أهم أوجه نقد البراجماتية:
تعرضت البراجماتية للنقد من جانب الفلاسفة المعاصرين مثل كورنفورث وبرتراند راسل وسانتيانا الذين رأوا أن مفهومها للفلسفة لا يخرج عن كونه موقفا أمريكيا يعكس تأثر أصحابه بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للبيئة التي نشئوا فيها١. وذلك من حيث التعبير عن عصر الإقبال على الصناعة وإنتاج المشروعات الضخمة, وإن كان البراجماتيون يضيقون بهذا التفسير.
يرى المعاصرون من أنصار الفلسفة التقليدية أن البراجماتية لم يحالفها التوفيق في العلاقة المعكوسة التي أنشأتها بين الفكر والعمل. إن وظيفة العقل من وجهة نظرهم هي التوصل إلى الحقيقة في ذاتها بصرف النظر عن نتائجها، كما يتفقون مع أغلبية الفلاسفة في أن الأفكار الصادقة تؤدي إلى نتائج مرضية ونافعة.
بررت البراجماتية هذه العلاقة المعكوسة بأنها ترفض الحقائق المطلقة, وتنظر إلى المعرفة كأداة أو خطة أو مشروع للتغلب على المصاعب والمشكلات. فإذا نجحت المعرفة في ذلك كانت حقا أو صوابا، وإن أخفقت كانت خطأ دون إقامة أي وزن لصدق الحقيقة في ذاتها. بمعنى آخر, فإن التحقق من صواب الفكرة أو خطئها مرهون بالمستقبل, أي: بالتجربة التي تثبت عمليا مدى نجاحها أو فشلها.
كان هذا هو ما ذهب إليه جون ديوي وغيره من البراجماتيين الذين علقوا صدق الأفكار على المستقبل حتى يتم اختبارها بالتجربة. اختلف معهم في ذلك أنصار الفلسفة التقليدية والوضعيون والماركسيون وغيرهم, إذ رأى هؤلاء أن الأفكار تكون صادقة بغض النظر عما يأتي به المستقبل ...
стр. 142
فبرتراند راسل مثلا -وهو من أعلام الفلسفة التحليلية المعاصرة- يعلق صواب الفكرة على أسبابها الكائنة في الماضي حتى "تستقل الحقيقة عن إرادتنا في الحاضر والمستقبل معا، وبذلك لا تتغير الحقيقة كلما أمكننا تغيير المستقبل".
إن جوهر الخلاف بين الرأيين هو أن نقاد البراجماتية يرون أن "الأفكار تؤدي إلى نتائج مرضية؛ لأنها صادقة" بينما يظن البراجماتيون أن "الأفكار صادقة؛ لأنها تؤدي إلى نتائج مرضية". وتبدو خطورة البراجماتية من قول ويليام جيمس: إن الفكرة الواحدة قد تكون صادقة في وقت ما "أي: حين تؤدي إلى منفعة" ثم باطلة في وقت آخر "حين تفشل في تحقيق منفعة", أو أكثر من ذلك: إن الفكرة الواحدة تكون صوابا عند إنسان, وخطأ عند إنسان آخر.
إن مكمن الخطورة في ذلك هو أن التسليم بذلك المنطق البراجماتي المقلوب يفرض علينا قبول الأخطاء "أو بصراحة أكثر السياسات الشريرة" كحقائق صادقة في وقت ما, إذا أثبتت التجربة أنها في ذلك الوقت قد حققت منفعة, أو فائدة عملية "لدولة عظمى مثلا".
انتقدت الماركسية أيضا١ ادعاء الفلسفة البراجماتية بأن هدفها هو التغلب بصفة نهائية على الخلافات الفلسفية. فالمنهج البراجماتي من وجهة نظر ويليام جيمس هو منهج لحل المنازعات الميتافيزيقية بالدرجة الأولى, والتي لولاه لظلت تلك المنازعات بلا حل. بينما ترى الماركسية أن جوهر ذلك المنهج يتضاءل حتى يتركز حول موضوع الحق الذي على ضوئه تصبح أية فكرة صادقة إذا
стр. 143
ساعدت الفرد على التنسيق بين تجربته الجديدة وبين ما يحتفظ به من عقائد قديمة, وبذلك تسهل عليه الوصول إلى هدفه المحدد عن طريق الربط بين الأشياء بشكل مرضٍ مأمون مع تبسيط, وتوفير الجهد.
وتعتبر الماركسية أن المفهوم البراجماتي للحق ذو اتجاه محافظ للغاية سواء من الوجهة العلمية, أو السياسية الاجتماعية. ذلك الاتجاه المحافظ في مجال المعرفة هو الذي ظنت البراجماتية أنه الأسلوب الوحيد لإزالة الخلاف الرئيسي في الفلسفة, في الوقت الذي ترى فيه الماركسية أن الهدف منه كان وضع شكل من أشكال المثالية ذات اللون السياسي؛ لتكون بمثابة عرف فلسفي عام.
стр. 144
المبحث السادس: الوجودية
مدخل
...
المبحث السادس: الوجودية
Existentialism
ظهرت تلك الفلسفة على يد المفكر الدنماركي سورين كير كجارد "١٨١٣-١٨٥٥" وطوّرها من بعده مارتن هايدجر "١٨٨٩" وجان بول سارتر "١٩٠٥" وكارل ياسبرز وألبير كامي.
وقد أصبح من المسلمات في عصرنا الحاضر أن المغزى الكامل لفلسفة كير كجارد لم يكتمل إلا من خلال مؤلفات هؤلاء الفلاسفة. كما أنه من المسلمات الهامة الأخرى تعذر الحديث عن منابع الوجودية دون الإشارة إلى الفيلسوف الألماني نيتشه جنبا إلى جنب كير كجارد اللذين رغم اختلافهما في القضايا التي تناولاها, فإنهما يتشابهان في موضوعات وجودية أخرى كثيرة انعكست في مذاهب أتباعهما. من تلك الموضوعات نذكر إخفاق المذاهب المفارقة واللامعقول، اليأس والقلق، التزام الإنسان المسيحي، معنى المخاطرة، دراما الفرد، القيمة الذاتية الخالصة، عدم التيقن مطلقا مما هو موضوعي ... إلخ.
تنتقد الوجودية عموما كلا من الفلسفة القديمة والحديثة؛ لإغفالهما للإنسان الواقعي المشخص. فالفلسفة القديمة بحثت في الوجود بما هو وجود بهدف التعرف على علله البعيدة ومبادئه الأولى, بينما اهتمت الفلسفة الحديثة
стр. 145
بنظرية المعرفة للوقوف على طبيعتها عن طريق تحديد العلاقة التي تربط بين العقل وموضوعاته.
على العكس من ذلك, تحولت الفلسفة الوجودية من البحث في الوجود المجرد إلى دراسة الإنسان كتجربة حية في وجوده الحسي, أي: في حياته الواقعية وعلاقاته مع الآخرين، محددا بزمان ومكان وظروف هذا الإنسان.
لكن تختلف الوجودية عن الفلسفات الأخرى من حيث عدم وجود تعريف موحد لها بسبب التيارات المتعددة للوجودية, والتي يمكن تمييز ثلاثة منها١: التيار الأول يمثله فلاسفة مثل كير كجارد وياسبرز ومارسيل. وقد ذهب هؤلاء إلى أن النظر في الوجود يقتضي إنكارا للفلسفة باعتبارها مذهبا، ذلك أن الفلسفة الوجودية ما هي إلا "تحليل الوجود" من حيث أخص ما فيه من فردية وعينية. أما ما يتبقى بعد ذلك -وخاصة التأمل الميتافيزيقي- فهو لا يعدو أن يكون سوى شفرة قيمتها الوجودية ليست لها سوى علاقة رمزية يرون أنها فضول زائد عن الحاجة.
إن التحليل الوجودي في نظر كير كجارد وياسبرز لا يمكن أن يؤدي إلى حقيقة شاملة. وكل شيء إنما يتحقق في تجربة صرفه لا سبيل إلى التعبير عنها للغير "مباشرة على الأقل"، ولا هي قابلة للتعميم الشامل، وهي اتصال شخصي تماما بمطلق الوجود ووعي حسي "باللحظة الأبدية" بواسطة فصل هذه اللحظة ينتزع الإنسان نفسه من متاهة متناقضاته الخاصة, ويبلغ "حقيقة" لا سبيل إلى صوغ عبارة عنها بحال.
عند ذلك يدرك الإنسان دفعة واحدة معنى كونه موجودا, ذلك المعنى
стр. 146
الذي ليس شيئا مغايرا لوجوده ذاته. فالتحليل الوجودي إذًا سمة من السمات الأكيدة للوجودية, ولكنه ليس كافيا لتعريفها.
يضم التيار الثاني فلاسفة مثل هايدجر وسارتر. وقد رفض هذا التيار نوع الوجودية التي عبر عنها التيار الأول بسبب وقوعه في تناقض ناتج عن موقفه الذي تعدى حد القضاء على الفلسفة إلى القضاء على كل تعبير عن الوجودية. فالوجودي المتسق مع نفسه في رأي كير كجارد يقتصر على أن يوجد, وأما الباقي كله فزائد عن الحاجة كما سبقت الإشارة. وما الكلام المستفيض إلا علامة وجود خطابي أكثر منه واقعيا. إن الشخص الواجد نفسه بالمعنى الأصيل صامت حتى بينه وبين نفسه, وفي هذا الوجه تستنفد الفلسفة الوجودية نفسها, أي: تنكر نفسها إنكارا كليا.
لهذا يرى التيار الثاني أن الوجودية يجب أن تقتصر على التحليل الوجودي الذي يريدون استخدامه ليقيموا عليه فلسفة وجود, أو علم وجود Science de ldees. هذا الهدف واضح على الأخص عند هايدجر, كما أن سارتر لم يتبرأ منه في كتابه الوجود والعدم.
يشمل التيار الثالث فلاسفة مثل كامي وباتاي, وإن كان لا يربطهم بالوجودية إلا اعتقادهم بأن الوجود, والعالم عبث سخيف في جوهره.
وفي غياب تعريف متفق عليه من جانب الفلاسفة أنفسهم، نجد أن التعريفات المأثورة للوجودية جاءت من قبل النقاد الذين عرفها بعضهم بأنها "التصميم المشترك على اتخاذ نقطة البداية من تحليل التجربة العينية المعاشة من حيث تناول الإنسان نفسه بشكل مباشر بدلا من مجرد اتخاذه نقطة للوصول، وعدم اللحاق به إلا بعد بحث يبدأ من طريق مجرد ... يبدأ بالله والوجود والعالم والمجتمع وقوانين الطبيعة والحياة". ويعرف آخرون الوجودية بأنها تنحصر من حيث جوهرها في "تأكيد أن الوجود عبارة عن وضع خالص Position pure
стр. 147
ليس عبارة عن كمال للماهية, أي: إن الوجود سابق على الماهية "١ "الماهية هي كنه وخصائص الشيء".
نالت العلاقة بين الوجود والماهية اهتماما كبيرا من قبل عدة مدارس فلسفية. فقد اعتبرت الفلسفات المثالية أن الماهية سابقة على الوجود, بمعنى أن جوهر الإنسان الذي يعبر عن الخصائص الذاتية التي تميزه عن غيره من الكائنات "ماهيته" يسبق وجوده في دنيا الواقع. وهذا يفسر اهتمام الفلاسفة المثاليين بالبحث عن الماهيات, وإغفال الوجود الفعلي.
وعلى الرغم من اختلاف الفلاسفة الوجوديين في شرحهم لهذه العلاقة, فإنهم اتفقوا على رفض الاتجاه السابق الذي يرى أن الماهية تسبق الوجود. وقد قام بعض هؤلاء الفلاسفة مثل هايدجر بالتوحيد بين وجود الإنسان وماهيته, واتبع منهجا يلائم موضوع الأنطولوجيا, وهو إدراك معنى الوجود بوجه عام.
وحول علاقة موضوع البحث, فقد ذهب هايدجر إلى القول بأن الموجود إذ يوجد، يكون ماهيته، بحيث إن الماهية أو الكينونة etre ليست في ذاتها سوى الوجود نفسه في واقعه العيني. بعبارة أخرى، فإنه ليست للوجود ماهية متميزة عنه، أي: إنه في وقت واحد وجود, وماهية.
ذهبت فئة أخرى من هؤلاء الفلاسفة مثل سارتر إلى أن الوجود يسبق الماهية بشكل مطلق, على أساس أن كلمة وجود لا تنطبق انطباقا كاملا إلا على الواقع الإنساني. من جهة أخرى, فإن الوجود عند الإنسان ليس سوى الاسم
стр. 148
الذي يطلق على العدم neant الذي هو الوجود لذاته, أو الوعي.
وهناك اتفاق بين الوجوديين -على الأقل بين كير كجارد وياسبرز- على رفض اعتبار الوجود شيئا يمكن أن نجرده, ونعرفه من الخارج بوصفه أحد المعطيات الموضوعية، ذلك أن صبغته الجوهرية بإطلاق هي صبغة الذاتية وعلى هذا الأساس فإنه وراء حدود كل معرفة, ولا يمكن رده إلى مفهوم، وهو مستعصٍ على كل محاولة ترمي إلى إدخاله في قوالب التصورات١, وهو ما يضع ادعاء الفلسفة الوجودية بأنها غير مثالية موضع التساؤل.
قد يساعدنا هذا على توضيح موقف الوجودية -عند الأربعة الكبار: كير كجارد وياسبرز وهايدجر وسارتر- من مفهوم الفلسفة بصفتها دوما التحليل العيني في أشد صوره اصطباغا بالفردية بهدف الكشف إما عن حقيقة غير قابلة للوصف، حقيقة شخصية إلى أقصى حد، أو عن مفهوم كلي شامل للإنسان وللعالم الذي يجري في رحابه تحديد مصير الإنسان.
وقد عبر ياسبرز عن ذلك جزئيا في دراسته لنيتشه بقوله: "إن ما ينبثق من أعماقنا هو وحده الشيء الحقيقي". ويتفق فيلسوف وجودي آخر هو جابريل مارسل مع هذا المفهوم, وإن كان لا يوافق على وجهة نظر هايدجر وسارتر التي تفسر الأشياء بالاكتفاء بما في داخلها "الباطنية"٢.
ربطت الوجودية بين حرية الإنسان ووجوده. فالإنسان من وجهة نظر كير كجارد يجد نفسه حيال "مواقف" عليه أن يختار من بينها, وتترتب المسئولية على اختياره هذا. إلا أن الاختيار كثيرا ما يتحقق في حال يجمع بين الشك والحيرة, وعندئذ يصير الإنسان رب أفعاله.
стр. 149
أما سارتر فيرى أن الحرية الإنسانية تتجلى في أن الاختيار لا يقترن برؤية, ولا يكون مسبوقا بتدبير عقلي أو تحديد لغاية أو معرفة ببواعث. هذه الحرية مقيدة بمواقف تتحكم فيها, ولكنه بمقدور الإنسان أن يتخلص منها وأن يزاول حريته, وبالتالي فهو رب أفعاله وصانع مصيره. بذلك يكون الوجوديون قد رفضوا إخضاع الفرد للحتمية الاجتماعية, أو الموضوعية العلمية.
ترتب على هذا الفهم المميز للحرية في الفلسفة الوجودية إسقاط جميع القيم, وتبرير تحرر الفرد من الزواجر التي يفرضها العرف الاجتماعي أو العقيدة الدينية أو توجيهات أية سلطة تقيد حرية الإنسان, وهو المفهوم الذي أصبح شائعا بين الناس كناية عن الوجودية والوجوديين.
يقارن سارتر على سبيل المثال بين حرية الاختيار الخلقي وحرية العمل الفني, ويوضح كيف أن الفنان لا يلام إذا أغفل في عمله الفني كل القواعد التي تواضع عليها سابقوه. كذلك الحال من الناحية الأخلاقية بالنسبة لمن يقوم باختيار فعل معين من بين أفعال ممكنة, دون الاستجابة إلى قيم معتمدة تعارف عليها الآخرون.
وتظل الأفكار المبكرة لكير كجارد ونيتشه ذات تأثير كبير على المذاهب الوجودية المعاصرة رغم ما اعتراها من تغييرات, إذ يمكن تتبع الخطوات العريضة فيها كلها مع بعض التنويعات على اللحن الأساسي للوجودية المبكرة. لهذا نلاحظ استمرار التأكيد على عدة نقاط, أهمها أولوية الذاتية وقيمتها بحيث لا تتسع لشيء سواها، تأكيد الوجود باعتباره قيمة أساسية وسابقا على ماهية الإنسان ومحددا لها، إنكار كل فلسفة تهدف إلى إقامة منطق مجرد غريب عن الحياة لا سبيل إلى التوفيق بينه وبين عالم مشبع باللامنطقية وباللامعقول، حتمية اليأس والقلق باعتبارهما شرطين دائمين للعظمة الإنسانية، عدم التماس الأمن الحقيقي للفكر والعمل في الدين مع وجود خلاف في الرأي بين الوجوديين حول هذا الموضوع.
стр. 150
ويلتمس بعض المفكرين العذر, كما يقوم غيرهم بتفسير أسباب نغمات الحزن والضجر والخوف والقلق والضياع التي تتسم بها الوجودية فيرجعها إلى الظروف الصعبة التي مرت بالعالم منذ الحرب العالمية الأولى, والتأثيرات الضارة الناتجة عن ذلك, وخاصة في ألمانيا بعد هزيمتها في تلك الحرب ثم في فرنسا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية.
لقد مهد كل ذلك السبيل في رأيهم لظهور الفلسفات القائلة باللامعقولية الشاملة, وانتشار فكرة العدم بعد إنكار العقل وإنكار وجود الله "س". فوجودية هايدجر وسارتر ومذاهب كامي وباتاي ترجع في أصلها إلى ذلك التيار المروج لفكرة اللامعقول، وكلها تجعل للقلق واليأس شأنا كبيرا وترسم ملامح حقبة معذبة١.
ويندر أن تتشبع فلسفة معاصرة بكل هذا القدر من الكآبة مثلما نجد في الوجودية حتى إن الفيلسوف باسكال اعتبر ضمن رواد الوجودية الأوائل بسبب النغمة الحزينة المتباكية في كتاباته, والتي يعلق عليها الفيلسوف والأديب الفرنسي أندريه جيد بقوله: "إن القيمة العليا لباسكال ترجع في نظري اليوم إلى النغمة الحزينة المتباكية، ولا توجد إلا في هذه النغمة، أواه, إنني أعلم جيدا أنني لا أستطيع أن أعيد قراءة جمل معينة له دون أن أنشج بالبكاء".
وهذا هايدجر -أحد أعلام المذهب الكبار- يرى أن الحياة الحقة تكون في اليأس. بينما ذهب كامي خطوة أبعد, إذ رغم المعاني التي قصدها من الفقرة التالية, فإننا لا نستطيع التغاضي عن نغمتها التي تربطها بالتيار الوجودي العام.
стр. 151
يقول كامي في روايته أسطورة سيسيفوس: "إنه ليس ثمة سوى مشكلة فلسفية واحدة يمكن أن تعد جدية بحق، وتلك هي مشكلة الانتحار, ولو استطعنا أن نحكم ما إذا كانت الحياة جديرة بأن تعاش أم لا، فقد أجبنا على المشكلة الرئيسية في الفلسفة"١.
стр. 152
أهم أوجه نقد الوجودية:
تعرضت الفلسفة الوجودية للنقد من عدة تيارات فلسفية أخرى, نخص منها بالذكر التيار التقليدي المعاصر والماركسية. فالتيار التقليدي المعاصر يرى في الوجودية فلسفة لا تدرس سوى الإنسان المحسوس الذي يجمع بين عناصر لا يسهل فصل بعضها عن بعض، وهي: الجسم والنفس والشعور والعالم الخارجي والأنا والآخرون.
تهتم الوجودية بالحياة الخاصة للإنسان, والمواقف التي يجد نفسه إزاءها, ولكنها لا تستطيع أن ترقى إلى دائرة وجودها الإنساني؛ لأن تجاوز الوجود الذاتي يتنافى مع أدق خصائصها وهو التقيد بدراسة الوجود الخاص.
وخلافا للفلسفة التقليدية التي نظرت إلى الوجود على أنه روح ومادة أو عقل وجسم، فإن الوجودية قد تجاوزت هذه الثنائية بمقولتها: إن ما يظهر من الشيء هو حقيقته. وينتقد التيار المعاصر ذلك الموقف على أساس أنه وإن كان قد وفر على الوجودية مشقة التوفيق بين القطبين الأزليين, إلا أنها ناءت بتفسير الكثير من ظواهر الوجود, وأخطأها فهم الكثير من مشكلاته.
هذا علاوة على أن إغراقها في الفردية على حساب مصالح المجتمع لم يؤد بالإنسان إلى تمتعه بحريته التي بشرت بها, وإنما انتهت دراستها إلى
стр. 153
أن حياته تزخر بالضيق, وتنتهي بالموت والعدم, فكانت بهذا قصة هزيمة ويأس وتشاؤم.
ويرى بعض الفلاسفة المعاصرين أن الوجودية تعتبر من أظهر الأعراض التي توحي بانهيار المذاهب الفلسفية في عصرنا. فقد علق الفيلسوف الفرنسي إميل برييه على كتاب سارتر "في الوجود والعدم" بأنه رغم ما يتضمنه من التحليل الدقيق, فإنه ينطوي على ألوان من خيبة الرجاء يصادفها الفيلسوف في بحثه عن الوجود١.
أما الماركسية, فقد قدمت تفسيرا آخر لطبيعة الموضوعات التي تناولتها الفلسفة الوجودية, ولأسباب تلك النغمات المفجعة. فهي أولا تضع الوجودية على قدم المساواة مع الفلسفة الوضعية من حيث إنهما تنفيان إمكانية معرفة العالم الموضوعي، وتطرحان جانبا مفهوم الوجود الموضوعي ذاته, وبذلك تقفان إلى جانب المثالية الذاتية.
من هذا المنطلق تعتبر الماركسية أن الفلسفة الوجودية هي أحد تيارات الفلسفة البرجوازية المعاصرة, وتسوق على ذلك مثالا من كتابات الفيلسوف الوجودي الفرنسي ألبير كامي التي يذهب فيها إلى اعتبار العلاقة بين التفكير والوجود مسألة بلا معنى إلى حد عميق, وفارغة كأية مسألة علمية مثل مسألة دوران الأرض حول الشمس أو العكس.
بذلك يصبح الشيء الوحيد الذي له معنى هو الوجود الذي يفهم منه الوجود الشخصي الفردي للـ"أنا"، أنا كما أبدو لنفسي. تؤدي هذه الذاتية إلى انقلاب الفلسفة كلها إلى أخلاقية فردية، إلى نفسية ذاتية، وتفسر هذه الأخيرة بروح الأنانية. بالمثل توجه الماركسية النقد إلى الفيلسوف الوجودي الألماني
стр. 154
ياسبرز؛ لتحطيمه الثقة بقوى العقل الإنساني, والتفكير المنطقي في فلسفته التي سماها النظرة الفلسفية إلى العالم.
ليس أقل مدعاة للنقد من وجهة النظر الماركسية أن الفلسفة الوجودية تدور حول وجود لا عقلي تعتبره الوجود الحقيقي, وهو عبارة عن جو شعوري غريب تغيب فيه الذات ولكنها لا تفهمه, بل تتجرد فيه من كل ما هو مفهوم.
لهذا تعرض شرح سارتر لمعنى الوجود للنقد حيث ضرب مثلا برجل يجلس في حديقة، ثم يتعلق بصره بوردة فينصرف عن بقية الحديقة، ثم لا يلبث أن يحس تأثير هذه الوردة في نفسه وهو منصرف عن رؤيتها, وبالتدريج يغيب عن كل شيء ويغرق في دوامة اللامعقول فيتساءل: من أنا؟ ولماذا وجدت؟ هنا يكون الرجل قد وصل إلى "وجوده" الحقيقي١.
ذلك الوجود "اللامعقول" تقوم عليه مقولة: إن الوجود سابق على الماهية, بمعنى أن الفرد في رأي الفلسفة الوجودية يجب ألا يتصرف بناء على تحديدات عقلية أو مبادئ؛ لأنه ما دام الوجود الحقيقي هو وجود الشعور الذاتي فلا بد إذًا من رد الأشياء والأفعال إليه.
بعبارة أخرى: إن سلوك الفرد يتم بناء على "الدافع الغريزي" في نفسه هو دون استلهام أية فكرة عقلية. وبعد أن يقوم الفرد بسلوك ما تتحدد القيم من واقع سلوكه, سواء كانت قيما تحض على الأنانية أم على التضحية. فالفعل يسبق الفكرة, بمعنى أن الفرد يمكن أن يكون لصا أو جاسوسا أو قديسا متدينا بشرط ألا تقوم تصرفاته على اقتناع منطقي وإنما على مجرد الانطلاق الذاتي، فاللامعقول هو المنطق الأكبر، أي: إن اللامعقول في نظر الوجودية هو المعنى الحقيقي للحرية؛ لأن الفرد لا يتقيد فيه بأفكار أو مبادئ, وإنما يقوم ببساطة "بالاختيار ثم الانطلاق".
стр. 155
هذا النقد الذي توجهه الماركسية للفلسفة الوجودية نجد له ما يبرره, إذا استعرضنا الفقرة التالية من كتاب الوجود والعدم لسارتر حيث يقول:
"ما هي أهمية الفعل؟ إذا كان الإنسان يتصرف ويلتزم دون أن يراوده أدنى خداع عن الغايات التي يضعها لنفسه. "وروح الجد" هي التي تؤدي إلى اليأس؛ لأنها تنتهي دائما بأن تفرض علينا فكرة أن كل أوجه النشاط التي يبديها الإنسان باطلة وفاشلة على حد سواء. وهكذا لا يوجد أي فرق بين أن يتعاطى المرء المسكرات في خلوته، وبين قيادة الجماهير. والواقع أنه لو أمكن أن يكون لضرب من ضروب السلوك هذه أفضلية على غيره فليس ذلك أبدا بسبب غايته ... وإنما هو بسبب درجة الشعور الذي يملكه لحده الذي يتصوره, وفي هذه الحالة يمكن أن تتفوق حالة الهدوء التي يعيش فيها السكير المتوحد على حالة الانفعال غير المجدية التي يحياها الزعيم الشعبي"١.
لكن, لماذا تتبنى الوجودية هذا المفهوم الغريب للحرية، وتسودها أوهام التحرر من الواقع ومن العقل؟ ولماذا الاستغراق في مشاعر لاعقلية مثل: اليأس والخوف والضجر والقلق والغثيان والندم؟
تتهم الماركسية الفلسفة الوجودية بأنها مثالية ليس فقط لانغماسها في الذاتية ورفضها الاعتراف بإمكانية معرفة الوجود ومعرفة الحقيقة الموضوعية، وإنما تتهمها بالمثالية أيضا؛ لأنها تهرب من الحقيقة إلى "سرداب الشعور الذي يخيم عليه ظلام اللامعقول". وقد بلغ اتجاه الهروب ذلك إلى منتهاه في فكرة الانتحار عند ألبير كامي التي أشرنا إليها أعلاه.
إن الوجودية في نظر الماركسية تمثل مرحلة انحدار المجتمع البرجوازي إلى قبره فلسفة ومنهجا وأسلوب الحياة. وفي دوامة التناقضات والأزمات الحادة
стр. 156
التي يعانيها ذلك المجتمع يبدو عسيرا على الكثيرين أن يفهموا الواقع.
وبدلا من بذل الجهد من أجل فهم الواقع بأسلوب علمي بهدف تغييره, فإنهم يهربون من ذلك الواقع ليغيبوا في اللامعقول واللامبالاة اللذين تعبر عنهما كتابات كامي, أو يبحثون عن الملجأ والسلوى في اليأس والقلق والحزن التي يطفح بها الأدب الوجودي عامة.
стр. 157
الفصل الخامس: كلمة ختامية حول المادية والمثالية في الفلسفة
مدخل
...
الفصل الخامس: كلمة ختامية حول المادية والمثالية في الفلسفة
أما وقد اتضحت الخطوط العريضة للفكر الفلسفي خلال العصور المختلفة, وذلك من خلال استعراض مواقف المدارس والتيارات الرئيسية من مفهوم الفلسفة، فإنه يجدر بنا الآن فهم نقطة خلاف أساسية أخرى تلازم الفكر الفلسفي للإنسان منذ الأزل وحتى وقتنا الراهن, ذلكم هو الخلاف بين الاتجاهين المادي والمثالي آخذين في الاعتبار أن الخلافات الجوهرية بين هذين الاتجاهين تنعكس أيضا في مناهج البحث المعاصرة التي سنعالجها فيما بعد.
تباينت آراء الفلاسفة حول تفسير طبيعة الوجود وبالتالي تعددت مذاهبهم, فنحا بعضهم نحوا ماديا صرفا لا يرى في الوجود غير المادة, وهؤلاء هم أصحاب المذهب المادي. بينما نحا آخرون نحوا مثاليا بحتا لا يرى في الوجود سوى الروح "أو العقل", وأولئك هم أصحاب المذهب الروحي. رغم هذا الاختلاف الجذري بينهما, فإنهما يتفقان في شيء واحد هو رد الوجود إلى عامل واحد, سواء المادة أو الروح, ومن هنا أطلق عليهم أتباع المذهب الواحدي Monism.
ظهرت فئة أخرى من الفلاسفة أرجعوا الوجود إلى عاملين هما: المادة والروح معا, وهؤلاء هم أصحاب المذهب الثنائي أو الاثنينية Dualism وإن كان يمكن تصنيف هؤلاء أيضا مع فئة ثالثة من الفلاسفة أرجعوا الوجود إلى عوامل متعددة كالقول بأن كل الموجودات تتكون من ذرات مادية أو روحية, ويسمى هؤلاء بأصحاب مذهب التعدد أو التكثر Pluralism.
стр. 158
المبحث الأول: المذهب المادي
هذا المذهب قديم قدم الفلسفة نفسها, وهو أسبق في الظهور من المذهب الروحي؛ ذلك لأن الإنسان تعرف في البداية على الأشياء المادية وتعامل مع البيئة القاسية وانصرف إلى محاولة التأقلم معها ليحافظ على بقائه. هكذا اتجه العقل بطبيعته إلى المحسوس أولا, ثم تجاوزه إلى البحث فيما وراءه لكشف المجهول من أسراره.
وهناك صورة مبكرة للأفكار والمذاهب المادية. من تلك الأفكار مثلا ما عبر عنه فنان مصري قديم بإنشاده: "ليس ثمة شيء يصرفنا إلى رواية الأقاصيص عن العالم الآخر ... فلنشغل أنفسنا بشئون الدنيا"١.
كما يمكن العثور على جذور المذهب المادي فيما ردده البابليون من أن الماء هو أصل الموجودات, وهو رأي نقله عنهم فيما بعد فلاسفة الإغريق من الطبيعيين الذين فسروا الوجود برده إلى الماء, كما فسره بعضهم الآخر برده إلى الهواء ... إلخ.
تعرف المادة بأنها ذلك الجسم أو الشيء الذي له وزن ويشغل حيزا ويبدو على صلابة أو سيولة أو غازية. ويفسر أحد المذاهب المادية أصل الوجود بأن الكون في البداية كان مجرد سديم غازي متوهج تتعذر معه الحياة العضوية, أو وجود كائنات حية يصدر عنها نشاط روحي أو عقلي.
عندما بردت الأرض وتهيأت ظروف الحياة العضوية ظهرت النباتات والحيوانات ثم الإنسان, أي: إن النشاط العقلي والروحي ظهر بعد وجود الحياة العضوية التي نشأت متأخرة. يستنتج الماديون من ذلك أنه من الخطأ الظن بوجود
стр. 159
روح أو عقل مستقل عن الكائن الحي؛ لأن نشأته متصلة بهذاالكائن ونهايته مرتبطة بنهايته.
إلا أن أنضج صور المذهب المادي في العصور القديمة ظهرت على يد الفيلسوف الإغريقي ديمقريطس "٤٦٠-٣٧٠ ق. م" واقترنت باسمه، بينما كان هو بدوره متأثرا بمذهب الجواهر المفردة الذي نادى به أستاذه ليوكيبوس. اعتقد ديمقريطس أنه لم يكن هناك في بداية الكون إلا شيئان فقط هما: الذرات والفراغ.
تتألف كل الموجودات من جواهر مفردة أو ذرات Atoms يفصل بينها فراغ. هذه الذرات هي عبارة عن جسيمات مادية ثابتة، أبدية، في حركة دائمة وهي غير قابلة للانقسام. تلك الذرات ليس لها صفات أخرى كاللون أو الطعم أو الصوت, ولا تختلف بينها إلا من حيث الشكل والحجم والموقع.
وحيث إن الحركة من الصفات الأساسية لتلك الذرات, فإنه ينشأ عن تحركها اجتماع بعضها بالبعض الآخر فتتكون الأجسام متخذة صورتها المحددة، وإذا انفصلت تلك الذرات تحللت الأجسام وفسد الكائن العضوي, بذلك تصير الأشياء في نظره مجرد امتداد وحركة. يكمل تلك النظرة المادية إيمانه بالعلاقات السببية, وبالحتمية مع إنكاره لعامل المصادفة التي اعتبرها نتيجة للجهل، وكان لديمقريطس آراء سياسية مميزة, فقد كان من مؤيدي الديمقراطية اليونانية وانتقد الطبقة الأرستقراطية المالكة للعبيد.
تضاءل بعد ذلك نفوذ ذلك المذهب في الفلسفة اليونانية, إذ قاوم سقراط وأفلاطون وأرسطو النزعة المادية في تفسير الوجود، ولم تدب الحياة مرة أخرى في تلك النزعة إلا بعد ظهور كتابات الفيلسوف اليوناني أبيقور "٣٤١-٢٧٠ ق. م". والجدير بالذكر أن الفضل في وضع المذهب المادي بصورته الشائعة في أوروبا في القرن الثامن عشر إنما يرجع إلى عالم الطبيعيات والفيلسوف الإنجليزي
стр. 160
إسحاق نيوتن "١٦٤٣-١٧٢٧" الذي لم يمنعه إيمانه الديني من استخلاص النتائج المادية من مكتشفاته العلمية, وخاصة اعترافه بالحقيقة الموضوعية, وقدرة الإنسان على معرفة الإنسان.
وغني عن البيان أن التفسير المادي للموجودات يتطور بتطور العلوم -وخاصة العلوم الطبيعية- شأنها في ذلك شأن مناهج البحث. ففي مؤلفه الرئيسي المسمى المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية وضع نيوتن أسس منهج علمي جديد ضمّنه قواعد التفسير في الفلسفة.
ساهم في تطوير المذهب المادي بعد ذلك الفيلسوف الفرنسي باول هنري أولباك "١٧١٣-١٧٨٩" وذلك من خلال كتبه الأربعة, وخاصة مؤلفه الرئيسي نظام الطبيعة. دافع الفيلسوف الفرنسي عن أولوية المادة, وهاجم الفلسفة المثالية وخاصة آراء الفيلسوف الإنجليزي بيركلي, ورفض كل نظرية تدعي أن وراء الظواهر المحسوسة عالما أو موجودات غير مرئية.
اعتبر أولباك أن المادة والحركة أزليتان تتحكم فيهما قوانين ضرورية, وعن طريقهما يمكن تفسير كل شيء في الوجود, ومن ثم اتجه إلى إنكار وجود النفس البشرية أو وجود قوة خالقة, كما أنكر أن للطبيعة غاية أو هدفا تعمل على تحقيقه.
خلاصة المذهب المادي: أن العقل صورة من صورة المادة التي تتميز بالقوة والتنوع والحركة والحياة والتفكير، ولكنه لا وجود لعقل أو روح بشكل مستقل عن المادة. ويفسر المذهب المادي ظواهر الحركة في الجسم البشري بأنها وظائف لأعضاء الإنسان، فالتفكير وظيفة المخ أو على حد قول أولباك: فإن العقل هو الجسم منظورا إليه من ناحية بعض وظائفه، والتذوق وظيفة اللسان. بعبارة
стр. 161
أخرى: فإن المخ يفرز التفكير كما تفرز الكبد الصفراء, وكما تهضم المعدة الطعام١.
стр. 162
المبحث الثاني: المذهب الروحي
مدخل
...
المبحث الثاني: المذهب الروحي
يمكن إرجاع جذور المذهب الروحي في شكله الفلسفي المتطور إلى نظرية المثال عند أفلاطون "٤٢٨-٣٤٨ ق. م" الذي كان يعتقد أن الوجود الحقيقي لا يكون لغير المثال أو نموذج الشيء. واصطلاح مثالية أو مثالي الذي توصف به بعض الفلسفات, مشتق من كلمة مثال. والمثال عند أفلاطون هو الصورة الفكرية التي توجد على نمطها الأشياء المادية.
وتعتبر الفلسفة الأولى لأرسطو إسهاما كبيرا في هذا المضمار, وهي التي سماها أحد أتباعه من مدرسة المشائين -أندرونيكوس- ما بعد الطبيعة, وتسمى اليوم بالميتافيزيقا. والفلسفة الأولى أو ما بعد الطبيعة تعني البحث في الوجود ولواحقه بما هو كذلك. والوجود في المفهوم الأرسطي يقصد به الوجود باعتباره معنى مجردا يطلق على كل موجود, ولا يقتصر إطلاقه على ماهية معينة.
يميز ذلك الوجود أنه لامادي ينشأ إما عن التجريد الذي يقوم به العقل باستخلاص الوجود الذهني من الوجود المادي للموجودات "أي: الوجود اللامحسوس بإطلاق" وإما أن يكون وجودا روحيا بطبيعته غير مجسم في الأعيان "المحسوسات" كالله والنفس البشرية. هكذا كانت ما بعد الطبيعة عند القدماء وفلاسفة العصر الوسيط -من مدرسيين ومسلمين- تتمثل في الارتفاع من المحسوس إلى الوجود بإطلاق, من دنيا الواقع إلى دنيا المعقول.
стр. 163
طرأ تطورا في العصر الحديث, فقد أدخل ديكارت تعديلا جعل الميتافيزيقا بمقتضاه مدخلا للعلوم ثم هبط منها إلى العالم المحسوس. إن هدف الميتافيزيقا عنده هو تفسير الوجود عن طريق المبادئ الأولى التي تزودنا بها, أي: إن ديكارت بدأ فلسفته بالشك الذي انتهى عنده إلى اليقين بوجود نفسه كذات تفكر, ثم انتقل من إثبات الأنية بالفكر إلى البرهنة على وجود الله وتحديد صفاته التي تجعله ضامنا للعقل في تفكيره. من هذا توصل إلى إثبات العالم الخارجي, إذ بدأ بالميتافيزيقا وانتهى إلى الفيزيقا خلافا لما ذهب إليه أرسطو وأتباعه.
إن أهم النقاط التي يتناولها المذهب الروحي تؤكد على أن الأشياء الكامنة وراء الظواهر المحسوسة روحية في أصلها. وهناك علاقة بين النفس والجسم وبين التفكير والمخ, ولكنها ليست علاقة عليه. فالجسم ليس علة النفس والمخ ليس علة التفكير؛ ذلك لأن المخ مادة والمادة لا تفكر ولا تشعر.
ولإثبات أسبقية الروح, وأنها أو العقل مصدر للظواهر المادية والبدنية يرى المذهب الروحي أن الإنسان لا يستطيع إدراك الأشياء بالحواس وإنما يعرفها بالتفكير المجرد وحده, ومن ثم تكون الطبيعة روحية. إلا أن هناك خلافات بين أنصار ذلك المذهب حول تفسير طبيعة العقل أو الروح. فمنهم من يسلم بغلبة التفكير, ومنهم من يؤكد على العاطفة أو على الإرادة.
ينقسم المذهب الروحي إلى مدرستين: مذهب الروحية الواحدي ويؤمن هذا بالمثالية المطلقة, ومن أبرز أعلامه فيتشه وهيجل وشيلينج وشوينهاور. والثاني هو مذهب الروحية المتكثرة. وسنتناول الأخير بشيء من التفصيل.
стр. 164
مذهب الروحية المتكثرة:
يرد هذا المذهب العالم إلى كثرة من الأفكار, ومن أعلامه الفيلسوف الألماني وعالم الرياضيات والطبيعة لايبنتز, والفيلسوف الإنجليزي بيركلي.
وضع لايبنتز "١٦٤٦-١٧١٦" أسس المذهب الروحي الحديث الذي هاجم فيه مادية ديمقريطس في تفسير الوجود, وقدم تفسيره هو الذي يتلخص
стр. 165
في أن الموجودات تتألف من ذرات روحية أسماها مونادز Monads, وهي لا تفنى وتنزع دائما إلى الحركة وغير قابلة للتجزئة, كما أنها بسيطة لا شكل لها ولا مقدار.
ويرى لايبنتز أن تلك الذرات الروحية لا يمكن أن تقوم بينها علاقة سببية, ومع ذلك تشكل عالما يتسم بالتناسق والحركة. ويوجد تلك الذرات الروحية خالق فتصدر عنه كما يصدر النور عن الشمس، وهي مدركة ويتفاوت إدراكها قوة وضعفا تبعا لموقعها من سلم الترقي من الجماد إلى الحيوان إلى الإنسان إلى الله. ويستخلص لايبنتز من ذلك أن المادة في كل صورها وكذلك العالم الخارجي ليس لأيهما وجود بذاته.
أما الفيلسوف الإنجليزي بيركلي "١٦٨٥-١٧٥٣" فقد كان أسقفا هاله تمرد الناس على الدين, فوضع مذهبا أسماه اللامادية, ثار فيه على النزعة المادية الشائعة. بدلا من ذلك اعتبر العالم الخارجي مجرد أفكار تقوم في العقل وليست الأجسام إلا تصورات الروح, وبالتالي فإن المادة هي مجرد فكرة.
والمادة في نظر بيركلي معنى لا يمكن لإنسان أن يتصوره بغير صفاته, حتى رؤيتنا للمادة ليست دليلا على وجودها, فالمادة تعرف بصفاتها الحسية وليست هذه إلا من عمل العقل. يذكر بيركلي أيضا وجود معانٍ كلية مجردة كالزمان والمكان والحركة؛ لأنها في رأيه لا توجد خارج الذهن, ذلك أنه لا وجود للمدرك. إن الأشياء المرئية والمسموعة والمتذوقة وغيرها من المحسوسات ليست عنده إلا مجرد صور صورها العقل, فهي من عمل العقل الباطن. بذلك تصير اللامادية في مفهومه هي تحول المعاني إلى أشياء وليس تحول الأشياء إلى معانٍ.
واجه بيركلي صعوبة في تفنيد الحجة المادية التي تذهب إلى أن الناس متفقون في المعرفة, وأن هذا لا يحدث إلا إذا كان للمحسوسات وجود مستقل هو أصل وسبب هذه المعرفة. للرد على تلك الحجة قال بيركلي: إن الله هو
стр. 166
الذي نسق مدركاتنا وأفكارنا بعنايته وحكمته. هذا الاتساق بين الأفكار أدل على وجود الله من المعجزات. وبذلك أنكر تماما عالم المحسوسات لإثبات عالم العقل والروح في محاولة لمحاربة انتشار النزعة المادية آنذاك.
تعرضت آراء بيركلي للنقد الشديد؛ لأنها تؤدي في النهاية إلى هدم المذهب الروحي نفسه بدلا من الدفاع عنه. ومن هؤلاء الذين شككوا في حجية آرائه دافيد هيوم, فقد استعرض آراء بيركلي القائلة بأننا لا ندرك من الأشياء إلا صفاتها الحسية, وهذه من صنع عقولنا. ومن ثم فليس للمحسوسات وجود حقيقي خارج أذهاننا. وقد أضاف هيوم إلى ذلك أنه بناء عليه, فإن العقل والروح والخالق مجرد أوهام ليس لها وجود حقيقي١.
وإذا كان هناك من تعليق فهو أن تلك المذاهب المثالية تخفق في إثبات أسبقية الروح للمادة بسبب الأدلة التعسفية التي تلجأ إليها, والتي لا يقبلها المنطق أو التفكير السوي. وفي الوقت الذي نجد فيه أن الإنسان المعاصر قد تمكن من تحقيق إنجازات علمية وتكنولوجية باهرة على كافة الأصعدة, فإنه يقف عاجزا تماما أمام آية الخلق التي يوجزها الله "س" في كلمات تغني عن الأدلة السخيفة المفتعلة!
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢.
стр. 167
فيما عدا ذلك, فإن المذاهب والفلسفات المثالية إما عجزت عن الفهم, أو دافعت عن المثالية انطلاقا من أسباب ومنافع اقتصادية وسياسية. على الجانب الآخر، فإن المادية وإن كانت تعاني من القصور في تفسيرها لآية الخلق, فإنها بحكم استرشادها بالحقائق والتجارب العلمية قادرة على كشف الواقع وشرح العلاقات السببية بين الظواهر والأسباب الحقيقية الكامنة وراء الصراعات الاجتماعية, مما يقلق الأقلية من المستغلين الذين يستترون خلف المذاهب المثالية, ويكثرون من الحديث عن القيم الروحية ليس إيمانا بها, وإنما إخفاء للاستغلال غير المشروع الذي يتيحه لهم وضعهم الاجتماعي المميز، واستماتة في المحافظة عليه.
стр. 168
الباب الثاني: المفهوم الليبرالي لمداخل ومناهج البحث
مدخل
...
الباب الثاني: المفهوم الليبرالي لمداخل ومناهج البحث
تمهيد:
قبل دراسة الوسائل التي يمكن اتباعها في دراسة موضوع ما, يحسن إزالة الخلط الشائع في كثير من الكتابات بين ما يسمى بطريقة أو مدخل البحث approach، وبين ما يسمى بمنهج البحث method, وكثيرا ما يستخدم الاصطلاحان خطأ على أنهما مترادفان.
وقد فطن عدد من علماء السياسة أمثال تشارلس أيزنمان١, وفيرنون فان دايكه٢ لهذا الخلط, وهو ما سنحاول عرضه بإيجاز بالاستعانة بالتقسيمات
стр. 169
التي أوردها فان دايكه مع تبسيط المعلومات بقدر الإمكان حتى يصبح فهم هذا الموضوع الشائك في متناول الباحثين أملا في رفع مستوى الكتابات العلمية. فهدف هذه الدراسة إذًا هدف عملي يرمي إلى تزويد الباحثين بثروة من الطرق, والمناهج التي لا غنى عنها كأدوات للبحث في العلوم الاجتماعية بوجه عام, وفي العلوم السياسية بوجه خاص.
كمثال على الخلط المذكور آنفا نشير إلى كتابين, أولهما من الكتب المشهود لها بالجدية١ ورغم ذلك لم يسلم من ذلك القصور؛ إذ لم يرد بمحتوياته ما يشرح السبب في اختيار كلمة approaches في عنوانه. أما الثاني٢, فقد اشتمل على خلط شديد بين ما يدخل في صميم المناهج العلمية من وسائل، وبين الطرق والمداخل التي تستعين بمجال أو آخر من مجالات العلوم الأكاديمية. فقد ركزت خمسة من فصوله على ما أسماه "المدخل" الاستنباطي، الكمي، الاجتماعي، السيكولوجي, الوصفي، كل ذلك مع عدم ذكر المقصود من كلمة مدخل أو السبب في عدم إضافة "مداخل" أخرى كالاستقرائي، المعياري، الكيفي، التاريخي، الاقتصادي، كما لم يشرح الأرضية المشتركة لما أسماه بالمداخل, ولم يقدم تبريرا لاستخدام ذلك الاصطلاح لها جميعا.
كشف أيزنمان أيضا -وفي وقت سابق على فان دايكه, وبالتالي بشكل أقل تحديدا- نفس الخلط الذي لا تزال تعاني منه بعض الكتابات العلمية حتى اليوم. فقد انتقد أيزنمان القول بأن الحقائق السياسية -وخاصة المؤسسات السياسية- يمكن دراستها وفقا لمناهج عديدة أهمها: الفلسفي والتاريخي والاجتماعي والقانوني. وأضاف أنه بتحليل ذلك القول وتلك الكتابات يتضح أن ما أشاروا
стр. 170
إليه ليست مناهج وأن التسمية خطأ. فالقائمة المدعاة للمناهج ما هي في واقع الأمر سوى بيان بأسماء مختلف العلوم التي يعرف كل منها وفقا للمشاكل التي يحاول حلها, وبذلك يخلطون بين المناهج من ناحية وبين المشاكل والعلوم من ناحية أخرى.
بتعبير آخر، قد يظن الباحث أنه يعرف, أو يصف المنهج الذي اتبعه كتّاب آخرون بينما هو في الحقيقة يصف نمط المشاكل التي تناولوها أو جوانبها المختلفة. ويخلص أيزنمان من ذلك إلى التوصية بضرورة التخلص من ذلك الخلط عن طريق التمييز بشكل حاسم بين "الموضوعات والمشاكل" التي تكون مادة العلوم، وبين "المناهج" أو الوسائل التي تستخدم في دراستها١.
لهذا سنستعمل اصطلاح مدخل في هذه الدراسة للإشارة إلى المعايير المستخدمة في انتقاء الأسئلة التي تطرح, والضوابط التي تحكم اختيار موضوعات ومعلومات معينة أو استبعادها من نطاق البحث. أما المنهج -كما سنشرح فيما بعد- فسيشار إليه بصفة عامة بمعنى وسيلة الحصول على المعلومات, وكيفية استخدامها.
في الدراسات السياسية كما هو الحال في كثير من فروع العلوم الاجتماعية, يمكن استعمال مدخل أو أكثر في فهم ومعالجة الموضوع. ويربط الباحثون عادة المدخل الذي يختارونه بأحد المجالات التالية:
стр. 171
- العلوم الأكاديمية كالتاريخ والاقتصاد والاجتماع والجغرافيا والفلسفة.
- الظواهر والقوى السياسية كظواهر العنف السياسي مثل الثورات والانقلابات والحروب الأهلية والمظاهرات والاغتيالات السياسية وظواهر الاغتراب والصراع الاجتماعي. ثم القوى السياسية الهامة كالمؤسسات والسلطة والمسئولين عن عملية صنع القرار.
- الفروض التفسيرية, والنظريات السببية مع تصنيفها في مجموعات بسبب كثرتها, وفقا للاعتبارات البيئية أو الأيديولوجية.
- السلوكية.
إن الهدف الأساسي من تصنيف, ووصف تلك الطرق أو المداخل هو تشجيع الاختيار الواعي بينها, سواء انتهى ذلك إلى الأخذ بمدخل واحد, أو أكثر في دراسة الموضوع. وفي غياب مثل ذلك الاختيار الواعي، قد تذهب سدى مجهودات كبيرة نتيجة عدم التوفيق في تبني أحد المداخل المذكورة, أو الجهل بوجود بدائل١.
стр. 172
الفصل السادس: العلوم الأكاديمية
مدخل
...
الفصل السادس: العلوم الأكاديمية
الهدف من الدراسة فيما يلي هو تقصي المدى الذي يمكن أن يذهب إليه علماء السياسة في الاستعانة بنجاح بالمفاهيم والمعايير المستخدمة في العلوم الاجتماعية الأخرى, على افتراض أن المداخل الخاصة بتلك العلوم قد تنفع في بعض الأحيان, في تناول الموضوعات السياسية. سنذكر من تلك العلوم على سبيل المثال: التاريخ والاقتصاد والاجتماع والجغرافيا والفلسفة.
تربط علم السياسة بتلك العلوم علاقات وطيدة, حيث نلاحظ أن علماء من تخصصات متباينة قد يطرحون نفس المشاكل والأسئلة المتعلقة بموقف معين. وقد تأتي معالجة بعضهم في مجال أو أكثر متقاربة إلى حد كبير في المنهج والمضمون.
يهتم علماء السياسة والاقتصاد مثلا بالتكتلات الدولية الجديدة, وتأثير سياساتها على الدول المنضمة إليها ومستويات المعيشة فيها, وكذلك تأثيرها على الدول الأخرى غير الأعضاء والعلاقات الدولية التي تربط بين هؤلاء وأولئك. أما علماء الاجتماع, فإن دورهم يغطي أحيانا على دور علماء السياسة في مجال دراسة السلوك الانتخابي. كما يوجه علماء النفس والسياسة اهتماما ملحوظا إلى الدوافع والعوامل المحركة للسلوك السياسي. بالمثل, ينصرف جانب كبير من دراسات علماء السياسة والجغرافيا إلى بحث أثر الموارد, والخصائص الأخرى للبيئة على قوة الدولة والسياسات التي تنتهجها وهكذا.
стр. 173
المبحث الأول: المدخل التاريخي
إن أهمية التاريخ للدراسات السياسية غنية عن البيان, وتكفي الإشارة إلى أن كثيرا من فروع العلوم السياسية كالعلاقات الدولية, والنظريات السياسية -على سبيل المثال- تعتمد اعتمادا كبيرا في مادتها على التاريخ.
يكشف التاريخ عادة عن نتائج سياسات معينة, وليس عن أسبابها. وإن حدث وذكرت تلك الأسباب فبشكل غامض غير مباشر يحتاج إلى الغوص عليها وتفسيرها؛ نظرا لأن كل وضع تاريخي له طابع مميز سواء بالنسبة لكثير من تفصيلاته, أو ظروف وصفات الأفراد المشتركين في الحدث. لهذا, فإن التاريخ لا يعيد نفسه أبدا.
وقد استخدم كثير من الفلاسفة, وعلماء السياسة المدخل التاريخي في محاولاتهم اكتشاف القوانين العامة التي تحكم التطور البشري. من هؤلاء ابن خلدون في القرن الرابع عشر, وكونت وهيجل وماركس في القرن التاسع عشر، وسومبارت وشبنجلر وتوينبي في القرن العشرين١.
هنالك في الواقع عدة أشكال للمدخل التاريخي تبعا للمعاني المتعددة للتاريخ نفسه. فقد يكون المقصود به السجل المشتمل على الوثائق والأدلة، وقد يعني التاريخ المكتوب، أو التاريخ نفسه بصفته أحد فروع العلوم الأكاديمية. وما يعنينا هنا هو التعرف على الخصائص المميزة للتاريخ, وبالتالي على خصائص المداخل التاريخية.
стр. 174
إن السمة الأساسية التي تميز التاريخ عن غيره هي أن محور اهتمامه هو الماضي, وبشكل أخص مرحلة زمنية محددة وتسلسل أحداث معينة في نطاق تلك المرحلة. ونستطيع التمييز بين التاريخ, وبين غيره من العلوم من تحديد نوع الفعل المستعمل, وما إذا كان في الماضي أم المضارع أم المستقبل.
يعتبر من قبيل الدراسة التاريخية مثلا البحث في السلطات التي خصصت لمنصب رئيس الولايات المتحدة, وكيفية تطور تلك السلطات. قد تلقي الدراسة بعض الضوء على السلطات الحالية لذلك المنصب, ولكن ذلك يتم بشكل غير مباشر ومن خلال استكشاف الماضي١.
مثال آخر للدراسة التاريخية التغيير الذي طرأ على أسلوب ممارسة الشورى في الإسلام. فبعد أن كانت هي الأداة التي تم عن طريقها اختيار ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة لتولي أعلى منصب في الحكم الإسلامي الجديد، لاحظنا أنها فقدت دورها بعد تحول الخلافة على يد معاوية إلى ملكية وراثية.
لم تعد الشورى أسلوبا لاختيار الحاكم, وإن استمر وجودها الشكلي ممثلا في قيام ذلك الحاكم بأخذ رأي أهل الحل والعقد في بعض شئون الحكم. لكن استطلاع رأى هؤلاء لم يكن يقدم أو يؤخر في شيء؛ نظرا للتغير الذي طرأ على تكوينهم, فصاروا من عصبية الحاكم وقبيلته وليسوا من عيون القوم وقادتهم بغض النظر عن وضعهم القبلي أو الاجتماعي كما كان الحال قبل حكم بني أمية٢.
ولتوضيح القول بأن هناك اختلافات بين خصائص المداخل التاريخية نشير إلى أن أحد هذه الاختلافات يرجع إلى مفهوم المؤرخ للهدف الذي يسعى
стр. 175
إليه. فإذا كان هدفه متواضعا, انعكس ذلك على المستوى الهزيل للتعميم الذي يصل إليه. ويحدث ذلك عادة عندما يلجأ المؤرخ إلى الأسئلة, والموضوعات السهلة التي لا تحتاج الإجابة عليها إلى بحث عميق, أو استقصاء تفصيلي. فهو لا يسعى وراء أحكام عامة وعبر مستخلصة أو دروس مستفادة، لهذا يأتي جهده على شكل ركام من المعلومات والبيانات كما نلاحظ من ميل بعض المؤرخين إلى التركيز على الأحداث ذات الصفة الخاصة, والتي لها علاقة من نوع ما بالدراسات السياسية كالحروب والثورات والأزمات, ولكنه في الواقع تاريخ بلا روح قد يحدث ضجة كبيرة, ولكن بلا مغزى١.
فالمؤرخ ليس هو الذي يقتصر على السؤال عمن فعل ماذا متى واين، وإنما الأهم لماذا حدث ذلك، وكيف ظهرت إلى الوجود ظروف معينة، وماذا كانت نتائج تلك الظروف والأفعال. أكثر من هذا, فقد يسأل عن احتمال وجود اتجاهات أو قواعد منهجية, وقوانين أو علاقات سببية أو نظريات٢.
يندرج تحت الاختلافات أيضا التجاء الباحث إلى مجال أو آخر من مجالات المعرفة الإنسانية لتدعيم حججه. فما دمنا قد اخترنا المدخل التاريخي وركزنا
стр. 176
على الماضي, فإن ذلك يستتبع ضرورة الاختيار بين عدة مداخل لدراسة ذلك الماضي. بمعنى أنه عند تقصّي الجذور التاريخية للموضوع, يستعان أحيانا بمعلومات اقتصادية أو فلسفية, وأحيانا أخرى يستعان بمعايير مغايرة في الاختبار. لهذا فإن المداخل التي سيأتي ذكرها يمكن تطبيقها في الدراسات التاريخية, وغيرها من الدراسات السياسية المعاصرة.
стр. 177
المبحث الثاني: المدخل الاقتصادي
أثارت العلاقات بين الاقتصاد والسياسة -ولا زالت تثير- الكثير من الجدل والخلاف حول بعض القضايا الأساسية في علم السياسة, وخاصة مدى وحدود التغيرات السياسية والقوى التي تؤثر في المؤسسات والقرارات، ومدى معقولية الاختيارات التي يستقر عليها الرأي.
من المعلوم أن المدارس المادية للفكر تتفق على أن العوامل الاقتصادية من موارد أساسية, وأساليب إنتاج وتوزيع تحدد شكل المؤسسات السياسية, والقوة النسبية للطبقات والفئات, والإطار الذي تتحرك داخله هيئات الدولة ومسئولوها.
أما مدارس الفكر غير المادية فترفض كثير منها تلك النظرة, وترى أن الشكل السياسي للدولة أو السلطة السياسية هي التي تحدد كيفية استعمال الموارد, والدور الذي يلعبه السوق في الاقتصاد القومي١.
стр. 178
وحيث إننا لسنا بصدد المقارنة بين هذين الاتجاهين المتعارضين اللذين يختلفان حول أي القوتين الاقتصاد أم السياسة لها اليد الطولي والتأثير الفعال، فإن الحقيقة الهامة التي تجدر الإشارة إليها هي أنهما لم يختلفا حول العلاقة الوثيقة التي تربطهما ببعضهما البعض، وكذلك الاعتماد الكبير المتبادل بينهما.
إلا أن تطور المجتمعات والنظم الاقتصادية شاءت الليبرالية أو لم تشأ يتجه إلى حسم هذه القضية في صالح الاقتصاد وأسبقيته في مجال التأثير على السياستين المحلية والدولية. فقد تغيرت الظروف التي كانت سائدة في بداية النظام الرأسمالي, حيث المنافسة الحرة وعدم تدخل الحكومات في النشاط الاقتصادي إلى أوضاع أخرى تفاقمت فيها مشاكل المنافسة الاحتكارية ليس داخل كل بلد رأسمالي فحسب, وإنما بين الدول الرأسمالية الكبرى أيضا حتى انفجرت الأزمة الاقتصادية عام ١٩٣٠ التي دفعت الحكومات إلى التدخل المباشر, واتخاذ إجراءات سياسية لمواجهة الموقف.
بلغت الأزمة الاقتصادية ذروتها مرة أخرى في بداية السبعينات من هذا القرن حيث اختلطت الظواهر الاقتصادية القديمة, وتشابكت لتعطي أبعادا أكثر تعقيدا للأزمة الاقتصادية المتمثلة فيما أطلق عليه ظاهرة التضخم الركودي, وما صحبها من ارتفاع معدلات البطالة وازدياد قبضة الاحتكارات الدولية وظهور المجموعات الاقتصادية العملاقة والشركات متعددة الجنسية بحيث لم يقتصر الأمر على الحاجة إلى قرارات سياسية على مستوى الحكومات فقط, وإنما استدعى أيضا تدخل هيئة الأمم المتحدة للحد من الآثار الضارة لتلك التطورات.
لهذا, فإننا نلاحظ -وخاصة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية- أن الحكومات -وخاصة في النظم الرأسمالية- يزداد تدخلها شيئا فشيئا في النشاط الاقتصادي المتعاظم مما استدعى وضع سياسات جديدة في مجال إنتاج وتوزيع السلع والخدمات وأسعار صرف العملات ونظم الاستيراد والتصدير.
стр. 179
قد يفسر هذا اهتمامات الباحثين الذين يستعينون بمدخل اقتصادي, وميلهم إلى طرح أسئلة عن العلاقات المتشابكة التي تربط بين كل من الحياة الاقتصادية والسياسية. من ذلك مثلا السياسات النقدية والضرائبية للحكومة، أسعار الصرف، حصص الاستيراد والتصدير، التشريعات التي تعالج العلاقات بين رأس المال والعمال، السيطرة على الإنتاج، توزيع عائد العملية الإنتاجية، العلاقات الاقتصادية الدولية، الأسواق المشتركة بين المجموعات الإقليمية وتأثير قراراتها على أسعار المواد الخام والسلع المصنوعة والعمالة وأسعار العملات، ثم تأثير كل ذلك وانعكاسه على السياسات الخارجية لكل دولة, أو منظمة إقليمية.
ولا يمكن إغفال كلمة المصالح في المدخل الاقتصادي لدراسة السياسة, فمدرسة الفكر الماركسي مثلا ترى أن التطورات السياسية ما هي إلا نتيجة للمصالح الطبقية المتعارضة، وتعرف الطبقة بأنها وضع اقتصادي معين، والمصالح بأنها الفوائد الاقتصادية التي يمكن الحصول عليها.
إن موقف مدرسة الفكر الماركسي -كما سيأتي بالتفصيل فيما بعد- معروف أيضا من مستقبل العلاقة بين قوى وعلاقات الإنتاج من جانب, وبين جهاز الدولة وهيكل المجتمع من جانب آخر. فهي ترى أن الأنظمة السياسية بشكلها المعاصر, وكذلك الدولة نفسها ما هي إلا أبنية فوقية في المجتمع لا بد وأن تلاقي مصيرها المحتوم حيث يؤدي التطور الاقتصادي, وتغير العلاقة بين قوى وعلاقات الإنتاج إلى إزالتها تماما, فاتحا الطريق أمام الثورة الاجتماعية١.
стр. 180
المبحث الثالث: المدخل الاجتماعي
ربما يكون من أهم مزايا هذا المدخل تلافي الاستقطاب الشائع في بعض الدراسات السياسية والمتمثل في وضع الفرد في مواجهة الدولة وإغضاء الطرف