← Прочие науки

Прочие науки · id 10009

مناهج البحث في العلوم السياسية

محمد محمود ربيع

Полный текст (328 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

على الماضي, فإن ذلك يستتبع ضرورة الاختيار بين عدة مداخل لدراسة ذلك الماضي. بمعنى أنه عند تقصّي الجذور التاريخية للموضوع, يستعان أحيانا بمعلومات اقتصادية أو فلسفية, وأحيانا أخرى يستعان بمعايير مغايرة في الاختبار. لهذا فإن المداخل التي سيأتي ذكرها يمكن تطبيقها في الدراسات التاريخية, وغيرها من الدراسات السياسية المعاصرة.

стр. 177

المبحث الثاني: المدخل الاقتصادي أثارت العلاقات بين الاقتصاد والسياسة -ولا زالت تثير- الكثير من الجدل والخلاف حول بعض القضايا الأساسية في علم السياسة, وخاصة مدى وحدود التغيرات السياسية والقوى التي تؤثر في المؤسسات والقرارات، ومدى معقولية الاختيارات التي يستقر عليها الرأي. من المعلوم أن المدارس المادية للفكر تتفق على أن العوامل الاقتصادية من موارد أساسية, وأساليب إنتاج وتوزيع تحدد شكل المؤسسات السياسية, والقوة النسبية للطبقات والفئات, والإطار الذي تتحرك داخله هيئات الدولة ومسئولوها. أما مدارس الفكر غير المادية فترفض كثير منها تلك النظرة, وترى أن الشكل السياسي للدولة أو السلطة السياسية هي التي تحدد كيفية استعمال الموارد, والدور الذي يلعبه السوق في الاقتصاد القومي١.

стр. 178

وحيث إننا لسنا بصدد المقارنة بين هذين الاتجاهين المتعارضين اللذين يختلفان حول أي القوتين الاقتصاد أم السياسة لها اليد الطولي والتأثير الفعال، فإن الحقيقة الهامة التي تجدر الإشارة إليها هي أنهما لم يختلفا حول العلاقة الوثيقة التي تربطهما ببعضهما البعض، وكذلك الاعتماد الكبير المتبادل بينهما. إلا أن تطور المجتمعات والنظم الاقتصادية شاءت الليبرالية أو لم تشأ يتجه إلى حسم هذه القضية في صالح الاقتصاد وأسبقيته في مجال التأثير على السياستين المحلية والدولية. فقد تغيرت الظروف التي كانت سائدة في بداية النظام الرأسمالي, حيث المنافسة الحرة وعدم تدخل الحكومات في النشاط الاقتصادي إلى أوضاع أخرى تفاقمت فيها مشاكل المنافسة الاحتكارية ليس داخل كل بلد رأسمالي فحسب, وإنما بين الدول الرأسمالية الكبرى أيضا حتى انفجرت الأزمة الاقتصادية عام ١٩٣٠ التي دفعت الحكومات إلى التدخل المباشر, واتخاذ إجراءات سياسية لمواجهة الموقف. بلغت الأزمة الاقتصادية ذروتها مرة أخرى في بداية السبعينات من هذا القرن حيث اختلطت الظواهر الاقتصادية القديمة, وتشابكت لتعطي أبعادا أكثر تعقيدا للأزمة الاقتصادية المتمثلة فيما أطلق عليه ظاهرة التضخم الركودي, وما صحبها من ارتفاع معدلات البطالة وازدياد قبضة الاحتكارات الدولية وظهور المجموعات الاقتصادية العملاقة والشركات متعددة الجنسية بحيث لم يقتصر الأمر على الحاجة إلى قرارات سياسية على مستوى الحكومات فقط, وإنما استدعى أيضا تدخل هيئة الأمم المتحدة للحد من الآثار الضارة لتلك التطورات. لهذا, فإننا نلاحظ -وخاصة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية- أن الحكومات -وخاصة في النظم الرأسمالية- يزداد تدخلها شيئا فشيئا في النشاط الاقتصادي المتعاظم مما استدعى وضع سياسات جديدة في مجال إنتاج وتوزيع السلع والخدمات وأسعار صرف العملات ونظم الاستيراد والتصدير.

стр. 179

قد يفسر هذا اهتمامات الباحثين الذين يستعينون بمدخل اقتصادي, وميلهم إلى طرح أسئلة عن العلاقات المتشابكة التي تربط بين كل من الحياة الاقتصادية والسياسية. من ذلك مثلا السياسات النقدية والضرائبية للحكومة، أسعار الصرف، حصص الاستيراد والتصدير، التشريعات التي تعالج العلاقات بين رأس المال والعمال، السيطرة على الإنتاج، توزيع عائد العملية الإنتاجية، العلاقات الاقتصادية الدولية، الأسواق المشتركة بين المجموعات الإقليمية وتأثير قراراتها على أسعار المواد الخام والسلع المصنوعة والعمالة وأسعار العملات، ثم تأثير كل ذلك وانعكاسه على السياسات الخارجية لكل دولة, أو منظمة إقليمية. ولا يمكن إغفال كلمة المصالح في المدخل الاقتصادي لدراسة السياسة, فمدرسة الفكر الماركسي مثلا ترى أن التطورات السياسية ما هي إلا نتيجة للمصالح الطبقية المتعارضة، وتعرف الطبقة بأنها وضع اقتصادي معين، والمصالح بأنها الفوائد الاقتصادية التي يمكن الحصول عليها. إن موقف مدرسة الفكر الماركسي -كما سيأتي بالتفصيل فيما بعد- معروف أيضا من مستقبل العلاقة بين قوى وعلاقات الإنتاج من جانب, وبين جهاز الدولة وهيكل المجتمع من جانب آخر. فهي ترى أن الأنظمة السياسية بشكلها المعاصر, وكذلك الدولة نفسها ما هي إلا أبنية فوقية في المجتمع لا بد وأن تلاقي مصيرها المحتوم حيث يؤدي التطور الاقتصادي, وتغير العلاقة بين قوى وعلاقات الإنتاج إلى إزالتها تماما, فاتحا الطريق أمام الثورة الاجتماعية١.

стр. 180

المبحث الثالث: المدخل الاجتماعي ربما يكون من أهم مزايا هذا المدخل تلافي الاستقطاب الشائع في بعض الدراسات السياسية والمتمثل في وضع الفرد في مواجهة الدولة وإغضاء الطرف

стр. 181

عن الثروة الغنية من الموضوعات والمعلومات في البيئة الاجتماعية للإنسان, وخاصة صلاته وعلاقاته ذات الأشكال والمستويات المتعددة بالجماعة. تلك هي ما يسميها رايموند أرون بالأرض البكر أو المدخل الخاص الذي يمكن أن يكفل نشوء علم للسياسة مستقل نسبيا, كما هو الحال في بقية العلوم الاجتماعية١. يهتم علماء الاجتماع بدراسة السلوك الإنساني بما في ذلك السلوك السياسي, وذلك في نطاق البيئة الاجتماعية. لهذا يدخل في مجال علم الاجتماع السلوك السياسي والعلاقات والمؤسسات السياسية بالإضافة إلى أنواع أخرى من السلوك والعلاقات والمؤسسات. فعلم السياسة إذًا يتداخل مع علم الاجتماع تماما, كما يتداخل مع علمي التاريخ والاقتصاد. يترتب على هذا أن الباحثين الذين يأخذون بمدخل اجتماعي لدراسة السياسة سيكونون متأثرين -ولا شك- بمنطلقاتهم العلمية التي تركز على المجتمع بصفته مجموعة من العلاقات الاجتماعية، أو كجماعة كبيرة تقوم بين أفرادها علاقات متبادلة، أو كمجموعة من المؤسسات التي تعمل كإطار للحياة الاجتماعية, سواء كانت هذه المؤسسات سياسية أو اقتصادية أو دينية أو عائلية أو ترويحية. تجتذب الحضارة كذلك قدرا كبيرا من اهتمام الباحثين من حيث هي أنماط من السلوك المثقف الذي يشترك فيه عدد من الأشخاص. وهي بهذه الصفة تعتبر طريقة حياة وأسلوبا في التفكير والعمل والشعور. كما أن للأفراد أوضاعا اجتماعية معينة من حيث الثروة والسلطة والحياة والقوة، ويقومون

стр. 182

بأدوار محددة, بمعنى أن لكل منهم دورا ونمط سلوك يرتبط بوضعه في ذلك المجتمع. ليس معنى ذلك أن تصنيف الفرد حسب وضعه الاجتماعي يؤدي إلى الجمود, إذ الواقع أنه وفقا لهذا المفهوم يستطيع الانتقال إلى أي وضع إذا سمحت له قدراته وكفاءاته. ينطبق هذا أيضا على الشخصيات الاعتبارية التي قد ينضم إليها هؤلاء الأفراد كالأحزاب والجمعيات الدينية والنوادي الرياضية, وكذلك الدولة والعائلة على أساس أنه يمكن أن يكون لكل منها دور محدد تؤديه. وبالتالي تنال وضعا اجتماعيا معترفا به موازيا لدورها, وتتمتع بالمزايا المادية لهذا الوضع، وتقوم بالمسئوليات المترتبة عليه. ويرى ماكس فيبر أن مثل تلك الجماعات, وكذلك الطبقات والأحزاب هي من مظاهر توزيع السلطة في المجتمع. إن قيمة الأوضاع الاجتماعية المشار إليها هي ميلها إلى تثبيت العلاقات وتأمين التوقعات الفردية؛ تفاديا للمنافسة الدائمة والأضرار التي قد تنتج عنها بسبب الحاجة إلى عمليات مستمرة لإعادة التكيف داخل الهيكل الاجتماعي١. فالاعتماد على المدخل الاجتماعي إذًا قد يثير أسئلة حول العلاقات بين الوضع الاجتماعي من جهة, وبين السلوك السياسي أو غيره من أشكال السلوك

стр. 183

ومن الجلي أن البحوث الاجتماعية قد أسهمت بنتائج هامة خدمة للعمل التشريعي, وخاصة في مجالات بحوث الزواج والطلاق والجريمة والأحداث والحياة الحضرية والريفية. ليس هذا فقط, وإنما أسهمت الدراسات الاجتماعية أيضا بالإضافة إلى دراسات علم الأجناس في مجال الحضارات والثقافات الأجنبية، بمعلومات قيمة لا غنى عنها للتوجيه الفعال للعلاقات الخارجية١. ليس أدل على العلاقة الوثيقة بين الاجتماع والسياسة من نشوء علم جديد يجمع بين الاثنين, تعبيرا عن تزايد أهمية المدخل الاجتماعي في الدراسات السياسية. ذلك العلم هو الاجتماع السياسي الذي يرى بعض العلماء مثل شفار تزنبيرج أن مؤسسيه الأوائل الكبار هم أرسطو وماكيافللي ومونتسكييه الذين, وإن لم يستخدموا نفس الاسم المعاصر للعلم, فإنهم كانوا على دراية بموضوعه ومنهجه وقوانينه٢. تتبع علماء آخرون مثل بريلو تلك الصلات الوثيقة بينهما منذ بدأ التمييز بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي في كتابات عالمي السياسة جان بودان وألثوسيوس، ثم إصرار كل من جروشيوس ولايبنتز على وجود علاقات اجتماعية منفصلة عن علاقات الدولة. والمقصود بالانفصال هنا طبعا هو بدء الوعي بوجود نوع جديد, ومميز من العلاقات يحتاج إلى التصنيف والدراسة٣.

стр. 184

في عصرنا الحاضر، يؤكد رايموند أرون صعوبة وضع خط فاصل بين علم السياسة, وعلم الاجتماع السياسي حيث إن كليهما يتناول نفس الحقائق, ويدعي الأخذ بالوسائل المنهجية كالمشاهدة والتحليل, والشرح والتفسير١. الملاحظة الأخيرة التي نود أن نختتم بها هذا البند هو أن التوفيق قد جانب هؤلاء العلماء في تغاضيهم عن الدور الكبير للعلامة ابن خلدون في هذا المجال. لقد تناول ابن خلدون -كما هو معروف- أكثر من مدخل علمي في مقدمته, من بينها الاجتماع والاقتصاد وذلك في دراسته للظواهر التاريخية والسياسية. ولا عذر لهؤلاء في ذلك القصور؛ إذ المفروض أنهم قد اطلعوا على التقييم العلمي المنصف لإبداعه من جانب أئمة علماء الاجتماع والتاريخ الليبراليين المعاصرين من أمثال جاستون بوتول، وبيتريم سوروكين, وأرنولد توينبي. ومن جهة أخرى يتعذر من الناحية الموضوعية الإشارة إلى تطور علم الاجتماع, والجهود الرائدة في الاجتماع السياسي دون أن يحتل ابن خلدون مكانه المشروع, خاصة وأنه قد توفرت الضوابط المنهجية في كتاباته بشكل يفوق ما توفر منها في كتابات خلفائه الأوروبيين ممن سبقت الإشارة إليهم. حتى أوجست كونت نفسه، الذي يرجعون إليه الفضل في إعطاء علم الاجتماع اسمه الجديد "سوسيولوجي" يؤكد بعض العلماء المعاصرين٢ أنه تمكن من الاطلاع على ترجمة فرنسية لكتابات ابن خلدون, واستفاد منها دون أن يشير إلى المصدر.

стр. 185

المبحث الرابع: المدخل الجغرافي هو الربط بين الأحداث والاتجاهات السياسية, وكل ما يتعلق بالظواهر الجغرافية كموقع الجبال والأنهار والبحار, وتوزيع الموارد الطبيعية بكافة أنواعها كتوزيع الأمطار واختلاف درجات الحرارة ومدى توفر طرق ووسائل المواصلات وطبيعة كل منها. ولا يزال لتوزيع الأجناس والجماعات العرقية أعمق الأثر على التنظيم السياسي للعالم تماما كما هو الحال بالنسبة للحقائق الجغرافية التي تدخل ضمن العوامل الحاسمة في تشكيل القرار السياسي١. وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى كتابات مونتسكييه٢ التي أظهرت اهتمامه بالأثر الكبير للموارد الطبيعية -وخاصة المناخ- على تطور الدولة وإن كان قد أكد على عوامل غير اقتصادية, وبالذات على دور الموارد البشرية أي: الأفكار والتقاليد والمعتقدات السائدة بين أمة من الأمم في منطقة جغرافية معينة. إلا أن هناك بعض التحفظات التي ترد على المدخل الجغرافي, وتحتاج إلى أخذها بعين الاعتبار عند استخدامه حتى يستعين الدارس بمداخل بديلة, أو مكملة لخدمة أغراض البحث. وأهم تلك التحفظات هي ما يلي: - ليس المناخ هو العامل الحاسم في تحديد مدى تقدم, أو تخلف دولة من الدول. فهناك مثلا مناطق معتدلة المناخ مثل دول شمال إفريقيا ومنطقة جنوب إيطاليا, مع ذلك نلاحظ أنها مناطق متخلفة تحتاج إلى جهود كبيرة لتصل إلى مستوى أرفع من النمو, ولتحقيق الحد الأدنى من الدخل للفرد بالمعيار الدولي المعاصر, وهو ألف دولا سنويا في المتوسط.

стр. 186

- لم تشكل العقبات المناخية, أو البيئة في الماضي عقبات كئودا في وجه قيام بعض الحضارات الزاهرة كحضارات الإسلام والأنكاوالمايا. ولا ننسى أنه في القرن الثامن كان الإمبراطور شارلمان في أوروبا عنوانا للتأخر, بينما الخليفة العباسي هارون الرشيد واجهة لحضارة كبيرة اتخذت من بغداد عاصمة لها١, رغم اعتدال الظروف المناخية في الأولى وقسوتها في الثانية. - أتاح التقدم العلمي للإنسان فرصة السيطرة على تطرف المناخ عن طريق تكييف الهواء في المناطق الشديدة الحرارة أو البرودة. كما جعل من الممكن استثمار خيرات الطبيعة في أسوأ الظروف الطبيعية بواسطة المدن الصناعية في القطب, أو المنصات العائمة مثل تلك التي أقيمت في بحر الشمال لاستخراج البترول. - لا تكفي الموارد بمفردها -سواء طبيعية أو بشرية- كمعيار للحكم على مدى تقدم الدولة. فكثير من الدول في القارات الثلاث التي يتكون منها العالم النامي تتمتع بموارد طبيعية, أو بشرية كبيرة, ومع ذلك تعاني من التخلف الشديد نتيجة للميراث الاستعماري, أو لظروف تاريخية متعددة. - كذلك لا يكفي توفر الموارد بنوعيها في رأينا لمساعدة الباحث على تحديد نوع الحكم السائد, وهل يلتزم أم لا بقواعد القانون الدولي ومواثيق الأمم

стр. 187

المتحدة وحقوق الإنسان، وهل تستغل الدولة ما لديها من موارد ضخمة من أجل زيادة التعاون الدولي دون شروط مرهقة أم تسخرها للتوصل إلى أحدث الاكتشافات لإبادة الأخضر واليابس كما حدث في فيتنام ولقهر الشعوب, وتغيير نظم الحكم الوطنية التي لا ترضى عنها سواء بالانقلابات الدموية, أو بالعدوان العسكري السافر الذي ميز حقبة الستينات.

стр. 188

المبحث الخامس: المدخل الفلسفي يستخدم لفظ فلسفة في عدة معانٍ, وسنتناوله بقدر أكبر من التفصيل عند دراسة المناهج, وكذلك عند الإشارة إلى الاختلافات بين الفلسفتين الليبرالية والماركسية. نكتفي هنا بالقول بأن لفظ فلسفة قد يعني محاولات التوصل إلى الحقيقة باستعمال العقل. هذه الحقيقة قد تكون معيارية أو وصفية أو إرشادية. في هذه الحالة يكون هدف البحث الفلسفي وضع معايير للحق والخير والعدالة، وتقييم أو توجيه الممارسات والمؤسسات السياسية على ضوء تلك المعايير. إن هدف المدخل الفلسفي من وجهة نظر هذا المفهوم هو تحديد ما يتفق مع مصالح المجموع١. هذه هي بعض المداخل التي قد يلجأ إليها الباحث في دراسته للظواهر السياسية, وإن لزم التحذير بأن مجرد اللجوء إلى واحد أو أكثر من تلك العلوم الأكاديمية لا يقضي على مشكلة عدم وضوح المعايير التي تقدمها تلك العلوم كأداة لاختيار الموضوعات والمعلومات. هذا علاوة على وجود اتجاه يرى في اللجوء إلى تلك العلوم الأكاديمية وسيلة للتهرب من المشكلة الحقيقية لعلم السياسة٢.

стр. 189

إن عالم السياسة الذي يستخدم مدخلا تاريخيا مثلا سيكون أمامه العديد من الاختيارات, شأنه في ذلك شأن المؤرخين, حتى اصطلاح مدخل تاريخي يعد مضللا؛ لأن هناك أكثر من مدخل تاريخي واحد. وهو باستخدامه لهذا المدخل لن يحصل على ما يأمل من إرشاد وتوجيه أكثر مما يمكن أن يحصل عليه نظيره المؤرخ الذي يأخذ بمدخل سياسي لدراسة التاريخ. أي: إن كل ما تم إنجازه هو مجرد انتقاء المدخل ولا شيء أكثر من ذلك. بمعنى أنه لم يتم وضع أو اقتراح معايير محددة يتم على أساسها الاختيار بين الموضوعات والمعلومات ضمانا لأكبر قدر من الموضوعية, وعدم التحيز. وما قيل عن المدخل التاريخي يمكن أن يعبر عن نفس المشكلة التي ستنجم من اتباع أي من المداخل المشار إليها؛ الاقتصادي أو الاجتماعي أو الجغرافي أو الفلسفي. يشكل ذلك عبئا على عاتق الباحثين, ويحفزهم إلى الذهاب أبعد من مجرد استخدام مدخل ما كوسيلة للدراسة, وإلا انتهت مجهوداتهم بمجرد رصيد ضخم من المعلومات المنوعة غير ذات موضوع لا تنفع في كتابة علمية أو تدريس أكاديمي، بل قد تفقد الإحساس والحذر بطبيعة المشاكل التي يواجهها العالم. ولا جدال أنه لكي يكون البحث في مجال السياسة ذا مغزى, ويسهم في عقلانية صنع القرار يجب أن يكون المدخل لهذا البحث أكثر تحديدا, وتخطيطا من مجرد إطلاق اسم فرع من فروع العلوم الأكاديمية١.

стр. 190

الفصل السابع: الظواهر والقوى السياسية المبحث الأول: المؤسسات تزايد في السنين الأخيرة اهتمام علماء السياسة بعدة ظواهر تصلح كمداخل للبحث، وهي ظواهر لم تنل من قبل ما تستحقه من دراسة رغم تأثيرها البالغ والحاسم على المؤسسات السياسية, وعلى المجتمع ككل. من ذلك مثلا ظواهر الاحتجاج بأشكاله وأنواعه المختلفة, وظواهر العنف السياسي وعدم الاستقرار كالثورات والانقلابات والحروب الأهلية, ومحاولات الانفصال والقلاقل والاضطرابات والاغتيالات السياسية١. لعل مما يوجه الأنظار إلى خطورة تلك الظواهر وضرورة إخضاعها للبحث العلمي ما توصل إليه أحد الدارسين من ارتفاع معدل تكرار حدوث هذه الظواهر بشكل لم يسبق له مثيل من حيث العدد والتنوع والانتشار الجغرافي في العالم كله, حتى بلغ ذلك المعدل حدوث ثورة أو انقلاب واحد كل شهر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية٢.

стр. 191

ظهرت في الوقت نفسه الحاجة إلى عدم التركيز المغالى فيه على ظواهر أخرى مثل الانتخابات وعملية الاشتراك فيها بسبب تدهور أهميتها, ومعدل تكرار حدوثها بالقياس إلى الظواهر آنفة الذكر. ناهيك بالصعوبة المزدوجة التي يواجهها الباحث إذا تعرض للظروف والأحداث التي تكتنف الانتخابات في دول العالم الثالث حيث تنتشر الأمية، وحيث أصبح تزوير الإرادة الشعبية تقليدا ثابتا. ولا تعني الدعوة إلى الاهتمام المتوازن بالظواهر السياسية المعاصرة الاتجاه إلى إهمال الانتخابات بأي حال من الأحوال، وإنما تعني ترشيد الدراسة السياسية، بحيث تتجه إلى دراسة العراقيل والأسباب التي أدت إلى ضعف فعاليتها كأسلوب ديمقراطي للتعبير عن آراء الأغلبية. وغير خافٍ أنه في أكثر الدول تقدما في العالم الغربي تسفر الانتخابات بشكل لافت للنظر عن أوضاع غير مستقرة, بل وأحيانا عن أوضاع تزيد من تعقيد الموقف السياسي بدلا من إظهار حقيقة الإرادة الشعبية, وترسيخ القيم الديمقراطية. وتدل الدراسات السياسية على تزايد الإحجام عن الاشتراك في التصويت بسبب عوامل متعددة لعل منها تفاقم مشاعر الاغتراب لدى كثير من الناخبين في ظل النظام الرأسمالي, وخاصة في الولايات المتحدة، وازدياد حدة الصراع الاجتماعي وعدم المساواة والتمييز العنصري واضطهاد الأقليات. إذا انتقلنا بعد ذلك لدراسة المؤسسات، سنجد أنها كموضوع للبحث تتمتع بتماسك قلما يتوفر لأي موضوع أو ظاهرة أخرى في علم السياسة، علاوة على أنها أكثر فروعه تفصيلا وإحكاما لاعتمادها على قواعد العرف والنصوص القانونية واستفادتها من دقة المصدر، ووضوح الرؤية١.

стр. 192

لكن لهذا الاصطلاح معانٍ كثيرة بعضها معنوي يتراوح بين أبسط أشكال أنماط السلوك كدفع البقشيش مثلا, وبين أكثرها تعقيدا أو تأثيرا في حياة وقيم المجتمع مثل الملكية الفردية. وغالبا -ولكن ليس ضروريا- يكون للمؤسسات -أي: لأنماط السلوك- حسب هذا المفهوم سيطرة اجتماعية كما أنها في حالات مثل الملكية, والزواج تتمتع بدعم القانون. يشير اصطلاح مؤسسة أيضا إلى معنى مادي. فقد تكون هناك مؤسسة أو عدة مؤسسات معقدة التركيب يمارس بعضها أشكالا من السيطرة الاجتماعية. إذا أخذنا مصر كمثال، فإن المؤسسات حسب هذا المفهوم تتراوح بين أشكال عدة, منها الدولة والمؤسسات الاقتصادية والأزهر والكنيسة والعائلة التي يتكون من مجموعها شكل ومحتوى المجتمع. في المجتمع الحديث نلاحظ أن كل تلك المؤسسات تتبادل التأثير, وخاصة تلك التي تتنازع وقت ولاء المواطنين. وفي بعض المجتمعات -كما كان الحال في الصين القديمة مثلا- فإن العائلة كانت هي المؤسسة المهيمنة التي تتولى معظم المهام التي تقوم بها الدولة والكنيسة في مجتمعات أخرى. على عكس ذلك كان الوضع في أوروبا العصور الوسطى حيث كانت الكنيسة كمؤسسة هي التي تبسط سيطرتها. ثم اختلف الحال حين اشتد ساعد النظام الرأسمالي في القرنين التاسع عشر والعشرين فصارت الهيمنة في يد المؤسسات الاقتصادية, والحكومة المركزية١. أما في العصر الحاضر، فقد انتقل جانب هام من السيطرة إلى مؤسسات دولية "فوق قومية"٢ شديدة التعقيد والتشابك -مثل السوق الأوروبية

стр. 193

المشتركة, ومنظمة الكوميكون في أوروبا على سبيل المثال- تؤثر قراراتها في كافة أوجه حياة, وقيم الأفراد في الدول المنضمة إليها, والتي تنازلت عن جانب من سيادتها لتلك المؤسسات. نناقش فيما يلي بشيء من التفصيل الجوانب المختلفة لاصطلاح مؤسسة من حيث هي مفهوم مادي. لكن أية مؤسسة نعني؟ إن الحكومة ككل يمكن أن تسمى مؤسسة تماما كما يطلق نفس الاصطلاح على البرلمان أو الحزب السياسي أو أية هيئة فرعية من فروع الحكومة. فبينما يمكن بسهولة أن نطلق اصطلاح مؤسسة على كثير من الهيئات، فإننا لا نستطيع بنفس السهولة أن نعرف الاصطلاح نفسه. هكذا تصبح المشكلة هي البحث عن الخصائص التي تميز الحكومة, أو أي فرع منها لتبرير استعمال ذلك الاصطلاح. لن يكون مقبولا أن ننظر إلى المؤسسة على أنها المبنى الذي يحتويها, كما أنه ليس كافيا الاقتصار على اعتبار المؤسسة مجموعة مكاتب أو وكالات, لكل منها وظائف وسلطات معينة. إن المؤسسة لكي تعمل لا بد لها من أفراد يعملون ويتفاعلون, لكل منهم وضعه ودوره. على هذا الأساس يمكن القول: إن المؤسسة هي تلك التي تشتمل على نشاطات عدد من الناس يميزهم نمط سلوك موحد ومنظم بشكل ما. هذا مع ملاحظة أنه ليس من الضروري أن يكون كل المشتركين في نشاط المؤسسة ممن يشغلون مناصب بها، فالناخبون مثلا قد لا يشغلون مناصب في المؤسسات الحكومية, ومع ذلك يشاركون في نشاطاتها١.

стр. 194

رغم عمومية هذا التعريف, فإنه لا يعكس المعنى المطلوب عندما يشار مثلا إلى الحرب, أو المصلحة العقلية كمؤسسة, مما قد يعطي انطباعا بأنه ما من تعريف سيعكس كل استعمالات هذا المصطلح. لكن إذا أردنا تعريفا عاما ومختصرا، فقد نقول: إن المؤسسة هي أية مجموعة من التوقعات والنشاطات التي يتوفر لها عنصر الاستمرار، أو هي أي نمط مستقر ومعترف به من سلوك جماعة ما أو مجتمع بأسره. يعني هذا ضمنا توفر قدر من الانسجام في هذا السلوك يكفل التوفيق بين المصالح والعمل مع الآخرين, من أجل تحقيق الأهداف المشتركة، بينما يؤدي انتهاكه أو عدم مراعاته إلى الاضطراب وعدم الاستقرار بين صفوف الجماعة لتهديده للقيم المرعية١. يترتب على ذلك أن مضمون المدخل المستخدم في هذه الحالة سيتغير حسب تعريف كلمة مؤسسة. فإذا كان التعريف المأخوذ به هو الذي ينظر إلى المؤسسة على أنها واحدة من المؤسسات الحكومية بمكاتبها ووكالاتها, فإن البحث حول الحكومة سيتأثر بذلك بالتالي وتصبح الدراسات السياسية طبقا لهذا المفهوم محدودة وضيقة, فتتناول مثلا مستوى الحكومة وما إذا كانت اتحادية أو محلية، ثم فرع تخصصها وهل هو تنفيذي أو تشريعي أو قضائي؟ يتبع ذلك دراسة تكوين ووظائف كل فرع والعلاقات المتبادلة بينها مع الاهتمام بالإجراءات الدستورية والقانونية. بالمثل، فإن دارسي السياسة الدولية الذين يستعينون بنفس المدخل يميلون إلى دراسة المواضيع التي يمكن فيها الاستعانة بمواثيق المنظمات, والاستشهاد بأحكام القانون الدولي. يفسر هذا الاهتمام الكبير بهيئة الأمم المتحدة والوكالات

стр. 195

المتعددة المرتبطة بها, والدراسات المفصلة لنصوص الميثاق والنظم الأساسية للهيئات ومحكمة العدل الدولية. يعيب هذا المدخل أخذه بمفهوم ضيق لاصطلاح المؤسسات السياسية, مما يترتب عليه توجيه عدة انتقادات لذلك المدخل, أهمها ما يأتي: - الميل الذي ساد بين علماء السياسة حتى وقت قريب؛ لإهمال الإنسان كفرد١ نتيجة لانشغالهم بدراسة المؤسسات, فتركوا الدراسات الخاصة به إلى علماء الاجتماع والنفس؛ ليطوروا الطرق الفنية لدراسة السلوك الانتخابي, واكتشاف العلاقات السياسية وغيرها من أنواع السلوك. - الميل الذي ساد بينهم أيضا لإهمال مادة السياسة الدولية. وحيث إنه لم تكن هناك ولمدة طويلة مؤسسات دولية تماثل الدولة أو الحكومة, فقد تخلوا عن ذلك المجال للمؤرخين ورجال القانون. حتى الكتب التي أخذت على عاتقها وضع مقدمات لعلم السياسة, أو دراسة مبادئه اكتفت بالتركيز على السياسة الداخلية أو طرح أسئلة عن التنظيم السياسي والقانون. ولعل شيوع اصطلاح العلاقات الدولية بدلا من السياسة الدولية, يعد مؤشرا لعدم القدرة على التفكير في السياسة في غيبة المؤسسات الحكومية. - الميل لإهمال دور العنف والتهديد به في مجال السياسة نتيجة للمفهوم الضيق السابق لاصطلاح المؤسسات. أما الواقع العملي فيتناقض مع ذلك كما سبقت الإشارة في بداية هذا البند. لقد ظهر عدد غير قليل من دول العالم إلى حيز الوجود باستخدام العنف, كما تمكنت هذه الدول عن طريقه أيضا من رسم حدودها. وفي داخل نفس الدول فإن بعض الحكومات تستولي على السلطة أو تفقدها بسرعة كبيرة بواسطة الحروب الأهلية, أو الانقلابات. هذا علاوة على

стр. 196

أن الشغل الشاغل لكثير من تلك الحكومات هو إما التحضير للحرب, أو وضع الخطط والاستعداد لصد العدوان الخارجي. وعندما ينحصر مفهوم المؤسسات في المكاتب والوكالات والمواثيق التي تقننها، فإنه لا مكان للثورة أو الحرب، ويعتبر كل من الحرب الأهلية والعالمية في هذه الحالة شيئا غريبا على السياسة؛ ومن ثم يفشل علماؤها في تقييم الأحداث السياسية الهامة١. ليس معنى ذلك أن كل اختيار للمؤسسات السياسية كمدخل للدراسة لا بد وأن يكون ذا مفهوم ضيق, بل يمكن الأخذ بتعريف أوسع -كما أسلفنا- ينظر إلى المؤسسة كنموذج مستقر ومعترف به لسلوك الجماعة يعكس الانسجام, والتناسق في سلوكها مما يحث الأفراد أيضا على الطاعة والنظام. بهذا المفهوم الواسع للمؤسسات يمكن العثور على المعايير الواقعية للاختيار التي نبحث عنها, وإن كان ليس بالقدر المأمول, أي: إنه في حالة تبني ذلك المدخل يتحتم الاستعانة بمدخل آخر للبحث لضمان سد الثغرات.

стр. 197

المبحث الثاني: القانون يحدث أحيانا ربط بين مدخلي القانون والمؤسسات السياسية من حيث هي مجموعة من الوكالات والهيئات، فوجودها مثلا ينظمه القانون الدستوري, كما أن نشاطاتها المختلفة يصوغها ويعدلها ويفسرها القانون؛ مما دعا بعض الذين يتبنون مدخل المؤسسات السياسية إلى المساواة بينه وبين المدخل القانوني, وإن كان هذا الأخير واسع الانتشار بغض النظر عن هذه العلاقة١. لهذا فهم يفترضون أنه في معظم الأسئلة العامة التي تطرح, فإن بعض أو كل الأسئلة الفرعية وكذلك بعض أو كل المعلومات المرتبطة بالموضوع هي ذات طبيعة قانونية سواء تعلق الأمر بانتخاب رئيس جديد للجمهورية, وتحتم للرجوع إلى الشروط التي ينص عليها الدستور، أو الخطوات التي يجب اتخاذها في حالة وقوع اعتداء من جانب دولة على أخرى, والاحتكام إلى نصوص ميثاق هيئة الأمم المتحدة على سبيل المثال. للمدخل القانوني مزايا عديدة وواضحة. فغالبا ما يحكم القانون جوهر العمل السياسي وخطواته عند كل مستوى، وهو الذي يحدد الإجراء الواجب اتخاذه في أحداث السياسة الداخلية والخارجية، كما يحرم عملا ما أو يضع حدودا لما يسمح به من عمل آخر. وإذا التزم رجال السياسة بالقانون فإن معرفة نصوصه تزودنا بأساس هام لعملية التنبؤ, ونماذج للتوقعات والنشاطات السياسية, وأنماط مستقرة لسلوك الجماعة.

стр. 198

رغم ذلك، فإن القول بأهمية المدخل القانوني لا يعني أنه الأنسب دائما, إذ ترد عليه عدة تحفظات ومآخذ نوجز أهمها فيما يلي: - إن التسليم بوجود علاقة قوية بين موضوع الدراسة, وبين القانون لا يجيز الاعتماد على ذلك المدخل في إجابة الأسئلة المطروحة, وإلا أدى ذلك إلى نتائج مضللة. فمثلا لا يمكن الإجابة باطمئنان على الأسئلة المتعلقة بالسلطة المنوطة بالحكومة, اعتمادا فقط على دراسة واختبار الإجراءات القانونية؛ وذلك لأن سلطة صنع القرار الموضوعة شكليا في يد جهة رسمية معينة قد يمارسها من الناحية الواقعية أفراد ليست لهم أية صفة قانونية. - لا يمكن الاعتماد كليا على ذلك المدخل أيضا؛ لأن القانون نفسه ليس واضحا دائما. يدلنا على ذلك كثرة الأسئلة التي تثار حول معناه في ظروف معينة, أو طريقة تطبيقه في أمور محددة. ومهما حاول القضاة والفقهاء الإجابة على تلك الأسئلة بتجرد ونزاهة, فإن عملية إزالة الغموض تتأثر بالخلفية الاجتماعية, والميول الشخصية لهؤلاء الذين يتصدون لتفسير القانون, أي: إنه في حالة كثير من الأسئلة التي تعتبر قانونية بشكل ظاهر، يرجح أن يكون لبعض الاعتبارات غير القانونية تأثير كبير على النتيجة. - المدخل القانوني محدود, ويشوبه قصور كبير من حيث إنه لا سيطرة للقانون على ما ستحتويه نصوصه, بمعنى أن تحديد محتواه عمل سياسي بحت يتم من خلال السلطة التشريعية, وعلى أسس لا علاقة لها بالمدخل القانوني. - ليس هناك مفهوم واحد للقانون, أو للمدخل القانوني؛ إذ تتباين النظرة إليهما تبعا للنظريات والنظم الاجتماعية السائدة. فالدولة والدساتير والقوانين مثلا لا تحتل فقط مكان القلب, أو المركز من النظريات التقليدية "ومنها الليبرالية"، وإنما تمثل بالنسبة لها أيضا المعطيات الجوهرية للحقيقة السياسية. أما النظرية الماركسية, فإنها تعتبر الدولة والقانون والدستور من مكونات البناء

стр. 199

العلوي للمجتمع, بمعنى أنها ظواهر ثانوية ومشتقة -أي: متفرعة- ومتأثرة بالأساس المادي للمجتمع الذي تسميه البناء السفلي. والتحفظ الذي يرد هنا هو ضرورة مراعاة الباحث للوضوح التام, وبيان زاوية الرؤية التي اختارها, والمفاهيم التي انطلق منها عند استعانته بهذا المدخل؛ وذلك تفاديا لأي لبس. المدخل القانوني قد يكون أداة خطيرة في يد الجماعات, أو الحكومات النازية والمطلقة التي تقوم عادة بخرق القانون باسم القانون, والاعتداء على الدستور باسم الدستور, ثم لا تتورع عن تحريف النصوص وعدم الالتزام بالأمانة في تفسيرها كوسيلة لتبرير تلك الأوضاع الشائنة, والنظم غير الديمقراطية١. لهذا, فإنه لا يتفق مع الواقع اتجاه بعض من يلجئون إلى المدخل القانوني لتناول القانون كشيء موجود خارج سيطرة الإنسان. إن الأقرب إلى الحقيقة هو اعتبار القانون انعكاسا لرغبات المنتصرين في الصراع السياسي, وأنه أداة يستطيعون من خلالها فرض إرادتهم والتعبير عنها.

стр. 200

المبحث الثالث: السلطة كثرت التعريفات, والدراسات حول مفهوم القوة أو السلطة السياسية. ففي القرن السابع عشر عرف توماس هوبز السلطة بأنها عبارة عن "الوسائل الحالية التي تستخدم لتأمين الحصول على خير محتمل في المستقبل"١. يعتبر هذا التعريف فضفاضا من ناحية, وضيقا من ناحية أخرى. فهو فضفاض؛ لأنه يربط بين السلطة وبين مجموع الموارد المتاحة للإنسان لتحقيق

стр. 201

أهدافه ومثله, وبالتالي يصبح من المستحيل التمييز بين السلطة والثروة. كما أنه تعريف ضيق؛ لأنه يشير إلى السلطة كشيء مادي ملموس, وهو وصف صحيح وإن كان يمثل أحد جانبي الحقيقة. فكما أن السلطة أحيانا قد تكون ذات طابع مادي, فإنها في أحيان أخرى قد لا تكون كذلك. هذا الازدواج هو بالضبط الذي يعطي للسلطة صفتها الديناميكية المحيرة التي نحس بها, ولكن نجد من الصعب تفسيرها. أثرت نظرة هوبز إلى السلطة من هذه الزاوية على الكتابات العلمية من بعده, وخاصة تلك التي اهتمت بتأصيل فكرة الفصل بين السلطات كما عبر عنها مونتسكييه مثلا. فقد تناولت تلك الكتابات السلطة كما لو كانت قطعة من الكعك يقع على الدستور عبء تقسيمها بين أطفال أشقياء يحاول كل منهم الحصول على نصيب أكبر مما يجب أن يحصل عليه. نفس هذا الخطأ الذي ينظر إلى السلطة من زاوية واحدة وقع فيه جون لوك وإن كان قد عبر في كتابات أخرى له عن رأي أدق من ذلك أنكر فيه مقولة: إن السلطة هي شيء في المحل الأول, وأشار إليها على أنها علاقة١. في الثلاثينات من القرن العشرين، انتهى أحد علماء السياسة إلى أن "المجال الصحيح لعلم السياسة ليس هو دراسة الدولة أو أية مؤسسة أخرى، وإنما هو دراسة كل جماعة يمكن أن تكون مثالا لمشكلة السلطة"٢. ثم ظهر في الخمسينات تعريف يقول: "إن الاهتمام الأول لعلم السياسة هو السلطة السياسية في المجتمع من حيث طبيعتها وأسسها وخطوات عملها ومجالها ونتائجها. إن جوهر اهتمام عالم السياسة

стр. 202

واضح جلي, فهو يركز على الصراع من أجل الحصول على السلطة أو المحافظة عليها، كذلك ممارسة السلطة أو النفوذ على الآخرين أو مقاومة تلك الممارسة"١. في العقد الخامس أيضا عرف عالم آخر السلطة بأنها السيطرة على عقول وأفعال الآخرين, وأوضح أن هناك فرقا بين السلطة السياسية والقوة العسكرية. فالأولى تعني وجود علاقة سيكولوجية بين عقلين بينما ترتبط الثانية بالعنف، أي: بوجود علاقة عضوية بين جسمين يبلغ أحدهما من القوة حدا يمكنه من السيطرة على حركات الجسم الآخر. هذا ويمكن النظر إلى السلطة السياسية كذلك على اعتبار أنها تعني توفر القدرة على السيطرة, وليس السيطرة الفعلية. وهناك رأي يختلف عن ذلك اختلافا طفيفا, إذ يرى أنها القدرة على التأثير في الآخرين دون التأثر بنفس القدر٢. إلا أنه لا يمكن الأخذ بالفرض السابق على علاته, والقائل بوجود فرق بين السلطة السياسية والقوة العسكرية؛ وذلك لأنه يدعم الفرض الآخر الخاطئ الذي يعتقد بأنه إذا نشبت الحرب فعلى الدبلوماسيين, وربما كل القيادة السياسية إخلاء أماكنهم للعسكريين. حتى كلاوزفيتز الذي كتب قبل هؤلاء كان له رأي أكثر

стр. 203

صوابا, إذ قال: إن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى. إن الصراع الذي هو لب السياسة يظل سياسيا سواء تمت ممارسته شفاها أو بعنف؛ وبالتالي فإن القوة العسكرية يمكن اعتبارها فرعا من السلطة السياسية وليست بديلا عنها. يفترض التقسيم الأخير احتمال وجود فروع أخرى لتلك السلطة. نذكر منها على سبيل المثال القوة الاقتصادية, والقوة التي يمكن أن تكمن في نظام التعليم أو جهاز الدعاية. وعلى مستوى آخر يمكن التفرقة بين قوة الإقناع وقوة القهر مع ملاحظة أن توفر قوة القهر يزيد غالبا من القدرة على الإقناع. وعلى مستوى ثالث يمكن أن نميز بين أنواع متعددة من عناصر القوة المادية وعناصر القوة غير المادية, وخاصة إذا كان مجال البحث هو السياسة الدولية١. إن العيب الرئيسي في اختيار السلطة السياسية كمدخل للبحث هو افتقارها إلى الدقة؛ نظرا للمعاني الكثيرة التي ينصرف إليها الذهن عند ذكر لفظ سلطة أو قوة. كذلك فإن الظروف والأوضاع التي يمكن أن تعبر فيها عن نفسها تختلف اختلافا بينا، كما أن مصدرها يمكن أن يتراوح تراوحا شديدا بين قواعد الآداب واللياقة, وبين امتلاك سفن الفضاء. لهذا فإنه من الطبيعي بالنسبة لمثل هذا الاصطلاح الذي يغطي أشكالا كثيرة من الأحداث والعلاقات ألا يكون على قدر كافٍ من الوضوح. يزيد من غموض الاصطلاح أن الداعين إلى استخدام ذلك المدخل لا ينظرون إليه من زاوية مشكلة السلطة, وإنما على أساس أنه تعريف للسيلسة بصفتها صراعا من أجل السلطة. هذا بينما نلاحظ أنه من الناحية الواقعية نادرا ما يتصارع الأفراد على المسرح السياسي من أجل السلطة فقط, وإنما يسعون أيضا إلى تحقيق أغراض أخرى.

стр. 204

لقد وجهت انتقادات كثيرة إلى النظرية القائلة بأن السياسة هي صراع من أجل السلطة. فهي مثلا لا تشير إلى القدر المطلوب منها، أو الموضوع الذي يجري الصراع بشأنه، كما لا توضح الثمن الذي قد يكون المتصارعون على استعداد لدفعه أو القيم الأخرى التي قد يضحون بها في سبيل ذلك, بمعنى آخر: فإن الافتراض الذي يساق أحيانا بلا تفكير, مدعيا أن كل الأفراد على المسرح السياسي يسعون دائما, وبلا كلل من أجل زيادة سلطتهم بأي ثمن, هو افتراض خاطئ. لهذا, فإن على هؤلاء الذين يتبنون مفهوم الصراع من أجل السلطة أن يضيفوا إلى حججهم ما يوضح مجال النشاط الذي يدور بخلدهم. فقد يكون المجال السياسة الداخلية للحكومة, أو السياسة الخارجية, أو العلاقات الدولية. وقد يكون أوسع من ذلك, فيضم كل أنواع الجماعات التي قد يحدث داخلها أو بينها ما يعتبر صراعا من أجل السلطة أو النفوذ أو السيطرة كما قد يحدث أحيانا من منافسة بين الشركات التجارية للتأثير في أذواق واختيارات المشترين, أو داخل النقابات المهنية للتأثير على أعضائها من أجل الفوز بعضوية مجالس إداراتها, أو في الصراع داخل النقابات العمالية أو المهنية, أو صراعها مع الهيئات التنفيذية والتشريعية١.

стр. 205

المبحث الرابع: التأثير والقيم هناك تعريفات كثيرة متضاربة لمعنى التأثير. ومنعا للّبس نشير إلى تعريف مبسط يرى أن التأثير, أو النفوذ هو نوع من القوة قد تكون ظاهرة أو خفية, وتؤثر تأثيرا عميقا في ممارسة السلطة وفي مؤسساتها. ولا يجب أن يتبادر إلى الذهن أنه لا بد من إصدار أوامر أو نواهٍ حتى نسلم بوجود تأثير أو نفوذ؛ إذ العكس هو الصحيح. فنادرا ما يتخذ التأثير ذلك الشكل

стр. 206

الفج, وإنما يجد تعبيرا عنه في محاولات الحث والإقناع, وأحيانا الغمز والتلميح بهدف التأثير على السامع أو القارئ بشكل غير مباشر. لهذا نلاحظ, أنه وإن كانت القوة تشكل النواة الصلبة للمواقف التي تتخذها السلطة, إلا أنها تحيط بها حالة كبيرة من التأثير١. لزيادة الإيضاح، نتناول عددا آخر من التعريفات حتى يمكن الإحاطة بطبيعة الصعوبات التي تكتنف اختيار موضوعات الدراسة السياسية. من تلك التعريفات ذلك القول الشائع: "من يحصل على ماذا, متى وكيف؟ " الذي وضعه هارولد لا سويل كعنوان فرعي لكتابه المبكر في "السياسة" والذي عرف فيه الدراسة السياسية بأنها دراسة للنفوذ وللتأثير وذوي السطوة. وفي موقع آخر من الكتاب يصف التحليل السياسي بأنه بحث التغيرات التي تطرأ على شكل وتكوين نمط القيم التي يؤمن بها المجتمع٢. أما أيستون, فقد عرف علم السياسة بأنه دراسة مدى تأثير استعمال وتوزيع السلطة على المكانة المرعية للقيم في المجتمع٣. وغير خافٍ أن نقطة الضعف الرئيسية في تلك التعريفات -كما يقول فان دايكه- هي غموضها وصعوبة تفسير المصطلحات الرئيسية الواردة بها, أو على أحسن الفروض فإنه يمكن تطبيقها في مجالات متعددة بحيث تتضاءل فائدتها كتعريفات سياسية. مثلا: ما هو التأثير؟ وكيف يمكن تعريف من له سطوة؟ وهل العنوان الفرعي المذكور أعلاه يعود بالضرورة إلى دراسة سياسية؟ وما المقصود بمجموعة المصطلحات التي تتحدث عن القيم ونمط القيم وشكل وتكوين ذلك النمط؟

стр. 207

إن التأثير مثلا يمكن أن يمارسه المحامي على المتهم الذي يترافع عنه، والطبيب على المريض الذي يعالجه، والمعلن على المشتري المحتمل للسلعة، أي: إن المحامي والطبيب والتاجر المعلن يمكن افتراض أنهم من ذوي التأثير, بل والسطوة أحيانا. رغم ذلك، فإن الدراسة التي تبحث في النفوذ والسطوة من تلك الزاوية لا تكون بالضرورة دراسة سياسية. بالمثل، فإن السؤال المركب: "من يحصل على ماذا, متى وكيف؟ " لن يساعد كثيرا على تعريف مجال السياسة, أو نوع الدراسات التي يجب القيام بها في هذا الحقل. بل أكثر من ذلك, يمكن القول: إن هذا السؤال قد يساعد بنفس القدر من الفعالية في توجيه دراسات تجري عن السرقة, أو الجنس. إذا انتقلنا إلى اصطلاح القيم واجهنا نفس الصعوبة, بمعنى أنه لا يساعد كثيرا في دراسة ما هو سياسي. فالقيم التي عددها لا سويل في كتابه نجد بينها الحب والسعادة والمهارة والتنوير. وأية دراسة لشكل وتكوين نمط تلك القيم لن تكون بالضرورة دراسة سياسية. لهذا فإن شيئا محددا لا بد من إضافته للمصطلح الأساسي "القيم" حتى يمكن تعريف, ودراسة ما هو سياسي. من هنا تمثل الإضافة التي وضعها أيستون تقدما نحو توجيه النظر ليس إلى كل القيم, وإنما إلى تلك القيم المرعية في مجتمع ما وليس لدى جماعة عابرة. معنى ذلك أن تلك القيم إذا لم تكن متأثرة بتوزيع واستعمال السلطة, فإن الدراسة لا يمكن اعتبارها سياسية. ورغم الفائدة التي قد يمكن الحصول عليها من ذلك البحث تظل بعض الشكوك معلقة حول حقيقة المقصود من مصطلحات مثل قيم ومرعية بحيث يصعب وضع تعريفات مرضية لها مما يرجح الأخذ إلى حد ما بالتعريف المبسط الوارد في بداية هذا البند.

стр. 208

المبحث الخامس: عملية صنع القرار مدخل ... المبحث الخامس: عملية صنع القرار ينظر بعض علماء القانون والتاريخ الفرنسيين وكذلك بعض علماء الاجتماع الأمريكيين، ينظرون إلى علم السياسة نظرة متعالية على أساس أنه ذلك العلم الحديث الذي نشأ ليهتم "ببقية" residu الموضوعات التي

стр. 209

أهملتها العلوم الاجتماعية الأخرى؛ مما دعا البعض إلى تسميته Science residuelle. من تلك الموضوعات المتبقية التي أثرت في تحديد مجال نشاطه: عملية صنع القرار السياسي، الانتخابات، الأحزاب السياسية، الجماعات الضاغطة. يعترض عالم الاجتماع السياسي موريس ديفرجيه على هذه النظرة, ويرى أنه وإن كان صحيحا أن العلوم الاجتماعية الأخرى أهملت تلك الموضوعات -والتي صارت فيما بعد مجال التخصص الدقيق لعلم السياسة- إلا أنه من غير المتصور قصر نطاق ذلك العلم الحديث على تلك الموضوعات "المتبقية" أو "الفضلات". ينطلق ديفرجيه في نقده ليس بوازع من الذود عن الكرامة, وإنما بهدف دعم إمكانيات البحث العلمي. فلكي يتم تحليل السلطة السياسية أو الدولة بأسلوب علمي يجب في رأيه عدم الاقتصار على تناولها في بعض مظاهرها المنعزلة أو المتفرقة. بدلا من ذلك، يجب تحليلها في كافة صورها وبأسلوب مقارن. بمعنى أن المتخصص في علم السياسة يتحتم عليه دراسة الموضوعات "المتبقية" وكذلك تلك التي عالجتها العلوم الاجتماعية الأخرى؛ ذلك لأن هذه الأخيرة تشكل "موضوعا مشتركا" بالنسبة لكل من علم السياسة, والعلوم الاجتماعية١. فما هي حقيقة تلك الموضوعات "المتبقية" التي ثار بشأنها الجدل؟ سنشير فيما يلي إلى بعض منها. تعتبر عملية صنع القرار من السمات البارزة للسياسة, رغم أنها كمدخل مميز للبحث لم تنل حتى وقت قريب ما نالته غيرها من الاهتمام كالمؤسسات

стр. 210

والقانون والسلطة السياسية. إن كل عمل يعكس قرارا, كذلك -بشكل ضمني- كل إحجام عن العمل. فالمؤيدون لحزب سياسي مثلا يقررون أي المرشحين سيختارون, والناخبون يقررون هل سيدلون بأصواتهم ولمن؟ المشرعون يتخذون قرارات حول المقترحات التي سيتقدمون بها أو سيؤيدونها. ورجال الحكومة يقررون بدورهم أي القوانين البرلمانية يسعون إلى استصدارها أو الاعتراض عليها, وأي الخطوات يجب اتخاذها لتنفيذ القانون. عملية صنع القرار إذًا عملية متشعبة, تتضمن الاختيار بين كثير من الوسائل والأهداف. ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك التشعب, وكثرة البدائل إلى احتمال حدوث تداخل بين الدراسات التي تتناول الموضوع١. ويمكن تصنيف عملية صنع القرار بطرق متعددة تصلح -منفردة أو مجتمعة- كمداخل للبحث نذكر منها: أولا: نوعية القرار من حيث الجهة التي تصنعه، وما إذا كانت فردا أو جماعة ما أو مؤسسات أكثر عمومية وشعبية كالبرلمانات والأحزاب. ثانيا: نوعية القوى والعوامل والأساليب المؤثرة في صنع القرار، ونقصد بها القوى المادية والمعنوية للجماعات الضاغطة، والعوامل الذاتية لصانعي القرار والأساليب المستقاة من نظرية اللعبة.

стр. 211

أولا: نوعية القرار من حيث الجهة التي تصنعه ١- القرار الفردي lndividual decision: وهو ذلك القرار الذي يصنعه شخص واحد, سواء كان مواطنا عاديا أو مسئولا إداريا. وفي كل من هاتين الحالتين يحسم الفرد أمرا يدخل بأكمله في حدود

стр. 212

اختصاصه. قد يقدم هذا الشخص على صنع القرار بمفرده تماما، كما قد يستأنس في ذلك بنصيحة آخرين. وسواء أقدم على هذا أو ذلك, فإن كيفية التصرف الذي يستقر عليه رأيه هو نفسه قرار، وإن كان من الواجب عدم استبعاد تأثير العادات والتقاليد, أو القواعد والنصوص الإدارية أو الدستورية في بعض تلك الاختيارات. من أمثلة القرارات السياسية التي يستأثر بصنعها المواطن الفرد الاشتراك في صحيفة يومية معينة دون أخرى, أو تحديد موقفه في انتخابات ما أو استفتاء شعبي. من ذلك أيضا ما يحدث في بعض الدول المتقدمة من إرسال الفرد خطابات أو برقيات إلى ممثله في المجلس النيابي يحثه على اتخاذ موقف معين, أو يحتج على موقف آخر. بالمثل، فإن المسئول الإداري الفرد يصنع قراراته بنفسه فيقوم بالبت في موضوع ما أو شكوى معينة, أو توجيه نقد إلى أحد مرءوسيه, أو كتابة تقرير إلى مستويات إدارية أعلى, وهكذا. ٢- القرار الجمعي Group decision: وهو القرار الذي يصنعه جمع, أو جماعة من الأفراد نتيجة عمل مشترك, سواء تم التوصل إليه بالإجماع, أو بنوع من الأغلبية لكن بعد تبادل المشورة. من ذلك مثلا القرارات التي تصنعها اللجان التشريعية أو المحاكم, والكثير غيرها من الهيئات التي تعمل دون مشاركة شعبية عامة مع السماح للمعارضين -أحيانا- بإبداء أسباب اعتراضهم. وتتمتع هذه القرارات بقدر أكبر من الحجية كما هو الحال مثلا في الأحكام التي تصدرها محكمة استئنافية مقارنة بالنمط السابق, حيث يقوم قاضٍ واحد في محكمة أدنى درجة بصنع قرار فردي. ٣- القرار العام public decision: وأهم ما يميزه عن النوع السابق هو المناقشة التفصيلية الواسعة التي يتم معظمها علنا؛ تمهيدا لعملية تصويت تتسم بالشعبية تسبق صنع القرار. وتتمتع القرارات

стр. 213

التي يتبع هذا الأسلوب في صنعها بقدر أكبر من الإلزام والديمومة. لهذا فهو نمط مناسب لعملية سن القوانين ووضع السياسات الطويلة المدى التي تحتاج لتأييد شعبي واسع, وقواعد إجرائية تفصيلية من جانب المؤسسات الحزبية, واللجان البرلمانية. يجمع بين تلك الأنماط الثلاثة سمات مشتركة تشكل جوهر عملية صنع القرار. وأهم هذه السمات هي أنها قرارات تحدد التصرف أو العمل الذي يمكن اتخاذه في مواجهة مشكلة ما تمثل عقبة كأداء أمام صنع القرار. أي: إنه إذا لم تكن هناك مشكلة لانتفت الحاجة إلى صنع قرار مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن عملية الصنع تلك ما هي في الواقع إلا اختيار بين عدة بدائل مطروحة١.

стр. 214

ثانيا: نوعية القوى والعوامل والأساليب المؤثرة في صنع القرار من أهم نماذج تلك القوى الجماعات الضاغطة، نناقش بعدها العوامل الذاتية لصانعي القرار، ثم الأساليب المستمدة من نظرية اللعبة. ١- الجماعات الضاغطة Pressure groups or lnterest groups: ويسميها بعض العلماء جماعات المصلحة, وهما اصطلاحان مترادفان. والفرق الوحيد بينهما -إن كان ثمة فرق- هو أن جماعة المصلحة قد تكون مؤقتة أحيانا, بمعنى أنها تتكون لتلبية حاجة ما أو حل مشكلة معينة، فإذا قضيت انحلت الجماعة وانتهى أمرها. أ- الجماعات الضاغطة جماعات اختيارية توجد في كل النظم السياسية, بل وتدل الأحداث التاريخية على أنها كانت معروفة بشكل, أو بآخر في كل العصور.

стр. 215

رغم ذلك, فإنه وإن كانت علاقات التأثير والضغط موجودة دائما, إلا أنها تعكس في الأزمنة الحديثة الحاجات والآراء والطموحات المتعارضة في مجتمعات وصل تطورها إلى درجات عالية من التعقيد١. وتمارس تلك الجماعات ضغوطا على الأوساط السياسية والاقتصادية حتى تصدر قراراتها محققة لمصالحها, لكن ليس هناك حجم معين أو شكل محدد لتلك الجماعات، فقد تكون كبيرة جدا وقد تكون صغيرة غير أنها في كثير من الأحوال غامضة وغير محددة تماما. هنالك ملاحظة عامة تجدر الإشارة إليها قبل الدخول في التفاصيل؛ فحيث إن تلك التنظيمات لا تتواجد في فراغ وإنما في مجتمعات، فإنه يترتب على ذلك أن بنية كل منها ونشاطاتها تتأثر بشكل مباشر بدرجة تطور المجتمعات التي تتواجد فيها, وما إذا كانت مجتمعات عصرية متقدمة أو تقليدية متخلفة؛ مما يؤدي بالتالي إلى تباين كبير في شكل ومضمون ونتيجة الدور الذي تقوم به الجماعات الضاغطة في كل من هذين النوعين من المجتمعات. يقسم العلماء٢ تلك الجماعات إما تبعا لبنيتها ونشاطاتها والفروق
следующие страницы →