامبالاة والشك والحيرة. ولست أجد مسئولا عن ذلك إلا المعلم بالدرجة الأولى والأسرة بالدرجة الثانية، وليس لغيرهما دور في ذلك إلا بدرجة تشبه اللقاء العابر في حياة الناس. ثانيا: تلك التربية التي تفسح المجال للطفل ليمارس بالفعل العادات والاتجاهات

стр. 213

والأخلاقيات والنظم والأفكار التي يتعلمها في دروس التهذيب: وخير طريق لذلك النشاط المدرسي، فقيام الطفل بالعمل في جمعية المدرسة يعلمه التعاون أفضل من عشرين درسا, وكذلك اشتراكه في فريق من فرق الكرة بالمدرسة أو ممارسته رياضة ما من الرياضات التي تقوم على تعاون الجماعة، وكذلك فإن عشرات الدروس في الآمانة ومئات الأمثلة من الأمناء، لا تعادل قيام التلميذ بأمانة الصندوق لجمعية مدرسية من قبل الطلاب بشكل دوري، وقيام بعض التلاميذ بجمع الزكاة أو الصدقة من أهل الخير والإشراف على توزيعها إلى من يستحق، تربي روح الخير والعطف على الآخرين، أفضل من مائة درس وألف رواية عن فعل الخير وأثره. ويمكننا عن طريق المشاركة الفعلية للتلاميذ في مثل هذه الأمور أن نكشف جوانب الخطأ في تربيتهم المنزلية، وأن نعمل على معالجتها بزيادة الرعاية وحسن التوجيه إلى ما تهدف إليه المدرسة وينشده المجتمع، وبإمكان المدرسة فعلا أن تمحو إساءة البيت إن أخلص القائمون بالأمر، وكانوا هم مثالا أفضل مما شاهد التلاميذ في منازلهم. وهذا يقتضينا أن نبين بعض المواقف التي تؤدي إلى عكس ما تهدف إليه التربية. مثل سوء الظن بالتلاميذ واعتبارهم دائما غير أهل لتحمل المسئولية، فإن ذلك بطريق غير مباشر يحملهم على اليأس والاشمئزاز من العمل، وبالتالي يربي فيهم روح التحدي والخيانة والعنف. فعلينا أن نمنحهم ثقتنا، ونوليهم عطفا يقربنا إلى قلوبهم، ونأخذ المتهم منهم بالنصح الانفرادي في حزم لا يشعر فيه بالتحدي، وبصبر لا يدرك من خلاله التهاون أو الضعف, وبهذا يمكن علاج النفوس المرهفة بلا جرح لها، واكتشاف النفوس الأخرى التي لا ينفع معها التلميح أو التصريح، فننتقل معها إلى مرحلة الحرمان من النشاط ومن مساعدة الجماعة في بعض المواقف, ويمكن أن يشتد العقاب أكثر من ذلك إذا لم تُجد هذه الطريقة, وهذا رأي علماء التربية بالنسبة للأطفال منذ عصر "القابسي". حتى عصرنا

стр. 214

هذا ويجب أن نسير فيه على طريق من النضج يتفق وحاجات العصر، وما تنشده التربية الإسلامية من بناء الروح والجسد. وما نعتبر الأمر فيه إلى التهذيب أوقع من أي درس آخر من دروس المدرسة. ثالثا: التعليم المباشر والمعروف لدى المعلمين. وأفضل ما يكون في التهذيب عن طريق القصة التي تتخللها الآيات والآحاديث النبوية والأمثال والحكم والمواقف التي تقرب السلوك الأخلاقي الذي ننشد تعليمه للطفل من الواقع الذي يعيشه ويحياه، وعلينا أن ننتهز الفرص والمناسبات، كأيام شهر رمضان، لنعلمهم الصدق والأمانة والعطف والرفق بالآخرين، وأن نبين لهم أن الله وحده هو الرقيب علينا في كل قول وفعل، وإن خفي على الناس أمرنا. وكذلك في الأعياد وفي الحج وفي المناسبات الوطنية كل موقف بما يتفق معه من الصفات والأخلاق التي نريد أن تصبح سلوكا لدى تلاميذنا. ولا يخفى علينا أن إرجاع الأمور إلى أصلها وهو الله يؤدي إلى خشوع القلوب وتهذيب الأرواح لذلك يجب أن نركز على بيان حكمة الله في كل شيء وأن الخالق سبحانه ما خلق الكون إلا ليكون دليلا عليه. وأن كل فعل يخرج عن هذه الدائرة فهو ساقط وعبث. والطفل مولود على تلك الفطرة وتقبله لها أيسر من تقبله لأي أمر آخر.

стр. 215

طرق تدريس التهذيب: ١- طريقة السرد في التهذيب: وهي الطريقة يعمد فيها المعلم إلى شرح الدرس المقرر على التلاميذ شرحًا يتفق مع مقدمة الدرس ونهايته، محاولًا بيان الهدف منه, ومظهرًا للأخلاق الفاضلة التي جاءت به. فإذا ما انتهى من شرحه بدأ في توجيه الأسئلة

стр. 216

إلى التلاميذ ومناقشتهم في إجابتها. ثم يسجل على السورة الأهداف والقيم التي أدركها التلاميذ والتي استنتجها من أجوبتهم، وهذه الطريقة وإن كانت سهلة بالنسبة للمعلم إلا أنها لا تحقق المقصود من التدريب العقلي ومشاركة التلاميذ في استنتاج الأفكار والمعاني، ولا تنمي فيهم جانب الخيال وأعمال الفكر. ٢- طريقة المناقشة والقراءة: وفي هذه الطريقة يعلن المدرس عنوان درسه ويطلب من التلاميذ -بعد التمهيد له تمهيدا يبين الغاية منه- يطلب قراءته إن كانوا في الحلقة الأخيرة من المرحلة الابتدائية، ثم يدير المناقشة والحوار بينهم ليصل إلى أهداف الدرس وأفكاره ومعانيه من أفواه التلاميذ، فإن كانوا في الحلقة الأولى، قام هو بقراءة الدرس قراءة نموذجية وهم يتابعونه حتى إذا ما انتهى من القراءة بدأ في الحوار والمناقشة واستخلص النتائج التي يريدها من إجابات التلاميذ، ومع ملاحظة أن يتوقف معهم عند كل قيمة أخلاقية, ويجعلهم يرددونها لتثبت في أذهانهم. وعلى الرغم من أن هذه الطريقة أفضل من طريقة السرد إلا أن طريقة القصة تعد أفضل. ويمكننا عرض درس من دروس التهذيب بهذه الخطوات: ١- التمهيد: وفيه يلمس المعلم شيئا من واقع الحياة يتصل بالدرس. أو يروي قصة صغيرة من قصص الأنبياء أو الشهداء أو الأبطال، أو يذكر سبب نزول آية ثم يتلوها على التلاميذ، وبعد ذلك ينتقل إلى جوهر الدرس. وإن كان الدرس يتعلق بشيء عملي كالصدقة والبر بالوالدين والعطف على الضعيف ومساعدة المحتاج، جعل التمهيد موضحا لأهمية هذه الأعمال

стр. 217

وقيمتها عند الله والناس، وذلك لهيئتهم لموضوع الدرس، ويوجه اهتمامهم إلى الأهداف التي يريد إيصالها إليهم. ٢- موضوع الدرس: ويكون كما ذكرنا في معظم دروس التهذيب عن طريق القصة، ولكنه يجب أن يكون حافلا بالأسئلة والمناقشة فيها، ومحاولة إعادة القصة من بعض التلاميذ، والبحث عن عنوان لها أو لغيرها من القصص الشبهة، وكلما استعان المعلم بتسجيل بعض الأفكار والأهداف على السبورة وطلب من التلاميذ تسجيلها في دفاترهم، كلما كان ذلك أثبت للمعلومات وأوفى للوصول إلى الغرض من الدرس, ولو كان في سياق الدرس حديث أو آية أو مثل أو حكمة فيجب أن يطلب من التلاميذ كتابتها والاحتفاظ بها ومراجعتهم في فهمها وحفظها كلما جاءت مناسبة تتصل بها. ٣- التطبيق: وهو على قسمين: نظري وعملي. أما النظري: فيتعلق بوضع أسئلة تحرك الفكر وتخاطب الوجدان، يتبين المعلم من خلال إجابات التلاميذ عليها مقدار فهمهم للدرس وتأثيره في أفكارهم واتجاهاتهم. وعليه أن يلاحظ أن تكون هذه الأسئلة لها صلة كبيرة بخبرة التلاميذ ومستوياتهم العقلية والتعليمية وأن يتدرج معهم فيها من الأسهل إلى الأصعب، ومن الملموس إلى العقلي, وهكذا حتى يتم له الوصول إلى المحتويات كلها. وأما العملي فيتمثل في ملاحظة سلوك التلاميذ في الصف وخارجه

стр. 218

وتذكيرهم بالأخلاقيات التي ساقها إليهم في آداب المعاملة والسلوك, ومحاولته تقويم المعوج منهم تقويما يشعر فيه التلاميذ بأنه مساق إليه بالمحبة والود والانقياد للمثل والقدوة. ويالروعة ذلك المعلم الذي يعد مفكرة يكتب فيها أسماء تلاميذه ويدون فيها الملاحظات الأخلاقية والسلوكية على كل منهم، ولا يجعلها مصدر تهديد وتخويف، وإنما يجعلها بطاقة علاج وإشراف كبطاقة الطيب لمتابعة مريضه، وكلما حانت مناسبة ضرب الأمثلة بالقدوة منهم ليكون ذلك حافزا على أن يقلده الآخرون ويحاولون محاكاته. ولا شك أن هذا الجهد إنما هو إلى الله ينتظر منه وحده الأجر والثواب، ولا يعلق فعله هذا على رأي الإدارة أو المسئولين، وإلا فلن يكون إلا كمن يصلي ليراه الناس يصلي. وهو في النهاية لن يحصل على شيء لا من الله ولا من الناس. والتربية عموما كالعبادة الروحية الخالصة التي لا سلطان لأحد على القائمين بها, وإنما مردهم إلى الله وحده. فإذا ما أخلص المعلم واجتهد فيما يعمل كان كهذا المتعبد الأواب الذي يقول في كل شيء وعلى كل شيء يا رب. يا رب لك وحدك أوجه قولي وفعلي. ٤- التقويم: وفيه يحرص المعلم على متابعة التلاميذ متابعة لا تتعلق بالمحفوظ والمفهوم. وإنما تتصل بالقيم والأهداف التي ينشدها المنهج، ويخطط لها المعلم في كل درس من دروسه.

стр. 219

تدريس الحديث: أهمية دراسته: ١- اتفق علماء الإسلام على أن الحديث الشريف هو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، أي: يلي "القرآن" المصدر الأول مباشرة, والمتتبع لأحاديث رسول الله ﷺ يجد أنها في جملتها ذكرت في مواقف تربوية وأخلاقية واجتماعية, وأنها تمتاز بالسهولة والواقعية, يدرك مغزاها العالم والجاهل، الكبير والصغير. وأسلوبها بلغ من الفصاحة والدقة ما جعلها سهلة التناول والحفظ. وقد عالج فيها الرسول مشكلات الحياة بمختلف أنواعها. ففيها وصف دقيق لحياته وحياة أزواجه وصحابته والمسلمين من جند وتجار وزراع وصناع. أغنياء وفقراء، كبار وصغار، رجال ونساء وأطفال. وهذا يجعل من الحديث وسيلة تعليمية سهلة لأحكام الشريعة الإسلامية، ولمنهج الرسول وأصحابه في المعاملة والسياسة والأخلاق. ٢- نرى في أحاديث رسول الله كل ما يحتاجه الإنسان لتربيته الروحية والخلقية والنفسية؛ وذلك لأنه يخاطب العقل بالحجة والبرهان، والروح بالعاطفة والإثارة والترغيب والترهيب. والنفس بما يدفعها نحو الكمال والأمان والإطمئنان للحاضر والمستقبل، وهذه الجوانب هي ما يبحث عنها

стр. 220

كل إنسان سواء كان مؤمنا أو غير مؤمن، يعبد الله على حرف، أو يعبده على ثقة ويقين. والطفل أطوع المخلوقات لتقبل هذه الأشياء؛ لأنها تتفق وفطرته التي فطر الله الناس عليها وجعلها في أصل تكوينهم قبل أن تصنع فيهم الحياة صنيعها من تغيير وتزييف ومكابرة. لذلك كان تدريس حديث رسول الله للطفل عملا يتفق ورغباته ويحقق في الوقت نفسه الربط بين العقيدة والعمل والأخلاق. ٣- القرآن الكريم دستور الله لبني الإنسان، لا يختص بقوم دون قوم، ولا بزمان دون زمان، لذلك كانت أحكامه مجملة تحمل من الإشارات والرموز ما يفسح المجال للفعل الإنساني للتفكر والتدبر والإبداع، وحديث رسول الله يفسر لنا كثيرا من هذا المجمل، ويوضح لنا ما ليس في قدرتنا إدراكه ومعرفته ويقوم بالترجمة العملية والواقعية لأحكام القرآن وتعاليمه, فهو إذن في أغلبه شرح وتحليل للقرآن الكريم. لذلك كان تدريس الحديث محاولة معرفة التطبيق العملي لأحكام القرآن. ٤- ومع أن قضايا العصور تختلف باختلاف الناس واختلاف أحوالهم المدنية والصناعية والفكرية، فإننا نجد أن حديث رسول الله في الأمور العامة يتفق مع عصره الذي كان يعيش فيه ومع العصور التي تلته حتى عصرنا الذي نحن فيه. وهذا يعطينا القدرة على بيان تلك المعجزة النبوية للأطفال مما يحملهم على تقدير الرسول وحبه والتعلق به عبادة وسلوكا وخلقا. ويحقق الأمر الإلهي باتباع الرسول في كل شيء كما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١ وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ

стр. 221

أَلِيمٌ﴾ ٢ فاتباع الرسول شرط للإيمان، وتعليم الأطفال كيفية اتباعه كمال للإيمان. لهذا يجب أن يدرك المعلم هذه الأهداف وأن يقصدها في درسه قصدا مشمولا بالمعرفة والإعداد والتنظيم. ٥- تعد أحاديث رسول الله موسوعة كاملة للتراث الإسلامي, ولا يمكن أن يبنى الفرد المسلم بناء سليما إلا إذا أدرك قيمة هذا التراث وأثره في نفسه وفكره وحياته ومستقبله. وإن كانت النظم الحديثة في الدول العربية والشيوعية تضع شعارات وعبارات محددة ليحفظها أطفالهم وليتخذوا منها نموذجا لحياتهم، فأولى بنا نحن المسلمين أن نتخذ من أعظم قول ورد على لسان خير البشر أجمعين، أن نتخذ من ذلك شعارا لنا ولأبنائنا نعتز به ونقدسه ونجله في كل مناسبة وفي كل موقف. وحديث رسول الله يعد من جوامع الكلم، والوقوف عليه لفظا ومعنى يؤدي إلى بناء خلق الأطفال وفكرهم ولغتهم، ويقوي أسلوبهم ويهذب أرواحهم ووجدانهم لذلك كانت فوائد تدريس الحديث متعددة، والاهتمام به في مدارسنا يحقق غايات كثيرة. ٦- يدرك الأطفال منذ الصغر قيمة الكلمة في حياتهم، وفي مواقف كثيرة تراهم يثورون ويتمردون؛ لأن كلمة ينفرون منها قد وجهت إليهم أو وصفوا بها، كما نلمس سعادتهم وشعورهم بالرضا؛ لأن البعض خاطبهم بما يرضي غرورهم ويرفع من قيمتهم أمام أنفسهم. ومن هنا نستطيع أن ندرك أثر الكلمة في التعلم وتربية الأخلاق وتوجيه السلوك إلى الوجهة

стр. 222

التي تنشدها في مجتمعنا الإسلامي وأفضل ما يمكن أن نستغله في هذا الجانب هو حديث رسول الله, وخاصة فيما ورد منه في مواقف تتفق وحاجات الطفولة ومشاكلهم الأسرية والاجتماعية. طرق تدريس الحديث: ١- التمهيد: ويكون بربط موضوع الحديث بواقع الحياة بصورة تتفق ومدركات الأطفال، وجعله مع الدروس السابقة يشكل وحدة فكرية تتصل بفرع من فروع العبادات أو العقائد, وكلما كان التمهيد على شكل قصة متضمنة أسباب ورود الحديث كلما كان ذلك أوقع في نفوس التلاميذ وأدعى لوضوح الموقف الديني الذي نريد تثبيته في أذهانهم. ٢- القراءة الصامتة في الصفين الثالث والرابع. ويجب فيها على المعلم أن يتيح الفرصة للتلاميذ ليتأملوا الحديث لفظا ومعنى، وأن يناقشهم في مفاهيمهم بعد القراءة الصامتة مباشرة ليثير فيهم النشاط الذاتي، وليعودهم الاعتماد على النفس ومتابعة كلام الرسول ﷺ ، وهذا في رأي علماء التربية يؤدي إلى الفهم العميق القائم على الربط بين خبرات الطفل وتفاعله الذاتي. ويستحسن قبل بدء القراءة الصامتة أن يخبرهم المعلم أنه سوف يناقشهم في مضمون القراءة وما تحويه من المعاني والأفكار والأساليب والأهداف حتى يحرك فيهم دافع الدقة والإتقان ويثير بينهم المنافسة. ٣- القراءة النموذجية من المعلم. ويجب دائما أن تكون قراءة متميزة بسلامة النطق وصحة الشكل وفصيح

стр. 223

الأداء، والوقف عندما يجب الوقف عليه، والفصل والوصل في موضعه، حتى تكون قراءة المعلم فعلا متميزة على قراءة التلاميذ ليصح الاقتداء بها، وليكون هو في نظر أبنائه القدوة والمثل. ٤- القراءة الفردية من بعض التلاميذ: وعلى المعلم أن يتابع معهم بدقة، وأن ينبه على الأخطاء التي يقعوا فيها، ويعمل على تلافيها عن طريق المناقشة وبيان الصواب. حتى تحقق الغاية التربوية من القراءة "ضبط الألفاظ، تقوية الأسلوب، الحفظ، التمرين، الفهم" واستخدام السبورة في كتابة العبارات المصوبة في هذه الحالة يفيد كثيرا، ويؤدي إلى تمرين الأطفال على اكتشاف الصواب بأنفسهم. ٥- المناقشة في مضمون الحديث ومعاني الكلمات والأساليب والأفكار التي نبه عليها المعلم عند القراءة الصامتة. ٦- الشرح: ويبين فيه المعلم المعاني والأهداف والمقاصد التي يتضمنها الحديث وعليه أن يقسم الحديث إلى فقرات، ويسأل التلاميذ عن كل فقرة، ثم يدون ما يرشد إليه الحديث على هيئة عبارات واضحة وموجزة، وكلما حرص المعلم على إعداد أسئلة هادفة تشمل كل جوانب الحديث، كان ذلك أهدى له في الوصول إلى الهدف من الدرس عن طريق المناقشة والاستنباط من التلاميذ، وكان الطريق أمامه واضحا ليوسع مدارك التلاميذ، ويجعلهم يعيشون مع صاحب الحديث ﵊ ومع أفكاره وتعاليمه الإسلامية.

стр. 224

٧- المراجعة والتوجيه والإرشاد: وعلى المعلم أن يعد أسئلة خاصة بها، يكون القصد منها إثارة عواطف التلاميذ وتحريك مشاعرهم نحو العمل بما جاء في حديث رسول الله من مبادئ وأهداف، ليتحقق لهم الثواب من الله والسعادة في الدنيا والآخرة. ٨- التعرف على ما يجب حفظه من الأحاديث: ويكون بمراجعة ما يجب حفظه من الأحاديث التي تشتمل على بعض أركان الإسلام، أو تتعلق بأحكام هامة في المعاملات والأخلاق، والاهتمام بذلك في نهاية كل درس، يساعد على تثبيت ما استحفظ منها، ويفسح المجال للتفكير والتأمل في معانيها وأهدافها.

стр. 225

أثر الوسائل المعينة في تدريس الدين: اتفق علماء التربية على أن الحواس لها تأثير كبير في إدراك الأشياء, وأن الشيء المحسوس يصل إلى الفهم من أيسر طريق، ولكن غير المحسوس يحتاج إلى جهد وعناء حتى يفهمه الإنسان. والطفل بطبيعته غير قادر على البحث والتنقيب وراء الخيال، لذلك كان تعليمه كلما كان معتمدا على الحواس كان أيسر وأسهل في إيصال المعلومات إليه، وفوق هذا فإن استخدام الوسائل يبعث في نفوس الأطفال الشوق والرغبة للدرس، ويجسم المعاني أمامهم فيجعلها ملموسة، ويساعد الطفل على تنمية خبرته وربط ما لديه من تصورات بالواقع المحس في الحياة. ويمكن أن نعرف قيمه الوسائل التعليمية إذا تبينا طبيعة الإدراك عند الإنسان، ذلك الإدراك الذي يقوم على النشاط النفسي للفرد ولا دخل لملكة العقل أو الإحساس فيه، بل هو في الغالب يمثل عملية تعرف الفرد على العالم الخارجي ليتمكن من التوافق مع البيئة التي يعيش فيها، والمعرفة والتوافق نتيجتان هامتان للإدراك؛ لأننا بالإدراك نفهم الأشياء والأحداث. وحين ندرك نترجم الانطباعات التي تحدثها المثيرات من بيئتنا إلى وعي بالأشياء والأحداث. وفضلا عن ذلك فإن الأشياء والأحداث التي نعيها وثيقة الصلة بحياتنا العقلية، فنحن

стр. 226

ننشئ الأشياء والأحداث بواسطة عملياتنا الحسية، والحواس هي وسيلة اتصالنا المستمر بهذه الأشياء والأحداث، فالعين والأذن والنهايات العصبية تحت الجلد التي تستجيب للضغط والحرارة والبرودة، والتي في اللسان وتستجيب للطعوم المختلفة، والتي في الأنف وتستجيب للروائح المختلفة هي الوسائل أو المنافذ التي يتم عن طريقها جميع أنواع التعلم. وهكذا فإن إدراكنا للأشياء والأحداث من حولنا في النهاية تتابع لعملياتنا الإدراكية الحسية، ويتضمن ذلك كثيرا من الانتقاء والتنظيم لما ندركه على نحو معين. وتتميز كل الإدراكات بوجود الخبرة الحسية. فالخبرة الحسية المرئية تتكون من آلاف الخصائص البصرية المتنوعة، وتشتمل هذه الخصائص على الألوان المختلفة من أحمر وأصفر وأزرق وأخضر وغير ذلك من الألوان التي تنشأ من امتزاج بعض هذه الألوان أو غيرها, بدرجات تتفاوت بين اللون الغامق والفاتح والزاهي والباهت. وبالمثل في حالة السمع توجد أنغام وضوضاء في صور عديدة تختلف في علوها وانخفاضها، وتستطيع الأذن السليمة أن تميز أكثر من عشرة آلاف صوت مختلف، وفيما يتصل بالذوق يوجد الحلو والمر والمالح والحامض والحريف، وبالنسبة للشم فهناك روائح الأزهار والفواكة والتوابل ورائحة الدخان والروائح المميزة للأشياء الفاسدة وغير ذلك من الروائح المميزة الأخرى، وكذلك بالنسبة للمستقبلات الحسية للجلد وأعضاء الجسم الداخلية، إذ نحصل عن طريقها على خبرات حسية معينة كالضغط والألم والدفء والبرودة. وتعتمد كل هذه الخصائص المتفاوتة للخبرة الحسية على أعضاء الحس وعلى الجهاز العصبي في الجسم، وهذه الخبرات الحسية هي أساس معرفتنا للعالم من

стр. 227

حولنا، وبغيرها لا يمكن أن ندرك أو نعي أي شيء، والوسائل التعليمية البصرية والسمعية أدوات وطرق يمكن بواسطتها أن نوفر للتلاميذ مثل هذه الخبرات الحسية الضرورية للتعلم١. ولا شك أن الوسائل التعليمية تنمي الخبرة وتساعد على عمق الفهم واتساع دائرة التفكير، وخاصة عند الأطفال الذين هم في الغالب يستقبلون الأشياء بصورة كلية غير واضحة الأبعاد في أذهانهم، فإذا استطاع المعلم أن يحللها لهم ويربطها بعضها ببعض عن طريق الوسيلة، فإنه بذلك يساعدهم على بناء خبرة واقعية قائمة على إدراك الأشياء والأحداث في بيئتهم الخارجية، وهذه الخبرة هي أساس التفكير والنشاط العقلي، وأثرها في عملية التعلم متصل ودائم في جميع مراحل التعلم. واستخدام الوسائل بمهارة يساعد في توفير خبرات غنية وخصبة تدفع التعلم وتجعله مثمرا. كما أنها تقوي جوانب الدافعية عند المتعلم وتتلاءم مع ميوله واتجاهاته. وهي تساعد على التركيز والانتباه، وتثير النشاط العقلي الذي يحول دون تشتت أذهان التلاميذ وانصرافهم إلى أحلام اليقظة أو العبث وإثارة الشغب. -ومن الوسائل المفيدة في التربية الدينية: ١- التسجيلات الصوتية: وقد بينت في موضوع تدريس القرآن الكريم أن ألفاظ القرآن وأساليبه وطريقته في الأداء من أعظم وأدق ما عرف من أساليب الكتابة، لذلك كانت القراءة الصحيحة لآيات القرآن الكريم هي وحدها التي توضح معناه وتبين

стр. 228

إعجاز أسلوبه، وهناك علم قائم بذاته يسمى علم "القراءات" أنشأه العلماء للتعرف على الأوجه الصحيحة لقراءة القرآن, فإذا ما قام المعلم بتسجيل الآيات من المصحف المرتل مثلا, واستمع هو وتلاميذه أثناء الدرس إلى التلاوة فإنه بذلك يساعد الأطفال على التعرف على كيفية القراءة مع المد والوقف والفصل والوصل وغير ذلك, وعلى المعلم قبل البدء في إذاعة الآيات المسجلة أن يكتبها بخط واضح على السبورة، أو على لوحة ويعلقها في مكان بارز أمام التلاميذ، ثم يقرأها قراءة نموذجية أكثر من مرة, وبعدها يبين المعنى الإجمالي والتراكيب الصعبة والمفردات الغريبة عليهم، ثم يطلب إلى المجيدين منهم قراءتها, وأثناء متابعته للقراءة عليه أن يلاحظ أخطاءهم وأن يرشدهم إلى الصواب، وهنا يأتي دور المسجل فينبههم المعلم أنهم سوف يستمعون إلى قراءة ممتازة, وأن عليهم أن يتابعوا المسجل بقراءة صامتة دون أن يحركوا شفاههم, فإذا ما انتهوا من الاستماع وضح لهم قواعد القراءة الجيدة على ضوء ما سمعوا من التسجيل. ٢ - المصورات الجغرافية: وهي مفيدة في دروس السيرة والغزوات، حيث إنها تبين الأماكن التي جرت فيها المواقع الحربية, والتي كانت مهد الرسالة المحمدية ونزول الوحي وعاش بها أبطال الإسلام, وعلى المعلم أن يجعل من الوسيلة أداة للتشويق والترغيب في مادة الدرس. ويكون ذلك بأن يطلب منهم التعرف على بعض الأماكن المشهورة في الخريطة المعروضة عليهم. ثم ينتقل معهم إلى المكان المقصود وعنه يبدأ الحديث في الدرس نفسه. وللمصور الجغرافي أهمية في موضوع مثل أعمال الحج ومناسكه, فإنها لا تتضح في أذهان التلاميذ إلا إذا ارتبطت بما يدل

стр. 229

عليها واقعيا، وكذلك بالنسبة للغزوات ولهجرة الرسول ﷺ . ٣- النماذج المجسمة: وهي في الغالب تقوم على نشاط التلاميذ واستغلال ميولهم ورغباتهم، وعن هذا الطريق يمكن أن نأتي لهم بنماذج تتعلق بمناسك الحج كالكعبة والصفا والمروة وجبل عرفات ونشرحها لهم, ثم نطلب منهم أن يصنعوا مثلها، ويا حبذا لو اشترك أساتذة التربية الفنية في مساعدة الأطفال على القيام بذلك، ويمكن أيضا عمل نماذج أعمال الصلاة والوضوء ومساعدة الضعفاء ومعاونة المحتاجين. ٤- الصور والرسوم: ويمكن عن طريقها عرض أركان الوضوء, كأن نأتي بصور مختلفة تعبر كل صورة منها عن عمل من أعمال الوضوء, ونرقم هذه الصور ونكتب عليها العبارة الموضحة لما في الصورة كالنية أو غسل الوجه وغير ذلك مما تتضمنه عملية الوضوء، وتعرض الصور متتابعة على التلاميذ. وبعد العرض يمكن للمعلم أن يستغل الصور أيضا في معرفة إدراك التلاميذ لأركان الوضوء بأن يخفي الكتابة عنهم, ويسألهم على ما تدل عليه الصورة, وكذلك يمكنه نزع الأرقام ووضع الصور غير مرتبة ويطلب منهم ترتيبها, وتكرار هذه العملية يساعد على التعرف على عملية الوضوء، كما يمكن اتباعه أيضا في دروس الصلاة. وفي بيان معاني القرآن، وموضوعات التهذيب كالنظافة، والأحاديث النبوية. فلو أردنا توضيح معنى قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ﴾ وأحضرنا صورة لسنابل القمح, وبينا عليها أن الله يزيد أجر المنفق في سبيله إلى سبعمائة مثل كما

стр. 230

أنبت من الحبة سبعمائة حبة لكان ذلك أوقع في نفوس التلاميذ, وأدل على المعنى, وكذلك لو أحضرنا صورة تمثل المغتاب وهو يأكل لحم إنسان ميت, فإننا نبين مقدار ما في الغيبة من بغض ونفور الله والإنسان منها. وغير ذلك من الأمثلة الكثير الذي يمكن التعبير عنه بالصور والرسوم. والمدرس النابه الذي يؤدي مهنته بحب وشغف يستطيع أن يبدع الكثير في هذا المجال. ٥- السينما: وعن طريقها يمكن تدريس كثير من دروس التربية الدينية كدروس العبادات, إذ يمكن أن تصور أعمال المصلي أو الحاج أو المتوضئ خطوة خطوة، ويعرض ذلك كله بواسطة شريط سينمائي، ويمكن للمعلم أن يبدأ الدرس بشرح نظري لأعمال الصلاة, يعتمد فيه إلى حد ما على معلومات بعض الأطفال, ثم يكمل ما ينقصهم من معلومات عن طريق التوضيح والمناقشة معهم، وبعد ذلك ينتقل إلى قاعة العرض السينمائي فيشاهدوا معا كل ما يتصل بالدرس, وبعد العرض يقوم باستجوابهم عما شاهدوه ويناقشهم فيه من الوجهة التحصيلية والفكرية, ولا شك أن هذا يساعد التلاميذ على إدراك أركان العبادة التي يشاهدونها إدراكا يجعلهم وكأنهم يمارسونها بالفعل. ٦- التمثيليات: وهي من أقوى الوسائل في التربية الدينية؛ لأن التلاميذ يعشقون تقليد الآخرين، والمحاكاة عندهم فوق أنها طبيعية في هذا السن فإنها محببة إلى نفوسهم، واستغلال هذه الرغبة فيهم تؤدي إلى وصول المعلومات إليهم وثباتها في أذهانهم من غير عناء ولا تعب، ويجب أن تكون هذه التمثيليات قصيرة خالية من التعقيد والإغراب في العقدة، وأن يحرص المعلم على أن تكون

стр. 231

المواقف فيها دالة على ما يريد إيصاله إليهم من أهداف, وأن تحتوي على النقاط الهامة في الدرس, ونحن نعلم أن التمثيل يعلم الأطفال الشجاعة والقدرة على مواجهة المواقف، ويدرب لسانهم على الفصاحة، ويثير في نفوسهم الرغبة، ويبعث نشاطهم، ويجعلهم يتمثلون مواقف التمثيلية باندماجهم في أدوارهم أو في المشاهدة ومتابعة الممثلين فيما يقومون به. ٧- القصص: وقد سبق الحديث عن ذلك بالتفصيل في أساليب تدريس السيرة وفي التهذيب, وأحب أن أشير هنا إلى أن المدرس يمكنه أن يجعل أشخاص القصة من التلاميذ, وأن يدير الحوار بينهم ليصل إلى ما يريد، بشرط ألا يسيء إلى أحدهم أو يضعه في موقف يلتصق به, ويكون سببا في اتهامه أو وصفه بما لا يحب. وبعد أن يعرض المدرس القصة بأسلوب واضح لا يرتفع فيه فوق مستوى التلاميذ، ولا يتدنى إلى مخاطبتهم بأسلوب العامة. يعود فيسألهم أسئلة تتعلق بأهم مواقف القصة، ويتدرج معهم بهذه الأسئلة ليصل من خلالها إلى الأهداف التي ينشدها من الدرس، وعليه أن ينظم أسئلته من قبل, وأن يعدها إعدادا يحقق الغاية المرجوة من الموضوع الذي يدرسه. وكلما كانت الأسئلة قصيرة ومباشرة، كلما كانت الفائدة أعم وأشمل. ٨- البطاقات: وهي وسيلة متبعة في تعليم القراءة والكتابة، ولكنها هنا تستخدم استخداما يختلف عما تستخدم فيه في القراءة والكتابة؛ لأننا هنا نريد أن تكون البطاقات أشبه بلوحات الإعلانات والشعارات, التي يحاول المعلم عن طريقها أن يجعل أهدافا معينة تلاحق التلاميذ في غدوهم ورواحهم كما تلاحقهم الإعلانات والشعارات على قارعة الطريق.

стр. 232

لذلك يجب أن يحدد المعاني والأهداف والمبادئ الهامة في الدرس, وأن يكتبها على بطاقات بخط واضح وجميل، وأن يعرضها على التلاميذ في الوقت المناسب، بمعنى أن يبرز البطاقة التي تتعلق بهدف معين بعد حديثه عنه وشرحه شرحا يجذب التلاميذ إليه, ويبين قيمة هذا الهدف وأثره في حياتهم، ويستحسن أن يطلب منهم كتابته في دفتر خاص بالتربية الإسلامية, وهكذا حتى تتجمع لدى التلاميذ جملة من الأهداف والمقاصد والتعاليم الإسلامية, ويمكن أن تكون البطاقة وسيلة لإيصال المعلومات أو تعميق المفهوم منها, كأن يكتب عليها أركاة الصلاة أو الحج أو الوضوء ويطلب من التلاميذ ترتيبها, أو يكتب عليها نصف عبارة تتعلق بحكم من الأحكام أو رأي من الأراء أو هدف من الأهداف, ويطلب من التلاميذ إكمال ما بها من نقص. وهناك طرق كثيرة يمكن استخدام البطاقات فيها, وكلها ترجع إلى اجتهاد المعلم وحسن تصرفه. ٩- الجمعيات الدينية المختلفة: واهتمام المعلم بهذه الجمعيات لا يقل قيمة عن اهتمامه بدروسه وأعماله المدرسية, بل هي بالنسبة للمعلم الذي يعرف دوره في تربية جيل وبنائه بناء يتفق والمبادئ والأخلاق الإسلامية تعد أهم وأعظم خطرا، إذ عن طريق هذه الجمعيات سوف تمارس الأخلاق والتربية الإسلامية ممارسة عملية, ومن أمثال هذه الجمعيات: جمعية البر والإحسان، جمعية الصداقة والتعارف، جمعية النظافة والسلوك الحسن، جمعية الإصلاح بين المتخاصمين، جمعية الزكاة وجمع الصدقات, ويكون إشراف المعلم على هذه الجمعيات هو وزملاؤه من المدرسين قائما على التواضع والانصهار مع التلاميذ, حتى تكون النتيجة المرجوة ملتمسة من التطبيق العملي، لا من مجرد الشكل والإطار الذي تكون فيه هذه الجمعيات.

стр. 233

والاجتماعية، وكلما وجد مناسبة قام بزيارات في منازلهم، كعوده مريض، أو السؤال عن سبب غيابه عن المدرسة، أو مشاركته في أفراحه وأعياده وأحزانه. كل هذا لا يتطلب عناء كبيرا من المعلم لو كان صادق العزم، ويحقق أكبر النتائج في الوصول إلى تمثل التعاليم والأخلاق الإسلامية بين الأطفال وأسرهم بل والمجتمع المحيط بهم. ومن هنا كانت الزيارات واللقاءات من أهم الوسائل لغرس الفضائل الدينية بالأسلوب العملي من غير حاجة إلى موعظة أو توجيه. والأطفال بفطرتهم مزودون بعاطفة دينية، ولكنهم محتاجون إلى من يساعدهم على تنظيمها وإبرازها في مجال السلوك، وليس هناك من وسيلة لذلك أفضل من القدوة الصالحة والمثل الطيب، فإذا ما استطعنا نحن المعلمين أن نقوم سلوكنا وأن نتمثل القيم والمبادئ الإسلامية في أقوالنا وأفعالنا، استطعنا أن ننفذ إلى قلوب التلاميذ، وأن نستثير عاطفتهم الدينية ونذكيها في نفوسهم مما يحملهم على الانتقال بفطرتهم إلى الواقع، ويدفعهم إلى تقويم المعوج من سلوكهم، بل وحتى نقد ما يخالف تلك الفطرة من نوازع شتى تسود مجتمعهم المحيط بهم. والذي كثيرا ما تطغى عليه جوانب المنفعة، وتتدنى به الشهوات والرغبات والأهواء إلى مسارب بعيدة عن تلك الفطرة الدينية التي فطر الله الناس عليها.

стр. 234

أثر الوسائل المعينة في تدريس الدين ... ١٠- القدوة الصالحة: وهي لا شك تعد من أهم الوسائل في غرس الفضائل في نفوس التلاميذ؛ لأن الأطفال يلتقطون الأشياء وخاصة من معلمهم كما تلتقط آلة التصوير الصورة والمناظر, فإذا لم يراع المعلم الحكمة في أقواله وأفعاله وتصرفاته انتقلت منه إلى التلاميذ, وتبدل النفع الذي نرجوه من درسه إلى سيئات يحملها الأطفال عنه, ولذلك فإنه معلم الدين بل وكل معلم للأطفال يجب أن يكون نموذجا للفضائل والأخلاق السامية؛ لأنه بذلك يحقق نفعا لأبنائه ولأمته أفضل من ألف درس. وكلما كان المعلم مهذبا مع تلاميذه، عطوفا عليهم، راقيا في معاملته، صادقا في قوله، معتدلا في رأيه, كلما كان ذلك أدعى لحب تلاميذه له وتعلقهم به في القول والفعل. ونتج من خلال ذلك تعديل سلوك التلاميذ وتنمية الجوانب الخلقية في نفوسهم. ١١- الرحلات: وليس كالرحلة شيء يجعل الطفل يرى بعينه ما يقرأه ويسمعه من الدروس الدينية، والرحلة إلى الأماكن المقدسة فوق أنها توضح المعلومات لدى الأطفال فإنها تضفي عليهم جوا روحيا, يحببهم في دروس الدين، ويجعلهم يتعلقون بها. ١٢- الزيارات واللقاءات بين الجماعات الدينية بالمدرسة: ليس هناك من ينكر على الإسلام جماعيته وقيامه على المحبة والسلام، وتحقيق ذلك في جو المدرسة ميسر لو توفرت النية الصادقة والإخلاص لله من معلمي التربية الإسلامية، لذلك يجب أن تكون لقاءات المعلم بتلاميذه دائمة وهادفة، يقصد من خلالها التعرف على مشاكلهم وحاجاتهم النفسية

стр. 235

الإسماع ووسائله: يميل الطفل إلى الجديد والمثير في حياته، لذلك كلما كان مدرس الدين واعيا ومتفهما لأبعاد درسه كلما كان من السهل عليه استخدام الوسيلة المناسبة, التي تشوق الأطفال إلى الدرس وتدفعهم إلى العناية به وترقب مواعيده، والوسائل المستخدمة كثيرة, وقد مرت الإشارة إليها، ولكن ما يهمنا هنا هو استخدام الوسائل السمعية في تدريس القرآن الكريم, ومعرفة ما هي الوسائل السمعية, وما أثرها ومتى تستخدمها في دروس القرآن الكريم. وسائل الإسماع غير الإذاعة المدرسية نوعان: الأسطوانات وأشرطة التسجيل. أما الأسطوانات فعملية التسجيل عليها وملاحظتها والعناية بها تحتاج إلى مهارات فنية ورعاية شديدة, مما يصعب على المدرس القيام بهما، لذلك فإن استخدامها قليل وغالبا ما يكون بأسطوانات جاهزة ومعد عليها المادة المراد تدريسها من قبل فنيين في التسجيل, وهي يمكن استخدامها في كثير من موضوعات الدراسة، كالقصص والأناشيد وألعاب التسلية وأصوات الحيوانات وغيرها, مما يتعلق بتلاميذ الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية، وفي دروس الدين يمكن أن تسجل عليها آيات القرآن وسوره المقررة على تلاميذ هذه المرحلة، وكذلك

стр. 236

أركان العبادات، وقصص عن السيرة وعن الفضائل التهذيبية وبعض أحاديث الرسول ﷺ . والأسطوانات مع صعوبة التسجيل عليها، فإنها سهلة الكسر أيضا وفي حالة حدوث أخطاء وقت التسجيل يصعب محو هذه الأخطاء وتصحيحها, وكذلك تقل جودة الصوت المسجل ووضوحه بعد استخدام الأسطوانة عدة مرات. أما التسجيل على أشرطة فهو عملية سهلة، ويمكن للتلاميذ عمل بعض التسجيلات بعد تدريب بسيط على استخدام الميكروفون وآلة التسجيل، مما جعل استخدام أشرطة التسجيل أكثر انتشارا وأوفى بالغرض, ويمكن أيضا محو ما على الشريط وتبديله مئات المرات من غير أن يحدث للشريط تلف أو فساد في الصوت. وتستخدم أشرطة التسجيل في مجالات كثيرة أذكر منها١: ١- تسجيل البرامج التعليمية الإذاعية لاستعمالها ضمن النشاط التعليمي في حجرات الدراسة. ٢- تسجيل الأحاديث والمناقشات التي يشترك فيها بعض التلاميذ, ثم الاستماع إليها ثانية مع بقية التلاميذ في الفصل، وتقويمهم لأنفسهم لمعرفة نواحي القوة ونواحي الضعف في أحاديثهم ومناقشاتهم والاستفادة من نتائج هذا التقويم. ٣- توفر للتلاميذ فاقدي البصر خبرات سمعية في مجالات مختلفة. ٤- وهي تستخدم في دروس القراءة واللغة وخاصة مع تلاميذ مدارس الحضانة والمدارس الابتدائية وذلك في المجالات الآتية: أ- التدريب على الاستماع والتمييز بين الأصوات والكلمات.

стр. 237

ب- القراءة الجهرية. جـ- العناية بالتلاميذ بطيئي القراءة. د- القراءة العلاجية وعلاج عيوب الكلام والنطق. هـ- تنمية القدرة على التعبير الخلاق. و دروس الإملاء. ز- تعليم اللغات الأجنبية. ٥- تسجيل الكلمات والخطب التي يلقيها القادة في المناسبات القومية الهامة, وتسجيل الأحاديث التي تجري أثناء المقابلات الشخصية معهم، وتسجيل صور صوتية للحياة خارج المدرسة في المتجر أو المصنع أو السوق أو في غيرها من الأماكن ونقلها إلى حجرات الدراسة. وأثر هذه الأشياء واضح بالنسبة لكل قائم بعملية التعليم, وهي بالنسبة للتربية الدينية بالذات تعد ذات أثر فعال؛ لأنها تساعد على مراجعة الأحكام والمبادئ والأهداف الإسلامية, والتثبت منها قبل عرضها على التلاميذ، وكذلك تعاون التلاميذ على فهمها ووعيها نتيجة للتكرار الذي يمكن أن يفعله المعلم لسهولة ذلك بالمسجل, وأما بالنسبة لآيات القرآن الكريم فإن استخدامها أكثر حاجة, إذ من المعروف أن القرآن الكريم لعظمة أسلوبه ودقته يحتاج إلى مهارة فائقة في القراءة والأداء, فإذا ما سجلت الآيات على شريط من قبل المعلم أو من أحد المقرئين المشهورين فإن ذلك يساعد التلاميذ على إدراك هذه الآيات إدراكا صحيحا، فوق أنه يؤدي إلى حفظ هذه الآيات بسهولة أكثر من عرضها بدون جهاز التسجيل، ويستطيع المعلم أيضا أن يسجل معاني الكلمات وبعض الأحكام التي يريد إبرازها للصفوف النهائية من المرحلة

стр. 238

الابتدائية, وأن يستمع هو وتلاميذه إليها ويناقشهم فيها. ويمكن أن يسجل المناقشة بينه وبين تلاميذه, وأن يعرضها عليهم في نفس الحصة أو في حصة أخرى ليدفعهم إلى الانتباه والدقة ويثير في نفوسهم الرغبة في المنافسة الشريفة والتعلق بالقرآن الكريم وأحكامه، ومرجع ذلك كله إنما يتوقف على مهارة المعلم, وعلى حسن استخدامه للوسيلة في الوقت والغرض المناسبين.

стр. 239

لمحات تربوية إسلامية: اتبع الرسول ﷺ طرقا مختلفة لتعليم المسلمين القرآن والأحكام الشرعية، وكان في كل طريقة هو نفسه مضرب المثل حتى يقتدي به الناس في أعمالهم، وحتى يكون نموذجا يحتذى للمربين والمعلمين في مختلف العصور. ومن الطرق التي اتبعها طريقة "المحاولة والتجربة" فهو يترك المسلمين يحاولون عن طريق الاجتهاد الوصول إلى الصواب في أقوالهم وأعمالهم، ويسلكون في محاولاتهم مختلف التجارب الفكرية والعملية، فإذا ما وصلوا من خلالها إلى الصواب أقرهم على ذلك، وإلا قام هو بالتطبيق وبين لهم أوجه الخطأ، وفي الحديث الشريف أن صحابيا دخل المسجد فصلى في ناحية منه ثم جاء إلى الرسول ﷺ وكان يجلس مع بعض أصحابه، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال الرسول: "وعليك السلام, ارجع فصل فإنك لم تصل" , فصلى وعاد فراجعه الرسول، ثلاث مرات.... فقال الرجل في الثالثة: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني. فعلمه الرسول، وتركه يعيد صلاته حتى أتقنها. والمسلمون يشاهدون ما يحدث. وعلى هذا النحو كان ﷺ يستحفظ الصحابة الآيات والأدعية, وقد روى بعض الصحابة أن الرسول كان يعلمهم الاستخارة كما يعلمهم

стр. 240

السورة من القرآن. أي: إنه كان يهتم بتعليم المسلمين بطريقة تساعدهم على حفظ الأشياء وفهمها وتدبر معانيها. وهذه الطريقة تكاد تتفق مع "طريقة المشروع" التي نادى بها "جون ديوي" الفيلسوف الأمريكي؛ لأن طريقة المشروع تهدف إلى تكوين شخصيات التلاميذ وتعويدهم الاعتماد على أنفسهم في بحث المشكلات وحلها, وخطواتها مسايرة للخطوات التي يترسمها العقل في الإدراك الفكري، وهي الإحساس بوجود مشكلة، ثم تحديدها بالضبط, ثم فرض ما يمكن من الفروض التي تحل بها المشكلة، ثم الشروع في حل المشكلة بعد ترجيح أحد الفروض حتى يتوصل إلى الحل النهائي لهذه المشكلة. وما سقته كمثال تربوي في عصر الرسول ﷺ لا يخرج في غايته عن هذه الأهداف، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على تقدمية الإسلام، وعلى أنه الدين الحق الصالح لكل زمان ومكان. وأنه في تطبيقه العملي يكفل للناس جوانب التقدم الفكري والتطبيقي. وكما استعمل الرسول ﷺ طريقة "التجربة" استعمل أيضا الطريقة "الحسية" تلك الطريقة التي ينتقل فيها المرء من المحسوس إلى المعقول، والتي يقرب بها المعنى البعيد بتشبيهه بالمحسوسات التي تمتلئ بها الدنيا، فقد روى الإمام أحمد عن جابر قال: "كنا جلوسا عند النبي ﷺ فخط خطا هكذا أمامه وقال: "هذا سبيل الله" وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال: "هذه سبل الشيطان" ثم وضع يده في الخط الأوسط وتلا قول الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وحين سأله الصحابة يا رسول هل نرى ربنا يوم القيامة؟ أجاب: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة القدر"

стр. 241

قالوا: لا يا رسول الله، فضرب مثالا آخر فقال: "هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب" قالوا: لا يا رسول الله قال: "فإنكم ترونه كذلك". وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تقرب المعنى لأذهان الناس بالمحسوسات التي يدركونها ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وفي وصف نعيم الجنة بصفات تشبه نعيم الدنيا أكبر دليل على ذلك يقول تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تتعلق بالبعث والنشور والحساب ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ وبهذه الطريقة استطاع المسلمون أن يتفهموا أمور دينهم ودنياهم، وأن يربطوا حاضرهم الدنيوي بمستقبلهم الأخروي، وكانت قدراتهم على تفهم الأشياء تمتاز بالعمق والدقة. وطريقة "منتسوري" المربية الإيطالية الشهيرة لا تخرج عن ذلك في شيء, فهي تعتمد على تقوية الحواس وجعلها أبواب المعرفة, وقد جربت طريقتها في تعليم ضعاف العقول من الأطفال في أول الأمر فنجحت نجاحا باهرا، واستطاع هؤلاء الضعاف اللحاق بإخوانهم العاديين, ويمكن الاستفادة بهذه الطريقة في تعليم الأطفال مبادئ القراءة والكفاية، وإيصال مفاهيم الأشياء إلى أذهانهم، كما أنها تساعد الكبار على الربط بين المرئي وغير المرئي.

стр. 242

فعلينا أن نلاحظ ما كان يصنعه الرسول ﷺ ، وما دربنا عليه القرآن، وجاءت به النظريات الحديثة في تعليم أطفالنا, فنستخدم من الوسائل ما يقرب إلى إفهام التلاميذ معاني القرآن, وننقل لهم صورا ورموزا من الطبيعة التي يعيشون فيها تتعلق بالمعاني الواردة في الآيات، حتى نعلم أطفالنا كيف يربطون دينهم بدنياهم، وكيف يتوصلون إلى فهم المعنى بملاحظة المحسوس والمدرك. وقد استخدم الرسول أيضا طريقة الحوار والتكرار. وهي طريقة تربوية عرضها الفلاسفة منذ القدم ويسمونها الطريقة "السقراطية" لأن سقراط الفيلسوف الإغريقي أول من استعمل الأسئلة الحوارية لقصد تعليمي وأخلاقي. وهي طريقة تصلح لتعليم الصغار؛ لأنها تقوم على أسئلة تحاورية من المدرس إلى تلاميذه, وتكون الأسئلة في الغالب قصيرة سهلة متصلة بشيء يسهل على التلاميذ ملاحظته وإدراكه، ومن فوائد هذه الطريقة أنها تتيح للتلاميذ فرصة التعبير الحر عما يجول بخواطرهم. والكشف عن الحقائق بأنفسهم. وقد كثر استعمال هذه الطريقة بين الرسول وأصحابه. فقد روي عن معاذ بن جبل أن الرسول ﷺ سأله "هل تدري ما حق الله على العباد يا معاذ" وكررها ثلاثا ومعاذ يجيب في كل مرة "الله ورسوله أعلم" وبعد الثالثة, قال الرسول: "إن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" وأسئلة جبريل للرسول عليهما الصلاة والسلام عن الإيمان، والإسلام والإحسان، والحياء مشهورة معلومة, والقرآن الكريم استعملها كثيرا ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وغير ذلك مما لا يمكن حصره، وقد اكتفيت بالإشارة إلى ذلك ليتعرف المعلم

стр. 243

على نهج الإسلام في التعليم والتثقيف. وعلى المعلم أن يختار ما يلائم تلاميذه من الطرق، وأن يسلك مختلف السبل ليحقق أقصى الغايات في التربية الإسلامية، وفي تثبيت أهدافها في عقول التلاميذ. وأحب أن أشير إلى أن تعاليم الإسلام تعنى أول ما تعنى بتربية الأخلاق وتهذيبها، والأخلاق ليست دروسا تلقن ولا كلمات تستحفظ، إنما هي عادات وعواطف يمتلئ بها وجدان الطفل، حتى تصبح جزءا من ذاته وكيانه، فإذا مارسها جاءت منه عن قناعة ورغبة، وتركت في نفسه راحة وطمأنينة, وليس في إمكان المعلم تحقيق ذلك، إلا إذا ضرب المثل بنفسه ليقتدى به، وإلا إذا تخير الوقت المناسب ليحرك وجدان الأطفال للمعنى الذي يريد أن يغرسه في نفوسهم, والوقت المناسب يأتي عرضا أثناء الدرس, فلو افترضنا أن الدرس عن سورة "الكوثر" والدرس يقوم على الحوار والمناقشة بين المعلم والتلاميذ, فإن الوقت الملائم هنا لغرس المبدأ الحقيقي المراد من السورة يكون عند سؤال التلاميذ عن معنى "النحر" وهنا بعد بيان المعنى يعلمهم "شكر الله" على منحه وعطاياه، ويبين لهم فضيلة الشكر وأثرها في حياة الإنسان, ويا حبذا لو كان هذا الدرس في مناسبة عيد الأضحى, وكذلك يجب أن يبين لهم رزيلة البغض وما تجره على الناس من ويلات عند بيان معنى "شانئك" ومعنى "الأبتر" ولا يكون الدرس مجرد شرح الكلمات, وتوضيح معناها واستعراض الأفكار الموجودة فيها؛ لأن ذلك لا يتناسب مع دروس الدين، التي هي في جوهرها عملية أخلاقية. تربي الفضيلة، وتمحو الرذيلة، وتطهر الروح. وترقق الوجدان. وقد حرص الرسول ﷺ في تعليمه لأصحابه على الربط بين أمور الدنيا التي تدور بها حياة الناس، وبين آمال الآخرة التي إليها المستقر وفيها البقاء الدائم، فجاءت كلماته موازنة بين الخيرين ورابطة بينهما، مما يجعل المرء

стр. 244

وكأنه يشاهد الحياتين معا, ولنقرأ معا تعبيره عن مظاهر رحمة الله وتقديره للعلم وأهله في قوله ﷺ : "من نَفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة, وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ١. فالحديث يبين أن الإسلام يعنى بتعليم أبنائه وتعويدهم على التعاون, وبذل ما يستطيعون من المعونات للآخرين، صغرت هذه المعونات أو كبرت, ويحثهم على العلم والجهاد في سبيله؛ لأن في ذلك كشف لقدرات الله وعظمة مخلوقاته. وهي تربية جهلها المسلمون حقبة طويلة من الزمان, مما أدى إلى تأخرهم وتراجعهم عن ركب التقدم والانطلاق في معرفة أسرار الكون وخفاياه، مع أن القرآن الكريم الذي يضم بين دفتيه "٦٢٣٦" آية٢ حث على العلم والعمل في سبيله في ثلاث وستين وسبعمائة آية منها٣ وهو مقدار كبير إذا ما قورن بالقضايا المتعددة التي شملها القرآن الكريم في التشريع والآداب والسلوك وقصص الأنبياء وأخبار الأمم السابقة, وذكر الجنة والنار والحساب وغير ذلك، وليس بين الكتب السماوية الأخرى ما حفل بالعلم وأهله عشر معشار ما حفل به القرآن الكريم، ولكن الجهل الذي خيم على المسلمين أجيالا طويلة وقف حائلا بينهم وبين إدراك هذه

стр. 245

الحقائق والعمل بها، ولن يستطيع المسلمون إدراك ذلك والعمل به إلا إذا قامت التربية في مدارسهم وجامعاتهم ومعاهدهم على الأسس الصحيحة لهذا الدين، وأخذت من ينابيع الأحكام والقضايا الإسلامية مناهجها وطرقها في التعليم والتعلم, وحول هذا يقول الرسول ﷺ : "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" ١ فهو يبين أن رقي الإنسانية وتقدمها وسعادتها في تعلم هذا الدين والعمل به، وأن أفضل الناس من كان عالما عاملا نافعا لنفسه ولغيره, وأن شر الناس من لم ينفع نفسه ولا غيره، وأن الدين حق ثابت لا يتغير وصراط الله مستقيم لا ينحرف، وإنما الناس هم الذين يتغيرون وتتبدل أحوالهم وعقولهم ومعارفهم، وأن أمل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في العمل بهذا الدين، والقيام على مبادئه وأحكامه دون نقص أو تغيير، وأن البشرية ستظل في متاهتها تدور في حلقات مفرغة حتى تهتدي إلى نور هذا الإيمان, فتعمل به فيعم الأرض الأمن والسلام والمحبة، والله ﵎ يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢. ولا نريد أن نكون كمن حملوا التوراة، فنعيش في دنيانا مسلمين بشهادات الميلاد والمواطن والنسب, وكل أعمالنا ومواقفنا وأحكامنا وقضايانا بعيدة كل البعد عن الإسلام ومناهجه، والمدرسة الابتدائية تعد ميدانا خصبا لغرس هذه

стр. 246

المبادئ ورعايتها؛ لأن تلميذ هذه المرحلة على استعداد فطري لتقبل المعلومات التي تطرح عليه, سواء كانت متصلة بحياته وعمله اليومي وممارساته للعب وفي نطاق الأسرة، أو كانت متصلة بالغيبيات والأمور التي يجهلها جهلا كليا, ولا يستطيع أحد أن يجد لها رابطا من مشاهداته ومعارفه, بشرط أن تنقل إليه بطريقة يتقبلها عقله, ويشعر في ذاته أن لها مردودا يعود عليه وعلى المحيطين به في الأسرة والمجتمع. والمنهج الإسلامي بأصوله الأساسية "القرآن، والحديث" ثابت في مقوماته ومبادئه؛ لأنه كما أراد الله متفق وطبيعة الإنسان، وللإنسان كينونة ثابتة، لا ينتقل منها إلى كينونة أخرى. وما يحدث له عبر العصور من تحولات وأطوار تلابس حياته لا تغير من طبيعته ولا تبدل من كينونته، ولا تحوله خلقا آخر، وإنما هي تغيرات سطحية كالأمواج في الخضم، لا تغير من طبيعته المائية, بل لا تؤثر في تياراته التحتية الدائمة المحكومة بعوامل طبيعية ثابتة، وقبل نزول القرآن وبعده عرف الناس أحوالا كثيرة من التغيير والتبديل في الآراء والأفكار والاتجاهات, ولكنها لم تعرف تغييرا مماثلا في بنية الإنسان وذاته بل ظل الإنسان هو الإنسان، وظلت حاجته الدائمة الدائبة إلى منهج رباني يصونه ويحميه من كل ما هو دائر فيه من ماض وحاضر ومستقبل, وظلت فطرة الإنسان تدعوه إلى الإيمان سواء كان إيمانا صحيحا مرده وملتمسه التنزيلات الإلهية, أم كان من صنع البشر واختراعاتهم وأوهامهم. والقرآن كمنهج إلهي واجه بوضوح تلك الكينونة البشرية الثابتة؛ لأنه من صنع المصدر الذي صنع الإنسان، فهو يواجه حياته بظروفها المتغيرة، وأطوارها المتجددة بنفس المرونة التي يواجه بها الإنسان ظروف الحياة المتغيرة، وأطوارها المتجددة وهو محافظ على مقوماته الأساسية، مقومات الإنسان. وفي الإنسان هذا الاستعداد وهذه المرونة، وإلا ما استطاع أن يواجه ظروف الحياة وأطوارها،

стр. 247

وهي ليست ثابتة من حوله، وفي المنهج الرباني الموضوع لهذا الإنسان ذات الخصائص، بحكم أنه صادر من المصدر الذي صدر منه الإنسان، ومودع خصائصه ذاتها، ومعد للعمل معه إلى آخر الزمان, في البيئة الزراعية والصناعية، العلمية وغير العلمية التي تبحث عن الحقيقة والتي تفلسفها، الغنية والفقيرة، الجاهلة والعاملة, لهذا يستطيع هذا المنهج وتستطيع نصوصه من القرآن والحديث أن تلتقط الفرد الإنساني، وأن تلتقط المجموعة الإنسانية من أي مستوى ومن أية درجة من درجات المرتقى الصاعد، فتنتهى به وبها إلى القمة السامية، أنه لا يرده ولا يردها أبدا إلى الوراء ولا يهبط به أو بها أبدا إلى درجة أسفل في المرتقى، كما أنه لا يضيق به ولا بها ولا يعجز عن رفعه ورفعها أيا كان مكانه أو مكانها من السفح السحيق. المجتمع البدائي المتخلف كالمجتمع العربي في الجاهلية القديمة والمجتمع الصناعي المتحضر، كالمجتمع الشيوعي والأوروبي والأمريكي في الجاهلية الحديثة، كلاهما يجد في المنهج الرباني والنصوص القرآنية مكانه، ويجد من يأخذ بيده من هذا المكان، فيرقى به في المرتقى الصاعد، إلى القمة الساحقة، التي حققها الإسلام في فترة حية من فترات التاريخ الإنساني. إن الجاهلية ليست فترة ماضية من فترات التاريخ, إنما الجاهلية كل منهج تتمثل فيه عبودية البشر للبشر. وهذه الخاصية تتمثل اليوم في كل مناهج الأرض بلا استثناء ففي كل المناهج التي تعتنقها البشرية اليوم، يأخذ البشر عن بشر مثلهم: التصورات والمبادئ والموازين والقيم، والشرائع والقوانين، والأوضاع والتقاليد, هذه هي الجاهلية بكل مقوماتها، الجاهلية التي تتمثل فيها عبودية البشر للبشر، حيث يعبد بعضهم بعضا من دون الله. والإسلام هو منهج الحياة الوحيد، الذي يتحرر فيه البشر من عبودية البشر؛ لأنهم يتلقون التصورات والمبادئ، والموازين والقيم، والشرائع والقوانين والأوضاع والتقاليد، من يد الله -سبحانه- فإذا أحنوا رءوسهم فإنما يحنونها لله وحده، وإذا أطاعوا الشرائع فإنما يطيعون الله وحده، وإذا خضعوا للنظام

стр. 248

فإنما يخضعون لله وحده, ومن ثم يتحررون حقا من عبودية العبيد للعبيد، حين يصبحون كلهم عبيدا لله بلا شريك، وهذا هو مفترق الطريق بين الجاهلية -في كل صورة من صورها- وبين الإسلام١, والرسول ﷺ يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به، ولا يزيغ عنه" ٢ ويقول: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي" ٣. وقد علم الرسول ﷺ أصحابه والمسلمين في ربوع دولته كيفية التعامل مع الأفكار والآراء والمواقف التي تعرض لهم، وناقش معهم أبسط الأمور وأعقدها. واتخذ من نفسه مثلا للقضايا التي تخالف طباع الغرب وأهواءهم حتى يقضي على كل خلاف فيها, وكان أسلوب الحوار والاستنتاج أحد الأساليب التي اتبعها رسول الله ﷺ لتعليم من حوله، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى, ولكني سأحول عرض بعضها فيما يتصل بأمور وقضايا مختلفة. روي عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال له: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء"؟ قال: أقضى بما في كتاب الله قال: "فإن لم يكن في كتاب الله"؟ قال: فبسنة رسوله الله, قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله"؟ قال: أجتهد رأيي لا ألو. قال معاذ: فضرب رسول الله ﷺ صدري وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" ٤.

стр. 249

وروى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا وإني قد أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه"١. فأما الموقف الأول فالحوار فيه يتعلق بأخطر القضايا التي يمكن أن يواجهها إنسان أسندت إليه مسئولية الحكم بين الناس والقضاء بينهم، وقد حرص فيه الرسول ﷺ على أن يبين أن الأمر لله ولرسوله، وأن العقل الإنساني له دور خطير في الاستنتاج واستخلاص الأحكام، وأن الاجتهاد باب مفتوح يلجه القادرون من علماء الإسلام المخلصين، وعلى الأمة اتباع آرائهم والأخذ بما توصلوا إليه من أحكام وقضايا, وإن كانت غير واردة بالنص الصريح في القرآن والسنة، وأما الموقف الثاني فقد جاء مؤيدا للموقف الأول وزاد عليه توضيح الرسول ﷺ للناس، كيف -وهو الملتقي عن ربه- أصدر أحكاما ليست بالنص الصريح في كتاب الله, والناس مطالبون باتباعها والعمل بها، فليس الأمر في قضايا الإسلام والمسلمين تحجرا وتعصبا، وإنما هو بحث وفكر واجتهاد، وكل ما يجب الالتزام به ألا يخرج هذا البحث أو ذاك الاجتهاد على نص صريح من نصوص كتاب الله وسنة رسوله, وكان التزام المسلمين بذلك في عصر صدر الإسلام التزاما مبدعا خلاقا، أدى إلى بروز جماعات علمية لم يعرف العالم لها نظيرا في أي عصر من العصور, وفي أي أمة من الأمم، حتى أخذت البشرية كلها تنهل من هذا الفيض قرونا متعددة، وأصبحت الفلسفات اليونانية والرومانية والهندية والفارسية التي كانت سائدة قبل الإسلام،

стр. 250

في الدرجة الثانية من فكر بني الإنسان، بعد أن ارتقى عليها وفاقها الفكر الإسلامي في جميع مجالات الحياة، وقد رأينا عمر بن الخطاب يتبع خطوات رسول الله ﷺ في ذلك، فهو يقول: "لشريح" حين ولاه قضاء الكوفة: "انظر ما يتبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك فاتبع فيه سنة رسول الله ﷺ ، وما لم يتبين لك في السنة فاجتهد في رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح" ١. وقد حرص الرسول ﷺ في مواقفه التعليمية على أن يبين للمسلمين أن التعصب والمغالاة أمران مرفوضان في الإسلام، وأنه لا ينشد الصعب أو المستحيل فيما يقول ويعمل، وإنما يريد الأمان بينه وبين ربه، وبيئته ونفسه، والطريق لذلك لا يحتاج إلى خروج على المألوف, أو التزام طرق المحال, وإنما يحتاج إلى الصدق مع الله ومع النفس والعمل الدائب من أجل الحق والعدل والمحبة, وهو في سبيل توضيح ذلك ترخص في أمور كثيرة وهجر أصعبها إلى أيسرها، ولكن بعض الصحابة والمسلمين ظن أن ذلك لا يجوز إلا لرسول الله ﷺ فتركوا هذه الرخص ولم يعملوا بها, وكان من الممكن أن يحضرهم رسول الله ﷺ إليه وأن يؤنبهم على ذلك ويطلب منهم العمل بها, ولكنه على عادته من الرفق بالمخطئ وعدم مواجهته باللوم أمام الناس، وقف خطيبا بين المسلمين ووجه لهم جميعا القول فيما روت عائشة ﵂ قالت٢: صنع رسول الله ﷺ أمرا فترخص فيه، فبلغ ناسا من أصحابه، فكرهوه وتنزهوا عنه، فقام خطيبا فقال: "ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه؟ فوالله لأنا أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية". ويفسر لنا هذا الموقف أيضا ما روته السيدة عائشة في موضع آخر قالت: ما خير رسول الله ﷺ
следующие страницы →