٣٢٦ - (١)
القعنبي
أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنبٍ الحارثي المعروف بالقعنبي، كان من أهل المدينة، وأخذ العلم والحديث عن الإمام مالك ﵁، وهو من جلة أصحابه وفضلائهم وثقاتهم وخيارهم، وهو أحد رواة " الموطأ " عنه، فإن " الموطأ " رواه عن مالك ﵁ جماعة، وبين الروايات اختلاف، وأكملها رواية يحيى بن يحيى - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وكان يسمى " الراهب " لعبادته وفضله. وقال عبد الله بن أحمد بن الهيثم: سمعت جدي يقول: كنا إذا أتينا عبد الله بن مسلمة القعنبي خرج إلينا كأنه مشرف على جهنم، ونعوذ بالله منها. وكان القعنبي يسكن البصرة، وهو من الثقات في روايته. وتوفي يوم الجمعة لست خلون من المحرم سنة إحدى وعشرين ومائتين بالبصرة، رحمه الله تعالى، وذكر أبو القاسم ابن بشكوال في تسمية من روى " الموطأ " عن مالك أنه توفي بمكة، والله أعلم.
والقعنبي: بفتح القاف وسكون العين المهملة وفتح النون وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى جده المذكور أعلاه، رحمه الله تعالى.
стр. 1052
٣٢٧ - (١)
ابن كثير المقرئ
أبو سعيد (٢) عبد الله بن كثير؛ أحد القراء السبعة. توفي سنة عشرين ومائة بمكة، رحمه الله تعالى، ولم أقف على شيء من حاله لأذكره. ثم وجدت صاحب كتاب " الإقناع " في القراءات (٣) ذكره فقال: ابن كثير، المكي الداري - والدار بطن من لخم منهم تميم الداري ﵁، وقيل إنما نسب إلى دارين لأنه كان عطاراً، وهو موضع الطيب، وهذا هو الصحيح - قالوا: وهو مولى عمرو بن علقمة الكناني، وهو من أبناء فارس الذين بعثهم كسرى بالسفن إلى اليمن حين طرد الحبشة عنها، وكان يخضب بالحناء، وكان قاضي الجماعة بمكة، وهو من الطبقة الثانية من التابعين، وكان شيخاً كبيراً، أبيض الرأس واللحية طويلاً جسيماً أسمر أشهل العينين، يغير شيبته بالحناء أو بالصفرة، وكان حسن السكينة، ولد بمكة سنة خمس وأربعين، ومات بها سنة عشرين ومائة (٤) .
ثم قال هذا المصنف: ما ذكر من وفاته هو كالإجماع بين القراء، ولا يصح عندي، لأن عبد الله بن إدريس الأودي قرأ عليه، ومولد ابن إدريس سنة خمس عشرة ومائة، فكيف تصح قراءته عليه لولا ابن كثير تجاوز سنة عشرين وإنما الذي مات فيها عبد الله بن كثير القرشي وهو غير القارىء، وأصل الغلط في هذا من أبي بكر ابن مجاهد، والله أعلم (٥) .
стр. 1053
(٧٨) وراوياه: قنبل وهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد بن جرجة المكي المخزومي (١) ، توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين وله ست وتسعون سنة.
(٧٩) وراويه الآخر البزي، وهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة بشار الفارسي، كنيته أبو الحسن (٢) ، توفي سنة سبعين ومائتين وله ثمانون سنة، ﵏ أجمعين.
٣٢٨ - (٣)
ابن قتيبة
أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل المروزي، النحوي اللغوي صاحب كتاب " المعارف " و " أدب الكاتب "؛ كان فاضلاً ثقة، سكن بغداد وحدث بها عن إسحاق بن راهويه وأبي إسحاق إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زياد بن أبيه الزيادي (٤) وأبي حاتم السجستاني وتلك الطبقة، وروى عنه ابنه أحمد وابن دُر ستُويه الفارسي، وتصانيفه كلها مفيدة، منها ما تقدم ذكره، ومنها " غريب القرآن الكريم " و " غريب الحديث " و " عيون الأخبار " و " مشكل القرآن " و " مشكل الحديث " و " طبقات الشعراء " و " الأشربة " و " إصلاح الغلط " و " كتاب التقفية " و " كتاب الخيل " و " كتاب إعراب القراءات " (٥)
стр. 1054
و " كتاب الأنواء " و " كتاب المسائل والجوابات " (١) و " كتاب الميسر والقداح " وغير ذلك. وأقرأ كتبه ببغداد إلى حين وفاته، وقيل أن أباه مروزي، وأما هو فمولده ببغداد، وقيل بالكوفة، وأقام بالدِّينورِ مدةً قاضياً فنسب إليها.
وكانت ولادته سنة ثلاث عشرة ومائتين، وتوفي في ذي القعدة سنة سبعين، وقيل سنة إحدى وسبعين، وقيل أول ليلة في رجب، وقيل منتصف رجب سنة ست وسبعين ومائتين، والأخير أصح الأقوال، وكانت وفاته فجأة، صاح صيحة سمعت من بُعد ثم أغمي عليه ومات، وقيل أكل هريسة فأصابه حرارة ثم صاح صيحة شديدة ثم أغمي عليه إلى وقت الظهر ثم اضطرب ساعة ثم هدأ فما زال يتشهد إلى وقت السحر، ثم مات رحمه الله تعالى.
(٨٠) وكان ولده أبو جعفر أحمد بن عبد الله المذكور فقيهاً (٢) ، وروى عن أبيه كتبه المصنفة كلها وتولى القضاء بمصر، وقدمها في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، توفي بها في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة، وهو على القضاء ومولده ببغداد.
والناس يقولون: إن أكثر أهل العلم يقولون: إن أدب الكاتب خطبة بلا كتاب، وإصلاح المنطق كتاب بلا خطبة، وهذا فيه نوع تعصب عليه، فإن " أدب الكاتب " قد حوى من كل شيء وهو مفنَّن، وما أظن حملهم على هذا القول إلا أن الخطبة طويلة، و " الإصلاح " بغير خطبة، وقيل أنه صنف هذا الكتاب لأبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المعتمد على الله بن المتوكل على الله الخليفة العباسي، وقد شرح هذا الكتاب أبو محمد بن السيد البطليوسي - الآتي ذكره أن شاء الله تعالى - شرحاً مستوفى، ونبه على مواضع الغلط منه، وفيه دلالة على كثرة اطلاع الرجل، وسماه الاقتضاب في " شرح أدب الكتَّاب ".
وقتيبة: بضم القاف وفتح التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من
стр. 1055
تحتها وبعدها باء موحدة ثم هاء ساكنة، وهي تصغير قتبة بكسر القاف، وهي واحدة الأقتاب، والأقتاب: الأمعاء، وبها سمي الرجل، والنسبة إليه قتبيّ. والدينوري: بكسر الدال المهملة، وقال السمعاني بفتحها وليس بصحيح وبسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون والواو وبعدها راء، هذه النسبة إلى دينور، وهي بلدة من بلاد الجبل عند قرميسين خرج منها خلق كثير.
٣٢٩ - (١)
ابن درستويه
أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان الفارسي الفسوي النحوي؛ كان عالماً فاضلاً أخذ فن الأدب عن ابن قتيبة - المقدم ذكره - وعن المبرد وغيرهما ببغداد، وأخذ عنه جماعة من الأفاضل كالدارقطني وغيره. وكانت ولادته في سنة ثمان وخمسين ومائتين، وتوفي يوم الاثنين لتسع (٢) بقين من صفر، وقيل لست بقين منه، سنة سبع وأربعين وثلثمائة ببغداد، رحمه الله تعالى. وكان أبوه من كبار المحدثين وأعيانهم. ودرستويه: بضم الدال المهملة والراء وسكون السين المهملة، وضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة، هكذا قاله السمعاني، وقال غيره: هو بفتح الدال والراء والواو، وهذا القائل هو ابن ماكولا في كتاب الاكمال.
والفارسي والفسوي قد تقدم الكلام عليهما في ترجمة البساسيري في حرف الهمزة.
وتصانيف في غاية الجودة والإتقان، منها: " تفسير كتاب الجرمي "
стр. 1056
و " الارشاد " في النحو، و " كتاب الهجاء " و " شرح الفصيح والرد على المفضل الضبي في الرد على الخليل " و " كتاب الهداية " و " كتاب المقصور والممدود " و " كتاب غريب الحديث " و " كتاب معاني الشعر " و " كتاب الحي والميت " و " كتاب التوسط بين الأخفش وثعلب في تفسير القرآن " و " كتاب خبر قس بن ساعدة " و " كتاب الأعداد " و " كتاب أخبار النحويين " و " كتاب الرد على الفراء في المعاني "، وله عدة كتب شرع فيها ولم يكملها.
٣٣٠ - (١)
الكعبي
أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي العالم المشهور، كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم الكعبية، وهو صاحب مقالات، ومن مقالته: أن الله ليست له إرادة، وأن جميع أفعاله واقعة منه من غير إرادة ولا مشيئة منه لها. وكان من كبار المتكلمين، وله اختيارات في علم الكلام، وتوفي مستهل شعبان سنة سبع عشرة وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والكعبي: بفتح الكاف وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة هذه النسبة إلى بني كعب.
والبلخي: بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبعدها خاء معجمة، هذه النسبة إلى بلخ إحدى مدن خراسان.
стр. 1057
٣٣١ - (١)
القفال المروزي
أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله الفقيه الشافعي المعروف بالقفال المروزي؛ كان وحيد زمانه فقهاً وحفظاً وورعاً وزهداً، وله في مذهب الإمام الشافعي من الآثار ما ليس لغيره من أبناء عصره، وتخاريجه كلها جيدة وإلزاماته لازمة؛ واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، منهم الشيخ أبو علي السنجي والقاضي حسين بن محمد - وقد تقدم ذكرهما - والشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وغيرهم، وكل واحد من هؤلاء صار إماماً يشار إليه، ولهم التصانيف النافعة ونشروا علمه في البلاد وأخذه عنهم أئمة كبار أيضاً.
وكان ابتداء اشتغاله بالعلم على كبر السن بعدما أفنى شبيبته في عمل الأقفال ولذلك قيل له القفال وكان ماهراً في عملها. ويقال إنه لما شرع في التفقه كان عمره ثلاثين سنة، وشرح فروع أبي بكر محمد بن الحداد المصري فأجاد في شرحها، وشرحها أيضاً أبو علي السنجي المذكور والقاضي أبو الطيب الطبري، وهو كتاب مشكل مع صغر حجمه، وفيه مسائل عويصة وغريبة، والمبرز من الفقهاء الذي يقدر على حلها وفهم معانيها وسيأتي ذكر مصنفها في حرف الميم إن شاء الله تعالى.
وكانت وفاة القفال المذكور في بعض شهور سنة سبع عشرة وأربعمائة، وهو ابن تسعين سنة، ودفن بسجستان، وقبره بها معروف يزار، رحمه الله تعالى.
стр. 1058
٣٣٢ - (١)
الشيخ أبو محمد الجويني
أبو محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد حيويه الجويني الفقيه الشافعي والد إمام الحرمين - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى -؛ كان إماماً في التفسير والفقه والأصول والعربية والأدب، قرأ الأدب أولاً على أبيه أبي يعقوب يوسف بجوين، ثم قدم نيسابور واشتغل بالفقه على أبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي - المقدم ذكره في حرف السين - ثم انتقل إلى أبي بكر القفال المروزي المذكور قبله، واشتغل عليه بمرو ولازمه واستفاد منه وانتفع به وأتقن عليه المذهب والخلاف وقرأ عليه طريقته وأحكمها، فلما تخرج عليه عاد إلى نيسابور سنة سبع وأربعمائة وتصدّر للتدريس والفتوى فتخرّج عليه خلق كثير منهم ولده إمام الحرمين.
وكان مهيباً لا يجري بين يديه إلا الجد، وصنف التفسير الكبير المشتمل على أنواع العلوم، وصنف في الفقه التبصرة والتذكرة ومختصر المختصر والفرق والجمع والسلسلة وموقف الإمام والمأموم وغير ذلك من التعاليق، وسمع الحديث الكثير.
وتوفي في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين، كذا قال السمعاني في كتاب الذيل، وقال في الأنساب في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة بنيسابور، والله أعلم. وقال غيره: وهو في سن الكهولة، رحمه الله تعالى. وقال الشيخ أبو صالح المؤذن: مرض الشيخ أبو محمد الجويني سبعة عشر يوماً، وأوصاني أن أتولّى غسله وتجهيزه، فلما توفي غسلته، فلما لففته في الكفن رأيت يده اليمنى إلى الإبط زهراء منيرةً من غير سوء، وهي تتلألأ تلألؤ القمر، فتحيرت وقلت في
стр. 1059
نفسي: هذه بركات فتاويه.
وحيويه: بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها وضمها وسكون الواو وفتح الياء الثانية وبعدها هاء.
والجويني: بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، هذه النسبة إلى جوين، وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور تشتمل على قرىً كثيرة مجتمعة.
٣٣٣ - (١)
أبو زيد الدبوسي
أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدّبوسيّ الفقيه الحنفي؛ كان من كبار أصحاب الإمام أبي حنيفة، ﵁، ممن يضرب به المثل، وهو أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود، وله كتاب الأسرار والتقويم للأدلة وغيره من التصانيف والتعاليق. وروي أنه ناظر بعض الفقهاء فكان كلما ألزمه أبو زيد إلزاماً تبسم أو ضحك، فأنشد أبو زيد:
ما لي إذا ألزمته حجّةً ... قابلني بالضّحك والقهقهة
إن كان ضحك المرء من فقهه ... فالدبّ (٢) في الصحراء ما أفقهه وكانت وفاته بمدينة بخارى سنة ثلاثين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والدّبوسيّ: بفتح الدال المهملة وضم الباء الموحدة وبعدها واو ساكنة وسين مهملة، هذه النسبة إلى دبوسة (٣) ، وهي بليدة بين بخارى وسمرقند نسب إليه جماعة من العلماء.
стр. 1060
٣٣٤ - (١)
المرتضى بن الشهرزوري
أبو محمد عبد الله بن القاسم بن المظفر بن عليّ بن القاسم الشّهرزوريّ المنعوت بالمرتضى، والد القاضي كمال الدين - وسيأتي ذكر ولده ووالده إن شاء الله تعالى -؛ كان أبو محمد المذكور مشهوراً بالفضل والدين، وكان مليح الوعظ مع الرشاقة والتجنيس، وأقام ببغداد مدة يشتغل بالحديث والفقه، ثم رجع إلى الموصل وتولى بها القضاء وروى الحديث، وله شعر رائق، فمن ذلك قصيدته التي على طريقة الصوفية ولقد أحسن فيها وهي:
لمعت نارهم وقد عسعس اللي ... ل وملَّ الحادي وحار الدليل
فتأملتها وفكري من البي ... ن عليلٌ ولحظ عيني كليل
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى ... وغرامي ذاك الغرام الدخيل
ثم قابلتها وقلت لصحبي ... هذه النار نار ليلى فميلوا
فرموا نحوها لحاظاً صحيحا ... تٍ فعادت خواسئاً وهى حول
ثم مالوا إلى الملام وقالوا ... خلبٌ ما رأيت أم تخييل
فتجنبتهم وملت إليها ... والهوى مركبي وشوقي الزميل
ومعي صاحب أتى يقتفي الآ ... ثار والحب شرطه التطفيل
وهي تعلو ونحن ندنو إلى أن ... حجزت دونها طلولٌ محول
فدنونا من الطلول فحالت ... زفراتٌ من دونها وغليل
قلت: من بالديار قالوا: جريحٌ ... وأسيرٌ مكبلٌ وقتيل
стр. 1061
ما الذي جئت تبتغي قلت: ضيف ... جاء يبغي القرى فأين النزول
فأشارت بالرحب دونك فاعقر ... ها فما عندنا لضيفٍ رحيل
من أتانا ألقى عصا السير عنه ... قلت: من لي بها وأين السبيل
فحططنا إلى منازل قومٍ ... صرعتهم قبل المذاق الشمول
درس الوجد منهم كل رسمٍ ... فهو رسمٌ والقوم فيه حلول
منهم من عفا ولم يبق للشك ... وى ولا للدموع فيه مقيل
ليس إلا الأنفاس تخبر عنه ... وهو عنها مبرَّأ معزول
ومن القوم من يشير إلى وج ... دٍ تبقَّى عليه منه القليل
ولكلٍ رأيت منه مقاماً ... شرحه في الكتاب مما يطول
قلت أهل الهوى سلامٌ عليكم ... لي فؤادٌ عنكم بكم مشغول
وجفونٌ قد أقرحتها من الدم ... ع حثيثاً إلى لقاكم سيول
لم يزل حافز من الشوق يحدو ... ني إليكم والحادثات تحول
واعتذاري ذنبٌ فهل عند من ... يعلم عذري في ترك عذري قبول
جئت كي أصطلي فهل لي إلى نا ... ركم هذه الغداة سبيل
فأجابت شواهد الحال عنهم ... كل حدٍّ من دونها مفلول
لا تروقنّك الرياض الأنيقا ... ت فمن دونها ربًى ودحول
كم أتاها قومٌ على غرّةٍ من ... ها وراموا أمراً فعزًّ الوصول
وقفوا شاخصين حتى إذا ما ... لاح للوصل غرّةٌ وحجول
وبدت راية الوفا بيد الوج ... د ونادى أهل الحقائق جولوا
أين من كان يدَّعينا فهذا ال ... يوم فيه صبغ الدعاوى يحول
حملوا حملة الفحول ولايص ... رع يوم اللقاء إلا الفحول
بذلوا أنفساً سخت حين شحَّت ... بوصالٍ واستصغر المبذول
ثم غابوا من بعد ما اقتحموها ... بين أمواجها وجاءت سيول
قذفتهم إلى الرسوم فكلٌّ ... دمه في طلولها مطلول
стр. 1062
نارنا هذه تضيء لمن يس ... ري بليلٍ لكنها لا تنيل
منتهى الحظ ما تزوّد منها اللح ... ظ والمدركون ذاك قليل
جاءها من عرفت يبغي اقتباساً ... وله البسط والمنى والسُّول
فتعالت عن المنال وعزَّت ... عن دنوٍّ إليه وهو رسول
فوقفنا كما عهدت حيارى ... كلُّ عزمٍ من دونها مخذول
ندفع الوقت بالرجاء وناهي ... ك بقلبٍ غذاؤه التعليل
كلما ذاق كأس يأسٍ مريرٍ ... جاء كأسٌ من الرجا معسول
فإذا سوَّلت له النفس أمراً ... حيد عنه وقيل: صبرٌ جميل
هذه حالنا وما وصل العل ... م إليه، وكلُّ حال تحول وإنما أثبت هذه القصيدة بكاملها لأنها قليلة الوجود وهي مطلوبة. وحكي عن بعض المشايخ أنه رأى في النوم قائلاً يقول: ما قيل في الطريق مثل القصيدة الموصلية، يعني هذه.
وأنشد له مجد العرب العامري دوبيت:
يا قلب إلام لا يفيد النصح ... دع مزحك كم جنى عليك المزح
ما جارحة فيك عداها جرح ... ما تشعر بالخمار حتى تصحو وأورد له العماد الكاتب في الخريدة قوله (١) :
فعاودت قلبي أسأل الصبر وقفةً ... عليها فلا قلبي وجدت ولا صبري
وغابت شموس الوصل عني وأظلمت ... مسالكه حتى تحيرت في أمري
فما كان إلا الخطف حتى رأيتها ... محكّمة والقلب في ربقة الأسر وله من أبيات:
стр. 1063
وبانوا فكم دمعٍ من الأسر أطلقوا ... نجيعاً وكم قلبٍ أعادوا إلى الأسر
فلا تنكروا خلعي عذاري تأسُّفاً ... عليهم فكم أوضحت عندكم عذري ومن شعره أيضاً (١) :
بقلبي منهم علق ... ودمعي فيهم علق
وعندي منهم حرق ... لها الأحشاء تحترق
ونحن ببابهم فرق ... أذاب قلوبنا الفرق
وما تركوا سوى رمقٍ ... فليتهم له رمقوا
فلا وصلٌ ولا هجرٌ ... ولا نومٌ ولا أرق
ولا يأسٌ ولا طمعٌ ... ولا صبرٌ ولا قلق
فليتهم وقد قطعوا ... ولم يُبقوا عليَّ بَقوا
أأفنى في محبتهم (٢) ... وطيب محبتي عبق
كمثل الشمع يمتع من ... ينادمه ويمَّحق وله أيضاَ:
يا ليل (٣) ما جئتكم زائراً ... إلا وجدت الأرض تطوى لي
ولا ثنيت العزم عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي وغالب شعره على هذا الأسلوب.
وكانت ولادته في شعبان سنة خمس وستين وأربعمائة، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وخمسمائة بالموصل، ودفن في التربة المعروفة بهم، رحمه الله تعالى.
стр. 1064
وذكر عماد الدين الكاتب الأصبهاني في كتاب " الخريدة " (١) في ترجمة المرتضى المذكور قال السمعاني: إنه سمع أن القاضي أبا محمد، يعني المرتضى المذكور، توفي بعد سنة عشرين وخمسمائة، والله أعلم.
٣٣٥ - (٢)
شرف الدين ابن أبي عصرون
أبو سعد عبد الله بن أبي السَّريِّ محمد بن هبة الله بن مطهّر بن علي بن أبي عُصرون ابن أبي السَّريِّ التميمي الحديثي ثم الموصلي، الفقيه الشافعي الملقب شرف الدين؛ كان من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره (٣) ، وممن سار ذكره وانتشر أمره. قرأ في صباه القرآن الكريم بالعشر على أبي الغنائم السُّلمي السّروجي والبارع أبي عبد الله ابن الدباس وأبي بكر المزرفي وغيرهم. وتفقه أولاً على القاضي المرتضى أبي محمد عبد الله بن القاسم الشهرزوري - المذكور قبله - وعلى أبي عبد الله الحسين بن خميس الموصلي، ثم على أسعد الميهني ببغداد، وأخذ الأصول عن أبي الفتح ابن برهان الأصولي، وقرأ الخلاف، وتوجه إلى مدينة واسط وقرأ على قاضيها الشيخ أبي علي الفارقي - المذكور في حرف الحاء - وأخذ عنه فوائد المهذب، ودرس بالموصل في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وأقام بسنجار مدة ثم انتقل إلى حلب في سنة خمس وأربعين، ثم قدم دمشق لما ملكها الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي في صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة، ودرس بالزاوية الغربية من جامع دمشق وتولى أوقاف
стр. 1065
المساجد، ثم رجع إلى حلب، وأقام بها وصنف كتباً كثيرة في المذهب، منها صفوة المذهب من نهاية المطلب في سبع مجلدات، وكتاب الانتصار في أربع مجلدات، وكتاب المرشد في مجلدين، وكتاب الذريعة في معرفة الشريعة وصنف التيسير في الخلاف أربعة أجزاء، وكتاباً سماه " ما أخذ (١) النظر " و " مختصراً في الفرائض "، وكتاباً سماه " الإرشاد المغرب في نصرة المذهب " ولم يكمله، وذهب فيما نهب (٢) له بحلب. واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وتعين بالشام وتقدم عند نور الدين صاحب الشام وبنى له المدارس بحلب وحماة وحمص وبعلبك وغيرها، وتولى القضاء بسنجار ونصيبين وحران وغيرها من ديار بكر، ثم عاد إلى دمشق في سنة سبعين وخمسمائة، وتولى القضاء بها في سنة ثلاث وسبعين عقيب انفصال القاضي ضياء الدين أبي الفضائل القاسم بن تاج الدين يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري - حسبما شرحته في ترجمة القاضي كمال الدين أبي الفضل محمد الشهرزوري.
ثم عمي في آخر عمره قبل موته في عشر سنين، وابنه محيي الدين محمد ينوب عنه وهو باق على القضاء، وصنف جزءاً لطيفاً في جواز قضاء الأعمى، وهو على خلاف مذهب الشافعي. ورأيت في كتاب الزوائد تأليف أبي الحسين العمراني صاحب كتاب البيان وجهاً أنه يجوز، وهو غريب لم أره في غير هذا الكتاب. ووقع لي كتاب جميعه بخط السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، قد كتبه من دمشق إلى القاضي الفاضل وهو بمصر وفيه فصول من جملتها حديث الشيخ شرف الدين المذكور، وما حصل له من العمى، وأنه يقول: إن قضاء الأعمى جائز، وإن الفقهاء قالوا: إنه غير جائز، فتجتمع بالشيخ أبي الطاهر بن عوف الاسكندراني وتسأله عما ورد من الأحاديث في قضاء الأعمى: هل يجوز أم لا
وبالجملة فلا شك في فضله. وقد ذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخ دمشق، وذكره العماد الكاتب في كتاب الخريدة وأثنى عليه،
стр. 1066
وقال: ختمت به الفتاوى، وذكر له شيئاً من الشعر، وأنشدني بعض المشايخ قال: سمعته كثيراً ما ينشد، ولا أعلم هل هو له أم لا، وذكرهما العماد الكاتب في الخريدة:
أؤمِّل أن أحيا وفي كلِّ ساعةٍ ... تمرُّ بي الموتى تهزُّ نعوشها
وهل أنا إلا مثلهم غير أنَّ لي ... بقايا ليالٍ في الزمان أعيشها وأورد له أيضاً في الخريدة:
أؤمل وصلاً من حبيبٍ وإنني ... على ثقةٍ عما قليل أفارقه
تجارى بنا خيل الحمام كأنما ... يسابقني نحو الردى وأسابقه
فيا ليتنا متنا معاً ثم لم يذق ... مرارة فقدي لا ولا أنا ذائقه وأورد له أيضاً:
يا سائلي كيف حالي بعد فرقته ... حاشاك مما بقلبي من تنأيكا
قد أقسم الدمع لا يجفوا الجفون أسىً ... والنوم لازهارها حتى الأقيكا وأورد له أيضاً:
وما الدهر إلا ما مضى وهو فائتٌ ... وما سوف يأتي وهو غير محصل
وعيشك فيما أنت فيه فإنه ... زمان الفتى من مجمل ومفصل وكانت ولادته يوم الاثنين الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بالموصل. وتوفي ليلة الثلاثاء الحادية عشرة من شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة بمدينة دمشق ودفن في مدرسته التي أنشأها داخل البلد، وهي معروفة به، وزرت قبره مراراً، رحمه الله تعالى.
[ولما توفي القاضي ورد من القاضي الفاضل تعزية فيه جواباً عن كتاب ورد عليه بذلك والتعزية، وصل كتاب الذات الكريمة - جمع الله شملها وسر بها أهلها ويسر إلى الخيرات سبلها وجعل في ابتغاء رضوانه قولها وفعلها - وفيه
стр. 1067
زيادة هي نقص الإسلام، وثلم في البرية يتجاوز رتبة الانثلام إلى الانهدام، وذلك ما قضاه الله [وقدره] (١) من وفاة الإمام شرف الدين بن أبي عصرون رحمه لله تعالى، وما حصل بموته من نقص الأرض من أطرافها، ومن مساءة أهل الملة ومسرة أهل خلافها، فلقد كان علماً للعلم منصوباً، وبقية من بقايا السلف الصالح محسوباً] (٢) .
[والعلم بالشام زرعه وكل من انتفع فعليه كان وإليه ينسب نفعه، ﵁ وأرضاه، ونضح بماء الرحمة مثواه وما مات من أبقى تلك التصانيف التي هي المعنى المغني، بل ما مات من ولده المحيي، فإنه والله لآثاره ولعلمه المحيي، والحضرة تنوب عني في تعزيته، والقيام بحق تسليته، وقد ساءتني الغيبة عن مشهده، وتغبير القدم وراء سريره والتوسل إلى الله في ساعة مقدمه، ولقد علم الله اغتمامي لفقد حضرته، واستيحاشي لخلو الدنيا من بركته، واهتمامي بما عدمت من النصيب الموفور [كان] من أدعيته، وما مات بحمد الله حتى أحرز غيبته بأولاد كرام بررة، وأنشأ طلبةً للعلم نقلة وللمدارس عمرة، وحتى بنى لله المدارس والمساجد، وأحيا نهاره وليله بين راكع وساجد، فهو حيٌ لمجده، وإنما نحن الموت بفقده، وتعذر عليه أن ينتقل بقايا الخير وأعقاب السلف وأن يفارق من ليس لنا منه لولا خلفه خلف "] (٣) .
والحديثي: بفتح الحاء المهملة وكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة، هذه النسبة إلى حديثة الموصل، وهي بليدة على دجلة بالجانب الشرق قرب الزاب الأعلى، وهي غير الحديثة التي يقال لها حديثة النورة، وهي قلعة حصينة على فراسخ من الأنبار في وسط الفرات (٤) ، والماء
стр. 1068
محيط بها وحديثة الموصل هي آخر حدّ أرض السواد في الطول، وقول الفقهاء في كتبهم أرض السواد ما بين حديثة الموصل إلى عبَّادان طولاً، ومن القادسية إلى حلوان عرضاً، يريدون به هذه الحديثة لا حديثة الفرات.
٣٣٦ - (١)
ابن أسعد الموصلي
أبو الفرج عبد الله بن أسعد بن علي بن عيسى بن علي المعروف بابن الدهان الموصلي، ويعرف بالحمصي أيضاً، الفقيه الشافعي المنعوت بالمهذّب؛ كان فقيهاً فاضلاً أديباً شاعراً لطيف الشعر مليح السبك حسن المقاصد، غلب عليه الشعر واشتهر به (٢) وله ديوان صغير (٣) وكله جيد، وهو من أهل الموصل ولما ضاقت به الحال عزم على قصد الصالح بن رُزّيك وزير مصر المذكور في حرف الطاء (٤) ، وعجزت قدرته عن استصحاب زوجته فكتب إلى الشريف ضياء الدين (٥) أبي عبد الله (٦) زيد بن محمد بن محمد بن عبيد الله الحسيني نقيب العلويين بالموصل هذه الأبيات (٧) :
وذات شجوٍ أسال البين عبرتها ... باتت تؤمِل بالتفنيد إمساكي
стр. 1069
لجت فلما رأتني لا أصيخ لها ... بكت فأقرح قلبي جفنها الباكي
قالت وقد رأت الأجمال محدجةً ... والبين قد جمع المشكو والشاكي
من لي إذا غبت في ذا المحل قلت لها ... الله وابن عبيد الله مولاك
لا تجزعي بانحباس الغيث عنك فقد ... سألت نوء الثريا جود مغناك فتكفل الشريف المذكور لزوجته بجميع ما تحتاج إليه مدة غيبته عنها. ثم توجه إلى مصر ومدح الصالح بن رزيك بالقصيدة الكافية، وقد ذكرت بعضها هناك، ثم تقلبت به الأحوال وتولى التدريس بمدينة حمص، وأقام بها فلهذا ينسب إليها.
قال العماد الكاتب فيه " الخريدة " (١) : مازلت وأنا بالعراق، إلى لقائه بالأشواق، فإني كنت أقف على قصائده المستحسنة، ومقاصده الحسنة، وقد سارت كافيته بين فضلاء الزمان كافةً فشهدت بكفايته، وسجلت بأن أهل العصر لم يبلغوا إلى غايته. ثم قال بعض الثناء عليه: فيه تمتمة تسفر عن فصاحة تامة، وعقدة لسانٍ تبين فقه في القول. ثم قال بعد ذلك: ولما وصل السلطان صلاح الدين ﵀ إلى حمص وخيم بظاهرها خرج إلينا أبو الفرج المذكور، فقدمته إلى السلطان، وقلت له: هذا الذي يقول في قصيدته الكافية التي في ابن رزيك:
أأمدح الترك أبغي الفضل عندهم ... والشعر ما زال عند الترك متروكا قال: فأعطاه السلطان وقال: حتى لا يقول (٢) إنه متروك، ثم امتدح السلطان بقصيدته العينية التي يقول فيها (٣) :
قل للبخيلة بالسلام تورعاً ... كيف استبحت دمي ولم تتورعي
стр. 1070
وزعمت أن تصلي بعامٍ قابلٍ ... هيهات أن أبقى إلى أن ترجعي
أبديعة الحسن التي في وجهها ... دون الوجه علامة للمبدع
ما كان ضرك لو غمزت بحاجبٍ ... يوم التفرق أو أشرت بإصبع
وتيقني إني بحبك مغرم ... ثم اصنعي ما شئت بي أن تصنعي وقال العماد أيضاً: أنشدني هذين البيتين وزعم أنه أبتكر معناهما ولم يسبق إليه، وهما (١) :
تردي الكتائب كتبه فإذا انبرت ... لم تدر أنفذ أسطراً أم عسكرا
لم يحسن الإتراب فوق سطورها ... إلا لأن الجيش يعقد عثيرا وهذان البيتان من جملة قصيدة ولقد أبدع فيهما. وفي معنى تشبيه القلم بالجيش قول بعضهم:
قوم إذا أخذوا الأقلام عن غضب ... ثم استمدوا بها ماء المنيات
نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لم ينالوا بحد المشرفيات قلت: ومعنى البيت الأول ينظر إلى قول أبي تمام الطائي في مدح محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم (٢) :
هززت أمير المؤمنين محمداً ... فكان ردينياً وأبيض منصلا
فما إن تبالي إذ تجهز رأيه ... إلى ناكث أن لا تجهز جحفلا ثم إني وجدت معنى البيت الثاني للأستاذ أبي إسماعيل الحسين بن علي المنشئ الطغرائي المقدم ذكره وهو من جملة قصيدة يمدح بها نظام الملك:
إذا ما دجا ليل العجاجة لم يزل ... بأيديهم جمرٌ إلى الهند منسوب
стр. 1071
عليها سطور الضرب يعجمها القنا ... صحائف يغشاها من النقع تتريب ومن شعره السائر (١) :
يضحي يجانبي مجانبة العدا ... ويبيت وهو إلى الصباح نديم
ويمر بي يخشى الرقيب فلفظه ... شتمٌ وغنج لحاظه تسليم وله في غلام لسبته نحلة في شفته (٢) :
بأبي من لسبته نحلةٌ ... ألمت أكرم شيء وأجل
أثرت لسبتها في شفةٍ ... ما براها الله إلا للقبل
حسبت أن بفيه (٣) بيتها ... إذا رأت ريقته مثل العسل ولولا خوف الإطالة لذكرت له أشياء بديعة.
وتوفي بمدينة حمص في شعبان سنة إحدى، وقيل اثنتين وثمانين وخمسمائة، والثاني ذكره في السيل والذيل والأول أصح، رحمه الله تعالى، وقد قارب ستين سنة.
(٨١) وتوفي الشريف ابن عبيد الله المذكور بالموصل سنة ثلاث وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وكان رئيساً جواداً كثير الإحسان جم الإفضال، وله شعر فمنه قوله:
قالوا سلا، صدقوا عن ... السلوان ليس عن الحبيب
قالوا فلم ترك الزيا ... رة قلت من خوف الرقيب
قالوا وكيف تعيش مع ... هذا فقلت من العجيب (٤)
стр. 1072
وذكره عماد الدين في كتاب " الخريدة " (١) وبالغ في الثناء عليه، ثم قال: وسمعت ببغداد أبياتاً يغنى بها فنسبها بعض الشاميين إلى الشريف ضياء الدين المذكور، منها:
يا بانة الوادي التي سفكت دمي ... بلحاظها بل يا فتاة (٢) الأجرع
لي أن أبثَّ إليك ما ألقاه من ... ألم الهوى وعليك أن لا تسمعي
كيف السبيل إلى تناول حاجة ... قصرت يدي عنها كزند الأقطع ٣٣٧ (٣)
ابن شاس
أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار بن عشاير بن عبد الله بن محمد بن شاس الجذامي السعدي الفقيه المالكي المنعوت بالجلال؛ كان فقيهاً فاضلاً في مذهبه عارفاً بقواعده، رأيت بمصر جمعاً كبيراً من أصحابه يذكرون فضائله، وصنف في الإمام مالك ﵁ كتاباً نفيساً أبدع فيه، وسماه الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة وضعه على ترتيب الوجيز تصنيف حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، رحمه الله تعالى، وفيه دلالة على غزارة فضله، والطائفة المالكية بمصر عاكفة عليه لحسنه وكثرة فوائده. وكان مدرساً بمصر بالمدرسة المجاورة للجامع، وتوجه إلى ثغر دمياط لما أخذه العدو المخذول بنية الجهاد، فتوفي هناك في جمادى الآخرة أو في رجب سنة ست عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 1073
وشاس: بالشين المعجمة والسين المهملة بينهما ألف.
والجذامي والسعدي: قد تقدم الكلام عليهما.
٣٣٨ - (١)
عبد الله بن العباس بن عبد المطلب
أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم رسول الله ﷺ ، توفي رسول الله عليه وسلم وله ثلاث عشرة سنة، وكان ﷺ دعا له فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.
وحرق عليّ ﵁ قوماً من الزنادقة فأنكر عليه ابن عباس فقال: ويح ابن أم الفضل إنه لغواص على الهنات. وكان عطاء إذا حدث عنه قال: حدثني البحر، وكان ميمون بن مهران إذا ذكر عنده عبد الله بن عمر وعبد الله ابن العباس قال: كان ابن عباس أفقه.
وأخذ الفقه عن ابن عباس جماعة منهم عطاء بن أبي رباح وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعبيد الله بن عبد الله بن مسعود وأبو الشعثاء جابر بن زيد وابن أبي مليكة وعكرمة وميمون بن مهران وعمرو بن دينار وغيره.
ذكر أنه اجتمع من بني هاشم جماعة عند معاوية يوماً فأقبل عليهم فقال: يا بني هاشم والله إن خيري لممنوح وإن بابي لكم لمفتوح فلا يقطع خيري عنكم علة ولا يوصد بأبي دونكم مسألة، وإني نظرت في أمري وأمركم فرأيت أمراً مختلفاً: إنكم ترون أنكم أحق بما في يدي مني، وإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقوقكم
стр. 1074
قلتم: أعطانا دون حقنا وقصر بنا عن قدرنا، فصرت كالمسلوب، والمسلوب لا حمد له، هذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم، قال: فأقبل ابن عباس فقال: أما والله ما منحتنا شيئاً حتى سألناه ولا فتحت لنا باباً حتى قرعناه، ولئن قطعت عنا خيرك فالله أوسع خيراً منك، ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفنَّ أنفسنا عنك، وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل واحد من المسلمين، ولنا في كتاب الله حقان: حق في الغنيمة وحق في الفيء. فالغنيمة ما غلبنا عليه والفيء ما احتسبناه ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائر يحمله خفٌ ولا حافر. كفاك أم أزيدك قال: كفاني فإنك لا تهرّ ولا تنبح.
وحكى المدائني قال: قام عمرو بن العاص في موسم من مواسم العرب فأطرى معاوية بن أبي سفيان وبني أمية وذكر مشاهده بصفين، واجتمعت قريش فأقبل عبد الله بن عباس على عمرو فقال: يا عمرو إنك بعت دينك من معاوية وأعطيته ما بيدك، ومنّاك ما بيد غيره، فكان الذي أخذ منك أكثر مما أعطاك، والذي أخذت منه دون الذي أعطيته، وكل راضٍ بما أخذ وأعطي، فلما صارت مصر في يدك كدرها عليك بالعزل والتنغيص حتى لو كانت نفسك بيدك ألقيتها، وذكرت مشاهدك بصفين فوالله ما ثقلت علينا وطأتك ولقد كشفت فيها عورتك، وإن كنت لطويل اللسان، قصير السنان، آخر الخيل إذا أقبلت، وأولها إذا أدبرت، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير وأخرى لا تقبضها عن شر، ووجهان: وجه موحش ووجه مؤيس، ولعمري ان من باع دينه بدنيا غيره لحريّ أن يطول ندمه. لك لسان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر وفيك حسد، فأصغر عيب فيك أكبر عيب فيّ.
وقال ابن عباس ﵁: ما رأيت رجلاً لي عنده معروف إلا أضاء ما بيني وبينه. وقال ﵁: أربعة لا أقدر على مكافأتهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسع لي في المجلس، ورجل اغبرت قدماه في المشي في حاجتي، فأما الرابع فما يكافئه عني إلا الله ، قيل: ومن هو قال: رجل نزل به أمر فبات ليلته يفكر فيمن يقصده ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها بي.
стр. 1075
وقال له رجل: زوّجني من فلانة - وكانت يتيمة في حجره - فقال: لا أرضاها لك لأنها تسرف، فقال الرجل: قد رضيت، فقال ابن عباس: الآن لا أرضاك لها.
ومات ابن عباس بالطائف في فتنة ابن الزبير وبلغ سبعين سنة. قال أبو صالح صاحب التفسير ما رأينا بني أم قط أبعد قبوراً من بني العباس لأم الفضل: مات الفضل بالشام، ومات عبد الله بالطائف، ومات عبيد الله بالمدينة، ومات قثم بسمرقند، وقتل معبد بأفريقيا. قال الواقدي: مات ابن عباس سنة ثمان وسبعين بالطائف وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وقد كف بصره، فصلى عليه ابن الحنفية وكبّر أربعاً وضرب على قبره فسطاطاً، رحمه الله تعالى.
٣٣٩
- أبو بكر الصديق
أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة - واسمه عثمان - بن عامر، من ولد تيم بن مرة - تيم قريش - يلتقي هو ورسول الله ﷺ عند مرة بن كعب وهما في القعدد إليه سواء، بين كل واحد منهما وبينه ستة آباء، كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، ولقبه عتيق، لقب به لجمال وجهه ﵁، وقيل إن رسول الله ﷺ قال له: أنت عتيق من النار، وسمي صدّيقاً لتصديقه خبر المسرى. وأمه سلمى وتكنى أم الخير بنت صخر وهي بنت عم أبيه.
стр. 1076
كان طويلاً آدم خفيف العارضين يخضب بالحنّاء والكتم. بويع له يوم الاثنين الذي توفي فيه رسول الله ﷺ ، وتوفي بالسل ليلة الثلاثاء، وقيل يوم الجمعة، لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وسنه ثلاث وستون سنة، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وتسعة أيام، وغسلته زوجته أسماء ابنة عميس، وصلى عليه عمر ﵄، وحمل على سرير رسول الله ﷺ ، وهو سرير عائشة ﵂، وكان من خشبتي ساجٍ منسوج بالليف، وبيع في ميراث عائشة، ﵂، بأربعة آلاف درهم، فاشتراه مولى لمعاوية وجعله للمسلمين، ويقال إنه بالمدينة، ودفن في حجرة عائشة ورأسه بين كتفي رسول الله ﷺ .
وكان يأخذ من بيت المال في كل يوم ثلاثة دراهم، وكان قال لعائشة: انظري يا بنية ما زاد في مال أبي بكر منذ وليت هذا الأمر فرديه على المسلمين، فنظرت فإذا بكر وقطيفة لا تساوي خمسة دراهم ومجشة، فلما جاء بذلك الرسول إلى عمر قال: رحم الله أبا بكر لقد كلف من بعده تعباً.
وروي أن أبا بكر خرج بعد البيعة ومعه ميزان ورزمة ثياب تحت يده وخرج إلى السوق فقيل له: ما هذا فقال: أكتسب لنفسي وعيالي، فأجمعوا رأيهم وفرضوا له في كل يوم درهماً وثلثي درهم من بيت مال المسلمين.
وأبو بكر ﵁ أول من طلب من النبي ﷺ الدلالة على نبوته، وسبب ذلك أن أبا بكر ﵁ كان باليمن في تجارة، ونبِّئ النبي ﷺ وهو غائب، فنزل أبو بكر ﵁ في طريقه على دير فيه راهب باليمن هو ورفقته، فسألهم الراهب: هل فيكم خطيب قالوا: نعم، وأشاروا إلى أبي بكر ﵁، فدعاه إليه وحده فقال له الراهب: من أين أنت فقال: من مكة، فقال: هل ظهر بها أحد يدعي النبوة فقال: لا، فقال الراهب: عندي صورة أريكها فإن عرفت أحداً يشبهها فعرفني، فعرض عليه الصورة فقال: هذه صورة رجل يعرف بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فقال الراهب: هذا هو النبي المدعو به وهو خاتم الأنبياء، يظفر بأعدائه ويعلو دينه الأديان. فقال أبو بكر ﵁:
стр. 1077
ما عرفنا هذا منه ولا ادعاه ولا عرف بالعلم ولا يحسن الكتابة ولا خالط اليهود والنصارى، فقال الراهب: هذا هو النبي نفسه. وقيل أن الراهب قال لأبي بكر: وأنت الخليفة من بعده على أهل دينه. فرجع أبو بكر من عند الراهب ولم يشعر أحداً من رفقته بما قال له الراهب، فلما قدم مكة قالت له أمه سلمى أم الخير: ما بلغك ما حدث من صديقك محمد زعم أنه نبي نبأه الله وأرسله إلى قومه وكافة الخلق، فقال لها: وأين هو قالت: بجبل حراء، فأسرع أبو بكر ﵁ نحو الجبل فرأه في غار فسلمّ عليه وقال: بلغني أنك ادعيت النبوة والرسالة، فقال له: لست بمدعٍ، وقد فعل الله ذلك بي، قال له: فما الدليل على صدقك قال: هل خرجت علي كذباً فقال: لا والله، غير أن هذا أمر لا يقبل بغير دليل. فقال النبي ﷺ : دليله ما قاله لك الراهب، قال أبو بكر: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، أنا أول متابع لك على هذا الأمر.
وهو أول من أمّ في محراب رسول الله ﷺ في حياته، وأول من دعي بخليفة وأول من رقي منبر رسول الله ﷺ .
قال الشعبي: لما ولي أبو بكر الخلافة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها أيها الناس أني وليتكم ولست بخيركم ولكن نزل القرآن فأدّبنا فتأدبنا، وسنّ رسول الله ﷺ فعلمنا فتعلمنا، وإن أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق. إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فسددوني. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين.
ولما تم الأمر لأبي بكر ﵁ ارتدت العرب إلا قليلاً منه، وكان قد تنبأ في حياة رسول الله ﷺ ثلاثة: الأسود بن كعب العنسي ومسيلمة الكذاب - واسمه ثمامة بن حبيب - وطليحة الأسدي. فأما الأسود فإنه غلب على صنعاء ونجران إلى عمل الطائف واستطار استطارة الحريق فكتب رسول الله ﷺ يأمر بقتله فقتله فيروز الديلمي في منزله، وجاء
стр. 1078
رسول الله ﷺ الخبر بقتله من السماء فأخبر به أصحابه، ثم وصل المخبر بقتله إلى المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وكان أول فتح على أبي بكر ﵁. كذا ذكره الطبري في تاريخه، وقال أبو بشر الدولأبي إنه قتل في خلافة أبي بكر. وأما مسيلمة وطليحة فإن أمرهما استغلظ، واجتمع على طليحة عوام طيء وأسد وغطفان، وارتدت قبائل العرب إلا قيساً وثقيفاً ومنعوا الزكاة، فأشار الناس على أبي بكر ﵁ بأخذ العرب بالصلاة ومسامحتهم في الزكاة فقال: والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً مما كانوا يؤدون إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على ذلك. ثم خرج إلى عبس وذبيان فقاتلهم فانهزموا وعادوا إلى المدينة، ثم سيّر الجيوش لقتال أهل الردة، وعقد أحد عشر لواء على أحد عشر جنداً وسير خالد بن الوليد ﵁ إلى طليحة ومن تابعه من غطفان، فهزمهم وانهزم طليحة حتى لحق بالشام، وقتل من أصحابه جمع كبير، ثم أسلم طليحة بعد ذلك لمَّا بلغه عن أسد وغطفان، ولم يزل مقيماً في كلب حتى مات أبو بكر ﵁ ثم أتى عمر ﵁ فبايعه ورجع إلى ديار قومه. وسار خالد لقتال بني حنيفة ومسيلمة. وكانت امرأة تعرف بسجاح ابنة الحارث قد تنبأت في بني تغلب وسارت إلى مسيلمة الكذاب فتزوجت به وأقامت عنده ثلاثاً ثم انصرفت إلى قومها، ثم هزم الله بني حنيفة وقتل مسيلمة الكذاب، قتله وحشي قاتل حمزة.
ولما فرغ خالد ﵁، من أمر اليمامة كتب إليه أبو بكر الصديق ﵁، يأمره بالمسير إلى العراق، فسار وصالح أهل الحيرة على جزية حملها إلى المدينة، وكانت أول جزية حملت إليها. وقال أبو بكر ﵁ لخالد حين بعثه إلى أهل الردة: احرص على الموت توهب لك الحياة، ففتح الأنبار وعين التمر وأنفذ السبي إلى المدينة، وسار إلى دومة الجندل فقتل وسبى، ثم وجه أبو بكر ﵁ الجيوش إلى الشام، وأمر خالداً بالمسير إليها، وفتحت بصرى في خلافته، وهي أول مدينة فتحت بالشام.
стр. 1079
وحج بالناس سنة اثنتي عشرة، وهي السنة الثانية من خلافته وولي الأولى عمر ﵁.
ومات أبو قحافة والد أبي بكر بعد موت أبي بكر ﵁ بسنة، وقيل تسعة أشهر، وذلك في سنة أربع عشرة، وسنه سبع وتسعون سنة. وكان إسلامه يوم فتح مكة، وكان يوم مات أبو بكر ﵁ بمكة، ولم يلِ الخلافة من أبوه حي غير أبي بكر ﵁.
وهو أول من جمع القرآن الكريم بين اللوحين، وذلك أن المسلمين لما اصيبوا باليمامة خاف أبو بكر، ﵁، أن يفنى قراء القرآن - وإنما كان في صدور الرجال - فجمعه وجعله بين اللوحين وسمّاه مصحفاً، ولم يزل عنده إلى أن مات، وبقي عند عمر، ﵁، إلى أن مات، وبقي عند حفصة ابنته.
ولما احتضر أبو بكر ﵁ استخلف على المسلمين عمر بن الخطاب، ﵁، ووصّاه، فكان من وصيته أن قال: هذا ما وصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند آخر عهده من الدنيا وأول عهده بالآخرة؛ إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بّر وعدل فذاك ظني به ورجائي فيه، وان غيّر وبدّل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرىء ما اكتسب، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
ووصل الخبر بموت أبي بكر ﵁ إلى الشام وخالد بن الوليد على دمشق يحاصرها، وفي اليوم الثاني من ورود الخبر فتحت دمشق. وكان خالد ﵁ أخفى خبر موته إلى أن فتح دمشق.
واختلفوا في سبب مرضه الذي مات فيه، فقيل: سّمته يهودية، وقيل اغتسل في يوم بارد فحمّ ومرض خمسة عشر يوماً، وكان عمر ﵁ يصلي بالناس حين ثقل.
وكان رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة يركب وأبو بكر ﵁ رديفه، وهو أسنّ من رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر، ﵁، يعرف الطريق لاختلافه إلى الشام، فكان يمر
стр. 1080
بالقوم فيقولون: من هذا بين يديك يا أبا بكر فيقول: هادٍ يهديني. وهذا الحديث يدل على أنه أسنّ من رسول الله ﷺ .
ورأى أبو بكر ﵁ رجلاً بيده ثوب فقال: أهو للبيع قال: لا أصلحك الله، فقال: هلا قلت: لا، وأصلحك الله لئلا يشتبه الدعاء لي بالدعاء علي وقال لرجل قال له: لأشتمّنك شتماً يدخل معك قبرك، قال: معك يدخل والله لا معي. ومدح قوم أبا بكر ﵁ فقال: الله أعلم بي مني بنفسي، وأنا أعلم بنفسي منكم، فاستغفروا الله مما لا تعلمون، وأسأله أن لا يؤاخذكم بما تقولون، وأن يجعلني خيراً مما تظنون.
وحكي أن أبا بكر ﵁ أتى النبي ﷺ بصدقته فأخفاها فقال: يا رسول الله، هذه صدقتي ولله عندي معاد، وجاء عمر ﵁ بصدقته فأظهرها وقال: يا رسول الله، هذه صدقتي ولي عند الله المعاد، فقال رسول الله صلى عليه وسلم: يا عمر، وترت قوسك بغير وتر، ما بين صدقتيكما كما بين كلمتيكما.
أولاده لصلبه وأعقابهم: عبد الله بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر وأمهما قتيلة من بني عامر بن لؤي، وعبد الرحمن وعائشة وأمهما أم رومان بنت الحارث بن الحويرث من بني فراس بن غنم بن كنانة، ومحمد بن أبي بكر أمه أسماء بنت عميس، وأم كلثوم أمها بنت زيد بن خارجة - رجل من الأنصار.
(٨٢) فأما عبد الله بن أبي بكر فإنه شهد الطائف مع النبي ﷺ فجرح وبقي إلى خلافة أبيه ومات وترك سبعة دنانير فاستكثرها أبوه ﵁. وولد عبد الله إسماعيل، وهلك ولا عقب له.
(٨٣) وأما أسماء فهي ذات النطاقين وتزوجها الزبير بمكة فولدت له عدة أولاد، ثم طلقها فكانت مع عبد الله ابنها حتى قتل، وبقيت مائة سنة حتى عميت وماتت بمكة ﵂.
وأما عائشة ﵂ فتزوجها النبي ﷺ وقد تقدم ذكرها في هذا الحرف -.
(٨٤) وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فشهد يوم بدر مع المشركين ثم أسلم
стр. 1081
وحسن إسلامه ومات فجأة سنة ثلاث وخمسين بجبل بقرب مكة، فأدخلته عائشة الحرم ودفنته وأعتقت عنه. وكان شهد الجمل معها، ويكنى أبا عبد الله.
(٨٥) وأما أم كلثوم فتزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له محمداً وكان عاملاً على مكة. وولدت له زكريا وعائشة، ثم قتل عنها فتزوجها عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي - الآتي ذكره - ولطلحة عقب كثير وهم ينزلون بالقرب من المدينة، وكانت بنت محمد بن طلحة عند سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس.
(٨٦) وأما محمد بن عبد الرحمن فولد عبد الله بن محمد وله عقب يقال لهم آل أبي عتيق من بين ولد أبي بكر وذلك أن عدةً من ولد أبي بكر تفاضلوا فقال أحدهم: أنا ابن الصّديق، وقال الآخر: أنا ابن ثاني اثنين، وقال آخر: أنا ابن صاحب الغار، وقال محمد بن عبد الرحمن: أنا ابن عتيق، فنسب إلى ذلك هو وولده إلى اليوم.
وأما محمد بن أبي بكر فسيأتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى (١) .
(٨٧) مواليه: بلال بن أبي رباح وأمه حمامة، وكان من مولدي السراة فيما بين اليمن والطائف، وكان لرجل من بني جمح فاشتراه أبو بكر ﵁ بخمس أواقي وأعتقه، وكان من المعذبين في الله ، وشهد بلال بدر والمشاهد كلها، وهو أول من أذّن لرسول الله ﷺ ، فلما قبض رسول الله ﷺ جاء إلى أبي بكر ﵁ فاستأذنه إلى الشام فأذن له، فلم يزل مقيماً بها ولم يؤذن بعد النبي ﷺ لأحد منهم، فلما قدم عمر ﵁ إلى الشام لقيه فأمره بالأذان فأذّن، فبكى عمر والمسلمون معه. وكان بلال يكنى أبا عبد الله، وكان شديد الأدمة نحيفاً طوالاً خفيف العارضين به شمط كبير وكان لا يغير شيبه. مات بدمشق سنة عشرين وهو ابن بضع وستين سنة، رحمه الله تعالى.
كتّابه: عثمان بن عفان ﵁ وزيد بن ثابت.
стр. 1082
قاضيه: عمر بن الخطاب ﵁، وقيل أنه أقام سنة لم يختصم إليه أحد.
حاجبه: شديد مولاه.
وكان خاتم رسول الله ﷺ في يده.
٣٤٠ - (١)
عبد الله بن الزبير
أبو خبيب عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وأمه أسماء بنت أبي بكر ﵃ ذات النطاقين - وقد تقدم ذكرها مع أبيها؛ وهو أول مولود ولد بالمدينة من المسلمين بعد الهجرة. بويع له بمكة سنة أربع وستين بعد أن أقام الناس بغير خليفة جماديين وأياماً من رجب، وبايعه أهل العراق، وولّى أخاه مصعباً البصرة، وولّى عبد الله بن مطيع الكوفة فوثب المختار بن أبي عبيد على الكوفة فأخذها، ووجه شميطاً إلى البصرة فقتله مصعب، وسار مصعب إلى المختار فقتله في سنة سبع وستين.
وبنى ابن الزبير الكعبة وادخل فيها الحجر وجعل لها بابين مع الأرض يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر، وخلّق داخل الكعبة وخارجها فكان أول من خلّقها وكساها القباطيّ.
وولى أخاه عبيدة بن الزبير المدينة، وأخرج مروان بن الحكم وبنيه منها فصار إلى الشام ولم يزل يقيم للناس الحج من سنة أربع وستين إلى سنة اثنتين
стр. 1083
وسبعين، فلما ولي عبد الملك منع أهل الشام من الحج من أجل ابن الزبير: كان يأخذ الناس بالبيعة له إذا حجوا، فضج الناس لما منعوا الحج، فبنى عبد الملك في بيت المقدس الصخرة، فكان الناس يحضرونها يوم عرفة ويقفون عندها، ويقال إن ذلك سبب التعريف من مسجد بيت المقدس ومساجد الأمصار. وذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن، أن أول من سنّ التعريف في مساجد الأمصار عبد الله بن عباس؛ وذكر أبو عمر الكندي (١) إن عبد العزيز بن مروان أول من سنّ التعريف بمصر في الجامع بعد العصر.
ثم بعد ذلك بعث عبد الملك الحجاج إلى عبد الله بن الزبير، وسبب ذلك أن عبد الملك لما قتل مصعباً وابنه عيسى وأراد الرجوع إلى الشام قام إليه الحجاج فقال: يا أمير المؤمنين أني رأيت في منامي أني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته فابعثني إليه وولّني عليه، فبعثه في جيش من أهل الشام كثيف، فنزل الطائف، وكان يبعث البعوث فيقاتلون ابن الزبير، ففي ذلك كله ترجع خيل الحجاز بالظفر، ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم عليه وحصاره، وأخبره أن شوكته قد كلّت، فأذن له في ذلك، فلما دخل ذو القعدة رحل الحجاج من الطائف حتى نزل بئر ميمون وحصر ابن الزبير. وأمدّ عبد الملك الحجاج لهلال ذي الحجة، ولم يطف بالبيت ولم يصل إليه، وكان يلبس السلاح ولا يمسّ النساء ولا الطيب إلى أن قتل ابن الزبير. ولم يحج ابن الزبير ولا أصحابه في هذه السنة لأنهم لم يقفوا بعرفة، وحجّ الحجاج في هذه السنة ثم حصر ابن الزبير ثمانية أشهر، فتفرق عامة من كان معه وخرجوا إلى الحجاج في الأمان حتى بلغ عدة المستأمنة عشرة آلاف، وكان في جملتهم ابنا عبد الله بن الزبير، أخذا أماناً لنفسيهما.
فلما رأى عبد الله بن الزبير ما رأى من ولده وأصحابه دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ فقال: يا أمه، قد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبقَ إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع إلا صبر ساعة،
стр. 1084
والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك فقالت: والله يا بنيّ أنت أعلم بنفسك؛ إن كنت تعلم أنك على حق فامضِ له فقد قتل عليه أصحابك، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن قتل معك، وإن قلت إني على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين. فدنا ابن الزبير فقبّل رأسها وقال: هذا رأيي ولكن أحببت أن أعلم رأيك فزدتني بصيرة، فانظري يا أماه إني مقتول من يومي هذا فلا يشتدّ حزنك وسلمي لأمر الله فإن ابنك لم يتعمد اتيان منكر ولا عمل بفاحشة، ولم يجر في حكم ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي ولكن تعزية لأمي لتسلو عني. فقالت أمه: اني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسناً؛ اخرج حتى انظر إلى ما يصير إليه أمرك، ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل وذلك التحنث والظمأ في الهواجر بالمدينة ومكة وبره بأبيه وبي؛ اللهم قد أسلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الشاكرين الصابرين. ثم دنا فتناول يدها فقبّلها فقالت: هذا وداع فلا تبعد. وكان عليه درع فلما عانقها وجدت مس الدرع فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد، قال: ما لبستها إلا لأشدّ منك، قالت: فإنها لا تشدّ مني، فنزعها ثم أدرج كميه وأدخل أسفل قميصه وجبّة خز كانت عليه من أسفل المنطقة وخرج، وقد كبّر الناس، فحمل عليهم فلم يبقَ بين يديه أحد، وانهزم الناس ووقف بالأبطح لا يدنو منه أحد وكان الحجاج وطارق بن عمرو جميعاً في ناحية الأبطح إلى المروة والناس لكل طائفة منهم باب، فمرة يحمل عبد الله في هذه ومرة في هذه وكأنه أسد في اجمة، فلما كان يوم الثلاثاء أذّن المؤذّن فتقدم فصلّى بالناس، فلما فرغ من الصلاة أمر أهله وحضهم على القتال ثم قال لهم في جملة كلامه: ألا من كان سائلاً عني فاني في الرعيل الأول، احملوا على بركة الله وعونه، ثم حمل حتى بلغ بهم الحجون فرمي بآجرّة فأرعش لها ودمي وجهه، فلما وجد سخونة الدم على وجهه ولحيته قال:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدِّما وصاحت مولاة لآل الزبير مجنونة: وا أمير المؤمنيناه! وكانت رأته حيث
стр. 1085
هوى وكان قتله يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وقيل جمادى الآخرة، وكان سنه اثنتين وسبعين سنة، ﵁؛ وجاء الخبر إلى الحجاج فسجد وجاء هو وطارق حتى وقفا عليه فقال طارق: ما ولدت النساء اذكر من هذا، فقال الحجاج: أتمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين قال: نعم، هو أعذر لنا ولولا هذا ما كان لنا عذر بالمحاصرة وهو في غير خندق ولا حصن ولا منعة منذ سبعة أشهر ينتصف منا بل يفضل علينا في كل ما التقينا، فبلغ كلامهما عبد الملك فصوّب رأي طارق.
وحكى الشعبي قال: حضرت عبد الله بن الزبير وهو يخطب بمكة فقال في آخر خطبته: أما والله لو كانت الرجال تصرف لصرفتكم تصريف الذهب بالفضة، أما والله لوددت أن لي بكل رجلين منكم رجلاً من أهل الشام بل بكل خمسة بل بكل عشرة، فما بكم يدرك الثأر ولا بكم يمنع الجار. فقام إليه رجل من أهل البصرة فقال: ما نجد لنا ولك مثلاً إلا قول الأعشى:
علقتها عرضاً وعلقت رجلاً ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل علقناك وعلقت أهل الشام، وعلق أهل الشام بني مروان فما عسانا أن نصنع قال الشعبي: فما سمعت بجواب أحضر منه ولا أحسن.
ثم دخل الحجاج مكة فبايع من بها من قريش، وبعث برأس ابن الزبير وجماعة إلى المدينة فنصبوا بها ثم ذهب بها إلى عبد الملك بن مروان فبعث عبد الملك برأس ابن الزبير إلى عبد الله بن خازم الأسلمي وهو بخراسان والٍ من جهة ابن الزبير، وكتب إليه عبد الملك يدعوه إلى طاعته ويقول له: بايعني حتى أجعل لك خراسان طعمة سبع سنين، فقال ابن خازم لرسوله: لولا أن الرسل لا تقتل لأمرت بضرب عنقك، ولكنَ كل كتاب صاحبك، فأكله، ثم أخذ الرأس فغسله وطيّبه وكفنه ودفنه، وقيل: إنه بعث به إلى آل الزبير إلى المدينة فدفنوه مع جثته، ثم قال:
أعيش زبيريَّ الحياة فإن أمت ... فإني موصٍ هامتي بالتزبّر ثم إن عبد الملك بن مروان ولّى الحجاج مكة واليمن واليمامة فنقض الحجاج
стр. 1086
بنيان الكعبة الذي بناه ابن الزبير لأنه كان تخلخل من حجارة المنجنيق، فأعاده إلى بناء قريش الأول. ولما توفي بشر بن مروان كتب عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف وهو بالمدينة بوفاته فأقبل في اثني عشر راكباً على النجائب حتى دخل الكوفة فجأة فبدأ بالمسجد فدخله ثم صعد المنبر، وستأتي تتمة الكلام (١) .
وقيل إن عبد الله بن الزبير قال لأمه أسماء: إني لا آمن إن قتلت أن يمثل بي وأصلب، قالت: يا بني إن الشاة إذا ذبحت لم تألم السلخ. وماتت أمه بعده بخمسة أيام ولها مائة سنة ﵂، وكان سلطانه بالحجاز والعراق تسع سنين واثنين وعشرين يوماً ﵁ (٢) .
стр. 1087
٣٤١ - (١)
عبد الله بن المعتز
أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي؛ أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب وغيرهما، كان أديباً بليغاً شاعراً مطبوعاً مقتدراً على الشعر قريب المأخذ سهل اللفظ جيد القريحة حسن الإبداع للمعاني مخالطاً للعلماء والأدباء معدوداً من جملتهم، إلى أن جرت له الكائنة في خلافة المقتدر، واتفق معه جماعة من رؤساء الأجناد ووجوه الكتّاب فخلعوا المقتدر يوم السبت لعشر بقين، وقيل لسبعٍ بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين، وبايعوا عبد الله المذكور ولقبوه المرتضي بالله، وقيل المنصف (٢) بالله، وقيل الغالب بالله، وقيل الراضي بالله، وأقام يوماً وليلة، ثم إن أصحاب المقتدر تحزبوا وتراجعوا وحاربوا أعوان ابن المعتز وشتتوهم (٣) ، وأعادوا المقتدر إلى دسته، واستخفى ابن المعتز في دار أبي عبد
стр. 1088
الله الحسين بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن الجصاص التاجر الجوهري، فأخذه المقتدر وسلمه إلى مؤنس الخادم الخازن فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفاً في كساء، وقيل إنه مات حتف أنفه وليس بصحيح بل خنقه مؤنس، وذلك يوم الخميس ثاني شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين، ودفن في خرابة بإزاء داره، رحمه الله تعالى.
ومولده لسبعٍ بقين من شعبان سنة سبع وأربعين، وقال سنان بن ثابت: في سنة ست وأربعين ومائتين، والقضية مشهورة وفيها طول، وهذا خلاصتها.
(٨٨) ثم قبض المقتدر على ابن الجصاص المذكور وأخذ منه مقدار ألفي ألف دينار، وسلم له بعد ذلك مقدار سبعمائة ألف دينار، وكان فيه غفلة وَبَله، وتوفي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس عشرة وثلثمائة.
ولابن المعتز من التصانيف كتاب الزهر والرياض، وكتاب البديع، وكتاب مكاتبات الإخوان بالشعر، وكتاب الجوارح والصيد، وكتاب السرقات، وكتاب أشعار الملوك، وكتاب الآداب، وكتاب " حلى الأخبار " (١) ، وكتاب طبقات الشعراء، وكتاب الجامع في الغناء، وكتاب فيه أرجوزة في ذم الصبوح.
ومن كلامه: البلاغة البلوغ إلى المعنى، ولم يطل سفر الكلام، وكان يقول: لو قيل لي: ما أحسن شعر تعرفه لقلت: قول العباس بن الأحنف (٢) :
قد سحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرّق الناس فينا قولهم فِرقا
فكاذبٌ قد رمى بالظنّ غيركم ... وصادقٌ ليس يدري أنه صدقا ورثاه علي بن محمد بن بسام الشاعر - الآتي ذكره - بقوله:
لله درُّك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لوٌّ ولا لولا فتنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب
стр. 1089
ولعبد الله المذكور أشعار رائقة وتشبيهات بديعة، فمن ذلك قوله:
سقى المطيرة ذات الظل والشجر ... ودير عبدون هطّالٌ من المطر
فطالما نبّهتني للصّبوح بها ... في غرّة الفجر والعصفور لم يطر
أصوات رهبان ديرٍ في صلاتهم ... سود المدارع نعارين في السحر
مزنّرين على الأوساط قد جعلوا ... على الرؤوس أكاليلاً من الشّعر
كم فيهم من مليح الوجه مكتحل ... بالسحر يطبق جفنيه على حَور
لاحظته بالهوى حتى استقاد له ... طوعاً وأسلفني الميعاد بالنظر
وجاءني في قميص الليل مستتراً ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
فقمت أفرش خدّي في الطريق له ... ذلاًّ وأسحب أذيالي على الأثر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدّت من الظُّفر
وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر ومن ظريف شعره قوله، ولم أجدها في ديوانه، ولكن الرواة أطبقوا على أنها له، والله أعلم:
ومقَرطَقٍ يسعى إلى النّدماء ... بعقيقةٍ في درّةٍ بيضاء
والبدر في أفق السماء كدرهم ... ملقىً على ياقوتةٍ زرقاء
كم ليلةٍ قد سرّني بمبيته ... عندي بلا خوفٍ من الرّقباء
ومهفهفٍ عقد الشّراب لسانه ... فحديثه بالرّمز والإيماء
حرّكته بيدي وقلت له انتبه ... يا فرحة الخلطاء والنّدماء
فأجابني والسّكر يخفض صوته ... بتلجلجٍ كتلجلج الفأفاء
إني لأفهم ما تقول وإنما ... غلبت عليَّ سلافة الصّهباء
دعني أفيق من الخمار إلى غدٍ ... واحكم بما تختار يا مولائي (١)
стр. 1090
وله في الخمرة المطبوخة، وهو معنى بديع وفيه دلالة على أنه كان حنفي المذهب:
خليليَّ قد طاب الشّراب المورَّد ... وقد عدت بعد النّسك والعود أحمد
فهاتا عقاراً في قميص زجاجةٍ ... كياقوتةٍ في درَّةٍ تتوقّد
يصوغ عليها الماء شبّاك فضّةٍ ... له حلقٌ بيضٌ تحلُّ وتعقد
وقتني من نار الجحيم بنفسها ... وذلك من إحسانها ليس يجحد وكان ابن المعتز شديد السمرة مسنون الوجه يخضب بالسواد.
ورأيت في بعض المجاميع أن عبد الله بن المعتز المذكور كان يقول (١) : أربعة من الشعراء سارت أسماؤهم بخلاف أفعالهم، فأبو العتاهية سار شعره بالزهد وكان على الإلحاد، وأبو نوّاس سار شعره باللواط وكان أزنى من قرد، وأبو حكيمة الكاتب سار شعره بالعنّة وكان أهب من تيس، ومحمد بن حازم سار شعره بالقناعة وكان أحرص من كلب.
وقد رويت لابن حازم خبراً يخالف حكاية ابن المعتز ويوافق شعره (٢) ، وذلك أنه كان جار سعيد بن حميد الكاتب الطوسي، فهجاه لأمر كان بينهما، فبلغ سعيداً هجوه، فأغضى عنه مع القدرة. ثم إن محمداً ساءت حاله فتحول عن جواره، فبلغ ابن حميد ذلك، فبعث إليه عشرة آلاف درهم وتخوت ثياب وفرساً بآلته ومملوكاً وجارية، وكتب إليه " ذو الأدب يحمله ظرفه على نعت الشيء بغير هيئته، وتبعثه قدرته على وصفه بخلاف (٣) حليته، ولم يكن ما شاع من هجائك فيَّ جارياً إلا هذا المجرى، وقد بلغني من سوء حالك وشدّة خلّتك ما لا غضاضة به عليك مع كبر همتك وعظم نفسك، ونحن شركاء فيما ملكنا ومتساوون فيما تحت أيدينا، وقد بعثت إليك بما جعلته وإن قلَّ: استفتاحاً لما