← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

بنيان الكعبة الذي بناه ابن الزبير لأنه كان تخلخل من حجارة المنجنيق، فأعاده إلى بناء قريش الأول. ولما توفي بشر بن مروان كتب عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف وهو بالمدينة بوفاته فأقبل في اثني عشر راكباً على النجائب حتى دخل الكوفة فجأة فبدأ بالمسجد فدخله ثم صعد المنبر، وستأتي تتمة الكلام (١) . وقيل إن عبد الله بن الزبير قال لأمه أسماء: إني لا آمن إن قتلت أن يمثل بي وأصلب، قالت: يا بني إن الشاة إذا ذبحت لم تألم السلخ. وماتت أمه بعده بخمسة أيام ولها مائة سنة ﵂، وكان سلطانه بالحجاز والعراق تسع سنين واثنين وعشرين يوماً ﵁ (٢) .

стр. 1087

٣٤١ - (١) عبد الله بن المعتز أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي؛ أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب وغيرهما، كان أديباً بليغاً شاعراً مطبوعاً مقتدراً على الشعر قريب المأخذ سهل اللفظ جيد القريحة حسن الإبداع للمعاني مخالطاً للعلماء والأدباء معدوداً من جملتهم، إلى أن جرت له الكائنة في خلافة المقتدر، واتفق معه جماعة من رؤساء الأجناد ووجوه الكتّاب فخلعوا المقتدر يوم السبت لعشر بقين، وقيل لسبعٍ بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين، وبايعوا عبد الله المذكور ولقبوه المرتضي بالله، وقيل المنصف (٢) بالله، وقيل الغالب بالله، وقيل الراضي بالله، وأقام يوماً وليلة، ثم إن أصحاب المقتدر تحزبوا وتراجعوا وحاربوا أعوان ابن المعتز وشتتوهم (٣) ، وأعادوا المقتدر إلى دسته، واستخفى ابن المعتز في دار أبي عبد

стр. 1088

الله الحسين بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن الجصاص التاجر الجوهري، فأخذه المقتدر وسلمه إلى مؤنس الخادم الخازن فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفاً في كساء، وقيل إنه مات حتف أنفه وليس بصحيح بل خنقه مؤنس، وذلك يوم الخميس ثاني شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين، ودفن في خرابة بإزاء داره، رحمه الله تعالى. ومولده لسبعٍ بقين من شعبان سنة سبع وأربعين، وقال سنان بن ثابت: في سنة ست وأربعين ومائتين، والقضية مشهورة وفيها طول، وهذا خلاصتها. (٨٨) ثم قبض المقتدر على ابن الجصاص المذكور وأخذ منه مقدار ألفي ألف دينار، وسلم له بعد ذلك مقدار سبعمائة ألف دينار، وكان فيه غفلة وَبَله، وتوفي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس عشرة وثلثمائة. ولابن المعتز من التصانيف كتاب الزهر والرياض، وكتاب البديع، وكتاب مكاتبات الإخوان بالشعر، وكتاب الجوارح والصيد، وكتاب السرقات، وكتاب أشعار الملوك، وكتاب الآداب، وكتاب " حلى الأخبار " (١) ، وكتاب طبقات الشعراء، وكتاب الجامع في الغناء، وكتاب فيه أرجوزة في ذم الصبوح. ومن كلامه: البلاغة البلوغ إلى المعنى، ولم يطل سفر الكلام، وكان يقول: لو قيل لي: ما أحسن شعر تعرفه لقلت: قول العباس بن الأحنف (٢) : قد سحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرّق الناس فينا قولهم فِرقا فكاذبٌ قد رمى بالظنّ غيركم ... وصادقٌ ليس يدري أنه صدقا ورثاه علي بن محمد بن بسام الشاعر - الآتي ذكره - بقوله: لله درُّك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب ما فيه لوٌّ ولا لولا فتنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب

стр. 1089

ولعبد الله المذكور أشعار رائقة وتشبيهات بديعة، فمن ذلك قوله: سقى المطيرة ذات الظل والشجر ... ودير عبدون هطّالٌ من المطر فطالما نبّهتني للصّبوح بها ... في غرّة الفجر والعصفور لم يطر أصوات رهبان ديرٍ في صلاتهم ... سود المدارع نعارين في السحر مزنّرين على الأوساط قد جعلوا ... على الرؤوس أكاليلاً من الشّعر كم فيهم من مليح الوجه مكتحل ... بالسحر يطبق جفنيه على حَور لاحظته بالهوى حتى استقاد له ... طوعاً وأسلفني الميعاد بالنظر وجاءني في قميص الليل مستتراً ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر فقمت أفرش خدّي في الطريق له ... ذلاًّ وأسحب أذيالي على الأثر ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدّت من الظُّفر وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر ومن ظريف شعره قوله، ولم أجدها في ديوانه، ولكن الرواة أطبقوا على أنها له، والله أعلم: ومقَرطَقٍ يسعى إلى النّدماء ... بعقيقةٍ في درّةٍ بيضاء والبدر في أفق السماء كدرهم ... ملقىً على ياقوتةٍ زرقاء كم ليلةٍ قد سرّني بمبيته ... عندي بلا خوفٍ من الرّقباء ومهفهفٍ عقد الشّراب لسانه ... فحديثه بالرّمز والإيماء حرّكته بيدي وقلت له انتبه ... يا فرحة الخلطاء والنّدماء فأجابني والسّكر يخفض صوته ... بتلجلجٍ كتلجلج الفأفاء إني لأفهم ما تقول وإنما ... غلبت عليَّ سلافة الصّهباء دعني أفيق من الخمار إلى غدٍ ... واحكم بما تختار يا مولائي (١)

стр. 1090

وله في الخمرة المطبوخة، وهو معنى بديع وفيه دلالة على أنه كان حنفي المذهب: خليليَّ قد طاب الشّراب المورَّد ... وقد عدت بعد النّسك والعود أحمد فهاتا عقاراً في قميص زجاجةٍ ... كياقوتةٍ في درَّةٍ تتوقّد يصوغ عليها الماء شبّاك فضّةٍ ... له حلقٌ بيضٌ تحلُّ وتعقد وقتني من نار الجحيم بنفسها ... وذلك من إحسانها ليس يجحد وكان ابن المعتز شديد السمرة مسنون الوجه يخضب بالسواد. ورأيت في بعض المجاميع أن عبد الله بن المعتز المذكور كان يقول (١) : أربعة من الشعراء سارت أسماؤهم بخلاف أفعالهم، فأبو العتاهية سار شعره بالزهد وكان على الإلحاد، وأبو نوّاس سار شعره باللواط وكان أزنى من قرد، وأبو حكيمة الكاتب سار شعره بالعنّة وكان أهب من تيس، ومحمد بن حازم سار شعره بالقناعة وكان أحرص من كلب. وقد رويت لابن حازم خبراً يخالف حكاية ابن المعتز ويوافق شعره (٢) ، وذلك أنه كان جار سعيد بن حميد الكاتب الطوسي، فهجاه لأمر كان بينهما، فبلغ سعيداً هجوه، فأغضى عنه مع القدرة. ثم إن محمداً ساءت حاله فتحول عن جواره، فبلغ ابن حميد ذلك، فبعث إليه عشرة آلاف درهم وتخوت ثياب وفرساً بآلته ومملوكاً وجارية، وكتب إليه " ذو الأدب يحمله ظرفه على نعت الشيء بغير هيئته، وتبعثه قدرته على وصفه بخلاف (٣) حليته، ولم يكن ما شاع من هجائك فيَّ جارياً إلا هذا المجرى، وقد بلغني من سوء حالك وشدّة خلّتك ما لا غضاضة به عليك مع كبر همتك وعظم نفسك، ونحن شركاء فيما ملكنا ومتساوون فيما تحت أيدينا، وقد بعثت إليك بما جعلته وإن قلَّ: استفتاحاً لما

стр. 1091

بعده وإن جلَّ ". فردَّ ابن حازم جميعه ولم يقبل منه شيئاً وكتب إليه: وفعلت بي فعل المهلَّب إذ ... غمر الفرزدق بالندى الدَّثر فبعثت بالأموال ترغبني ... كلاّ وربِّ الشفع والوتر لا ألبس النعماء من رجلٍ ... ألبسته عاراً على الدَّهر وهذا دليل على قناعته وحسن صبره واحتماله الإضاقة. (٨٩) وهذا سعيد بن حميد يكنّى أبا عثمان، وكان كاتباً شاعراً مترسلاً عذب الألفاظ مقدماً في صناعته جيد السرقة، حتى قال بعض الفضلاء: لوقيل لكلام سعيد وشعره: ارجع إلى أهلك، لما بقي معه منه شيء. وكان يدعي أنه من أولاد ملوك الفرس، وله من الكتب: كتاب " انتصاف العجم من العرب "، ويعرف بالتسوية (١) وله ديوان رسائل، وديوان شعر صغير (٢) . والمطيرة: بفتح الميم وكسر الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد الراء المفتوحة هاء، وهي قرية من نواحي سرَّ من رأى. وعبدون الذي يضاف الدير إليه، فيقال " دير عبدون "، هو ابن مخلد وهو أخو الوزير صاعد بن مخلد، وإنما أضيف إليه لأنه كان كثير التردد إليه، والمقام فيه، والعناية بعمارته، وهو إلى جنب المطيرة، ودير عبدون أيضاً: قرب جزيرة ابن عمر، بينهما دجلة، وقد خرب الآن، وكان متنزّهاً لأهلها. وقوله " ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا "، مأخوذ من قول عمرو بن قميئة في صفة الهلال (٣) : كأن ابن مزنتهاً جانحاً ... فسيط لدى الأفق من خنصر والفسيط: قلامة الظفر

стр. 1092

(١) ٣٤٢ ابن طباطبا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن علي بن الحسن بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، الحجازي الأصل المصري الدار والوفاة؛ كان طاهراً كريماً فاضلاً صاحب رباع وضياع ونعمة ظاهرة وعبيد وحاشية، كثير التنعم، كان بدهليزه رجل يكسر اللوز كل يوم من أول النهار إلى آخره برسم الحلوى التي ينفذها لأهل مصر من الأستاذ كافور الإخشيدي إلى من دونه، ويطلق للرجل المذكور دينارين في كل شهر أجرة عمله، فمن الناس من كان يرسل له الحلوى كل يوم، ومنهم كل جمعة، ومنهم كل شهر. وكان يرسل إلى كافور في كل يوم جامين حلوى ورغيفاً في منديل مختوم، فحسده بعض الأعيان وقال لكافور: الحلوى حسن، فما لهذا الرغيف فإنه لا يحسن أن يقابلك به؛ فأرسل إليه كافور وقال: يجريني الشريف في الحلوى على العادة ويعفيني من الرغيف. فركب الشريف إليه، وعلم أنهم قد حسدوه على ذلك وقصدوا إبطاله، فلما اجتمع به قال له: أيدك الله، إنا ما ننفذ الرغيف تطاولاً ولا تعاظماً إنما هي صبيّة حسنيّةٌ (٢) تعجنه بيدها وتخبزه، فنرسله على سبيل التبرك، فإذا كرهته قطعناه. فقال كافور: لا والله لا تقطعه ولا يكون قوتي سواه. فعاد إلى ما كان عليه من إرسال الحلوى والرغيف. ولما مات كافور وملك المعز أبو تميم معدُّ بن المنصور العبيدي الديار المصرية على يد القائد جوهر - المقدم ذكره في حرف الجيم - وجاء المعز بعد ذلك من

стр. 1093

أفريقيا وكان يطعن في نسبه، فلما قرب من البلد وخرج الناس للقائه، اجتمع به جماعة من الأشراف فقال له من بينهم ابن طباطبا المذكور: إلى من ينتسب مولانا فقال له المعز: سنعقد مجلساً ونجمعكم ونسرد عليكم نسبنا. فلما استقر المعز بالقصر جمع الناس في مجلس عام وجلس لهم وقال: هل بقي من رؤساكم أحد فقالوا: لم يبقى معتبر، فسلَّ عند ذلك نصف سيفه وقال: هذا نسبي، ونثر عليهم ذهباً كثيراً وقال: هذا حسبي، فقالوا جميعاً: سمعنا وأطعنا. وكان الشريف المذكور حسن المعاملة في معامليه حسن الإفضال عليهم ملاطفاً لهم، يركب إليهم وإلى سائر أصدقائه، ويقضي حقوقهم ويطيل الجلوس عندهم، وأغنى جماعة، وكان حسن المذهب. وكانت ولادته سنة ست وثمانين ومائتين. وتوفي في الرابع من رجب سنة ثمان وأربعين وثلثمائة بمصر وصلّي عليه في مصلّى العيد، وحضر جنازته من الخلق ما لا يحصي عددهم ألا الله تعالى، ودفن بقرافة مصر، وقبره معروف ومشهور بإجابة الدعاء. روي أن رجلاً حجّ وفاتته زيارة النبي ﷺ ، فضاق صدره لذلك، فرآه في نومه ﷺ ، فقال له: إذا فاتتك الزيارة فزر قبر عبد الله بن أحمد بن طباطبا. وكان صاحب الرؤيا من أهل مصر. وحكى بعض من له عليه إحسان أنه وقف على قبره وأنشد: وخلفت الهموم على أناسٍ ... وقد كانوا بعيشك في كفاف فرآه في نومه فقال: قد سمعت ما قلت، وحيل بيني وبين الجواب والمكافأة، ولكن صر إلى مسجد (١) وصلّ ركعتين، وادع يستجب لك، رحمه الله تعالى. وقد تقدم في حرف الهمزة الكلام على طباطبا. وهذه الحكاية التي جرت له مع المعز عند قدومه مصر ذكرها في كتاب " الدول المنقطعة " لكنها تناقض تاريخ الوفاة، فإن المعز دخل مصر في شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلثمائة - كما سيأتي في ترجمته أن شاء الله تعالى - وابن

стр. 1094

طباطبا المذكور توفي في سنة ثمان وأربعين وثلثمائة كما هو مذكور ها هنا (١) ، فكيف يتصور الجمع بينهما وأفادني تاريخ وفاته شيخنا الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري، وراجعته في هذا التناقض فقال: أما الوفاة في هذا التاريخ فهي محققة ولعل صاحب الواقعة مع المعز كان ولده، والله أعلم أي ذلك كان. ثم رأيت تاريخ وفاته كما هو هاهنا في تاريخ الأمير المختار المعروف بالمسبّحي وقال: وكان علته قد طالت من توثة (٢) عرضت له في حنكه، فتعالج بضروب العلاجات فلم ينجع فيه شيء، وكانت علة غريبة لم يعهد مثلها. ثم رأيت في تاريخ ابن زولاق أن الشريف الذي التقى بالمعز هو أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الحسيني والشريف أبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الحسيني الرسي (٣) ، ولعل أحدهما صاحب هذه الواقعة، والله أعلم. ٣٤٣ - (٤) عبد الله بن طاهر أبو العباس عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن ماهان الخزاعي - وقد تقدم ذكر أبيه في حرف الطاء؛ وقد كان عبد الله المذكور سيداً نبيلاً عالي الهمة شهماً، وكان المأمون كثير الاعتماد عليه حسن الالتفات إليه لذاته، ورعايةً لحق والده وما أسلفه من الطاعة في خدمته، وكان والياً على الدينور، فلما خرج بابك الخرمي على خراسان وأوقع الخوارج بأهل قرية

стр. 1095

الحمراء من أعمال نيسابور وأكثروا الفساد واتصل الخبر بالمأمون بعث إلى عبد الله هو بالدينور يأمره بالخروج إلى خراسان، فخرج إليها في النصف من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشر ة ومائتين وحارب الخوارج، وقدم نيسابور في رجب سنة خمس عشرة ومائتين وكان المطر قد انقطع عنها تلك السنة، فلما دخلها مطرت مطراً كثيراً، فقام أليه رجل بزاز من حانوته وأنشده: قد قحط الناس في زمانهم ... حتى إذا جئت جئت بالدّرر غيثان في ساعةٍ لنا قدما ... فمرحباً بالأمير والمطر هكذا قال السلامي في أخبار خراسان؛ وذكر الطبري في تاريخه أن طلحة بن طاهر - المذكور في ترجمة أبيه - لما مات في سنة ثلاث عشرة وعبد الله يوم ذاك بالدينور أرسل المأمون إليه القاضي يحيى بن أكثم يعزيه عن أخيه طلحة ويهنئه بولاية خراسان، وذكر بعد هذا في ولاية طلحة شيئاً آخر فقال: إن المأمون لما مات طاهر وكان ولده عبد الله بالرقة على محاربة نصر بن شبث ولاه عمل أبيه كله، وجمع له مع ذلك الشام، فوجه عبد الله أخاه طلحة إلى خراسان والله أعلم. وذكر الطبري أيضاً في سنة ثلاث عشرة أن المأمون ولى أخاه المعتصم الشام ومصر، وابنه العباس بن المأمون الجزيرة والثغور والعواصم، وأعطى كل واحد منهما ومن عبد الله بن طاهر خمسمائة ألف دينار، وقيل إنه لم يفرق في يوم من المال مثل ذلك. وكان أبو تمام الطائي قد قصد عبد الله من العراق، فلما انتهى إلى قومس وطالت به الشقة وعظمت عليه المشقة قال (١) : يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... مّنا السّرى وخطى المهريَّة القود أمطلع الشمس تنوي أن تؤم بنا ... فقلت كلاّ ولكن مطلع الجود قلت: وقد أخذ أبو تمام هذين البيتين من أبي وليد مسلم بن الوليد

стр. 1096

الأنصاري المعروف بصريع الغواني الشاعر المشهور حيث يقول (١) : يقول صحبي وقد جدُّوا على عجل ... والخيل تستنّ (٢) َ بالركبان في اللّجم أمغرب الشمس تنوي أن تؤم بنا ... فقلت كلاّ ولكن مطلع الكرم فإنه أغار على اللفظ والمعنى. رجعنا إلى ما كنافيه: ولما وصل أبو تمام إليه أنشده قصيدته البديعة البائية التي يقول فيها (٣) : وركب كأطراف الأسنّة عرسّوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه لأمرٍ عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه وهي من القصائد الطنانة، وفيها يقول: فقد بثَّ عبد الله خوف انتقامه ... على الليل حتى ما تدبُّ عقاربه وفي هذه السفرة ألف أبو تمام كتاب " الحماسة " فإنه لما وصل إلى همذان وكان في زمن الشتاء والبرد بتلك النواحي شديد خارج عن حد الوصف، قطع عليه كثرة الثلوج طريق مقصده، فأقام بهمذان ينتظر زوال الثلج، وكان نزوله عند بعض رؤسائها، وفي دار ذلك الرئيس خزانة كتب فيها دواوين العرب وغيرها، فتفرغ لها أبو تمام وطالعها وأختار منها كتاب " الحماسة ". وكان عبد الله المذكور أديباً ظريفاً جيد الغناء، نسب أليه صاحب " الأغاني " أصواتاً كثيرة أحسن فيها ونقلها أهل الصنعة عنه، وله شعر مليح ورسائل ظريفة، فمن شعره قوله، وجدتها منسوبة إليه: نحن قوم تليننا الحدق النّج ... ل على أننا نلين الحديدا

стр. 1097

طوع أيدي الظباء تقتادنا العي ... ن ونقتاد بالطعان الأسودا نملك الصيد ثم تملكنا البي ... ض المصونات أعيناً وخدودا تتقي سخطنا الأسود ونخشى ... سخط الخشف حين يبدي الصدودا فترانا يوم الكريهة أحرا ... راً وفي السلم للغواني عبيداً وقيل: إنها لأصرم بن حميد ممدوح أبي تمام (١) ، والله أعلم. ومن مشهور شعر عبد الله قوله: اغتفر زلتي لتحرز فضل الشكر منّي ولا يفوتك أجري ... لا تكلني إلى التوسل بالعذ ... ر لعلّي أن لا أقوم بعذري [وكان عبد الله أحد الأجواد الأسخياء؛ حكى محمد بن داود بن الجراح عن محلم بن أبي محلم الشيباني عن أبيه قال (٢) : عادلت عبد الله بن طاهر إلى خراسان فدخلنا الري وقت السحر فإذا قمرية تغرد على فنن شجرة، فقال عبد الله بن طاهر: أحسن والله أبو كبير الهذلي حيث يقول: ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح ثم قال: ما أحسن هذا، فقلت وقد عملت على البديهة في معارضته ثم قلت: أفي كل يوم غربةٌ ونزوح ... أما للنوى من أوبةٍ فتروح لقد طلَّح البين المشتّ ركائبي ... فهل أرينّ البين وهو طليح وأرّقني بالري نوح حمامةٍ ... فنحت وذو الشجو القديم ينوح على انها ناحت فلم تذر دمعة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح عسى جود عبد الله ان يعكس النوى ... فتضحي عصا الأسفار وهي طريح

стр. 1098

قال: فأذن من ساعتي بالرجوع ووصلني بعشرة آلاف درهم وردني إلى منزلي. ولما رجع عبد الله إلى الشام ارتفع فوق سطح قصره فنظر إلى دخان يرتفع من جواره فقال: ما هذا الدخان فقيل: إن الجيران يخبزون، فقال: ان من اللؤم ان نقيم بمكان فنكلف جيرانه بالخبز، فاقصدوا الدور واكسروا التنانير واحضروا ما بها من رجل وامرأة، فأجرى على كل إنسان خبزه ولحمه وما يحتاج إليه، فسميت أيامه أيام الكفاية. وكتب إليه وكيله أن دابة بعض الأضياف به نقبٌ، فوقّع: يجلب عليه وعلى مثله من بعد، بلا استشارة ولا استئذان] (١) . ومن كلامه: سمن الكيس ونبل الذّكر لا يجتمعان في موضع واحد. ورفعت إليه قصة مضمونها أن جماعة خرجوا إلى ظاهر البلد للتفرج، ومعهم صبي، فكتب على رأسها: ما السبيل على فتية خرجوا لمتنزّههم يقضون أوطارهم، على قدر أخطارهم، ولعل الغلام (٢) ابن أحدهم أو قرابة بعضهم. وكان عبد الله قد تولى الشام مدة، والديار المصرية مدة، وفيه يقول بعض الشعراء وهو بمصر: يقول أناسٌ إن مصراً بعيدة ... وما بعدت مصر وفيها ابن طاهر وأبعد من مصر رجال تراهم ... بحضرتنا معروفهم غير حاضر عن الخير موتى ما تبالي أزرتهم ... على طمع أم زرت أهل المقابر وتنسب هذه الأبيات إلى عوف بن محلّم الشيباني، والله أعلم. وكان دخوله إليها سنة إحدى عشرة ومائتين، وخرج منها في أواخر هذه السنة فدخل بغداد في ذي القعدة منها، واستمر نوابه بمصر، وعزل عنها في سنة ثلاث عشرة ومائتين، ووليها أبو إسحاق ابن الرشيد وهو الملقب بالمعتصم. وذكر الفرغاني في تاريخه أن عبد الله بن طاهر وليها بعد عبيد الله بن السّريّ

стр. 1099

ابن الحكم، وخرج عبيد الله عنها في صفر سنة إحدى عشرة ومائتين، وخرج عبد الله بن طاهر عنها إلى العراق لخمس بقين من رجب سنة اثنتي عشرة ومائتين، وقد استخلف بها إلى أن وليها المعتصم. وذكر الوزير أبو القاسم بن المغربي في كتاب " أدب الخواص " أن البطيخ العبدلاّوي الموجود بالديار المصرية منسوب إلى عبد الله المذكور، وهذا النوع من البطيخ لم أره في شيء من البلاد سوى مصر، ولعله نسب إليه لأنه كان يستطيبه، أو أنه أول من زرعه هناك. (٩٠) وعبد الله وقومه خزاعيون بالولاء، فإن جدّهم رزيقاً (١) كان مولى أبي محمد طلحة بن عبيد الله بن خلف المعروف بطلحة الطّلحات الخزاعي، وكان طلحة المذكور والياً على سجستان من قبل مسلم بن زياد بن أبيه والي خراسان، وكنيته أبو حرب، فمات بها في فتنة عبد الله بن الزبير ﵁، وفيه يقول الشاعر وهو عبيد الله بن قيس الرقيات (٢) : رحم الله أعظماً دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات وإنما قيل له " طلحة الطلحاتِ " لأن أمه طلحة بنت أبي طلحة، هكذا قاله أبو الحسين علي بن أحمد السلامي في " تاريخ ولاة خراسان ". وقومس المذكور في شعر أبي تمام: بضم القاف وسكون الواو وفتح الميم، وقيل بكسرها، وبعدها سين مهملة، وهو إقليم من عراق العجم حدّه من جهة خراسان بسطام، ومن جهة العراق سمنان، هاتان المدينتان داخلتان في أعمال قومس وكرسي قومس الدامغان (٣) . وكانت وفاة عبد الله المذكور في شهر ربيع الأول سنة ثمان وعشرين ومائتين بمرو، وقيل: سنة ثلاثين، وهو الأصح. وقال الطبري: مات بنيسابور يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من سنة ثلاثين

стр. 1100

ومائتين، بعد موت أشناس التركي بسبعة أيام. وعاش مثل أبيه طاهر ثمانياً وأربعين سنة، رحمه الله تعالى - وسيأتي ذكر ولده عبيد الله إن شاء الله تعالى. ٣٤٤ - (١) أبو العميثل أبو العميثل عبد الله بن خليد، مولى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵃؛ ويقال: أصله من الري، وكان يفخٍّم الكلام ويغرٍّبه، وكان كاتب عبد الله بن طاهر المذكور قبله، وشاعره ومنقطعاً إليه، وكاتب أبيه طاهر من قبله، وكان مكثراً من نقل اللغة، عارفاً بها شاعراً مجيداً، فمن شعره في عبد الله المذكور قوله: يا من يحاول أن تكون صفاته ... كصفات عبد الله أنصت واسمع فلأنصحنًّك في المشورة والذي ... حجَّ الحجيج إليه فاسمع أو دع أصدق وعفّ وبرّ واحتمل (٢) ... واصفح وكاف ودار واحلم واشجع والطف ولن وتأنّ وارفق واتئد ... واحزم وجد وحام واحمل وادفع فلقد محضتك (٣) إن قبلت نصيحتي ... وهديت للنهج الأسدّ المهيع ولقد أحسن في هذا المقطوع كل الإحسان، وله غيره أشعار حسان؛ ويقال إنه وصل يوماً إلى باب عبد الله بن طاهر، فرام الدخول إليه فحجب فقال (٤) :

стр. 1101

سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يخفّ قليلا إذا لم أجد يوماً إلى الأذن سلّما ... وجدت إلى ترك اللقاء سبيلا فبلغ ذلك عبد الله فأنكره، وأمر بدخوله. وكان يقول: النعمان اسم من أسماء الدم، ولذلك قيل: " شقائق النعمان " نسبت إلى الدم لحمرتها. قال: وقولهم " إنها منسوبة إلى النعمان بن المنذر " ليس بشيء، وحدثت الأصمعي بهذا فنقله عني؛ هذا كله كلام أبي العميثل؛ وللذي ذكره أرباب اللغة بخلافه، فإن ابن قتيبة ذكر في كتاب " المعارف " (١) ان النعمان بن المنذر، وهو آخر ملوك الحيرة من اللخميين، خرج إلى ظهر الكوفة، وقد اعتمّ نبته من بين أصفر وأحمر وأخضر، وإذا فيه من هذه الشقائق شيء كثير، فقال: ما أحسنها، احموها، فحموها، فسمي شقائق النعمان بذلك، وقال الجوهري في " الصحاح " (٢) انها منسوبة إلى النعمان المذكور، وكذا غيره، والله أعلم. ويحكى أن أبا تمام الطائي لما أنشد عبد الله بن طاهر قصيدته البائية المذكورة في ترجمته، كان أبو العميثل حاضراً، فقال له يا أبا تمام، لم لا تقول ما يفهم فقال: يا أبا العميثل، لم لا تفهم ما يقال (٣) . وقبَّل يوماً كفّ عبد الله بن طاهر، فاستخشن مسَّ شاربيه، فقال أبو العميثل في الحال: شوك القنفذ لا يؤلم كفَّ الأسد، فأعجبه كلامه وأمر له بجائزة سنية. وصنف كتباً منها: " كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه " و " كتاب التشابه " (٤) و " كتاب الأبيات السائرة " وكتاب " معاني الشعر " وغير ذلك. وكانت وفاة أبو العميثل سنة أربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.

стр. 1102

والعميثل: بفتح العين المهملة والميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الثاء المثلثة وبعدها لام، وهو اسم لعدة أشياء من جملتها الأسد، والظاهر أنه هو المقصود ها هنا. ٣٤٥ - (١) الناشي الأكبر أبو العباس عبد الله بن محمد الناشي الأنباري المعروف بابن ِشرشير الشاعر؛ كان من الشعراء المجيدين، وهو في طبقة ابن الرومي والبحتري وأنظارهما، وهو الناشي الأكبر - وسيأتي ذكر الناشي الأصغر إن شاء الله تعالى - وكان نحوياً عروضياً متكلماً، أصله من الأنبار، وأقام ببغداد مدة طويلة ثم خرج إلى مصر، وأقام بها إلى آخر عمره. وكان متبحراً في عدة علوم من جملتها علم المنطق. وكان بقوة علم الكلام قد نقض علل النحاة، وأدخل على قواعد العروض شبهاً، ومثَّلها بغير أمثلة الخليل، وكلُّ ذلك بحذقه وقوة فطنته. وله قصيدة في فنون من العلم على رويّ واحد تبلغ أربعة آلاف بيت، وله عدة تصانيف جميلة، وله أشعار كثيرة في جوارح الصيد وآلاته، والصُّيود وما يتعلق بها، كأنه كان صاحب صيد، وقد استشهد كشاجم بشعره في كتاب " المصايد والمطارد " في مواضع، منها قصائد ومنها طرديات على أسلوب أبي نواس ومنها مقاطيع، وقد أجاد في الكل، فمن ذلك قوله طردية في وصف بازٍ (٢) :

стр. 1103

لما تفرى الليل عن أثباجه ... وارتاح ضوء الصبح لانبلاجه غدوت أبغي الصيد في منهاجه ... بأقمرٍ أبدع في نتاجه ألبسه الخالق من ديباجه ... وشياً يحار الطرف في اندراجه في نسقٍ منه وفي انعراجه ... وزان فوديه إلى حجاجه بزينةٍ كفته نظم تاجه ... منسرهُ ينبئ عن خلاجه وظفره يخبر عن علاجه ... لو استضاء المرء في إدلاجه بعينه كفته من سراجه ... ومن شعره في جارية مغنية بديعة الجمال: فديتك لو أنهم أنصفوك ... لردُّوا النواظر عن ناظريك تردِّين أعيننا عن سواك ... وهل تنظر العين إلا إليك وهم جعلوك رقيباً علينا ... فمن ذا يكون رقيباً عليك ألم يقرأوا ويحهم ما يرون ... من وحي حسنك في وجنتيك وشعره كثير، ونقتصر منه على هذا القدر. وكانت وفاته في مصر سنة ثلاث وتسعين ومائتين، رحمه الله تعالى. والناشي: بفتح النون وبعد الألف شين معجمة وبعدها ياء، وهو لقب عليه. وشرشير: بكسر الشين الأولى والثانية المعجمتين وبينهما راء ساكنة ثم ياء مثناة من تحتها وبعدها راء، وهو في الأصل: اسم طائر (١) يصل إلى الديار المصرية في البحر في زمن الشتاء وهو أكبر من الحمام بقليل وأظنه من طير الماء، وهو كثير الوجود بساحل دمياط وأظنه يأتي من صحراء الترك، وباسمه سمي الرجل، والله أعلم. والأنباري: بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وبعد الألف راء، هذه النسبة إلى الأنبار وهي مدينة قديمة على الفرات في جهة بغداد يفصل

стр. 1104

بينهما دجلة وهي في الجانب الغربي وبغداد في الجانب الشرقي وبينهما وبين بغداد عشرة فراسخ، خرج منها جماعة من العلماء، وهو جمع واحده نِبر، بكسر النون وسكون الباء. والأنبار: أهراءُ الطعام، وإنما قيل لهذه البليدة الأنبار لأن الملوك الأكاسرة كانوا يخزنون بها الطعام فسميت بذلك. ٣٤٦ - (١) ابن صارة الشنتريني أبو محمد عبد الله بن محمد بن صارة البكري الأندلسي الشنتريني الشاعر المشهور؛ كان شاعراً ماهراً ناظماً ناثراً، إلا أنه كان قليل الحظ إلا من الحرمان، لم يسعه مكان، ولا اشتمل عليه سلطان، ذكره صاحب " قلائد العقيان "، وأثنى عليه ابن بسام في " الذخيرة " وقال: إنه تتبع (٢) المحقرات، وبعد جهد ارتقى إلى كتابة بعض الولاة، فلما كان من خلع الملوك ما كان أوى إلى إشبيلية أوحش حالاً من الليل، وأكثر انفراداً من سُهيل، وتبلّغ بالوراقة وله منها جانب، وبها بصر ثاقب، فانتحلها على كساد سوقها، وخاوّ طريقها، وفيها يقول: أما الوراقةُ فهي أيكةُ حرفةٍ ... أوراقها وثمارها الحرمانُ شبَّهت صاحبها بصاحب إبرةٍ ... تكسو العراة وجسمها عريانُ

стр. 1105

وله (١) : ومعذّرٍ رقت حواشي حسنه ... فقلوبنا وجداً عليه رقاقُ لم يكسو عارضه السوادُ وإنما ... نفضت عليه سوادها (٢) الأحداقُ وله في غلام أزرق العين: ومهفهفٍ أبصرت في أطواقه ... قمراً بآفاق المحاسن يشرقُ تقضي على المهجات منه صعدةٌ ... متألقٌ فيها سنانٌ أزرقُ وهذا كقول السلامي: أعانق من قده صعدةً ... ترى اللخط منها مكان السنانِ ومن ها هنا أخذ النبيه المصري قوله: أسمر كالرمح له مقلةٌ ... لو لم تكن كحلاء كانت سنان وأورد له صاحب كتاب " الحديقة ": أسنى ليالي الدهر عني ليلةٌ ... لم أخل فيها الكأس من إعمال فرّقت فيها بين جفني والكرى ... وجمعت بين القرط والخلخال وقال غيره: هذان البيتين لصالح الهزيل الإشبيلي، والله أعلم. وله في الزهد: يا من يصيخ إلى داعي السفاه وقد ... نادى به الناعيان: الشَّيب والكبر إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ثوى ... في رأسك الواعيان: السمع والبصر ليس الأصم ولا الأعلى سوى رجلٍ ... لم يهده الهاديان: العين والأثر

стр. 1106

لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك ال ... أعلى ولا النيران: الشمس والقمر ليرحلن عن الدنيا وإن كرها ... فراقها الثاويان: البدو والحضر وله: وصاحب لي كداء البطن صحبته ... يودني كوداد الذئب للراعي يثني عليَّ جزاه الله صالحةً ... ثناء هندٍ على روح بن زنباع قوله " ثناء هند على روح بن زنباع ": هذه هند بنت النعمان ابن بشير الأنصاري ﵁. وكان روح بن زنباع الجذامي صاحب عبد الملك بن مروان (١) قد تزوَّجها وكانت تكرهه، وفيه تقول (٢) : وهل هند إلا مهرةٌ عربيةٌ ... سليلة أفراسٍ تحلَّلها بغلُ فإن نتجت مهراً كريماً فبالحرى ... وإن يك إقرافٌ فما أنجب الفحلُ ويروى " فمن قبل الفحل " وهو إقواء؛ ويروى هذان البيتان لأختها حميدة بنت النعمان، وإلإقراف: أن تكون الأم عربية والأب ليس كذلك، والهجنة خلاف ذلك بأن يكون الأب عربياً والأم خلاف ذلك. وله ديوان شعر أكثره جيد، وكانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة بمدينة المرية من جزيرة الأندلس وقد تقدم ذكرها. ويقال في اسم جده: صارة وسارة، بالصاد والسين المهملتين. والشَّنتريني: بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، وهذه النسبة إلى شنترين (٣) ، وهي بلدة في غرب جزيرة الأندلس أيضاً، رحمه الله تعالى.

стр. 1107

(١) ٣٤٧ البطليوسي أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي النحوي؛ كان عالماً بالآداب واللغات متبحراً فيهما مقدماً في معرفتهما وإتقانهما، سكن مدينة بلنسية، وكان الناس يجتمعون إليه ويقرأون عليه ويقتبسون منه، وكان حسن التعليم جيد التفهيم ثقة ضابطأ، ألف كتباً نافعة ممتعة منها: كتاب " المثلث " في مجلدين، اتى فيه بالعجائب ودل على اطلاع عظيم، فإن " مثلث " قطرب في كراسة واحدة، واستعمل فيها الضرورة وما لا يجوز وغلط في بعضه. وله كتاب " الاقتضاب في شرح أدب الكتَّاب " - وقد ذكرته في ترجمة عبد الله بن قتيبة - وشرح " سقط الزند " لأبي العلاء المعري شرحاً استوفى فيه المقاصد، وهو أجود من شرح أبي العلاء صاحب الديوان الذي سماه " ضوء السقط "، وله كتاب في الحروف الخمسة، وهي: السين والصاد والضاد والطاء والذال، جمع فيه كل غريب، وله كتاب " الحلل في شرح أبيات الجمل " و " الخلل في أغاليط الجمل " (٢) أيضاً، وكتاب " التنبيه على الأسباب الموجبة لإختلاف الأمة " وكتاب " شرح الموطأ "، وسمعت أن له شرح ديوان المتنبي، ولم أقف عليه، وقيل أنه لم يخرج من المغرب، وبالجملة فكل شيء يتكلم فيه فهو في غاية الجودة، وله نظم حسن، فمن ذلك قوله: أخو العلم حيٌّ خالدٌ بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم

стр. 1108

وذو الجهل ميت وهو ماشٍ على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم وله في طول الليل (١) : ترى ليلنا شابت نواصيه كبرة ... كما شبت أم في الجو روض بهار كأن الليالي (٢) السبع في الجو جمعت ... ولا فصل فيما بينها لنهار وله من أول قصيد يمدح بها المستعين بن هود (٣) : هم سلبوني حسن صبري إذ بانوا ... بأقمار أطواق مطالعها بانُ لئن غادروني باللوى إن مهجتي ... مسايرةٌ أظعانهم حيثما كانوا (٤) سقى عهدهم بالخيف عهد غمائم ... ينازعها مزنٌ من الدمع هتان أأحبابنا هل ذلك العهد راجعٌ ... وهل لي عنكم أخر الدهر سلوان ولي مقلةٌ عبرى وبين جوانحي ... فؤاد إلى لقياكم الدهر حنان تنكرت الدنيا لنا بعد بعدكم ... وحلت بنا من معضل الخطب ألوان ومن مديحها (٥) : رحلنا سوام الحمد عنها لغيرها ... فلا ماؤها صدا ولا النبت سعدان (٦) إلى ملك حاباه بالحسن يوسف ... وشاد له البيت الرفيع سليمان من النفر الشم الذين أكفهم ... غيوث ولكن الخواطر نيران

стр. 1109

وهي طويلة ونقتصر منها على هذا القدر. ومولده في سنة أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس وتوفي في منتصف رجب سنة إحدى وعشرين وخمسمائة بمدينة بلنسية، رحمه الله تعالى. والسيد: بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، وهو من جملة أسماء الذئب سمي الرجل به. والبطليوسي (١) : بفتح الباء الموحدة والطاء المهملة وسكون اللام وفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وبعدها سين مهملة. وبلنسية (٢) : بفتح الباء الموحدة واللام وسكون النون وكسر السين المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة، هاتان المدينتان بجزيرة الأندلس خرج منهما جماعة من العلماء. ٣٤٨ - (٣) ابن ناقيا أبو القاسم عبد الله، وقيل عبد الباقي، بن محمد بن الحسين بن داود بن ناقيا الأديب الشاعر اللغوي المترسل؛ هو من أهل الحريم الطاهري، وهي محلة ببغداد، وكان فاضلاً بارعاً، وله مصنفات حسنه مفيدة، منها مجموع سماه " ملح الممالحة " ومنها كتاب " الجُمان في تشبيهات القرآن " وله مقامات أدبيه مشهورة، واختصر " الأغاني " في مجلد واحد وشرح كتاب " الفصيح " وله ديوان

стр. 1110

شعر كبير وديوان رسائل، وذكره العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة " وأثنى عليه وذكر طرفاً من أحواله، وأورد هذين البيتين في بعض الرؤساء وقد افتصد فكتبهما إليه: جعل الله ذو المواهب عقبا ... ك من الفصد صحة وسلامه قل ليمناك كيف شئت استهلي ... لا عدمت الندى فأنت غمامه ولقد أجاد فيهما ومن شعره أيضاً: أخلاَّي ما صحبت في العيش لذة ... ولا زال عن قلبي حنين التذكر ولا طاب لي طعم الرقاد ولا اجتنت ... لحاظي مذ فارقتكم حسن منظر ولا عبثت كفي بكأس مدامة ... يطوف بها ساقٍ ولا جسِّ مزهر وكان ينسب إلى التعطيل ومذهب (١) الأوائل، وصنف في ذلك مقالة. وكان كثير المجون، وحكى الذي تولى غسله بعد موته أنه وجد يده اليسرى مضمومة، فأجتهد حتى فتحها، فوجد فيها كتابة بعضها على بعض، فتمهل حتى قرأها، فإذا فيها مكتوب: نزلت بجار لا يخيب ضيفه ... أرجي نجاتي من عذاب جهنم وأني على خوفٍ من الله واثقٌ ... بإنعامه فالله أكرم منعم ومولده في منتصف ذي القعدة سنة عشر وأربعمائة. وتوفي ليلة الأحد رابع المحرم سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ودفن بباب الشام (٢) ببغداد، رحمه الله تعالى. وناقيا: بفتح النون وبعد الألف قاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها مفتوحة وبعدها ألف. وقد تقدمت له أبيات مرثيه في ترجمة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (٣) .

стр. 1111

٣٤٩ - (١) الشيخ أبو البقاء أبو البقاء عبد الله بن أبي عبد الله الحسين بن أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري الأصل البغدادي المولد والدار، الفقيه الحنبلي الحاسب الفرضي النحوي الضرير، الملقب محب الدين؛ أخذ النحو عن أبي محمد ابن الخشاب المذكور بعده وعن غيره من مشايخ عصره ببغداد، وسمع الحديث من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد المعروف بابن البطي، ومن أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي، وغيرهما. ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه، وكان الغالب عليه علم النحو وصنف فيه مصنفات مفيدة، وشرح كتاب " الإيضاح " لأبي علي الفارسي، وديوان المتنبي، وله كتاب " إعراب القرآن الكريم " في مجلدين، وكتاب " إعراب الحديث " لطيف، وكتاب " شرح اللمع " لابن جني، وكتاب " اللباب في علل النحو " وكتاب " إعراب شعر الحماسة " وشرح " المفصل " للزمخشري شرحاً مستوفىً وشرح " الخطب النباتية " و " المقامات الحريرية " وصنف في النحو والحساب (٢) ، واشتغل عليه

стр. 1112

خلق كثير، وانتفعوا به، واشتهر اسمه في البلاد وهو حي وبعد صيته. وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. وتوفي ليلة الأحد ثامن شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة ببغداد، ودفن بباب حرب، رحمه الله تعالى. والعكبري: بضم العين المهملة وسكون الكاف وفتح الباء الموحدة وبعدها راء، هذه النسبة إلى عكبرا، وهي بليدة على دجلة فوق بغداد بعشرة فراسخ خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم. وحكى الشيخ أبو البقاء المذكور في كتاب " شرح المقامات " عند ذكر العنقاء أن أهل الرسِّ كان بأرضهم جبل يقال له " رمخ " (١) صاعد في السماء قدر ميل، وكان به طيور كثيرة، وكانت العنقاء طائرة عظيمة الخلق، طويلة العنق، لها وجه إنسان وفيها من كل حيوان شبه، من أحسن الطير، وكانت تأتي في السنة مرة هذا الجبل فتلتقط طيره، فجاعت في بعض السنين وأعوزها الطير فانقضت على صبي فذهبت به، فسميت " عنقاء مغرباً " لإبعادها بما تذهب به، ثم ذهبت بجارية (٢) أخرى، فشكا أهل الرس إلى نبيهم حنظلة بن صفوان فدعا عليها فأصابتها صاعقة فاحترقت، والله أعلم. قلت: هذا حنظلة بن صفوان نبي أهل الرسّ، كان في زمن الفترة بين عيسى والنبي عليهما الصلاة والسلام. ثم رأيت في تاريخ أحمد بن عبد الله بن أحمد الفرغاني نزيل مصر أن العزيز نزار بن المعز صاحب مصر اجتمع عنده من غرائب الحيوان ما لم يوجد عنده غيره، فمن ذلك العنقاء، وهو طائر جاءه من صعيد مصر في طول البلشوم (٣) ، وأعظم جسماً منه، له غبب ولحية وعلى

стр. 1113

رأسه وقاية، وفيه عدة ألوان ومشابه من طيور كثيرة، والله أعلم. ثم وجدت في أواخر كتاب " ربيع الأبرار " تأليف العلاَّمة (١) أبي القاسم الزمخشري في باب الطير عن ابن عباس، ﵄، أن الله تعالى خلق في زمن موسى ﵇ طائرة اسمها العنقاء لها أربعة أجنحة من كل جانب، ووجهها كوجه الإنسان، وأعطاها من كل شيء حسنٍ قسطاً وخلق لها ذكراً مثلها، وأوحى إليه أني خلقت طائرين عجيبين وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس وآنستك بهما وجعلتهما زيادة فيما فضلت به بني إسرائيل، فتناسالا وكثر نسلهما، فلما توفي موسى ﵇ انتقلت فوقعت بنجد والحجاز، فلم تزل تأكل الوحش وتخطف الصبيان إلى أن نُبِّئ خالد بن سنان العبسي بين عيسى ومحمد ﵉، فشكوها إليه، فدعا الله فقطع نسلها وانقرضت، والله أعلم. ٣٥٠ - (٢) ابن الخشاب أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد المعروف بابن الخشاب البغدادي؛ العالم المشهور في الأدب والنحو والتفسير والحديث والنسب والفرائض والحساب وحظ الكتاب العزيز بالقراءات الكثيرة، وكان متضلعاً من العلوم وله فيها اليد الطولى، وكان خطه في نهاية الحسن، ذكره العماد الأصبهاني في " الخريدة " وعدد فضائله ومحاسنه، ثم قال: وكان قليل الشعر، ومن شعره في الشمعة (٣) :

стр. 1114

صفراء من غير سقام بها ... كيف وكانت أمها الشافيه عاريةٌ باطنها مكتسٍ ... فاعجب بها عاريةً كاسيه وذكر له لغزاً في كتاب وهو: وذي أوجهٍ لكنه غير بائح ... بسرٍ وذو الوجهين للسر مظهر تناجيك بالأسرار أسرار وجهه ... فتسمعها ما دمت تنظر وهذا المعنى مأخوذ من قول المتنبي في ابن العميد: فدعاك حدسك الرئيس وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصر وشرح كتاب " الجمل " لعبد القاهر الجرجاني وسماه " المرتجل في شرح الجمل " وترك أبواباً من وسط الكتاب ما تكلم عليها، وشرح " اللمع " لابن جني ولم يكملها، وكانت فيه بذاذة وقلة اكتراث بالمأكل والملبس. وذكر العماد أنه كانت بينهما صحبة ومكاتبات، وقال: لما مات كنت بالشام فرأيته ليلة في المنام فقلت له: ما فعل الله بك قال: خيراً، فقلت: فهل يرحم الله الأدباء فقال: نعم، قلت: وإن كانوا مقصرين فقال: يجري عتاب كثير، ثم يكون النعيم. ومولده سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. [قلت: هكذا وجدت تاريخ ولادته، وعندي في ذلك شيء، لأني وقع لي جزء فيه تعاليق وفوائد علقها بخطه، وكتب على ظهره ما صورته مختصراً: سألت أبا الفضل محمد بن ناصر عن مولد شيخنا أبي الكرم المبارك بن فاخر المعروف بابن الدباس النحوي (١) ، فقال: سنة ثلاثين وأربعمائة، وأظنه خمن، لأنه توفي سنة خمس وخمسمائة وسنه فيما أرى أعلى من ذلك فسألت أبا المحاسن ابن أبي نصر بن الدباس

стр. 1115

الناسخ عن مولد عمه أبي الكرم المذكور؛ فقال: لي قبل وفاته بسنة: أنا في سنتي هذه بين فمي سبعين، وأنني لأخشى من ذلك، يعني لي سبع وسبعون، وهذا يقتضي أن يكون مولده سنة ست وعشرين. فمضمون هذه الحكاية أن وفاة ابن الدباس محققة في سنة خمس وخمسمائة وهو أحد مشايخ ابن الخشاب المذكور، وممن أكثر الرواية عنه، ويبعد أن يكون قد حصل له هذا التحصيل واستفاد منه، وسنه حينئذ لم يبلغ الحلم فإنه على ما ذكرناه من تاريخ وفاة المذكور ومولد ابن الخشاب المذكور يكون تقدير عمره عند وفاة شيخه أبي الكرم ثلاث عشرة سنة، وفي مثل هذا السن يبعد اشتغاله وجمعه، ولاشك أن خط ابن الخشاب يعتمد عليه، فعلى هذا التقدير يكون مولده قبل هذا التاريخ الذي ذكرناه، ويحتمل أن يكون التاريخ صحيحاً، وتكون روايته عن شيخه المذكور بمجرد الروايه دون الاشتغال والاستفاده ومثل ذلك يكون كثيراً، والله أعلم] (١) . وكانت وفاته عشية (٢) الجمعة ثالث شهر رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، بباب الأزج بدار أبي القاسم ابن الفراء. ودفن بمقبرة أحمد بباب حربٍ، وصلي عليه بجامع السلطان يوم السبت.

стр. 1116

٣٥١ - (١) ابن الفرضي أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي الأندلسي القرطبي الحافظ المعروف بابن الفرضيّ؛ كان فقيها عالماً في فنون من العلم: الحديث وعلم الرجال والأدب البارع وغير ذلك. وله من التصانيف " تاريخ علماء الأندلس " وهو الذي ذيّل عليه ابن بشكوال بكتابه الذي سماه " الصلة "، وله كتاب حسن في " المؤتلف والمختلف " وفي " مشتبه النسبة " وكتاب في أخبار شعراء الأندلس وغير ذلك. ورحل من الأندلس إلى المشرق في سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، فحج وأخذ عن العلماء وسمع منهم وكتب من أماليهم. ومن شعره: أسير الخطايا عند بابك واقف ... على وجلٍ مما به أنت عارف يخاف ذنوبا لم يغب عنك غيبها ... ويرجوك فيها فهو راجٍ وخائف ومن ذا الذي يرجو سواك ويتقي ... ومالك في فصل القضاء مخالف فيا سيدي لا تخزني في صحيفتي ... إذا نشرت يوم الحساب الصحائف وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما ... يصدُّ ذوو القربى ويجفو الموالف لئن ضاق عني عفوك الواسع الذي ... أرجي لإسرافي فإني لتالف ومن شعره أيضا:

стр. 1117

إن الذي أصبحت طوع يمينه ... إن لم يكن قمرا فليس بدونه ذلّي له في الحب من سلطانه ... وسقام جسمي من سقام جُفونه وله شعر كثير. ومولده في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثلثمائة. وتولى القضاء بمدينة بلنسية. وقتلته البربر يوم فتح قرطبة، وهو يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة ثلاث وأربعمائة، رحمه الله تعالى، وبقي في داره ثلاثة أيام ودفن متغيراً من غير غسل ولا كفن ولا صلاة؛ روي عنه أنه قال: تعلقت بأستار (١) الكعبة وسألت الله تعالى الشهادة، ثم انحرفت وفكرت في هول القتل، فندمت وهممت أن أرجع فأستقيل الله سبحانه ذلك، فاستحييت. وأخبر من رآه بين القتلى ودنا منه فسمعه يقول بصوت ضعيف: لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً اللون لون دم والريح ريح مسك، كأنه يعيد على نفسه الحديث الوارد في ذلك، قال: ثم قضى على أثر ذلك، وهذا الحديث أخرجه مسلم في حديثه (٢) . ٣٥٢ - (٣) الرشاطي أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن خلف بن أحمد بن عمر اللخمي المعروف بالرشاطي الأندلسي المريي؛ كانت له عناية كثيرة بالحديث والرجال

стр. 1118

والرواة والتواريخ، وله كتاب حسن سماه كتاب " اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار " أخذه الناس عنه وأحسن فيه وجمع وما أقصر، وهو على أسلوب كتاب أبي سعد ابن السمعاني الحافظ الذي سماه " بالأنساب " - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى -. ومولد الرشاطي صبيحة يوم السبت لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ست وستين وأربعمائة بقرية من أعمال مرسية، يقال لها أوريوالة (١) : بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر الراء وضم الياء المثناة من تحتها وفتح الواو وبعد الألف لام مفتوحة بعدها هاء. وتوفي شهيداً بالمرية عند تغلب العدو عليها صبيحة يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة (٢) ، رحمه الله تعالى. والرشاطي: بضم الراء وفتح الشين المعجمة وبعد الألف طاء مهملة مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها، هذه النسبة ليست إلى قبيلة ولا إلى بلد بل ذكر في كتابه المذكور أن أحد أجداده كانت في جسمه شامة كبيرة وكانت له خادمةٌ جمية تحضنه في صغره، فإذا لاعبته قالت له: رشطاله، وكثر ذلك منها، فقيل له: الرشاطي.

стр. 1119

٣٥٣ - (١) ابن بري أبو محمد عبد الله بن أبي الوحش بري بن عبد الجبار بن بري المقدسي الأصل المصري (٢) الإمام المشهور في علم النحو واللغة والرواية والدراية؛ كان علاّمة عصره وحافظ وقته ونادرة دهره. أخذ علم العربية عن أبي بكر محمد ابن عبد الملك الشنتريني النحوي (٣) وأبي طالب عبد الجبار بن محمد بن علي المعافري القرطبي (٤) وغيرهما، وسمع الحديث على أبي صادق المديني وأبي عبد الله الرازي وغيرهما، واطلع على أكثر كلام العرب، وله على كتاب " الصحاح " للجوهري حواشٍ فائقة أتى فيها بالغرائب، واستدرك عليه فيها مواضع كثيرة، وهي دالة على سعة علمه وغزارة مادته وعظم اطلاعه، وصحبه خلق كثير اشتغلوا عليه وانتفعوا به، ومن جملة من أخذ عنه أبو موسى الجزولي صاحب المقدمة في النحو - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وذكره في مقدمته ونقل عنه في آخرها. وكان عارفاً بكتاب سيبويه وعلله، وكان إليه التصفح في ديوان الإنشاء، لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملك من ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفحه ويصلح ما لعله فيه (٥) من خلل خفي، وهذه كانت وظيفة ابن بابشاذ - وقد ذكرت ذلك في ترجمته في حرف الطاء -.

стр. 1120

ولقيت بمصر جماعة من أصحابه وأخذت عنهم رواية وإجازة؛ ويحكى أنه كانت فيه غفلة، ولا يتكلف في كلامه، ولا يتقيد بالإعراب بل يسترسل في حديثه كيفما اتفق، حتى قال يوماً لبعض تلامذته ممن يشتغل عليه بالنحو: اشتر لي قليل هندبا بعروقو، فقال له التلميذ: هندبا بعروقه، فعز عليه كلامه وقال له: لا تأخذه إلا بعروقو، وإن لم يكن بعروقو فما أريده. وكانت له ألفاظ من هذا الجنس لا يكترث بما يقوله ولا يتوقف على إعرابها. ورأيت له حواشي على " درة الغواص في أوهام الخواص " للحريري، وله جزء لطيف في أغاليط الفقهاء، وله الرد على أبي محمد ابن الخشاب - المذكور في هذا الحرف - في الكتاب الذي بيَّن فيه غلط ابن الحريري في المقامات، وانتصر لابن الحريري وما أقصر فيما عمله. وكانت ولادته بمصر في الخامس من رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة. وتوفي بمصر ليلة السبت السابعة والعشرين من شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وبرِّي: بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المكسورة وبعدها ياء، وهو اسمٌ علمٌ يشبه النسبة. ٣٥٤ - (١) العاضد أبو محمد عبد الله الملقب العاضد بن يوسف بن الحافظ بن محمد المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي، آخر

стр. 1121

ملوك مصر من العبيديين - وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته وسيأتي ذكر الباقين -؛ ولي المملكة بعد وفاة ابن عمه الفائز في التاريخ المذكور في ترجمته، وكان أبوه يوسف أحد الأخوين اللذين قتلهما عباس بعد الظافر - وقد سبق ذلك في ترجمة الظافر في حرف الهمزة - واستقر الأمر للعاضد المذكور اسماً وللصالح بن رزّيك - المذكور في حرف الطاء - جسماً. وكان العاضد شديد التشيع (١) متغالياً في سب الصحابة، رضوان الله عليهم وإذا رآى سنياً استحل دمه، وسار وزيره الصالح بن رزّيك في أيامه سيرة مذمومة فإنه احتكر الغلات فارتفع سعرها، وقتل أمراء الدولة خشية منهم، وأضعف أحوال الدولة المصرية فقتل مقاتلتها وأفنى ذوي الآراء والحزم منها، وكان كثير التطلع إلى ما في أيدي الناس من الأموال، وصادر أقواماً ليس بينه وبينهم تعلق. وفي أيام العاضد ورد أبو عبد الله الحسين بن نزار بن المستنصر من المغرب ومعه عساكر وحشود، فلما قارب بلاد مصر غدر به أصحابه وقبضوه وحملوه إلى العاضد فقتله صبراً، وذلك في سنة سبع وخمسين وخمسمائة في شهر رمضان، وقيل إن ذلك كان في أيام الحافظ عبد المجيد - هكذا قاله صاحب كتاب " الدول المنقطعة " والله أعلم، ثم أعاد ذلك في أيام العاضد كما ذكرته أولاً، والله أعلم بالصواب - وكان قد تلقب بالمنتصر بالله. وقد تقدم في ترجمة شاور وأسد الدين شيركوه في حرف الشين ما يغني عن الإطالة في سبب انقراض دولته، واستيلاء الغز عليها وسيأتي في أخبار السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى في حرف الياء طرف من ذلك أيضاً. وسمعت من جماعة من المصريين يقولون: إن هؤلاء القوم في أوائل دولتهم قالوا لبعض العلماء: تكتب لنا ورقة تذكر فيها ألقاباً تصلح للخلفاء، حتى إذا تولى واحد لقبوه ببعض تلك الألقاب، فكتب لهم ألقاباً كثيرة، وآخر ما كتب في الورقة " العاضد " فاتفق أن آخر من ولي منهم تلقب بالعاضد، وهذا

стр. 1122

من عجيب الاتفاق. وأيضاً فإن العاضد في اللغة القاطع، يقال: عضدتُ الشيء فأنا عاضدٌ له، إذا قطعته، فكأنه عاضدٌ لدولتهم، وكذا كان لأنه قطعها. وأخبرني أحد علماء المصريين (١) أيضاً أن العاضد المذكور في أواخر دولته رأى في منامه وهو بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد هو معروف بها، فلدغته فلما استيقظ ارتاع لذلك، فطلب بعض معبري الرؤية وقص عليهم المنام فقال له: ينالك مكروه من شخص مقيم في هذا المسجد، فطلب والي مصر وقال له: تكشف عمن هو مقيم في المسجد الفلاني، وكان العاضد يعرف ذلك المسجد، فإذا رأيت به أحداً تحضره عندي. فمضى الوالي إلى المسجد فرأى فيه رجلاً صوفياً فأخذه ودخل به على العاضد، فلما رآه سأله: من أين هو ومتى قدم البلاد وفي أي شيء قدم وهو يجاوبه عن كل سؤال، فلما ظهر له منه ضعف الحال والصدق والعجز عن إيصال المكروه إليه أعطاه شيئاً وقال له: يا شيخ ادع لنا، وأطلق سبيله، فنهض من عنده وعاد إلى مسجده (٢) . فلما استولى السلطان صلاح الدين وعزم على القبض على العاضد واستفتى الفقهاء في قتله، أفتوه بجواز ذلك لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة وفساد الاعتقاد وكثرة الوقوع في الصحابة والإستهتار بذلك. وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الصوفي المقيم في المسجد، وهو الشيخ نجم الدين الخبوشاني - الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - فإنه عدَّد مساوئ هؤلاء القوم وسلب عنهم الإيمان وأطال الكلام في ذلك، فصحَّت بذلك رؤيا العاضد. وكانت ولادة العاضد يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرم سنة ست وأربعين (٣) وخمسمائة. وتوفي ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة سبع

стр. 1123

وستين وخمسمائة، وقيل إن العاضد حصل له غيظ من شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخي صلاح الدين فسمّ نفسه فمات، والله أعلم، رحمه الله تعالى. وقيل إنه مات يوم عاشوراء. ٣٥٥ - (١) ابن الرداد المؤذن أبو الرداد عبد الله بن عبد السلام بن عبد الله بن الرداد المؤذن البصري (٢) ، صاحب المقياس بمصر؛ كان رجلاً صالحاً (٣) وتولى مقياس النيل الجديد بجزيرة مصر، وجمع إليه جميع النظر في أمره وما يتعلق به في سنة ست وأربعين ومائتين (٤) ، واستمرت الولاية في ولده إلى الآن. وتوفي في سنة تسع وسبعين ومائتين، وقيل سنة ست وستين ومائتين، والله أعلم. والردّاد: بفتح الراء وبالدالين المهملتين وتشديد الأولى منهما وبينهما ألف. ذكره القضاعي في " خطط مصر " وذكر قضية الجارية التي كانت تلقى في النيل، وذلك في فصل المقياس (٥) . [وهذا المقياس: وضعه أحمد بن محمد الحاسب القرصاني بأمر المتوكل على الله. - وكان أسامة بن زيد التّنوخي في سنة ست وسبعين للهجرة قد أمر ببناء المقياس في الجزيرة قديماً - وحكي عنه أنه قال: لما أردت أن أكتب على

стр. 1124

مواضع من المقياس ناظرت يزيد بن عبد الله وسليمان بن وهب والحسن الخادم فيما ينبغي أن يكتب عليه، وأعلمتهم أن أحسن ما يكتب عليه آيات من القرآن، واسم أمير المؤمنين المتوكل على الله واسم الأمير المنتصر، إذ كان العمل له، فاختلفوا في ذلك، وبادر سليمان بن وهب فكتب من غير أن يعلم ويستطلع الرأي في ذلك، فورد كتاب أمير المؤمنين أن يكتب عليه آيات من القرآن وما يشبه أمر المقياس، واسم أمير المؤمنين، فاستخرجت من القرآن آيات لا يمكن أن يكتب على المقياس أحسن ولا أشبه بأمر المقياس منها، وجعلت جميع ما كتبت في الرخام الذي تقدم في البناية في المواضع التي قدرت الكتابة فيها بخط مقوم غليظ على قدر الإصبع ثابت في بدن الرخام مصبغ الحفر باللازورد المشمع يقرأ من بعد، فجعلت أول ما كتبت أربع آيات متساوية المقادير في سطور أربعة في تربيع بناء المقياس على وزن سبع عشرة ذراعاً من العمود. فكتبت في الجانب الشرقي، وهو المقابل لمدخل المقياس: " بسم الله الرحمن الرحيم، ونزلنا من السماء ماءً مباركاً فأنبتنا به جنّاتِ وحبّ الحصيد " ق: ٩ وفي الجانب الشمالي: " وترى الأرض هامدةً، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتّزت وربت وأنبتت من كل زوجِ بهيج " الحج: ٥ وعلى الجانب الغربي: " آلم تر أنّ الله أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرّةَ إن الله لطيفٌ خبير " الحج: ٦٣ وعلى الجانب الجنوبي: " وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وهو الولي الحميد " الشورى: ٢٨ فصارت هذه الآيات سطوراً على وجه الماء إذا بلغ سبع عشرة ذراعاً، لأن هذا وسط الزيادة، ثم جعلت في الذراع الثامن عشر في جميع التربيع نطاقاً مثل النطاق الذي جعلته علامة للذراع السادس عشر، وكتبت بإزاء الذراع الثامن عشر سطراً واحداً يحيط بجميع التربيع " بسم الله الرحمن الرحيم، الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، وسخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدّوا

стр. 1125

نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلومٌ كفّار " إبراهيم: ٣٢ - ٣٤ " بسم الله الرحمن الرحيم، مقياس يمنٍ وسعادةٍ ونعمة وسلامة. أمر ببنائه عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه وأدام عزه وتأييده، على يدي أحمد بن محمد الحاسب، سنة سبع وأربعين ومائتين. وجعلت ما فوق ذلك من الحيطان التي بأعلى البناء منقوشاً كله، محفوراً مصبوغاً باللازورد المشمع، وعمدت إلى ما جاوز من العمود تسع عشرة ذراعاً، والرأس المنصوب عليه، والعارضة اللبخ الممسكة له، فنقشت ذلك كله بالذهب واللازورد، وكتبت على العارضة آية الكرسي إلى آخرها وكتبت على حائط الزقاق المقابل للنيل، فوق باب مدخل المقياس حيث يقرؤه السابلة سطراً إلى الرخام من أوله إلى آخره، وهو: " بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين، أمر عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ببناء هذا المقياس الهاشمي، لتعرف به زيادة النيل ونقصانه، وأطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام له العز والتمكين والظفر على الأعداء، وتتابع الإحسان والنعماء، وزاده في الخير رغبة، وبالرعية رأفة، وكتبه أحمد بن محمد الحاسب في رجب سنة سبع وأربعين ومائتين ". وكتبت سطرين في رخام عن جنبتي الباب: أحدهما " بسم الله ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً "، والآخر " بسم الله، بلغ الماء في السنة التي بني فيها هذا المقياس المتوكلي المبارك سبع عشرة ذراعاً وثمانية عشر إصبعاً ". واتخذت مثال سبع من رخام ركبته في وجه حائط فويقة القناة المطل على النيل، على المقدار الذي إذا بلغ الماء ست عشرة ذراعاً دخل الماء في فيه، وكتبت فوق ذلك في أعلى الحائط: " أولم يروا أنّا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به ذرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم، أفلا يبصرون " السجدة: ٢٧ " كتبه أحمد بن محمد الحاسب في جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين ومائتين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما.
следующие страницы →