← Прочие науки

Прочие науки · id 10009

مناهج البحث في العلوم السياسية

محمد محمود ربيع

Полный текст (328 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

هكذا احتل العلم الوضعي مكان الفلسفة طبقا لهذا المذهب, واستبعد النزعة الميتافيزيقية والمنطقية الصورية, واستعاض عنها بما أسماه النزعة العلمية التجريبية. فكل موضوع يمكن معالجته بالملاحظة والتجربة يدخل في نطاق العلم، وما عدا ذلك -أي: إن كل موضوع لا يعالج بهذا المنهج التجريبي- يعتبر خارجا عن مجال العلم. نجمت عن ذلك مشكلة هي أن حصر المعرفة في دائرة الحقائق العلمية الموضوعية, والأنظمة التطبيقية إنما يعني الاقتصار على جانب واحد من المعرفة بدعوى أن الموضوعية الطبيعية هي النموذج الأوحد لكل موضوعية.

стр. 107

أهم أوجه نقد الوضعية: أثارت تلك المقولات جدلا شديدا بين المدارس والتيارات الفلسفية المختلفة ... فقد اتهم أتباع التيار التقليدي المعاصر الوضعية بالقصور على أساس أن معرفة الإنسان على سبيل المثال لا يمكن استقاؤها من العلوم التجريبية. بينما هاجم الماركسيون الوضعية؛ لأنها فلسفة مثالية مقنعة تبالغ في التضليل باسم العلم والتجارب العلمية، وأن الوقائع تكذب الوضعيين في ادعائهم بأن هدفهم هو دحض الاتجاهات الميتافيزيقية من أجل إرساء العلوم على أسس متينة. وسنشير فيما يلي بإيجاز إلى أهم نقاط الخلاف بين تلك الفلسفات. من حيث الشكل، نلاحظ أن أول نقد تقليدي يوجه إلى الوضعية هو أن قانون الحالات الثلاث الذي قرنه أوجست كونت بتطور الفكر البشري هو أقرب إلى مجال الفلسفة منه إلى مجال العلم الوضعي. النقد الثاني يذهب إلى أن استقراء التاريخ يثبت عدم دقة ذلك القانون من حيث إن مراحله كانت متداخلة في بعضها البعض طوال التاريخ البشري. من حيث الموضوع، اعترض التيار التقليدي المعاصر على الوضعية, انطلاقا من أن البحث عن حقيقة الإنسان في العلوم التجريبية مثلا يمكن أن يتمخص

стр. 108

عن معلومات كثيرة متفرقة, ولكنها ناقصة لا تعبر عن الإنسان كما نعرفه. فعلم وظائف الأعضاء يمكن أن يفسر الإنسان من حيث هو مركب من أنسجة وأعصاب وعظام وأوعية دموية. وعلم الكيمياء يحلل تلك المركبات إلى عناصرها, وعلم الطبيعة يسهم في تقديم معلومات عما يحتويه الإنسان من بروتونات وإلكترونات. ويصور علم النفس الإنسان على هيئة أحداث عقلية وإحساسات وخيالات, ويزودنا التحليل بمكنونات اللاشعور ... إلخ. كذلك تسهم العلوم الأخرى كالاقتصاد والاجتماع بدراسات عن الإنسان, كل من زاوية اختصاصه. غير أن الإنسان يظل في النهاية مغايرا لذلك الركام الضخم من المعلومات, سواء بصورة متفرقة أو مجتمعة. فهذه المعلومات مهما كانت دقيقة تظل ناقصة في التعبير عن حقيقة, وماهية, وجوهر الإنسان ككل. إن الإنسان ليس مجرد تركيبه من أجزاء أو ذرات من الماء والدهون والكربون والفوسفات والحديد والجير والكبريت والماغنسيوم, كما أن خلط تلك المواد بنسب صحيحة كما أوضحتها التجارب لا يعطينا إنسانا. معنى ذلك أن معرفة طبيعة, وماهية الإنسان تحتاج إلى معرفة شخصيته ككل مترابط, له صفات وخواص ذاتية معينة هي في نفس الوقت أكبر وأعلى من مجموع تلك الأجزاء١. لهذا فإنه رغم صدق ودقة العلوم التجريبية, فإن التعرف على حقيقة الإنسان كشخصية متكاملة يستلزم ما هو أكثر من البيانات العلمية المتفرقة، ويحتاج إلى منهج آخر غير مناهج العلوم ذلك هو ما يسميه الفلاسفة بالحدس أو التخمين أي: ذلك الإدراك السريع الفطري المباشر القادر على إدراك الإنسان موحدا في كل. لعل هذا يشرح مقولة: إن الفلسفة تتجاوز مجرد كونها بحثا نظريا أو تأملا عقليا, كما أنها تتجاوز أيضا دراسة العالم الواقعي المحسوم وحقائقه المستمدة

стр. 109

من التجارب. إن العلم وفقا للتيار التقليدي لا يغني عن الفلسفة في فهم طبيعة الإنسان, أو حقيقة العالم. يسترسل أنصار الفلسفة التقليدية في دفاعهم عن العقل في مواجهة الحجج الوضعية, فيؤكدون أنه رغم ما يوجه إلى الفلسفة التقليدية من اتهامات حول التحليق في المجهول والانعزال في بروج عاجية، فإنه لا يمكن إنكار فضلها في إيضاح كثير من الحقائق التي أضاءت الطريق أمام العلم التجريبي، كذلك قيامها بوظيفة اجتماعية هامة تمثلت في تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على مجرى التاريخ البشرى، والكشف عن قيم الحق والخير والجمال. بناء عليه، لا تستطيع الوضعية أن تفرض على العقل الاقتصار على بحث الموضوعات التي يمكن معالجتها بمنهج البحث التجريبي فقط, ذلك أن العقل بطبيعته لا يمكن أن يتوقف عن البحث والتأمل والنظر ومواصلة التفكير في طبيعة الموجودات وحقيقة الأشياء والعلل والغايات البعيدة. تلك هي وظيفة الفلسفة مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن العلم نفسه يستخدم مبادئ كلية كالعلية والحتمية لا تكتسب بالتجربة, ولا تعالج بمناهج العلم. من ناحية أخرى, لا تستطيع العلوم تغطية كل مجالات الدراسة وموضوعات البحث, وإنما بوسع الفلسفة التقليدية تفادي هذا النقص. يستشهدون على ذلك بتفرقة أرسطو بين الفلسفة الأولى -أي: ما بعد الطبيعة التي تشمل الوجود والمعرفة- وبين سائر العلوم على أساس أن كل علم يتخذ مجالا معينا من مجالات الوجود موضوعا لبحثه, بينما لا يوجد علم من العلوم يعرض للبحث في الوجود بما هو وجود. تبحث العلوم الرياضية مثلا في الوجود من حيث هو كم, سواء كان عددا "الحساب" أو شكلا "الهندسة", وتبحث العلوم الطبيعية في الوجود من حيث هو متغير, فتدرس الطبيعة خصائص الأجسام دون نظر إلى طبيعتها، وتدرس الكيمياء تركيب الأشياء وردها إلى عناصرها وهكذا بالنسبة لبقية العلوم.

стр. 110

لكن ليس هناك علم يبحث في الوجود ككل, غير مقسم إلى موجودات محسوسة؛ لأن هذه هي مهمة ما بعد الطبيعة. يضاف إلى ذلك أن العلوم تفترض وجود مدركات عقلية, أو قضايا أولية تستخدمها كمقدمات دون التدليل على صحتها. فعالم الهندسة الذي يبحث في المكان وطبيعته يفترض أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان مهما امتدَّا، أو أن الكميات المتساوية متى أضيفت إلى كميات متساوية كان الناتج كميات متساوية. بالمثل يفترض عالم الطبيعة وجود المادة ويتقدم من هذا الفرض إلى وضع قوانين ... وهكذا. المهم أن كل هذه الافتراضات والقوانين تستخدمها العلوم كبديهيات قبلية سابقة على كل تجربة. على عكس ذلك, فإن البحث في حقيقة المادة أو صحة قانون العلية أو عدم التناقض لا يدخل في مجال العلم, ولا يعالج بمناهجه التجريبية, وإنما هو مهمة البحث الميتافيزيقي في رأي أنصار الفلسفة التقليدية الذين يستندون إلى تلك الفروض لبيان الحاجة إلى ما بعد الطبيعة كوسيلة لإثبات صحة الافتراضات التي تبدأ بها العلوم. يستخلصون من ذلك أن "العلم قد نشأ في أحشاء الفلسفة, ثم ترعرع ونما في رعايتها حتى إذا استقل عنها أخذ يتوقف في تفسيره للأشياء عند عللها القريبة، ويترك للأم أن تواصل البحث عن العلل البعيدة, والمبادئ القصوى"١ أي: إن المدرسة الوضعية أخطأت في إنكار موضوع الفلسفة التقليدية, أو الظن بأن العلم قد احتل مكانها كما أخطأت في ادعائها أن تلك الفلسفة أصبحت غير ذات موضوع. اتجهت الفلسفة الماركسية أيضا إلى نقد الوضعية, انطلاقا من أنها لم تكن منذ البداية سوى رد فعل البرجوازية الصاعدة لمذهب القانون الطبيعي السائد

стр. 111

وقتئذ. وعلى ضوء تلك النشأة يجب فهم, وتقييم تلك المدرسة التي تعبر عن مصالح طبقية محددة تحاول تغطيتها بكثرة الكلام عن العلم. رفضت الماركسية ادعاء الوضعية بأن الإنسان في المرحلة الثالثة التي أسمتها الحالة الوضعية يجب أن يهتم فقط بالعلوم التجريبية والنتائج التي تسفر عنها. فالوضعية ترفض -كما أوضحنا- البحث في الوجود ككل أو في الطبيعة كوحدة بحجة منافاة ذلك للعلم, أو بشكل أدق لمنافاته لمفهومها للعلم الذي تظن أنه لا يتناول إلا مجالات متفرقة من الواقع. بعبارة أخرى: تحبذ الوضعية تفتيت الواقع باسم العلم وإحلال ما يتمخض عن ذلك من علوم متفرقة محل الفلسفة. بذلك تتخلص الوضعية من إحدى المشاكل الأساسية التي تهتم بها الماركسية, وهي تحديد العلاقة بين الوجود والوعي, وهي علاقة لا تستحق الاهتمام في نظر الوضعية؛ لأنها بلا موضوع. لهذا تحكم الفلسفة الماركسية على الوضعية بأنها فلسفة مثالية, مهما استترت بدعاوى العلم. والمقصود بالمثالية هنا هو المعنى الفلسفي حيث تبدأ من حالة بعيدة عن الواقع, فهي إذًا فلسفة الهروب والابتعاد عن الواقع. فالوضعية مثالية من هذا المنطلق؛ لأنها تصرف الناس عن الإيمان بحتمية الواقع المادي وقوانينه على أساس أن ذلك الواقع ليس ماديا يتغير وفق قوانين حتمية, وإنما هو عبارة عن مجموعة الخبرات الحسية التي يحصل عليها الإنسان, أي: إن نقطة البدء في الوضعية هي الاحساسات, أي: الذات, وليس الواقع الخارجي. تضيف الماركسية نقدا آخر ينصب على موقف الوضعية من تاريخ الفلسفة وتصفه بالرجعية؛ لأنها تحاول إنكار الارتباط الوثيق القائم بين الفلسفة والعلم، ولأنها أيضا تتعالى على التراث الإنساني في مجال الفكر الفلسفي. فباسم العلم الحديث تحاول الوضعية التقليل من قيمة العقل البشري, وأفضل إنجازاته التي لا تقدر بثمن وادعاء تعارضها مع ذلك العلم الحديث، مع التشكيك في صحة

стр. 112

المذاهب الفلسفية التقدمية التي عرفتها البشرية منذ القدم مولدي قيمتها الإدراكية١.

стр. 113

المبحث الثالث: الوضعية المنطقية مدخل ... المبحث الثالث: الوضعية المنطقية Logical Positivism تبلور ذلك التيار في النمسا عام ١٩٢٨ وأنشأ مدرسة جديدة كان من أبرز مفكريها كارناب وفيتجينشتاين وشليك. وقد أرست المدرسة مبادئها على أسس وضعية ووجدت قبولا في بعض الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة وأصبحت تعرف بالوضعية المنطقية أو التجريبية المنطقية. اعتبر أنصار تلك المدرسة أن الوضعية الكلاسيكية السابقة لم تخل من عناصر ميتافيزيقية, وادعوا بأن وضعيتهم ستتكفل بتطهيرها من بقايا تلك العناصر. تعاطفت الوضعية المنطقية مع الآراء السابقة المعادية للميتافيزيقا, وخاصة تلك التي عبر عنها دافيد هيوم ثم المدرسة الوضعية من حيث رد الأفكار والمشاعر إلى الانطباعات الحسية, واعتبار الحس أداة الإدراك الوحيدة. كان هيوم مثلا يعتبر الآثار الحسية هي المرجع الأخير الذي تقاس به صحة الأفكار وحقيقتها. فإذا أمكن إرجاع الفكرة إلى أصلها الحسي كانت صادقة، وإلا فهي وهم واختلاق من العقل. لهذا وصف الوضعيون المناطقة فلسفات أفلاطون وأرسطو وسبينوزا وهيجل بأنها فلسفات تأملية، وأنكروا بصفة خاصة مهمة الفلسفة التقليدية ومجالها على

стр. 114

أساس أن ما يمكن معرفته عن العالم والإنسان, ومكانه منه يمكن الحصول عليه من العلوم الطبيعية التي تدرس الكون, والعلوم الاجتماعية التي تدرس الإنسان. وقد تجلى رفضهم للمفهوم التقليدي للفلسفة في استبعادهم لكل من الفلسفة والأخلاق, ومن تصورهم الذي يربطون فيه بين الفلسفة والمنطق. فوظيفة التفكير الفلسفي لديهم هي الكشف عن المبادئ الأصلية, أو الفروض الأولية التي يقوم عليها كل علم. إن الفلسفة من وجهة نظرهم ما هي إلا الدراسة المنطقية للمفاهيم والرموز، أو هي تحليل اللغة وتوضيح المعرفة التجريبية بترجمتها إلى قضايا تنصب على المضامين الحسية؛ لأنهم يرون أن اللغة تشتمل على ألفاظ خادعة ليس لها معنى وإن كانت تثير عند من يسمونهم بالفلاسفة التأمليين مشاكل لا وجود لها إلا في أذهانهم. اعتبر الوضعيون المناطقة إذًا أن الفضل يرجع إلى مدرسة فينا في تقديم تعريف أدق للفلسفة, مؤداه أنها ليست سوى التحليل المنطقي للجمل والمفاهيم العلمية, وهو ما أسماه رودلف كرناب "١٨٩١-١٩٧٠" بمنطق العلم. أما لودفيج فيتجينشتاين "١٨٨٩-١٩٥١" فقد عرف الفلسفة بأنها توضيح الأفكار توضيحا منطقيا أي: توضيح القضايا وإزالة غموضها؛ توصلا إلى حقيقة معانيها، وليس وضع قضايا تفسر حقيقة الأشياء وطبيعة الموجودات. تتحول الفلسفة طبقا لهذه المدرسة إلى مجرد منهج للبحث هدفه التحليل المنطقي للغة المستخدمة في الحياة اليومية, أو تلك التي يستعملها العلماء في بحوثهم بهدف إزالة اللبس والغموض الذي يعتري الأفكار مع بيان عناصرها حتى تبدو جلية واضحة١.

стр. 115

لكل ذلك تعتبر وضعية القرن العشرين تيارا متطرفا من الوضعية السابقة يذهب أنصاره إلى إنكار كل موجود إلا إذا كان محسوسا. فليس هناك فكر ولا تفكير, وإنما ألفاظ وجمل. وكل لفظ من تلك الألفاظ لا يعبر عن شيء محسوس يمكن التثبت منه بالتجربة, لا يحمل معنى يوصف بالصدق أو الكذب. استبعدت الوضعية المنطقية الميتافيزيقيا, والعلوم المعيارية من مجال البحث العلمي استنادا إلى مبدأ التحقق Principle of Verification الذي يقول: إن القضية التي يمكن التحقق منها بالرجوع إلى الواقع هي وحدها ذات معنى. بعبارة أخرى: فإن معنى القضية هي طريقة التحقق من صوابها. فالعبارة التي يتعذر إثبات صوابها, أو خطئها في حدود الخبرة الحسية تكون غير ذات معنى. لقد أصبح مبدأ التحقق من وجهة نظرهم هو المقياس الذي تحدد به معاني العبارات, ودلالاتها بهدف ربط القضايا بالواقع كطريقة لاختبار معناها. ولما كان من المتعذر ربط قضايا الميتافيزيقا, والعلوم المعيارية كالجمال والأخلاق بعالم الواقع الحسي, تم استبعاد هذه القضايا من مجال البحث العلمي. انطلاقا من تلك المفاهيم انتقد دعاة الوضعية المنطقية الفلاسفة التقليديين؛ لأنهم يخلعون ما بأنفسهم على العالم الخارجي أي: يصفون الكون وصفا ذاتيا. إزاء ذلك نصحوا بأن يلتزم الفلاسفة في ألفاظهم, وعباراتهم دقة تقربهم من دقة العلماء. نادى الوضعيون المناطقة بأن تكون الفلسفة شبيهة بالعلم, ليس بمعنى إقحام الفلاسفة في ميادين لا شأن لهم بها, كأن يبحثون في الفلك مثلا مع علماء الفلك، وفي الطبيعة مع علماء الطبيعة ... إلخ، وإنما بمعنى التزام الدقة التامة في استخدام

стр. 116

الألفاظ والعبارات التزاما يقرب الفيلسوف من العالم في دقة استخدامه للمصطلحات العلمية. والهدف من ذلك هو تحديد الألفاظ الفلسفية بطريقة لا تدع كلمة بغير مسمى, مما يمكن تعقبه بالحواس كوسيلة لجعل الفلسفة علمية في منحاها ومنهجها. لكن النقد الأهم من وجهة نظرهم هو محاولة الفلاسفة التقليديين الاعتماد على الفكر الخالص وحده في وصف الوجود الخارجي, والتوصل إلى "مبدأ" يضم الكون بما فيه, ومن فيه. علاجا لذلك، نصحت الوضعية المنطقية بأن تحصر الفلسفة بحثها في مشكلات جزئية محددة. فبدلا من أن يحاول الفيلسوف البحث عن "مبدأ" يضم الكون بما فيه ومن فيه، فإن عليه أن يقنع بالبحث في مفهوم واحد من مفاهيم العلم, حتى تنمو المعرفة الفلسفية عن الموضوع الواحد نموا تدريجيا. ولأهمية هذه النقطة في كشف موقف الوضعية المنطقية من موضوع القيم والعقل وموقع الإنسان من الكون, نورد النص التالي: "الفيلسوف المعاصر ذو النزعة العلمية متواضع، يرضيه أن يجتزئ من هذا الكون الفسيح كله بجملة أو طائفة قليلة من الجمل، يقولها العلماء في موضوعات اختصاصهم، أو يقولها الناس في أحاديثهم الجارية, فيتناولها بالتحليل المنطقي الذي يفصل مكوناتها تفصيلا يضعه في الضوء بعد أن كان خبيئا ... حتى إذا ما ظهرت الهياكل العارية للغة التي نستخدمها، ظهرت بالتالي حقيقة الفكرة التي نعرضها، فيزول الغموض الذي كان قمينا أن يخلق المتاعب ويثير المشكلات. وحسبك أن تعلم في هذا الموضع أن رجال التحليل في الفلسفة الحديثة لم يكادوا يتناولون بالتحليل مشكلات الفلسفة التقليدية، حتى تبين لهم في وضوح الإشكال وأن الأمر كله غموض في لغة الفلاسفة، هو الذي خيل لهم أنهم إزاء مشكلات تريد الحل, ولا حل هناك".

стр. 117

"الفيلسوف المعاصر ... لا شأن له "بشيء" من أشياء الوجود الواقع, بل يحصر نفسه في "الكلام"، كلام هؤلاء العلماء ليحلل منه ما قد تركوه بغير تحليل"١. لعل أخطر ما في هذه الدعوة -كما سنبين بعد قليل- هو أنه لا شأن للفلسفة بالحديث عن العالم أو الطبيعة أو العقل أو الحق أو المطلق أو ما وراء الطبيعة ... وإنما حسبها أن تحصر نفسها في "الكلام" تحلله وتفرغه وتجرده, مقتصرة على تناول صور التركيب وما ينشأ فيها من علاقات. اتهم دعاة الوضعية المنطقية الفلاسفة التقليديين بأنهم يثيرون مشاكل عويصة لا وجود لها إلا في أذهانهم، وعزوا ذلك إلى خطئهم في فهم معاني الألفاظ نتيجة استخدامهم ألفاظا في قضاياهم لا تشير إلى مدلول حسي محدد من جهة، أو لاستخدامهم لفظا في غير المعنى الشائع من جهة أخرى. كمثال على ذلك، انتقدوا استعمال الفلاسفة التقليديين للفظ إنسان ليس تعبيرا عن أفراد الإنسان الموجودين في العالم المحسوس، ولكن كإشارة إلى معنى كلي ليس له مدلول في عالم الواقع يمكن أن يخضع للمشاهدة الحسية, وإن كان يطلق كاسم على جميع أفراد الإنسان. مثل هذه النظرية الميتافيزيقية -من وجهة نظرهم- لا تقنع بالمعلومات التي تقدمها العلوم تعريفا له؛ لأن الإنسان عند التقليديين "ماهية" أو "جوهر" يعبر عن طبيعته وحقيقته, ولا يستقيم مفهوم الإنسان بغيره. يتمثل الموقف الصحيح كما تراه الوضعية المنطقية في ضرورة قيام أصحاب المنطق التقليدي بتحليل ألفاظهم منطقيا, يتخذ من الواقع محكا لمعرفة مدى صواب الفكرة. ولو فعلوا لاكتشفوا أن الواقع المحسوس ليس به إلا "أفراد" وأن الماهية أو الجوهر لفظ لا يشير إلى مدلول حسي فهو إذًا بلا

стр. 118

معنى، أو بعبارة أخرى: لا يحمل معنى يمكن وصفه بالصدق أو الكذب, أي: إن صفات أية كلمة هي التي تحدد مفهومها، تلك الصفات التي تخضع للحس ويمكن عن طريق التجربة التثبت من مدى صحة معناها, وفي هذا يقول الوضعيون المناطقة: "ولما كانت العلوم تبحث عن "طبيعة" الإنسان أو جوهره أو ماهيته أو حقيقته التي تخرج عن نطاق هذه العلوم ومناهجها، ظن أصحاب الفلسفة الميتافيزيقية أن "مفهوم" الإنسان لا يتيسر عن طريق هذه العلوم ومناهجها التجريبية القاصرة, ووكلوا إلى الفلسفة مهمة حل هذا الإشكال المزعوم". هكذا يقدم التحليل المنطقي للألفاظ في رأي هذه المدرسة حلا لذلك الإشكال الذي تعتقد أن الفلاسفة التقليديين قد وقعوا فيه، وتؤكد أن ما تقدمه العلوم من مادة عن الإنسان باعتباره فردا معينا كافٍ في تصور مفهومه. إن المنطق من وجهة نظر تلك المدرسة هو جوهر الفلسفة, إذ يقرر كارناب أن المهمة الرئيسية للفلسفة هي تحليل العلم كما سبق أن ذكرنا، بينما يحصر الفيلسوف الإنجليزي المعاصر آير مفهوم الفلسفة في نطاق الألفاظ والتعريفات, مؤكدا أن كل مهمتها هي أن تعمل على توضيح معرفتنا التجريبية بترجمتها إلى قضايا تنصب على مضامين حسية, وما عدا ذلك يعتبر قضايا زائفة. يشرح ذلك ما ذكرناه من أن الوضعية المنطقية لا تعترف بما تعارف المفكرون على تسميته بالمشكلات الفلسفية, وتنظر إليها على أنها مجرد غموض في استخدام الرموز اللفظية التي يكفي توضيحها, أو سلامة استخدامها لتتلاشى تلك المشكلات وكأن لم تكن١.

стр. 119

أهم أوجه نقد الوضعية المنطقية: أدت تلك الدعاوى المتطرفة للاقتصار على الخبرة الحسية وإنكار دور العقل والاهتمام بمعنى القضية وليس بصدقها أو بكذبها، أدت إلى صراع فكري حادّ بين المدارس الفلسفية. فقد اتهم المعاصرون من أنصار الفلسفة التقليدية الوضعيين المناطقة بالتعصب والتعسف؛ لأنهم وضعوا أنفسهم في دائرة مغلقة هي القول بالواقع موضوعا وحيدا للبحث، وبالحس أداة وحيدة لإدراكه. كما اتهمهم الماركسيون بمحاولة إنكار الفلسفة لإبعاد الناس عن الفلسفة المادية بالذات التي تكشف بطريقة علمية حتمية قوانين تغير الطبيعة والمجتمع, ومن ثم يسخرون مذهبهم لخدمة النظام الرأسمالي القائم. غير أنه من الملاحظ عدم وجود من يعترض على مطالبة الوضعية المنطقية بإزالة الغموض من التفكير الفلسفي, والالتزام بتحديد الألفاظ. لكن التطرف الذي عارضه كثير من المعاصرين هو حصر الفلسفة كلها في نطاق التحليل اللفظي والأشكال اللغوية وحدها والاستعانة في ذلك بمنهج قاصر من شأنه أن يؤدي إلى القضاء على خصوبة الفكر البشري, وهدم الفلسفة نفسها. بالمثل, لا يمكن قبول موقف الوضعية المنطقية من استبعاد مشاكل رئيسية كطبيعة العالم والعلاقات بين الفكر والواقع بحجة أنها قضايا زائفة، ذلك أن الفكر البشري بحاجة إلى فهم العلاقة القائمة بين نظام الأفكار وترابطها من ناحية ونظام الأشياء وترابطها من ناحية أخرى. إن الأخذ بما ذهبت إليه تلك المدرسة من شأنه "حرمان التفكير الفلسفي من كل مضمون, واستبدال قضايا الفلسفة الحيوية الهامة ببرنامج هزيل يجدب الفكر"١. يرفض المعاصرون من أنصار الفلسفة التقليدية ادعاء كل من الوضعية, والوضعية المنطقية بأن العلم لم يدع للفلسفة مجالا لبحث, ويفندون ذلك الادعاء

стр. 120

بأن المعرفة العلمية ذاتها تحتاج إلى أساس فلسفي. فالفلسفة وليس العلم هي التي تتناول الفروض العلمية بالبحث والتدليل. حتى على افتراض أن العلم الوضعي قد تمكن من حل مشكلة ما، فإن العقل الإنساني سيظل يتطلب علما بالكل وبالمطلق, علما بالمبادئ والأسباب. إن المعرفة العلمية لا تكفي وحدها لحل المشاكل التي تواجه الإنسان, بل إن العلم نفسه ليس إلا حقيقة من الحقائق التي تعالجها الفلسفة. وهذه الأخيرة وليس العلم هي التي تبحث في طبيعة الأشياء ومبدئها ومصيرها. كذلك رفض أنصار الفلسفة التقليدية المنهج الذي اتبعته الوضعية المنطقية وأسمته مبدأ التحقق. فقد أشرنا في مستهل استعراضنا للوضعية المعاصرة أنها استبعدت الميتافيزيقا والعلوم المعيارية من مجال البحث العلمي, استنادا إلى مبدأ التحقق الذي يقول بأن القضية التي يمكن التحقق منها بالرجوع إلى الواقع هي وحدها ذات معنى. وقد علق الفيلسوف الإنجليزي آير على كلمة معنى بأن لها استعمالا صحيحا واحدا هو المعنى الذي يمكن التأكد من صوابه أو خطئه في حدود الخبرة الحسية, وهو ما انتقده أنصار الفلسفة التقليدية على أساس أن مبدأ التحقق هذا هو من قبيل تحصيل حاصل, إذ يجوز أن تكون العبارة ذات معنى يتعذر التحقق من صوابه بالخبرة الحسية. قد تكون العبارة ذات معنى في استعمال آخر, لا يقصد به المعنى الذي يمكن التثبت منه بالخبرة الحسية وحدها، أي: هناك إمكانية لوجود استعمالات صحيحة أخرى للفظ معنى, إلا أنه نتيجة للموقف الجامد لتلك المدرسة لا يمكن هنا تجنب حدوث تناقض, إذ تصر الوضعية المنطقية على أن العبارات التي تحمل معنى في غير الاستعمال الحسي لا يمكن أن تكون صادقة, ولا كاذبة. يمكن ملاحظة هذا التناقض من افتراض حالة يكون فيها مبدأ آير ذا معنى في استعمال من الاستعمالات التي لا يقرها. فإذا طبقت وجهة نظره

стр. 121

لا يكون مبدؤه صادقا, ولا كاذبا في هذه الحالة؛ لأنه في تحديده لنوع العبارات التي تحمل معنى يقرر قضية -كمقياس لاختبار العبارات- لا تحمل بدورها أي معنى، أو لعلها ذات معنى يعتقد أنه لا يتصل بالحق أو الباطل, وهو ما يهدم الوضعية المنطقية من أساسها على حد قول نقاد هذه المدرسة ذوي الاتجاهات الفلسفية المتعددة١. التناقض الثاني الذي قد ينشأ عن الأخذ بمنهج تلك المدرسة هو أن القوانين العلمية التي ترددها كثيرا, وتبدي إعجابها بها تغدو مجرد تعبيرات عقلية مجردة لا تشير إلى مدلول حسي في عالم الواقع. فهي تعتبر -والحال كذلك- عبارات فارغة لا تحمل معنى. علاوة على هذا، فإنه من الخطأ الفصل بين العلم والفلسفة بحجة أن ما يدخل في مجال العلم, طبيعيا كان أو رياضيا, فهو بلا معنى. يكذب الواقع ذلك, إذ هناك تعاون أو تكامل لكشف ما زال مجهولا في عالم الحقائق. والفرق بين العلم والفلسفة هو أن لكل موضوعه والمناهج التي تلائم ذلك الموضوع. يبحث العلم في الجزئيات المحسوسة, ويستعمل لذلك منهج الاستقراء الذي يستهدف وضع القوانين المفسرة للظواهر. وتبحث الفلسفة فيما وراء الجزئيات المحسوسة من حقائق لا يتيسر البحث فيها بغير المناهج العقلية. إن اختلاف موضوع البحث, والمناهج المستعملة لا يمنع من التعاون بين الاثنين في دراسة هذا العالم وتفسير ظواهره.

стр. 122

هذه هي بعض الأسباب التي دعت أنصار الفلسفة التقليدية إلى نقد الوضعية المنطقية. فقد سلم هؤلاء بإمكان اتخاذ الخبرة الحسية أداة للمعرفة الصادقة, ولكنهم شددوا على وجود عالم من الحقائق وراء العالم المحسوس, يتعذر إدراكه بغير العقل. لهذا تعرضت تلك الوضعية المعاصرة للاتهام بالتعسف والتعصب. أما التعسف فبسبب افتقارها إلى دليل يثبت أن الحس أداة وحيدة لإدراك الحقائق, ومعيار أقصى لاختبار العبارات كما يبدو التعصب في الغرور الذي استبدّ بالوضعيين المناطقة فحاولوا إنكار العقل, وطالبوا الباحثين بعدم التفكير في مصير الإنسان وطبيعة النفس البشرية وكنه الألوهية, وإلا خرجوا من نطاق العلم وتحولوا إلى شعراء وفنانين, أو عابثين يظنون الهذر كلاما يحمل معنى. ولعلنا نجد بعض الاتفاق في المواقف بين أنصار التيار التقليدي المعاصر, وبين الماركسيين في دمغ الوضعية المنطقية بالميتافيزيقية التي ادعت في البداية أنها قادرة على تطهير الوضعية الكلاسيكية من بقايا عناصرها. يرى التيار التقليدي أن تلك المدرسة قد جمعت بين النزعة المنطقية الصورية, وبين النزعة التجريبية الحسية دون التدليل على العلاقة بين المنطق والتجربة. كما أن من حاول من أعضائها تناول هذه العلاقة مثل فيتجينشتاين وقع في الفكر الميتافيزيقي. حول نفس الموضوع، تعرضت الوضعية المعاصرة للنقد أيضا؛ لأنها احتفظت بكل عناصر التفكير الميتافيزيقي حيث استبدلت بالعلم المادي الذي يعرفه العالم عالما ميتافيزيقيا من التجربة الحسية. بالإضافة إلى ذلك, فإن محاولتها الهرب من الميتافيزيقيا برفض البحث في علاقة الفكر بالواقع أوقع أصحابها في مناقشات ميتافيزيقية عميقة. وما البحث في دلالات الألفاظ المسمى بالسمانتيكس إلا نظرية ميتافيزيقية. هذا, وقد اتفقت الفلسفة التقليدية مع الماركسية في نقطة جوهرية أخرى هي رفض موقف الوضعية المنطقية من إنكار الفلسفة, على أساس أنه موقف غير واقعي يخفي بالضرورة نظرة محددة ترقى إلى الفلسفة.

стр. 123

إن التفلسف من وجهة النظر التقليدية طبيعي بالنسبة لكل إنسان ناطق, حتى لقد قال أرسطو: "فلنتفلسف إذا اقتضى الأمر أن نتفلسف، فإذا لم يقتض الأمر ذلك وجب أن نتفلسف لنثبت أن التفلسف لا ضرورة له". لهذا فإن الوضعيين فلاسفة حتى ولو أنكروا ذلك؛ لأن إنكار الفلسفة هو نفسه موقف فلسفي١. وجهت الفلسفة الماركسية نقدا شديدا للوضعية المنطقية, وأخذت عليها تظاهرها بإنكار الفلسفة مما دفع العلماء المتأثرين بها إلى رفض كل الفلسفات, وإن كان هذا غير ممكن في الواقع. فلا يجوز في العلم البقاء "مع الوقائع على انفراد" وإبقاء النظرية على عتبة المختبر وإرغامها على الصمت بانتظار ما تقوله الوقائع، بشكلها المجرد بذاتها. فبدون التفكير النظري لا يوجد العلم؛ لأنه ليس مدعوا لوصف الظواهر فقط، وإنما عليه أيضا أن يفسرها. ترى الماركسية أن هناك نقطة حاسمة عندما ينتقل العالم من جمع ووصف الوقائع والعمليات إلى وضع القوانين والاستنتاجات النظرية. عندئذ لا يستطيع أي مفكر ذي تفكير واسع -سواء كان حقل تخصصه الطبيعة أو الكيمياء أو علم الأحياء أو المجتمع- أن يتجنب الفلسفة والنظرة إلى العالم ونظرية المعرفة. وكل المسألة تنحصر في الفلسفة التي سيطبقها بوعي أو بدون وعي، وهل هي الفلسفة المادية العلمية أم المثالية غير العلمية أم التوفيقية التي هي خليط من الاثنتين٢؟ لهذا ترفض الماركسية موقف الوضعية المنطقية الداعي إلى أن يقصر الباحث عمله في حدود معمله, وترى فيه موقفا يتعارض مع العلم والواقع؛ لأن الباحث

стр. 124

لا يقوم بتجاربه, ولا ينظر إليها إلا من خلال فلسفة ما, سواء اعترف بذلك أو لم يعترف. ويرجع رفض الماركسية لموقف تلك المدرسة من أنها تترك الباحثين والعلماء نهبا لتأثيرات الفلسفات الليبرالية السائدة تحت شعار اللافلسفة, فتبعدهم بذلك عن معرفة المادية الجدلية بالذات التي تكشف حقيقة العلاقات في الطبيعة والمجتمع ووسائل تغييرها.

стр. 125

المبحث الرابع: الماركسية مدخل ... المبحث الرابع: الماركسية Marxism ظهرت بدايات الفلسفة الماركسية في الأربعينيات من القرن التاسع عشر على يد المفكر السياسي الألماني كارل ماركس "١٨١٨-١٨٨٣" وزميله المفكر وعالم الطبيعيات فريد ريش إنجلز "١٨٢٠ -١٨٩٥". وتقوم الماركسية على أسس ثلاثة: المادية الجدلية، والمادية التاريخية, والاشتراكية العلمية. إن مفهوم الماركسية للفلسفة هي أنها شكل من أشكال الوعي الاجتماعي, شأنها في ذلك شأن الأيديولوجية السياسية والعلوم والفنون والأخلاق. والمقصود بالوعي الاجتماعي هنا هو وعي الناس بكيانهم الاجتماعي الخاص وبالواقع المحيط بهم، ذلك الوعي الذي تتحدد أشكاله بمدى ثراء العالم ذاته أي: الطبيعة والمجتمع. ترى الماركسية أن الفهم المتوازن لجوهر الصراع بين المدارس الفلسفية المختلفة منذ آلاف السنين وحتى الآن لا يمكن التوصل إليه دون إدراك حقيقة هامة, وهي أن المادية والمثالية هما الاتجاهان الأساسيان في الفلسفة. كما أن كل مدرسة من تلك المدارس كانت تحدد موقعها من ذلك الصراع من خلال إجاباتها عن المسألة الرئيسية, وهي علاقة الفكر بالواقع. تتضح أهمية العلاقة بين الفلسفة والمنهج في المفهوم الماركسي من أن الصراع بين الأفكار على الصعيد الفلسفي لم يقتصر قط على تلك المسألة الرئيسية, وإنما كان يتعداها في كثير من الأحيان إلى مسائل أخرى كالعلاقة بين المنهج والسببية، وبين الحتمية والمصادفة.

стр. 126

تستعرض الماركسية تأثير الظروف التي اكتنفت نشأة الفلسفة على تحديد مفهومها, فتذهب إلى أن تاريخ الفلسفة هو عبارة عن تاريخ الصراع الدائم بين نظرات, أو تقييمات مختلفة عن العالم ويعكس في الحقيقة طبيعة ومجال الصراع بين القوى الاجتماعية التقدمية, والرجعية في عصور مختلفة. ومن هذا المنطلق يتحدد ظهور الفلسفة بعصر انقسام المجتمع إلى طبقات, وانفصال العمل الفكري عن العمل الجسماني, وظهور العلوم١. لقد بدأ الناس في ذلك العصر يفهمون العالم المحيط بهم نظريا, وحين لا يقنع الفكر بالظواهر المباشرة كان يميل إلى النفاذ في جوهر الأشياء ويعكسها في المفاهيم, وبذلك بدأ الناس التفكير في مسائل جوهر العالم ككل وأسباب ظهوره وتنوعه, أي: إنهم كانوا يسعون إلى تفسير العالم من ذاته, ممهدين السبيل إلى ظهور أولى التصورات الفلسفية. وهكذا برزت الفلسفة كشكل معين لمعرفة الواقع. من الأمثلة على تلك المحاولات المبكرة ما ذهب إليه الفيلسوف الإغريقي القديم هيراقليطس من أن العالم هو نار حية أبدًا تشتعل بموجب قوانين وتنطفئ بموجب قوانين, وهي محاولة لتفسير العالم من العالم ذاته ولاكتشاف الوحدة الداخلية لكل الأشياء المحيطة المتنوعة. لكن الفلسفة في المفهوم الماركسي ليست فقط شكلا لمعرفة الواقع كأي علم آخر, وإنما تتميز عن العلوم الأخرى بأنها نظرة أو فكرة عن العالم. فنظرة الناس عن العالم التي تعبر عن علاقتهم بالواقع ترتبط قبل كل شيء بوضعهم في المجتمع, وبمصالحهم. لهذا, فإن نشأة الفلسفة وتطورها تتحدد مباشرة بالمصالح المادية للطبقات المختلفة في المجتمع, وتبرز كشكل للأيديولوجية. تستخلص الماركسية من ذلك

стр. 127

أن الوحدة بين عاملي المعرفة والأيديولوجية تؤلف الخاصية المميزة للفلسفة كشكل من أشكال الوعي الاجتماعي. ونتيجة لانقسام المجتمع إلى طبقات, وتطور الصراع بينها تظهر الحاجة إلى تبرير نظري للمصالح المادية للطبقات المتصارعة, والشرائح الاجتماعية المتباينة. ويعني تبرير مصالح الطبقة نظريا شيئين: الأول هو تصوير المصلحة الخاصة لهذه الطبقة كما لو كانت تمثل مصلحة عامة لكل طبقات الشعب وفئاته، ويعني الثاني ربط المثل العليا لتلك الطبقة ومصالحها وتطلعاتها بنظرة معينة عن العالم ككل. إن ذلك التصوير لا يحدث بمحض الصدفة, وإنما ينبع من جوهر وطبيعة الأشياء ذاتها, وتلك هي مهمة الفلسفة في المفهوم الماركسي. فالفلسفة تبلور مفهوما معينا عن العلوم يتفق مع وضع ومصالح تلك الطبقة, أي: تقوم بتنظير وصياغة نظراتها السياسية والاجتماعية. نتيجة لذلك، تنعكس في الفلسفة وبشكل نظري مجرد أكثر التطلعات الفكرية عمومية لدى مختلف الطبقات. ونظرا للارتباط الوثيق للفلسفات والمناهج بالصراع الدائر بين الاتجاهات المادية والمثالية، نستعرض فيما يلي المفهوم الماركسي لتلك الاتجاهات كتمهيد ضروري لمناقشة أكثر تفصيلا في الفصل الحادي عشر لمنهج البحث الماركسي المعروف باسم المنهج المادي الجدلي، وإن لزم التنويه منذ الآن بأن هناك وجهة نظر تحريفية معاصرة تنادي بإمكانية تنافس نماذج مختلفة من المناهج والمداخل, وعدم جواز وضع حدود بين الفهم الماركسي وغير الماركسي للمسائل١.

стр. 128

تفرق الماركسية بين المفهوم الأخلاقي, والمفهوم الفلسفي لكل من المادية والمثالية. وسبب هذه التفرقة هي الرغبة في إزالة اللبس بين المفهومين من جهة, وأن تظهر من جهة أخرى أن الصراع بين المادية والمثالية ليس ظاهرة جديدة, وإنما هو قديم قدم الحضارات الإنسانية نفسها. ولما كانت الماركسية هي إحدى الفلسفات المادية، فقد وجهت نقدا شديدا للمفكرين الذين خلطوا عن عمد بين المفهومين الأخلاقي والفلسفي لكلمة مادية حتى يتمكنوا من الدفاع عن مصالح اقتصادية, وسياسية معينة. تتعرض المادية للتشهير منذ العصور القديمة من منطلق أخلاقي على أساس أنها تعني الانحلال والرغبة العارمة في الملذات والأفق الضيق الذي لا ينظر إلى أبعد من الحاجات الحسية. من أمثلة ذلك ما تعرضت له مدرسة أبيقور من تشهير في عصور لاحقة على يد الكنيسة١ الكاثوليكية؛ لأنه كان ممثلا لأحد التيارات الفلسفية في العصر الهيلينستي والتي أجمعت على الاستخفاف بالنظر العقلي المجرد, والسعي إلى الربط بين الفكر والحياة العملية مع التحول عن التفكير في الوجود إلى البحث في سلوك الإنسان, والتطلع إلى تحقيق الطمأنينة والسعادة روحيا وحسيا. لهذا لم يوافق الفكر الكنسي, ومن بعده الفكر المدرسي على تأكيد أبيقور على حق الإنسان في تحقيق السعادة عن طريق إشباع الحاجات الأساسية في الطبيعة البشرية, وأطلقوا على الماديين اسم "الشهوانيين من أتباع أبيقور". ولا يزال هذا الأسلوب متبعا حتى اليوم, وإن كان قد اكتسب أبعادا أيديولوجية جديدة نتيجة للصراع بين الماركسية والليبرالية. مثال ذلك أنه بعد أن قام المارشال الفرنسي السابق بيتان بتسليم وطنه للنازي في أوائل الحرب العالمية الثانية برّر خيانته بأنه فعل ذلك لمنع انتصار البروليتاريا "الطبقة العاملة" الذي يعني انتصارا "لروح المتعة" على "روح التضحية".

стр. 129

وقد سبق أن أوجز إنجلز رد الماركسية على هذا التشهير بقوله: إن الرأسماليين هم أولى بهذه التهم التي يحاولون التخلص منها بإسقاطها على الغير. ففي تعليقه على الفلسفة الكلاسيكية الألمانية سخر من البرجوازي الألماني المترهل الذي "يفهم من المادية النهم إلى الطعام والسكر والتبجح واللذات الجنسية والجشع للنقود والبخل والفسق والركض وراء البورصة والقمار، وباختصار كل تلك الرذائل التي يستسلم لها سرا"١. هكذا رفضت الماركسية حملة التشهير الموجهة ضد المادية عبر التاريخ، وعزتها إلى المفكرين المدافعين عن مصالح كبار الملاك في الحضارات المتعاقبة من أجل طمس حقيقة المادية المعبرة عن مصالح الأغلبية الواقعة تحت الاستغلال. هذا علاوة على أنه حتى من الناحية الأخلاقية, فإن للمادية قيمها ومثلها العليا التي تحض على التضحية وإنكار الذات, وبالتالي تتنافى مع الاتهامات الموجهة إليها. على العكس من ذلك، ترى الماركسية أن المفهوم الصحيح لكلمة مادية هو المفهوم الفلسفي, والذي ترى أنه يمثل السبب الكامن وراء حملة التشهير ضدها. فالمادية هي مفهوم للعالم أو طريقة معينة في فهم ظواهر الطبيعة والمجتمع, وتفسيرها على أساس مبادئ محددة, أي: على أساس منهج مادي أيضا. تعني المادية أول ما تعني أن العالم, أو الواقع موجود خارج شعور الإنسان أو وعيه ومستقل عنه. أي: إنها تفصل بين الطبيعة المادية والذات المدركة, وتعترف بوجود الأشياء المادية مستقلة عن العقل الذي يدركها. تبدأ المادية من الواقع؛ لأنها تؤمن بقدرة الإنسان على تحويله إلى واقع أفضل, أي: إلى واقع مثالي بالمعنى العلمي للكلمة. هذا الإيمان بقدرة الإنسان على تغيير الواقع هو بالذات موطن الخطورة الذي يرى فيه أعداء المادية دعوة ثورية للقضاء على الفلسفات, والنظم الرجعية.

стр. 130

ثم تشرح الماركسية المقصود من كملة مادة فتبين أن عالم الواقع المكون من الطبيعة والمجتمع يشتمل على أشياء يمكن رؤيتها أو لمسها أو قياسها تسمى كل منها مادة تمييزا لها عنن جونب أخرى لا يمكن رؤيتها أو لمسها أو قياسهاوإن كانت موجودة مثل الأفكار والعواطف والرغبات والذكريات والتي تسمى الجوانب الفكرية للإنسان، وهي غير مادية. معنى ذلك أن كل ما هو موجود ينقسم إلى مجالين مادي وفكري "أو مثالي". ويمكن التعبير عن ذلك أيضا بالقول أن للواقع ومادي ووجه مثالي١. على نفس المنوال، هناك مفهومان لكلمة مثالية. فالمفهوم الأخلاقي يرى أن المثالية أو المثال هو الغرض السامي الرفيع الذي يختلف عن الأغراض الأنانية الضيقة. كما تستعمل كلمة مثالي بشكل خاطئ أحيانا لتدل على الإنسان الذي يضحي بنفسه من أجل فكرة أو قضية ما. أما المفهوم الفلسفي والدقيق لكلمة مثالية فيختلف عن ذلك تمام الاختلاف. فكلمة مثالي كما سبقت الإشارة مشتقة من مثال التي كان أول من استعملها الفيلسوف الأغريقي أفلاطون بمعنى "الصورة الفكرية التي توجد على منطها الأشياء المادية". من هنا ترجمت الكلمة ومشتقاتها في اللغات الأوروبية أما بالأفكار أو المثل. من هنا ترجمت الكلمة ومشتقاتها في اللغات الأوروبية أما بالأفكار أو المثل. والمثالية تنظر إلى الكون المادي من خلال الذات العارقة، وتعلق وجود الطبيعة المادية على جود العقل الذي يدركها. ترى الماركسية إن دعاة الفلسفات المثالية قد استغلوا ذلك الخلط بين المفهومين الأخلاقي والفلسفي ليخلعوا على أنفسهم صفات لا يتمتعون بها. فاستنادا إلى تفسيرهم العالم بوجود الفكرة أو الروح قبل المادة، يدعون أنهم

стр. 131

وحدهم القادرون عند التطبيق على أن يهبوا أنفسهم من أجل الفكرة, وهم وحدهم المؤهلون لأن يتخذهم الآخرون مثالا. يكذب الماركسيون ذلك, ويستشهدون بموقف المارشال السابق بيتان الذي اعتمد على الخلط بين المفهومين ليصور خيانته بأنها تغليب لروح التضحية على روح المتعة. لهذا السبب اتهم إنجلز الفلاسفة المدافعين عن البرجوازية بالنفاق, وبأن كلماتهم الكبيرة عن المثالية أو المثل الأعلى ليست سوى ورقة التوت التي يحاولون بها ستر عورة النظام الرأسمالي الذي يفرض الاستغلال, والقهر على الأغلبية الكادحة. ".... أما المثالية فتعني بالنسبة له "أي: بالنسبة للبرجوازي المشار إليه في الحاشية"١ الإيمان بالفضيلة وحب الإنسانية جمعاء, وبشكل أشمل الإيمان بعالم أفضل، وهو ما يصرح به أمام الآخرين ولكنه لا يؤمن به إلا عندما يحس بالصداع بعد سكرة شديدة, أو عندما يفلس....."٢. على الصعيد الفلسفي، تنتقد الماركسية الفلسفات المثالية؛ لأنها تحط من شأن المعرفة العلمية وتسعى لإخضاع العلم للدين، وتفسر الاكتشافات العلمية بطريقة مشوهة. إلا أنه وإن كانت الماركسية تنكر الميتافيزيقا, فإنها تهتم اهتماما كبيرا بالفلسفة بصفتها المفهوم المادي الجدلي للواقع أي: للطبيعة والمجتمع. أما تاريخ الفلسفة فتنظر إليه الماركسية على أنه الصراع الأزلي بين المادية والمثالية، بين الجدل والميتافيزيقا. وهو كذلك تاريخ التناقضات التي تجلت بين محتوى وشكل المذاهب الفلسفية، وبين محتوى الفكر الفلسفي والمفاهيم الفلسفية التي تعبر عنه. من جهة أخرى، فإن مشاكل الفلسفة في المفهوم الماركسي تتجلى في العلاقة بين الفكر والواقع بمعنى ضرورة الانطلاق من الواقع إلى

стр. 132

الأفكار وليس العكس. كما تتجلى مشاكل الفلسفة أيضا في علاقة الإنسان بالعالم, ثم في القوانين العامة للوجود والإدراك١.

стр. 133

أهم أوجه نقد الماركسية: تعرض التصور الماركسي لمفهوم الفلسفة ومهمتها للنقد لعدة أسباب, منها إنكاره للفلسفة التقليدية الميتافيزيقية، واعتباره التفكير المجرد لا يؤثر على مجرى التاريخ، وأن النظر العقلي لا يمكن تبريره إلا إذا ارتبط بالعمل "أي: بمدى قدرته على تغيير الواقع الاقتصادي, والقضاء على استغلال الإنسان للإنسان". معنى ذلك أن الميتافيزيقيا بصفتها نتاجا للنظر العقلي المجرد ليس لها من وجهة النظر الماركسية أي تأثير على مجرى الوقائع, استنادا إلى التفرقة بين المادية الجدلية والميتافيزيقا. ففي المادية الجدلية يتوحد النظر العقلي, والعمل حيث تكون للفكر على الدوام دلالة علمية إضافة إلى أن معرفة العالم تجعل من الممكن التأثير فيه كما سبقت الإشارة. وليس كذلك الميتافيزيقا التي تعني النظر العقلي في طبيعة الحقيقة دون أن يكون لذلك النظر علاقة بحقائق الواقع. فهي تنشد إذًا معرفة الحقيقة لذاتها, ومن ثم تبتعد عن تفسير التاريخ والعمل معا. يرفض أنصار التيار التقليدي المعاصر تلك التفرقة القاطعة بين النظر العقلي, والعمل انطلاقا من أن التفكير يؤثر في مجرى الأحداث في العالم, وإن لم يقصد إلى ذلك بشكل مباشر. والفكرة التي تتمخض عن النظر العقلي المجرد في شئون العالم تؤثر أعمق التأثير في تفسير وقائعه. فالرجل البدائي مثلا يفسر أحداث الكون بإرجاعها إلى علل خفية, بينما يردها المستنير إلى عللها الحقيقية ولو لم تكن معرفة العلل الحقيقية من

стр. 134

الأهداف المباشرة للتعليل. إن مزاولة النظر العقلي المجرد تغير نظرة صاحبها إلى الوقائع والأحداث, وتساهم في توجيه حياته, ولو لم يقصد بنظره العقلي هذا التوجيه المستنير. يرى الناقدون للماركسية كذلك أن التفرقة بين النظر والعمل لم تمنع المجتمع البشري من أن يفيد من الاكتشافات العلمية؛ لأن العلم الذي يكون نظريا اليوم قد يتحول غدا إلى علم تطبيقي. فالعلوم الطبيعية التي يعتقد الناس أنها ذات صلة وثيقة بالحياة العملية كانت أصلا دراسات من أجل تفسير ظواهر الكون باستخدام مناهج تجريبية, دون وجود غاية عملية مباشرة. وبينما تنحصر مهمة الباحث عن وجهة النظر هذه في التوصل إلى القانون, أو النظرية التي تحكم تلك الظواهر, فإن الاستفادة العملية من القانون أو النظرية من شأن المخترعين, ورجال الأعمال١.

стр. 135

المبحث الخامس: البراجماتية مدخل ... المبحث الخامس: البراجماتية Pragmatism ظهرت البراجماتية "أي: الفلسفة العملية" في الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين, وساهم في وضع أسسها ثلاثة من المفكرين الأمريكيين هم: تشارلس بيرس "١٨٣٩-١٩١٤"، ووليم جيمس "١٨٤٢-١٩١٠", وجون ديوي "١٨٥٩-١٩٥٢". ويعتبر تشارلس بيرس هو أول من استخدم البراجماتية كلفظ فلسفي عام ١٨٧٨ - ٢. تتلخص أهم اتجاهات هذه الفلسفة في توجيه العقل إلى العمل دون النظر, بمعنى أن ينصرف العقل عن التفكير في المبادئ والأوليات إلى البحث في النتائج والغايات. وتنظر البراجماتية إلى المعرفة كأداة للعمل المنتج وتضع

стр. 136

معيارا عمليا للتحقق من صدق أية فكرة, يتجلى في قياس مدى قدرتها على إثبات نفسها. بذلك يصير المعيار هو المنفعة وليس حكم العقل أي: تكون المنفعة هي المحكّ الوحيد لصدق الأحكام العقلية وصواب الأفكار. من جهة أخرى، تذهب البراجماتية إلى أن الحكم العقلي يكون صادقا متى تحقق الإنسان من صدقه بالتجربة، وبدون هذا التحقق لا يوصف الحكم بالصدق أو بالكذب. بذلك يصير الحق من وجهة نظر هذه المدرسة هو "التحقق" من منفعة الفكرة بالتجربة. إن الحق عند تشارلس بيرس مثلا يقاس بمعيار العمل المنتج, وليس بمنطق العقل المجرد, وما الفكرة إلا خطة للعمل وليست حقيقة في ذاتها كما ذهب أتباع المذهب العقلي. والفكرة التي لا تنتهي إلى سلوك عملي في الحياة الواقعية هي فكرة باطلة, أو غير ذات معنى يعول عليه, أي: إن الفكرة هي ما تنتهي إليه من نتائج وآثار. ثم يضرب لذلك مثلا فيقول: إننا نجهل حقيقة الكهرباء ولكننا نعرف ما تحققه لنا من منافع. فمعنى الكهرباء يقوم في الآثار التي تتخلف عنها في حياتنا اليومية, ولا عبرة بمعرفتنا العقلية لها. بالمثل، اعتبر بيرس أن الاعتقاد هو من نوع الأفكار. فالاعتقاد أو الدين حق متى دل على سلوك عملي, وإلا كان خلوا من كل دلالة. وانتهى إلى ضرورة تطبيق مناهج البحث العلمي على الفلسفة بحيث يتوقف التسليم بفكرة ما على ما يترتب عليها من سلوك عملي. لهذا تطلع إلى إنشاء ما أسماه بمجتمع معملي يقوم على نفس المنهج الذي يستخدمه العالم في معمله حتى يتيسر التوصل إلى الصواب أو الحق الذي لا يمارى. إلا أن الفلسفة البراجماتية ارتبطت أكثر باسم ويليام جيمس الذي اعتبر أن المنهج البراجماتي هو أولا وقبل كل شيء منهج لحل الخلافات الميتافيزيقية التي لولاه لظلت قائمة بلا حل. ثم يتساءل جيمس: هل العالم واحدي أو متكثر؟ مسير أم حر؟ مادي أم روحي؟ ويلاحظ أن الخلافات حول تلك الأفكار هي

стр. 137

خلافات لانهائية, وفي رأيه أن مهمة المنهج البراجماتي في مثل تلك الحالات هي محاولة تفسير كل فكرة منها بتتبع, أو استقصاء نتائجها العملية١. يعتقد جيمس أن الفكرة الصادقة هي تلك التي تؤدي إلى النجاح في الحياة, وأن الاعتقاد أو الدين الصحيح هو الذي ينتهي إلى تحقيق أغراض نافعة في دنيا الواقع. يترتب على ذلك أن الأفكار والمعتقدات لا تطلب لذاتها بشكل مجرد, وإنما كوسائل لتحقيق أغراض في دنيا الواقع. إن الحق ليس مجرد صفة عينية تقوم على طبيعة الفكرة, أو العقيدة كما زعم الفلاسفة الصوريون، وإنما هو قابلية الفكرة لأن تكون أداة للسلوك العملي في الواقع. وفي ذلك يقول وليام جيمس: "إن التفكير هو أولا وأخيرا ودائما من أجل العمل, كما أن الحق ليس إلا التفكير الملائم لغايته"٢. في مجال الأخلاق، يعتبر السلوك الإنساني فاضلا متى حقق نفعا للإنسان, وبذلك يصبح معيار الصواب والخطأ هو القيمة المنصرفة أو الفورية Cash Value في دنيا الواقع, وينتفي وجود الحق في ذاته بعيدا عن ظروفه, أي: يصبح الحق كالسلعة, قيمتها تقدر بثمنها الذي يدفع فيها فعلا في السوق. يتمثل الشق الثاني من البراجماتية -كما شرحه جيمس- في موضوع التحقق أو التجربة, فصدق الفكرة أو صوابها هو عملية التحقق منها بالتجربة. وبهذا التفسير يتحول الحق إلى "التحقق" من منفعة أو فكرة بالتجربة, وذلك استنادا في نظره إلى أن العلم يجعل النظرية أداة للسيطرة على الطبيعة. انطلاقا من ذلك يعتبر جيمس أن الصراع بين النظريات المختلفة عبث, وأن انشغال الباحثين بمحاولة إثبات أيها حق وأيها باطل هو مضيعة للوقت

стр. 138

لأنه لن يؤدي إلى نتيجة تؤثر في السلوك العملي, كما هو الحال مثلا في النزاع بين الماديين والروحيين. لكنه يستدرك قائلا: إن النظر إلى مستقبل العالم يرجح كفة المذهب الروحي؛ لأنه يملأ الإنسان أملا وتفاؤلا وقدرة على تحمل مصاعب الحياة. ينطبق ذلك على كل نزاع بين نظريتين حيث يبين أن قيمة أي رأي هي في منفعته للحياة، وصدقه يتوقف على تلك المنفعة ثم يستخلص من ذلك أن الحق في ذاته لفظ أجوف لا يحمل معنى. حول العقيدة، تتخذ البراجماتية نفس الموقف الانتهازي. فهي لا تؤمن بوجود الله "س" كموقف مبدئي, وإنما تبدي استعدادها للاعتراف بصدق العقيدة الدينية إذا ترتبت عليها فوائد علمية في الواقع اليومي. أي: إنها تعلق اعترافها على ظهور النتائج العملية للدين, والتأكد من قيمته المنصرفة. يعترف جيمس بذلك فيقول: "أخشى أن تكون محاضراتي السابقة -التي اقتصرت على نواحٍ إنسانية وبشرية- قد تركت لدى الكثير منكم انطباعا بأن البراجماتية تعني من الناحية المنهجية الابتعاد عما هو فوق البشر "الخالق". لقد أظهرت في الواقع احتراما قليلا إزاء المطلق ... ومن وجهة نظر المبادئ البراجماتية, فإنه إذا كان فرض وجود الله يلعب دورا مرضيا بأوسع معاني الكلمة, فإنه يكون فرضا صحيحا". ويعزو برتراند راسل موقف جيمس إلى تأثره بمثالية بيركلي مع معاناته من الشك في وجود الخالق, مما دفعه إلى إحلال الإيمان بالله محل الله نفسه؛ وذلك نظرا لما للإيمان من فوائد نفعية. ويتضح الموقف الخطر من الإيمان الذي تتخذه هذه الفلسفة الأمريكية من تلاعبها بذلك الموضوع الحساس, ورغبتها في تسخير العقيدة لأهداف سياسية. فالمشكلة لديها ليست الإيمان بالخالق أو بدين معين، وإنما المشكلة هي ضرورة الانتظار حتى يتضح أي الأديان أقدر على يلعب دورا أحسن

стр. 139

في المستقبل "من وجهة نظرها طبعا". ويشرح ويليام جيمس رأيه بقوله: "يجب على البراجماتية أن تؤجل إعطاء إجابة جامدة؛ لأننا لا نعلم بعد بشكل يقيني أي أنواع الدين يمكن أن يلعب دورا أحسن على المدى البعيد"١. المفكر الأمريكي الثالث الذي ساهم في تطوير البراجماتية هو جون ديوي. لم يختلف هذا عن سابقيه من حيث النظر إلى الحق على أساس أنه التحقق من منفعة الفكرة عن طريق التجربة. كما اتفق مع مقولة: إن صواب العقيدة تتوقف على نتائجها العملية, أو قيمتها المنصرفة كما سبقت الإشارة. أسهم جون ديوي في مجال البراجماتية بمذهب جديد أسماه مذهب الذرائع, وقصد به أن الفكر ما هو إلا وسيلة أو ذريعة في خدمة الحياة. يتلخص ذلك المذهب في المطالبة بتطبيق منهج البحث العلمي في شتى مجالات التفكير, وخاصة مجال القيم في السياسة والأخلاق والجمال بهدف تغيير القيم لتلائم ظروف الحياة. والمنهج العلمي من وجهة نظره هو الأسلوب الذي يلجأ إليه الباحث للخروج من نطاق الفكر إلى نطاق العمل. اعتبر ديوي أن الحياة تقوم بعملية تنسيق بين الفرد وبيئته, وأن العقل أداة لترقية الحياة وليس أداة للمعرفة, فاتسع معنى البراجماتية لديه بحيث أصبح صواب الفكرة, أو المبدأ يعني تكيفه مع حياة الآخرين ومعتقداتهم, وليس مع حياة الفرد العملية فقط. إن الناس من وجهة نظره لا يزاولون التفكير إذا كانت حياتهم سهلة لينة، وهم لا يضطرون إلى التفكير إلا إذا واجهتهم المصاعب. حينئذ

стр. 140

يكون مقياس صحة تفكيرهم هو مدى ما يحققونه من نجاح. فكل بحث وراء الحقيقة ليس إلا طريقة لإيجاد وسائل تخدم حياتنا العملية, أي: إن الفكرة خطة يراد بها تحقيق فعل من الأفعال١. وقد امتدح جيمس ذلك الإسهام بقوله: إن الأفكار, وهي جزء من تجربتنا تصبح صحيحة بقدر ما تساعدنا على الدخول في علاقات مرضية مع جوانب أخرى من تجربتنا. وأية فكرة تحملنا بنجاح من جانب من تجربتنا إلى جانب آخر، رابطة الأشياء بشكل مرض، وتعمل بأمان، وتبسط الأمور, وتوفر الجهد هي فكرة صحيحة، أي: صحيحة كوسيلة أو كذريعة. هذه هي النظرة الذرائعية إلى الحق, أو يمكن القول: إن الحق في أفكارنا يعني قوتها وقدرتها على "العمل". من هذا يتضح أن البراجماتية تختلف مع الفلسفة التقليدية من حيث المفهوم والوظيفة. فالبراجماتية تنفر من تبديد النظر العقلي في حقيقة الكون وطبيعة الموجودات ومبدئها ومصيرها. وهي أيضا لا تقصر الفلسفة على مجرد البحث الأكاديمي في المبادئ العامة, والعلل الأولى. من جهة أخرى اختلفت البراجماتية مع الوضعية المنطقية. فقد رأينا كيف اتجهت تلك الفلسفة الأخيرة إلى اعتبار القضايا الميتافيزيقية غير ذات معنى، وإنكار إمكانية وصفها بالصدق أو الكذب. على العكس من ذلك اتجهت البراجماتية إلى قبول المعاني الميتافيزيقية دون بحثها عقليا إذا ترتبت على قبولها منفعة أو فائدة عملية. إن مهمة الفيلسوف ليست بحث المشاكل ووضع النظريات حلا لها، وإنما تحولت الفلسفة في مفهوم تلك المدرسة لتصبح مجرد رجل يفكر لتحقيق منفعة عملية، وصارت آية الحق النجاح وآية الباطل الفشل.

стр. 141

أهم أوجه نقد البراجماتية: تعرضت البراجماتية للنقد من جانب الفلاسفة المعاصرين مثل كورنفورث وبرتراند راسل وسانتيانا الذين رأوا أن مفهومها للفلسفة لا يخرج عن كونه موقفا أمريكيا يعكس تأثر أصحابه بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للبيئة التي نشئوا فيها١. وذلك من حيث التعبير عن عصر الإقبال على الصناعة وإنتاج المشروعات الضخمة, وإن كان البراجماتيون يضيقون بهذا التفسير. يرى المعاصرون من أنصار الفلسفة التقليدية أن البراجماتية لم يحالفها التوفيق في العلاقة المعكوسة التي أنشأتها بين الفكر والعمل. إن وظيفة العقل من وجهة نظرهم هي التوصل إلى الحقيقة في ذاتها بصرف النظر عن نتائجها، كما يتفقون مع أغلبية الفلاسفة في أن الأفكار الصادقة تؤدي إلى نتائج مرضية ونافعة. بررت البراجماتية هذه العلاقة المعكوسة بأنها ترفض الحقائق المطلقة, وتنظر إلى المعرفة كأداة أو خطة أو مشروع للتغلب على المصاعب والمشكلات. فإذا نجحت المعرفة في ذلك كانت حقا أو صوابا، وإن أخفقت كانت خطأ دون إقامة أي وزن لصدق الحقيقة في ذاتها. بمعنى آخر, فإن التحقق من صواب الفكرة أو خطئها مرهون بالمستقبل, أي: بالتجربة التي تثبت عمليا مدى نجاحها أو فشلها. كان هذا هو ما ذهب إليه جون ديوي وغيره من البراجماتيين الذين علقوا صدق الأفكار على المستقبل حتى يتم اختبارها بالتجربة. اختلف معهم في ذلك أنصار الفلسفة التقليدية والوضعيون والماركسيون وغيرهم, إذ رأى هؤلاء أن الأفكار تكون صادقة بغض النظر عما يأتي به المستقبل ...

стр. 142

فبرتراند راسل مثلا -وهو من أعلام الفلسفة التحليلية المعاصرة- يعلق صواب الفكرة على أسبابها الكائنة في الماضي حتى "تستقل الحقيقة عن إرادتنا في الحاضر والمستقبل معا، وبذلك لا تتغير الحقيقة كلما أمكننا تغيير المستقبل". إن جوهر الخلاف بين الرأيين هو أن نقاد البراجماتية يرون أن "الأفكار تؤدي إلى نتائج مرضية؛ لأنها صادقة" بينما يظن البراجماتيون أن "الأفكار صادقة؛ لأنها تؤدي إلى نتائج مرضية". وتبدو خطورة البراجماتية من قول ويليام جيمس: إن الفكرة الواحدة قد تكون صادقة في وقت ما "أي: حين تؤدي إلى منفعة" ثم باطلة في وقت آخر "حين تفشل في تحقيق منفعة", أو أكثر من ذلك: إن الفكرة الواحدة تكون صوابا عند إنسان, وخطأ عند إنسان آخر. إن مكمن الخطورة في ذلك هو أن التسليم بذلك المنطق البراجماتي المقلوب يفرض علينا قبول الأخطاء "أو بصراحة أكثر السياسات الشريرة" كحقائق صادقة في وقت ما, إذا أثبتت التجربة أنها في ذلك الوقت قد حققت منفعة, أو فائدة عملية "لدولة عظمى مثلا". انتقدت الماركسية أيضا١ ادعاء الفلسفة البراجماتية بأن هدفها هو التغلب بصفة نهائية على الخلافات الفلسفية. فالمنهج البراجماتي من وجهة نظر ويليام جيمس هو منهج لحل المنازعات الميتافيزيقية بالدرجة الأولى, والتي لولاه لظلت تلك المنازعات بلا حل. بينما ترى الماركسية أن جوهر ذلك المنهج يتضاءل حتى يتركز حول موضوع الحق الذي على ضوئه تصبح أية فكرة صادقة إذا

стр. 143

ساعدت الفرد على التنسيق بين تجربته الجديدة وبين ما يحتفظ به من عقائد قديمة, وبذلك تسهل عليه الوصول إلى هدفه المحدد عن طريق الربط بين الأشياء بشكل مرضٍ مأمون مع تبسيط, وتوفير الجهد. وتعتبر الماركسية أن المفهوم البراجماتي للحق ذو اتجاه محافظ للغاية سواء من الوجهة العلمية, أو السياسية الاجتماعية. ذلك الاتجاه المحافظ في مجال المعرفة هو الذي ظنت البراجماتية أنه الأسلوب الوحيد لإزالة الخلاف الرئيسي في الفلسفة, في الوقت الذي ترى فيه الماركسية أن الهدف منه كان وضع شكل من أشكال المثالية ذات اللون السياسي؛ لتكون بمثابة عرف فلسفي عام.

стр. 144

المبحث السادس: الوجودية مدخل ... المبحث السادس: الوجودية Existentialism ظهرت تلك الفلسفة على يد المفكر الدنماركي سورين كير كجارد "١٨١٣-١٨٥٥" وطوّرها من بعده مارتن هايدجر "١٨٨٩" وجان بول سارتر "١٩٠٥" وكارل ياسبرز وألبير كامي. وقد أصبح من المسلمات في عصرنا الحاضر أن المغزى الكامل لفلسفة كير كجارد لم يكتمل إلا من خلال مؤلفات هؤلاء الفلاسفة. كما أنه من المسلمات الهامة الأخرى تعذر الحديث عن منابع الوجودية دون الإشارة إلى الفيلسوف الألماني نيتشه جنبا إلى جنب كير كجارد اللذين رغم اختلافهما في القضايا التي تناولاها, فإنهما يتشابهان في موضوعات وجودية أخرى كثيرة انعكست في مذاهب أتباعهما. من تلك الموضوعات نذكر إخفاق المذاهب المفارقة واللامعقول، اليأس والقلق، التزام الإنسان المسيحي، معنى المخاطرة، دراما الفرد، القيمة الذاتية الخالصة، عدم التيقن مطلقا مما هو موضوعي ... إلخ. تنتقد الوجودية عموما كلا من الفلسفة القديمة والحديثة؛ لإغفالهما للإنسان الواقعي المشخص. فالفلسفة القديمة بحثت في الوجود بما هو وجود بهدف التعرف على علله البعيدة ومبادئه الأولى, بينما اهتمت الفلسفة الحديثة

стр. 145

بنظرية المعرفة للوقوف على طبيعتها عن طريق تحديد العلاقة التي تربط بين العقل وموضوعاته. على العكس من ذلك, تحولت الفلسفة الوجودية من البحث في الوجود المجرد إلى دراسة الإنسان كتجربة حية في وجوده الحسي, أي: في حياته الواقعية وعلاقاته مع الآخرين، محددا بزمان ومكان وظروف هذا الإنسان. لكن تختلف الوجودية عن الفلسفات الأخرى من حيث عدم وجود تعريف موحد لها بسبب التيارات المتعددة للوجودية, والتي يمكن تمييز ثلاثة منها١: التيار الأول يمثله فلاسفة مثل كير كجارد وياسبرز ومارسيل. وقد ذهب هؤلاء إلى أن النظر في الوجود يقتضي إنكارا للفلسفة باعتبارها مذهبا، ذلك أن الفلسفة الوجودية ما هي إلا "تحليل الوجود" من حيث أخص ما فيه من فردية وعينية. أما ما يتبقى بعد ذلك -وخاصة التأمل الميتافيزيقي- فهو لا يعدو أن يكون سوى شفرة قيمتها الوجودية ليست لها سوى علاقة رمزية يرون أنها فضول زائد عن الحاجة. إن التحليل الوجودي في نظر كير كجارد وياسبرز لا يمكن أن يؤدي إلى حقيقة شاملة. وكل شيء إنما يتحقق في تجربة صرفه لا سبيل إلى التعبير عنها للغير "مباشرة على الأقل"، ولا هي قابلة للتعميم الشامل، وهي اتصال شخصي تماما بمطلق الوجود ووعي حسي "باللحظة الأبدية" بواسطة فصل هذه اللحظة ينتزع الإنسان نفسه من متاهة متناقضاته الخاصة, ويبلغ "حقيقة" لا سبيل إلى صوغ عبارة عنها بحال. عند ذلك يدرك الإنسان دفعة واحدة معنى كونه موجودا, ذلك المعنى
следующие страницы →