← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

مقدمة يستمر اعتمادنا في تحقيق هذا الجزء على النسخ الخطية التي اعتمدنا عليها في الجزء السابق وهي: ١ - مسودة المؤلف (المتحف البريطاني رقم: ٢٥٧٣٥ Add.) التي تنتهي عند آخر حرف الغين. ٢ - نسخة المكتبة الظاهرية، ورمزها " ر ". ٣ - نسخة آيا صوفيا (رقم: ٢٥٣٢) ، ورمزها " ص "، وآخر ترجمة في القسم الموجود منها هي ترجمة أبي السهيلي. ٤ - نسخة أحمد الثالث، ورمزها " س ". ٥ - نسخة المتحف البريطاني، ورمزها " م ". ويحسن أن نشير إلى أن الفروق بين النسخ التي اعتمدها وستنفيلد قد توقفت الإشارة إليها عند آخر حرف الظاء (أي عند نهاية الجزء الثاني حسب تجزئتنا) . وقد اعتمدنا بالإضافة إلى النسخ المذكورة على ما يلي: ١ - نسخة كوبريلي (رقم: ١١٩٢) ، ورمزها " ل "، وتقع في ٢٣٠ ورقة، في الصفحة الواحدة ٢١ سطراً، ومتوسط عدد الكلمات في السطر ١٣ كلمة؛ وهي تبدأ بترجمة عبد الرحمن بن مسلم وتنتهي برتجمة ابن التعاويذي. وقد كتبت بخط أحمد بن محمد بن حمدان الحراني، وكان الفراغ منها يوم الأربعاء ١٣ شعبان سنة ٧٣١، وهي غير دقيقة الضبط وتشترك كثيراً مع النسخة " س " في عدد إيراد الإضافات التي قيدها المؤلف على هوامش المسودة، إلا أنها ابتداء من تراجم المحمدين يرد في هوامشها إضافات تنفرد بها دون النسخة " س ".

стр. 1017

٢ - نسخة لاله لي (رقم: ٢١١٢) ، ورمزها " لي "، وتقع في ٢٢٧ ورقة، في الصفحة الواحدة ١٩ سطراً، ومتوسط عدد الكلمات في السطر ١٤ كلمة؛ وهي تبدأ بترجمة عبد الحميد بن يحيى وتنتهي بترجمة ابن التعاويذي. وقد كتبت في بخط نسخي جميل مضبوط بالشكل، وجاء في الورقة الأخيرة أنها نجزت في أواخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وهي تشترك مع " س " و " ل " فيما تمثله من مسودة المؤلف. ٣ - نسخة ولي الدين (رقم: ٢٤٦٠) ، ورمزها " ن "، وتقع في ٣٨٧ ورقة، في الصفحة الواحدة ٢٣ سطراً، وهي تبدأ بترجمة علي بن بويه وتنتهي بترجمة يحيى بن خالد البرمكي، ويبدو من الخاتمة فيها أنها تمثل ما قيده المؤلف حتى سنة ٦٥٩، ولذلك خلت مما زاده بعدئذ من تراجم، كما خلت من الإضافات التي جدت على هوامش المسودة، فهي تقارب النسخ س ل لي. وقد تم نسخها على يد علي بن مبارك النوري الشافعي في يوم السبت بكرة النهار قبل الغد ٢١ محرم سنة ٨٣٠، ونجزت مقابلة وتحريراً وضبطاً في شوال من العام نفسه. إحسان عباس بيروت في شباط (فبراير) ١٩٧٠.

стр. 1018

حرف العين

стр. 1019

فراغ

стр. 1020

٣١٥ - (١) عاصم المقرئ أبو بكر عاصم بن أبي النجود بهدلة مولى بني جذيمة بن مالك بن نصر ابن قعين بن أسد؛ كان أحد القراء السبعة والمشار إليه في القراءات، أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش، وأخذ عنه أبو بكر ابن عياش وأبو عمر البزار (٢) واختلفوا اختلافاً شديداً في حروف كثيرة. وتوفي عاصم في سنة سبع وعشرين ومائة، رحمه الله تعالى، بالكوفة (٣) . والنجود: بفتح النون وضم الجيم وسكون الواو وبعدها دال مهملة، وهي الحمارة الوحشية التي لا تحمل، وقيل هي المشرفة (٤) . وبهدلة: بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفتح الدال المهملة واللام وبعدها هاء ساكنة، ويقال إنه اسم أمه.

стр. 1021

٣١٦ - (١) أبو بردة ابن أبي موسى الأشعري أبو بردة عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري؛ كان أبوه صاحب رسول الله ﷺ ، قدم عليه من اليمن في الأشعريين، فأسلموا. وأبو بردة كان قاضياً على الكوفة، وليها بعد القاضي شريح، هكذا ذكره محمد ابن سعد في " كتاب الطبقات "، وله مكارم ومآثر مشهورة. [وكان أبو موسى تزوج في عمله على البصرة طنية بنت دمون (٢) ، وكان أبوها رجلاً من أهل الطائف، فولدت له أبا بردة، فاسترضع له في بني فقيم في آل الغرق وسماه أبو موسى عامراً، فلما شب كساه أبو شيخ ابن الغرق بردتين وغدا به إلى أبيه فكناه أبا بردة، فذهب اسمه] (٣) . (٧٥) وكان ولده بلال (٤) قاضياً على البصرة، وهم الذين يقال في حقهم: ثلاثة قضاة في نسقٍ (٥) ؛ فإن أبا موسى ﵁ قضى لعمر ﵁ بالبصرة ثم قضى بالكوفة في زمن عثمان ﵁. وبلال المذكور هو ممدوح ذي الرمة وله فيه غر المدائح، وفيه يقول مخاطباً لناقته (٦) : إذا ابن أبي موسى بلال بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر

стр. 1022

وفيه يقول أيضاً: سمعت الناس ينتجعون غيثاً ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا وصيدح: اسم ناقته، وهو بفتح الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعدها حاء مهملة. وكان بلال أحد نواب خالد بن عبد الله القسري - المقدم ذكره في حرف الخاء - فلما عزل وولي موضعه يوسف بن عمر الثقفي على العراقين حاسب خالداً ونوابه وعذبهم، فمات خالد من عذابه ومات بلال من عذابه أيضاً (١) . ورأيت في بعض المجاميع أن أبا بردة جلس يوماً يفتخر بأبيه ويذكر فضائله وصحبته (٢) لرسول الله ﷺ ، وكان في مجلس عام وفيه الفرزدق الشاعر، فلما أطال القول في ذلك أراد الفرزدق أن يغض منه فقال: لو لم تكن لأبي موسى منقبة إلا أنه حجم رسول الله ﷺ لكفاه، فامتعض أبو بردة من ذلك ثم قال: صدقت، لكنه ما حجم أحداً قبله ولا بعده، فقال الفرزدق: كان أبو موسى والله أفضل من أن يجرب الحجامة في رسول الله ﷺ ، فسكت أبو بردة على غيظ. وحكى غرس النعمة بن الصابئ في بعض تصانيفه أن أبا صفوان خالد ابن صفوان التميمي المشهور بالبلاغة كان يدخل على بلال بن أبي بردة المذكور (٣) فيحدثه فيلحن في كلامه، فلما كثر ذلك على بلال قال له: يا خالد، تحدثني أحاديث الخلفاء وتلحن لحن السقاءات، يعني النساء اللواتي يسقين الماء للناس، فصار خالد بعد ذلك يأتي المسجد ويتعلم الإعراب، وكف بصره، فكان إذا مر به موكب بلال يقول: من هذا فيقال: الأمير، فيقول خالد: سحابة صيف عن قليل تقشع، فقيل ذلك لبلال فقال: لا تقشع والله حتى يصيبك منها

стр. 1023

شؤبوب (١) ، وأمر به فضرب مائتي سوط. (٧٦) وكان خالد كثير الهفوات لا يتأمل ما يقول ولا يفكر فيه، وهو من ذرية عمرو بن الأهتم التميمي الصحابي ﵁، فإن خالد بن صفوان ابن عبد الله بن عمرو بن الأهتم بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر التميمي المنقري، واسم الأهتم بسنان، وإنما قيل له الأهتم لأن قيس بن عاصم المنقري ضربه بقوس فهتم ثناياه، وقيل بل هتمت يوم الكلاب، والله أعلم. وشبيب بن شيبة ابن عم خالد المذكور (٢) . وكانت وفاة أبي بردة المذكور في سنة ثلاث ومائة بالكوفة، وقيل سنة أربع، وقيل سنة ست أو سبع ومائة، وقال ابن سعد: مات أبو بردة و الشعبي في سنة ثلاث ومائة في جمعة واحدة، رحمهما الله تعالى. وسيأتي الكلام على الأشعري في ترجمة أبي الحسن إن شاء الله تعالى (٣) . ٣١٧ - (٤) الشعبي أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار، وذو كبار قيلٌ من أقيال اليمن، الشعبي، وهو من حمير وعداده في همدان؛ وهو كوفي تابعي جليل القدر وافر العلم، روي أن ابن عمر ﵁ مر به يوماً وهو يحدث

стр. 1024

بالمغازي فقال: شهدت القوم وإنه أعلم بها مني. وقال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام. ويقال إنه أدرك خمسمائة من أصحاب رسول الله ﷺ . وحكى الشعبي قال: أنفذني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم، فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته، وكانت الرسل لا تطيل الإقامة عنده، فحبسني أياماً كثيرة حتى استحثثت خروجي، فلما أردت الانصراف قال لي: من أهل بيت المملكة أنت فقلت: لا، ولكني رجل من العرب في الجملة، فهمس بشيء، فدفعت إلي رقعة وقال لي: إذا أديت الرسائل إلى صاحبك فأوصل إليه هذه الرقعة، قال: فأديت الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك وأنسيت الرقعة،، فلما صرت في بعض الدار أريد الخروج تذكرتها، فرجعت فأوصلتها إليه، فلما قرأها قال لي: أقال لك شيئاً قبل أن يدفعها إليك قلت: نعم، قال لي: من أهل بيت المملكة أنت قلت: لا، ولكني من العرب في الجملة. ثم خرجت من عنده، فلما بلغت الباب رُددت (١) ، فلما مثلت بين يديه قال لي: أتدري ما في الرقعة قلت: لا، قال: اقرأها، فقرأتها فإذا فيها " عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملكوا غيره "، فقلت له: والله لو علمت (٢) ما حملتها، وإنما قال هذا لأنه لم يرك، قال: أفتدري لم كتبها قلت: لا، قال: حسدني عليك، وأراد أن يغريني بقتلك، قال: فتأدى ذلك إلى ملك الروم فقال: ما أردت إلا ما قال. [ولما حمل الشعبي إلى عبد الملك ونادمه قال له: يا شعبي، لا تساعدني على قبح ولا ترد علي الخطأ في مجلسي ولا تكلفني جواب التشميت ولا جواب السؤال والتعزية، ودع عنك كيف أصبح الأمير وكيف أمسى، واجعل بدل التعريض لي صواب الاستماع مني، واعلم أن صواب الاستماع أولى من صواب القول، وإذا سمعتني أتحدث فلا يفتك منه شيء، وارعني فهمك وسمعك، ولا تجهد نفسك في تطرية سواي، ولا تستدع بذلك الزيادة من كلامي، فإن

стр. 1025

اسوأ الناس حالاً من شكر الملوك بالباطل وأسوأ حالاً منه من استخف بحقهم؛ واعلم يا شعبي أن أقل من هذا يذهب بسالف الاحسان ويسقط حق الحرمة، وان الصمت في موضعه وعند إصابته فرصة. وكان أعرابي يجالس الشعبي ويطيل الصمت، فقال له الشعبي يوماً: ألا تتكلم فقال: أسكت فأسلم وأسمع فأعلم؛ إن حظ المرء في أذنه له، وفي لسانه لغيره. وقال رجل للشعبي كلاماً أقذع فيه فقال له: ان كنت صادقاً غفر الله لي وإن كنت كاذباً غفر الله لك (١) . وسئل الشعبي عن الرجل يعسر عن الأضحية ولا يجد ما يشتري فقال: لأن اتركها وأنا موسر أحب إلي من أن اتكلفها وأنا معسر. وقال الشعبي: كانت درة عمر ﵁ أهيب من سيف الحجاج؛ وقال أيضاً: من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها. وأحضر الشعبي بين يدي الحجاج - وكان قد خرج مع ابن الأشعث - فسلم على الحجاج بالإمرة ثم قال: أيها الأمير إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك لغير ما يعلم الله انه الحق؛ وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا حقاً: قد والله خرجنا عليك وجهدنا كل الجهد فما كنا بالفجرة الأقوياء ولا البررة الأتقياء، وقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا وما جرت إلينا أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك؛ وبعد، فالحجة لك علينا. فقال الحجاج: أنت والله أحب إلي ممن يدخل علي يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما فعلت وما شهدت؛ قد أمنت عندنا يا شعبي، فانصرف. وقال له الحجاج: يا شعبي، ما كان عبد الرحمن يزجر حين رآني نزلت دير قرة ونزل هو دير الجماجم محارباً؛ وكان أبداً يقول هذا الكلام على سبيل الفأل والزجر] (٢) .

стр. 1026

وكلم الشعبي عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين في قوم حبسهم ليطلقهم فأبى، فقال له: أيها الأمير، إن حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم، وإن حبستهم بالحق فالعفو يسعهم، فأطلقهم. وكان ضئيلاً نحيفاً، فقيل له يوماً: ما لنا نراك ضئيلاً فقال: زوحمت في الرحم، وكان قد ولد هو وأخ آخر في بطن وأقام في البطن سنتين، ذكره في كتاب " المعارف " (١) . ويقال إن الحجاج بن يوسف الثقفي قال له يوماً: كم عطاءك في السنة فقال: ألفين، فقال: ويحك كم عطاؤك فقال: ألفان، قال: كيف لحنت أولاً قال: لحن الأمير فلحنت، فلما أعرب أعربت، وما أمكن أن يلحن الأمير وأعرب أنا. فاستحسن ذلك منه وأجازه. وكان مزاحاً، يحكى أن رجلاً دخل عليه ومعه امرأة في البيت فقال: أيكما الشعبي فقال: هذه. وكانت ولادته لست سنين خلت من خلافة عثمان ﵁، وقيل سنة عشرين للهجرة، وقيل إحدى وثلاثين، وروي عنه أنه قال: ولدت سنة جلولاء وهي سنة تسع عشرة. وقال قتادة: ولد الشعبي لأربع سنين بقين من خلافة عمر ﵁، وقال خليفة بن خياط: ولد الشعبي والحسن البصري في سنة إحدى وعشرين، وقال الأصمعي: في سنة سبع عشرة بالكوفة. وتوفي بالكوفة سنةأربع، وقيل ثلاث، وقيل ست، وقيل سبع، وقيل خمس ومائة، وكانت وفاته فجأة. وكانت أمه من سبي جلولاء، ﵁. وشراحيل: بفتح الشين المعجمة والراء وبعد الألف حاء مهملة مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها لام. والشعبي: بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى شعب، وهو بطن من همدان، وقال الجوهري (٢) : هذه النسبة إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمرو الحميري هو وولده ودفن به، وهو ذو شعبين، فمن كان بالكوفة منهم قيل لهم: شعبيون، ومن كان منهم بمصر

стр. 1027

والمغرب قيل لهم: الأشعوب، ومن كان منهم بالشام قيل لهم: شعبانيون، ومن كان باليمن قيل لهم: آل ذي شعبين. وجلولاء: بفتح الجيم وضم اللام ومد آخره، قرية بناحية فارس كانت بها الوقعة المشهورة زمن الصحابة ﵃. وكان كثيراً يتمثل بقول مسكين الدارمي: ليست الأحلام في حال الرضى ... إنما الأحلام في وقت الغضب ٣١٨ (١) أم المؤمنين عائشة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ وعن والدها؛ تزوجها رسول الله ﷺ بمكة، شرفها الله تعالى، قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل انه تزوجها قبل سودة، زوجه إياها أبوها فأصدقها مثلما أصدق سودة. وكان لها يوم تزوجها ست سنين، وما تزوج بكراً سواها، وقبض ﷺ وهي بنت ثماني عشرة سنة، وماتت في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين ولها سبع وستون سنة، ودفنت بالبقيع؛ ولما ماتت بكى عليها ابن عمر ﵁، فبلغ ذلك معاوية فقال له: أتبكي على امرأة فقال: إنما يبكي على أم المؤمنين بنوها وأما من ليس لها بابن فلا. وقال المبرد: قالت عائشة ﵂: لما أمر الله نبيه صلى الله عليه

стр. 1028

وسلم أن يخير نساءه قال لي: أتختارين الله ورسوله والدار الآخرة أو الحياة الدنيا وزينتها قلت: الله ورسوله أحب إلي والدار الآخرة، ثم قلت له: أخبرت أحداً قبلي قال: لا، قلت: لا تخبرهن، فقال ﷺ : إن الله بعثني نذيراً ولم يبعثني معنتاً [ولا متعنتاً] (١) . وبلغ عائشة ﵂ أن أناساً يسبون أبا بكر وعمر ﵄ فقالت: إن الله قطع عنهما العمل فأحب أن لا يقطع عنهما الأجر. وقيل لعائشة ﵂: متى يكون الرجل مسيئاً فقالت: إذا ظن أنه محسن. قال مسلم بن دارة: مازلت أستجفي عائشة ﵂ في قولها لرسول الله ﷺ : " بمنة الله لا بمنتك " حتى سألت أبا زرعة الرازي فقال: وآت الحمد أهله. وقالت عائشة ﵂ للخنساء: كم تبكين على صخر وإنما هو جمرة في النار قالت: ذاك أشد لجزعي عليه. وسئلت عائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يمزح قالت: نعم، كان عندي عجوز فدخل رسول الله ﷺ فقالت: ادع الله أن يجعلني من أهل الجنة، قال: إن الجنة لا يدخلها العجائز؛ وسمع النداء فخرج وهي تبكي فقال: ما لها قالوا: إنك حدثتها أن الجنة لا يدخلها العجائز، قال: إن الله يحولهن أبكاراً عرباً أتراباً. وكان عند عائشة ﵂ طبق عنب فجاء سائل فدفعت إليه واحدة منه، فضحك نساءٌ كن، فقالت: إن فيما ترون مثاقيل ألذ كثيرة. وقيل: وقعت بين حيين من قريش منازعة فخرجت عائشة [على بغلة] تصلح بينها، فلقيها ابن أبي عتيق فقال: إلى أين جعلت فداك فقالت: أصلح بين هذين الحيين، فقال: والله ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل بعد فكيف إذا قيل يوم البغل فضحكت وانصرفت. ومثل هذه النادرة: أرسل القاضي شرف الدين بن عين الدولة الشرف ابن

стр. 1029

منهال موقعه إلى الحسام بن منقذ بسبب شهادةٍ شهدها على ابن الجمل أن يتثبت منها ويتحققها قبل أدائها، ثم قال في أثناء ذلك: قال له نوبة الجمل ما كانت قليل. وكانت عائشة ﵂ خرجت من المدينة حاجة وعثمان محصور ثم صدرت عن الحج، فلما كانت بسرف - وهو موضع قبر ميمونة زوج رسول الله ﷺ لقيها الخبر بقتل عثمان وبيعة علي، فانصرفت راجعة إلى مكة ولحق بها طلحة والزبير ومروان بن الحكم، فلما تتاموا بمكة تشاوروا فيما يريدون من الطلب بدم عثمان وهموا بالشام لمكان معاوية، فصرفهم عبد الله بن عامر عن ذلك بالبصرة، فتوجهوا إليها فأخذوا عثمان بن حنيف عامل علي بها فهموا بقتله فناشدهم الله وذكرهم صحبته لرسول الله ﷺ ، فأشير بضربه أسواطاً فضربوه ونتفوا لحيته ورأسه حتى حاجبيه وأشفار عينيه، ثم حبسوه، وقتلوا خمسين رجلاً كانوا معه على بيت المال وغير ذلك من أعماله، فلما بلغ علياً مسيرهم خرج مبادراً إليهم واستنفر أهل الكوفة ثم سار بهم إلى البصرة، وهم بضعة عشر ألفاً، فخرج إليه طلحة والزبير وعائشة وأهل البصرة فاقتتلوا قتالاً شديداً؛ قال عبد الله بن الزبير: أمسيت يوم الجمل وفي سبع وثلاثون جراحة من طعنة وضربة، وما رأيت مثل يوم الجمل قط لا يهزم منا أحد ولا منهم، وما أخذ خطام الجمل أحدٌ إلا قتل، فأخذت بالخطام فقالت عائشة: من قلت: ابن الزبير، قالت: واثكل أسماء! ومر بي الأشتر فعرفته فعانقته وناديت: اقتلوني ومالكاً، فجاء ناس منا ومنهم فقاتلوا حتى تحاجزنا وضاع مني الخطام، فسمعت علياً ينادي: اعقروا الجمل فإنه ان عقر تفرقوا، فضربه رجل فسقط، فما سمعت قط أشد عجيجاً منه، ثم أمر علي ﵁ بحمل الهودج من بين القتلى، وقد كان القعقاع وزفر بن الحارث انزلاه عن ظهر البعير فوضعاه إلى جنب البعير، فأقبل محمد بن أبي بكر ومعه عمار حتى احتملاه، وأدخل محمد بن أبي بكر يده فقال: يا أخية قولي بنار الدنيا، فقالت: بنار الدنيا (١) .

стр. 1030

وقيل إن طلحة أصابه سهم فشك ركبته بصفحة الفرس وسال دمه فضعف، فقال: يا غلام، ابغني مكاناً، فمات قبل أن يصل إلى الموضع الذي أمر أن يحمل إليه، ورجع الزبير فقتل بوادي السباع، قتله عمرو بن جرموز وعاد بسيفه إلى علي، فلما رآه قال: إنه لسيف طالما جلا عن رسول الله ﷺ الكرب؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار. واحيط بعائشة ﵂، ودخل علي البصرة بمن معه، فبايعه أهلها وأطلق عثمان بن حنيف وجهز عائشة ﵂، وأمر أخاها محمداً بالخروج معها وخرج في تشييعها اميالاً وسرح بنيه معها يوماً. وقيل إن أهل المدينة علموا بيوم الجمل يوم الخميس قبل أن تغرب الشمس - وفيه كان القتال - وذلك أن نسراً مر بماء حول المدينة معه شيء معلق، فتأمله الناس فوقع فإذا كف فيها خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب، ثم كان [من] بين مكة والمدينة ممن قرب من البصرة أو بعد قد علموا بالواقعه مما تنقل إليهم النسور من الأيدي والأقدام. ويقال إن عدة المقتولين من أصحاب الجمل ثمانية آلاف، وقيل سبعة عشر ألفاً، وذكر أنه قطع على خطام الجمل سبعون يداً كلهم من بني ضبة، كلما قطعت يد رجل تقدم آخر، وقتل من أصحاب علي ﵁ نحو ألف (١) .

стр. 1031

٣١٩ - (١) العباس بن الأحنف أبو الفضل العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة بن جردان بن كلدة ابن خريم بن شهاب بن سالم بن حية بن كليب بن عبد الله بن عدي بن حنيفة بن لجيم الحنفي اليمامي الشاعر المشهور؛ كان رقيق الحاشية لطيف الطباع، جميع شعره في الغزل، لا يوجد في ديوانه مديح، ومن رقيق شعره قوله من جملة قصيدة (٢) : يا أيها الرجل المعذب نفسه ... أقصر فإن شفاءك الإقصار نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عيناً يعينك دمعها المدرار من ذا يعيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عيناً للبكاء تعار ذكر أبو علي القالي في كتاب " الأمالي " (٣) قال: قال بشار بن برد: ما زال غلام من بني حنيفة يدخل نفسه فينا ويخرجها منا حتى قال هذه الأبيات. ومن شعره أيضاً من جملة أبيات، وينسبان إلى بشار بن برد أيضاً والله أعلم (٤) : أبكي الذين أذاقوني مودتهم ... حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا واستنهضوني فلما قمت منتصباً ... بثقل ما حملوني منهم قعدوا

стр. 1032

[ويحكى أن الرشيد كان يهوى جاريته ماردة هوى شديداً، فتغاضبا مرة ودام بينهما الغضب، فأمر جعفر البرمكي العباس بن الأحنف أن يعمل في ذلك شيئاً فعمل (١) : راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إذ المتيم قلما يتجنب إن التجانب إن تطاول منكما ... دب السلو له ففر المطلب وأمر إبراهيم الموصلي فغنى بهما، فلما سمعه الرشيد بادر إلى ماردة فترضاها، فسألت عن السبب في ذلك فقيل لها، فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم وأمرت الرشيد أن يكافئهما فأمر لهما بأربعين ألف درهم] (٢) . وله أيضاً (٣) : تعب يطول مع الرجاء لذي الهوى ... خير له من راحةٍ في اليأس لولا محبتكم لما عاتبتكم ... ولكنتم عندي كبعض الناس وله أيضاً: وحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... جنوناً فزدني من حديثك يا سعد هواها هوًى لم يعرف القلب غيره ... فليس له قبلٌ وليس له بعد وله أيضاً: إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعةٌ ... فلا خير في ودٍ يكون بشافع فأقسم ما تركي عتابك عن قلًى ... ولكن لعلمي أنه غير نافع وإني إذا لم ألزم الصبر طائعاً ... فلا بد منه مكرهاً غير طائع

стр. 1033

[قيل أنه أنشد الرشيد يوماً قوله (١) : طاف الهوى في عباد الله كلهم ... حتى إذا مر بي من بينهم وقفا قال له الرشيد: ما الذي رأى فيك حتى وقف عليك قال: سألني عن وجود أمير المؤمنين فأخبرته، فاستحسن الرشيد جوابه ووصله. قيل إن الرشيد (٢) عمل في الليل بيتاً ورام أن يشفعه بآخر فامتنع القول عليه، فقال: علي بالعباس، فلما طرق عليه ذعر وفزع أهله، فلما وقف بين يدي الرشيد قال له: وجهت إليك بسبب بيت قلته ورمت أن أشفعه بمثله فامتنع القول علي، فقال: يا أمير المؤمنين، دعني حتى ترجع إلي نفسي فإني تركت عيالي على حال من القلق عظيمة، ونالني من الخوف ما يتجاوز الحد والوصف؛ فانتظر هنيهة ثم أنشده: جنانٌ قد رأيناها ... شطر ثانيولم نر مثلها بشرا فقال العباس بن الأحنف: يزيدك وجهها حسناً ... إذا ما زدته نظرا فقال: زدني، فقال: إذا ما الليل سال علي ... ك بالإظلام واعتكرا ودج فلم تر قمراً ... فأبرزها تر قمرا فقال له الرشيد: قد ذعرناك وأفزعنا عيالك وأقل الواجب أن نعطيك ديتك، وأمر له بعشرة آلاف درهم. وله - أعني الرشيد -: إن تشق عيني بها فقد سعدت ... عينا رسولي وفزت بالخبر

стр. 1034

وكلما جاءني الرسول لها ... رددت عمداً في عينه نظري خذ مقلتي يارسول عاريةً ... فانظر بها واحتكم على بصري وأخذ المأمون هذا المعنى بعينه فقال: بعثتك مرتاداً ففزت بنظرةٍ ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا فناجيت من أهوى وكنت مباعداً ... فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى أرى أثراً منها بعينك بيناً ... لقد أخذت عيناك من عينها حسناً وللعباس أيضاً (١) : أغيب عنك بودٍ لا يغيره ... نأي المحل ولا صرفٌ من الزمن فإن أعش فلعل الدهر يجمعنا ... وإن أمت فبطول الهم والحزن قد حسن الحب في عيني ما صنعت ... حتى أرى حسناً ما ليس بالحسن تعتل بالشغل عنا لا تكلمنا ... الشغل للقلب ليس الشغل للبدن قال الزبير بن بكار: لا أعلم شيئاً من أمور الدنيا خيرها وشرها إلا وهو يصلح أن يتمثل فيه بنصف هذا البيت الأخير. وله أيضاً (٢) : قد كنت أبكي وأنت راضيةٌ ... حذار هذا الصدود والغضب إن تم ذا الهجر يا ظلوم ولا ... تم فما لي في العيش من أرب وله أيضاً: أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا صرت كأني ذبالةٌ نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق

стр. 1035

قال الرياشي: لو لم يقل من الشعر إلا هذين البيتين لكفياه. وقال أبو بكر الصولي (١) : كنت عند القاسم بن إسماعيل فقال: انشدني عمك إبراهيم بن العباس لخاله العباس بن الأحنف: قد سحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا فكاذبٌ قد رمى بالظن غيركم ... وصادقٌ ليس يدري أنه صدقا قال عبد الله بن المعتز: لو قيل لي: ما أحسن شيء تعرفه لقلت: بيتا العباس بن الأحنف، وأنشد هذين البيتين. وله أيضاً (٢) : اليوم آخر أيام السرور به ... واليوم أول يومٍ فيه أكتئب ما كنت أحسب أن الحزن ينزل بي ... بعد السرور فقد جاءت به العقب وله ايضاً: خيالك حين أرقد نصب عيني ... إلى وقت انتباهي لا يزول وليس يزورني صلةً ولكن ... حديث النفس عنك به الوصول وله أيضاً: يا ذا الذي أنكرني طرفه ... إن ذاب جسمي وعلاني الشحوب ما مسني ضرٌ ولكنني ... جفوت نفسي إذ جفاني الحبيب وله أيضاً: أرى الطريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف] (٣)

стр. 1036

وشعره كله جيد، وهو خال إبراهيم بن العباس الصولي - وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته في حرف الهمزة. وتوفي سنة اثنتين وتسعين ومائة ببغداد. وحكى عمر بن شبة قال: مات إبراهيم الموصلي المعروف بالنديم سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي والعباس بن الأحنف وهشيمة الخمارة، فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلي عليهم فخرج فصفوا بين يديه فقال: من هذا الأول فقالوا: إبراهيم الموصلي، فقال: أخروه وقدموا العباس بن الأحنف، فقدم فصلى عليه، فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي فقال: يا سيدي، كيف آثرت العباس بن الأحنف بالتقدمة على من حضر فأنشد (١) : وسعى بها ناس فقالوا: إنها ... لهي التي تشقى بها وتكابد فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم ... إني ليعجبني المحب الجاحد ثم قال: أتحفظهما فقلت: نعم، وأنشدته، فقال لي المأمون: أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقدمة فقلت: بلى والله يا سيدي. قلت: وهذه الحكاية تخالف ما يأتي في ترجمة الكسائي، لأنه مات بالري على الخلاف في تاريخ وفاته (٢) . وقيل إن العباس توفي سنة اثنتين وتسعين ومائة (٣) ، وقال أبو بكر الصولي: حدثني عون بن محمد قال: حدثني أبي قال: رأيت العباس بن الأحنف ببغداد بعد موت الرشيد، وكان منزله بباب الشام، وكان لي صديقاً، ومات وسنه أقل من ستين سنة. قال الصولي: وهذا يدل على أنه مات بعد سنة اثنتين وتسعين، لأن الرشيد ملت ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة بمدينة طوس. وكانت وفاة الأحنف والد العباس المذكور سنة خمسين ومائة، ودفن بالبصرة، رحمه الله تعالى.

стр. 1037

وحكى المسعودي في كتاب " مروج الذهب " (١) عن جماعة من أهل البصرة قالوا: خرجنا نريد الحج، فلما كنا ببعض الطريق إذا غلام واقف على المحجة وهو ينادي: أيها الناس هل فيكم أحد من أهل البصرة قال: فعدلنا إليه وقلنا له: ما تريد قال: إن مولاي لما به يريد أن يوصيكم، فملنا معه، فإذا بشخصٍ ملقى على بعد من الطريق تحت شجرة لا يحير جواباً، فجلسنا حوله، فأحس بنا فرفع طرفه وهو لايكاد يرفعه ضعفاً، وأنشأ يقول (٢) : يا غريب الدار عن وطنه ... مفرداُ يبكي على شجنه كلما جد البكاء به ... دبت الأسقام في بدنه ثم أغمي عليه طويلاً ونحن جلوس (٣) حوله، إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة وجعل يغرد ففتح عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر، ثم أنشأ الفتى يقول: ولقد زاد الفؤاد شجًى ... طائر يبكي على فننه شفه ما شفني فبكى ... كلنا يبكي على سكنه قال: ثم تنفس تنفساً فاضت نفسه (٤) منه، فلم نبرح من عنده حتى غسلناه وكفناه وتولينا الصلاة عليه، فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه، فقال: هذا العباس بن الأحنف، رحمه الله تعالى؛ والله أعلم أي ذالك كان. والحنفي: بفتح الحاء المهملة والنون وبعدها فاء، هذه النسبة إلى بني حنيفة ابن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وهي قبيلة كبيرة مشهورة، واسم حنيفة أثال - بضم الهمزة وبعدها ثاء مثلثة وبعد الألف لام - وإنما قيل له حنيفة لأنه جرى بينه وبين الأحزن بن عوف العبدي مفاوضة في قصة يطول شرحها فضرب حنيفة الأحزن المذكور بالسيف، فجذمه فسمي جذيمة، وضرب

стр. 1038

الأحزن حنيفة على رجله فحنفها، فسمي حنيفة وحنيفة، أخو عجل. واليمامي: بفتح الياء المثناة من تحتها والميم وبعد الألف ميم ثانية، هذه النسبة إلى اليمامة، وهي بلدة بالحجاز في البادية أكثر أهلها بنو حنيفة وبها تنبأ مسيلمة الكذاب (١) وقتل، وقصته مشهورة. ٣٢٠ - (٢) الرياشي أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي النحوي اللغوي البصري؛ كان عالماً راوية ثقة عارفاً بأيام العرب كثير الاطلاع، روى عن الأصمعي وأبو عبيدة معمر بن المثنى وغيرهما، وروى عنه إبراهيم الحربي وابن أبي الدنيا وغيرهما. ومما رواه عن الأصمعي (٣) قال: مر بنا أعرابي ينشد ابناً له، فقلنا له: صفه لنا، فقال: كأنه دنينير، فقلنا له لم نره، قال: فلم يلبث أن جاء بصغير أسيد كأنه جعلٌ قد حمله على عنقه، فقلنا: لو سألتنا عن هذا لأرشدناك (٤) ، فإنه ما زال اليوم بين أيدينا. ثم أنشد الأصمعي: نعم ضجيع الفتى إذا برد الليل ... سحيراً وقرقف الصرد زينها الله في الفؤاد كما ... زين في عين والد ولد قتل الرياشي المذكور بالبصرة أيام العلوي البصري صاحب الزنج في شوال

стр. 1039

سنة سبع وخمسين ومائتين، رحمه الله تعالى. وسئل في عقب ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومائتين: كم يعد سنه فقال: أظن سبعاً وسبعين، وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه الكبير (١) أنه قتل في سنة خمس وستين ومائتين، قتله الزنج بالبصرة، وهو غلط، إذ لا خلاف بين أهل العلم بالتاريخ أن الزنج دخلوا البصرة وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال سنة سبع وخمسين، فأقاموا على القتل والإحراق ليلة السبت ويوم السبت ثم عادوا إليها يوم الإثنين، فدخلوها وقد تفرق الجند وهربوا فنادوا بالأمان، فلما ظهر الناس قتلوهم، فلم يسلم منهم إلا النادر، واحترق الجامع ومن فيه، وقتل العباس المذكور في أحد هذه الأيام فإنه كان في الجامع لما قتل (٢) . والرياشي: بكسر الراء وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف شين معجمة، هذه النسبة إلى رياش، وهو اسم لجلد رجل من جذام كان والد المنسوب إليه عبداً له فنسب إليه وبقي عليه. ٣٢١ - (٣) ابن عمر أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، القرشي العدوي؛ أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وهاجر مع أبيه إلى المدينة، وعرض على

стр. 1040

رسول الله ﷺ يوم أحد فرده لصغر سنه، فعرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه، وكان من أهل الورع والعلم، وكان كثير الاتباع لآثار رسول الله ﷺ ، شديد التحري والاحتياط والتوقي في فتواه وكل ما تأخذ به نفسه، وكان لا يتخلف عن السرايا على عهد رسول الله ﷺ ، ثم كان بعد موته مولعاً بالحج قبل الفتنة وفي الفتنة إلى أن مات. ويقولون: إنه كان أعلم الصحابة بمناسك الحج، وقال رسول الله ﷺ لأم المؤمنين حفصة بنت عمر: " إن أخاك عبد الله رجل صالح، لو كان يقوم من الليل "؛ فما ترك ابن عمر بعدها قيام الليل. وقال جابر بن عبد الله: ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها، ما خلا عمر وابنه عبد الله. وقال ميمون بن مهران: ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس. وقال سعيد بن المسيب: لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة، لشهدت لعبد الله بن عمر. وحكى الأصمعي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن - وهو أبو الزناد - عن أبيه، قال: اجتمع في الحجر: مصعب وعروة وعبد الله بنو الزبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: نتمنى، فقال مصعب بن الزبير: أما أنا فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين. وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة، قال: فنالوا ما تمنوا؛ ولعل ابن عمر قد غفر له (١) . وحكى سفيان الثوري عن طارق بن عبد العزيز عن الشعبي، قال: لقد رأيت عجباً، كنا بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان، فقال القوم بعدما فرغوا من صلاتهم:

стр. 1041

ليقم رجل منكم فليأخذ الركن اليماني وليسأل الله حاجته، فإنه يعطى من ساعته، قم يا عبد الله بن الزبير، فإنك أول مولود ولد في الهجرة، فقام وأخذ بالركن اليماني، ثم قال: اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم، أسألك بحرمة عرشك وحرمة وجهك وحرمة نبيك، ﵊، أن لا تميتني حتى توليني الحجاز، ويسلم عليّ بالخلافة، وجاء حتى جلس، فقال: قم يا مصعب، فقام حتى أخذ بالركن اليماني، فقال: اللهم إنك رب كل شيء، وإليك يصير كل شيء، أسألك بقدرتك على كل شيء، أن لا تميتني من الدنيا حتى توليني العراق، وتزوجني سكينة بنت الحسين، وجاء حتى جلس، فقال: قم يا عبد الملك، فقام وأخذ بالركن اليمان، وقال: اللهم رب السموات السبع، ورب الأرض ذات القفر، أسألك بما سألك عبادُك المطيعون لأمرك، وأسألك بحرمة وجهك، وأسألك بحقك على جميع خلقك، وبحق الطائفي حول بيتك، أن لا تميتني من الدنيا حتى توليني شرق الأرض وغربها ولا ينازعني أحد إلا أتيت برأسه، ثم جاء حتى جلس، فقال: قم يا عبد الله بن عمر، فقام حتى أخذ بالركن اليماني، ثم قال: اللهم إنك رحمن رحيم، أسألك برحمتك التي سبقت غضبك، وأسألك بقدرتك على جميع خلقك، أن لا تميتني من الدنيا حتى توجب لي الجنة، قال الشعبي: فما ذهبت عيناي من الدنيا حتى رأيت لكل رجل ما سأل وبشر عبد الله بن عمر بالجنة ورؤيت له. وحكى حمزة بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال: خطرت لي هذه الآية: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) ، فذكرت ما أعطاني الله فما وجدت شيئاً أحب إلي من جاريتي رمينة، فقلت: هي حرة لوجه الله، فلولا أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها، فأنكحها نافعاً، فهي أم ولده. وكان ابن عمر إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قربه إلى ربه . قال نافع: كان رقيقه قد عرفوا ذلك منه، فربما شمر أحدهم فيلزم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحالة الحسنة أعتقه، فيقول له أصحابه: يا أبا عبد الرحمن، والله ما بهم إلا أن يخدعوك، فيقول: ما خدعنا أحد بالله

стр. 1042

إلا انخدعنا له. قال نافع: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان، أو ما زاد، وكان يحيي الليل صلاةً، فإذا جاء السحر استغفر إلى الصباح. وتوفي بمكة سنة ثلاث وسبعين وهو ابن أربع وثمانين سنة، وكان قد أوصى أن يدفن في الليل (١) ، فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج، ودفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين. وكان الحجاج (٢) قد أمر رجلاً سمّ زجّه وزحمه في الطريق، ووضع الزج على ظهر قدمه، وذلك أن الحجاج خطب يوما وأخر الصلاة، فقال ابن عمر: إن الشمس لا تنتظرك، فقال له الحجاج: لقد هممت أن أضرب الذي فيه عيناك، قال: إن تفعل فإنك سفيه [مسلّط] . وقيل: إنه أخفى قوله ذلك على الحجاج ولم يسمعه، وإنما كان يتقدمه في المواقف بعرفة وغيرها إلى المواضع التي كان النبي ﷺ وقف فيها، وكان ذلك يعز على الحجاج، فأمر الحجاج رجلاً معه حربة يقال إنها كانت مسمومة، فلما دفع الناس من عرفة لصق به ذلك الرجل، فأمرّ الحربة على قدمه، وهي في غرز راحلته، فمرض منها أياماً، فدخل عليه الحجاج يعوده، فقال: من سمّك يا أبا عبد الرحمن فقال: وما تصنع به قال: قتلني الله إن لم أقتله، قال: ما أراك فاعلاً، أنت أمرت من نخسني بالحربة، فقال: لا تفعل يا أبا عبد الرحمن، وخرج عنه. وروي أنه قال للحجاج - إذ قال له: من سمّك - قال: أنت أمرت بإدخال السلاح في الحرم. فلبث أياماً ثم مات، ﵁ ونفع به، وصلى عليه الحجاج.

стр. 1043

٣٢٢ - (١) عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح (٢) المروزي، مولى بني حنظلة، كان قد جمع بين العلم والزهد، تفقه على سفيان الثوري ومالك بن أنس رضى الله عنهما، وروى عنه الموطأ، وكان كثير الانقطاع محباً للخلوة شديدة التورع، وكذلك كان أبوه (٣) . ويحكى عن أبيه أنه كان يعمل في بستان لمولاه وأقام فيه زماناً، ثم أن مولاه جاءه يوما وقال له: أريد رماناً حلواً، فمضى إلى بعض الشجر وأحضر منها رماناً فكسره فوجده حامضاً، فحرد عليه وقال: أطلب الحلو فتحضر لي الحامض (٤) هات حلواً، فمضى وقطع من شجرة أخرى، فلما كسره وجده أيضاً حامضاً فاشتد حرده عليه، وفعل كذلك دفعة ثالثة، فقال له بعد ذلك: أنت ما تعرف الحلوا من الحامض فقال: لا، فقال: كيف ذلك فقال: لأنني ما أكلت منه شيئاً حتى أعرفه، فقال: ولم لم تأكل قال: لأنك ما أذنت لي، فكشف عن ذلك فوجد قوله حقاً، فعظم في عينه وزوّجه ابنته، ويقال: إن عبد الله رزقه من تلك الابنة، فنمت عليه بركة أبيه. ورأيت في بعض التواريخ هذه القضية منسوبة إلى إبراهيم بن أدهم العبد الصالح،

стр. 1044

رضي الله عنه (١) ، وكذا ذكرها الطرطوشي في أول " سراج الملوك " لابن أدهم (٢) . ونقل أبو علي الغساني الجياني أن عبد الله بن المبارك المذكور سئل: أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبد العزيز فقال: والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله ﷺ أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله ﷺ فقال: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد، فما بعد هذا [ووقفت في كتاب " النصوص على مراتب أهل الخصوص " عن أشعث بن شعبة المصيصي قال: قدم هارون الرشيد الرقة فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برج الخشب، فلما رأت الناس قالت: ما هذا قالوا: عالم أهل خراسان قدم الرقة يقال له عبد الله بن المبارك، فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان] (٣) . وكان لعبد الله شعر (٤) ، فمن ذلك قوله: قد يفتح المرء حانوتاً لمتجره ... وقد فتحت لك الحانوت بالدين بين الأساطين حانوت بلا غلق ... تبتاع بالدين أموال المساكين صيّرت دينك شاهيناً تصيد به ... وليس يفلح أصحاب الشواهين [وكان إذا خرج إلى مكة حرسها الله تعالى يقول: بعض الحياة وخوف الله أخرجني ... وبيع نفسي لما ليست له ثمنا

стр. 1045

اني وزنت الذي يبقى ليعدله ... ماليس يبقى فلا والله ما اتزنا] (١) ومن كلامه: تعلمنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا. وكان عبد الله قد غزا، فلما انصرف من الغزو وصل إلى هيت فتوفي بها في رمضان سنة إحدى، وقيل اثنتين وثمانين ومائة، ومولده بمرو سنة ثماني عشرة ومائة، رضى الله عنه. وهيت: بكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها تاء مثناة من فوقها، مدينة على الفرات فوق الأنبار من أعمال العراق لكنها في بر الشام والأنبار في بر بغداد، والفرات يفصل بينهما، ودجلة تفصل بين الأنبار وبغداد، وقبره ظاهر يزار بها، وقد جمعت (٢) أخباره في جزأين. ٣٢٣ - (٣) عبد الله بن عبد الحكم أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع (٤) ، الفقيه المالكي المصري؛ كان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله، وأفضت إليه رياسة الطائفة المالكية بعد أشهب، وروى عن مالك الموطأ سماعاً، وكان من ذوي الأموال والرباع، له جاه عظيم وقدر كبير، وكان يزكي الشهود ويجرحهم، ومع هذا لم

стр. 1046

يشهد ولا أحد من ولده لدعوة سبقت فيه (١) ، ذكر ذلك القضاعي في كتاب " خطط مصر "، ويقال: إنه دفع للإمام الشافعي، ﵁، عند قدومه إلى مصر ألف دينار من ماله، وأخذ له من ابن عسامة التاجر ألف دينار، ومن رجلين آخرين ألف دينار، وهو والد أبي عبد الله محمد، صاحب الإمام الشافعي - وسيأتي ذكره في حرف الميم، ان شاء الله تعالى. وروى بشر بن بكر، قال: رأيت مالك بن أنس في النوم بعدما مات بأيام، فقال: إن ببلدكم رجلاً يقال له ابن عبد الحكم، فخذوا عنه فإنه ثقة. وكان لأبي محمد المذكور ولد آخر يسمى عبد الرحمن من أهل الحديث والتواريخ (٢) ، صنف كتاب فتوح وغيره (٣) . وكانت ولادة أبي محمد المذكور في سنة خمسين ومائة، وقيل سنة خمس وخمسين ومائة. وتوفي في شهر رمضان سنة أربع عشرة ومائتين بمصر، وقبره إلى جانب قبر الإمام الشافعي، ﵄، مما يلي القبلة، وهو الأوسط من القبور الثلاثة. (٧٧) وتوفي ولده عبد الرحمن المذكور في سنة سبع وخمسين ومائتين، وقبره إلى جانب قبر أبيه من جهة القبلة. وأعين: بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها نون. وعسامة: بضم العين المهملة وفتح السين المهملة وبعد الألف ميم ثم هاء.

стр. 1047

٣٢٤ - (١) ابن وهب الفقيه المالكي أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشي بالولاء (٢) الفقيه المالكي المصري مولى ريحانة مولاة أبي عبد الرحمن يزيد بن أنيس الفهري (٣) ، كان أحد أئمة عصره وصحب الإمام مالك بن أنس، ﵁، عشرين سنة، وصنف " الموطأ الكبير " و " الموطأ الصغير " وقال مالك في حقه: عبد الله بن وهب إمام. وقال أبو جعفر ابن الجزار: رحل ابن وهب إلى مالك في سنة ثمان وأربعين ومائة ولم يزل في صحبته إلى أن توفي مالك، وسمع من مالك قبل عبد الرحمن بن القاسم ببضع عشرة سنة. وكان مالك يكتب إليه إذا كتب في المسائل: إلى عبد الله بن وهب المفتي، ولم يكن يفعل هذا مع غيره. وأدرك من أصحاب ابن شهاب الزهري أكثر من عشرين رجلاً. وذكر ابن وهب وابن القاسم عند مالك، فقال: ابن وهب عالم وابن القاسم فقيه. قال القضاعي في كتاب " خطط مصر ": قبر عبد الله بن وهب مختلف فيه، وفي مجرّ بني مسكين قبر صغير مخلق يعرف بقبر عبد الله، وهو قبر قديم يشبه أن يكون قبره (٤) . وكان مولده في ذي القعدة سنة خمس، وقيل أربع وعشرين ومائة بمصر. وتوفي بها يوم الأحد لخمس بقين من شعبان سنة سبع وتسعين ومائة، ﵁.

стр. 1048

وله مصنفات في الفقه معروفة، وكان محدثاً. وقال يونس بن عبد الأعلى صاحب الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى: كتب الخليفة إلى عبد الله بن وهب في قضاء مصر، فجنّن نفسه، ولزم بيته، فاطلع عليه رشدين بن سعد (١) ، وهو يتوضأ في صحن داره، فقال له: ألا تخرج إلى الناس فتقضي بينهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فرفع إليه رأسه وقال: إلى ها هنا انتهى عقلك أما علمت أن العلماء يحشرون مع الأنبياء وأن القضاة يحشرون مع السلاطين (٢) وكان عالماً صالحاً خائفاً لله تعالى. وسبب موته أنه قرئ عليه كتاب " الأهوال " من جامعه، فأخذه شيء كالغشي، فحمل إلى داره فلم يزل كذلك إلى أن قضى نحبه. قال ابن يونس المصري في تاريخه: هو مولى يزيد بن رمانة مولى أبي عبد الرحمن يزيد بن أنيس الفهري، والذي ذكرته أولاً قاله ابن عبد البر (٣) ، والله أعلم. [وقال عبد الله بن وهب المصري: كان حيوة بن شريح يأخذ عطاءه في كل سنة ستين ديناراً. قال: وكان إذا أخذه لم يطلع إلى منزله حتى يتصدق به. قال: ثم يجيئ إلى منزله فيجدها تحت فراشه. قال: وكان له ابن عم، فلما بلغه ذلك أخذ عطاءه فتصدق به، ثم جاء يطلبه تحت فراشه فلم يجد شيئاً. قال: فشكا إلى حيوة، فقال له حيوة: أنا أعطيت ربي بيقين، وأنت أعطيت ربك تجربة] (٤) .

стр. 1049

٣٢٥ - (١) عبد الله بن لهيعة أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن لهيعة الحضرمي الغافقي المصري، كان مكثراً من الحديث والأخبار والرواية. قال محمد بن سعد في حقه (٢) : إنه كان ضعيفاً، ومن سمع منه في أول أمره أقرب حالاً ممن سمع منه في آخره. وكان يقرأ عليه ما ليس من حديثه فيسكت، فقيل له في ذلك فقال: ما ذنبي إنما يجيئونني بكتاب يقرأونه عليّ ويقومون، ولو سألوني لأخبرتهم أنه ليس من حديثي. وكان أبو جعفر المنصور قد ولاه القضاء بمصر في مستهلّ سنة خمس وخمسين ومائة، وهو أول قاض ولي بمصر من قبل الخليفة، وصرف عن القضاء في شهر ربيع الأول (٣) سنة أربع وستين ومائة، وهو أول قاض حضر لنظر الهلال في شهر رمضان واستمر القضاة عليه إلى الآن (٤) . ذكر ابن الفراء في تاريخه في سنة اثنتين وخمسين ومائة فقال: وفيها توفي أبو خزيمة إبراهيم بن يزيد القاضي الحميري (٥) وولي مكانه عبد الله بن لهيعة الحضرمي، وكان سبب ولايته أن ابن حديج كان بالعراق، قال: فدخلت على أبي جعفر المنصور فقال لي: يا ابن حديج، لقد توفي ببلدك رجل أصيب به العامة، قلت: يا أمير المؤمنين ذاك إذاً أبو خزيمة، قال: نعم، فمن ترى أن نولي القضاء بعده

стр. 1050

قلت: أبا معدان [عامر بن مرة] اليحصبي يا أمير المؤمنين، قال: ذاك رجل أصم، لا يصلح للقاضي أن يكون أصم. قال فقلت: فابن لهيعة يا أمير المؤمنين، قال: فابن لهيعة على ضعف فيه، فأمر بتوليته، وأجرى عليه في كل شهر ثلاثين ديناراً، وهو أول قضاة مصر أجري عليه ذلك، وأول قاض بها استقضاه خليفة، وإنما كان ولاة البلد هم الذين يولون القضاة (١) . وتوفي بمصر يوم الأحد منتصف شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين، وقيل سنة سبعين ومائة، وعمره إحدى وثمانون سنة، رحمه الله تعالى. قال أبو موسى العنزي في تاريخه: وكان الليث بن سعد أكبر من ابن لهيعة بسنة أو بسنتين. [وذكره ابن يونس في تاريخه فقال: عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بن ربيعة الحضرمي ثم الأعدولي، من أنفسهم، قاضي مصر، يكنى أبا عبد الرحمن وروى عنه عمرو بن الحارث والليث بن سعد وعثمان بن الحكم الجذامي وابن المبارك، وذكر تاريخ وفاته، ثم قال: وكان مولده سنة سبع وتسعين، ثم روى بإسناد متصل إليه أنه قال: كنت إذا أتيت يزيد بن أبي حبيب يقول لي: كأني بك وقد قعدت على الوسادة، يعني وسادة القضاة، فما مات ابن لهيعة حتى ولي القضاء] (٢) . ولهيعة: بفتح اللام وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح العين المهملة وبعدها هاء ساكنة. والحضرمي: بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد الموحدة وفتح الراء وبعدها ميم، هذه النسبة إلى حضرموت، وهي من بلاد اليمن في أقصاها.

стр. 1051

٣٢٦ - (١) القعنبي أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنبٍ الحارثي المعروف بالقعنبي، كان من أهل المدينة، وأخذ العلم والحديث عن الإمام مالك ﵁، وهو من جلة أصحابه وفضلائهم وثقاتهم وخيارهم، وهو أحد رواة " الموطأ " عنه، فإن " الموطأ " رواه عن مالك ﵁ جماعة، وبين الروايات اختلاف، وأكملها رواية يحيى بن يحيى - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى. وكان يسمى " الراهب " لعبادته وفضله. وقال عبد الله بن أحمد بن الهيثم: سمعت جدي يقول: كنا إذا أتينا عبد الله بن مسلمة القعنبي خرج إلينا كأنه مشرف على جهنم، ونعوذ بالله منها. وكان القعنبي يسكن البصرة، وهو من الثقات في روايته. وتوفي يوم الجمعة لست خلون من المحرم سنة إحدى وعشرين ومائتين بالبصرة، رحمه الله تعالى، وذكر أبو القاسم ابن بشكوال في تسمية من روى " الموطأ " عن مالك أنه توفي بمكة، والله أعلم. والقعنبي: بفتح القاف وسكون العين المهملة وفتح النون وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى جده المذكور أعلاه، رحمه الله تعالى.

стр. 1052

٣٢٧ - (١) ابن كثير المقرئ أبو سعيد (٢) عبد الله بن كثير؛ أحد القراء السبعة. توفي سنة عشرين ومائة بمكة، رحمه الله تعالى، ولم أقف على شيء من حاله لأذكره. ثم وجدت صاحب كتاب " الإقناع " في القراءات (٣) ذكره فقال: ابن كثير، المكي الداري - والدار بطن من لخم منهم تميم الداري ﵁، وقيل إنما نسب إلى دارين لأنه كان عطاراً، وهو موضع الطيب، وهذا هو الصحيح - قالوا: وهو مولى عمرو بن علقمة الكناني، وهو من أبناء فارس الذين بعثهم كسرى بالسفن إلى اليمن حين طرد الحبشة عنها، وكان يخضب بالحناء، وكان قاضي الجماعة بمكة، وهو من الطبقة الثانية من التابعين، وكان شيخاً كبيراً، أبيض الرأس واللحية طويلاً جسيماً أسمر أشهل العينين، يغير شيبته بالحناء أو بالصفرة، وكان حسن السكينة، ولد بمكة سنة خمس وأربعين، ومات بها سنة عشرين ومائة (٤) . ثم قال هذا المصنف: ما ذكر من وفاته هو كالإجماع بين القراء، ولا يصح عندي، لأن عبد الله بن إدريس الأودي قرأ عليه، ومولد ابن إدريس سنة خمس عشرة ومائة، فكيف تصح قراءته عليه لولا ابن كثير تجاوز سنة عشرين وإنما الذي مات فيها عبد الله بن كثير القرشي وهو غير القارىء، وأصل الغلط في هذا من أبي بكر ابن مجاهد، والله أعلم (٥) .

стр. 1053

(٧٨) وراوياه: قنبل وهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد بن جرجة المكي المخزومي (١) ، توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين وله ست وتسعون سنة. (٧٩) وراويه الآخر البزي، وهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة بشار الفارسي، كنيته أبو الحسن (٢) ، توفي سنة سبعين ومائتين وله ثمانون سنة، ﵏ أجمعين. ٣٢٨ - (٣) ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل المروزي، النحوي اللغوي صاحب كتاب " المعارف " و " أدب الكاتب "؛ كان فاضلاً ثقة، سكن بغداد وحدث بها عن إسحاق بن راهويه وأبي إسحاق إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زياد بن أبيه الزيادي (٤) وأبي حاتم السجستاني وتلك الطبقة، وروى عنه ابنه أحمد وابن دُر ستُويه الفارسي، وتصانيفه كلها مفيدة، منها ما تقدم ذكره، ومنها " غريب القرآن الكريم " و " غريب الحديث " و " عيون الأخبار " و " مشكل القرآن " و " مشكل الحديث " و " طبقات الشعراء " و " الأشربة " و " إصلاح الغلط " و " كتاب التقفية " و " كتاب الخيل " و " كتاب إعراب القراءات " (٥)

стр. 1054

و " كتاب الأنواء " و " كتاب المسائل والجوابات " (١) و " كتاب الميسر والقداح " وغير ذلك. وأقرأ كتبه ببغداد إلى حين وفاته، وقيل أن أباه مروزي، وأما هو فمولده ببغداد، وقيل بالكوفة، وأقام بالدِّينورِ مدةً قاضياً فنسب إليها. وكانت ولادته سنة ثلاث عشرة ومائتين، وتوفي في ذي القعدة سنة سبعين، وقيل سنة إحدى وسبعين، وقيل أول ليلة في رجب، وقيل منتصف رجب سنة ست وسبعين ومائتين، والأخير أصح الأقوال، وكانت وفاته فجأة، صاح صيحة سمعت من بُعد ثم أغمي عليه ومات، وقيل أكل هريسة فأصابه حرارة ثم صاح صيحة شديدة ثم أغمي عليه إلى وقت الظهر ثم اضطرب ساعة ثم هدأ فما زال يتشهد إلى وقت السحر، ثم مات رحمه الله تعالى. (٨٠) وكان ولده أبو جعفر أحمد بن عبد الله المذكور فقيهاً (٢) ، وروى عن أبيه كتبه المصنفة كلها وتولى القضاء بمصر، وقدمها في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، توفي بها في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة، وهو على القضاء ومولده ببغداد. والناس يقولون: إن أكثر أهل العلم يقولون: إن أدب الكاتب خطبة بلا كتاب، وإصلاح المنطق كتاب بلا خطبة، وهذا فيه نوع تعصب عليه، فإن " أدب الكاتب " قد حوى من كل شيء وهو مفنَّن، وما أظن حملهم على هذا القول إلا أن الخطبة طويلة، و " الإصلاح " بغير خطبة، وقيل أنه صنف هذا الكتاب لأبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المعتمد على الله بن المتوكل على الله الخليفة العباسي، وقد شرح هذا الكتاب أبو محمد بن السيد البطليوسي - الآتي ذكره أن شاء الله تعالى - شرحاً مستوفى، ونبه على مواضع الغلط منه، وفيه دلالة على كثرة اطلاع الرجل، وسماه الاقتضاب في " شرح أدب الكتَّاب ". وقتيبة: بضم القاف وفتح التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من

стр. 1055

تحتها وبعدها باء موحدة ثم هاء ساكنة، وهي تصغير قتبة بكسر القاف، وهي واحدة الأقتاب، والأقتاب: الأمعاء، وبها سمي الرجل، والنسبة إليه قتبيّ. والدينوري: بكسر الدال المهملة، وقال السمعاني بفتحها وليس بصحيح وبسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون والواو وبعدها راء، هذه النسبة إلى دينور، وهي بلدة من بلاد الجبل عند قرميسين خرج منها خلق كثير. ٣٢٩ - (١) ابن درستويه أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان الفارسي الفسوي النحوي؛ كان عالماً فاضلاً أخذ فن الأدب عن ابن قتيبة - المقدم ذكره - وعن المبرد وغيرهما ببغداد، وأخذ عنه جماعة من الأفاضل كالدارقطني وغيره. وكانت ولادته في سنة ثمان وخمسين ومائتين، وتوفي يوم الاثنين لتسع (٢) بقين من صفر، وقيل لست بقين منه، سنة سبع وأربعين وثلثمائة ببغداد، رحمه الله تعالى. وكان أبوه من كبار المحدثين وأعيانهم. ودرستويه: بضم الدال المهملة والراء وسكون السين المهملة، وضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة، هكذا قاله السمعاني، وقال غيره: هو بفتح الدال والراء والواو، وهذا القائل هو ابن ماكولا في كتاب الاكمال. والفارسي والفسوي قد تقدم الكلام عليهما في ترجمة البساسيري في حرف الهمزة. وتصانيف في غاية الجودة والإتقان، منها: " تفسير كتاب الجرمي "
следующие страницы →