٣٠٦ - (١)
طاوس
أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان الخولاني الهمداني اليماني، من أبناء الفرس؛ أحد الأعلام التابعين، سمع ابن عباس وأبا هريرة ﵄، وروى عنه مجاهد وعمرو بن دينار، وكان فقيهاً جليل القدر نبيه الذكر. قال ابن عيينة: قلت لعبيد الله بن يزيد: مع من تدخل على ابن عباس قال: مع عطاء وأصحابه. قلت: وطاوس قال: أيهات، كان ذلك يدخل مع الخواص. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحداً قط مثل طاوس.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه طاوس المذكور: إن أردت أن يكون عملك خيراً كله فاستعمل أهل الخير، فقال عمر: كفى بها موعظة.
وتوفي حاجاص بمكة قبل يوم التروية بيوم، وصلى عليه هشام بن عبد الملك وذلك في سنة ست ومائة ﵁، وقيل سنة أربع ومائة، والله أعلم. قال بعض العلماء: مات طاوس بمكة فلم يتهيأ إخراج جنازته لكثرة الناس، حتى وجه إبراهيم بن هشام المخزومي أمير مكة بالحرس، فلقد رأيت عبد الله ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵃، واضع السرير على كاهله، وقد سقطت قلنسوة كانت على رأسه ومزق رداؤه من خلفه.
ورأيت بمدينة بعلبك داخل البلد قبراً يزار، وأهل البلد يزعمون أنه طاوس المذكور، وهو غلط.
стр. 982
قال أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب " الألقاب " إن اسمه ذكوان، وطاوس لقبه وإنما لقب به لأنه كان طاوس القراء، والمشهور أنه اسمه.
[وحكي أن هشام بن عبد الملك قدم حاجاً إلى بيت الله الحرام، فلما دخل الحرم قال: إيتوني برجل من الصحابة، فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، قال: فمن التابعين، فأتي بطاوس اليماني، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم بإمرة المؤمنين ولم يكنه وجلس إلى جانبه بغير إذنه وقال: كيف أنت يا هشام فغضب من ذلك غضباً شديداً حتى هم بقتله، فقيل: يا أمير المؤمنين أنت في حرم الله وحرم رسوله ﷺ ؛ لا يمكن ذلك، فقال له: يا طاوس، ما حملك على ما صنعت قال: وما صنعت فاشتد غضبه له وغيظه وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت: يا هشام كيف أنت قال: أما خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات فلا يعاتبني ولا يغضب علي؛ وأما ما قلت: لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل المؤمنين راضين بإمرتك فخفت أن أكون كاذباً؛ وأما ما قلت: لم تكنني فإن الله سمى أنبياءه، قال: يا داود يا يحيى يا عيسى، وكنى أعداءه فقال: " تبت يدا أبي لهب وتب "؛ وأما قولك: جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام؛ فقال له: عظني، قال: إني سمعت أمير المؤمنين ﵁ يقول: إن في جهنم حيات كالقلال وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته. ثم قام وخرج.
قالت امرأة ماجنة ما بقي أحد إلا فتنته ما خلا طاوس فإني تعرضت له فقال: إذا كان وقت كذا فتعالي، فجئت ذلك الوقت فذهب بي إلى المسجد الحرام فقال: اضطجعي، فقلت: ها هنا فقال: الذي يرانا هنا يرانا ثم.
وقال رجل لطاوس: ادع لي، قال: ادع أنت لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه.
ابن جريج قال، قال لي عطاء: جاءني طاوس فقال لي: يا عطاء، إياك أن
стр. 983
ترفع حوائجك إلى من أغلق دونك بابه، وعليك بطلب حوائجك إلى من بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة، طلبك أن تدعوه ووعدك الإجابة.
وقال عبد الله بن طاوس: قال لي أبي: يا بني صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم وإن لم تكن منهم، واعلم أن لكل شيء غاية، وغاية المرء حسن عقله] (١) .
وروي أن أير المؤمنين أبا جعفر المنصور استدعى عبد الله بن طاوس المذكور ومالك بن أنس رحمهما الله تعالى، فلما دخلا عليه أطرق ساعة، ثم التفت إلى ابن طاوس، وقال له: حدثني عن أبيك فقال: حدثني أبي أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى في سلطانه فأدخل عليه الجور في حكمه، فأمسك أبو جعفر ساعة؛ قال مالك: فضممت ثيابي خوفاً أن يصيبني دمه. ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة، ثلاث مرات، فلم يفعل، فقال له: لم لا تناولني فقال: أخاف أن تكتب بها معصية فأكون قد شاركتك فيها، فلما سمع ذلك قال: قوما عني، قال: ذلك ما كنا نبغي. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم.
والخولاني: بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبعدها لام ألف ثم نون، هذه النسبة إلى خولان، واسمه أفكل بن عمرو بن مالك، وهي قبيلة كبيرة نزلت بالشام.
والهمداني: بسكون الميم وفتح الدال المهملة، قد تقدم الكلام عليه ونسبته إليهم بالولاء.
стр. 984
٣٠٧ - (١)
أبو الطيب الطبري
أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري القاضي الفقيه الشافعي؛ كان ثقة صادقاً ديناً ورعاً عارفاً بأصول الفقه وفروعه، محققاً في علمه، سليم الصدر حسن الخلق صحيح المذهب، يقول الشعر على طريقة الفقهاء.
[ومن شعره ما أورده له الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي - المقدم ذكره - في الجزء الذي وضعه في أخبار أبي العلاء المعري، فقال مسنداً عنه: كتبت إلى أبي العلاء المعري الأديب حين وافى ببغداد، وكان قد نزل في سويقة غالب:
وما ذات در لا يحل لحالب ... تناوله واللحم منها محلل
لمن شاء في الحالين حياً وميتاً ... ومن شاء شرب الدر فهو مضلل
إذا طعنت في السن فاللحم طيب ... وآكله عند الجميع مغفل
وخرفانها للأكل فيها كزازة ... فما لحصيف الرأي فيهن مأكل
وما يجتني معناه إلا مبرز ... عليم بأسرار القلوب محصل فأجابني وأملى على الرسول في الحال ارتجالاً:
جوابان عن هذا السؤال كلاهما ... صواب، وبعض القائلين مضلل
فمن ظنه كرماً فليس بكاذب ... ومن ظنه نخلاً فليس يجهل
لحومهما الأعناب والرطب الذي ... هو الحل، والدر الرحيق المسلسل
ولكن ثمار النخل وهي غضيضة ... تمر وغض الكرم يجنى ويؤكل
стр. 985
يكلفني القاضي الجليل مسائلاً ... هي النجم قدراً بل أعز وأطول
ولو لم أجب عنها لكنت بجهلها ... جديراً ولكن من يودك مقبل فأجبته عنه، وقلت:
أنار ضمير من يعز نظيره ... من الناس طراً سابغ الفضل مكمل
ومن قلبه كتب العلوم بأسرها ... وخاطره في حدة النار مشعل
تساوى له سر المعاني وجهرها ... ومعضلها باد لديه مفصل
ولما أنار الحب قاد منيعه ... أسيراً بأنواع البيان يكبل
وقربه من كل فهم بشكفه ... وإيضاحه حتى رآه المغفل
وأعجب منه نظمه الدر مسرعاً ... ومرتجلاً من غير ما يتمهل
فيخرج من بحر ويسمو مكانه ... جلالاً إلى حيث الكواكب تنزل
فهنأه الله الكريم بفضله ... محاسنه والعمر فيها مطول فأجاب مرتجلاً وأملى على الرسول:
ألا أيها القاضي الذي بدهائه ... سيوف على أهل الخلاف تسلل
فؤادك ممهور من العلم آهل ... وجدك في كل المسائل مقبل
فإن كنت بين الناس غير ممول ... فأنت من الفهم المصون ممول
إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلاً ... فأنت، وهم مثل الحمائم، أجدل
كأنك من في الشافعي مخاطب ... ومن قلبه تملي فما تتمهل
وكيف يرى علم ابن إدريس دارساً ... وأنت بإيضاح الهدى متكفل
تفضلت حتى ضاق ذرعي بشكر ما ... فعلت وكفي عن جوابك أجمل
لأنك في كنه الثريا فصاحة ... وأعلى ومن يبغي مكانك أسفل
فعذرك في أني أجبتك واثقاً ... بفضلك فالإنسان يسهو ويذهل
وأخطأت في إنفاذ رقعتك التي ... هي المجد لي منها أخير وأول
ولكن عداني أن أروم احتفاظها ... رسولك وهو الفاضل المتفضل
стр. 986
ومن حقها أن يصبح المسك عامراً ... لها وهي في أعلى المواضع تجعل
فمن كان في أشعاره متمثلاً ... فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل
تجملت الدنيا بأنك فوقها ... ومثلك حقاً من به تتجمل وذكر السمعاني في " الذيل " في ترجمة أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن محمويه اليزدي أنه كان له عمامة وقميص بينه وبين أخيه: إذا خرج ذاك قعد هذا في البيت، وإذا خرج هذا احتاج ذاك أن يقعد. قال السمعاني: وسمعته يقول يوماص، وقد دخلت عليه مع علي بن الحسين الغزنوي الواعظ مسلماً داره، فوجدناه عرياناً، متأزراً بمئزر، فاعتذر من العري وقال: نحن إذا غسلنا ثيابنا نكون كما قال القاضي أبو الطيب الطبري:
قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم ... لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل] (١) عاش مائة سنة وسنتين، لم يختل عقله ولا تغير فهمه، يفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ ويقضي ببغداد ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات.
تفقه بآمل على أبي علي الزجاجي صاحب ابن القاص، وقرأ على أبي سعد الإسماعيلي وأبي القاسم بن كج بجرجان، ثم ارتحل إلى نيسابور، وأدرك أبا الحسن الماسرجسي فصحبه أربع سنين وتفقه عليه، ثم ارتحل إلى بغداد وحضر مجلس الشيخ ابي حامد الاسفرايني. وعليه اشتغل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وقال في حقه: " لم أر فيمن رأيت أكمل اجتهاداً واشد تحقيقاً وأجود نظراً منه ".
وشرح مختصر المزني وفروع أبي بكر ابن الحداد المصري، وصنف في الأوصل والمذهب والخلاف والجدل كتباً كثيرة.
وقال الشيخ أبو إسحاق: " لازمت مجلسه بضع عشرة سنة، ودرست أصحابه في مسجده سنين بإذنه، ورتبني في حلقته " (٢) .
стр. 987
واستوطن بغداد وولي القضاء بربع الكرخ بعد موت أبي عبد الله الصيمري، ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته.
وكان مولده بآمل سنة ثمان وأربعين وثلثمائة، وتوفي في شهر ربيع الأول يوم السبت لعشر بقين منه سنة خمسين واربعمائة، رحمه الله تعالى، ببغداد، ودفن من الغد في مقبرة باب حرب وصلي عليه في جامع المنصور.
والطبري: قد تقدم الكلام عليه أنه منسوب إلى طبرستان.
وآمل: بمد الهمزة وضم الميم وبعدها لام، مدينة عظيمة هي قصبة طبرستان.
٣٠٨ - (١)
ابن بابشاذ النحوي
أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي؛ يقال إن أصله من الديلم (٢) ، وكان هو بمصر إمام عصره في علم النحو، وله المصنفات المفيدة، منها: " المقدمة " المشهورة، وشرحها، و " شرح الجمل " للزجاجي، و " شرح كتاب الأصول " لابن السراج، وجمع في حال انقطاعه شكة (٣) كبيرة في النحو، يقال إنها لو بيضت قاربت خمس عشرة مجلدة، وسماها النحاة بعده الذين وصلت إليهم " تعليق الغرفة " [وانتقلت هذه التعليقة إلى تلميذه أبي عبد الله محمد بن بركات السعدي (٤) النحوي اللغوي المتصدر موضعه، ثم انتقلت منه إلى صاحبه: أبي محمد عبد الله بن بري النحوي المتصدر في مكانه، ثم انتقلت بعده إلى صاحبه
стр. 988
أبي الحسين النحوي المنبوز بثلط الفيل، المتصدر في موضعه، وقيل: إن كل واحد من هؤلاء كان يهبها لتلميذه ويعهد إليه بحفظها (١) . ولقد اجتهد جماعة من الطلبة في نسخها، فلم يتمكنوا من ذلك] (٢) .
وانتفع الناس بعلمه وتصانيفه. وكان وظيفته بمصر أن ديوان الإنشاء لا يخرج منه كتاب حتى يعرض عليه ويتأمله، فإن كان فيه خطأ من جهة النحو أو اللغة أصلحه كاتبه، وإلا استرضاه فسيروه إلى الجهة التي كتب إليها، وكان له على هذه الوظيفة راتب من الخزانة يتناوله في كل شهر، وأقام على ذلك زماناً.
ويحكى أنه كان يوماً في شطح جامع مصر وهو يأكل شيئاً وعنده ناس، فحضرهم قط فرموا له لقمة، فأخذها في فيه وغاب عنهم ثم عاد إليهم، فرموا له شيئاً آخر ففعل كذلك، وتردد مراراً كثيرة وهم يرمون له وهو يأخذه ويغيب به ثم يعود من فوره، حتى عجبوا منه، وعلموا أن مثل هذا الطعام لا يأكله وحده لكثرته، فلما استرابوا حاله تبعوه فوجدوه يرقى إلى حائط في سطح الجامع، ثم ينزل إلى موضع خال صورة بيت خراب، وفيه قط آخر أعمى، وكل ما يأخذه من الطعام يحمله إلى ذلك القط ويضعه بين يديه وهو يأكله. فعجبوا من تلك الحال، فقال ابن بابشاذ: إذا كان هذا حيواناً أخرس قد سخر الله له هذا القط، وهو يقوم بكفايته ولم يحرمه الرزق، فكيف يضيع مثلي ثم قطع الشيخ علائقه واستعفى من الخدمة ونزل عن راتبه ولازم بيته واشتغاله متوكلاً على الله . وما زال محروساً محمول الكلفة إلى أن مات عشية اليوم الثالث من رجب سنة تسع وستين وأربعمائة بمصر، ودفن في القرافة الكبرى، رحمه الله تعالى، وزرت بها قبره، وقرأت تاريخ وفاته على حجر عند رأسه، كما هو ها هنا.
وكان سبب موته أنه لما انقطع وجمع أطرافه وباع ما حوله وأبقى ما لا
стр. 989
بد له منه، كان انقطاعه في غرفة بجامع عمرو بن العاص، وهو الجامع العتيق بمصر، فخرج ليلة من الغرفة إلى سطح الجامع، فزلت رجله من بعض الطاقات المؤدية للضوء (١) إلى الجامع، فسقط وأصبح ميتاً.
وبابشاذ: بباءين موحدتين بينهما ألف ثم شين معجمة وبعد الألف الثانية ذال معجمة، وهي كلمة عجمية تتضمن الفرح والسرور.
٣٠٩ - (٢)
طاهر بن الحسين
أبو الطيب طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق (٣) بن ماهان، ورأيت في مكان آخر: رزيق بن أسعد بن رادويه، وفي مكان آخر: أسعد بن زاذان - والله أعلم - وقيل مصعب بن طلحة بن رزيق الخزاعي بالولاء الملقب ذا اليمينين؛ كان جده رزيق بن ماهان مولى طلحة الطلحات الخزاعي المشهور بالكرم والجود المفرط، وكان طاهر من أكبر أعوان المأمون، وسيره من مرو كرسي خراسان لما كان المأمون بها إلى محاربة أخيه الأمين ببغداد لما خلع المأمون بيعته، والواقعة مشهورة، وسير الأمين أبا يحيى علي بن عيسى بن ماهان لدفع طاهر عنه، فتواقعا وقتل علي في المعركة.
ذكر ابن العظيمي الحلبي (٤) في تاريخه أن الأمين وجه علي بن عيسى بن
стр. 990
ماهان لملاقاة طاهر بن الحسين، فلقيه بالري فقتل علي بن عيسى لسبع (١) خلون من شعبان سنة خمس وتسعين ومائة. قلت: وذكر الطبري في تاريخه (٢) هذه الواقعة في سنة خمس وتسعين، ولم يعين الشهر، لكنه قال: إنه قتل في الحروب، وسير طاهر بالخير إلى مرو، وبينهما نحو مائتين وخمسين فرسخاً، فسار الكتاب ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، ولم يذكر في أي شهر، فوصلهم يوم الأحد، ثم قال بعد هذا (٣) : وخرج علي بن عيسى من بغداد لسبع ليال خلون من شعبان من سنة خمس وتسعين. والظاهر أن ابن العظيمي اشتبه عليه يوم قتل علي بن عيسى بيوم خروجه من بغداد. ثم قال بعد هذا (٤) : إن الخبر وصل إلى بغداد بقتله يوم الخميس النصف من شوال من السنة، فيحتمل أنه قتل لسبع أو لتسع من شوال، وتصحف على الناسخ شوال بشعبان، فيكون كما قال الطبري خرج من بغداد في شعبان، وقتل في شوال أو في رمضان، والله أعلم.
وتقدم طاهر إلى بغداد وأخذ ما في طريقه من البلاد، وحاصر بغداد والأمين بها، وقتله يوم الأحد لست أو أربع خلون من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، ذكره الطبري في تاريخه؛ وقال غيره: إن طاهراً سير إلى المأمون يستأذنه في أمر الأمين إذا ظفر به، فبعث إليه بقميص غير مقور، فعلم أنه يريد قتله، فعمل على ذلك، والله أعلم؛ وحمل رأسه إلى خراسان ووضع بين يدي المأمون، وعقد للمأمون على الخلافة، فكان المأمون يرعاه لمناصحته وخدمته.
وقيل لطاهر ببغداد لما بلغ: ليهنك ما أدركته من هذه المنزلة التي لم يدركها أحد من نظرائك بخراسان، فقال: ليس يهنيني ذلك، لأني لا ارى عجائز بوشنج يتطلعن إلي من أعالي سطوحهن إذا مررت بهن، وإنما قال ذلك لأنه ولد ونشأ بها، وكان جده مصعب والياً عليها وعلى هراة.
стр. 991
وكان شجاعاً أديباً، وركب يوماً ببغداد في حراقته، فاعترضه مقدس ابن صيفي الخلوقي الشاعر، وقد أدنيت من الشط ليخرج، فقال: أيها الأمير، إن رأيت أن تسمع مني أبياتاً، فقال: قل، فأنشأ يقول (١) :
عجبت لحراقة ابن الحسين لا ... غرقت كيف لا تغرق
وبحران: من فوقها واحد ... وآخر من تحتها مطبق
وأعجب من ذاك أعوادها ... وقد مسها كيف لا تورق فقال طاهر: أعطوه ثلاثة آلاف دينار (٢) ، وقال له: زدنا حتى نزيدك، فقال: حسبي.
ولبعض الشعراء في بعض الرؤساء، وقد ركب البحر، وما أقصر فيه:
ولما امتطى البحر ابتهلت تضرعاً ... إلى الله يا مجري الرياح بلطفه
جعلت الندى من كفه مثل موجه ... فسلمه واجعل موجه مثل كفه وكان طاهر قد احتاج إلى الأموال عند محاصرة بغداد، فكتب إلى المأمون يطلبها منه، فكتب له إلى خالد بن جيلويه الكاتب ليقرضه ما يحتاج إليه، فامتنع خالد من ذلك، فلما أخذ طاهر بغداد أحضر خالداً وقال له: لأقتلنك الشركة المتعهدة قتلة، فبذل من الماء شيئاً كثيراً فلم يقبله منه، فقال خالد: قد قلت شيئاً فاسمعه، ثم شأنك وما أردت، فقال طاهر: هات، وكان يعجبه الشعر، فأنشده:
زعموا بأن الصقر (٣) صادف مرة ... عصفور بر ساقه المقدور (٤)
فتكلم العصفور تحت جناحه ... والصقر منقض عليه يطير
стр. 992
ما كنت يا هذا لمثلك لقمةً (١) ... ولئن شويت (٢) فإنني لحقير
فتهاون الصقر المدل بصيده (٣) ... كرماً فأفلت ذلك العصفور فقال طاهر: أحسنت، وعفا عنه.
وكان طاهر بفرد عين، وفيه يقول عمرو بن بانة - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى -:
يا ذا اليمينين وعين واحدة ... نقصان عين ويمين زائدة ويحكى أن إسماعيل بن جرير البجلي كان مداحاً لطاهر المذكور، فقيل له: إنه يسرق الشعر ويمدحك به، فأحب طاهر أنه يمتحنه، فقال له: تهجوني، فامتنع، فألزمه بذلك، فكتب إليه:
رأيتك لا ترى إلا بعين ... وعينك لا ترى إلا قليلاً
فأما إذ أصبت بفرد عين ... فخذ من عينك الأخرى كفيلا
فقد أيقنت أنك عن قريب ... بظهر الكف تلتمس السبيلا فلما وقف عليها قال له: احذر أن تنشدها أحداً، ومزق الورقة.
ولما استقل المأمون بالأمر بعد قتل أخيه الأمين كتب إلى طاهر بن الحسين المذكور وهو مقيم ببغداد والمأمون مقيم بخراسان بأن يسلم إلى الحسن بن سهل - المقدم ذكره - جميع ما افتتحه من البلاد، وهي العراق وبلاد الجبل وفارس والأهواز والحجاز واليمن، وأن يتوجه هو إلى الرقة، وولاه الموصل وبلاد الجزيرة الفراتية والشام والمغرب، وذلك في بقية سنة ثمان وتسعين ومائة.
وأخبار طاهر كثيرة - وسيأتي ذكر ولده عبد الله وحفيده عبيد الله في حرف العين إن شاء الله تعالى -.
стр. 993
وكان مولده سنة تسع وخمسين ومائة. وتوفي يوم السبت لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة سبع ومائتين بمدينة مرو رحمه الله تعالى.
وكان المأمون قد ولاه خراسان، فوردها في شهر ربيع الآخر سنة ست ومائتين، واستخلف ابنه طلحة، هكذا قال السلامي في كتاب " أخبار ولاة خراسان "، وقال غيره (١) : إنه خلع طاعة المأمون، وجاءت كتب البريد من خراسان تتضمن ذلك، فقلق المأمون لذلك قلقاً شديداً، ثم جاءته كتب البريد ثاني يوم أنه أصابته عقيب ما خلع حمى فوجد في فراشه ميتاً، وقيل إنه حدث به في جفن عينه حادث، فسقط ميتاً.
[وحكى هارون بن العباس بن المأمون في تاريخه، قال (٢) : دخل طاهر يوماً على المأمون في حاجة فقضاها وبكى حتى اغرورقت عيناه بالدموع، فقال طاهر: يا أمير المؤمنين لم تبكي لا أبكى الله عينك، وقد دانت لك الدنيا وبلغت الأماني، فقال: أبكي لا عن ذل ولا عن حزن، ولكن لا تخلو نفس من شجن، فاغتنم طاهر وقال لحسين الخادم وكان يحجب المأمون في خلواته: أريد أن تسأل أمير المؤمنين عن موجب بكائه عندما رآني، ثم أنفذ طاهر للخادم مائة ألف درهم، فلما كان في بعض خلوات المأمون وهو طيب الخاطر قال له حسين الخادم: يا أمير المؤمنين، لم بكيت لما دخل عليك طاهر فقال: مالك ولهذا ويلك قال: غمني بكاؤك، فقال: هو أمر إن خرج من رأسك أخذته، فقال: يا سيدي ومتى أبحت لك سراً قال: إني ذكرت محمداً أخي وما ناله من الذلة، فخنقتني العبرة، ولن يفوت طاهراً مني ما يكره، فأخبر حسين طاهراً بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد فقال له: إن الثناء مني ليس برخيص وإن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن المأمون، فقال: سأفعل، فبكر إلي غداً، وركب أحمد إلى المأمون فقال له: لم أنم البارحة، فقال له: ولم قال: لأنك وليت خراسان غسان وهو ومن معه أكلة رأس، وأخاف أن يصطلمه مصطلم، فقال: فمن ترى قال: طاهر، قال: هو
стр. 994
جائع، فقال: أنا ضامن له، فدعا به المأمون وعقد له على خراسان من ساعته، وأهدى له خادماً كان رباه، وأمره إن رأى ما يريبه أن يسمه، فلما تمكن طاهر من الولاية قطع الخطبة. حكى كلثوم بن ثابت متولي بريد خراسان قال: صعد طاهر المنبر يوم الجمعة وخطب، فلما بلغ ذكر الخليفة أمسك، فكتب بذلك إلى المأمون على خيل البريد، واصبح طاهر يوم السبت ميتاً فكتب أيضاً بذلك، فلما وصلت الخريطة الأولى إلى المأمون دعا أحمد بن أبي خالد وقال: اشخص الآن فأت به كما ضمنت، واكرهه على المسير في يومه، ثم بعد شدائد أذن له في المبيت، ثم وافت الخريطة الثانية من يومه بموته، وقيل: إن الخادم سمه في كامخ] (١) .
(٦٦) ثم إن المأمون استخلف ولده طلحة على خراسان، وقيل إنه جعله خليفة بها لأخيه عبد الله بن طاهر الآتي ذكره، وتوفي طلحة سنة ثلاث عشرة ومائتين ببلخ.
واختلفوا في تلقيبه بذي اليمينين (٢) لأي معنى كان، فقيل لأنه ضرب شخصاً في وقعته مع علي بن ماهان كما تقدم فقده نصفين، وكانت الضربة بيساره، فقال فيه بعض الشعراء:
كلتا يديك يمين حين تضربه ... فلقبه المأمون " ذا اليمينين "، وقيل غير ذلك.
(٦٧) وكان جده مصعب بن رزيق (٣) كاتباً لسليمان بن كثير الخزاعي صاحب دعوة بني العباس، وكان بليغاً، فمن كلامه: ما احوج الكاتب إلى نفس تسمو به إلى أعلى المراتب، وطبع يقوده إلى أكرم الأخلاق، وهمة تكفه عن دنس الطمع ودناءة الطبع.
стр. 995
وبوشنج: بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وسكون النون وبعدها جيم، وهي بلدة بخراسان على سبعة فراسخ من هراة.
ومقدس: بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المهملة المكسورة وبعدها سين مهملة، وهو اسم علم على الشاعر المذكور.
والخلوقي: بفتح الخاء المعجمة وضم اللام وسكون الواو وبعدها قاف، هذه النسبة إلى خلوق او خلوقة، وهي قبيلة من العرب مشهورة.
(٦٨) ومات والده الحسين بن مصعب بخراسان في سنة تسع وتسعين ومائة، وحضر المأمون جنازته وبعث إلى ابنه طاهر وهو بالعراق يعزيه.
٣١٠ - (١)
سيف الإسلام طغتكين
سيف الإسلام أبو الفوارس طغتكين بن أيوب بن شاذي بن مروان المنعوت بالملك العزيز ظهير الدين، صاحب اليمن؛ كان أخوه السلطان الملك الناصر صلاح الدين، رحمه الله تعالى، لما ملك الديار المصرية قد سير أخاه شمس الدولة توران شاه - المقدم ذكره في حرف التاء - إلى بلاد اليمن، فملكها واستولى على كثير من بلادها، ورجع عنها - حسبما هو مذكور في ترجمته - ثم سير السلطان إليها بعد ذلك أخاه سيف الإسلام المذكور، وذلك في سنة سبع وسبعين وخمسمائة. وكان رجلاً شجاعاً كريماً مشكور السيرة حسن السياسة مقصوداً من البلاد الشاسعة لإحسانه وبره، ودخل إليه شرف الدين أبو المحاسن ابن عنين الدمشقي - الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - ومدحه بغر القصائد، فأحسن إليه وأجزل صلته، واكتسب من جهته مالاً وافراً وخرج به من اليمن،
стр. 996
فلما وصل إلى الديار المصرية وسلطانها يومئذ الملك العزيز عماد الدين عثمان ابن السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، ألزمه أرباب ديوان الزكاة بدفع الزكاة من المتاجر التي وصلت صحبته، فعمل (١) :
ما كل من يتمسى بالعزيز لها ... أهل ولا كل برق سحبه غدقه
بين العزيزين بون في فعالهما ... هذا يعطي، وهذا يأخذ الصدقة وكانت وفاة سيف الإسلام في شوال تاسع عشر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بالمنصورة، وهي مدينة اختطها بالمين، رحمه الله تعالى.
(٦٩) وتولى بعده ولده الملك المعز فتح الدين إسماعيل (٢) ، وللمعز المذكور صنف أبو الغنائم مسلم بن محمود بن نعمة بن أرسلان الشيزري كتابه الذي سماه " عجائب الأسفار وغرائب الأخبار " وأودع فيه من أشعاره وأخبار الناس كثيراً، وذكر العز بن عساكر أنه مات بالحمراء من بلاد اليمن، وذكر أبو الغنائم المذكور في كتابه الذي سماه " جمهرة الإسلام ذات النثر والنظام " (٣) أنه مات بتعز، ودفن بها بالمدرسة. ثم قال: وقتل ولده فتح الدين أبو الفداء إسماعيل في رجب سنة ثمان وتسعين، بمكان يقال له عجي شامي زبيد، وتولى مكانه أخوه الملك الناصر أيوب (٤) .
[وكان الملك المعز اسماعيل اهوج كثير التخليط بحيث أنه ادعى أنه قرشي من بني أمية وخطب لنفسه بالخلافة وتلقب بالهادي، فلما سمع عمه الملك العادل
стр. 997
ذلك ساءه وأهمه وكتب إليه يلومه ويوبخه ويأمره بالعودة إلى نسبه الصحيح، ويترك ما ارتكبه مما يضحك الناس منه، فلم يلتفت ولم يرجع؛ وانضاف إلى ذلك أنه أساء السيرة مع اجناده وامرائه، فوثبوا عليه فقتلوه وملكوا عليهم أخاه الملك الناصر محمداً] (١) .
(٧٠) وكان أبو الغنائم المذكور أديباً شاعراً، وكان موجوداص في سنة سبع عشرة وستمائة. فقد توفي في هذه السنة أو بعدها.
(٧١) وكان أبوه أبو الثناء محمود (٢) نحوياً متصدراً بجامع دمشق لإقراء النحور، وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير، وذكره العماد الكاتب في كتاب " الخريدة " (٣) وقال: توفي بعد سنة خمس وستين وخمسمائة. وقال شرف الدين ابن عنين: أنشدني محمود المذكور لنفسه (٤) :
يقولون كافات الشتاء كثيرة ... وما هي إلا واحد غير مفترى
إذا صح كان الكيس فالكل حاصل ... لديك، وكل الصيد يوجد في الفرا وكان جده أرسلان مملوك ابن منقذ صاحب شيزر، والله أعلم.
وطغتكين: بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، وهو اسم تركي [لا أعرف معناه] .
стр. 998
(١) ٣١١
الصالح بن رزيك
أبو الغارات طلائع بن رزيك الملقب الملك الصالح وزير مصر؛ كان والياً بمنية بني خصيب من أعمال صعيد مصر، فلما قتل الظافر إسماعيل صاحب مصر - كما تقدم في حرف الهمزة - سير أهل القصر إلى الصالح، واستنجدوا به على عباس وولده نصر المتفقين على قتله، فتوجه الصالح إلى القاهرة ومعه جمع عظيم من العربان، فلما قربوا من البلد هرب عباس وولده وأتباعهما ومعهما أسامة بن منقذ - المذكور في حرف الهمزة أيضاً - لأنه كان مشاركاً لهما في ذلك على ما يقال، ودخل الصالح إلى القاهرة وتولى الوزارة في أيام الفائز، واستقل بالأمور وتدبير أحوال الدولة، وكانت ولايته في التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وكان فاضلاً سمحاً في العطاء سهلاً في اللقاء محباً لأهل الفضائل جيد الشعر، وقفت على ديوان شعره وهو في جزاين، ومن شعره قوله (٢) :
كم ذا يرينا الدهر من أحداثه ... عبراً وفينا الصد والإعراض
ننسى الممات وليس يجري ذكره ... فينا فتذكرنا به الأمراض ومن شعره أيضاً (٣) :
ومهفهف ثمل القوام سرت إلى ... أعطافه النشوات من عينيه
ماضي اللحاظ كأنما سلت يدي ... سيفي غداة الروع من جفنيه
стр. 999
قد قلت إذ خط العذار بمسكة ... في خده ألفيه لا لاميه
ما الشعر دب بعارضيه وإنما ... أصداغه نفضت على خديه
الناس طوع يدي وامري نافذ ... فيهم وقلبي الآن طوع يديه
فاعجب لسلطان يعم بعدله ... ويجور سلطان الغرام عليه
والله لولا اسم الفرار وأنه ... مستقبح لفررت منه إليه وروى عنه أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجا بن غنائم الأنصاري الملقب زين الدين الحنبلي المعروف بابن نجية الواعظ المشهور الدمشق قال: أنشدني طلائع بن رزيك لنفسه بمصر (١) :
مشيبك قد نضا صبغ الشباب ... وحل الباز في وكر الغراب
تنام ومقلة الحدثان يقظى ... وما ناب النوائب (٢) عنك نابي
وكيف بقاء عمرك وهو كنز ... وقد أنفقت منه بلا حساب وكان المهذب عبد الله بن أسعد الموصلي نزيل حمص قد قصده من الموصل، ومدحه بقصيدته الكافية التي أولها (٣) :
أما كفاك تلافي في تلافيكا ... ولست تنقم إلا فرط حبيكا وهي من نخب القصائد، ومخلصها (٤) :
وفيم تغضب أن قال الوشاة سلا ... وأنت تعلم أني لست أسلوكا
لا نلت وصلك إن كان الذي زعموا ... ولا شفى ظمئي وجود ابن رزيكا وهي طويلة ولولا خوف الإطالة لكتبتها.
стр. 1000
ولما مات الفائز وتولى العاضد مكانه استمر الصالح على وزارته وزادت حرمته وتزوج العاضد ابنته، فاغتر بطول السلامة، وكان العاضد تحت قبضته وفي أسره، فلما طال عليه ذلك أعمل الحيلة في قتله، فاتفق مع قوم من أجناد الدولة يقال لهم أولاد الراعي وتقرر ذلك بينهم، وعين لهم موضعاً في القصر يجلسون فيه مستخفين، فإذا مر بهم الصالح ليلاً أو نهاراً قتلوه، فقعدوا له ليلة وخرج من القصر، فقاموا ليخرجوا غليه، فاراد أحدهم أن يفتح غلق الباب فأغلقه وما علم، فلم يحصل مقصودهم تلك الليلة لأمر أراده الله تعالى في تأخير الأجل، ثم جلسوا له يوماً آخر، فدخل القصر نهاراً فوثبوا عليه وجرحوه جراحات عديدة بعضها في رأسه، ووقع الصوت، فعاد أصحابه إليه فققتلوا الذين جرحوه وحمل إلى داره مجروحاً ودمه يسيل، وأقام بعض يوم. ومات يوم الاثنين تاسع عشر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالىن وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وخرجت الخلع لولده العادل يحيى الدين رزيك - المقدم ذكره في ترجمة شاور - يوم الثلاثاء ثاني يوم وفاة أبيه، وكنيته أبو شجاع، ولما تولى الوزارة لقبوه العادل الناصر.
ولما مات رثاه الفقيه عمارة اليمنى بقصيدة، أولها (١) :
أفي أهل ذا النادي عليم أسائله ... فإني لما بي ذاهب اللب ذاهله
سمعت حديثاً أحسد الصم عنده ... ويذهل واعيه ويخرس قائله
فهل من جواب يستغيث به المنى ... ويعلو على حق المصيبة باطله
وقد رابني من شاهد الحال أنني ... أرى الدست منصوباً وما فيه كافله
فهل غاب عنه واستناب سليله ... أم اختار هجراً لا يرجى تواصله
فإني ارى فوق الوجوه كآبة ... تدل على أن الوجوه ثواكله ومنها:
دعوني فما هذا أوان بكائه ... سيأتيكم طل البكاء ووابله
стр. 1001
ولا تنكروا حزني عليه فإنني ... تقشع عني وابل كنت آمله
ولما لا نبكيه ونندب فقده ... وأولادنا أيتامه وأرامله
فيما ليت شعري بعد حسن فعاله ... وقد غاب عنا ما بنا الله فاعله
أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم ... فيمكث أم تطوى ببين مراحله وهي طويلة؛ وكان قد دفن بالقاهرة، ثم نقله ولده العادل من دار الوزارة التي دفن بها، وهي المعروفة بانشاء الأفضل شاهان شاه - المقدم ذكره -؛ وكان نقله في تاسع عشر صفر سنة سبع وخمسين في تابوت وركب خلفه العاضد إلى تربته التي بالقرافة الكبرى، فعمل في ذلك الفقيه عمارة أيضاً قصيدة طويلة أجاد فيها، ومن جملتها في صفة التابوت:
وكأنه تابوت موسى أودعت ... في جانبيه سكينة ووقار وله فيه مرات كثيرة.
وهذا الصالح هو الذي بنى الجامع الذي على باب زويلة بظاهر القاهرة.
(٧٢) وأما ولده العادل رزيك (١) فقد ذكرت في ترجمة شاور تاريخ هربه من القاهرة، وكان قد حمل معه من الذخائر ما لا يحصى، ومعه أهله وحاشيته، واستجار بسليمان، وقيل بيعقوب بن النيص (٢) اللخمي، وكان من خواص أصحابهم، وحصل من جهتهم نعمة وافرة، فأنزلهم عنده وهو بإطفيح، وسار من ساعته إلى شاور وأعلمه بهم، فندب معه جماعة ومضوا إلى العادل وأخذوه أسراً وأحضروه إلى باب شاور، فوقف زماناً طويلاً ثم حبسه.
ثم قال شاور لابن النيص: لقد خبأك الصالح ذخيرة صالحة لولده وأنا أخبؤك أيضاً لولدي، ثم شنقه، وبقي العادل في الاعتقال مدة مديدة، ثم قتله
стр. 1002
وأخرج رأسه لأمراء الدولة (١) .
ومن العجائب أن الصالح ولي الوزارة في التاسع عشرن وقتل في التاسع عشر، ونقل تابوته في التاسع عشر، وزالت دولتهم في التاسع عشر.
ورزيك: بضم الراء وتشديد الزاي المكسورة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها كاف.
(٧٣) وكانت (٢) ولادة زين الدين الواعظ (٣) المذكور سنة ثمان وخمسمائة بدمشق، ونشأ لها وقدم بغداد مراراً، وصاهر أبا الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل بن سعد البلنسي الأنصاري الأندلسي (٤) على ابنته أم عبد الكريم فاطمة، وانتقل قبل وفاته إلى مصر، وحدث بها، وتوفي يوم الأربعاء ثامن رمضان سنة تسع وتسعين وخمسمائة بمصر، وهو المعروف بابن نجية، رحمه الله تعالى.
стр. 1003
٣١٢ - (١)
أبو يزيد البسطامي
أيو يزيد طيفور بن عيسى بن آدم بن عيسى بن علي البسطامي الزاهد المشهور؛ كان جده مجوسياً ثم أسلم، وكان له أخوان زاهدان عابدان أيضاً: آدم وعلي، وكان أبو يزيد أجلهم. وسئل أبو يزيد: بأي شيء وجدت هذه المعرفة فقال: ببطن جائع وبدن عار؛ وقيل لأبي يزيد: ما أشد ما لقيته في سبيل الله تعالى فقال: لا يمكن وصفه، فقيل له: ما أهون ما لقيت نفسك منك فقال: أما هذا فنعم، دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني طوعاً، فمنعتها الماء سنة. وكان يقول: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة. وله مقالات كثيرة ومجاهدات مشهورة وكرامات ظاهرة.
وكانت وفاته سنة إحدى وستين، وقيل أربع وستين ومائتين، رحمه الله تعالى.
وطيفور: بفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الفاء وبعد الواو الساكنة راء.
والبسطامي: بفتح الباء الموحدة وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبعد الألف ميم، هذه النسبة إلى بسطام، وهي بلدة مشهورة من أعمال قومس ويقال: إنها أول بلاد خراسان من جهة العراق، والله أعلم.
стр. 1004
فراغ
стр. 1005
حَرفُ الظاء
стр. 1006
فراغ
стр. 1007
٣١٣ - (١)
أبو الأسود الدؤلي
أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة ابن عدي بن الديل بن بكر الديلي، ويقال: الدؤلي، وفي اسمه ونسبه ونسبته اختلاف كثير؛ كان من سادات التابعين وأعيانهم، صحب علي بن أبي طالب، ﵁، وشهد معه وقعة صفين، وهو بصري، وكان من أكمل الرجال رأياً وأسدهم عقلاً.
وهو أول من وضع النحو، قيل إن علياً، ﵁، وضع له: الكلام كله ثلاثة أضرب: اسم وفعل وحرف، ثم رفعه إليه وقال له: تمم على هذا.
[وكان ينزل البصرة في بني قشير، وكانوا يرجمونه بالليل لمحبته علياً كرم الله وجهه، فإذا ذكر رجمهم قالوا: إن الله يرجمك، فيقول لهم: تكذبون، لو رجمني الله لأصابني ولكنكم ترجمون ولا تصيبون ... وهذا بالعكس مما جرى لأبي الجهم العدوي فإنه باع داره بمائة ألف درهم ثم قال: فبكم تشترون جوار سعيد بن العاص قالوا: وهل يشتري جوار قط قال: ردوا علي داري ثم خذوا مالكم، لا أدع جوار رجل أن قعدت سأل عني وإن رآني رحب بي وإن غبت حفظني وإن شهدت قرني وإن سألته قضى حاجتي وإن لم أسأله بدأني وإن نابتني فرج عني، فبلغ ذلك سعيداً فبعت إليه بمائة ألف درهم.
стр. 1008
وحكى أبو غفر الدؤلي - وكان شاعراً - قال: كنت عند عبد الملك بن مروان إذ دخل عليه أبو الأسود الدؤلي - وكان أحول دميماً قبيح المنظر - فقال له عبد الملك: يا أبا الأسود، لو علقت عليك عودة من العين، فقال: إن لك جواباً يا أمير المؤمنين، وأنشد:
افنى الشباب الذي افنيت جدته ... كر الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لي في طول اختلافهما ... شيئاً أخاف عليه لذعة الحدق أما والله لئن كانت أبلتني السنون وأسرعت إلي المنون لما اثبت ذاك إلا في موضعه، ولرب يوم كنت فيه إلى الآنسات البيض اشهى منك إليهن، وإني اليوم لكما قال امرؤ القيس:
أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوما ولقد كنت كما قال أيضاً:
ورعن إلى صوتي إذا ما سمعنه ... كما يرعوي عيط إلى صوت اعيسا فقال عبد الملك: قاتلك الله من شيخ ما أعظم همتكّ!
وكان لأبي الأسود من معاوية ناحية حسنة فوعده وعداً أبطأ عليه فقال:
لا يكن برقك برقاً خلباً ... إن خير البرق ما الغيث معه
لا تهني بعد إذ أكرمتني ... فقبيح عادة منتزعه] (١) وقيل إنه كان يعلم أولاد زياد بن أبيه وهو والي العراقين يومئذ، فجاءه يوماً وقال له: أصلح الله الأمير، إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم وتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون أو يقيمون به كلامهم قال: لا، قال: فجاء رجل إلى زياد وقال: أصلح الله الأمير، توفي أبانا وترك
стр. 1009
بنون، فقال زياد: توفي أبانا وترك بنون!! ادعوا لي أبا الأسود، فلما حضر قال: ضع للناس الذي نهيتك أن تضع لهم.
وقيل: إنه دخل بيته يوماً فقال له بعض بناته: يا أبت، ما أحسن السماء، فقال: يا بنية نجومها، فقالت له: إني لم أرد أي شيء منها أحسن، إنما تعجبت من حسنها، فقال: إذن فقولي ما أحسن السماء، وحينئذ وضع النحو.
وحكى ولده أبو حرب قال: أول باب رسم أبي باب التعجب.
وقيل لأبي الأسود: من أين لك هذا العلم يعنون النحو، فقال: لقنت حدوده من علي بن أبي طالب ﵁.
وقيل إن أبا الأسود المذكور كان لا يخرج شيئاً أخذه عن علي بن أبي طالب إلى أحد، حتى بعث إليه زياد المذكور: أن اعمل شيئاً يكون للناس إماماً ويعرف به كتاب الله ، فاستعفاه من ذلك، حتى سمع أبو الأسود قارئاً يقرأ: (إن الله بريء من المشركين ورسوله) ، بالكسر، فقال: ما ظننت أن أمر الناس آل إلى هذا، فرجع إلى زياد فقال: أفعل ما أمر به الأمير، فليبغني كاتباً لقناً يفعل ما أقول له، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه، فأتي بآخر فقال له أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه، وإن ضممت فمي فانقط بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت، ففعل ذلك.
وإنما سمي النحو نحواً لأن أبا الأسود المذكور قال: استأذنت علي بن أبي طالب ﵁ أن أضع نحو ما وضع، فسمي لذلك نحواً، والله أعلم.
وكان لأبي الأسود بالبصرة دار، وله جار يتأذى منه في كل وقت، فباع الدار فقيل له: بعت دارك، فقال: بل بعت جاري، فأسلها مثلاً.
ودخل أبو الأسود يوماً على عبيد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي ﵁، فرأى عليه جبة رثة كان يكثر لبسها، فقال: يا أبا الأسود أما تمل هذه الجبة فقال: رب مملوك لا يستطاع فراقه، فلما خرج من عنده بعث (١) إليه مائة ثوب، فكان ينشد بعد ذلك - وقيل إن هذه
стр. 1010
القضية جرت له مع المنذر بن الجارود (١) -:
كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
وإن أحق الناس إن كنت شاكراً ... بشكرك من أعطاك والعرض وافر يروى " مملوك " بالكفا و " مملول " باللام، ويروى " ناصر " بالنون و " ياصر " بالياء، ولكل واحد منهما معنى، فمعناه بالنون ظاهر لأنه من النصرة وبالياء من التعطف والحنو، يقال: فلان يأصر على فلان، إذا كان يعطف عليه ويحنو.
وله أشعار كثيرة، فمن ذلك قوله (٢) :
وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ألق دلوك في الدلاء
تجيء بملئها طوراً وطوراً ... تجيء بحمأة وقليل ماء ومن شعره أيضاً - وله ديوان شعر -:
صبغت أمية بالدماء أكفنا ... وطوت أمية دوننا دنياها ويحكى أنه أصابه الفالج فكان يخرج إلى السوق يجر رجله، وكان موسراً ذا عبيد وإماء، فقيل له: قد أغناك الله عن السعي في حاجتك، فلو جلست في بيتك، فقال: لا، ولكني أخرج وأدخل فيقول الخادم: قد جاء، ويقول الصبي: قد جاء، ولو جلست في البيت (٣) فبالت علي الشاة ما منعها أحد عني.
وحكى خليفة بن خياط أن عبد الله بن عباس ﵄ كان عاملاً لعلي بن أبي طالب ﵁ على البصرة، فلما شخص الىالحجاز استخلف أبا الأسود عليها، فلم يزل حتى قتل علي ﵁.
وكان أبو الأسود معروفاً بالبخل، وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا
стр. 1011
لكنا أسوأ حالاً منهم. وقال لبنيه: لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد، ولو شاء أو يوسع على الناس كلهم لفعل، فلا تجهدوا أنفسكم في التوسع فتهلكوا هزالاً. وسمع رجلاً يقول: من يعشي الجائع فقال: علي به، فعشاه، ثم ذهب ليخرج، فقال: أين تريد قال: أهلي، قال: هيهات، ما عشيتك إلا على أن لا تؤذي المسلمين الليلة، ثم وضع في رجله القيد حتى أصبح.
وتوفي أبو الأسود بالبصرة سنة تسع وستين في طاعون الجارف، وعمره خمس وثمانون سنة ﵁، وقيل إنه مات قبل الطاعون بعلة الفالج، وقيل إنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁، وتولى عمر الخلافة في صفر سنة تسع وتسعين للهجرة وتوفي في رجب سنة إحدى ومائة بدير سمعان، ﵁.
وقيل لأبي الأسود عند الموت: أبشر بالمغفرة، فقال: وأين الحياء مما كانت له المغفرة
والديلي: بكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام، والدؤلي: بضم الدال المهمة وفتح الهمزة وبعدها لام، هذه النسبة إلى الدئل بكسر الهمزة، وهي قبيلة من كنانة، وإنما فتحت الهمزة في النسبة لئلا تتوالى الكسرات، كما قالوا في النسبة إلى نمرة نمري - بالفتح - وهي قاعدة مطردة، والدئل: اسم دابة بين ابن عرس والثعلب.
وحلس: بكسر الحاء المهملة وسكون اللام وبعدها سين مهملة، هكذا ذكره الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب " الإيناس " وهو مما يحرف كثيراً فقد وجدت فيه اختلافاً، وهذا الأصح.
стр. 1012
٣١٤ - (١)
ظافر الحداد
أبو المنصور ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله بن خلف بن عبد الغني الجذامي الإسكندراني المعروف بالحداد الشاعر المشهور؛ كان من الشعراء المجيدين وله ديوان شعر أكثره جيد، ومدح جماعة من المصريين، وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي وغيره من الأعيان. ومن مشهور شعره قوله (٢) :
لو كان بالصبر الجميل ملاذه ... ما سح وابل دمعه ورذاذه
ما زال جيش الحب (٣) يغزو قلبه ... حتى وهى وتقطعت أفلاذه
لم يبق فيه مع (٤) الغرام بقية ... إلا رسيس يحتويه جذاذه
من كان يرغب في السلامة فليكن ... أبداً من الحدق المراض عياذه
لا تخدعنك بالفتور فإنه ... نظر يضر بقلبك استلذاذه
يا أيها الرشأ الذي من طرفه ... سهم إلى حب القلوب نفاذه
در يلوح بفيك من نظامه ... خمر يجول عليه من نباذه
وقناة ذاك القد كيف تقومت ... وسنان ذاك اللحظ ما فولاذه
رفقاً بجسمك لا يذوب فإنني ... أخشى بأن يجفو عليه لاذه (٥)
هاروت يعجز عن مواقع سحره ... وهو الإمام فمن ترى أستاذه
стр. 1013
تالله ما علقت محاسنك امرءاً ... إلا وعز على الورى استنقاذه
أغريت حبك بالقلوب فأذعنت ... طوعاً وقد أودى بها استحواذه
ما لي أتيت الحظ من أبوابه ... جهدي فدام نفوره ولواذه
إياك من طمع المنى فعزيزه ... كذليله وغنيه شحاذه منها:
ذالية ابن دريد استهوى بها ... قوماً غداة نبت به بغداذه
دانوا لزخرف قوله فتفرقت ... طمعاً بهم صرعاه أو جذاذه
من قدر الرزق السني لك أنما ... قد كان ليس يضره إنفاذه (١) وهذه القصيدة من غرز القصائد. والعجب أني رأيت صاحبنا عماد الدين أبا المجد إسماعيل المعروف بابن باطيش الموصلي قد ذكر هذه الأبيات في كتابه " المغني " الذي وضعه على كتاب " المهذب " في الفقه، وفسر فيه غريبه، وتكلم على أسماء رجاله، فلما انتهى إلى ذكر أبي بكر محمد بنا لحداد المصري الفقيه الشافعي وشرح طرفاً من حاله قال بعد ذلك: وكان مليح الشعر، أنشدني بعض الفقهاء أبياتاً من قصيدة عزاها إليه، وذكر بعض هذه الأبيات المكتتبة (٢) ها هنا، وما أوقعه في هذا إلا كون ظافر يعرف بالحداد، والفقيه ابن الحداد، بجمعتهما لفظة الحداد، فمن ها هنا حصل الالتباس (٣) .
ومن شعره أيضاً (٤) :
رحلوا فلولا أنني ... أرجو الإياب قضيب نحبي
والله ما فارقتهم ... لكنني فارقت قلبي
стр. 1014
(٧٤) وذكر العماد الكاتب في " الخريدة " هذين البيتين للعيني (١) ، ثم قال: كان العيني من الأجناد الأكياس، مذكوراً بالباس. وتوفي سنة ست وأربعين وخمسمائة. والصحيح أنهما لظافر الحداد، وذكرهما في " الخريدة " في ترجمة ظافر الحداد أيضاً (٢) .
وله من جملة قصيد:
يذم المحبون الرقيب وليت لي ... من الوصل ما يشخى عليه رقيب وكانت وفاته بمصر في المحرم سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وقد تقدم الكلام على الجذامي (٣) .
[وله أيضاً من الشعر في كرسي النسخ (٤) :
انظر بعينك في بديع صنائعي ... وعجيب تركيبي وحكمة صانعي
فكأنني كفا محب شبكت ... يوم الفراق أصابعاً بأصابع وذكره علي بن ظافر بن منصور في كتاب " بدائع البدائه " (٥) وأثنى عليه، وأورد فيه عن القاضي أبي عبد الله محمد بن الحسين الآمدي النائب كان في الحكم بثغر الاسكندرية المحروس، قال: دخلت على الأمير السعيد بن ظفر أيام ولايته للثغر، فوجدته يقطر دهناً على خنصره، فسألته عن سببه، فذكر ضيق خاتمه عليه وأنه ورم بسببه، فقلت له: الرأي قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر فيه، فقال: اختر من يصلح لذلك، فاستدعيت أبا المنصور ظافر بن القاسم الحداد المذكور، فقطع الحلقة، وأنشد بديهاً (٦) :
стр. 1015
قصر عن أوصافك العامل ... وكثر الناثر والناظم
من يكن البحر له راحة ... يضيق عن خنصره الخاتم فاستحسنه الأمير ووهب له الحلقة، وكانت من ذهب. وكان بين يدي الأمير غزال مستأنس، وقد ربض وجعل رأسه في حجره، فقال ظافر بديهاً:
عجبت لجرأة هذا الغزال ... وأمر تخطى له واعتمد
وأعجب به إذا بدا جاثِماً ... وكيف اطمأن وأنت الأسد فزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان. وتأمل ظافر شيئاً كان على باب المجلس يمنع الطير من دخولها فقال:
رأيت ببابك هذا المنيف ... شباكاً فأدركني بعض شك
وفكر فيما رأى خاطري ... فقلت البحار مكان الشبك ثم انصرف وتركنا متعجبين من حسن بديهته، رحمه الله تعالى وغفر له] (١) .
стр. 1016
مقدمة
يستمر اعتمادنا في تحقيق هذا الجزء على النسخ الخطية التي اعتمدنا عليها في الجزء السابق وهي:
١ - مسودة المؤلف (المتحف البريطاني رقم: ٢٥٧٣٥ Add.) التي تنتهي عند آخر حرف الغين.
٢ - نسخة المكتبة الظاهرية، ورمزها " ر ".
٣ - نسخة آيا صوفيا (رقم: ٢٥٣٢) ، ورمزها " ص "، وآخر ترجمة في القسم الموجود منها هي ترجمة أبي السهيلي.
٤ - نسخة أحمد الثالث، ورمزها " س ".
٥ - نسخة المتحف البريطاني، ورمزها " م ".
ويحسن أن نشير إلى أن الفروق بين النسخ التي اعتمدها وستنفيلد قد توقفت الإشارة إليها عند آخر حرف الظاء (أي عند نهاية الجزء الثاني حسب تجزئتنا) .
وقد اعتمدنا بالإضافة إلى النسخ المذكورة على ما يلي:
١ - نسخة كوبريلي (رقم: ١١٩٢) ، ورمزها " ل "، وتقع في ٢٣٠ ورقة، في الصفحة الواحدة ٢١ سطراً، ومتوسط عدد الكلمات في السطر ١٣ كلمة؛ وهي تبدأ بترجمة عبد الرحمن بن مسلم وتنتهي برتجمة ابن التعاويذي. وقد كتبت بخط أحمد بن محمد بن حمدان الحراني، وكان الفراغ منها يوم الأربعاء ١٣ شعبان سنة ٧٣١، وهي غير دقيقة الضبط وتشترك كثيراً مع النسخة " س " في عدد إيراد الإضافات التي قيدها المؤلف على هوامش المسودة، إلا أنها ابتداء من تراجم المحمدين يرد في هوامشها إضافات تنفرد بها دون النسخة " س ".
стр. 1017
٢ - نسخة لاله لي (رقم: ٢١١٢) ، ورمزها " لي "، وتقع في ٢٢٧ ورقة، في الصفحة الواحدة ١٩ سطراً، ومتوسط عدد الكلمات في السطر ١٤ كلمة؛ وهي تبدأ بترجمة عبد الحميد بن يحيى وتنتهي بترجمة ابن التعاويذي. وقد كتبت في بخط نسخي جميل مضبوط بالشكل، وجاء في الورقة الأخيرة أنها نجزت في أواخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وهي تشترك مع " س " و " ل " فيما تمثله من مسودة المؤلف.
٣ - نسخة ولي الدين (رقم: ٢٤٦٠) ، ورمزها " ن "، وتقع في ٣٨٧ ورقة، في الصفحة الواحدة ٢٣ سطراً، وهي تبدأ بترجمة علي بن بويه وتنتهي بترجمة يحيى بن خالد البرمكي، ويبدو من الخاتمة فيها أنها تمثل ما قيده المؤلف حتى سنة ٦٥٩، ولذلك خلت مما زاده بعدئذ من تراجم، كما خلت من الإضافات التي جدت على هوامش المسودة، فهي تقارب النسخ س ل لي. وقد تم نسخها على يد علي بن مبارك النوري الشافعي في يوم السبت بكرة النهار قبل الغد ٢١ محرم سنة ٨٣٠، ونجزت مقابلة وتحريراً وضبطاً في شوال من العام نفسه.
إحسان عباس
بيروت في شباط (فبراير) ١٩٧٠.
стр. 1018
حرف العين
стр. 1019
فراغ
стр. 1020
٣١٥ - (١)
عاصم المقرئ
أبو بكر عاصم بن أبي النجود بهدلة مولى بني جذيمة بن مالك بن نصر ابن قعين بن أسد؛ كان أحد القراء السبعة والمشار إليه في القراءات، أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش، وأخذ عنه أبو بكر ابن عياش وأبو عمر البزار (٢) واختلفوا اختلافاً شديداً في حروف كثيرة.
وتوفي عاصم في سنة سبع وعشرين ومائة، رحمه الله تعالى، بالكوفة (٣) .
والنجود: بفتح النون وضم الجيم وسكون الواو وبعدها دال مهملة، وهي الحمارة الوحشية التي لا تحمل، وقيل هي المشرفة (٤) .
وبهدلة: بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفتح الدال المهملة واللام وبعدها هاء ساكنة، ويقال إنه اسم أمه.