← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ملوك مصر من العبيديين - وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته وسيأتي ذكر الباقين -؛ ولي المملكة بعد وفاة ابن عمه الفائز في التاريخ المذكور في ترجمته، وكان أبوه يوسف أحد الأخوين اللذين قتلهما عباس بعد الظافر - وقد سبق ذلك في ترجمة الظافر في حرف الهمزة - واستقر الأمر للعاضد المذكور اسماً وللصالح بن رزّيك - المذكور في حرف الطاء - جسماً. وكان العاضد شديد التشيع (١) متغالياً في سب الصحابة، رضوان الله عليهم وإذا رآى سنياً استحل دمه، وسار وزيره الصالح بن رزّيك في أيامه سيرة مذمومة فإنه احتكر الغلات فارتفع سعرها، وقتل أمراء الدولة خشية منهم، وأضعف أحوال الدولة المصرية فقتل مقاتلتها وأفنى ذوي الآراء والحزم منها، وكان كثير التطلع إلى ما في أيدي الناس من الأموال، وصادر أقواماً ليس بينه وبينهم تعلق. وفي أيام العاضد ورد أبو عبد الله الحسين بن نزار بن المستنصر من المغرب ومعه عساكر وحشود، فلما قارب بلاد مصر غدر به أصحابه وقبضوه وحملوه إلى العاضد فقتله صبراً، وذلك في سنة سبع وخمسين وخمسمائة في شهر رمضان، وقيل إن ذلك كان في أيام الحافظ عبد المجيد - هكذا قاله صاحب كتاب " الدول المنقطعة " والله أعلم، ثم أعاد ذلك في أيام العاضد كما ذكرته أولاً، والله أعلم بالصواب - وكان قد تلقب بالمنتصر بالله. وقد تقدم في ترجمة شاور وأسد الدين شيركوه في حرف الشين ما يغني عن الإطالة في سبب انقراض دولته، واستيلاء الغز عليها وسيأتي في أخبار السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى في حرف الياء طرف من ذلك أيضاً. وسمعت من جماعة من المصريين يقولون: إن هؤلاء القوم في أوائل دولتهم قالوا لبعض العلماء: تكتب لنا ورقة تذكر فيها ألقاباً تصلح للخلفاء، حتى إذا تولى واحد لقبوه ببعض تلك الألقاب، فكتب لهم ألقاباً كثيرة، وآخر ما كتب في الورقة " العاضد " فاتفق أن آخر من ولي منهم تلقب بالعاضد، وهذا

стр. 1122

من عجيب الاتفاق. وأيضاً فإن العاضد في اللغة القاطع، يقال: عضدتُ الشيء فأنا عاضدٌ له، إذا قطعته، فكأنه عاضدٌ لدولتهم، وكذا كان لأنه قطعها. وأخبرني أحد علماء المصريين (١) أيضاً أن العاضد المذكور في أواخر دولته رأى في منامه وهو بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد هو معروف بها، فلدغته فلما استيقظ ارتاع لذلك، فطلب بعض معبري الرؤية وقص عليهم المنام فقال له: ينالك مكروه من شخص مقيم في هذا المسجد، فطلب والي مصر وقال له: تكشف عمن هو مقيم في المسجد الفلاني، وكان العاضد يعرف ذلك المسجد، فإذا رأيت به أحداً تحضره عندي. فمضى الوالي إلى المسجد فرأى فيه رجلاً صوفياً فأخذه ودخل به على العاضد، فلما رآه سأله: من أين هو ومتى قدم البلاد وفي أي شيء قدم وهو يجاوبه عن كل سؤال، فلما ظهر له منه ضعف الحال والصدق والعجز عن إيصال المكروه إليه أعطاه شيئاً وقال له: يا شيخ ادع لنا، وأطلق سبيله، فنهض من عنده وعاد إلى مسجده (٢) . فلما استولى السلطان صلاح الدين وعزم على القبض على العاضد واستفتى الفقهاء في قتله، أفتوه بجواز ذلك لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة وفساد الاعتقاد وكثرة الوقوع في الصحابة والإستهتار بذلك. وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الصوفي المقيم في المسجد، وهو الشيخ نجم الدين الخبوشاني - الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - فإنه عدَّد مساوئ هؤلاء القوم وسلب عنهم الإيمان وأطال الكلام في ذلك، فصحَّت بذلك رؤيا العاضد. وكانت ولادة العاضد يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرم سنة ست وأربعين (٣) وخمسمائة. وتوفي ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة سبع

стр. 1123

وستين وخمسمائة، وقيل إن العاضد حصل له غيظ من شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخي صلاح الدين فسمّ نفسه فمات، والله أعلم، رحمه الله تعالى. وقيل إنه مات يوم عاشوراء. ٣٥٥ - (١) ابن الرداد المؤذن أبو الرداد عبد الله بن عبد السلام بن عبد الله بن الرداد المؤذن البصري (٢) ، صاحب المقياس بمصر؛ كان رجلاً صالحاً (٣) وتولى مقياس النيل الجديد بجزيرة مصر، وجمع إليه جميع النظر في أمره وما يتعلق به في سنة ست وأربعين ومائتين (٤) ، واستمرت الولاية في ولده إلى الآن. وتوفي في سنة تسع وسبعين ومائتين، وقيل سنة ست وستين ومائتين، والله أعلم. والردّاد: بفتح الراء وبالدالين المهملتين وتشديد الأولى منهما وبينهما ألف. ذكره القضاعي في " خطط مصر " وذكر قضية الجارية التي كانت تلقى في النيل، وذلك في فصل المقياس (٥) . [وهذا المقياس: وضعه أحمد بن محمد الحاسب القرصاني بأمر المتوكل على الله. - وكان أسامة بن زيد التّنوخي في سنة ست وسبعين للهجرة قد أمر ببناء المقياس في الجزيرة قديماً - وحكي عنه أنه قال: لما أردت أن أكتب على

стр. 1124

مواضع من المقياس ناظرت يزيد بن عبد الله وسليمان بن وهب والحسن الخادم فيما ينبغي أن يكتب عليه، وأعلمتهم أن أحسن ما يكتب عليه آيات من القرآن، واسم أمير المؤمنين المتوكل على الله واسم الأمير المنتصر، إذ كان العمل له، فاختلفوا في ذلك، وبادر سليمان بن وهب فكتب من غير أن يعلم ويستطلع الرأي في ذلك، فورد كتاب أمير المؤمنين أن يكتب عليه آيات من القرآن وما يشبه أمر المقياس، واسم أمير المؤمنين، فاستخرجت من القرآن آيات لا يمكن أن يكتب على المقياس أحسن ولا أشبه بأمر المقياس منها، وجعلت جميع ما كتبت في الرخام الذي تقدم في البناية في المواضع التي قدرت الكتابة فيها بخط مقوم غليظ على قدر الإصبع ثابت في بدن الرخام مصبغ الحفر باللازورد المشمع يقرأ من بعد، فجعلت أول ما كتبت أربع آيات متساوية المقادير في سطور أربعة في تربيع بناء المقياس على وزن سبع عشرة ذراعاً من العمود. فكتبت في الجانب الشرقي، وهو المقابل لمدخل المقياس: " بسم الله الرحمن الرحيم، ونزلنا من السماء ماءً مباركاً فأنبتنا به جنّاتِ وحبّ الحصيد " ق: ٩ وفي الجانب الشمالي: " وترى الأرض هامدةً، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتّزت وربت وأنبتت من كل زوجِ بهيج " الحج: ٥ وعلى الجانب الغربي: " آلم تر أنّ الله أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرّةَ إن الله لطيفٌ خبير " الحج: ٦٣ وعلى الجانب الجنوبي: " وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وهو الولي الحميد " الشورى: ٢٨ فصارت هذه الآيات سطوراً على وجه الماء إذا بلغ سبع عشرة ذراعاً، لأن هذا وسط الزيادة، ثم جعلت في الذراع الثامن عشر في جميع التربيع نطاقاً مثل النطاق الذي جعلته علامة للذراع السادس عشر، وكتبت بإزاء الذراع الثامن عشر سطراً واحداً يحيط بجميع التربيع " بسم الله الرحمن الرحيم، الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، وسخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدّوا

стр. 1125

نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلومٌ كفّار " إبراهيم: ٣٢ - ٣٤ " بسم الله الرحمن الرحيم، مقياس يمنٍ وسعادةٍ ونعمة وسلامة. أمر ببنائه عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه وأدام عزه وتأييده، على يدي أحمد بن محمد الحاسب، سنة سبع وأربعين ومائتين. وجعلت ما فوق ذلك من الحيطان التي بأعلى البناء منقوشاً كله، محفوراً مصبوغاً باللازورد المشمع، وعمدت إلى ما جاوز من العمود تسع عشرة ذراعاً، والرأس المنصوب عليه، والعارضة اللبخ الممسكة له، فنقشت ذلك كله بالذهب واللازورد، وكتبت على العارضة آية الكرسي إلى آخرها وكتبت على حائط الزقاق المقابل للنيل، فوق باب مدخل المقياس حيث يقرؤه السابلة سطراً إلى الرخام من أوله إلى آخره، وهو: " بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين، أمر عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ببناء هذا المقياس الهاشمي، لتعرف به زيادة النيل ونقصانه، وأطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام له العز والتمكين والظفر على الأعداء، وتتابع الإحسان والنعماء، وزاده في الخير رغبة، وبالرعية رأفة، وكتبه أحمد بن محمد الحاسب في رجب سنة سبع وأربعين ومائتين ". وكتبت سطرين في رخام عن جنبتي الباب: أحدهما " بسم الله ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً "، والآخر " بسم الله، بلغ الماء في السنة التي بني فيها هذا المقياس المتوكلي المبارك سبع عشرة ذراعاً وثمانية عشر إصبعاً ". واتخذت مثال سبع من رخام ركبته في وجه حائط فويقة القناة المطل على النيل، على المقدار الذي إذا بلغ الماء ست عشرة ذراعاً دخل الماء في فيه، وكتبت فوق ذلك في أعلى الحائط: " أولم يروا أنّا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به ذرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم، أفلا يبصرون " السجدة: ٢٧ " كتبه أحمد بن محمد الحاسب في جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين ومائتين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما.

стр. 1126

والذراع في المقياس ثمانية وعشرون إصبعاً إلى أن ينتهي إلى اثنتي عشرة ذراعاً، وبعد ذلك يصير اعتباره أربعة وعشرين إصبعاً] (١) . ٣٥٦ - (٢) عبيد الله بن عبد الله أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بن عاقل بن حبيب بن شمخ بن مخزوم بن صبح بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هزيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الهذلي، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة - وقد تقدم ذكر أربعة منهم - وهذا عبيد الله ابن أخي عبد الله بن مسعود الصحابي، ﵁، وهو من أعلام التابعين، لقي خلقاً كثيراً من الصحابة، رضوان الله عليهم، وسمع من ابن عباس وأبي هريرة وأم المؤمنين عائشة، ﵃ أجمعين، وروى عنه أبو الزناد والزهري وغيرهما، وقال الزهري: أدركت أربعة بحور، فذكر فيهم عبيد الله المذكور، وقال: سمعت من العلم شيئاً كثيراً فظننت أني قد اكتفيت حتى لقيت عبيد الله فإذا كأني ليس في يدي شيء. وقال عمر (٣) بن عبد العزيز: لأن يكون لي مجلس من عبيد الله أحب إلي من الدنيا؛ " وقال: والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقالوا: يا أمير المؤمنين، تقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك فقال: أين يذهب بكم والله إني لأعود برأيه

стр. 1127

وبنصيحته وبهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف، إن في المحادثة تلقيحاً للعقل، وترويحاً للقلب، وتسريحاً للهمّ، وتنقيحاً للأدب] (١) . وكان عالماً ناسكاً. وكانت وفاته سنة اثنتين ومائة، وقيل سنة تسع وتسعين، وقيل ثمان وتسعين للهجرة بالمدينة، ﵁. وله شعر، فمن ذلك ما أورده له في كتاب " الحماسة " وهو قوله (٢) : شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتأم الفطور تغلغل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شرابٌ ... ولا حزن ولم يبلغ سرور ولما قال هذا الشعر قيل له: أتقول مثل هذا فقال: في اللّدود، راحة المفؤود. وهو القائل: لابد للمصدور من أن ينفث. والهذلي: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وبعدها لام، هذه النسبة إلى هذيل بن مدركة كما تقدم في نسبه، وهي قبيلة كبيرة، وأكثر أهل وادي نخلة المجاور لمكة، حرسها الله تعالى، من هذه القبيلة. وتوفي والده عبد الله سنة ست وثمانين للهجرة، ﵁، وكانت الرياسة في الجاهلية إلى جده صبح بن كاهل (٣) .

стр. 1128

٣٥٧ - (١) المهدي عبيد الله أبو محمد عبيد الله، الملقب بالمهدي؛ وجدت في نسبه اختلافاً كثيراً (٢) ، قال صاحب " تاريخ القيروان " (٣) هو عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، وقال غيره: هو عبيد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور، وقيل هو علي بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، وقيل هو عبيد الله بن التقي بن الوفي بن الرضي، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم المستورون في ذات الله، والرضي المذكور بن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور، واسم التقي الحسين، واسم الوفي أحمد، واسم الرضي عبد الله، وإنما استتروا خوفاً على أنفسهم لأنهم كانوا مطلوبين من جهة الخلفاء من بني العباس، لأنهم علموا أن فيهم من يروم الخلافة أسوة غيرهم من العلويين وقضاياهم ووقائعهم في ذلك مشهورة. وإنما تسمى المهدي عبيد الله استتاراً، هذا عند من يصحح نسبه، ففيه اختلاف كثير (٤) . وأهل العلم

стр. 1129

بالأنساب من المحققين ينكرون دعواه في النسب، وقد تقدم في ترجمة الشريف عبد الله بن طباطبا (١) ما جرى بينه وبين المعز عند وصوله إلى مصر وما كان من جواب المعز له، وفيه أيضاً دلالة على ذلك، فإنه لو عرف نسبه لذكره وما احتاج إلى ذلك المجلس الذي ذكرناه هناك. ويقولون أيضاً: إن اسمه سعيد ولقبه عبيد الله، وزوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح، وسمي قداحاً لأنه كان كحّالاً يقدح العين إذا نزل فيها الماء. وقيل إن المهدي لما وصل إلى سجلماسة ونما خبره إلى اليسع مالكها، وهو آخر ملوك بني مدرار، وقيل له: إن هذا هو الذي يدعو إلى بيعته أبو عبد الله الشيعي بأفريقية - وقد تقدم الكلام على ذلك في ترجمة أبي عبد الله في حرف الحاء (٢) - أخذه اليسع واعتقله، فلما سمع أبو عبد الله الشيعي باعتقاله حشد جمعاً كثيراً من كتامة وغيرها، وقصد سجلماسة لاستنقاذه، فلما بلغ اليسع خبر وصولهم قتل المهدي في السجن، فلما دنت العساكر من البلد هرب اليسع، فدخل أبو عبد الله إلى السجن فوجد المهدي مقتولاً وعنده رجل من أصحابه كان يخدمه، فخاف أبو عبد الله أن ينتقض عليه ما دبره من الأمر إن عرفت العساكر بقتل المهدي، فأخرج الرجل وقال: هذا هو المهدي؛ وبالجملة فأخباره مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة فيها. وهو أول من قام بهذا الأمر من بيتهم وادعى الخلافة بالمغرب، وكان داعيه أبا عبد الله الشيعي - المذكور في حرف الحاء - ولما استتب له الأمر قتله وقتل أخاه - كما ذكرناه في ترجمته - وبنى المهدي بأفريقية وفرغ من بنائها في شوال سنة ثمان وثلثمائة، وكان شروعه فيها في ذي القعدة سنة ثلاث وثلثمائة، وبنى سور تونس وأحكم عمارتها وجدّد فيها مواضع، فنسبت [المهدية] (٣) إليه. وملك بعده ولده القائم، ثم المنصور ولد القائم - وقد تقدم ذكره - ثم

стр. 1130

المعز بن المنصور، وهو الذي سيّر القائد جوهراً وملك الديار المصرية وبنى القاهرة، واستمرت دولتهم حتى انقرضت دولتهم على يد السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى. وقد تقدم ذكر جماعة من حفدته وسيأتي ذكر باقيهم، إن شاء الله تعالى. ولأجل نسبتهم إليه يقال لهم " العبيديون "، وهكذا ينسب إلى عبيد الله. وكانت ولادته في سنة تسع وخمسين، وقيل سنة ستين ومائتين، وقيل ست وستين ومائتين بمدينة سلميّة، وقيل بالكوفة، ودعي له بالخلافة على منابر رقّادة والقيروان يوم الجمعة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، بعد رجوعه من سجلماسة، وقد جرى له بها ما جرى. وكان ظهوره بسجلماسة يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين، وخرجت بلاد المغرب عن ولاية بني العباس. وتوفي ليلة الثلاثاء منتصف شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة بالمهدية، رحمه الله تعالى. وسلميّة: بفتح السين المهملة واللام وكسر الميم وتشديد الياء المثناة من تحتها وتخفيفها أيضاً مع سكون الميم، وهي بليدة بالشام من أعمال حمص. ورقّادة: بفتح الراء وتشديد القاف وبعد الألف دال مهملة ثم هاء ساكنة، بلدة بأفريقية، وقد تقدم ذكرها في ترجمة أبي عبد الله الحسين بن أحمد المعروف بالشيعي، وكان قد بناها إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب جد زيادة الله بن الأغلب المذكور في ترجمة الشيعي أيضاً، وكان شروعه أيضاً في بنائها في سنة ثلاث وستين ومائتين وفرغ منها في سنة أربع وستين ومائتين وانتقل إليها لما فرغت. والقيروان وسجلماسة: قد تقدم الكلام عليهما في مواضعهما.

стр. 1131

٣٥٨ - (١) عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن ماهان الخزاعي؛ - تقدم ذكر أبيه وجده وما كانا عليه من التقدم وعلو المنزلة عند المأمون، وتوليتهما خراسان وغيرها - وكان عبيد الله المذكور أميراً، ولي الشرطة ببغداد خلافةً عن أخيه محمد بن عبد الله، ثم استقل بها بعد موت أخيه، وكان سيداً، وإليه انتهت رياسة أهله، وهو آخر من مات منهم رئيساً ولهم من الكتب المصنفة كتاب " الإشارة في أخبار الشعراء " وكتاب " رسالة في السياسة الملوكية " وكتاب مراسلاته لعبد الله بن المعتز، وكتاب " البراعة والفصاحة " (٢) وغير ذلك. وحدّث عن الزبير بن بكار وغيره، وكان مترسلاً شاعراً لطيفاً حسن المقاصد جيد السبك رقيق الحاشية. ومن شعره، ثم وجدتها لأبي الطريف شاعر المعتمد الخليفة العباسي وزعم الصولي أن البحتري أنشده هذه الأبيات لنفسه، والله أعلم (٣) ، وهي: أتهجرون فتى أغري (٤) بكم تيها ... لحقُّ دعوة صبٍّ أن تجيبوها أهدى إليكم على نأيٍ تحيته ... حيُّوا بأحسن منها أو فردُّوها زمُّوا المطايا غداة البين واحتملوا ... وخلَّفوني على الأطلال أبكيها شيَّعتهم فاسترابوا بي فقلت لهم ... إني بعثت مع الأجمال أحدوها

стр. 1132

قالوا فما نفسٌ يعلو كذا صعدا ... وما لعينك لا ترقا مآقيها قلت التنفّس من إدمان سيركم (١) ... ودمع عيني جارٍ من قذىً فيها حتى إذا انجذبوا والليل معتكر ... رفعت في جنحه صوتي أناديها يا من به (٢) أنا هيمانٌ ومختبلٌ ... هل لي إلى الوصل (٣) من عقبى أُرجيها [ومن شعره ما ذكره ابن رشيق في كتاب " " العمدة " " في باب الاستطراد، فقال: ومن الإستطراد نوع يسمى الإدماج، ونحو ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لعبيد الله بن سليمان بن وهب حين وزر للمعتضد: أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا في من نحبُّ ونكرم فقلت له نعماك فينا أتمها ... ودع أمرنا إن المهمَّ المقدَّم] (٤) ومن شعره: واحربا من فراق قوم ... هم المصابيح والحصون والأسد والمزن والرواسي ... والأمن والخفض والسكون لم تتنكر لنا الليالي ... حتى توفَّتهم المنون فكلُّ نارٍ لنا قلوب ... وكلُّ ماء لنا عيون وله: إن الأمير هو الذي ... يضحي أميراً يوم (٥) عزله إن زال سلطان الولا ... ية لم يزل سلطان فضله (٦)

стр. 1133

وله: اقضي الحوائج ما استطع ... ت وكن لهمِّ أخيك فارج فلخير أيام الفتى ... يومٌ قضى فيه الحوائج وله ديوان شعر ونقتصر من نظمه على هذا القدر. وكان عبيد الله قد مرض فعاده الوزير، فلما انصرف عنه كتب إليه: " ما اعرف أحداً جزى العلة خيراً غيري، فإني جزيتها الخير، وشكرت نعمتها علي، إذ كانت إلى رؤيتك مؤدية، فأنا كالأعرأبي الذي جزَّى يوم البين خيراً فقال: جزى الله يوم البين خيراً فإنه ... أرانا على علاَّته أمَّ ثابت أرانا ربيبات الخدور، ولم نكن ... نراهنَّ إلا بانتعات النواعت " قلت: ومثل هذا ما كتبه البحتري إلى أبي غانم وقد مرض فعاده الوزير، وهو قوله (١) : يا أبا غانمٍ غنمت ولا زا ... لت عهاد الوسمي (٢) تسقي بلادك ليت أنا مثل اعتلالك نعت ... ل على أن يعودنا من عادك أبهجت زورة الوزير أودا ... ك جميعاً وأرغمت حسادك وكانت ولادته سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وكانت وفاته ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلثمائة ببغداد، ودفن بمقابر قريش، رحمه الله تعالى. (٩١) [وتوفي الأمير أبو القاسم عبيد الله بن سليمان سنة ثمان وثمانين ومائتين،

стр. 1134

وعمره اثنتان وستون سنة، وكانت وزارته عشر سنين وخمسين يوما] (١) . (٩٢) ولما مات أخوه سليمان بن عبد الله بن طاهر (٢) في سنة خمس وستين ومائتين وقف أخوه عبيد الله المذكور على قبره متكئاً على قوسه ونظر إلى قبور أهله، وأنشد: النفس ترقى بحزن في تراقيها ... ودمعة العين تجري من مآقيها لبقعة ما رأت عيني كقلتها ... ولا ككثرة أحباب ثووا فيها ٣٥٩ (٣) أبو الحكم المغربي أبو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله بن محمد الباهلي، الحكيم (٤) الأديب المعروف بالمغربي؛ أصله من أهل المرية بالأندلس - وتقدم ذكرها - ومولده ببلاد اليمن. ذكر أبو شجاع محمد بن علي بن الدهان الفرضي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في تاريخ جمعه أن أبا الحكم المذكور قدم بغداد وأقام بها مدة يعلم الصبيان، وأنه كان ذا معرفة بالأدب والطب والهندسة؛ انتهى كلام أبي شجاع وذكر مولده ووفاته. وقال غيره: كان كامل الفضيلة، جمع بين الأدب والحكمة، وله ديوان شعر جيد، والخلاعة والمجون غالبة عليه. وذكر العماد الأصبهاني في " الخريدة " أن أبا الحكم المذكور كان طبيب

стр. 1135

البيمارستان الذي كان يحمله أربعون جملاً المستصحب في معسكر (١) السلطان محمود السلجوقي حيث خيم، وكان السديد أبو الوفاء يحيى بن سعيد بن يحيى المظفر المعروف بابن المرخم (٢) الذي صار أقضى القضاة ببغداد في أيام الأمام المقتفي فاصداً وطبيباً في هذا البيمارستان، ثم إن العماد أثنى على أبي الحكم المذكور، وذكر فضله وما كان عليه، وذكر أن له كتاباً سماه " نهج الوضاعة لأولي الخلاعة ". ثم إن أبا الحكم المذكور انتقل إلى الشام وسكن دمشق، وله فيها أخبار وماجرايات ظريفه تدل على خفة روحه. رأيت في ديوانه أن أبا الحسين أحمد بن منير الطرابلسي - المقدم ذكره في حرف الهمزة (٣) - كان عند الأمراء بني منقذ بقلعة شيزر، وكانوا مقبلين عليه، وكان بدمشق شاعر يقال له أبو الوحش سبع بن خلف بن محمد بن هبة الله الفقعسي، وكانوا يصغرون كنيته فيقولون " وحيش " (٤) وكانت فيه دعابة، وبينه وبين أبي الحكم مودة وألفة متحدة، فعزم أبو الوحش أن يتوجه إلى شيزر يمدح بني منقذ ويسترفدهم، فالتمس من أبي الحكم المذكور كتاباً إلى ابن منير بالوصية عليه، فكتب أبو الحكم: أبا الحسين استمع مقال فتىً ... عوجل فيما يقول فارتجلا هذا أبو الوحش جاء ممتدح ال ... قوم فنوه به إذا وصلا واتل عليهم بحسن شرحك ما ... أتلوه من حديثه (٥) جملا وخبر القوم أنه رجل ... ما أبصر الناس مثله رجلا تنوب عن وصفه شمائله ... لا يبتغي عاقل به بدلا

стр. 1136

وهو على خفة به أبداً ... معترف أنه من الثقلا يمت بالثلب والرقاعة والس ... خف، وأما بما سواه فلا إن أنت فاتحته لتخبر ما ... يصدر عنه فتحت منه خلا فسمه إن حل خطة الخسف وال ... هونِ ورحب به إذا رحلا وسقه السم إن ظفرت به ... وأمزج له من لسانك العسلا وله أشياء مستملحة، منها مقصورة هزلية ضاهى بها مقصورة ابن دريد، من جملتها: وكل ملموم فلابد له ... من فرقة لو لزقوه بالغرا وله مرثية في عماد الدين زنكي بن آق سنقر الأتابك - المقدم ذكره (١) - شاب فيها الجد بالهزل والغالب على شعره الانطباع. وكانت ولادته في سنة ست وثمانين وأربعمائة باليمن، على ما حكاه ابن الدبيثي في ذيله. وتوفي ليلة الأربعاء رابع (٢) ذي القعدة سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وقال ابن الدبيثي: توفي لساعتين خلتا من ليلة الأربعاء سادس ذي القعدة بدمشق، وهو الأصح، ودفن بباب الفراديس، رحمه الله تعالى. (٩٣) والقاضي ابن المرخم المذكور هو الذي يقول فيه أبو القاسم هبة الله ابن الفضل الشاعر المعروف بابن القطان - الآتي ذكره (٣) إن شاء الله تعالى -: يا ابن المرخم صرت فينا قاضياً ... خرف الزمان تراه أم جن الفلك إن كنت تحكم بالنجوم فربما ... أما بشرع محمدٍ من أين لك

стр. 1137

٣٦٠ - (١) عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار، وقيل داود، بن بلال بن أحيحة ابن الجلاح الأنصاري (١) ، وفي اسم أبيه خلاف غير هذا، كان من أكابر تابعي الكوفة، سمع علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وأبا أيوب الأنصاري وغيرهم، ﵃، ويروى أنه سمع من عمر، ﵁، والحفاظ لا يثبتون سماعه من عمر، وأبوه أبو ليلى له رواية عن النبي، ﷺ ، وشهد وقعة الجمل وكانت راية علي بن أبي طالب ﵁، معه. وسمع من عبد الرحمن: الشعبيّ (٣) ومجاهد وعبد الملك بن عمير وخلق سواهم، ﵃. ولد لست سنين بقين من خلافة عمر، وقتل بدجيل، وقيل غرق في نهر البصرة، وقيل فقد بدير الجماجم سنة ثلاث وثمانين في وقعة ابن الأشعث، وقيل سنة إحدى، وقيل سنة اثنتين وثمانين للهجرة، ﵁. وأحيحة: بضم الهمزة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الحاء الثانية وبعدها هاء ساكنة. والجلاح: بضم الجيم وبعد اللام ألف حاء مهملة. وسيأتي ذكر ولده محمد إن شاء الله تعالى.

стр. 1138

٣٦١ - (١) الأوزاعي أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي إمام أهل الشام؛ لم يكن بالشام أعلم منه، قيل إنه أجاب في سبعين ألف مسألة، وكان يسكن بيروت. روي أن سفيان الثوري بلغه مقدم الأوزاعي فخرج حتى لقيه بذي طوى، فحل سفيان رأس بعيرة عن القطار ووضعه على رقبته، فكان إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ. سمع من الزهري وعطاء وروى عنه الثوري وأخذ عنه عبد الله بن المبارك وجماعة كبيرة. وكانت ولادته ببعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة، وقيل سنة ثلاث وتسعين. ومنشؤه بالبقاع، ثم نقلته أمه إلى بيروت. وكان فوق الربعة خفيف اللحية به سمرة، وكان يخضب بالحناء. وتوفي سنة سبع وخمسين ومائة يوم الأحد لليلتين بقيتا من صفر، وقيل في شهر ربيع الأول بمدينة بيروت، رحمه الله تعالى، ورثاه بعضهم بقوله: جاد الحيا بالشام كل عشيةٍ ... قبراً تضمن لحده الأوزاعي قبرٌ تضمن فيه طود شريعةٍ ... سقيا له من عالمٍ نفاع عرضت له الدنيا فأعرض مقلعاً ... عنها بزهدٍ أيما إقلاع وقبره في قرية على باب بيروت يقال لها حنتوس، وأهلها مسلمون، وهو مدفون في قبلة المسجد، وأهل القرية لا يعرفونه، بل يقولون: ها هنا رجل صالح ينزل عليه النور؛ ولا يعرفه إلا الخواص من الناس.

стр. 1139

[ذكر الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " أن الأوزاعي دخل الحمام ببيروت وكان لصاحب الحمام شغل، فأغلق الحمام عليه وذهب، ثم جاء ففتح الباب فوجده ميتاً، قد وضع يده اليمنى تحت خده وهو مستقبل القبلة؛ وقيل أن امرأته فعلت ذلك، ولم تكن عامدة لذلك، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة] (١) . ويحمد: بضم الياء المثناة من تحتها وسكون الحاء المهملة وكسر الميم وبعدها دال مهملة. والأوزاعي: بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة هذه النسبة إلى الأوزاع، وهي بطن من ذي الكلاع من اليمن، وقيل بطن من همدان، واسمه مرثد بن زيد، وقيل الأوزاع قرية بدمشق على طريق باب الفراديس، ولم يكن أبو عمرو منهم، وإنما نزل فيهم فنسب إليهم وهو من سبي اليمن. وبيروت: بفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الراء وسكون الواو وفي آخرها تاء مثناة، وهي بليدة بساحل الشام أخذها الفرنج من المسلمين يوم الجمعة عاشر ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. [وحنتوس: بفتح الحاء المهملة وسكون النون وضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو ثم سين مهملة] (٢) .

стр. 1140

٣٦٢ - (١) ابن القاسم المالكي أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بالولاء، الفقيه المالكي؛ جمع بين الزهد والعلم وتفقه بالإمام مالك ﵁ ونظرائه، وصحب مالكاً عشرين سنة، وانتفع به أصحاب مالك بعد موت مالك، وهو صاحب " المدونة " في مذهبهم، وهي من أجل كتبهم، وعنه أخذها سحنون. وكانت ولادته في سنة اثنتين، وقيل ثلاث وثلاثين ومائة، وقيل ثمان وعشرين وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائة، ليلى الجمعة لسبع ليال مضين من صفر بمصر (٢) ، ودفن خارج باب القرافة الصغرى قبالة قبر أشهب الفقيه المالكي، وزرت قبريهما، وهما بالقرب من السور، رحمهما الله تعالى. وجنادة: بضم الجيم وفتح النون وبعد الألف دال مهملة مفتوحة ثم هاء ساكنة. والعتقي: بضم العين وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها قاف، هذه النسبة إلى العتقاء، وليسوا من قبيلة واحدة بل هم من قبائل شتى، منهم حجر حمير، ومن سعد العشيرة، ومن كنانة مضر وغيرهم، وعامتهم بمصر. وعبد الرحمن المذكور مولى زبيد بن الحارث العتقي، وكان زبيد من حجر حمير، وقال عبد الله القضاعي: وكانت القبائل التي نزلت الظاهر العُتقاء،

стр. 1141

وهم جماع من القبائل كانوا يقطعون على من أراد النبي ﷺ ، فبعث إليهم فأتى بهم أسرى فأعتقهم، فقيل لهم العتقاء. ولما فتح عمرو بن العاص مصر، وكان ذلك يوم الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين للهجرة، كان العتقاء معه معدودين في أهل الراية، وإنما قيل له أهل الراية لأن العرب كانوا يجعلون لكل بطن منهم راية يعرفون بها، ولم يكن لكل بطن من بطون أهل الراية من العدد ما يجعلون لكل بطن راية، فقال عمرو بن العاص: أنا أجعل راية لا أنسبها إلى أحد، فتكون دعوتكم عليها، ففعلوا، فكان هذا الاسم كالنسب الجامع، وعليها كان ديوانهم (١) . ولما فتحوا (٢) الإسكندرية ورجع عمرو إلى الفسطاط اختط الناس بها خططهم، ثم جاء العتقاء بعدهم فلم يجدوا موضعاً يختطون فيه عند أهل الراية، فشكوا ذلك إلى عمرو، فقال معاوية ين حديج، وكان يتولى أمر الخطط (٣) : أرى لكم أن تظهروا على هذه القبائل فتتخذونه منزلاً وتسمونه الظاهر، ففعلوا ذلك، فقيل له " أهل الظاهر " لذلك، ذكر هذا كله أبو عمرو محمد بن يوسف بن يعقوب التجيبي في كتاب " خطط مصر " وهي فائدة غريبة يحتاج إليها، فأحببت ذكرها.

стр. 1142

٣٦٣ - (١) أبو سليمان الداراني أبو سليمان عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي (٢) ، الداراني الزاهد المشهور أحد رجال الطريقة؛ كان من جلة السادات، وأرباب الجد في المجاهدات. ومن كلامه: من أحسن في نهاره كفي في ليله، ومن أحسن في ليله كفي في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة ذهب الله بها من قلبه، والله تعالى أكرم من أن يعذب قلباً بشهوة تركت له. ومن كلامه: أفضل الأعمال خلاف هوى النفس. وقال: نمت ليلة عن وردي فإذا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام وله كل معنى مليح. وكانت وفاته سنة خمس ومائتين، وقيل سنة خمس عشرة ومائتين، ﵁. والعنسي: بفتح العين المهملة وسكون النون وبعدها سين مهملة، هذه النسبة إلى بني عنس بن مالك بن أدد حيٍ من مذحج ينسب أبو سليمان إليها. والداراني: بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مفتوحة وبعد الألف الثانية نون، هذه النسبة إلى داريا وهي قرية بغوطة دمشق، والنسبة إليها على هذه الصورة من شواذ النسب، والياء في داريا مشددة.

стр. 1143

٣٦٤ - (١) الفوراني أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفوراني المروزي الفقيه الشافعي؛ كان مقدم الفقهاء الشافعية بمرو، وهو أصولي فروعي، أخذ الفقه عن أبي بكر القفال الشاشي (٢) ، وصنف في الأصول والمذهب والخلاف والجدل والملل والنحل، وانتهت إليه رياسة الطائفة الشافعية، وطبق الأرض بالتلامذة، وله في المذهب الوجوه الجيدة، وصنف في المذهب كتاب " الإبانة " وهو كتاب مفيد. وسمعت بعض فضلاء المذهب يقول: إن إمام الحرمين كان يحضر حلقته وهو شاب يومئذ، وكان أبو القاسم (٣) لا ينصفه ولا يصغي إلى قوله لكونه شاباً، فبقي في نفسه منه شيء، فمتى قال في " نهاية المطلب " وقال بعد المصنفين (٤) كذا وغلط في ذلك، وشرع في الوقوع فيه، فمراده أبو القاسم الفوراني. وكانت وفاته في شهر رمضان سنة إحدى وستين وأربعمائة بمدينة مرو، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، رحمه الله تعالى. وذكره الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي في " سياق تاريخ نيسابور " (٥) وأثنى عليه. والفوراني: بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى جده فوران المذكور، هكذا ذكره السمعاني (٦) .

стр. 1144

٣٦٥ - (١) أبو سعد المتولي أبو سعد عبد الرحمن بن محمد واسمه مأمون بن علي، وقيل إبراهيم، المعروف بالمتولي الفقيه الشافعي النيسابوري؛ كان جامعاً بين العلم والدين وحسن السيرة وتحقيق المناظرة، له يد قوية في الأصول والفقه والخلاف، تولى التدريس بالمدرسة النظامية بمدينة بغداد بعد وفاة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، ثم عزل عنها قي بقية سنة ست وسبعين وأربعمائة وأعيد أبو النصر ابن الصباغ صاحب " الشامل "، ثم عزل ابن الصباغ في سنة سبع وسبعين وأعيد أبو سعد المذكور واستمر عليها إلى حين وفاته. [وذكر أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن إبراهيم الهمذاني في كتابه الذي ذيله على طبقات الشيخ أبي إسحاق الشيرازي في ذكر الفقهاء ما مثاله: حدثني أحمد بن سلامة المحتسب قال: لما جلس للتدريس أبو سعد عبد الرحمن واسمه مأمون بن علي المتولي بعد شيخنا، يعني أبا إسحاق الشيرازي، أنكر عليه الفقهاء استناده موضعه، وأرادوا منه أن يستعمل الأدب في الجلوس دونه، ففطن وقال له: اعلموا أنني لم أفرح في عمري إلا بشيئين: أحدهما إني جئت من وراء النهر ودخلت سرخس وعلي أثوابٌ أخلاقٌ لا تشبه ثياب أهل العلم، فحضرت مجلس أبي الحارث ابن أبي الفضل السرخسي، وجلست في أخريات أصحابه، فتكلموا في مسألة فقلت واعترضت، فلما انتهيت في نوبتي أمرني أبو الحارث بالتقدم، فتقدمت، ولما عادت نوبتي استدناني وقربني حتى جلست إلى جنبه، وقام بي وألحقني بأصحابه، فاستولى علي الفرح، والشيء الثاني حين

стр. 1145

أهلت للاستناد في موضع شيخنا أبي إسحاق، رحمه الله تعالى، فذلك أعظم النعم، وأوفى القسم] (١) . وتخرج على أبي سعد جماعة من الأئمة، وأخذ الفقه بمرو عن أبي القاسم عبد الرحمن الفوراني - المذكور قبله - وبمرو الروذ عن القاضي حسين بن محمد، وببخارى عن أبي سهل أحمد بن علي الأبيوردي، وسمع الحديث وصنف في الفقه كتاب " تتمة الإبانة " تمم به " الإبانة " تصنيف شيخه الفوراني لكنه لم يكلمه وعاجلته المنية قبل إكماله، وكان قد انتهى فيه إلى كتاب الحدود، وأتمه من بعده جماعة منهم أبو الفتوح أسعد العجلي - المذكور في حرف الهمزة (٢) - وغيره، ولم يأتوا فيه بالمقصود ولا سلكوا طريقه، فإنه جمع في كتابه الغرائب من المسائل والوجوه الغريبة التي لا تكاد توجد في كتاب غيره، وله في الفرائض مختصر صغير وهو مفيد جداً، وله في الخلاف طريقة جامعة لأنواع المآخذ، وله في أصول الدين أيضاً تصنيف صغير، وكل تصانيفه نافعة. وكانت ولادته سنة ست وعشرين وأربعمائة، وقيل سنة سبع وعشرين، بنيسابور، وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر شوال (٣) سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ببغداد، ودفن بمقبرة باب أبرز، رحمه الله تعالى. والمتولي: بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوقها والواو وتشديد اللام المكسورة، ولم أعلم لأي معنى عرف بذلك، ولم يذكر السمعاني هذه النسبة.

стр. 1146

٣٦٦ - (١) فخر الدين ابن عساكر أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الدمشقي الملقب فخر الدين المعروف بابن عساكر الفقيه الشافعي؛ كان إمام وقته في علمه ودينه، تفقه على الشيخ قطب الدين أبي المعالي مسعود النيسابوري - الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - وصحبه زماناً وانتفع بصحبته وتزوج ابنته ثم استقل بنفسه ودرّس بالقدس زماناً وبدمشق (٢) واشتغل عليه خلق كثير وتخرجوا عليه وصاروا أئمة وفضلاء. وكان مسدداً في الفتاوى، وهو ابن أخي الحافظ أبي القاسم علي ابن عساكر صاحب " تاريخ دمشق " - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وخرج من بيتهم جماعة من العلماء والرؤساء. وكانت ولادته سنة خمسين وخمسمائة، ظناً، وكتب بخطه أن مولده سنة خمسين وخمسمائة. وتوفي في العاشر من رجب يوم الأربعاء سنة عشرين وستمائة بدمشق، رحمه الله تعالى، وزرت قبره مراراً بمقابر الصوفية ظاهر دمشق.

стр. 1147

٣٦٧ - (١) أبو القاسم الزجاجي أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي البغدادي داراً ونشأة، النهاوندي أصلاً ومولداً؛ كان إماماً في علم النحو، وصنف فيه كتاب " الجمل الكبرى " وهو كتاب نافع لولا طوله بكثرة الأمثلة. أخذ النحو عن محمد بن العباس اليزيدي وأبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن الأنباري، وصحب أبا إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج - وقد تقدم ذكره (٢) - فنسب إليه وعرف به، وسكن دمشق وانتفع الناس به وتخرجوا عليه. وتوفي في رجب سنة سبع وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين وثلثمائة، وقيل في شهر رمضان سنة أربعين، والأول أصح، بدمشق وقيل بطبرية، رحمه الله تعالى. وكان قد خرج من دمشق مع ابن الحارث عامل الضياع الإخشيديه فمات بطبرية. وكتابه " الجمل " من الكتب المباركة لم يشتغل به أحد إلا وانتفع به، ويقال إنه صنفه بمكة، حرسها الله تعالى، وكان إذا فرغ من باب طاف اسبوعاً ودعا الله تعالى أن يغفر له وأن ينفع به قارئه. والزجاجي: بفتح الزاي وتشديد الجيم وبعد الألف جيم ثانية، وقد تقدم القول في سبب هذه النسبة.

стр. 1148

٣٦٨ - (١) ابن يونس صاحب تاريخ مصر أبو سعيد عبد الرحمن بن أبي الحسن أحمد بن أبي موسى يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص بن حيان الصدفي المحدث المؤرخ المصري؛ كان خبيراً بأحوال الناس، ومطلعاً على تواريخهم عارفاً بما يقوله، جمع لمصر تاريخين: أحدهما وهو الأكبر يختص بالمصريين، والآخر وهو صغير يشتمل على ذكر الغرباء الواردين على مصر، وما أقصر فيهما، وقد ذيلهما أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي وبنى عليهما. وهذا أبو سعيد المذكور هو حفيد يونس بن عبد الأعلى صاحب الإمام الشافعي ﵁، والناقل لأقواله الجديدة - وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - وقال أبو الحسن علي بن عبد الرحمن المذكور: كانت ولادة أبي في سنة إحدى وثمانين ومائتين. وكانت وفاته يوم الأحد ودفن يوم الاثنين لست وعشرين ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وصلى عليه أبو القاسم ابن الحجاج، ورثاه أبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد الله بن سليمان الخولاني الخشّاب المصري (٢) النحوي العروضي بقوله: بثثت علمك تشريقاً وتغريباً (٣) ... وعدت بعد لذيذ العيش مندوبا أبا سعيد وما نألوك أن نشرت ... عنك الدواوين تصديقاً وتصويبا

стр. 1149

ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه ... حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا أرّخت موتك في ذكري وفي صحفي ... لمن يؤرخني (١) إذ كنت محسوبا نشرت عن مصر من سكانها علماً ... مبجّلاً بجمال القوم منصوبا كشفت عن فخرهم للناس وما سجعت ... ورق الحمام على الأغصان تطريبا أعربت عن عرب نقّبت عن نجبٍ ... سارت مناقبهم في الناس تنقيبا أنشرت ميتهم حيّاً بنسبته ... حتى كأن لم يمت إذ كان منسوبا إن المكارم للإحسان موجبة ... وفيك قد ركّبت يا عبد تركيبا حجبت عنا وما الدنيا بمظهرة ... شخصاً وإن جلّ إلا عاد محجوبا كذلك الموت لا يبقي على أحدٍ ... مدى الليالي من الأحباب محبوبا - وسيأتي ذكر ولده أبي الحسن علي بن المنجم صاحب الزيج إن شاء الله تعالى -. والصدفي: بفتح الصاد والدال المهملتين وبعدهما فاء، هذه النسبة إلى الصدف بن سهل، وهي قبيلة كبيرة من حمير نزلت مصر. والصدف بكسر الدال، وإنما تفتح في النسب كما قالوا في النسب إلى نمرة نمري، وهي قاعدة مطردة، وفيه لغة أخرى أنه الصدف - بفتح الدال. (٩٤) وتوفي أبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل صاحب الأبيات المذكورة في صفر سنة ست وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 1150

٣٦٩ - (١) ابن الأنباري النحوي أبو البركات عبد الرحمن بن أبي الوفاء محمد بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد محمد بن الحسن بن سليمان الأنباري، الملقب كمال الدين، النحوي؛ كان من الأئمة المشار إليهم في علم النحو، وسكن بغداد من صباه إلى أن مات، وتفقه على مذهب الشافعي، ﵁، بالمدرسة النظامية وتصدر لإقراء النحو بها، وقرأ اللغة على أبي منصور ابن الجواليقي، وصحب الشريف أبا السعادات هبة الله بن الشجري - الآتي ذكره في حرف الهاء إن شاء الله تعالى - وأخذ عنه وانتفع بصحبته، وتبحر في علم الأدب، واشتغل عليه خلق كثير وصاروا علماء، ولقيت جماعة منهم، وصنف في النحو كتاب " أسرار العربية " وهو سهل المأخذ كثير الفائدة، وله كتاب " الميزان " في النحو أيضاً، وله كتاب في " طبقات الأدباء " جمع فيه المتقدمين والمتأخرين مع صغر حجمه، وكتبه كلها نافعة، وكان نفسه مباركاً ما قرأ عليه أحد إلا وتميز. وانقطع في آخر عمره في بيته مشتغلاً بالعلم والعبادة وترك الدنيا ومجالسة أهلها، ولم يزل على سيرة حميدة. وكانت ولادته في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وتوفي ليلة الجمعة تاسع شعبان سنة سبع وسبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب أبرز بتربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (٢) ، رحمه الله تعالى.

стр. 1151

والأنباري: بفتح الهمزة وسكون النون وبعدها باء موحدة وبعد الألف راء، هذه النسبة إلى الأنبار، بلدة قديمة على الفرات، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ، وسميت الأنبار لأن كسرى كان يتخذ فيها أنابير الطعام، والأنابير: جمع الأنبار جمع نبر بكسر النون وبعدها راء، مثل نقس وأنقاس، والنبر: الهري الذي تجعل فيه الغلة، والنقس: بكسر النون وسكون القاف وبعده سين مهملة وهو المداد. ٣٧٠ - (١) أبو الفرج ابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادى بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (٢) ، ﵁، وبقية النسب معروف (٣) ، القرشي التيمي البكري البغدادي الفقيه الحنبلي الواعظ الملقب جمال الدين الحافظ؛ كان علاّمة عصره وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ. صنف في فنون عديدة، منها " زاد المسير في علم التفسير " أربعة أجزاء أتى فيه بأشياء غريبة، وله في الحديث تصانيف كثيرة، وله " المنتظم " في التاريخ (٤) ، وهو كبير، وله " الموضوعات "

стр. 1152

في أربعة أجزاء، ذكر فيها كل حديث موضوع، وله " تلقيح فهوم الأثر " على وضع كتاب " المعارف " لابن قتيبة (١) ، وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد. وكتب بخطه شيئاً كثيراً، والناس يغالون (٢) في ذلك حتى يقولوا (٣) : إنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس، وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل. ويقال إنه جمعت براية أقلامه التي كتب (٤) بها حديث رسول الله ﷺ فحصل منها شيء كثير، وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، ففعل ذلك، فكفت وفضل منها. وله أشعار لطيفة، أنشدني له بعض الفضلاء يخاطب أهل بغداد: عذيري من فتية بالعراق ... قلوبهم بالجفا قلب يرون العجيب كلام الغريب ... وقول القريب فلا يعجب ميازيبهم إن تندت بخيرٍ ... إلى غير جيرانهم تقلب وعذرهم عند توبيخهم ... مغنية الحي ما تطرب وله أشعار كثيرة. وكانت له في مجالس الوعظ أجوبة نادرة، فمن أحسن ما يحكى عنه أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعلي، ﵄، فرضي الكل بما يجيب به الشيخ أبو الفرج، فأقاما (٥) شخصاً سأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه، فقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته، ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك، فقالت السنة: هو أبو بكر لأن ابنته عائشة ﵂ تحت رسول الله ﷺ ، وقالت الشيعة: هو علي لأن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه

стр. 1153

وسلم، وهذا من لطائف الأجوبة، ولو حصل بعد الفكر التام وإمعان النظر كان في غاية الحسن فضلاً عن البديهة. وله محاسن كثيرة يطول شرحها. وكانت ولادته بطريق التقريب سنة ثمان، وقيل عشر وخمسمائة. وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة ببغداد ودفن بباب حرب، وتوفي والده في سنة أربع عشرة وخمسمائة رحمهما الله تعالى. وحمادى: بضم الحاء المهملة وتشديد الميم وبعد الألف دال مهملة مفتوحة وياء مفتوحة. والجوزي: بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها زاي، هذه النسبة إلى فرضة الجوز، وهو موضع مشهور (١) . ورأيت بخطي في مسوداتي أن جده كان من مشرعة الجوز، إحدى محال بغداد بالجانب الغربي، والله أعلم. وقال ابن النجار في تاريخ بغداد: كان أبو الفرج ابن الجوزي يقول: لا أتحقق مولدي غير أن والدي مات سنة أربع عشرة وقالت الوالدة: كان لك من العمر نحو ثلاث سنين. وكان والده يعمل الصفر بنهر القلايين، والله أعلم. (٩٥) وكان ولده محيي الدين أبو محمد يوسف بن عبد الرحمن محتسب بغداد وتولى تدريس المدرسة المستنصرية لطائفة الحنابلة، وكان يتردد في الرسائل إلى الملوك، وصار أستاذ دار الخلافة، ومولده ليلة السبت ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد، وتوفي في وقعة التتر قتيلاً سنة ثلاث وخمسين وستمائة. (٩٦) وكان سبطه شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلي الواعظ المشهور حنفي المذهب، وله صيت وسمعة في مجالس وعظه وقبول عند الملوك وغيرهم، وصنف تاريخاً كبيراً رأيته بخطه في أربعين مجلداً سماه " مرآة الزمان "، وتوفي ليلة الثلاثاء حادي عشرين ذي الحجة سنة أربع وخمسين وستمائة بدمشق بمنزله بجبل قاسيون ودفن هناك، ومولده سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، وكان هو يقول: أخبرتني أمي أن مولدي سنة اثنتين وثمانين (٢) .

стр. 1154

٣٧١ - (١) السهيلي أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبد الله ابن الخطيب أبي عمر أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح، وهو الداخل إلى الأندلس. - قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية (٢) : هكذا أملى علي نسبه - الخثعمي السهيلي الإمام المشهور صاحب كتاب " الروض الأنف " في شرح سيرة رسول الله ﷺ وله كتاب " التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام "، وله كتاب " نتائج الفكر " ومسألة رؤية الله تعالى في المنام، ورؤية النبي ﷺ ، ومسألة السر في عور الدجال، ومسائل كثيرة مفيدة. وقال ابن دحية: أنشدني وقال: إنه ما سأل الله تعالى بها حاجةً إلا أعطاه إياها وكذلك من استعمل إنشادها وهي: يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعد لكل ما يتوقع يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن رزقه في قول كن ... امنن فإن الخير عندك أجمع ما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ ... فبالإفتقار إليك فقري أدفع ما لي سوى قرعي لبابك حيلةٌ ... فلئن رددت فأي باب أقرع ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع حاشا لمجدك أن يقنط عاصياً ... الفضل أجزل والمواهب أوسع

стр. 1155

وأشعاره كثيرة وتصانيفه ممتعة، وكان ببلده يتسوغ بالعفاف ويتبلغ بالكفاف، حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش فطلبه إليها وأحسن إليه، وأقبل بوجه الإقبال عليه، وأقام بها نحو ثلاثة أعوام. ومولده سنة ثمان وخمسمائة بمدينة مالقة. وتوفي بحضرة مراكش يوم الخميس ودفن وقت الظهر، وهو السادس والعشرون من شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ وكان مكفوفاً. والخثعمي: بفتح الخاء الموحدة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة وبعدها ميم، هذه النسبة إلى خثعم بن أنمار، وهي قبيلة كبيرة، وفيه اختلاف. والسهيلي: بضم السين المهملة وفتح الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام، هذه النسبة إلى سهيل، وهي قرية بالقرب من مالقة، سميت باسم الكوكب لأنه لا يرى في جميع بلاد الأندلس إلا من جبل مطلٍ عليها (١) . ومالقة: بفتح الميم وبعد الألف لام مفتوحة ثم قاف مفتوحة وبعدها هاء، وهي مدينة كبيرة بالأندلس، وقال السمعاني: بكسر اللام وهو غلط (٢) .

стр. 1156

٣٧٢ - (١) أبو مسلم الخراساني أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم، وقيل عثمان، الخراساني القائم بالدعوة العباسية، وقيل هو إبراهيم بن عثمان بن يسار بن شذوس بن جودرن (٢) من ولد بزرجمهر بن البختكان (٣) الفارسي، قال له إبراهيم الإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب: غير اسمك فما يتم لنا الأمر حتى تغير اسمك، فسمى نفسه عبد الرحمن، والله أعلم. كان أبوه من رستاق فريذين من قرية تسمى سنجرد (٤) وكانت هذه القرية له مع عدة قرى، وقيل: إنه من قرية يقال لها ماخوان، على ثلاث (٥) فراسخ من مرو، وكان بعض الأحيان يجلب إلى الكوفة مواشي، ثم إنه قاطع (٦) على رستاق فريذين، فلحقه فيه عجز، وأنفذ عامل البلد إليه من يشخصه إلى الديوان، وكان له عند أذين بنداذ ابن وستجان جارية اسمها وشيكة جلبها من الكوفة، فأخذ الجارية معه وهي حامل، وتنحى عن مؤدى خراجه آخذاً إلى أذربيجان، فاجتاز على رستاق فاتق بعيسى بن معقل بن عمير أخي إدريس بن معقل جد أبي دلف العجلي فأقام عنده أياماً، فرأى في منامه

стр. 1157

كأنه جلس للبول فخرج من إحليله نار وارتفعت في السماء وسدت الأفاق وأضاءت الأرض ووقعت بناحية المشرق، فقص رؤياه على عيسى بن معقل فقال له: ما أشك أن في بطنها غلاماً، ثم فارقه ومضى إلى أذربيجان ومات بها. ووضعت الجارية أبا مسلم، ونشأ عند عيسى، فلما ترعرع اختلف مع ولده إلى المكتب، فخرج أديباً لبيباً يشار إليه في صغره. ثم إنه اجتمع على عيسى بن معقل وأخيه إدريس جد أبي دلف العجلي بقايا من الخراج تقاعدا من أجلها عن حضور مؤدى الخراج بأصبهان، فأنهى عامل أصبهان خبرهما إلى خالد بن عبد الله القسري والي العراقين، فأنفذ خالد من الكوفة (١) من حملهما إليه بعد قبضه عليهما، فتركهما خالد في السجن، فصادفا فيه عاصم بن يونس العجلي محبوساً بسبب من أسباب الفساد، وقد كان عيسى بن معقل قبل أن يقبض عليه أنفذ أبا مسلم إلى قرية من رستاق فاتق لاحتمال غلتها، فلما اتصل به خبر عيسى بن معقل باع ما كان احتمله من الغلة وأخذ ما كان اجتمع عنده من ثمنها ولحق بعيسى بن معقل، فأنزله عيسى بداره في بني عجل، وكان يختلف إلى السجن ويتعهد عيسى وإدريس ابني معقل. وكان قد قدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - مع عدة من الشيعة الخرسانية، فدخلوا على العجليين السجن مسلمين، فصادفوا أبا مسلم عندهم، فأعجبهم عقله ومعرفته وكلامه وأدبه، ومال هو إليهم ثم عرف أمرهم وأنهم دعاة، واتفق مع ذلك هرب عيسى وإدريس من السجن، فعدل أبو مسلم من دور بني عجل إلى هؤلاء النقباء، ثم خرج معهم إلى مكة، حرسها الله تعالى، فأورد النقباء على إبراهيم بن محمد الإمام - المذكور في ترجمة أبيه محمد بن علي وقد تولى الإمامة بعد وفاة أبيه - عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم، وأهدوا إليه أبا مسلم، فأعجب به وبمنطقه وعقله وأدبه، وقال لهم: هذا عضلة من العضل. وأقام أبو مسلم عند الإمام إبراهيم يخدمه حضراً وسفراً.

стр. 1158

ثم إن النقباء عادوا إلى إبراهيم الإمام وسألوه رجلاً يقوم بأمر خراسان، فقال: إني قد جربت هذا الأصبهاني وعرفت ظاهره وباطنه فوجدته حجر الأرض، ثم دعا أبا مسلم وقلده الأمر وأرسله إلى خراسان وكان من أمره ما كان. وكان إبراهيم الإمام قد أرسل إلى أهل خراسان سليمان بن كثير الحراني يدعوهم إلى أهل البيت، فلما بعث أبا مسلم أمر من هناك بالسمع والطاعة له، وأمره أن لا يخالف سليمان بن كثير، فكان أبو مسلم يختلف ما بين إبراهيم وسليمان. وقال المأمون، وقد ذكر أبو مسلم عنده: أجل ملوك الأرض ثلاثة، وهم اللذين قاموا بثقل الدول: الاسكندر وأردشير وأبو مسلم الخراساني. وكان أبو مسلم يدعو الناس إلى رجل من بني هاشم وأقام على ذلك سنين وفعل في خراسان وتلك البلاد ما هو مشهور ولا حاجة إلى الإطالة بذكره. وكان مروان بن محمد، آخر ملوك بني أمية، يحتال على الوقوف على حقيقة الأمر وأن أبا مسلم إلى من يدعو منهم، فلم يزل على ذلك حتى ظهر له أن الدعاء لإبراهيم الإمام (١) ، وكان مقيماً عند اخوته وأهله بالحميمة - الآتي ذكرها في ترجمة جده علي بن عبد الله بن العباس ﵄ فأرسل إليه وقبض عليه وأحضره إلى حران فأوصى إبراهيم بالأمر من بعده لأخيه عبد الله السفاح. ولما وصل إبراهيم إلى حران حبسه مروان بها ثم غمه بجراب طرح فيه نورة وجعل فيه رأسه وسد عليه إلى أن مات، وذلك في صفر سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل إنه قتله غير هذه القتلة لكن هذا هو الأكثر، وكان عمره إحدى وخمسين سنة، وكان دفنه هناك داخل حران. ثم صار أبو مسلم يدعو الناس إلى أبي العباس عبد الله بن محمد الملقب السفاح. وكان بنو أمية يمنعون بني هاشم من نكاح الحارثية للخبر المروي في ذلك أن هذا الأمر يتم لابن الحارثيه، فلما قام عمر بن عبد العزيز بالأمر أتاه محمد بن علي

стр. 1159

وقال: إني أردت أن اتزوج ابنة خالي من بني الحارث بن كعب، أفتأذن لي قال: تزوج من شئت، فتزوج ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الركال بن قطن بن زياد بن الحارث بن كعب، فأولدها السفاح المذكور، فتولى الخلافة (١) . ووصف المدائني أبا مسلم فقال: كان قصيراً أسمر جميلاً حلواً نقي البشرة أحور العين عريض الجبهة حسن اللحية وافرها طويل الشعرة طويل الظهر قصير الساق والفخذ خافض الصوت، فصيحاً بالعربية والفارسية حلو المنطق راوية للشعر عالماً بالأمور، لم ير ضاحكاً ولا مازحاً إلا في وقته ولا يكاد يقطب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الحوادث الفادحة (٢) فلا يرى مكتئباً، وإذا غضب لم يستفزه الغضب، ولا يأتي النساء في السنة إلا مرة واحدة، ويقول: الجماع جنون ويكفي الإنسان أن يجن في السنة مرة، وكان من أِشد الناس غيرةً [ايدخل قصره غيره، وكان في القصر كوى يطرح لنسائه منها ما يحتجن إليه، قالوا: وليلة زفت أليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه، لئلا يركبه ذكر بعدها، وقال له ابن شبرمة: أصلح الله الأمير، من أشجع الناس قال: كل قوم في إقبال دولتهم؛ وكان أقل الناس طمعاً، واكثرهم طعاماً، ولما حج نادى في الناس: برئت الذمة ممن أوقد ناراً، فكفى العسكر ومن معه أمر طعامهم وشرابهم في ذهابهم وإيابهم ومنصرفهم، وهربت الأعراب، فلم يبق في المناهل منهم أحد لما كانوا يسمعونه من سفكه الدماء: قتل في دولته ستمائة ألف صبراً، فقيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم خير أو الحجاج قال: لا أقول إن أبا مسلم خيراً من أحد، ولكن الحجاج كان شراً منه] (٣) .

стр. 1160

وقيل له: بم بلغت ما بلغت فقال: ما أخرت أمر يومي إلى غد قط. وذكر الزمخشري في كتاب " ربيع الأبرار " في باب " الأسنان وذكر الصبا والشباب " أن أبا مسلم نهض للدعوة وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال الزمخشري أيضاً في كتابه المذكور انه كان عظيم القدر - يعني أبا مسلم - وأنه قدم مرة فتلقاه ابن أبي ليلى القاضي المشهور فقبل يده، فقيل له في ذلك فقال: قد لقي أبو عبيدة ابن الجراح عمر ابن الخطاب ﵄ فقبل يده، فقيل له: أتشبه أبا مسلم بعمر فقال: أتشبهونني بأبي عبيدة (١) وكان له إخوة من جملتهم يسار جد علي بن حمزة بن عمارة بن حمزة بن يسار الأصبهاني. وكانت ولادته في سنة مائة للهجرة، والخليفة يومئذ عمر بن عبد العزيز ﵁، في رستاق فاتق، بقرية يقال لها ناوانه (٢) ، ويدعي أهل مدينة جي الأصبهانية أن مولده بها. ولما ظهر بخراسان كان أول ظهوره بمرو يوم الجمعة لتسع بقين، وقال الخطيب لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة، والوالي بخراسان يومئذ نصر بن سيار الليثي من جهة مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، فكتب نصر إلى مروان: أرى جذعاً إن يئن لم يقو ريضٌ ... عليه، فبادر قبل أن يُثني الجذع وكان مروان مشغولاً عنه بغيره من الخوارج بالجزيرة الفراتية وغيرها منهم الضحاك بن قيس الحروري وغيره فلم يجبه عن كتابه، وأبو مسلم يوم ذاك في خمسين رجلاً، فكتب إليه ثانية قول أبي مريم عبد الله بن إسماعيل البجلي الكوفي وهو من جملة أبيات كثيرة، وكان أبو مريم منقطعاً إلى نصر بن سيار وكان له مكتب بخراسان:
следующие страницы →