← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تضمنته من الكذب والتمويه، إلى أن عارضها شاعره الإيادي التونسي بقصيدته التي أولها: ربع لزينب قد درس ... واعتاض من نطق خرس وهذا الشاعر هو أبو الحسن علي بن محمد الإيادي التونسي. ولابن عبد ربه: نعق الغراب فقلت: أكذب طائرٍ ... إن لم يصدقه رغاء بعير وفيه التفات إلى قول بعضهم: لهن الوجى لم كن عونا على النوى ... ولا زال منها ظالع وحسير وما الشؤم في نعق الغراب ونعيه ... وما الشؤم إلا ناقة وبعير وله غير ذلك كل معنى مليح. وكانت ولادته في عاشر رمضان سنة ست وأربعين ومائتين، وتوفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، ودفن يوم الإثنين في مقبرة بني العباس بقرطبة، وكان قد أصابه الفالج قبل ذلك بأعوام، رحمه الله تعالى. والقرطبي - بضم القاف وسكون الراء المهمله وضم الطاء المهمله وفي آخرها الباء الوحدة - هذه النسبة إلى قرطبة، وهي مدينة كبيرة من بلاد الأندلس وهي دار مملكتها. وحُدير الذي هو أحد أجداده: بضم الحاء المهمله وفتح الدال المهمله وسكون الياء المثناة من تحتها والراء آخر الحروف.

стр. 107

٤٧ - (١) أبو العلاء المعري أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن أنوربن أسحم بن أرقم بن النعمان بن عدي بن غطفان بن عمر بن بريح بن جديمة بن تيم الله ابن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قصناعة التنوخي المعري للغوي الشاعر؛ كان متضلعاً من فنون الأدب، قرأ النحو واللغة على أبيه بالمعرة، وعلى محمد بن عبد الله بن سعد النحوي بحلب، وله التصانيف الكثيرة المشهورة والرسائل المأثورة، وله من النظم لزوم ما لا يلزم وهو كبير يقع في خمسة أجزاء أو ما يقاربها، وله سقط الزند أيضاً، وشرحه بنفسه، وسماه ضوء السقط، وبلغني أن له كتباً سماه الأيك والغصون وهو المعروف بالهمزة والردف يقارب المائة جزء في الأدب أيضاً، وحكى لي من وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتاب الهمزة والردف وقال: لا أعلم ما كان يعوزه بعد هذا المجلد. وكان علامة عصره. وأخذ عنه أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، والخطيب أبو زكريا التبريزي وغيرهما. وكانت ولادته يوم الجمعة عند مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلثمائة بالمعرة، وعمي من الجدري أول سنة سبع وستين، غشى يمنى عينيه بياض وذهبت اليسرى جملة، قال الحافظ السلفي: أخبرني أبو محمد عبد الله (٢) بن الوليد بن غريب الإيادي أنه دخل مع عمه على أبي

стр. 108

العلاء يزوره، فرآه قاعداً على سجادة لبد وهو شيخ، قال: فدعا لي ومسح على رأسي وكنت صبيا، قال: وكأني أنظر إليه الساعة وإلى عينيه إحداهما نادرة (١) والأخرى غائرة جدا، وهو مجدر الوجه، نحيف الجسم. ولما فرغ من تصنيف كتاب اللامع العزيزي في شرح شعر المتنبي وقرىء عليه أخذ الجماعة في وصفه فقال أبو العلاء: كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ الغيب حيث يقول: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم واختصر ديوان أبي تمام وشرحه وسماه ذكرى حبيب وديوان البحتري وسماه عبث الوليد وديوان المتنبي وسماه معجز أحمد وتكلم على غريب أشعارهم ومعانيها ومآخذهم من غيرهم وما أخذ عليهم، وتولى الانتصار لهم والنقد في بعض المواضع عليهم، والتوجيه في أماكن لخطئهم. ودخل بغداد سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، ودخلها ثانية سنة تسع وتسعين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى المعرة ولزم منزله، وشرع في التصنيف وأخذ عنه الناس، وسار إليه الطلبة من الآفاق، وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الأقدار، وسمى نفسه رهين المحبسين للزومه منزله ولذهاب عينيه، ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تديناً لأنه كان يرى رأي الحكماء المتقدمين وهم لا يأكلونه كي لا يذبحوا الحيوان ففيه تعذيب له وهم لا يرون الإيلام في جميع الحيوانات. وعمل الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ومن شعره في اللزوم قوله: لا تطلبن بآلةٍ لك رتبهً ... قلم البليغ بغير جد مغزل سكن السماكان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل وتوفي يوم الجمعة ثالث - وقيل: ثاني - شهر ربيع الأول، وقيل: ثالث عشره، سنة تسع وأربعين واربعمائة بالمعرة، وبلغني أنه أوصى أن

стр. 109

يكتب على قبره هذا البيت: هذا جناه أبي علي ... وما جنيت على أحد وهو أيضا متعلق باعتقاد الحكماء، فانهم يقولون: إيجاد الولد وإخراجه إلى هذا العالم جناية عليه، لأنه يتعرض للحوادث والآفات. وكان مرضه ثلاثة أيام، ومات في اليوم الرابع، ولم يكن عنده غير بني عمه فقال لهم في اليوم الثالث (١) : اكتبوا عني، فتناولوا الدوي والأقلام، فأملى عليهم غير الصواب، فقال القاضي أبو محمد عبد الله التنوخي: أحسن الله عزاءكم في الشيخ فإنه ميت؛ فمات ثاني يوم. ولما توفي رثاه تلميذه أبو الحسن علي بن همام بقوله: إن كنت لم ترق الدماء زهادة ... فلقد أرقت اليوم من جفني دماً سيرت ذكرك في البلاد كأنه ... مسك فسامعة يضمخ أو فما وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة ... ذكراك أخرج فدية من أحرما وقد أشار في البيت الأول إلى ما كان يعتقده ويتدين به من عدم الذبح كما تقدم ذكره. وقبره في ساحة من دوار أهله، وعلى الساحة باب [صغير قديم] (٢) ، وهو على غاية ما يكون من الإهمال وترك القيام بمصالحه، وأهله لايحتفلون به. والتنوخي - بفتح التاء المثناة من فوقها وضم النون المخففة وبعد الواو خاء معجمة - وهذه النسبة إلى تنوخ، وهواسم لعدة قبائل اجتمعوا قديماً بالبحرين، وتحالفوا على التناصر، وأقاموا هناك فسموا تنوخاً. والتنوخ: الإقامة، وهذه القبيلة إحدى القبائل الثلاث التي هي نصارى العرب، وهم: بهراء، وتنوخ، وتغلب. والمعري - بفتح الخميم والعين المهملة وتشديد الراء - وهذه النسبة إلى

стр. 110

معرة النعمان، وهي: بلدة صغيرة بالشام بالقرب من حماة وشيزر، وهي منسوبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، فإنه تديرها، فنسبت إليه، وأخذها الفرنج من المسلمين في محرم سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ولم تزل بأيدي الفرنج من يومئذ إلى أن فتحها عماد الدين زنكي بن آق سنقر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ومن على أهلها بأملاكهم. ٤٨ - (١) ابن شهيد أبو عامر أحمد بن أبي مروان عبد الملك بن مروان بن ذي الوزارتين الأعلى أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد الأشجعي الأندلسي القرطبي؛ هو من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهط، ذكره ابن بسام في كتاب الذخيرة، وبالغ في الثناء عليه، وأورد له طرفاً وافراً من الرسائل والنظم والوقائع. وكان من أعلم أهل الأندلس (٢) ، متفنناً بارعاً في فنونه، وبينه وبين ابن حزم الظاهري مكاتبات وماعبات، وله التصانيف الغربية البديعة، منها كتاب كشف الدك وإيضاح الشك، ومنها التوابع والزوابع، ومنها حانوت عطار، وغير ذلك. وكان فيه

стр. 111

مع هذه الفضائل كرم مفرط، وله في ذلك حكايات ونوادر ومن محاسن شعره من جملة قصيدة (١) : وتدري سباع الطير أن كماته ... إذا لقيت صيد الكماة سباع تطير جياعاً فوقه وتردها ... ظباه إلى الأوكار وهي شباع وإن كان هذا معنى مطروقاً، وقد سبقه إليه جماعة من الشعراء في الجاهلية والإسلام، لكنه أحسن في سبكه وتلطف في أخذه. ومن رقيق شعره وظريفه قوله (٢) : ولما تملأ من سكره ... ونام ونامت عيون العسس (٣) دنوت إليه على بعده ... دنو رفق درى ما التمس أدب إليه دبيب الكرى ... واسمو إليه سمو النفس وبت به ليلتي ناعماً ... إلى أن تبسم ثغر الغلس أقبل منه بياض الطلى ... وأرشف منه سواد اللعس وما ألطف قول أبي منصور علي بن الحسن المعروف بصردر في هذا المعنى، وهو قوله (٤) : وحي طرقناه على غير موعد (٥) ... فما إن وجدنا عند نارهم هدى وما غفلت أحراسهم غير أننا ... سقطنا عليهم مثلما يسقط (٦) الندى وقد استعمل هذا المعنى جماعة من الشعراء، والأصل فيه قول امرىء القيس (٧) :

стр. 112

سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال ومعظم شعره فائق. وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، وتوفي ضحى نهارالجمعة سلخ جمادى الأولى سنة ست وعشرين وأربعمائة، بقرطبة. ودفن ثاني يوم في مقبرة أم سلمة، رحمه الله تعالى. وأبوه عبد الملك مذكور في كتاب الصلة (١) . وشهيد: بضم الشين المثلثة وفتح الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة. والأشجعي - بفتح الهمزة وسكون الشين المثلثة وفتح الجيم وبعدها عين مهملة - هذه النسبة إلى أشجع بن ريث بن غطفان، وهي قبيلة كبيرة. ٤٩ - (٢) ابن فارس أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكرياء بن محمد بن حبيب الرازي اللغوي؛ كان إماماً في علوم شتى، وخصوصاً اللغة فإنه أتقنها، وألف كتابه المجمل في اللغة، وهو على اختصاره جمع شيئاً كثيراً، وله كتاب حلية الفقهاء، وله رسائل أنيقة، ومسائل في اللغة، ويعايي (٣) بها الفقهاء، ومنه اقتبس الحريري صاحب المقامات الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ذلك الأسلوب، ووضع

стр. 113

المسائل الفقهية في المقامة الطيبة، وهي مائة مسألة. وكان مقيماً بهمذان، وعليه اشتغل بديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وله أشعار جيدة، فمنها (١) قوله: مرت بنا هيفاء مجدولة (٢) ... تركية تنمى لتركي ترنو بطرف فاتر فاتنٍ (٣) ... أضعف من حجة نحوي وله أيضاً: اسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقه إياك واحذر أن تبي ... ت من الثقات على ثقه وله أيضاً: إذا كنت في حاجة مرسلاً ... وأنت بها كلف مغرم فأرسل حكيماً ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدرهم وله أيضاً: سقى همذان الغيث، لست بقائل ... سوى ذا، وفي الأحشاء نار تضرم وما لي لا أصفي الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت أعلم نسيت الذي أحسنته غير أنني ... مدين وما في جوف بيتي درهم وله أشعار كثيرة حسنة. توفي سنة تسعين وثلثمائة - رحمه الله تعالى - بالري، ودفن مقابل مشهد القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني. وقيل: إنه توفي في صفر سنة خمس وسبعين وثلثمائة بالمحمدية، والأول أشهر. والرازي - بفتح الراء المهملة وبعد الألف زاي - هذه نسبة إلى الري،

стр. 114

وهي من مشاهير بلاد الديلم، والزاي زائدة فيها كما زادوها في المروزي عند النسبة إلى مرو الشاهجان. ومن شعره أيضاً: وقالوا كيف حالك قلت خير ... تقضى حاجة وتفوت حاج إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا ... عسى يوماً يكون لها انفراج نديمي هرتي، وأنيس نفسي ... دفاتر لي، ومعشوقي السراج ٥٠ (١) أبو الطيب المتنبي أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي المعروف بالمتنبي الشاعر المشهور، وقيل: هو أحمد بن الحسين بن مرة بن عبد الجبار، والله أعلم. هو من أهل الكوفة، وقدم الشام في صباه وجال في أقطاره، واشتغل بفنون الأدب ومهر فيها، وكان من الكثيرين من نقل اللغة والمطلعين على غريبها وحوشيها، ولا يسأل عن شيء إلا واستشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر، حتى قيل: إن الشيخ أبا علي الفارسي، صاحب الإيضاح والتكملة، قال له يوماً: كم لنا من الجموع على وزن فعلي: فطالعت كتب اللغة ثلاث

стр. 115

ليال علي أن أجد لهذين الجمعين ثالثاً، فلم أجد. وحسبك من يقول في حقه أبو علي هذه المقالة. وحجلى: جمع حجل، وهو: الطائر الذي يسمى القبج. والظربي: جمع ظربان - على مثال قطران - وهي دويبة منتنة الرائحة. وأما شعره فهو في النهاية، ولا حاجة إلى ذكر شيء منه لشهرته، لكن الشيخ تاج الدين الكندي ﵀ كان يروي له بيتين لا يوجدان في ديوانه وكانت روايته لهما بالإسناد الصحيح المتصل به، فأحببت ذكرهما لغرابتهما، وهما: أبعين مفتقر إليك نظرتني ... فأهنتني وقد فتني من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنني ... أنزلت آمالي بغير الخالق (١٤) ولما كان بمصر مرض، وكان له صديق يغشاه في علته، فلما أبل أنقطع عنه، فكتب إليه: وصلتني وصلك الله معتلاً، وقطعتني مبلاً، فإن رأيت أن لا تحبب العلة إلي، ولا تكدر الصحة علي، فعلت إن شاء الله تعالى. والناس في شعره على طبقات: فمنهم من يرجحه على أبي تمام ومن بعده، ومنهم من يرجح أبا تمام عليه، وقال أبو العباس أحمد بن محمد النامي الشاعر الآتي ذكره عقيب هذا: كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبي، وكنت أشتهي أن أكون قد سبقته إلى معنيين قالهما ماسبق إليهما، أحدهما قوله: رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال والآخر قوله: في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان واعتنى العلماء بديوانه فشرحوه، وقال لي أحد المشايخ الذين أخذت عنهم: وقفت له على أكثر من أربعين شرحاً ما بين مطولات ومختصرات، ولم يفعل هذا بديوان غيره، ولاشك أنه كان رجلاً مسعوداً، ورزق في شعره السعادة التامة.

стр. 116

وإنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة، وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيدية فأسره وتفرق أصحابه وحبسه طويلاً ثم استتابه وأطلقه، وقيل غير ذلك، وهذا أصح، وقيل: إنه قال: أنا أول من تنبأ بالشعر. ثم التحق بالأمير سيف الدولة بن حمدان في سنة سبع وثلاثين وثلثمائة، ثم فارقه ودخل مصر سنة ست وأربعين وثلثمائة، ومدح كافوراً الإخشيدي وأنوجور ابن الإخشيد، وكان يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفان وفي وسط سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه وهما بالسيوف والمناطق، ولما لم يرضه هجاه وفارقه ليلة عيد النحر سنة خمسين وثلثمائة، ووجه كافور خلفه رواحل إلى جهات شتى فلم يلحق، وكان كافور وعده بولاية بعض أعماله، فلما رأى تعاليه في شعره وسموه بنفسه خافه، وعوتب فيه فقال: يا قوم، من ادعى النبوة بعد محمد ﷺ ، أما يدعي المملكة مع كافور فحسبكم. قال أبو الفتح ابن جني النحوي: كنت قرأت ديوان أبي الطيب المتنبي عليه، فقرأت عليه قوله في كافور القصيدة التي أولها: أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب حتى بلغت إلى قوله: ألا ليت شعري هل أقول قصيدة ... ولا اشتكي فيها ولا أتعتب وبي ما يذود الشعر عني أقله ... ولكن قلبي يا ابنة القوم قلب فقلت له: يعز علي، كيف يكون هذا الشعر في ممدوح غير سيف الدولة فقال: حذرناه وأنذرناه فما نفع، ألست القائل فيه: أخا الجود، أعط الناس ما أنت مالك ... ولا تعطين الناس ما أنا قائل فهو الذي أعطاني كافوراً بسوء تدبيره وقلة تمييزه. وكان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة فيتكلمون بحضرته، فوقع

стр. 117

بين المتنبي وبين ابن خالويه النحوي كلام، فوثب ابن خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح كان معه، فشجه وخرج ودمه يسيل على ثيابه، فغضب وخر إلى مصر وامتدح كافوراً. ثم رحل عنه وقصد بلاد فارس، ومدح عضد الدولة بن بويه الديلمي، فأجزل جائزته، ولما رجع من عنده قاصداً إلى بغداد ثم إلى الكوفة في شعبان لثمان خلون منه عرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي في عدة من أصحابه، وكان مع المتنبي أيضاً جماعة من أصحابه، فقاتلوهم، فقتل المتنبي وابنه مُحسد وغلامه مفلح بالقرب من النعمانية، في موضع يقال له الصافية، وقيل حيال الصافية، من الجانب الغربي من سواد بغداد عند دير العاقول بينهما مسافة ميلين. وذكر ابن رشيق في كتاب " العمدة " (١) في باب منافع الشعر ومضاره أن أبا الطيب لما فر حين رأى الغلبة قال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبدا وأنت القائل: فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم فكر راجعاً حتى قتل، وكان سبب قتله هذا البيت، وذلك يوم الأربعاء ليست بقين - وقيل: لثلاث بقين، وقيل: لليلتين بقيتا - من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلثمائة، وقيل: إن قتله كان يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان، وقيل: لخمس بقين من شهر رمضان من السنة المذكورة. ومولده في سنة ثلاث وثلثمائة بالكوفة في محلة تسمى كندة فنسب إليها، وليس هو من كندة التي هي قبيلة، بل هو جعفي القبيلة - بضم الجيم وسكون العين المهملة وبعدها فاء - وهو جعفي بن سعد العشيرة بن مذحج، واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، وإنما قيل له سعد العشيرة لأنه كان يركب - فيما قيل - في ثلثمائة من ولده وولد ولده، فإذا قيل له: من هؤلاء قال: عشيرتي، مخافة العين عليهم.

стр. 118

ويقال: إن أبا المتنبي كان سقاء بالكوفة، ثم انتقل إلى الشام بولده، ونشأ ولده بالشام، وإلى هذا أشار بعض الشعراء في هجو المتنبي حيث قال: أي فضل لشاعر يطلب الفض ... ل من الناس بكرة وعشيا عاش حيناً يبيع في الكوفة الما ... ء، وحيناً يبيع ماء المحيا وسيأتي في حرف الحاء نظير هذا المعنى لابن المعذل في أبي تمام حبيب بن أوس الشاعر المشهور. ولما قتل المتنبي رثاه أبو القاسم المظفر بن علي الطبسي بقوله: لا رعى الله سرب هذا الزمان ... إذ دهانا في مثل ذاك اللسان ما رأى الناس ثاني المتنبي ... أي ثان يرى لبكر الزمان كان من نفسه الكبيرة في جي ... ش وفي كبرياء ذي سلطان هو في شعره نبي، ولكن ... ظهرت معجزاته في المعاني والطبسي - بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وبعدها سبن مهملة - هذه النسبة إلى مدينة في البرية بين نيسابور وإصبهان وكرمان يقال لها طبس. ويحكى أن المعتمد بن عباد اللخمي صاحب قرطبة وإشبيلية أنشد يوماً في مجلسه بيت المتنبي، وهو من جملة قصيدته المشهورة (١) : إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معيي المطي ورازمه وجعل يردده استحساناً له، وفي مجلسه أبو محمد عبد الجليل بن وهبون الأندلسي، فأنشد ارتجالاً: لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما ... تجيد العطايا واللها تفتح اللها تنبأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألها وذكر الإفليلي أن المتنبي أنشد سيف الدولة بن حمدان في الميدان قصيدته التي أولها:

стр. 119

لكل امرئ من دهره ما تعودا ... وعادات سيف الدولة الطعن في العدا فلما عاد سيف الدولة إلى داره استعاده إياها، فأنشدها قاعداً، فقال بعض الحاضرين - يريد أن يكيد أبا الطيب - لو أنشدها قائماً لأسمع، فإن أكثر الناس لا يسمعون، فقال أبو الطيب: أما سمعت أولها: لكل امرئ من دهره ما تعودا ... وهذا من مستحسن الأجوبة، وبالجملة فسمو نفسه وعلو همته وأخباره وما جرياته كثيرة، والاختصار أولى. واسم ولده محسد: بضم الميم وفتح الحاء المهملة والسين المهملة المشددة وبعدها دال مهملة. ٥١ - (١) النامي الشاعر أبو العباس أحمد بن محمد الدارمي المصيصي المعروف بالنامي الشاعر المشهور؛ كان من الشعراء المفلقين، ومن فحولة شعراء عصره، وخواص مداح سيف الدولة بن حمدان، وكان عنده تلو أبي الطيب المتنبي في المنزلة والرتبة، وكان فاضلاً أديباً بارعاً عارفاً باللغة والأدب، وله أمال أملاها بحلب روى فيها عن ابي الحسن علي بن سليمان الأخفش وابن در ستويه وأبي عبد الله الكرماني وأبي بكر الصولي وإبراهيم بن عبد الرحمن العروضي وأبيه محمد المصيصي، وروى عنه أبو القاسم الحسين بن علي بن أبي أسامة الحلبي وأخوه أبو الحسين أحمد وأبو الفرج الببغاء وأبو الخطاب ابن عون الحريري (٢) وأبو بكر الخالدي

стр. 120

والقاضي أبو طاهر صالح بن جعفر الهاشمي. ومن محاسن شعره قوله فيه من جملة قصيدة (١) : أمير العلا إن العوالي كواسب ... علاءك في الدنيا وفي جنة الخلد يمر عليك الحول، سيفك في الطلى ... وطرفك ما بين الشكيمة واللبد ويمضي عليك الدهر، فعلك للعلا ... وقولك للتقوى وكفك للرفد ومن شعره أيضاً: أحقاً أن قاتلتي زرود ... وأن عهودها تلك العهود وقفت وقد فقدت الصبر حتى ... تبين موقفي أني الفقيد فشكت في عذالي فقالوا ... لرسم الدار أيكما العميد وله مع المتنبي وقائع ومعارضات في الأناشيد. وحكى أبو الخطاب ابن عون الحريري النحوي الشاعر أنه دخل على أبي العباس النامي قال: فوجدته جالساً ورأسه كالثغامة بياضاً وفيه شعرة واحد سوداء، فقلت له: ياسيدي في رأسك شعرة سوداء، فقال: نعم، هذه بقية شبابي وأنا أفرح بها ولي فيها شعر، فقلت: أنشدنيه، فأنشدني: رأيت في الرأس شعرة بقيت ... سوداء تهوى العيون رؤيتها فقلت للبيض إذ تروعها ... بالله ألا رحمت (٢) غربتها (٣) فقل لبث السوداء في وطن ... تكون فيه البيضاء ضرتها ثم قال: يا أبا الخطاب بيضاء واحدة تروع ألف سوداء، فكيف حال سوداء بين ألف بيضاء! ومن شعره - وينسب إلى الوزير أبي محمد المهلبي، وليس الأمر كذلك -: أتاني في قميص اللاذ يسعى ... عدو لي يلقب بالحبيب

стр. 121

وقد عبث الشراب بمقلتيه ... فصير خده كسنا اللهيب فقلت له بما استحسنت هذا ... لقد أقبلت في زي عجيب أحمرة وجنتيك كستك هذا ... أم أنت صبغته بدم القالوب فقال الراح أهدت لي قميصاً ... كلون الشمس في شفق المغيب فثوبي والمدام ولون خدي ... قريب من قريب من قريب وتوفي سنة تسع وتسعين وثلثمائة (١) ، وقيل: سنة سبعين أو إحدى وسبعين، بحلب، وعمره تسعون سنة، رحمه الله تعالى. والدارمي - بفتح الدال المهملة وبعد اللف راء مكسورة ثم ميم - هذهالنسبة إلى دارم بن مالك، بطن كبير من تميم. والمصيصي - بكسر الميم والصاد المهملة المشددة وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها صاد ثانية مهملة - هذه النسبةإلى المصيصة، وهي مدينة على [ساحل] البحر الرومي تجاور طرطوس والسيس وتلك النواحي، بناها صالح بن علي عم أبي جعفر المنصور في سنة أربعين ومائة بأمر المنصور. ٥٢ - (٢) بديع الزمان الهمذاني أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمذاني، الحافظ المعروف ببديع الزمان؛ صاحب الرسائل الرائقة (٣) ، والمقامات الفائقة، وعلى منواله نسج الحريري مقاماته واحتذى حذوه واقتفى أثره، واعترف في خطبته بفضله، وأنه الذي أرشده إلى سلوك ذلك المنهج، وهو أحد الفضلاء

стр. 122

الفصحاء، روى عن أبي الحسين احمد بن فارس صاحب " المجمل " في اللغة وعن غيره، وله الرسائل البديعة والنظم الميح، وسكن هراة من بلاد خراسان. فمن رسائله (١) : " الماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه. وإذا سكن متنه، تحرك نتنه. وكذلك الضيف يسمج لقاؤه، إذا طال ثواؤه، ويثقل ظله، إذا انتهى محله. والسلام ". ومن رسائله (٢) : " حضرته التي هي كعبة المحتاج، لاكعبة الحجاج. ومشعر الكرم، لا مشعر الحرم. ومنى الضيف، لا منى الخيف. وقبلة الصلات، لا قبلة الصلاة ". وله من تعزية (٣) : الموت خطب قد عظم حتى هان، ومس قد خشن حتى لان. والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها، وجنت (٤) حتى صار أصغر ذنوبها. فلتنظر (٥) يمنة، هل ترى إلا محنة ثم انظر يسرة هل ترى إلا حسرة. ومن شعره من جملة قصيدة طويلة (٦) : وكاد يحكيك صوب الغيث منسكباً ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا والدهر لو لم يخن، والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا ومن شعره في ذم همذان، ثم وجدتهما لأبي العلاء محمد بن [علي بن] حسول الهمذاني: همذان لي بلد أقول بفضله ... لكنه من أقبح البلدان صبيانه في القبح مثل شيوخه ... وشيوخه في العقل (٧) كالصبيان وله كل معنى مليح حسن من نظم ونثر.

стр. 123

وكانت وفاته سنة ثمان وتسعين وثلثمائة مسموماً بمدينة هراة، رحمه الله تعالى. ثم وجدت في آخر رسائله التي جمعها الحاكم أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن دوست ما مثاله: هذا آخر الرسائل، وتوفي رحمة الله تعالى بهراة يوم الجمعة الحادي عشر من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وثلثمائة؛ قال الحاكم المذكور: وسمعت الثقات يحكون أنه مات من السكنة وعجل دفنه، فأفاق في قبره وسمع صوته بالليل، وأنه نبش عنه فوجدوه قد قبض على لحيته ومات من هول القبر. ٥٣ - (١) ابن طباطبا أبو القاسم أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم ابن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، ﵁، الشريف الحسني الرسي (٢) المصري؛ كان نقيب الطالبين بمصر، وكان من أكابر رؤسائها، وله شعر مليح في الزهد والغزل وغير ذلك، وذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب اليتيمة وذكر له مقاطيع، ومن جملة ما أورد له قوله: خليلي إني للثريا لحاسد ... وإني على ريب الزمان لواجد أيبقي جميعاً شملها وهي ستة ... وأفقد من أحببته وهو واحد وأورد له أيضاً، وذكرها في أوائل الكتاب لذي القرنين بن حمدان، قوله: قالت لطيف خيال زارني ومضى ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد

стр. 124

فقال أبصرته لو مات من ظمإ ... وقلت قف عن ورود الماء (١) لم يرد قالت صدقت الوفا في الحب (٢) عادته ... يا برد ذلك الذي قالت على كبدي وله غير هذا أشياء حسنة. ومن شعره المنسوب إليه في طول الليل، وهو معنى غريب: كأن نجوم الليل سارت نهارها ... فوافت عشاء وهي أنضاء أسفار وقد خيمت كي يستريح ركابها ... فلا فلك جار ولا كوكب ساري ثم وجدت هذين البيتين في ديوان أبي الحسن ابن طباطبا من جملة قصيدة طويلة. ونقلت من ديوان أبي الحسن المذكور من جملة أبيات: بانوا وأبقوا في حشاي لبينهم ... وجداً إذا ظعن الخليط أقاما لله أيام السرور كأنما ... كانت لسرعة مرها أحلاما لو دام عيش رحمةً لأخي هوًى ... لأقام لي ذاك السرور وداما يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا ... عاماً ورد من الصبا أياما ولا أدري من هذا أبو الحسن، ولا وجه النسبة بينه وبين أبي القاسم المذكور، والله أعلم. وذكره الأمير المختار المعروف بالمسبحي في تاريخ مصر وقال: توفي في سنة خمس وأربعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى؛ وزاد غيره: ليلة الثلاثاء لخمس بقين من شعبان، ودفن في مقبرتهم خلف المصلى الجديد بمصر، وعمره أربع وستون سنة. وطباطبا - بفتح الطاءين المهملتين والباءين الموحدتين - وهو لقب جده إبراهيم، وإنما قيل له ذلك لأنه كان يلثغ فيجعل القاف طاء، وطلب يوماً ثيابه، فقال له غلامه: أجيء بدراعة فقال: لا، طباطبا، يرد قبا قبا،

стр. 125

فبقي عليه لقباً، واشتهر به (١) . والرسي: بفتح الراء والسين المشددة المهملة، قال ابن السمعاني: هذه نسبة إلى بطن من بطون السادة العلوية. ٥٤ - (٢) أبو الرقعمق أبو حامد أحمد بن محمد الأنطاكي المنبور بأبي الرقعمق الشاعر المشهور؛ ذكره الثعالبي في اليتيمة فقال في حقه: هو نادرة الزمان، وجملة الإحسان، وممن تصرف بالشعر في أنواع الجد والهزل، وأحرز قصب الفضل، وهو أحد المداح المجيدين، والشعراء المحسنين، وهو بالشام كابن حجاج بالعراق. فمن غرر محاسنه قوله يمدح أبا الفرج يعقوب بن كلس وزير العزيز بن المعز العبيدي صاحب مصر، وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى: قد سمعنا مقاله واعتذاره ... وأقلناه ذنبه وعثاره والمعاني لمن عنيت ولكن ... بك عرضت فاسمعي يا جاره من تراديه أنه أبد الده ... ر تراه محللاً أزراره عالم أنه عذاب من الل ... هـ متاح لأعين النظاره هتك الله ستره فلكم هت ... ك من ذي تستر أستاره سحرتني ألحاظه وكذا ك ... ل مليح ألحاظه سحاره ما على مؤثر التباعد والإع ... راض لو آثر الرضى والزياره

стр. 126

وعلى أنني وإن كان قد ع ... ذب بالهجر مؤثر إيثاره لم أزل لا عدمته من حبيب ... أشتهي قربه وآبى نفاره ومن مديحها: لم يدع لي العزيز في سائرالأر ... ض عدواً إلا وأخمد ناره كل يوم له على نوب الده ... ر وكر الخطوب بالبذل غاره ذو يد شأنها الفرار من البخ ... ل وفي حومة الندى كراره هي فلت عن العزيز عداه ... بالعطايا وكثرت أنصاره هكذا كل فاضل يده تم ... سي وتضحي نفاعة ضراره فاستجره فليس يأمن إلا ... من تفيا ظلاله واستجاره وإذا ما رأيته كطرقاً يع ... مل فيما يريده أفكاره لم يدع بالذكاء والذهن شيئاً ... في ضمير الغيوب إلا أثاره لا ولا موضعاً من الأرض إلا ... كان بالرأي مدركاً أقطاره زاده الله بسطة وكفاه ... خوفة من زمانه وحذاره وأكثر شعره جيد، وهو على أسلوب شعر صريع الدلاء القصار البصري. وأقام بمصر زماناً طويلاً، ومعظم شعره في ملوكها ورؤسائها، ومدح بها المعز أبا تميم معد بن المنصور بن القائم بن المهدي عبد الله، وولده العزيز، والحاكم بن العزيز، والقائد جوهراً، والوزير أبا الفرج ابن كلس، وغيرهم من أعيانها، وكل هؤلاء الممدوحين سيأتي ذكرهم في تراجمهم إن شاء الله تعالى. وذكره الأمير المختار المسبحي في تاريخ مصر وقال: توفي سنة تسع وتسعين وثلثمائة، وزاد غيره: في يوم الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان، وقيل: في شهر ربيع الآخر، رحمه الله تعالى؛ وأظنه توفي بمصر. والأنطاكي - بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الطاء المهملة وبعد الألف كاف - هذه النسبة إلى أنطاكية وهي مدينة بالشام بالقرب من حلب. والرقعمق - بفتح الراء والقاف وسكون العين المهملة وفتح الميم وبعدها قاف - وهو لقب عليه.

стр. 127

٥٥ - (١) جحظة البرمكي أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك المعروف بجحظة البرمكي النديم؛ كان فاضلاً صاحب فنون وأخبار ونجوم ونوادر ومنادمة، وقد جمع أبو نصر ابن المرزبان أخباره وأشعاره، وكان من ظرفاء عصره، وهو من ذرية البرامكة، وله الأشعار الرائقة، فمن شعره قوله: أنا ابن أناس مول الناس جودهم ... فأضحوا حديثاً للنوال المشهر فلم يخل من إحسانهم لفظ مخبر ... ولم يخل من تقريظهم بطن دفتر وله أيضاً: فقلت لها بخلت علي يقظى ... فجودي في المنام لمستهام فقالت لي وصرت تنام أيضا ... وتطمع أن أزورك في المنام وله أيضاً: أصبحت بين معاشرٍ هجروا الندى ... وتقبلوا الأخلاق من أسلافهم قوم أحاول نيلهم فكأنما ... حاولت نتف الشعر من آنافهم هات اسقنيها بالكبير وغنني ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم وله أيضاً: يا أيها الركب الذي ... ن فراقهم إحدى البليه

стр. 128

وصيكم الصب المقي ... م بقلبه خير الوصيه وله أيضاً: وقائلة لي كيف حالك بعدنا ... أفي ثوب مثرٍ أنت أم ثوب مقتر فقلت لها لا تسأليني فإنني ... أروح وأغدو في حرامٍ مقتر وله ديوان شعر أكثره جيد، وقضاياه مشهورة، ومن أبياته السائرة قوله: ورق الجو حتى قيل هذا ... عتاب بين جحظة والزمان ولابن الرومي فيه، وكان مشوه الخلق: نبئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان وارحمتا لمنادميه تحملوا ... ألم العيون للذة الآذان وتوفي سنة ست وعشرين وثلثمائة، وقيل: سنة أربع وعشرين، بواسط، وقيل: حمل تابوته من واسط إلى بغداد، رحمه الله تعالى. وجحظة - بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الظاء المعجمة وبعدها هاء - وهو لقب عليه لقبه به عبد الله بن المعتز. قال الخطيب: وكانت ولادته في شعبان سنة أربع وعشرين ومائتين. وله ذكر في تاريخ بغداد، وفي كتاب " الأغاني ".

стр. 129

٥٦ - (١) ابن دراج القسطلي أبو عمر أحمد بن محمد بن العاصي بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن دراج الأندلسي القسطلي الشاعر الكاتب؛ كان كاتب المنصور بن أبي عامر وشاعره، وهو معدود في تاريخ الأندلس من جملة الشعراء المجيدين والعلماء المتقدمين، ذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر، وقال في حقه: كان بصقع الأندلس كالمتنبي بصقع الشام، وهو احد الشعراء الفحول، وكان يجيد ما ينظم ويقول، واورد له أشعاراً حسنةً، وذكره أبو الحسن ابن بسام في كتاب الذخيرة، وساق طرفاً من رسائله ونظمه، ونقلت من ديوانه - وهو جزءان - أن المنصور بن أبي عامر أمره أن يعارض قصيدة أبي نواس الحكمي التي مدح بها الخطيب بن عبد الحميد (٢) صاحب الخراج بمصر التي أولها: أجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير فعارضها بقصيدة بليغة، من جملتها (٣) : ألم تعلمي أن الثواء هو التوى ... وأن بيوت العاجزين قبور تخوفني طول السفار، وإنه ... لتقبيل كف العامري سفير

стр. 130

دعيني أرد ماء المفاوز آجناً ... إلى حيث ماء المكرمات نمير فإن خطيرات المهالك ضمن ... لراكبها أن الجزاء خطير ومنها في وصف وداعه لزوجته وولده الصغير: ولما تدانت للوداع وقد هفا ... بصبري منها أنة وزفير تناشدني عهد المودة والهوى ... وفي المهد مبغوم النداء صغير عيي بمرجوع الخطاب ولحظه ... بموقع أهواء النفوس خبير تبوأ ممنوع القلوب ومهدت ... له أذرع محفوفة ونحور فكل مفداة الترائب مرضع ... وكل محياة المحاسن ظير عصيت شفيع النفس فيه وقادني ... رواح لتدآب السرى وبكور وطار جناح البين بي وهفت بها ... جوانح من ذعر الفراق تطير لئن ودعت مني غيوراً فإنني ... على عزمتي من شجوها لغيور ولو شاهدتني والهواجر تلتظي ... علي ورقراق السراب يمور أسلط حر الهاجرات إذا سطا ... على حر وجهي والأصيل هجير وأستنشق النكباء وهي لوافح ... وأستوطىء الرمضاء وهي تفور وللموت في عين الجبان تلون ... وللذعر في سمع الجريء صفير لبان لها أني من البين جازع ... وأني على مضى الخطوب صبور أمير على غول التنائف ماله ... إذا ريع إلا المشرفي وزير ولو بصرت بي والسرى جل عزمتي ... وجرسي لجنان الفلاة سمير وأعتسف الموماة في غسق الدجى ... وللأسد في غيل الغياض زئير وقد حومت زهر النجوم كأنها ... كواكب في خضر الحدائق حور ودارت نجوم القطب حتى كأنها ... كؤوس مها (١) والى بهن مدير وقد خيلت طرق المجرة انها ... على مفرق الليل البهيم قتير (٢) وثاقب عزمي والظلام مروع ... وقد غضن أجفان النجوم فتور

стр. 131

لقد أيقنت أن المنى طوع همتي ... وأني بعطف العامري جدير وهي طويلة، وفي هذا القدر منها كفاية. وإذا قد ذكرت هذه القصيدة فينبغي أن أذكر شيئاً من قصيدة أبي نواس التي وازنها أبو عمر؛ وكان أبو نواس قد خرج من بغداد قاصداً مصر ليمدح أبا نصر الخطيب بن عبد الحميد صاحب ديوان الخراج بها، فأنشده هذه القصيدة، وذكر المنازل التي مر عليها في طريقه، وقد ذكرت منها بيتاً في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزي، ولا حاجة إلى ذكر جميعها فإنها طويلة، ولكن أذكر الذي أختاره منها، فمن ذلك (١) : تقول التي من بيتها خفف محملي (٢) ... عزيز علينا أن نراك تسير أما دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى من جريهن غدير ذريني أكثر حاسديك برحلةٍ ... إلى بلدة فيها الخطيب أمير إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتى بعد الخطيب تزور فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور ومنها أيضاً: فمن كان (٣) أمسى جاهلاً بمقالتي ... فإن أمير المؤمنين خبير وما زلت توليه النصيحة يافعاً ... إلى أن بدا في العارضين قتير إذا هاله (٤) أمر فإما كفيته ... وإما عليه بالكفي تشير ثم شرع من ههنا في ذكر المنازل، ثم قال في أواخرها:

стр. 132

زها بالخصيب السيف والرمح في الوغى ... وفي السلم يزهو منبر وسرير جواد إذا الأيدي قبضن عن الندى ... ومن دون عورات النساء غيور فإني جدير إن بلغتك للغنى ... وأنت لما أملت منك جدير فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور ثم مدحه بعد هذه بعدة قصائد، ويقال إنه لما عاد إلى بغداد مدح الخليفة، فقيل له: وأي شيء تقول فينا بعد أن قلت في بعض نوابنا: إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... البيتان المذكوران؛ فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وأنشد يقول: إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني وإن جرت الألفاظ منا بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني ومن شعر أبي عمر المذكور من جملة أبيات (١) : إن كان واديك ممنوعاً فموعدنا ... وادي الكرى فلعلي فيه ألقاك وقد ألم في هذا البيت بقول الآخر: هل سبيل إلى لقائك بالجز ... ع فإن الحمى كثير الوشاة وكانت ولادته في المحرم سنة سبع وأربعين وثلثمائة (٢) ، وتوفي ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة بقيت (٣) من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 133

ودراج - بفتح الدال المهملة وفتح الراء المشددة وبعد اللف جيم - وهو اسم جده. والقسطلي - بفتح القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وتشديد اللام - هذه النسبة إلى قسطلة (١) ، وهي مدينة بالأندلس يقال لها قسطلة دراج، ولا أعلم أهي منسوبة إلى جده دراج المذكور أم إلى غيره، والله سبحانه أعلم. ٥٧ - (٢) ابن زيدون أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن احمد بن غالب بن زيدون المخزومي الندلسيالقرطبي الشاعر المشهور؛ قال ابن بسام صاحب الذخيرة في حقه: كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم. أخذ من حر الأيام حراً (٣) ، وفاق الأنام طراً، وصرف السلطان نفعاً وضراً، ووسع البيان نظماً ونثراً. إلى اديب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر اقترانه. وحظ من النثر غريب المياني، شعري الألفاظ والمعاني. وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة، وبرع أدبه،

стр. 134

وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه. ثم انتقل عن قرطبة إلى المعتضد عباد صاحب إشبيلية في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، فجعله من خواصه: يجالسه في خلواته، ويركن إلى إشاراته. وكان معه في صورة وزير. وذكر له شيئاً كثيراً من الرسائل والنظم، فمن ذلك قوله: بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع يا بائعاً حظه مني، ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع يكفيك أنك إن حملت قلبي ما ... لا تستطيع قلوب الناس يستطع ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن ... وول أقبل وقل أسمع ومر أطع ومن شعره أيضاً: ودع الصبر محب ودعك ... ذائع من سرع ما استودعك يقرع السن على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطا إذ شيعك يا أخا البدر سناء وسناً ... حفظ الله زماناً أطلعك إن يطل بعدك ليلي فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك وله القصائد الطنانة، ولولا خوف الإطالة لذكرت بعضها. ومن بديع قلائده قصيدته النونية التي منها: نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا حالت لبعدكم (١) أيامنا فغدت ... سودا وكانت بكم بيضاً ليالينا بالأمس كناوما يخشى تفرقنا ... واليوم نحن وما يرجى تلاقينا وهي طويلة، وكل أبياتها نخب، والتطويل يخرج بنا عن المقصود. وكانت وفاته في صدر رجب سنة ثلاث وستين وأربعمائة بمدينة إشبيلية، رحمه الله تعالى، ودفن بها.

стр. 135

(٤) وذكر ابن بشكوال في كتاب " الصلة " (١) أباه وأثنى عليه، وقال: كان يكنى أبا بكر. وتوفي بالبيرة سنة خمس وأربعمائة، وسيق إلى قرطبة فدفن بها يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر من السنة. وكانت ولادته سنة أربع وخمسين وثلثمائة. وكان يخضب بالسواد، رحمه الله تعالى. (٥) وكان لأبي الوليد المذور ابن يقال له أبو بكر (٢) ، وتولى وزارة المعتمد بن عباد، وقتل يوم أخذ يوسف بن تاشفين قرطبة من ابن عباد المذكور لما استولى على مملكته، كما سيشرح بعد هذا في ترجمة المعتمد وابن ناشفين إن شاء الله تعالى، وذلك يوم الأربعاء ثاني صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وكان قتله بقرطبة. وزيدون: بفتح الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الدال المهملة وعدها واو ونون. واما القرطبي فقد تقدم الكلام في ضبطه فلا حاجة إلى إعادته، وذلك في ترجمة أحمد بن عبد ربه، مصنف كتاب العقد، وأخذها الفرنج من المسلمين في شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. ٥٨ - (٣) ابن الأبار الخولاني أبو جعفر أحمد بن محمد الخولاني الأندلسي الإشبيلي المعروف بابن الأبار

стр. 136

الشاعر المشهور؛ كان من شعراء المعتضد عباد بن محمد اللخمي صاحب إشبيلية، المجيدين في فنونه، وكان عالماً فجمع وصنف، وله في صناعة النظم فضل لايرد، وإحسان لايعد، فمن محاسن شعره قوله: لم تدر ما خلدت عيناك في خلدي ... من الغرام ولا ما كابدت كبدي أفديه من زائر رام الدنو فلم ... يسطعه من غرق في الدمع متقد خاف العيون فوافاني على عجل ... معطلا جيده إلا من الجيد عاطيته الكأس فاستحيت مدامتها ... من ذاك الشنب لعسول والبرد حتى إذا غازلت أجفانه سنة ... وصيرته بيد الصهباء طوع يدي أردت توسيده خدي وقل له ... فقال: كفك عندي أفضل الوسد فبات في حرم لا غدر يذعره ... وبت ظمآن لم أصدر ولم أرد بدر ألم وبدر التم ممتحق ... والأفق محلولك الأرجاء من حسد تحير الليل منه أين مطلعه ... أما درى الليل أن البدر في عضدي [وله أبيات ثابتة في المجموع الكبير بخطي في الكراس المنقول بالإسكندرية] (١) وله على هذا الأسلوب مقاطيع ملاح، وله ديوان شعر، وذكره ابن بسام في " الذخيرة ". وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. والأبار: بفتح الهمزة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف راء. والخولاني - بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبعد اللام ألف ونون - هذه النسبة إلى خولان بن عمرو، وهي قبيلة كبيرة نزلت الشام. والإشبيلي: نسبة إلى إشبيلية - بكسر الهمزة وسكون الشين المثلثة وكسر الباء الموحة وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر اللام وفتح الياء تحتها نقطتان وبعدها هاء - وهي من اعظم بلا الأندلس.

стр. 137

٥٩ - (١) المنازي الكاتب أبو نصر احمد بن يوسف السليكي المنازي الكاتب؛ كان من أعيان الفضلاء وأماثل الشعراء، وزرلأ بي نصر أحمد بن مروان الكردي، صاحب ميافارقين وديار بكر - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى -. وكان فاضلاً شاعراً كافياً، وترسل إلى القسطنطينية مراراً، وجمع كتباً كثيرة ثم وقفها على جامع ميافارقين وجامع آمد، وهي إلى الآن موجودة بخزائن الجامعين، ومعروفة بكتب المنازي. وكان قد اجتمع بأبي العلاء المعري بمعرة النعمان، فشكا أبو العلاء إليه حاله، وأنه منقطع عن الناس وهم يؤذنه، فقال: مالهم ولك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة فقال أبو العلاء: والآخرة أيضاً! وجعل يكررها، ويتألم لذلك، وأطرق فلم يكلمه إلى أن قام، وكان قد اجتاز في بعض أسفاره بوادي بزاعا فأعجبه حسنه وما هو عليه، فعمل فيه هذه الأبيات (٢) : وقانا لفحه الرمضاء واد ... وقاه مضاعف النبت (٣) العميم نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمإ زلالاً ... ألذ من المدامة للنديم

стр. 138

يراعي الشمس أنى قابلته (١) ... فيحجبها ويأذن للنسيم تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم وهذه الأبيات بديعة في بابها. وذكره أبو المعالي الحظيري في كتاب " زينة الدهر " (٢) وأورد له شيئاً من شعره، فمما أورد له قوله: ولي غلام طال في دقة ... كحظ إقليدس (٣) لا عرض له وقد تناهى عقله خفة (٤) ... فصار كالنقطة لا جزء له ويوجد له بأيدي الناس مقاطيع. وأما ديوانه فعزيز الوجود، وبلغني أن القاضي الفاضل (٥) - رحمه الله تعالى - أوصى بعض الأدباء السفارة أن يحصل له ديوانه، فسأل عنه في البلاد التي انتهى إيها فلم يقع له على خبر، فكتب إلى القاضي الفاضل كتاباً يخبره بعدم قدرته عليه، وفيه أبيات من جملتها عجز بيت وهو: وأقفرمن شعر المنازي المنازل ... وكانت وفاته سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. والمنازي - بفتح الميم والنون، وبعد اللف زاي - هذه النسبة إلى مناز جرد - بزيادة جيم مكسورة وبعدها راء ساكنة ثم دال مهملة - وهي مدينة عند خرت برت، وهي غير مناز كرد القلعة من أعمال خلاط - وسيأتي ذكرها في ترجمة تقي الدين عمر صاحب حماة -.

стр. 139

وخرت برت: هي حصن زياد المشهور. وبزاعا - بضم الباء الموحدة وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة ثم ألف - وهي قرية كبيرة مابين حلب ومنبج في نصف الطريق. ٦٠ - (١) ابن الخياط الدمشقي أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التغلبي المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقي الكاتب؛ كان من الشعراء المجيدين، طاف البلاد، وامتدح الناس، ودخل بلاد العجم وامتدح بها، ولما اجتمع بأبي الفتيان ابن حيوس الشاعر المشهور بحلب وعرض عليه شعره قال: قد نعاني هذا الشاب إلى نفسي، فقلما نشأ ذو صناعة ومهر فيها إلا وكان دليلاً على موت الشيخ منأ بناء جنسه، ودخل مرة إلى حلب وهو رقيق الحال لا يقدر على شيء، فكتب إلى ابن حيوس المذكور يستمنحه (٢) شيئا من بره بهذين البيتين (٣) : لم يبق عندي ما يباع بحبة ... وكفاك علما منظري عن مخبري إلا بقية ماء وجه صنتها ... عن أن تباع وأين أين المشتري فلما وقف عليهما ابن حيوس قال: لو قال وأنت نعم المشتري لكان أحسن. ولا حاجة إلى ذكر شيء من شعره لشهرة ديوانه، ولو لم يكن له إلا

стр. 140

قصيدته البائية التي أولها (١) : خذا من صبا نجد أماناً لقلبه ... فقد كاد رياها يطير بلبه لكفاه، وأكثر قصائده غرر، وتتمة هذه القصيدة: وإياكما ذاك النسيم فإنه ... متى هب كان الوجد أيسر خطبه خليلي لو أحببتما لعلمتما ... محل الهوى من مغرم القلب صبه تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحب يصبه غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوق على بعد المزار وقربه وفي الركب مطوي الضلوع على جوى ... متى يدعه داعي الغرام يلبه إذا خطرت من جانب الرمل نفحة ... تضمن منها داؤه دون صحبة ومحتجب بين الأسنة معرض ... وفي القلب من غراضه مثل حجبه أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذراً وخوفاً أن تكون لحبه وهي طويلة فنقتصر منها على هذا القدر. ومن شعره أيضا قوله (٢) : سلوا سيف الحاظه الممتشق ... أعند القلوب دم للحق أما من معين ولا عاذر ... إذا عنف الشوق يوما رفق تجلى لنا صارم المقلتي ... ن مضنى (٣) الموشح والمنتظق من الترك ما سهمه إذ رمى ... بأفتك من طرفه إذ رمق وليلة وافيته (٤) زائراً ... سمير السهاد ضجيع القلق دعتني المخافة من فتكه ... إليه، وكم مقدم من فرق وقد راضت الكأس أخلاقه ... ووقر بالسكر منه النزق

стр. 141

وحق العناق فقبلته ... شهي المقبل والمعتنق وبت أخالج فكري به ... أزور طراً أم خيال طرق أفكر في الهجر كيف انقضى ... وأعجب للوصل كيف اتفق وللحب ما عز مني وهان ... وللحسن ما جل منه ودق ويعجبني من شعره بيتان من جملة قصيدة، وهما في غاية الرقة (١) : وبالجزع حي كلما عن ذكرهم ... أمات الهوى مني فؤاداً وأحياه تمنيتهم بالرقمتين ودارهم ... بوادي الغضا يا بعد ما أتمناه ومن شعره أيضاً يعتب على أهله وأصحابه (٢) : يا من بمجتمع الشطين إن عصفت ... بكم رياحي فقد قدمت أعذاري لا تنكرن رحيلي عن دياركم ... ليس الكريم على ضيم بصبار وله أيضاً (٣) : أتظنني لا أستط ... يع أحيل عنك الدهر ودي من ظن أن لا بد من ... هـ فإن منه ألف بد وكانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة بدمشق، وتوفي بها في حاي عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وقيل: إنه مات في سابع عشر شهر رمضان، والأول أصح.

стр. 142

٦١ - (١) الميداني أبو الفضل أحمد بن محمد بن احمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري الأديب، كان فاضلاً عارفاً باللغة، اختص بصحبة أبي الحسن الواحدي صاحب التفسير، ثم قرأ على غيره، وأتقن فن العربية خصوصاً اللغة وأمثال العرب، وله فيها التصانيف المفيدة، منها كتاب الأمثال المنسوب إليه ولم يعمل مثله في بابه، وكتاب السامي في الأسامي وهو جيد في بابه، وكان قد سمع الحديث ورواه، وكان ينشد كثيراً وأظنهما له: تنفس صبح الشيب في ليل عارضي ... فقلت عساه يكتفي بعذاري فلما فشا عاتبته فأجابني ... ألا هل ترى صبحاً بغير نهار وتوفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثماني عشرة وخمسمائة بنيسابور، ودفن على باب ميدان زياد. والميداني - بفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى ميدان زياد بن عبد الرحمن، وهي محلة في نيسابور. وابنه أبو سعد سعيد بن أحمد كان أيضاً فاضلاً ديناً، وله كتاب الأسماء في الأسماء (٢) ، وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 143

٦٢ - (١) ابن الخازن الكاتب أبو الفضل أحمد بن محمد بن الفضل بن عبد الخالق المعروف بابن الخازن، الكاتب الشاعر الدينوري الصل البغدادي المولد والوفاة؛ كان فاضلاً نادرة في الخط أوحد وقته فيه، وهو والد ابي الفتح نصر الله الكاتب المشهور، كتب من المقامات نسخاً كثيرة وهي موجودة بأيدي الناس، واعتني بجمع شعر والده فجمع منه ديواناً، وهو شعر جيد حسن السبك جميل المقاصد، فمن ذلك قوله، وهو من المعاني البديعة: من يستقم يحرم مناه، ومن يزغ ... يختص بالإسعاف والتمكين انظر إلى الألف استقام ففاته ... عجم وفاز به اعوجاج النون وله أيضاً: من لي بأسمر حجبوه بمثله ... في لونه والقد والعسلان من رامه فليدرع صبراً على ... طرف السنان وطرفه الوسنان راح الصبا تثنيه لا ريح الصبا ... سكران بي من حبه سكران طرف كطرف جامح مرحمتى ... أرسلت فضل عنانه عناني وله أيضاً: أيا عالم الأسرار إنك عالم ... بضعف اصطباري عن مداراة خلقه ففتر غرامي فيه تفتير لحظه ... وأحسن عزائي فيه تحسين خلقه فحمل الرواسي دون ما أنا حامل ... بقلبي المعنى من تكاليف عشقه

стр. 144

وكتب إلى الحكيم أبي القاسم الهوازي، وقد فصده فآلمه: رحم الإله مجدلين سليمهم ... من ساعديك مبضع بالمبضع فعصائب تأتيهم بمصائب ... نشرت فتطوي أذرعاً في الأذرع أفصدتهم بالله أم أقصدتهم ... وخزاً بأطراف الرماح الشرع دست المباضع أم كنانة أسهم ... أم ذو الفقار مع البطين الأنزع غرراً بنفسي إن لقيتك بعدها ... يا عنتر العبسي غير مدرع وكان الحكيم المذكور قد أضافه يوماً وزاد في خدمته، وكان في داره بستان وحمام فأدخله إليهما، فعمل أبو الفضل المذكور: وافيت منزله فلم أرحاجباً ... إلا تلقاني بسن ضاحك والبشر فيوجه الغلام أمارة ... لمقدمات حياء وجه المالك ودخلت جنته وزرت جحيمه ... فشكرت رضواناً ورأفة مالك ثم إني وجدت هذه الأبيات للحكيم أبي القاسم هبة الله بن الحسين بن علي الأهوازي الطبيب الأصبهاني، ذكرها العماد الكاتب في الخريدة له، وقال: توفي سنة نيف وخمسين وخمسمائة، وذكرها في ترجمة أبي الفضل ابن الخازن المذكور، والله أعلم لمن هي منهما. ومن شعره أيضاً -[أعني ابن الخازن]-: وأهيف ينميه إلى العرب لفظه ... وناظره الفتان يعزي إلى الهند تجرعت كأس الصبر من رقبائه ... لساعة وصل منه أحلى من الشهد وهادنت أعماماً له وخؤولةً ... سوى واحد منهم غيور على الخد كنقطة مسك أودعت جلنارة ... رأيت بها غرس البنفسج في الورد [وكان أبو بكر الخوارزمي يروي لمعاً من شعره كقوله في وصف العيار

стр. 145

وذكر أنه لم يسمع في معناه أملح منه وهو: إن هذا العيار ألبس عطفي ... عسلياً وديني التوحيد] وله أيضاً: وافى خيالك فاستعارت مقلتي ... من أعين الرقباء غمض مروع ما استكملت شفتاي لثم مسلمٍ ... منه ولا كفاي ضم مودع وأظنهم فطنوا فكل قائل ... لو لم يزره خيالها لم يهجع فانصاع يسرق نفسه فكأنما ... طلع الصباح بها وإن لم يطلع وجل شعره مشتمل على معان حسان. وكانت وفاته في صفر سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وعمره سبع وأربعون سنة، وقال الحافظ ابن الخوري في كتابه المنتظم: توفي سنة اثنتيي عشرة وخمسمائة، والله أعلم، رحمه الله تعالى. وكان ولده أبو الفتح نصر الله المذكور حياً في سنة خمس وسبعين وخمسمائة ولم أقف على تاريخ وفاته. ٦٣ - (١) ناصح الدين الأرجاني أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني الملقب ناصح الدين؛ - كان قاضي تستر وعسكر مكرم -، وله شعر رائق في نهاية الحسن، ذكره العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة فقال: كان الأرجاني في عنفوان عمره
следующие страницы →