أولا: نوعية القرار من حيث الجهة التي تصنعه
١- القرار الفردي lndividual decision:
وهو ذلك القرار الذي يصنعه شخص واحد, سواء كان مواطنا عاديا أو مسئولا إداريا. وفي كل من هاتين الحالتين يحسم الفرد أمرا يدخل بأكمله في حدود
стр. 212
اختصاصه. قد يقدم هذا الشخص على صنع القرار بمفرده تماما، كما قد يستأنس في ذلك بنصيحة آخرين. وسواء أقدم على هذا أو ذلك, فإن كيفية التصرف الذي يستقر عليه رأيه هو نفسه قرار، وإن كان من الواجب عدم استبعاد تأثير العادات والتقاليد, أو القواعد والنصوص الإدارية أو الدستورية في بعض تلك الاختيارات.
من أمثلة القرارات السياسية التي يستأثر بصنعها المواطن الفرد الاشتراك في صحيفة يومية معينة دون أخرى, أو تحديد موقفه في انتخابات ما أو استفتاء شعبي. من ذلك أيضا ما يحدث في بعض الدول المتقدمة من إرسال الفرد خطابات أو برقيات إلى ممثله في المجلس النيابي يحثه على اتخاذ موقف معين, أو يحتج على موقف آخر. بالمثل، فإن المسئول الإداري الفرد يصنع قراراته بنفسه فيقوم بالبت في موضوع ما أو شكوى معينة, أو توجيه نقد إلى أحد مرءوسيه, أو كتابة تقرير إلى مستويات إدارية أعلى, وهكذا.
٢- القرار الجمعي Group decision:
وهو القرار الذي يصنعه جمع, أو جماعة من الأفراد نتيجة عمل مشترك, سواء تم التوصل إليه بالإجماع, أو بنوع من الأغلبية لكن بعد تبادل المشورة. من ذلك مثلا القرارات التي تصنعها اللجان التشريعية أو المحاكم, والكثير غيرها من الهيئات التي تعمل دون مشاركة شعبية عامة مع السماح للمعارضين -أحيانا- بإبداء أسباب اعتراضهم. وتتمتع هذه القرارات بقدر أكبر من الحجية كما هو الحال مثلا في الأحكام التي تصدرها محكمة استئنافية مقارنة بالنمط السابق, حيث يقوم قاضٍ واحد في محكمة أدنى درجة بصنع قرار فردي.
٣- القرار العام public decision:
وأهم ما يميزه عن النوع السابق هو المناقشة التفصيلية الواسعة التي يتم معظمها علنا؛ تمهيدا لعملية تصويت تتسم بالشعبية تسبق صنع القرار. وتتمتع القرارات
стр. 213
التي يتبع هذا الأسلوب في صنعها بقدر أكبر من الإلزام والديمومة. لهذا فهو نمط مناسب لعملية سن القوانين ووضع السياسات الطويلة المدى التي تحتاج لتأييد شعبي واسع, وقواعد إجرائية تفصيلية من جانب المؤسسات الحزبية, واللجان البرلمانية.
يجمع بين تلك الأنماط الثلاثة سمات مشتركة تشكل جوهر عملية صنع القرار. وأهم هذه السمات هي أنها قرارات تحدد التصرف أو العمل الذي يمكن اتخاذه في مواجهة مشكلة ما تمثل عقبة كأداء أمام صنع القرار. أي: إنه إذا لم تكن هناك مشكلة لانتفت الحاجة إلى صنع قرار مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن عملية الصنع تلك ما هي في الواقع إلا اختيار بين عدة بدائل مطروحة١.
стр. 214
ثانيا: نوعية القوى والعوامل والأساليب المؤثرة في صنع القرار
من أهم نماذج تلك القوى الجماعات الضاغطة، نناقش بعدها العوامل الذاتية لصانعي القرار، ثم الأساليب المستمدة من نظرية اللعبة.
١- الجماعات الضاغطة Pressure groups or lnterest groups:
ويسميها بعض العلماء جماعات المصلحة, وهما اصطلاحان مترادفان. والفرق الوحيد بينهما -إن كان ثمة فرق- هو أن جماعة المصلحة قد تكون مؤقتة أحيانا, بمعنى أنها تتكون لتلبية حاجة ما أو حل مشكلة معينة، فإذا قضيت انحلت الجماعة وانتهى أمرها.
أ- الجماعات الضاغطة جماعات اختيارية توجد في كل النظم السياسية, بل وتدل الأحداث التاريخية على أنها كانت معروفة بشكل, أو بآخر في كل العصور.
стр. 215
رغم ذلك, فإنه وإن كانت علاقات التأثير والضغط موجودة دائما, إلا أنها تعكس في الأزمنة الحديثة الحاجات والآراء والطموحات المتعارضة في مجتمعات وصل تطورها إلى درجات عالية من التعقيد١. وتمارس تلك الجماعات ضغوطا على الأوساط السياسية والاقتصادية حتى تصدر قراراتها محققة لمصالحها, لكن ليس هناك حجم معين أو شكل محدد لتلك الجماعات، فقد تكون كبيرة جدا وقد تكون صغيرة غير أنها في كثير من الأحوال غامضة وغير محددة تماما. هنالك ملاحظة عامة تجدر الإشارة إليها قبل الدخول في التفاصيل؛ فحيث إن تلك التنظيمات لا تتواجد في فراغ وإنما في مجتمعات، فإنه يترتب على ذلك أن بنية كل منها ونشاطاتها تتأثر بشكل مباشر بدرجة تطور المجتمعات التي تتواجد فيها, وما إذا كانت مجتمعات عصرية متقدمة أو تقليدية متخلفة؛ مما يؤدي بالتالي إلى تباين كبير في شكل ومضمون ونتيجة الدور الذي تقوم به الجماعات الضاغطة في كل من هذين النوعين من المجتمعات.
يقسم العلماء٢ تلك الجماعات إما تبعا لبنيتها ونشاطاتها والفروق
стр. 216
بينها وبين الأحزاب والدول, وإما وفقا لدورها الهام كمرآة تعكس بدقة الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والصراعات الأيديولوجية في الدولة موضوع البحث.
ويهتم هذا التصنيف الأخير بتقسيم الجماعات الضاغطة إلى منظمات مهنية هدفها الأساسي الحصول على منافع مادية للمنتسبين إليها, أو حماية أوضاعهم المكتسبة، ثم إلى تجمعات ذات نزعة أيديولوجية وإن كانت متنافرة جدا تهدف إلى الدفاع عن مبادئ أو أوضاع روحية أو أخلاقية معينة. لكن يجب عدم المغالاة في تقدير أهمية هذه التصنيفات؛ إذ الغرض منها هو زيادة التوضيح, فكثير من الجماعات تستطيع الانتساب بصورة معترف بها إلى هذا النوع, أو ذاك من التنظيمات.
من حيث البنية، يمكن تقسيم الجماعات الضاغطة إلى جماعات جماهيرية, وأخرى قيادية. أما الأولى فهي ذات عضوية واسعة مثل: نقابات العمال والفلاحين وحركات الشبيبة واتحادات المحاربين القدماء, بينما تشتمل الجماعات الضاغطة القيادية على طوائف اجتماعية أقل عددا وإن كانت أقوى تأثيرا, وهي تضم غالبا نوعا مميزا من النخبة في مجال نشاط معين في المجتمع مثل: اتحاد الصناعات، واتحادات كبار الموظفين أو التكنوقراط، واتحادات الكتاب.
ويميل البعض إلى تصنيف تلك الأخيرة على حده بالنظر إلى المهمات النبيلة التي تضطلع بها, شأنها في ذلك شأن جماعات المفكرين والأكاديميين ... إلخ.
من حيث النشاط١, يتخذ تحرك الجماعات الضاغطة أشكالا متعددة وإن كانت متداخلة. فهو أحيانا نشاط مباشر يتمثل في بذل المساعي لدى السلطة الحكومية أو البرلمان، وفي أحيان أخرى هو نشاط غير مباشر يؤدي إلى تحريك الجماهير, وبالتالي التأثير في الحكومة عن طريق الحملات
стр. 217
الصحفية, أو التظاهرات والإضرابات والاعتصامات. قد يكون نشاط الجماعات الضاغطة علنيا صريحا أو سريا مموها, وينعكس هذا بالتبعية في الوسائل المستخدمة فتكون وسائل قانونية شريفة تتفق والنظام العام, أو تلجأ إلى وسائل الإفساد المتعددة أو العنف.
يؤثر في كل تلك الظواهر السياسية والقانونية والاقتصادية اعتبارات هامة تتعلق بعدد مؤيدي الجماعات الضاغطة, وإمكانياتهم المالية, وتنظيمهم الداخلي وولائهم. وتؤدي تلك العوامل مجتمعة إلى تحديد مدى فعالية تلك الجماعات الضاغطة فتمنحها القوة, أو تمنعها من وضع تكتيكات للتوجه إلى الرأي العام أو مفاتحة الحكومة أو السلطة التشريعية. بل قد تصل قوة إحداها إلى حد الاعتراف بها قانونا كشريك في صنع قرار سياسي ما.
لكن الجماعات الضاغطة تختلف عن الأحزاب١ من حيث إنه يندر أن يكون جل نشاط تلك الجماعات نشاطا سياسيا. فهي لا تشترك بشكل مباشر في محاولة الاستيلاء على السلطة أو في ممارستها, وإنما تكتفي بالضغط فقط. أي: إنها تحاول التأثير في المسئولين مع عدم السعي إلى وضع رجالها بطريقة مكشوفة في السلطة, مع إمكان ورود بعض الاستثناءات على ذلك.
لا ينفي هذا طبعا وجود علاقات خاصة بين الجماعات الضاغطة, وبعض الأحزاب تؤثر تأثيرا كبيرا في النشاطات السياسية والاقتصادية للدولة. وتتخذ تلك العلاقات صورا متعددة يغلب عليها أحيانا طابع الحياد فتلتزم الجماعة الضاغطة جانب الحذر من التدخل في الانتخابات والصراعات الحزبية, أو تطلب من منتسبيها التصويت لصالح المرشح الذي يؤيد مطالب الجماعة, بغض النظر عن انتمائه الحزبي.
стр. 218
هناك صورة ثانية أكثر شيوعا تتمثل في إقامة علاقات وطيدة بين الجماعة الضاغطة, وحزب معين يتم من خلالها تبادل المصالح والمنافع, إذ تقوم الجماعة بدعم الحزب في الانتخابات وتقديم الإعلانات المالية إليه, بينما يتولى الحزب الدفاع عن مطالب تلك الجماعة.
تبدو الصورة الثالثة واضحة في بعض الدول المتقدمة, حيث يتمكن أحد الأحزاب القوية التنظيم من تحويل بعض الجماعات الضاغطة إلى منظمات ملحقة فيشرف عليها, ويضع الخطوط العريضة لتحركاتها من خلال أعضائه القياديين الذين يسيطرون على تلك الجماعات, كما يقوم بالدفاع عن مصالحها سواء داخل البرلمان أو خارجه. ويعطي ديفرجيه مثالا على ذلك بالحزب الشيوعي في فرنسا الذي برع في هذا النوع من التكتيك, إذ تضم الجماعات الضاغطة التي يستطيع التأثير فيها عضوية واسعة من المتعاطفين, وغير المتعاطفين مع الحزب. من أمثلة تلك الجماعات: اتحاد النساء الفرنسيات, واتحاد الشبيبة الجمهورية، والمناضلون من أجل السلام.
ولا يجب أن تخفي هذه الصورة الأخيرة وضعا آخر مغايرا لها تماما. فكما يسيطر الحزب أحيانا على جماعة أو جماعات ضاغطة، فإنه على العكس من ذلك قد يكون الحزب نفسه مجرد واجهة للمصالح الحيوية لإحدى الجماعات الضاغطة القوية, ومثال ذلك حزب المحافظين كواجهة للاحتكارات في بريطانيا.
هذا, وقد سبقت الإشارة إلى أن الجماعات الضاغطة توجد في كل النظم السياسية, وليس في الدول الرأسمالية فقط. ففي الاتحاد السوفيتي على سبيل المثال، هناك تعدد في مراكز صنع القرار, وإن بدا ذلك بشكل آخر. فالهيئات الإدارية والوزارات والمؤسسات العامة والتعاونيات المحلية تلعب دور الجماعات الضاغطة في علاقتها بالسلطة المركزية, وغيرها من مراكز صنع القرار, وخاصة الحزب الشيوعي السوفيتي ومجلس السوفيت الأعلى١.
стр. 219
ومن وجهة نظر القانون الدولي العام، تختلف الجماعة الضاغطة عن الدولة من حيث إنها لا تتمتع بحق السيادة، وليس لها بعثات دبلوماسية "باستثناء الفاتيكان"، ولا تمتلك إقليما معينا وإنما تزاول نشاطها في دولة واحدة, أو عدة دول. وهناك بعض أوجه الشبه بين ما سبق ذكره, وبين بعض التنظيمات على الصعيد الدولي بحيث يمكن اعتبارها بشكل من الأشكال كجماعات ضاغطة تعكس مصالح دولية مختلفة, قد تكون اقتصادية أو سياسية أو دينية أو مزيجا منها.
من أمثلة الجماعات الضاغطة الاقتصادية السياسية منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" والشركات المتعددة الجنسية والاتحاد العالمي لنقابات العمال. وتعتبر الكنيسة الكاثوليكية في روما, وكذلك الوكالة اليهودية من الجماعات الضاغطة الدينية السياسية. ومن أمثلة جماعات الضغط السياسية الكومنترن والكومنفورم فيما مضى، وتنظيم الدولية الاشتراكية حاليا.
وباستخدام وسائل البحث الحديثة يمكن دراسة الجماعات الضاغطة في كل دولة. وليس كذلك الحال بالنسبة لاستقصاء تأثير هذه الجماعات على العلاقات الدولية١, والمنظمات الإقليمية والعالمية, إذ يصادف الباحث صعوبات جمة؛ لأن الجماعات الضاغطة القوية تمارس نشاطاتها كما سبقت الإشارة بشكل غير مباشر, وأحيانا بطرق خفية وملتوية, مستخدمة في ذلك شبكة معقدة من الاتصالات الشخصية مع القائمين بالسلطة أو طرقا متعددة للتأثير على الرأي العام لاستمالته إلى المواقف التي تخدم مصالحها, وذلك من خلال وسائل الإعلام العصرية المتقدمة.
ب- استعرضنا أعلاه كيفية الاستفادة من الخصائص العامة للجماعات الضاغطة كمدخل للبحث, وتناولنا أنواعها المختلفة وعلاقاتها المتبادلة والفروق الأساسية التي تميز
стр. 220
بينها وبين الأحزاب وبين الدولة كشخص من أشخاص القانون الدولي العام. ثم نستعرض فيما يلي بإيجاز أيضا كيفية الاستفادة من مداخل أخرى للبحث تتمثل في الدراسات التي اهتمت بالعلاقة بين الجماعات الضاغطة, وظاهرتي السلطة والنفوذ مع إبراز القوى المادية, والمعنوية التي تؤثر في صنع القرار.
تهتم الدراسات المتعلقة بالجماعات الضاغطة, بالتركيز على أسلوب استخدام السلطة والنفوذ غير الرسميين. وتحسن التفرقة بادئ ذي بدء بين حالتين: الأولى إذا اقترنت محاولة الفرد للتأثير في سلوك آخر بإمكانية توقيع الجزاء عليه. في هذه الحالة يمارس الفرد الأول سلطة, أما إذا لم تتوفر له تلك القدرة فإنه في هذه الحالة الثانية يمارس نفوذا فقط. ويمكن معالجة ذلك النوع من الدراسات تحت ثلاثة أقسام فرعية:
- دراسات تهتم بالعوامل الكامنة للسلطة والنفوذ.
- دراسات تهتم بالشهرة كمؤشر على تمتع البعض بالسلطة والنفوذ.
- دراسات تهتم بالسلطة, والنفوذ الواقعيين.
تتناول الدراسات في القسم الأول العوامل, أو القدرات الكامنة لدى الأفراد الذين يتولون السلطة أو يمارسون النفوذ. مثال ذلك الموارد المادية التي لديهم, أو المناصب التي يشغلونها كما هو الحال في أصحاب الثروات الضخمة أو المسيطرين على وسائل الإعلام أو زعماء الاتحادات والهيئات المختلفة كالغرف التجارية, والنقابات العمالية ... إلخ.
من الواضح أن هؤلاء جميعا يفترض أنهم يمتلكون القدرة المادية, أو يحتلون مراكز عامة وحساسة تمكنهم من ممارسة الإقناع والإكراه أو كليهما معا. بهذا الشكل يمكن أن يعزى قرار لمسئول حكومي استنتاجا بأنه نتيجة السطوة, أو النفوذ الذي مارسته عليه هيئة خاصة, أو نقابة ما.
ومن المفيد علميا وعمليا حسن تقييم الأداة الرئيسية التي تستخدمها الجماعات الضاغطة في عالمنا المعاصر للحصول على التأثير المطلوب المؤدي إلى
стр. 221
صنع قرارات تتمشى ومصلحتها، تلك الأداة الرئيسية تتمثل في العامل الاقتصادي الذي تتم ممارسته وفقا لمصلحة الجماعة الضاغطة, وللظروف المحيطة من حيث الرغبة في تحريك ردود فعل معينة, أو تجنبها.
وتعد الانتخابات الأمريكية للرئاسة أحد الأمثلة على ذلك من حيث محاولة المرشح الجمهوري الحصول على تأييد الجماعات الضاغطة المكونة من رجال الأعمال لضمان الحصول على ترشيح حزبه كممثل له في تلك الانتخابات. بالمثل يحاول المرشح الديمقراطي جمع تأييد الاتحاد العام لنقابات العمال كعنصر هام يضمن ترشيح الحزب الديمقراطي ليمثله في الانتخابات١.
في القسم الثاني، تتناول الدراسات آراء عدد من الأفراد المرموقين ممن يطلق عليهم عادة الدوائر المطلعة, والذين يطلب منهم تحديد الشخصيات التي يرون أنها في مركز السلطة والنفوذ في مجتمع ما، أي: إن تلك الشخصيات سيتم تحديد مدى تمتعها بالنفوذ والسلطة بمقدار ما تحظى به من شهرة٢.
في القسم الثالث، تتناول الدراسات السلطة والنفوذ الواقعيين للجماعات الضاغطة. قد تكون هناك دراسة توضح كيف, أو إلى أي مدى استطاعت جماعة من تلك الجماعات التأثير في صنع قرار أو مجموعة من القرارات
стр. 222
المختلفة١. كما قد تجرى دراسة أخرى تتضمن محاولة لبحث تاريخ قانون ما, أو الموافقة على صرف إعانات ضخمة نتيجة لضغوط جماعات معينة في المجلس النيابي مثلا، وبحث مدى السلطة والنفوذ غير الرسميين اللذين تمت ممارستهما لإصدار القانون أو تقرير الإعانة، والوسائل المشروعة وغير المشروعة التي اتبعتها الجماعات الضاغطة في هذا المجال.
من أوضح الأمثلة على ذلك السطوة غير العادية للجماعات الصهيونية واليهودية على السواء٢, وما تمارسه من وسائل الإغراء والإرهاب ضد أعضاء مجلس الكونجرس الأمريكي لإكراههم على اتخاذ مواقف تتعارض تماما مع المصالح الأمريكية, وخاصة في الشرق الأوسط وتتفق مع المصالح التوسعية, والعنصرية الضيقة لإسرائيل.
٢- العوامل الذاتية لصانعي القرار:
تختلف الدراسات هنا من حيث الطبيعة, والمجال عنها بالنسبة للدراسات الأخرى حيث يعتمد على تاريخ حياة المسئولين وخلفياتهم وسلوكهم. ويرى أنصار التحليل النفسي أن الحصول على تقرير عن الحالة العقلية لشخص ما قد يغني عن تاريخ كامل لسيرته, اكتفاء بتعرية الدوافع الكامنة لديه.
لم يجد ذلك المدخل تأييدا عاما بين علماء السياسة, وإنما تعرض لنقد شديد بسبب خلطه بين أشياء ومستويات مختلفة. فمثلا في حالة توجيه أسئلة عن الأسباب التي دعت الزعيم الروسي لينين إلى تطوير الماركسية, ووضع نظريات جديدة للقضاء على النظام القيصري بالأسلوب الثوري, وليس عن طريق الانتخابات
стр. 223
بالمفهوم الغربي, ثم الاشتراك في صنع القرارات التي أدت إلى ثورة أكتوبر الاشتراكية وتأسيس الاتحاد السوفيتي، لا يكفي للإجابة على كل ذلك القول بأن الدوافع الكامنة لديه كانت هي حكم القيصر بالإعدام شنقا على شقيق لينين. تمثل تلك الإجابة تبسيطا ساذجا للحقيقة لا يقبله البحث العلمي. ورغم أنه لا بأس من معرفة الجذور النفسية والظروف العائلية, إلا أنه لا بد من تحليل ودراسة جوهر نظرياته ومدى صحتها وفعالياتها. إنه من غير المعقول منطقيا في رأي بريشت دحض نظريات, أو اكتشافات علمية اعتمادا على روايات وأقاصيص عن حياة الصبا أو التجارب السعيدة أو التعسة في حياة هذا أو ذاك من العلماء والمفكرين١.
هناك دراسات أخرى تركز على عدد كبير نسبيا من الأفراد الذين يكونون الصفوة في المجتمع كأعضاء المجلس التشريعي, أو قضاة المحكمة العليا. في هذه الحالة، يتم استقصاء صفات معينة كالوضع الطبقي والجذور العرقية والسن والتعليم والانتماء الديني والتدرج الوظيفي أو المهني ومستوى الدخل والميول الأيديولوجية. من البديهي أن مثل هذا الاستقصاء لا يجدي في حالة اشتراك أعداد غفيرة في صنع القرار كالناخبين مثلا. ولا مناص في هذه الحالة من الالتجاء إلى أسلوب المسح عن طريق العينة٢.
стр. 224
تفيد الدراسات من هذا القبيل في تحقيق هدفين؛ فهي تزودنا بمعلومات عن نوعية الأشخاص الذين يشتركون عادة في الانتخابات, أو نوعية هؤلاء الذين يشغلون عادة مراكز قيادية في العمل السياسي أو الحكومي. كذلك تساهم تلك الدراسات في تفسير السلوك السياسي, والتنبؤ به.
من الواضح أن التوقعات التي نعلقها على مثل تلك الدراسات يمكن أن تتحقق إذا كان موضوع الاستقصاء فردا أو أفرادا قليلين، وبشرط أن تكون المعلومات المطلوبة متاحة. أما حيث تكون هناك أعداد غفيرة, فإن الاعتبارات العملية تفرض قدرا أكبر من انتقاء المعلومات المطلوبة.
معنى ذلك أنه في هذه الحالة الأخيرة لا يمكن البحث في أهداف, أو قواعد تعتبر خاصة بكل واحد من هؤلاء, وإنما الشائع هو الأخذ بالمعلومات التي يسهل الحصول عليها رغم أنها قد لا تكون هامة بالنسبة لكل أنواع القرارات. وإذا كانت المعلومات صالحة كأساس للتنبؤ, فإن الأرجح أن يغلب عليها الطابع النسبي والاحتمالي. لهذا, فقد نستطيع التنبؤ بأنه من كل ١٠٠٠ شخص أن ٦٠٠ منهم سيتخذون قرارا معينا, رغم استحالة التنبؤ بالقرار الذي سيتخذه كل واحد منهم على حدة.
يضاف إلى هذا ازدياد عدم القدرة على التنبؤ بسلوك فرد ما, إذا لم يدرج بالبيانات ما قد يطرأ على وضعه ودوره في المجتمع. فالشخص الذي أصبح عضوا في البرلمان, أو قاضيا قد يستمر, أو لا يستمر في التأثر في مركزه الجديد بنفس العوامل التي كانت تؤثر فيه سابقا، أو يتأثر بالعوامل التي تؤثر عادة في أفراد في مثل وضعه المادي باستثناء مركزه الجديد. بينما قد يعرض المركز الجديد هذا الشخص لضغوط وتوقعات جديدة, ويفتح أبعادا أخرى أمامه مما ينتج عنه سلوك أكثر اتفاقا مع الوضع, أو الدور الجديد.
هذا, ويجمع بعض الباحثين بين المدخلين السابقين في مدخل واحد. فبدلا من التركيز على استقصاء خلفية وظروف صانعي القرارات أو قوة وثقل
стр. 225
الجماعات الضاغطة، فإن المدخل الجديد الذي تركز عليه الدراسات هو على أفراد يشتركون في عملية صنع قرارات معينة. وقد تم تطبيق ذلك المدخل بأشكال مختلفة سواء تلك المرتبطة بتجارب حية من واقع الحياة, أو بتجارب معملية. ولا ننسى أن نسبة عالية من الكتابات القديمة والمعاصرة في السياسة ونظم الحكومات عالجت عملية صنع القرار، كما أن بعض الدراسات المتقدمة حول السلوك الانتخابي هي دراسات في صنع قرارات معينة عن طريق أخذ العينات, وعمل النماذج التوضيحية١.
إن أكثر الدراسات تحليلا لهذا المدخل هي دراسة ريتشارد سنايدر التي رغم اهتمامها الأساسي بالسياسة الدولية, فإنه يمكن تطبيقها أيضا في السياسة الداخلية٢.
يرى سنايدر أن اللجوء لهذا المدخل يستلزم أولا وبداهة اختيار القرار موضوع البحث, وهو قرار يفترض أنه قد تم اتخاذه بالفعل, وأن الهدف هو التفسير وليس التنبؤ. جنبا إلى جنب مع اختيار القرار يتم تحديد الجهة التي صنعته, سواء أكان فردا مسئولا أو وكالة حكومية أو الحكومة بأكملها.
لكي تبدأ عملية تفسير القرار يلزم معرفة الوضع, والإطار التنظيمي الذي اتخذ في ظله ذلك القرار مع الإحاطة بالسمات المركبة التي قد ترتبط بذلك
стр. 226
الإطار. مثلا يستدعي صنع القرارات الهامة في السياسة الخارجية أن نأخذ في الاعتبار كمية ضخمة من المعلومات الخاصة بعدد من الدول في المجالات السياسية, والاقتصادية, والعسكرية.
أما إذا افترضنا أن عملية صنع القرار تمس عددا من الأشخاص, فإن أسئلة لا بد وأن تثار حول الدوافع ومجالات اختصاصاتهم وشبكة الاتصالات والإعلام المتاح. يكمل ذلك أن البيانات التي يحتاجها البحث في معظم الطرق المعروفة المشار إليها, يحتاج إليها أيضا ذلك المدخل الذي يركز على الأشخاص في عملية صنع القرار.
من الواضح أن هؤلاء الأشخاص قد يتأثرون بنشاطات جماعات الضغط, وأن النتائج التي سيصلون إليها قد تكون محكومة بأوضاعهم, وظروفهم الخاصة مما يمكن معه تصنيف المدخلين السابقين اللذين تناولا عملية صنع القرار ضمن هذا الأخير. هذا. وقد تكون الرغبة في السلطة من بين الدوافع التي تتضمنها عملية صنع القرار تماما, كما هو الحال بالنسبة لبعض المعلومات التي قد تكون لها علاقة به كالمعلومات السيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية, أو الإطار القانوني, أو العرفي الذي تتم داخله هذه العملية.
تكمن نقطة الضعف الرئيسية لهذا المدخل في طابع الشمول الذي يتصف به. فإذا تم فعلا دراسة القرارات بالشكل الشامل الذي يقترحه تحليل سنايدر، فإن عددا قليلا نسبيا من تلك القرارات هي التي سيكون ممكنا عمليا وضعها قيد البحث. ولا يساعد الإطار الذي يقترحه على تبسيط وتسهيل المهام المطلوبة؛ لأنه يشير إلى احتمال ارتباط قدر كبير من البيانات بالقرار, دون تقديم معايير للاختيار بينها.
وإذا سلمنا بأن عملية التفسير العلمي يجب أن تكون من الناحية الواقعية عملية انتقائية, لتبين لنا أن الإطار الذي يضعه سنايدر يقترح وجهة نظر مضادة ترى أن يغطي الشرح والتفسير كل شيء. وفي هذا المجال قد يكون مفيدا
стр. 227
الإشارة إلى رأي هيربرت سايمون بأن القرار هو "وحدة ضخمة جدا للتحليل, وأنه يجب تقسيمه إلى الفروض المكونة له"١.
٣- نظرية اللعبة Game theory:
يمكن تعريف تلك النظرية التي وضعها فون نيومان بأنها مجموعة من العمليات الرياضية التي تهدف إلى إيجاد حل لموقف معين يحاول فيه الفرد جاهدا أن يضمن لنفسه حدا أدنى من النجاح عن طريق أسلوبه في المعالجة رغم أن أفعاله وأسلوبه لا تستطيع تحديد نتيجة الحدث بشكل كامل, وإنما مجرد التأثير فيه٢.
ويلجأ بعض العلماء إلى هذه العمليات الرياضية كوسيلة مستحدثة في دراسة عملية صنع القرار حيث يشبهون صانعي القرارات باللاعبين في بعض ألعاب التسلية كالشطرنج, والبوكر, والبريدج. وكما أن تصرفات هؤلاء اللاعبين تخضع لقواعد وحسابات دقيقة، فإن تصرفات صانعي القرارات تخضع أيضا لقواعد وحسابات يمكن دراستها بمنهج رياضي, يساعد على التنبؤ بما ستكون عليه قراراتهم, وما ستكون عليه نتائج هذه القرارات.
ويتشابه اللاعبون وصانعو القرار في وجود قدر معين من التعاون, والتنازع يسمح بإجراء المقارنة بين العمليتين, فالمشاركون في لعبة البوكر مثلا يصطنعون طريقة الإيهام، ويتبادل لاعبو البريدج الإشارات. ويتطلب كل من الإيهام أو تبادل الإشارات معلومات تشبه تلك التي يحتاج إليها صانعو القرار قبل اتخاذ قراراتهم. وتتوقف اللعبة على نوع المعلومات المتبادلة تماما كما يتوقف
стр. 228
القرار السياسي على المعلومات التي تتوفر لصانعي القرارات في تعاونهم, أو تنازعهم قبل التوصل إلى قراراتهم. كما يتشابه الطرفان أيضا في حرية الحركة الناتجة من القدرة على الإيهام والتكتل والتواطؤ والمساومة، ومن ثم يتوقف نجاح اللاعب أو صانع القرار على إتقانه لتلك الأساليب.
أي: إن النظرية هي عبارة عن محاولة لإيجاد حل بالمعادلات الرياضية لمشكلة اختيار الإستراتيجية المثلى "للاعب" مع أخذ التصرفات المحتملة لخصمه, أو خصومه في الاعتبار. وحيث يكون هناك أكثر من خصم, فإن الإستراتيجية الممكنة هي عمل توفيق أو اتفاق بشرط ألا يكون ذلك ممنوعا بحكم قواعد اللعبة.
ورغم أن تلك النظرية يمكن استخدامها لتحليل ألعاب التسلية البحتة كالبوكر، فإن أهميتها للمتخصصين في العلوم الاجتماعية تكمن في التشابه بين ألعاب التسلية التي تشتمل على وضع إستراتيجية, وبين كثير من مواقف الحياة الواقعية التي يدرسها هؤلاء المتخصصون. مثال ذلك المشاكل الاقتصادية للتسعير في ظل المنافسة غير الكاملة, وكذلك مشاكل المساومة الجماعية.
تشير كلمة اللعبة في هذه النظرية إلى مجموعة الاصطلاحات والقواعد المتبعة في اللعب, وليس لعملية اللعب الفعلية ذاتها. من ناحية أخرى, تعتبر النظرية مدخلا لبناء نموذج يهدف إلى توضيح الخاتمة التي قد تنتهي إليها مواقف الصراع. لهذا يرى البعض أن النظرية نموذج لمواقف الصراع بين أناس متعددين حيث تكمن الوسائل الرئيسية للحل في التواطؤ, أو التوفيق١.
ويهدف دارسو هذه النظرية إلى تطوير خطة قد تساعد صانعي القرار على اختيار مشروع عمل وإستراتيجية لمواجهة موقف يتضمن نوعا من المنافسة
стр. 229
أو الصراع مع اللجوء إلى التبسيط, على أمل أن يتيح ذلك سلامة إدراك الموقف, والذي يتعذر تحقيقه بغير ذلك.
هذا التبسيط يمكن أن ينعكس في افتراض وجود عدد ضئيل جدا من الأحزاب في حلبة الصراع -اثنين أو ثلاثة عادة- وأن البدائل المطروحة للاختيار أمام كل حزب ضئيلة أيضا، وأن الأهداف التي يسعى إليها كل حزب أو المعايير التي تأخذ بها تلك الأحزاب في الحكم على الأشياء معروفة للجميع. وحيث إن بعض اللعبات -كالبوكر مثلا الذي سبقت الإشارة إليه- تتضمن شكلا مبسطا من المواقف التي تقتضي صنع القرار، فإن دراسة المشاكل أخذت تميل إلى مثل هذه اللعبات, وأصبحت المادة كلها تسمى نظرية اللعبة١, أي: نظرية القواعد والضوابط التي يؤخذ بها في مثل تلك المواقف, أو بالقياس عليها.
لقد أصبح هذا المدخل الخاص بدراسة مشاكل الصراع والإستراتيجية مستعملا أيضا في المناقشات النظرية السياسية الدولية, والتخطيط العسكري رغم عدم وجود اتفاق بين المعنيين على إمكان تحقيقه لأية فائدة عملية. فمثلا لخص أحد علماء الاجتماع الفكرة الأساسية في النظرية في معرض دراسته لدور العسكرية الأمريكية بقوله: إنه إذا حدثت تحركات أمريكية حفزت الخصم إلى تصرف معين وترتب على ذلك ردود فعل أمريكية, فإنه عن طريق أخذ ردود الفعل تلك في الاعتبار يمكن رسم إستراتيجية تهدف إلى دفع الخصم, أو إرغامه على اختيار أسلوب عمل مناسب للسياسة الأمريكية.
رغم ذلك, فإنه يصر على أن وضع نظرية اجتماعية للعلاقات الدولية مبنية على نظرية اللعبة تلك, يبدو وكأنه أمل لا يمكن تحقيقه؛ لأن الأخيرة لم تذهب في مجال وضع الفروض والمفاهيم إلى أبعد من مجرد الاعتماد على الحدس في
стр. 230
إصدار أحكام صائبة على الأشياء١.
حتى علماء السياسة أنفسهم نجد أن عددا قليلا جدا منهم هم الذين أقبلوا على العمل بتلك النظرية, سواء في مجال تطويرها, أو تطبيقها. لهذا, وعلى ضوء ما سبق فقد يكون من السابق لأوانه إلى حد كبير الحكم على مدى فائدة الاستعانة بمدخل للبحث يعتمد على تلك النظرية٢.
стр. 231
المبحث السادس: الأهداف والوسائل
يعتبر السعي وراء تحقيق الأهداف, واستخدام الوسائل من السمات البارزة للسياسة تماما, كما هو الحال بالنسبة لصنع القرار مما يوضح إمكانية اللجوء إلى مدخل للبحث يعتمد على التحليل إلى أهداف ووسائل. يرتبط المدخل في هذه الحالة برغبات وأهداف الأفراد على المسرح السياسي، وأسباب النشاط السياسي, والوسائل المستخدمة.
إذا قيل: إن واقعة ما أو وضعا معينا يجب أن يكون هدفا، فإن ذلك الحكم يتعلق بقيمة من القيم. أما إذا قيل عن وسيلة محددة: إنها فعالة في الوصول إلى هدف ما، فإن موضوع البحث في هذه الحالة يكون تأكيدا لحقيقة.
وتعتبر التعبيرات ذات طبيعة معيارية إذا أصدرت أحكاما تتناول قيمة من القيم، وتكون ذات طبيعة وصفية إذا تعلقت بحقائق، بينما تكون إرشادية
стр. 232
إذا احتوت على عناصر تشمل الجانبين الوصفي والمعياري. أي: إنها في هذه الحالة الأخيرة توصي بالوسائل التي يجب اتباعها لتحقيق الهدف الفرضي١.
إن الشرط الأساسي في التحليل إلى أهداف ووسائل هو ضرورة توفر الوضوح الكامل حول موضوع الدراسة, وهل هو هدف أو وسيلة؟ أي: ضرورة توضيح ما إذا كانت البيانات المقدمة معيارية, أو وصفية, أو إرشادية.
تنبع أهمية التمييز بين هذه الأشكال الثلاثة من حاجة كل منها إلى تعليل وأدلة للإثبات. فمن وجهة نظر وضعية يتعذر دحض أو إثبات صحة ومعقولية التعبيرات المعيارية, حيث إنها تعكس عاطفة أو إرادة أو تذوقا أي: تمت بمحض إرادة ذاتية. أما التعبيرات الوصفية فهي مبدئيا يمكن إثباتها أو دحضها وتخضع للاختبار وتحتاج إلى الأدلة التي تدعمها. في حالة التعبيرات الإرشادية, فإنها تقسم إلى مكوناتها المعيارية والوصفية, ويعالج كل منها بالطريقة الملائمة.
قد يحدث خلط في مفهوم التقسيم الذي يجريه البعض للأهداف, حيث تقسم إلى أهداف مباشرة ووسيطة ونهائية٢. وهناك تفسيران لذلك: الأول هو أن من يتبنون هذا التقسيم قد يسلمون بأن أيا من الأهداف التي يسمونها مباشرة, أو وسيطة يمكن اعتبارها كوسائل بالتبادل. أكثر من ذلك فإنهم إذا كانوا يستعملون كلمة نهائية بشكل فضفاض, فقد يسلمون أيضا بأن ما يسمونه أهدافا نهائية يمكن تصنيفها بدلا من ذلك كوسائل. أما إذا كان هناك حذر من إطلاق هذه المصطلحات بشكل فضفاض, فإن الخلط يمكن تجنبه.
التفسير الثاني هو أن الباحثين قد يرون عدم وجود أساس حقيقي للتمييز بين الأهداف والوسائل؛ نظرا لشدة ارتباطها. فمعظم الأحداث والأوضاع
стр. 233
هي في الواقع أهداف, ووسائل في نفس الوقت. نحن نريدها من أجل ذاتها -أي: ننظر إليها كهدف- وفي نفس الوقت نريدها لمساهمتها في تحقيق شيء آخر, أي: ننظر إليها هنا كوسائل.
من هذا المنظور، ليس هناك شيء يمكن اعتباره ببساطة كوسيلة، وعليه فإنه لا أساس للتفرقة بين الأهداف والوسائل. بدلا من ذلك, فإن كل شيء يمكن معاملته كهدف أو كقيمة، والأهداف والقيم يمكن تصنيفها كقيم تستخدم كأداة من ناحية، وقيم هدفية أي: تؤخذ كأهداف من الناحية الأخرى١.
هذه النظرة الديناميكية للعلاقة بين الوسائل والأهداف, أو الأسباب والنتائج سبق أن توصل إليها العلامة الكبير عبد الرحمن بن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي. لم ينظر ابن خلدون إلى الوسائل والأهداف نظرة إستاتيكية كأن يظن مثلا بأن الوسائل تظل دائما وسائل, والأهداف دائما أهدافا.
إن المغزى الحقيقي لإسهام ابن خلدون لا يمكن تقديره تماما ما لم يتم الكشف عن علاقة عامل إضافي وديناميكي بموضوع البحث. لا نعني بهذا العامل مجرد الاعتراف بفضله في اكتشاف أسلوب التحليل إلى وسائل وأهداف, أو أسباب ونتائج.
إن ما يجتذب الاهتمام حقيقة إلى المقدمة هو أننا لا يمكن أن نجد فيها الوسائل في جانب, والأهداف في جانب آخر. مثل هذا الاستقطاب غريب على فكر ابن خلدون الذي لا يعرف ذلك التجريد الأجوف.
خلافا لذلك، بدت له العلاقة بين الخلفية الاقتصادية وتأثيرات عناصر العمران كعملية مترابطة تمام الارتباط, تتحرك باستمرار على شكل سلسلة من ردود الفعل المتبادل. يضاف إلى هذا أنه لم يعامل عناصر العمران كقوة ذات
стр. 234
فعل متساوٍ لها نفس الأثر في سير الأحداث, وهو ما يمكن ملاحظته على وجه الخصوص بالنسبة لآرائه في الدين التي تشغل أحيانا قلب المناقشة.
إن الميزة الكبيرة لكتابات ابن خلدون هي طابعها العلمي الذي يستبعد إمكان تمتع أي عامل بمفرده بطبيعة أو صفة مطلقة, ويفترض بدلا من ذلك وجود تأثير نسبي, وردود فعل متبادلة١.
من الأمثلة المتعددة على ذلك في مقدمته شرحه للعلاقات المتشابكة التي تربط بين طريقة المعيشة وأسلوب الفكر وانتشار العلوم. فكل تطور مادي يأتي معه برد فعل مماثل في العلاقات الاجتماعية، ومناهج سلوك متباينة تجاه المسائل الزمنية والدينية.
هذا التطور المادي سيؤدي إلى زيادة في المهن وفي تقسيم العمل. وكل مهنة تؤثر في النفس والذهن, وتفتح آفاق العقل. يشجع هذا على زيادة انتشار العلوم وازدهارها الذي يزيد الإنسان بالتالي "ذكاء في عقله, وإضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنفس"٢.
لا نستطيع أن نعثر في هذا التحليل الديناميكي على أي فصل تحكمي بين الوسائل والأهداف. فإذا كان تقدم العلوم والمعرفة هو نتيجة لسبب مادي, أي: إذا كان الوصول إلى الهدف تم بوسيلة مادية, فإن نفس هذه النتيجة أو الهدف تلعب دور الوسيلة في مرحلة أعلى هي تغيير, وتهذيب أسلوب التفكير.
ولا تتوقف سلسلة ردود الفعل المتبادلة عند هذا الحد؛ لأن الفكر المتطور الذي جاء نتيجة لتفاعل سابق يلعب الآن دور السبب, أو الوسيلة فيصير حافزا
стр. 235
على إشباع حاجات مادية جديدة, وحياة مرفهة تتناسب مع ما وصل إليه صاحب ذلك الفكر من تطور.
من الأمثلة الأخرى التي يمكن أن تعزز ذلك الفرض وضع العصبية في كل من مجتمعي البداوة والحضارة. ففي مجتمع البداوة نلاحظ أن طبيعة الحياة الخشنة, وشظف العيش يطبع العصبية بعدة صفات أهمها أنها قوة موحدة, كلها نشاط وحيوية, وقادرة على الدفاع عن الجماعة والسعي من أجل تحقيق أهدافها ضد العصبيات الأخرى والقضاء على الخلافات الداخلية بين أفرادها، والعمل كأداة من أجل دفع عجلة التطور نحو شكل أرقى من أشكال الحياة المادية.
وبينما تعتبر العصبية بهيكلها القوي, وخصائصها التي تتسم بالحيوية, ودورها الكبير في إحداث التغييرات, نتيجة مترتبة على هذا النوع من الحياة الصعبة في ظل البداوة، فإن العصبية نفسها وعندما تتهيأ الظروف الموضوعية تلعب دور السبب أو الوسيلة, وتصبح أداة للتغيير, وذلك بالقضاء على نفس هذه الظروف التي خلقتها عندما تقوم الجماعة بفضل عصبيتها بالقضاء على دولة ضعيفة مجاورة, وإقامة حكم جديد محلها يتخلى عن الحياة البدوية وينتقل إلى الحياة الحضرية. ثم تحدث سلسلة أخرى من ردود الأفعال في ظل الحضارة وهكذا ... ١.
هذا, ويجب التحذير بأن المقصود ليس الاستغراق في فوضى شاملة يتعذر معها التمييز بين الوسائل والأهداف أو الأسباب والنتائج، وإنما المقصود هو معرفة أنه وإن كانت طبيعة التحليل والدراسة تقتضي الوضوح ومعالجة كل شيء في موضعه منعا للبس, فإنه في ظل الواقع يحدث إحلال وانتقال بينها بشكل دائم.
стр. 236
إن الميزة الأساسية لهذا المدخل هي التركيز على طبيعة الاختيار في السلوك الإنساني. ورغم أن مداخل البحث التي أشرنا إليها أعلاه تسمح بمثل هذا التركيز والتأكيد, فإنها لا تذهب في ذلك إلى هذا الحد من الوضوح. وهناك العديد من المؤشرات التي تثبت كيف أن أهداف الإنسان يمكن أن تتوارى بسهولة في الخلفية, وربما تختفي تماما عن الأنظار عندما تكون بؤرة الاهتمام هي المؤسسات أو القوانين أو السلطة.
تعالج المؤسسات مثلا كهياكل ميكانيكية, أو ككائنات حية لها أهدافها الخاصة بها. والقانون ينظر إليه كشيء يخضع له الإنسان بمقتضى الإرادة الإلهية أو الطبيعة أو العدالة. وتعالج السلطة السياسية كما لو كانت الوسيلة, أو الهدف الأوحد.
إن إضفاء الصفة المادية على المجردات, واحتمال وقوع العقل في الخطأ يمكن تجنبهما باستخدام مدخل للبحث يركز الانتباه على الإنسان الذي يستخدم وسائل يقوم باختيارها بنفسه من أجل تحقيق أهداف, يقوم هو أيضا باختيارها بنفسه١.
ورغم أن مجالات تطبيق هذا المدخل لم تحدد بعد, فإن الحاجة إلى تطبيقه ستكون واضحة حيثما يسمح الموضوع بالتركيز على البشر في مجال حركتهم؛ لأنهم عندما يتحركون على المسرح السياسي فهم بالضرورة يسعون إلى تحقيق أهداف كما يلجئون إلى استخدام وسائل.
لهذا, فإن الباحث الذي يتبنى هذا المدخل له أن يختار بين عدة بدائل, منها التعريف بالناس الذين ترتبط أفعالهم بالموضوع المطروح للبحث، أو التعريف بالأهداف التي يسعون إلى تحقيقها، أو التعريف بالوسائل التي يستعملونها أو قد يستعملونها.
стр. 237
بمعنى آخر، فإنه يستطيع أن يصف الأهداف التي يسعون إليها, والعلاقات المتبادلة بينها على أن يتقيد في ذلك بما يراه هؤلاء الناس أنه أهداف. كما أنه يستطيع أن يمضي في شرحه, أو وصفه للوسائل أو القيود التي يتم في ظلها محاولة تحقيق تلك الأهداف. مثل هذا المدخل قابل للتطبيق في أي مجال, وعلى أي مستوى من مستويات النشاط السياسي.
стр. 238
الفصل الثامن: الفروض والنظريات
مدخل
...
الفصل الثامن: الفروض والنظريات
إذا كانت لدينا مشكلة أو ظاهرة سياسية ما وطرح بشأنها سؤال لتوضيحها، فإن "الفرض" Hypothesis هو الإجابة المقترحة على هذا السؤال. ويصلح الفرض في إقامة علاقة بين الأحداث الهامة, كما يساعد على اختيار الأحداث التي ستخضع للمشاهدة، وبذلك يسهم في كشف خطوات وإجراءات البحث.
بعد تجميع تلك الأحداث، يلعب الفرض دورا حيويا في عملية تفسيرها وبيان مغزاها، وفي حالة التحقق من صحته سواء بطريقة تجريبية أو بشكل منطقي، فإن الفرض يمكن أن يمثل عاملا محتملا في سلسلة الخطوات المؤدية إلى بناء النظرية.
اعتمدت مداخل البحث أعلاه على مصادر متعددة تناولنا منها العلوم الأكاديمية والظواهر والقوى السياسية, ووجدنا أن كل تلك المداخل تزود الدارس بمعايير وضوابط عامة لانتقاء الموضوعات, أو المشاكل التي يبحثها واختيار المعلومات المرتبطة بها. كلها إذًا تعكس أو تقترح مفهوما لما يجب اعتباره عاما في أية محاولة لفهم مسار الأحداث السياسية والتنبؤ بها أو السيطرة عليها. أي: إنها تشير بشكل عام إلى أفكار ومعلومات يفترض أنها هامة, وذات مغزى بالنسبة لموضوع الدراسة.
إن الفرق بين ما سبق, وبين الفروض التفسيرية والنظريات السببية التي قد تستخدم كمداخل للبحث, هو فرق كمي وليس كيفيا, حيث إن كل المداخل
стр. 239
تعكس أو تقترح مفاهيم بما يعتبر هاما, وإن كانت الفروض تقوم بذلك بشكل أكثر وضوحا.
فبينما يقتصر المدخل المرتبط بأحد العلوم الأكاديمية على الإشارة إلى حقل البحث والمعلومات المختلفة المرتبطة به, فإن المدخل الذي يجد تعبيرا عنه في فرض, أو نظرية يشير إلى نوع أكثر تحديدا من المعلومات, وإلى طريقة محددة في ترتيبها.
يمكن إعطاء مثال على الحالة الأولى بالمقولة التي تذهب إلى أن أسباب الحرب إما أن تكون اقتصادية, أو نفسية حيث نلاحظ أن الإشارة واضحة إلى معلومات ترتبط بعلوم أكاديمية. في الحالة الثانية نجد مقولة أخرى تذهب إلى أن الرأسمالية على وجه التحديد هي التي تسبب الحرب.
هذه المقولة المحددة تساعد على توجيه الاهتمام بقدر أوضح إلى موضوع بعينه, واختيار المعلومات اللازمة للدراسة. بمعنى أن النظرية السببية, أو الفرض العام يطبق على ما قد يطرأ من حالات محددة١.
ولا بد من التنويه بأنه رغم وجود علاقة بين بعض الاعتبارات التي سنذكرها فيما يلي, وبين مثيلاتها التي تم تناولها في إطار العلوم الأكاديمية كالجغرافيا والاقتصاد, فإن اختلافات ستتكشف عند الدراسة. ويمكن تجميع الفروض التفسيرية والنظريات السببية -إذا اعتبرت مداخل للبحث السياسي- في عدة فئات وفقا لمدى التركيز النسبي على التأثيرات البيئية, أو الاعتبارات الأيديولوجية.
стр. 240
المبحث الأول: مداخل بحث تركز على التأثيرات البيئية
وتنقسم إلى المداخل الجغرافية, والمداخل الاقتصادية:
١- مداخل البحث الجغرافية:
نستعرض فيما يلي الدراسة الواسعة التي قام بها اثنان من العلماء تناولا فيها الفروض التي تركز على التأثيرات الجغرافية ذات العلاقة بالسياسة١. وليس المقصود بالطبع ذلك النوع من النظريات المتطرفة مثل نظرية ماكيندر التي تعطي أهمية أكثر من اللازم لما أسماه بقلب الأرض "بعض أراضي الاتحاد السوفيتي, وبعض المناطق الواقعة جنوبه وغربه"، وإن من يسيطر على ذلك القلب يتحكم في جزيرة العالم "أوروبا وآسيا وإفريقيا" ومن يسيطر على جزيرة العالم يتحكم في العالم كله٢.
ليس المقصود أيضا ذلك النوع من النظريات الأخرى التي ترى أن كل القرارات الإنسانية وما يتمخض عنها من نتائج إنما تقررها الطبيعة عن طريق توزيعات المناخ والموارد على سطح الكرة الأرضية، ومثلها أيضا اعتبار الطبيعة ككائن حي له أهدافه الخاصة به, ويمتلك القدرة على التحكم في مصير الإنسان.
أما الحقيقة فهي أن عوامل أخرى -وليست الاعتبارات الجغرافية فقط- يستعان بها للإجابة على أي تساؤل يثار حول السلوك الإنساني. من تلك العوامل الرغبات وأهداف الناس والقيم الأثيرة لديهم. لهذا فإن الآراء التي ترى أن
стр. 241
الجغرافيا تحدد شكل السياسة الخارجية, أو أي نوع آخر من السلوك هي آراء خاطئة, وهذا يفسر الميل للابتعاد عن الاعتبارات الجغرافية البحتة, والأخذ بالمجال الأوسع للبيئة.
نعني بالبيئة أو الوسط كل العوامل خارج الإنسان, والتي لها علاقة بسلوكه وحالته ووضعه، وتشمل كلا من الظواهر الطبيعية وغير الطبيعية للإنسان كالظواهر الجغرافية والاقتصادية والسياسية. فبيئة شخص ما تشمل كل مواقف وتوقعات وممارسات الأشخاص الآخرين الذين يرتبط سلوكهم بأي شكل بسلوكه.
ينصرف التعريف السابق إلى البيئة كما هي موجودة في الواقع, وكذلك إلى البيئة المكونة من أفراد وإن كان ممكنا تناول جماعة من الجماعات أو وجود سياسي ما كوحدة قائمة بذاتها, لها بيئتها ووسطها.
ولقد أدى التأكيد على الدور الذي تلعبه البيئة إلى عدة فروض منها "الإمكانات البيئية" بمعنى أن البيئة تضع حدودا لما يمكن أن تفعله. وهناك الفرض الآخر وربما الأدق, وهو إدراك الفرد إدراكا سليما لإمكانيات البيئة, وبالتالي تمتعه بقدرة أكبر على اختيار أساليب العمل المجدية, وكذلك القدرة على التنبؤ بنتائج أساليب العمل التي ينتهجها الآخرون وتفسيرها.
هناك أيضا "الاحتمالات البيئية" والتي تشير إلى فروض متنوعة تتناول العديد من الاحتمالات حول ما إذا كان قرار ما سيتم اتخاذه مثلا أو واقعة ما ستحدث أو نتيجة سيتم تحقيقها ... إلخ. ومن الواضح أن تلك الفروض تقتضي بحث الكثير من المعلومات البيئية علاوة على ما قد يكون للمعلومات الجغرافية والنفسية والأيديولوجية والاقتصادية من علاقة بالموضوع.
هنا تكمن نقطة الضعف الرئيسية لهذا المدخل -شأنه في ذلك شأن المدخل الذي يعتمد على عملية صنع القرار- وهي أنه لا يقدم إلا مساعدة ضئيلة في اختيار الأسئلة الواجب طرحها والمعلومات المتعلقة بالموضوع.
стр. 242
إن ما يعاني منه الباحث هنا ليس فقط أن البيئة كلها أصبحت مجالا للبحث، وإنما احتياجه أيضا إلى دراسة التصورات المكونة عنها. ولا شك أن اتساع وشمول ذلك المدخل يضطر من يتبناه إلى الاستعانة بمدخل آخر للبحث, يكون أكثر وضوحا في تزويد الدارس بمعايير الاختيار.
ثم يضيف العالمان نوعا ثالثا من الفروض البيئية, وهو ما أسمياه "السلوك الإدراكي" والتي تعكس في رأيهما المبدأ القائل بأن معرفة الشخص بالوسط هي التي تؤثر في سلوكه, وليس الوسط نفسه. أي: إن تصوره للوسط هو الذي يؤثر في صنع القرار١.
٢- مداخل البحث الاقتصادية:
يحلق اسم كارل ماركس في هذا المجال فوق كل المفكرين الذين ارتبطت أسماؤهم بطرق البحث الاقتصادية، رغم أن كثيرين من هؤلاء الذين جاءوا قبله٢ وبعده عبروا عن وجهات نظر مشابهة من بعض الوجوه. وفيما يلي مناقشة لبعض نظرياته لمعرفة مدى إمكان الاستفادة منها كمعايير في تحديد الموضوعات, والمعلومات الهامة.
стр. 243
يرى ماركس أن طريقة إنتاج الوسائل المادية للمعاش تتحكم في كافة أشكال الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية. فوعي الإنسان ليس هو الذي يحدد وجوده, وإنما على العكس من ذلك فإن وجوده الاجتماعي هو الذي يحدد وعيه.
يضيف فردريك إنجلز زميل ماركس أن الأسباب النهائية لكل التغييرات الاجتماعية والثورات السياسية لا يجب البحث عنها في عقول البشر وإنما في التغييرات التي تطرأ على وسائل الإنتاج والتبادل. أي: إنه لا يجب البحث عنها في مجال الفلسفة, وإنما في اقتصاديات المرحلة قيد الدراسة١.
كان على الإنسان أن يتصارع داخل بيئة صعبة, وفي مواجهتها في نفس الوقت لكي يشبع حاجاته. وقد أشار ماركس في ذلك إلى أهمية الدور الذي تلعبه قوى الإنتاج بصفتها معبرة عن الظروف والمستوى الذي بلغته التكنولوجيا في كل عصر. وتعتبر قوى الإنتاج أساسية؛ لأنه عندما تتطور تلك القوى فإن علاقات المنتجين بها, وببعضهم البعض تتغير أيضا بالضرورة.
من ناحية أخرى، تمثل قوى الإنتاج البناء أو الهيكل السفلي الذي يقوم عليه البناء أو الهيكل العلوي للمجتمع, والذي يتكون من المؤسسات السياسية والعسكرية والقانونية والثقافية. ووفقا لما يراه ماركس فإن كافة أشكال السلوك
стр. 244
الإنساني تتأثر بشكل ما بالبناء السفلي أو القاعدة المادية، بمعنى أن أي تغير يطرأ على القاعدة لا بد وأن يؤدي إلى تغييرات لا يمكن تجنبها في الهيكل العلوي للمجتمع.
كان لكل من ماركس وإنجلز تصور محدد بالنسبة لتطور المجتمعات الإنسانية. فالتاريخ في نظرهما هو تاريخ صراع الطبقات، وفي كل المجتمعات القائمة والسابقة فإن العلاقات المترتبة على قوى الإنتاج تشمل تقسيم العمل وهو ما يعني أيضا وجود تقسيم للمصالح. وحيث إن البشر كائنات واعية قادرة على تغيير مصالحها, ومستعدة للصراع من أجلها, فقد انتظموا في طبقات وفق مصالحهم حيث تقاتل كل طبقة من أجل مصلحتها الخاصة١.
تستأثر الطبقة البرجوازية الحاكمة بالسيطرة على الحياة الاقتصادية والسياسية, مستخدمة في ذلك جهاز الدولة لزيادة أرباح الرأسمالية وحماية مصالحها. وتلجأ الحكومة لسلطة القانون وسطوة قوات الأمن في الداخل, وإلى الدبلوماسية أو الحرب في الخارج حيث تضمن لها تلك الوسائل استمرار الاستغلال الاقتصادي للآخرين وقهرهم سياسيا. كما تهتم الطبقة البرجوازية أيضا بالمؤسسات والأفكار التي يتكون منها البناء العلوي للمجتمع, فتشجع المذاهب السياسية والاتجاهات الدينية التي من شأنها تبرير سيطرتها, ومصالحها الطبقية.
تؤدي التطورات التكنولوجية المستمرة إلى تغييرات في قوى الإنتاج, مما يدعو إلى حدوث تغييرات في علاقات الإنتاج بالتبعية. أي: إن الهيكل العلوي يتغير لينسجم مع متطلبات القاعدة. خلال تلك العملية, فإن الطبقات التي تتعرض للاستغلال لا تصبح واعية فقط بمصالحها, وإنما أيضا بالوسائل الفعالة لتحقيقها.
على الجانب الآخر، تتعرض سلطة الطبقة الحاكمة للتهديد فتحاول الدفاع عن مركزها الممتاز بكل الطرق بما في ذلك العنف. لكن قوانين التطور التاريخي
стр. 245
تقف في وجهها, وتحدث عاجلا أو آجلا عملية إعادة تكيف في البناء العلوي للمجتمع لتلائم التغيرات في القاعدة.
قد يفيد هذا العرض الموجز في طرح بعض الأسئلة حول الانتماء الطبقي للأفراد الذين يلعبون دورا في الصراع السياسي، وأي جانب قد يتخذه كل منهم في ذلك الصراع. كما يوجه النظر أيضا إلى نوع المعلومات اللازمة, وكيف تتركز حول تحقيق المصالح الاقتصادية وحمايتها.
من الواضح أن البدائل التي يطرحها هذا المدخل يمكن تطبيقها على أنواع متعددة من المشاكل في أزمنة وأمكنة كثيرة. ونظرا لشموله, فإنه يزود الباحث بالعديد من الأسئلة التي يستطيع توجيهها والإجابات على أسئلة أخرى تتعلق بكافة مراحل الحياة السياسية تقريبا، ذلك أن الماركسية بناء فكري شامل.
ساعد ماركس -ولا شك- على تطور المعرفة وقدم مدخلا للبحث استفاد منه الكثيرون, إلا أن هناك نقدا لنظريته من وجهة النظر الليبرالية يذهب إلى أنه لا يمكن الاعتماد عليها في الدراسة؛ لأنها أصبحت نظرية هادية للعمل السياسي أكثر منها مجموعة من الفروض التي تنير الطريق أمام الدراسة السياسية.
والماركسية بصفتها نظرية هادية للعمل السياسي تحولت من وجهة النظر هذه إلى مذهب Doctrine إن لم يكن إلى عقيدة Dogma يدعمها معتنقوها المخلصون. فإذا حدث واتخذها هؤلاء كدليل في أبحاثهم, فإنهم سيميلون إلى صياغة دراساتهم بحيث تأتي النتائج مؤيدة لعقيدتهم مما يؤدي إلى الوقوع في الخطأ. رغم ذلك وجد بعض العلماء الليبراليين أنه في كثير من الحالات يمكن تحقيق فائدة كبيرة باستخدام المدخل الاقتصادي بالمفهوم الماركسي في الدراسات السياسية١.
стр. 246
على أنه لا بد من كلمة حق تقال في هذا المجال, وهي أن تلك المشكلة الأخيرة يعاني منها الباحثون بشكل نسبي, وبدرجات متفاوتة. بمعنى أنه يندر أن يتجرد هؤلاء في اختيارهم للمشاكل أو في أبحاثهم عموما من تأثير ولاءاتهم أو انتماءاتهم السياسية والدينية والاجتماعية, وإن ادعى كثيرون بغير ذلك، فالموضوعية في البحث العلمي -كما هو معروف- شيء نسبي١.
стр. 247
المبحث الثاني: مداخل بحث تركز على الاعتبارات الايديولوجية
مدخل
...
المبحث الثاني: مداخل بحث تركز على الاعتبارات الأيديولوجية
قبل أن يتبنى الباحث المدخل الأيديولوجي لا بد وأن يكون على دراية تامة, وبالتالي أن يحدد موقفه من الصراع المستعر بين اتجاهين ينادي أولهما "ممثلا أساسا في الفلسفتين الوضعية, والوضعية المنطقية" باستقلال العلم عن القيم وعدم الاعتراف بما يعجز المنهج العلمي عن إثبات صحته أو وجوده, بينما ينادي الثاني بدرجات متفاوتة بصعوبة الفصل بين الاثنين. ويندرج تحت هذا الاتجاه الماركسيون وبعض الليبراليين الذين اكتشفوا عقم الاتجاه الأول.
لقد تعرضت الفلسفة السياسية لأشكال كثيرة من الهجوم والنقد, وخاصة في أوائل القرن الحالي على أيدي المطالبين بالتحرر من سطوة القيم في الدراسات العلمية من أمثال ماكس فيير الذي وجدت كتاباته صدى كبيرا لدى عدد من علماء السياسة كأرنولد بريشت٢ الذي يعد من أبرز من عبر عن اتجاه
стр. 248
فيير القائم على ضرورة استقلال العلم عن القيم, أي: التمييز بين عمليات التفسير والتقييم في العلوم الاجتماعية, وما يترتب عليه من الدعوة للحياد إزاء القيم.
كان من أهم أوجه النقد أن الفلسفة السياسية ما هي إلا سلسلة من التفسيرات للأيديولوجيات، وأنها تحمل تبريرات لأفكار مسبقة تمثل في الغالب طبقة معينة, أو أية مصالح أخرى. أي: إن الفلسفة السياسية لا تقوم على الأسس العلمية للمشاهدة والوصف والقياس والتحليل, وإنما هي معيارية تشتمل في رأيهم على قيم ومعايير مستهلكة.
إلا أنه ليس هناك اتفاق على هذا الموقف حتى بين المفكرين الليبراليين أنفسهم. فكارل يواكيم فريدريش مثلا -رغم تسليمه بأخطاء بعض الفروض التي وردت في كتب أفلاطون الثلاثة: الجمهورية, والسياسة, والقوانين- يتساءل متعجبا: هل كان أفلاطون مخطئا في إصراره على أن القانون والحق هما المشكلتان اللتان تواجهان كل مجتمع سياسي؟ يطرح ذلك موضوع العدالة وبالتالي يفتح الباب على مصراعيه للتساؤل: ما هي الفضيلة؟ وما هو المعيار؟
ثم يرفض فريدريش ما ذهب إليه هارولد لا سويل -متأثرا في ذلك بديوي ونور ثروب- من أن دراسة "المشاكل" نفسها كمدخل هي السمة المميزة لعلم السياسة, بمعنى استبعاد أية قيم معيارية من الدراسة. ويتساءل فريدريش ثانية: هل تنكر أي عالم مدقق في أي وقت لأولوية دراسة "المشاكل"؟ ١.
стр. 249
يستند تحد آخر لاتجاه الحياد ذلك -عبر عنه تشارلس تيلور- إلى التفرقة بين القواعد التي يقوم عليها الخير, وتلك التي تقوم عليها الميول. يحتاج الخير إلى تفسير, وليست كذلك الميول أخذا في الاعتبار بأن التفسير والبحث عن الأسباب إنما يستمدان من حقل التجربة١.
ويمكن القول: إنه بعد تجارب طويلة في حقول دراساتهم الأكاديمية، فإن أعدادا متزايدة من هؤلاء المفكرين يبتعدون أكثر فأكثر عن الاتجاه المتطرف الذي ساد الأحقاب الأولى من القرن الحالي, وبدءوا يسلمون باستحالة الفصل التحكمي بين حقلي التجريب والقيم.
стр. 250
يحفل الأدب السياسي بالكثير من المرادفات في هذا الشأن. فقد جرت العادة على التمييز بين النظريات التي تقوم على التجريب وتلك التي تعتمد على القيم، أو بين السلوكية -وهو التعبير الذي يستخدمه البعض في الولايات المتحدة للأسلوب التجريبي- وبين الفلسفة السياسية. ويحلو للبعض أحيانا أن يميزوا بين ما هو كائن، وبين ما يجب أن يكون وهو شكل آخر لنفس الخلاف.
يسلم بعض المفكرين بأن طوفان الكتابات حول هذا الخلاف المستعر بين المثقفين إنما يعكس تمييزا مصطنعا بين وسائل المعرفة المختلفة؛ لأن القرارات السياسية هي بطبيعتها تتأثر بقيم صانعيها.
لهذا, فإنه لا داعي لافتراض وجود انقسام أو تعارض بين النظريات التجريبية, وتلك المستمدة من القيم حيث إنها متكاملة وتعتمد كل منها على الأخرى. إن التفرقة بين مجالات التفسير والتقييم ليست بالوضع الذي يتصوره البعض, كما وأن الفصل بينهما ليس في صالح أي منهما١.
توضح كتابات أخرى نفس التمرد على المغالاة في اتجاه النسبية حول هذا الموضوع, وترى ضرورة الاستفادة من الأسلوبين والدمج التام بينهما في عملية تطوير نظريات تجريبية تسترشد بالقيم. يضيفون إلى ذلك مزية أخرى, وهي أنه بتطوير تلك النماذج التجريبية ذات القيم يساعد كل أسلوب منهما على كشف قصور الأسلوب الآخر, ومن ثم يلفت الانتباه إلى ضرورة تعديله وتحسينه٢.