٢٩ - (١)
النسائي
أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي، الحافظ؛ كان إمام أهل عصره في الحديث، وله كتاب السنن، وسكن بمصر وانتشرت (٢) بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس.
قال محمد بن إسحاق الأصبهاني: سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وماروي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج (٣) رأساً برأس، حتى يفضل وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك. وكان يتشيع، فمازالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد، وفي روية أخرى: يدفعون في خصييه وداسوه، ثم حمل إلى الرملة فمات بها.
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: لما امتحن النسائي بدمشق، قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها فتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة. وكانت وفاته في شعبان من سنة ثلاث وثلثمائة.
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: لما داسوه بدمشق مات بسبب ذلك الدوس، وهو منقول، قال: وكان قد صنف كتاب الخصائص في فضل علي بن أبي طالب ﵁ وأهل البيت، وأكثر رواياته فيه عن أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى. فقيل له: ألا تصنف كتاباً في فضائل الصحابة رضي
стр. 72
الله عنهم، فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي ﵁ كثير، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان موصوفاً بكثرة الجماع.
قال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر الدمشقي (١) : كان له أربع زوجات يقسم لهن وسراري، وقال الدارقطني: امتحن بدمشق، فأدرك الشهادة، رحمه الله تعالى.
وتوفي يوم الاثنين، لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، سنة ثلاث وثلثمائة بمكة، حرسها الله تعالى، وقيل: بالرملة من أرض فلسطين.
وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس، صاحب تاريخ مصر، في تاريخه: إن أبا عبد الرحمن النسائي قدم مصر قديماً، وكان إماما في الحديث، ثقة ثبتا حافظا، وكان خروجه من مصر في ذي القعدة، سنة اثنتين وثلثمائة.
ورأيت بخطي في مسوداتي أن مولده بنسأ في سنة خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة ومائتين، والله تعالى أعلم.
ونسبته إلى نسأ - بفتح النون وفتح السين المهملة وبعدها همزة - وهي مدينة بخراسان خرج منها جماعة من الأعيان.
٣٠ - (٢)
القدوري
أبو الحسين أحمد بن محمد بن احمد بن جعفر بن حمدان الفقيه الحنفي، المعروف بالقدوري؛ انتهت إليه رياسة الحنفية بالعراق. وكان حسن العبارة
стр. 73
في النظر. وسمع الحديث، وروى عنه أبو بكر الخطيب صاحب التاريخ، وصنف في مذهبه المختصر المشهور وغيره. وكان يناظر الشيخ أبا حامد الإسفرايني الفقيه الشافعي، وقد تقدم ذكره في ترجمة أبي حامد وما بالغ في حقه.
وكانت ولادته سنة اثنتين وستين وثلثمائة، وتوفي يوم الأحد الخامس من رجب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ببغداد. ودفن من يومه بداره في درب (١) أبي خلف ثم نقل إلى تربة في شارع المنصور، ودفن هناك بجنب (٢) أبي بكر الخوارزمي الفقيه الحنفي، رحمهما الله تعالى.
ونسبته بضم القاف والدال المهملة وسكون الواو وبعدها راء مهملة إلى القدور التي هي جمع قدر. ولا أعلم سبب نسبته إليها (٣) ، بل هكذا ذكره السمعاني في كتاب الأنساب (٤) .
٣١ - (٥)
الثعلبي
أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري المفسر المشهور؛ كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير. وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه
стр. 74
عليهم، وغير ذلك. ذكره السمعاني وقال: يقال له: الثعلبي والثعالبي، وهو لقب له وليس بنسب، قاله بعض العلماء.
وقال أبو القاسم القشيري: رأيت رب العزة في المنام وهو يخاطبني وأخاطبه، فكان في أثناء ذلك أن قال الرب تعالى اسمه: أقبل الرجل الصالح، فالتفت فإذا أحمد الثعالبي مقبل.
وذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في كتاب سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه، وقال: هو صحيح النقل موثوق به. حدث عن أبي طاهر ابن خزيمة والإمام أبي بكر ابن مهران المقرىء، وكان كثير الحديث كثير الشيوخ.
توفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وقال غيره: توفي في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وقال غيره: توفي يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، رحمة الله تعالى.
والثعلبي - بفتح الثاء المثلثة وسكون العين المهملة وبعد اللام المفتوحة باء موحدة، والنيسابوري - بفتح النون وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة، وبعد الألف باء موحدة مضمومة، وبعد الواو الساكنة راء - هذه النسبة إلى نيسابور. وهي من احسن مدن خراسان، وأعظمها وأجمعها للخيرات، وإنما قيل لها: نيسابور لأن سابور ذا الأكتاف أحد ملوك الفرس المتأخرة لما وصل إلى مكانها أعجبه، وكان مقصبة، فقال: يصلح أن يكون ههنا مدينة، وأمر بقطع القصب وبنى المدينة، فقيل لها نيسابور. والني: القصب بالعجمي، هكذا قاله السمعاني في كتاب " الأنساب " (١) .
стр. 75
٣٢ - (١)
ابن أبي دواد
أبو عبد الله أحمد بن أبي دواد فرج بن جرير بن مالك بن عبد الله بن عباد ابن سلام بن مالك بن عبد هند بن لخم بن مالك بن قنص بن منعة بن برجان بن دوس ابن الديل بن أمية بن حذافة بن زهر بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان الإيادي القاضي؛ كان معروفاً بالمروءة والعصبية، وله مع المعتصم في ذلك أخبار مأثورة، ذكره أبو عبيد الله المرزباني في كتاب المرشد في أخبار المتكلمين فقال: قيل: إن أصلهم من قرية بقنسرين، واتجر (٢) أبوه إلى الشام، وأخرجه معه وهو حدث فنشأ أحمد في طلب العلم وخاصة الفقه والكلام، حتى بلغ ما بلغ، وصحب هياج بن العلاء السلمي، وكان من أصحاب واصل بن عطاء، فصار إلى الاعتزال.
قال أبو العيناء: مارأيت رئيسا قط أفصح ولا أنطق من ابن أبي دواد، وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: سمعت ابن أبي دواد في مجلس المعتصم وهو يقول: إني لأمتنع من تكليم الخلفاء بحضرة محمد بن عبد الملك الزيات الوزير في حاجة كراهة أن أعلمه ذلك، ومخافة أن أعلمه التأتي لها؛ وهو أول من افتتح الكلام مع الخلفاء، وكانوا لايبدؤهم أحد حتى يبدؤوه، وقال أبو العيناء: كان ابن ابي دواد شاعراً مجيداً فصيحاً بليغاً.
وقال المرزباني: وقد ذكره دعبل بن علي الخزاعي في كتابه الذي جمع فيه أسماء الشعراء وروى له أبياتاًحساناً، وكان يقول: ثلاثة ينبغي أن يبجلوا وتعرف أقدارهم: العلماء وولاة العدل والإخوان، فمن استخف بالعلماء
стр. 76
أهلك دينه، ومن استخف بالولاة أهلك دنياه، ومن استخف بالإخوان أهلك مروءته.
وقال إبراهيم بن الحسن: كنا عند المأمون فذكروا من بايع من الأنصار ليلة العقبة، فاختلفوا في ذلك، ودخل ابن أبي دواد فعدهم واحدا واحدا بأسمائهم وكناهم وأنسابهم، فقال المأمون: إذا استجلس الناس فاضلا فمثل أحمد، فقال أحمد: بل إذا جالس العالم خليفة فمثل أمير المؤمنين الذي يفهم عنه، ويكون أعلم بما يقوله منه. ومن كلام أحمد: ليس بكامل من لم يحمل وليه على منبر ولو أنه حارس، وعدوه على جذع ولو أنه وزير.
وقال أبو العيناء: كان الأفشين يحسد أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي للعربية والشجاعة، فاحتال عليه حتى شهد عليه بجناية وقتل، فأخذه ببعض أسبابه، فجلس له وأحضره وأحضر السياف ليقتله، وبلغ ابن أبي دواد الخبر، فركب في وقته مع من حضر من عدوله، فدخل على الافشين وقد جيء بأبي دلف ليقتل، فوقف ثم قال: إني رسول أمير المؤمنين إليك، وقد أمرك أن لا تحدث في القاسم بن عيسى حدثاً حتى تسلمه إلي، ثم التفت إلى العدول، وقال: اشهدوا أني قد أديت الرسالة إليه عن أمير المؤمنين والقاسم حي معافى، فقالوا: قد شهدنا، وخرج، فلم يقدر الافشين عليه، وصار ابن أبي دواد إلى المعتصم من وقته، وقال: ياأمير المؤمنين، قد أديت عنك رسالة لم تقلها لي، ما أعتد بعمل خير خيراً منها، وإني لأرجو لك الجنة بها، ثم أخبره الخبر، فصوب رأيه ووجه من أحضر القسم فأطلقه ووهب له وعنف الافشين فيما عزم عليه.
وكان المعتصم قد اشتد غيظه (١) على محمد بن الجهم البرمكي، فأمر بضرب عنقه، فلما رأى ابن أبي دواد ذلك، وأنه لاحيلة له فيه، وقد شد (٢) برأسه وأقيم في النطع وهز له السيف، قال ابن أبي دواد للمعتصم: وكيف تأخذ ماله إذا قتلته قال: ومن يحول بيني وبينه قال: يأبى الله تعالى ذلك، ويأباه
стр. 77
رسوله ﷺ ، ويأباه عدل أمير المؤمنين، فإن المال للوارث إذا قتلته حتى تقيم البينة على ما فعله، وأمره باستخراج ما اختانه أقرب عليك وهو حي، فقال: احبسوه حتى يناظر، فتأخر أمره على مال حمله، وخلص محمد.
وحدث الجاحظ أن المعتصم غضب على رجل من أهل الجزيرة الفراتية وأحضر السيف والنطع، فقال له المعتصم: فعلت وصنعت، وأمر بضرب عنقه فقال له ابن أبي دواد: يا أمير المؤمنين، سبق السيف العدل، فتأن في أمره فإنه مظلوم، قال: فسكن قليلاً، قال ابن أبي دواد: وغمرني البول فلم أقدر على حبسه، وعلمت أني إن قمت قتل الرجل، فجعلت ثيابي تحتي وبلت فيها حتى خلصت الرجل، قال: فلما قمت نظر المعتصم إلى ثيابي رطبة، فقال: يا أبا عبد الله كان تحتك ماء فقلت: لا يا أمير المؤمنين، ولكنه كان كذا وكذا، فضحك المعتصم ودعا لي، وقال: أحسنت بارك الله عليك، وخلع عليه وأمر له بمائة ألف درهم.
وقال أحمد بن عبد الرحمن الكلبي: ابن أبي دواد روح كله من قرنه إلى قدمه، وقال لازون (١) بن إسماعيل: ما رأيت أحداً قط أطوع لأحد من المعتصم لابن أبي دواد، وكان يسأل الشيء اليسير فيمتنع منه، ثم يدخل ابن أبي دواد فيكلمه في أهله وفي أهل (٢) الثغور وفي الحرمين وفي أقاصي أهل المشرق والمغرب، فيجيبه إلى كل ما يريد، ولقد كلمه يوما في مقدار ألف ألف درهم ليحفر بها نهراً في أقاصي خراسان، فقال له: وما علي من هذا النهر فقال: ياأمير المؤمنين، إن الله تعالى يسألك عن النظر في أمر أقصى رعيتك كما يسألك عن النظر في أمر أدناها، ولم يزل يرفق به حتى أطلقها.
وقال الحسين بن الضحاك الشاعر المشهور لبعض المتكلمين: ابن أبي دواد عندنا لا يحسن اللغة وعندكم لا يحسن الكلام وعند الفقهاء لا يحسن الفقه، وهو عند المعتصم يعرف (٣) هذا كله.
стр. 78
وكان ابتداء اتصال ابن أبي دواد بالمأمون أنه قال: كنت أحضر مجلس القاضي يحيى بن أكثم مع الفقهاء، فإني (١) عنده يوماً إذ جاءه رسول المأمون فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: انتقل إلينا وجميع من معك من أصحابك، فلم يحب أن أحضر معه، ولم يستطع أن يؤخرني، فحضرت مع القوم، وتكلمنا بحضرة المأمون فأقبل المأمون ينظر إلي إذا شرعت في الكلام ويتفهم ما أقول ويستحسنه، ثم قال لي: من تكون فانتسبت له، فقال: ما أخرك عنا فكرهت أن أحيل على يحيى، فقلت: حبسة القدر وبلوغ الكتاب اجله، فقال: لا أعلمن ما كان لنا من مجلس إلا حضرته، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم اتصل الأمر.
وقيل: قدم يحيى بن أكثم قاضياً على البصرة من خراسان من قبل المأمون في آخر سنة اثنتين ومائتين وهو حدث سنه نيف وعشرون سنة، فاستصحب جماعة من أهل العلم والمروءات منهم ابن أبي دواد، فلما قدم المأمون بغداد في سنة أربع ومائتين قال ليحيى: اختر لي من أصحابك جماعة يجالسونني ويكثرون الدخول إلي، فاختار منهم عشرين فيهم ابن أبي دواد، فكثرواعلى المأمون، فقال: اختر منهم، فاختار عشرة فيهم ابن أبي دواد، ثم قال: اختر منهم، فاختار خمسة فيهم ابن أبي دواد، واتصل أمره، وأسند المأمون وصيته عند الموت إلى أخيه المعتصم، وقال فيها: وأبو عبد الله أحمد بن أبي دواد لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع ذلك، ولاتتخذن بعدي وزيراً.
ولما ولي المعتصم الخلافة جعل ابن أبي دواد قاضي القضاة، وعزل يحيى بن أكثم، وخص به أحمد حتى كان لا يفعل فعلاً باطناً ولا ظاهراً إلا برأيه، وامتحن ابن أبي دواد الإمام أحمد بن حنبل، وألزمه بالقول بخلق القرآن الكريم، وذلك في شهر رمضان سنة عشرين ومائتين. ولما مات المعتصم وتولى بعده ولده الواثق بالله حسنت حال ابن أبي دواد عنده، ولما مات الواثق بالله وتولى أخوه المتوكل فلج ابن أبي دواد في أول خلافته وذهب شقه الأيمن،
стр. 79
فقلد المتوكل ولده محمد بن احمد القضاء مكانه، ثم عزل محمد بن احمد عن المظالم في سنة ست وثلاثين ومائتين، وقلد يحيى بن أكثم.
وكان الواثق قد أمر أن لا يرى أحد من الناس محمد بن عبد الملك الزيات الوزير إلا قام له، فكان ابن أبي دواد إذا رآه قام واستقبل القبلة يصلي، فقال ابن الزيات (١) :
صلى الضحى لما استفاد عدواتي ... وأراه ينسك بعدها ويصوم
لا تعد من عداوة مسمومة ... تركتك تقعد تارة وتقوم ومدحه جماعة من شعراء عصره؛ قال علي الرازي: رأيت أبا تمام الطائي عند ابن أبي دود ومعه رجل ينشد عنه قصيدة منها (٢) :
لقد أنست مساوئ كل دهرٍ ... محاسن أحمد بن أبي دواد
وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي فقال له ابن أبي دواد: هذا المعنى تفردت به أو أخذته فقال: هو لي وقد ألممت فيه بقول أبي نواس (٣) :
وإن جرت الألفاظ منا بمدحة ... لغيرك إنساناً فأنت الذي تعني ودخل أبو تمام عليه يوماً (٤) ، وقد طالت أيامه في الوقوف ببابه ولا يصل إليه، فعتب عليه مع بعض أصحابه، فقال له ابن أبي دواد: أحسبك عاتبا يا أبا تمام، فقال: إنما يعتب علىواحد وأنت الناس جميعا فكيف يعتب عليك! فقال له: من أين لك هذا يا أبا تمام فقال: من قول الحاذق - يعني أبانواس -
стр. 80
في الفضل بن الربيع:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد ولما ولي ابن أبي دواد المظالم قال أبو تمام قصيدة يتظلم إليه، من جملتها قوله (١) :
إذا أنت ضيعت القريض وأهله (٢) ... فلا عجب إن ضيعته الأعاجم
فقد هز عطفيه القريض ترفعاً ... بعدلك (٣) مذ صارت إليك المظالم
ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بغاة العلى (٤) من أين تؤتى المكارم قلت: ومدحه أبو تمام أيضا بقصيدته التي أولها (٥) :
أرأيت أي سوالف وخدود ... عنت لنا بين اللوى فزرود وما ألطف قوله فيها:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ومدحه مروان بن أبي الجنوب (٦) بقوله:
لقد حازت نزار كل مجد ... ومكرمة على رغم الأعادي
فقل للفاخرين على نزار ... ومنهم خندف وبنو إياد
رسول الله والخلفاء منا ... ومنا أحمد بن أبي دواد
وليس كمثلهم في غير قومي ... بموجود إلى يوم التنادي
стр. 81
نبي مرسل وولاة عهد ... ومهدي إلى الخيرات هادي ولما سمع هذا الشعر أبو هفان المهزمي قال:
فقل للفاخرين على نزار ... وهم في الأرض سادات العباد
رسول الله والخلفاء منا ... ونبرأ من دعي بني إياد
وما منا إياد إن أقرت ... بدعوة أحمد بن أبي دواد فقال ابن أبي دواد: ما بلغ مني أحد ما بلغ مني هذا الغلام المهزمي، لولا أني أكره أن أنبه عليه لعاقبته عقابا لم يعاقب أحد بمثله، جاء إلى منقبة كانت لي فنقضها عروة عروة.
وكان ابن أبي دواد كثيراً ما ينشد، ولم يذكر أنهما له أو لغيره:
ما أنت بالسبب الضعيف، وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب
فاليوم حاجتنا إليك، إنما ... يدعى الطبيب لشدة الأوصاب وذكر غير المرزباني عن أبي العيناء أن المعتصم غضب على خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني - قلت: وسيأتي ذكره في ترجمة أبيه إن شاء الله تعالى - وأشخصه من ولايته لعجز لحقه في مال طلب من أسباب غير ذلك، فجلس المعتصم لعقوبته، وكان قد طرح نفسه على القاضي أحمد، فتكلم فيه فلم يجبه المعتصم، فلما جلس لعقوبته حضر القاضي أحمد فجلس دون مجلسه، فقال له المعتصم: يا أبا عبد الله، جلست في غير مجلسك، فقال: ما ينبغي لي أن أجلس إلا دون مجلسي هذا، فقال له: وكيف قال: لأن الناس يزعمون أنه ليس موضعي موضع من يشفع في رجل فيشفع، قال: فارجع إلى مجلسك، قال: مشفعاً أو غير مشفع قال: بل مشفعا، فارتفع إلى مجلسه، ثم قال: إن الناس لا يعلمون رضى أمير المؤمنين عنه إن لم يخلع عليه، فأمر بالخلع عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، وقد استحق هو وأصحابه رزق ستة أشهر لا بد أن يقبضوها، وإن أمرت لهم بها في هذا الوقت قامت مقام الصلة، فقال: قد أمرت بها، فخرج خالد وعليه الخلع والمال بين يديه، وإن الناس
стр. 82
في الطرق ينتظرون الإيقاع به، فصاح به رجل: الحمد الله على خلاصك يا سيد العرب، فقال له: اسكت، سيد العرب والله احمد بن أبي دواد.
وكان بينه وبين الوزير ابن الزيات منافسات وشحناء، حتى إن شخصاً كان يصحب القاضي المذكور ويختص بقضاء حوائجه منعه الوزير المذكور من الترداد إليه، فبلغ ذلك القاضي، فجاء إلى الوزير وقال له: والله ما أجيئك متكثراً بك من قلة، ولا متعزراً بك من ذلة، ولكن أمير المؤمنين رتبك مرتبة أوجبت لقاءك، فان لقيناك فله، وإن تأخرنا عنك فلك، ثم نهض من عنده.
وكان فيه من المكارم والمحامد ما يستغرق الوصف.
وهجا بعض الشعراء الوزير ابن الزيات بقصيدة عدد أبياتها سبعون بيتاً فبلغ خبرها القاضي أحمد، فقال (١) :
أحسن من سبعين بيتاً هجا ... جمعك معناهن في بيت
ما أحوج الملك إلى مطرة ... تغسل عنه وضر الزيت فبلغ ابن الزيات ذلك، ويقال: إن بعض أجداد القاضي أحمد كان يبيع القار، فقال:
يا ذا الذي يطمع في هجونا ... عرضت بي نفسك (٢) للموت
الزيت لا يزري بأحسابنا ... أحسابنا معروفة البيت
قيرتم الملك فلم ننقه ... حتى غسلنا القار بالزيت وأصابه الفالج لست خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين بعد موت عدوه الوزير المذكور بمائة يوم وأيام، وقيل: بخمسين يوماً، وقيل: بسبعة وأربعين يوماً، وسيأتي تاريخ وفاة الوزير في حرف الميم.
ولما حصل له الفالج ولي موضعه ولده أبو الوليد محمد، ولم تكن طريقته
стр. 83
مرضية، وكثر ذاموه وقل شاكروه، حتى عمل فيه إبراهيم بن العباس الصولي المقدم ذكره قبل هذا (١) :
عفت مساو تبدت منك واضحة ... على محاسن أبقاها أبوك لكا
فقد تقدمت أبناء الكرام به ... كما تقدم آباء اللئام بكا ولعمري لقد بالغ في طرفي المدح والذم، وهو معنى بديع.
واستمر على مظالم العسكر والقضاء إلى سنة سبع وثلاثين ومائتين، فسخط المتوكل على القاضي أحمد المذكور وولده محمد، وأمر بالتوكيل على ضياعه، لخمس بقين من صفر من السنة المذكورة، وصرفه عن المظالم، ثم صرفه عن القضاء يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول من السنة، وأخذ من الولد مائة ألف وعشرين ألف دينار، وجوهراً بأربعين ألف دينار، وسيره إلى بغداد من سر من رأى، وفوض القضاء إلى القاضي يحيى بن أكثم الصيفي - وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - ولما شهد على ابن أبي دواد حين غضب عليه الخليفة بضياعه المأخوذة منه في الجناية حضر المجلس خلق كثير من الشهود وغيرهم، فقام رجل من الشهود - وكان القاضي منحرفا عنه في أيامه - فقال: تشهدنا عليك بما في هذا الكتاب فقال القاضي: لست هناك، وقال للباقين: اشهدوا علي، فجلس الرجل بخزي، وتعجب الناس من ثبوت القاضي وقوة قلبه في تلك الحال.
وتوفي القاضي أحمد المذكور بمرضه الفالج في المحرم سنة أربعين ومائتين، ونقل عنه أنه قال: ولدت بالبصرة سنة ستين ومائة، وقيل: إنه كان أسن من اقاضي يحيى بن أكثم بنحو عشرين سنة، وهو يخالف ما ذكرته في ترجمة يحيى، لكن كتبته على ما وجدته، والله أعلم بالصواب. وتوفي ولده محمد قبله بعشرين يوماً في ذي الحجة رحمهما الله تعالى.
وقد ذكر المرزباني في كتابه المذكور اختلافا كثيرا في تاريخ وفاته وموت ابنه، فأحببت ذكر جميع ما قاله؛ قال: ولى المتوكل ابنه أبا الوليد محمد
стр. 84
ابن أحمد القضاء والمظالم بالعسكر مكان أبيه، ثم عزله عنها يوم الأربعاء لعشر بقين من صفر سنة أربعين ومائتين، ووكل بضياعه وضياع أبيه، ثم صولح على ألف ألف دينار، ومات أبو الوليد محمد بن أحمد ببغداد في ذي القعدة سنة أربعين ومائتين، ومات أبوه أحمد بعده بعشرين يوما، وذكر الصولي أن سخط المتوكل على ابن أبي دواد كان في سنة سبع وثلاثين، ثم ذكر المرزباني بعد هذا أن القاضي أحمد مات في المحرم سنة أربعين، ومات ابنه قبله بعشرين يوما، وقيل: مات ابنه في آخر سنة تسع وثلاثين، وكان موتهما ببغداد، وقيل: مات ابنه في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين، ومات أبوه يوم السبت لسبع بقين من المحرم سنة أربعين، وكان بين موتهما شهر أو نحوه، والله أعلم بالصواب في ذلك كله.
وقال أبو بكر ابن دريد: كان ابن أبي دواد مؤالفا لأهل الأدب من أي بلد كانوا، وكان قد ضم منهم جماعة يعولهم ويمونهم، فلما مات حضر ببابه جماعة منهم وقالوا: يدفن من كان ساقة الكرم وتاريخ الأدب ولا يتكلم فيه إن هذا وهن وتقصير، فلما طلع سريره قام إليه ثلاثة منهم فقال أحدهم:
اليوم مات نظام الملك واللسن (١) ... ومات من كان يستعدى على الزمن
وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت ... شمس المكارم في غيم من الكفن وتقدم الثاني فقال:
ترك المنابر والسرير تواضعاً ... وله منابر لو يشا وسرير
ولغيره يجبي الخراج، وإنما ... يجبى إليه محامد وأجور وتقدم الثالث فقال:
وليس فتيق المسك ريح حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف
وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف
стр. 85
وقال أبو بكر الجرجاني: سمعت أبا العيناء الضرير يقول: ما رأيت في الدنيا أقوم على أدب من ابن أبي دواد، ما خرجت من عنده يوماً قط فقال: يا غلام خذ بيده، بل قال: ياغلام اخرج معه، فكنت أتقد هذه الكلمة عليه، فلا يخل بها، ولا أسمعها من غيره.
وعلى الجملة فقد طالت هذه الترجمة، وإنما محاسنه كانت كثيرة، رحمه الله تعالى.
ودواد: بضم الدال المهملة وفتح الواو وبعد الألف دال ثانية مهملة.
والإيادي - بكسر الهمزة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف دال مهملة - نسبة إلى إياد بن نزار بن معد بن عدنان.
٣٣ - (١)
الحافظ أبو نعيم
أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني الحافظ المشهور صاحب كتاب حلية الأولياء؛ كان من الأعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ الثقات، أخذ عن الأفاضل، وأخذوا عنه، وانتفعوا به، وكتابه الحلية من أحسن الكتب، وله كتاب تاريخ أصبهان نقلت منه في ترجمة والده عبد الله نسبته على هذه الصورة، وذكر أن جده مهران أسلم، إشارة إلى أنه أول من أسلم من اجداده، وأنه مولى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ وسيأتي ذكر عبد الله بن معاوية، إن شاء الله تعالى - وذكر أن والده توفي في رجب سنة خمس وستين وثلثمائة، ودفن عند جده من قبل أمه.
стр. 86
ولد في رجب سنة ست وثلاثين وثلثمائة، وقيل: أربع وثلاثين، وتوفي في صفر، وقيل: يوم الاثنين الحادي والعشرين من المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة بأصبهان، رحمه الله تعالى.
واصبهان - بكسر الهمزة وفتحها وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة، ويقال بالفاء أيضاً وفتح الهاء بعد الألف نون - وهي من أشهر بلاد الجبال، وإنما قيل لها هذا الاسم لأنها تسمى بالعجمية: سباهان وسبا: العسكر، وهان: الجمع. وكانت جموع عساكر الأكاسرة تجتمع إذا وقعت لهم واقعة في هذا الموضع، مثل عسكر فارس وكرمان والأهواز وغيرها، فعرب فقيل: اصبهان، وبناها إسكندر ذو القرنين، هكذا ذكره السمعاني (١) .
٣٤ - (٢)
الخطيب البغدادي
الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي بن ثابت البغدادي، المعروف بالخطيب، صاحب تاريخ بغداد وغيره من المصنفات؛ كان من الحفاظ المتقنين العلماء المتبحرين، ولو لم يكن له سوى التاريخ لكفاه، فانه يدل على اطلاع عظيم، وصنف قريباً من مائة مصنف، وفضله أشهر من أن يوصف وأخذ الفقه عن أبي الحسن المحاملي والقاضي أبي الطيب الطبري وغيرهما، وكان فقيها فغلب عليه الحديث والتاريخ.
ولد في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة، يوم الخميس لست
стр. 87
بقين من الشهر، وتوفي يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، وقال السمعاني: توفي في شوال، وسمعت أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى كان من جملة من حمل نعشه، لأنه انتفع به كثيراً، وكان يراجعه في تصانيفه، والعجب أنه كان في وقته حافظ المشرق، وأبو عمر يوسف بن عبد البر - صاحب كتاب الاستيعاب - حافظ المغرب، وماتا في سنة واحدة - كما سيأتي في حرف الياء إن شاء الله تعالى -.
وذكر محب الدين بن النجار في تاريخ بغداد أن أبا البركات إسماعيل بن أبي سعد الصوفي قال: إن الشيخ أبا بكر ابن زهراء الصوفي كان قد أعد لنفسه قبراً إلى جانب قبر بشر الحافي، رحمه الله تعالى، وكان يمضي إليه في كل أسبوع مرة وينام فيه ويقرأ فيه القرآن كله، فلما مات أبو بكر الخطيب - وكان قد أوصى أن يدفن إلى جانب قبر بشر - جاء أصحاب الحديث إلى أبي بكر بن زهراء، وسألوه أن يدفن الخطيب في القبر الذي كان قد أعده لنفسه وأن يؤثره به، فامتنع من ذلك امتناعاً شديداً، وقال: موضع قد أعددته لنفسي منذ سنين يؤخذ مني! فلما رأوا ذلك جاءوا إلى والدي الشيخ أبي سعد وذكروا له ذلك، فأحضر الشيخ أبا بكر ابن زهراء وقال له: أنا لا أقول لك أعطهم القبر، ولكن أقول لك: لو أن بشراً الحافي في الأحياء وأنت إلى جانبه فجاء أبو بكر الخطيب يقعد دونك، أكان يحسن بك أن تقعد أعلى منه قال: لا، بل كنت أقوم وأجلسه مكاني، قال: فهكذا ينبغي أن يكون الساعة، قال: فطاب قلب الشيخ أبي بكر وأذن لهم في دفنه، فدفنوه إلى جانبه بباب حرب. وكان قد تصدق بجميع ماله، وهو مائتا دينار، فرقها على أرباب الحديث والفقهاء والفقراء في مرضه، وأوصى أن يتصدق عنه بجميع ما عليه من الثياب، ووقف جميع كتبه على المسلمين، ولم يكن له عقب، وصنف أكثر من ستين كتاباً، وكان الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أحد من حمل جنازته، وقيل: إنه ولد سنة إحدى وتسعين وثلثمائة، والله أعلم، ورؤيت له منامات صالحة بعد موته، وكان قد انتهى إليه علم الحديث وحفظه في وقته؛ هذا آخر ما نقلته من كتاب ابن النجار.
стр. 88
٣٥ - (١)
الراوندي
أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرواندي، العالم المشهور؛ له مقالة في علم الكلام، وكان من الفضلاء في عصره، وله من الكتب المصنفة نحو من مائة وأربعة عشر كتاباً، منها كتاب فضيحة المعتزل وكتاب التاج وكتاب الزمرد وكتاب " القصب " (٢) وغير ذلك. وله مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام، وقد انفرد بمذاهب نقلها أهل الكلام عنه في كتبهم.
توفي سنة خمس وأربعين ومائتين برحبة مالك بن طوق التغلبي، وقيل: ببغداد، وتقديرعمره أربعون سنة، وذكر في " البستان " (٣) أنه توفي سنة خمسين، والله أعلم، رحمه الله تعالى.
ونسبته إلى راوند - بفتح الراء والواو وبينهما ألف وسكون النون وبعدها دال مهملة - وهي قرية من قرى قاسان بنواحي أصبهان. وراوند أيضاً ناحية ظاهر (٤) نيسابور.
стр. 89
وقاسان: بالسين المهملة، وهي غير قاشان - بالشين المعجمة - المجاورة لقم.
وهذه رواند التي ذكرها أبو تمام الطائي في كتاب الحماسة في باب المراثي، فقال (١) : ذكروا أن رجلين من بني أسد خرجا إلى أصبهان فآخيا دهقانا بها في موضع يقال له رواند وخزاق، ونادماه، فمات أحدهما وغير الآخر والدهقان ينادمان قبره: يشربان كأسين ويصبان على قبره كأساً، ثم مات الدهقان، فكان الأسدي الغابر ينادم قبريهما ويترنم بهذا الشعر:
خليلي هبا طالما قد رقدتما ... أجد كما لا تقضيان كراكما
أمن طول نوم لا تجيبان داعياً ... كأن الذي يسقي المدام سقاكما
ألم تعلما ما لي براوند كلها ... ولا بخزاق من صديق سواكما
أقيم على قبريكما لست بارحاً ... طوال الليالي أو يجبيب صداكما
وأبكيكما حتى الممات، وما الذي ... يرد على ذي لوعة إن بكاكما
فلو جعلت نفس لنفس وقاية ... لجدت بنفسي أن تكون فداكما
أصب على قبريكما من مدامة ... فإلا تنالاها ترو ثراكما وخزاق - يضم الخاء المعجمة وبعدها زاي وبعد الألف قاف - قرية أخرى مجاورة لها، والله أعلم بالصواب.
٣٦ - (٢)
الهروي
أبو عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي المؤدب الهروي الفاشاني
стр. 90
صاحب كتاب الغريب؛ هذا هو المنقول في نسبه، ورأيت على ظهر كتابه الغريبين أنه أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، والله أعلم.
كان من العلماء الأكابر، وما قصر في كتابه المذكور، ولم أقف على شيء من أخباره لأذكره سوى أنه كان يصحب أبا منصور الأزهري اللغوي، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وعليه اشتغل وبه انتفع وتخرج، وكتابه المذكور جمع فيه بين تفسير غريب القرآن الكريم والحديث النبوي، وسار في الآفاق، وهو من الكتب النافعة.
وقيل: إنه كان يحب البذلة ويتناول في الخلوة، ويعاشر أهل الدب في مجالس اللذة والطرب، عفا الله عنه وعنا. وأشار الباخرزي في ترجمة بعض أدباء خراسان إلى شيء من ذلك، والله أعلم.
وكانت وفاته في رجب سنة إحدى وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والهروي - بفتح الهاء والراء - نسبة إلى هراة وهي إحدى مدن خراسان الكبار فتحها الأحنف بن قيس صلحا من قبل عبد الله بن عامر.
والفاشاني - بفتح الفاء وبعد الألف شين معجمة وبعد الألف الثانيةنون - نسبة إلى فاشان، وهير قرية من قرى هراة، ويقال لها باشان - بالباء الموحدة أيضاً - ذكره السمعاني، وقد تقدم في الذي قبله ذكر قاسان وقاشان، وهذه الأسماء الأربعة يقع بينها الاشتباه، وهي على هذه الصورة ولا لبس بعد هذا.
٣٧ - (١)
الخوافي
أبو المظفر أحمد بن محمد بن المظفر الخوافي الفقيه الشافعي؛ كان أنظر
стр. 91
أهل زمانه، تفقه على إمام الحرمين الجويني، وصار أوجه (١) تلامذته، ولي القضاء بطوس ونواحيها، وكان مشهورا بين العلماء بحسن المناظرة وإفحام الخصوم وكان رفيق أبي حامد الغزالي (٢) في الاشتغال، ورزق الغزالي السعادة في تصانيفه، والخوافي السعادة في مناظراته. وتوفي سنة خمسمائة بطوس، رحمه الله تعالى.
ونسبته إلى خواف - بفتح الخاء المعجمة وبعد الواو المفتوحة ألف وبعد الألف فاء - وهي ناحية من نواحي نيسابور كثيرة القرى.
٣٨ - (٣)
أخو الغزالي
أبو الفتاح أحمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي الملقب مجد الدين أخو الإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي الفقيه الشافعي؛ كان واعظا مليح الوعظ حسن المنظر صاحب كرامات وإشارات، وكان من الفقهاء (٤) ، غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه، ودرس بالمدرسة النظامية نيابة عن اًخيه أي حامد لما ترك التدريس زهادة فيه، واختصر كتاب أخيه أبي حامد المسمى بإحياء علوم الدين في مجلد مجلد واحد وسماه لباب الإحياء، وله تصنيف آخر سماه الذخيرة في علم البصيرة. وطاف البلاد وخدم الصوفية بنفسه، وكان مائلاً إلى الانقطاع والعزلة.
وذكره ابن النجار في تاريخ بغداد فقال: كان قد قرأ القارئ بحضرته يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم - الآية فقال: شرفهم بياء الإضافة
стр. 92
إلى نفسه بقولة يا عبادي، ثم أنشد يقول:
وهان علي اللوم في جنب حبها ... وقول الأعادي إنه لخليع
أصم إذا نوديت باسمي، وإنني ... - إذا قيل لي يا عبدها - لسميع قلت: ومثل هذا قول بعضهم:
لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه اشرف أسمائي وتوفي أحمد بقزوين في سنة عشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
والطوسي - بضم الطاء المهملة وسكون الواو وبالسين المهملة - نسبة إلى طوس، وهي ناحية بخراسان تشتمل على مدينتين تسمى إحداهما طاببران: بفتح الطاء المهملة وبعد اللف باء موحدة ثم راء مفتوحة وبعد الألف الثانية نون، والأخرى نوقان: بفتح النون وسكون الواو وفتح القاف وبعد الألف نون، ولهما ما يزيد على ألف قرية.
والغزالي - بفتح الغين المعجمة وتشديد الزاي المعجمة وبعد الألف لام - هذه النسبة إلى الغزال، على عادة أهل خوارزم وجرجان فانهم ينسبون إلى القصار القصاري، وإلى العطار العطاري، وقيل: إن الزاي مخففة نسبة إلى غزالة وهي قرية من قرى طوس، وهو خلاف المشهور، ولكن هكذا قاله السمعاني في كتاب الأنساب، والله أعلم.
وقزوين - بفتح القاف وسكون الزاي المعجمة وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها نون - وهي مدينة كبيرة في عراق العجم عند قلاع الإسماعيلية.
стр. 93
٣٩ - (١)
ابن برهان
أبو الفتح أحمد بن علي بن محمد الوكيل المعروف بابن برهان الفقيه الشافعي؛ كان متبحراً في الأصول والفروع والمتفق والمختلف، تفقه (٢) على أبي حامد الغزالي وأبي بكر الشاشي والكيا أبي الحسن الخراسي، وصار ماهراً في فنونه، وصنف كتاب الوجيز في أصول الفقه. ولي التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد دون الشهر، مات سنة عشرين وخمسمائة ببغداد دون رحمه الله تعالى.
وبرهان: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وبعد الهاء ألف ونون.
٤٠ - (٣)
النحاس النحوي
أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحاس، النحوي المصري؛ كان من الفضلاء، وله تصانيف مفيدة منها: تفسير القرآن الكريم وكتاب إعراب القرآن وكتاب الناسخ والمنسوخ وكتاب في النحو اسمه التفاحة وكتاب في الاشتاق، وتفسير أبيات سيبويه، ولم يسبق إلى مثله، وكتاب الكافي في النحو، وكتاب
стр. 94
المعاني وفسر عشرة دواوين وأملاها، وكتاب الوقف والابتداء صغرى وكبرى، وكتاب في شرح المعلقات السبع (١) ، وكتاب طبقات الشعراء وغير ذلك، وروى عن أبي عبد الرحمن النسائي، وأخذ النحو عن ابي الحسن علي بن سليمان الأخفش النحوي، وأبي إسحاق الزجاج، وابن الأنباري، ونفطويه، وأعيان أدباء العراق، وكان قد رحل إليهم من مصر. وكانت فيه خساسة وتقتير على نفسه، وإذا وهب عمامة قطعها ثلاث عمائم بخلاً وشحاً، وكان يلي شراء حوائجه بنفسه ويتحامل فيها على أهل معرفته، ومع هذا فكان للناس رغبة كبيرة في االأخذ عنه، فنفع وأفاد وأخذ عنه خلق كثير.
وتوفي بمصر يوم السبت لخمس خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة، وقيل: سنة سع وثلاثين، رحمه الله تعالى؛ وكان سبب وفاته أنه جلس على درج المقياس على شاطىء (٢) النيل، وهو في أيام زيادته، وهو يقطع بالعروض شيئاً من الشعر، فقال بعض العوام: هذا يسحر النيل حتى لايزيد فتغلو الأسعار (٣) ، فدفعه برجله في النيل، فلم يوقف له على خبر.
والنحاس - بفتح النون والحاء المشددة المهملة وبعد الألف سن مهملة - هذه النسبة إلى من يعمل النحاس، وأهل مصر يقولون لمن يعمل الأواني الصفرية النحاس.
стр. 95
٤١ - (١)
العبدي النحوي
أبو طالب أحمد بن بكر بن بقية العبدي النحوي؛ كان فاضلاً ماهراً، وشرح كتاب الإيضاح في النحو لأبي علي الفارسي وأحسن فيه، ولم أطلع على شيء من أحواله حتى أذكره (٢) ، سوى أنه قرأ النحو على أبي سعيد السيرافي وأبي الحسن الرماني وأبي علي الفارسي.
وتوفي في سنة ست وأربعمائة في شهر رمضان لعشر بقين منه يوم الخميس، رحمه الله تعالى.
والعبدي - بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وبعدها دال مهملة - هذه النسبة إلى عبد القيس بن أفصى بن دعمي، وهي قبيلة كبيرة مشهورة.
٤٢ - (٣)
ابن أبي سهل
أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الكريم أبي سهل الكاتب صاحب كتاب " الخراج "؛ توفي سنة سبعين ومائتين، رحمه الله تعالى، ولم أعلم من حاله شيئاً
стр. 96
حتى أذكره، وكتابه مشهور، وما ذكرته إلا لأجل كتابه، فقد يتشوف الواقف عليه إلى معرفة زمانه.
٤٣ - (١)
ثعلب النحوي
أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار النحوي الشيباني بالولاء المعروف بثعلب؛ ولاؤه لمعن بن زائد الشيباني الآتي ذكره في حرف الميم، وإن شاء الله تعالى كان إمام الكوفيين في النحو واللغة، سمع ابن العرابي والزبيربن بكار وروى عنه الخفش الأصغر وأبو بكر ابن الانباري وأبو عمر الزاهد وغيرهم، وكان ثقة حجة صالحاً مشهوراً بالحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم، مقدماً عند الشيوخ منذ هو حدث، وكان ابن الأعرابي إذا شك في شيء قال له: ما تقول يا أبا العباس في هذا ثقة بغزارة حفظه. وكان يقول: ابتدأت في طلب العربية واللغة في سنة ست عشرة ومائتين، ونظرت في " حدود " الفراء (٢) وسني ثماني عشرة سنة، وبلغت خمسا وعشرين سنة وما بقيت علي مسألة للفراء إلا وأنا أحفظها.
وقال أبو بكر ابن مجاهد المقرئ (٣) : قال لي ثعلب: يا أبا بكر، اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغلة أصحاب الفقه بالفقه ففازوا، واشغل ة أنا بزيد وعمرو، فليت شعري
стр. 97
ماذا يكون حالي في الآخرة فانصرفت من عنده، فرأيت النبي ﷺ تلك الليلة في المنام (١) ، فقال لي: أقرىء أبا العباس عن السلام وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل، قال أبو عبد الله الروذباري العبد الصالح: أراد أن الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل، وأن جميع العلوم مفتقرة إليه.
وقال أبو عمر الزاهد المعروف بالمطرز: كنت في مجلس أبي العباس ثعلب فسأله سائل عن شيء فقال: لا أدري، فقال له: أتقول لا أدري وإليك تضرب أكباد الإبل، وإليك الرحلة من كل بلد فقال له أبو العباس: لو كان لأمك بعدد ما لا أدري بعر لاستغنت.
وصنف كتاب الفصيح وهو صغير الحجم كثير الفائدة، وكان له شعر، وقال أبو بكر ابن القاسم الأنباري في بعض أماليه: أنشدني ثعلب، ولا أدري هل هي له أو لغيره:
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها ... فكم تلبث النفس التي أنت قوتها
ستبقى بقاء الضب في الماء أو كما ... يعيش ببيداء المهامة حوتها قال ابن الأنباري: وزادنا أبو الحسن ابن البراء فيها:
أغرك مني أن تصبرت جاهداً ... وفي النفس مني منك ماسيميتها
فلو كان مابي بالصخور لهدها ... وبالريح ما هبت وطال خفوتها
فصبراً لعل الله يجمع بيننا ... فأشكو هموماً منك فيك لقيتها وولد في سنة مائتين لشهرين مضيا منها، قاله ابن القراب في تاريخه (٢) ، وقيل: سنة أربع ومائتين، وقيل: إحدى ومائتين، والذي يدل على انه ولد في سنة مائتين انه قال: رأيت المأمون لما قدم من خراسان في سنة أربع ومائتين وقد خرج من باب الحديد يريد الرصافة (٣) والناس صفان، فحملني أبي
стр. 98
على يده وقال: هذا المأمون، وهذه سنة أربع، فحفظت ذلك عنه إلى الساعة وكان سني تقديرا يومئذ أربع سنين.
وتوفي يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الاولى، وقيل: لعشر خلون منها سنة إحدى وتسعين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب الشام، رحمه الله تعالى، وكان سبب وفاته أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صمم لايسمع إلا بعد تعب، وكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق فصدمته فرس فألقته في هوة، فأخرج منها وهو كالمختلط، فحمل إلى منزله على تلك الحال وهو يتأوه من رأسه، فمات ثاني يوم.
وجده سيار: بفتح السين المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد اللف راء مهملة.
والشيباني - بفتح الشين المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون - نسبة إلى شيبان: حي من بكر بن وائل، وهما شيبانان: أحدهما سيبان بن ثعلبة بن عكابة، والآخر شيبان بن ذهل بن ثعلبة ابن عكابة، وشيبان الأعلى عم شيبان الأسفل.
ومن تصانيفه كتاب المصون واختلاف النحوين ومعاني القرآن وماتلحن فيه العامة والقراءات ومعاني الشعر والتصغير وما ينصرف وما لا ينصرف وما يجرى وما لا يجرى والشواذ والأمثال والإيمان والوقف والابتداء والأفاظ والهجاء والمجالس والأوسط وإعراب القرآن والمسائل وحد النحو وغير ذلك.
стр. 99
٤٤ - (١)
الحافظ السلفي
الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد إبراهيم سلفة الأصبهاني الملقب صدر الدين؛ أحد الحفاظ المكثرين، رحل في طلب الحديث ولقي أعيان المشايخ وكان شافعي المذهب، ورد بغداد، واشتغل بها على الكيا أبي الحسن علي الهراسي في الفقه وعلى الخطيب أبي زكيريا يحيى بن علي (٢) التبريزي اللغوي باللغة. وروى عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأمائل، وجاب البلاد وطاف الآفاق، ودخل ثغر الإسكندرية سنة إجدى عشرة وخمسمائة في ذي القعدة، وكان قدومه إليه في البحر من مدينة صور، وأقام به، وقصده الناس من الأماكن البيعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن السلار، وزير الظافر العبيدي صاحب مصر، في سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المذكور وفوضها إليه، وهي معروفة به إلى الآن، وأدركت جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية، وسمعت عليهم وأجازوني. وكان قد كتب الكثير، ونقلت من خطة فوائد جمة، ومن جملة ما نقلت من خطه لأبي عبد الله محمد بن عبد الجبار الأندلسي من قصيدة:
لولا اشتغالي بالأمير ومدحه ... لأطلت في ذاك الغزال تغزلي
لكن أوصاف الجلال عذبن لي ... فتركت أوصاف الجمال بمعزل
стр. 100
ونقلت من خطه أيضا لبثينة صاحبة جميل ترثيه (١) :
وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها وكان كثيراً ما ينشد:
قالوا نفوس الدار سكانها ... وأنتم عندي نفوس النفوس وأماليه (٢) وتعاليقه كثيرة، والاختصار بالمختصر أولى.
وكانت ولادته سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريباً بأصبهان، وتوفي ضحوة نهار الجمعة - وقيل: ليلة الجمعة - خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بثغر الإسكندرية، ودفن في وعلة، وهي مقبرة داخل السور عند الباب الخضر فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره.
ووعلة: بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام ثم هاء، ويقال: إن هذه المقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن بن وعلة السبئي المصري، صاحب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل غير ذلك، رحمه الله تعالى.
قلت: وجدت العلماء المحدثين بالديار المصرية، من جملتهم: الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (٣) ، محدث مصر في زمانه، يقولون في مولد الحافظ السفلي هذه المقالة. ثم وجدت في كتاب زهر الرياض المفصح عن المقاصد والأغراض، تأليف الشيخ جمال الدين أبي القاسم عبد الرحمن ابن أبي الفضل عبد المجيد بن إسماعيل بن حفص الصفراوي (٤) الإسكندري، أن
стр. 101
الحافظ أبا طاهر السفلي المذكور وهو شيخه - كان يقول: مولدي بالتخمين، لا باليقين، سنة ثمان وسبعين، فيكون مبلغ عمره على مقتضى ذلك ثمانياً وتسعين سنة،
هذا آخر كلام الصفراوي المذكور. ورأيت في تاريخ الحافظ محب الدين محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي ما يدل على صحة ما قاله الصفراوي، فإنه قال: قال عبد الغني المقدسي: سألت الحافظ السفلي عن مولده، فقال: أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وكان لي من العمر حدود عشر سنين.
قلت: ولو كان مولده على ما يقوله أهل مصر أنه في سنة اثنتين وسبعين ما كان يقول أذكر قتل الملك في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فانه على مايقولون قد كان عمره ثلاث عشرة سنة، أو أربع عشرة سنة، ولم تجر العادة أن من يكون في هذا السن يقول: أنا أذكر القضية الفلانية، وإنما يقول ذلك من يكون عمره تقديراً أربع سنين أو خمس سنين أو ستاً، فقد ظهر بهذا أن قول الصفراوي أقرب إلى الصحة، وهو تلميذه، وقد سمع منه أنه قال: مولدي في سنة ثمان وسبعين، وليس الصفراوي ممن يشك في قوله، ولا يرتاد في صحته، مع أننا ماعلمنا أن أحداً منذ ثلثمائة سنة إلى الآن بلغ المائة فضلاً عن أنه زاد عيها، سوى القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، فإنه عاش مائة سنة وسنتين - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى -.
ونسبته إلى جده إبراهيم سلفة - بكسر السين المهملة وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء - وهو لفظ عجمي، ومعناه بالعربي ثلاث شفاه، لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة، فصارت مثل شفتين غير الأخرى الأصلية، والأصل فيه سلبه بالباء، فأبدلت بالفاء.
стр. 102
٤٥ - (١)
شرف الدين ابن منعة
أبو الفضل أحمد ابن الشيخ العلامة كمال الدين أبي الفتح موسى ابن الشيخ رضي الدين أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم بن عائد بن كعب بن قس بن إبراهيم الإربلي الأصل، من بيت الرياسة والفضل والمقدمين بإربل، الفقيه الشافعي (٢) الملقب شرف الدين؛ كان إماماً كبيراً فاضلاً عاقلاً حسن السمت جميل المنظر. شرح كتاب التنبيه في الفقه وأجاد شرحه، واختصر إحياء علوم الدين للإمام الغزالي مختصرين: كبيراً وصغيراً، وكان يلقي في جملة دروسه من كتاب الإحياء درساً حفظاً، وكان كثير المحفوظات غزير المادة، وهو من بيت العلم - وسيأتي ذكر أبيه وعمه وجده، رحمهم الله تعالى، في مواضعهم - ونسج على منوال والده في التفنن في العلوم، وتخرج عليه جماعة كبيرة، وتولى التدريس بمدرسة الملك المعظم مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، رحمه الله تعالى، بمدينة إربل بعد والدي رحمه الله تعالى، وكان وصله إليها من الموصل في أوائل شوال سنة عشر وستمائة، وكانت وفاة الوالد ليلة الاثنين الثاني والعشرين من شعبان من السنة المذكورة.
وكنت أحضر دروسه وأنا صغير، وما سمعت أحدا يلقي الدروس مثله، ولم يزل على ذلك إلى أن حج، ثم عاد وأقام قليلاً، ثم انتقل إلى الموصل في سنة سبع عشرة وستمائة، وفوضت إليه المدرسة القاهرية، وأقام بها ملازماً لاشتغال والإفادة إلى أن توفي يوم الاثنين الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر
стр. 103
سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
وكانت ولادته أيضاً بالموصل سنة خمس وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
ولقد كان من محاسن الوجود، وما أذكره إلا وتصغر الدنيا في عيني، ولقد أفكرت فيه مرة فقلت: هذا الرجل عاش مدة خلافة الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد فإنه ولي الخلافة في سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وهي السنه التي ولد فيها شرف الدين المذكور، وماتا في سنة واحدة، وكان مبدأ شروعه في شرح التنبيه بإربل، واستعار منا نسخة التنبيه عليها حواش مفيدة بخط بعض الأفاضل، ورأيته بعد ذلك وقد نقل الحواشي كلها في شرحه.
(٣) والفاضل الذي كانت النسخة والحواشي بخطه هو الشيخ رضي الدين أبو داود سليمان بن المظفر بن غانم بن عبد الكريم الجيلي (١) الشافعي المفتي بالمدرسة النظامية ببغداد وكان من أكابر فضلاء عصره، وصنف كتاباً في الفقه يدخل في خمس عشرة مجلدة، وعرضت عليه المناصب فلم يفعل، وكان متديناً. وتوفي يوم الأربعاء لثلاث خلون من شهر ربيع الأول من سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ودفن بالشونيزية، وكان قد نيف على ستين سنة، رحمه الله تعالى، وكان قدومه بغداد من بلاده للاشتغال بعد سنة ثمانين وخمسمائة.
رجعنا إلى الأول: وكان اشتغال شرف الدين المذكور على أبيه بالموصل ولم يتغرب لأجل الاشتغال، وكان الفقهاء يقولون: نعجب منه كيف اشتغل في وطنه وبين أهله وفي عزه واشتغاله بالدنيا، وخرج منه وما خرج، ولو شرعت في وصف محاسنه لأطلت، وفي هذا القدر كفاية.
стр. 104
٤٦ - (١)
ابن عبد ربه
أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير بن سالم، القرطبي مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكيم الأموي، كان من العلماء المكثرين من المحفوظات والاطلاع على أخبار الناس، وصنف كتابه " العقد " وهو من الكتب الممتعة حوى من كل شيء، وله ديوان شعر جيد (٢) ، ومن شعره:
يا ذا الذي خط العذار (٣) بوجهه ... خطين هاجا لوعة وبلابلا
ما صح عندي أن لحظك صارم ... حتى لبست بعارضيك حمائلا وله في هذا (٤) المعنى [وقيل: إنهما لأبي طاهر الكاتب، وقيل: لأبي الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي] (٥) :
ومعذر نقش العذار بمسكه ... خدا له بدم القلوب مضرجا
لما تيقن أن عضب جفونه ... من نرجس جعل النجاد (٦) بنفسجا
стр. 105
وأخذه البهاء أسعد السنجاري (١) ، فقال من جملة قصيدة:
يا سيف مقلته كملت ملاحة ... ما كنت قبل عذاره بحمائل وله أيضاً:
ودعتني بزفرة واعتناق ... ثم قالت متى يكون التلاقي
وبدت لي فأشرق الصبح منها ... بين تلك الجيوب والأطواق
يا سقيم الجفون من غير سقمٍ ... بين عينيك مصرع العشاق
إن يوم الفراق أفظع يومٍ ... ليتني مت قبل يوم الفراق وله أيضاً (٢) :
إن الغواني إن رأينك طاوياً ... برد الشباب طوين عنك وصالا
وإذا دعونك عمهن فإنه ... نسب يزيدك عندهن خبالاً وله من جملة قصيدة طويلة في المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الحكمي أحد ملوك الأندلس من بني أمية:
بالمنذر بن محمدٍ ... شرفت بلاد الأندلس
فالطير فيها ساكن ... والوحش فيها قد أنس قال الوزير المغربي في كتاب " أدب الخواص ": وقد روي أن هذه القصيدة شقت عند انتشارها على أبي تميم معد المعز لدين الله، وساءه ما
стр. 106
تضمنته من الكذب والتمويه، إلى أن عارضها شاعره الإيادي التونسي بقصيدته التي أولها:
ربع لزينب قد درس ... واعتاض من نطق خرس وهذا الشاعر هو أبو الحسن علي بن محمد الإيادي التونسي.
ولابن عبد ربه:
نعق الغراب فقلت: أكذب طائرٍ ... إن لم يصدقه رغاء بعير وفيه التفات إلى قول بعضهم:
لهن الوجى لم كن عونا على النوى ... ولا زال منها ظالع وحسير
وما الشؤم في نعق الغراب ونعيه ... وما الشؤم إلا ناقة وبعير وله غير ذلك كل معنى مليح.
وكانت ولادته في عاشر رمضان سنة ست وأربعين ومائتين، وتوفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، ودفن يوم الإثنين في مقبرة بني العباس بقرطبة، وكان قد أصابه الفالج قبل ذلك بأعوام، رحمه الله تعالى.
والقرطبي - بضم القاف وسكون الراء المهمله وضم الطاء المهمله وفي آخرها الباء الوحدة - هذه النسبة إلى قرطبة، وهي مدينة كبيرة من بلاد الأندلس وهي دار مملكتها.
وحُدير الذي هو أحد أجداده: بضم الحاء المهمله وفتح الدال المهمله وسكون الياء المثناة من تحتها والراء آخر الحروف.
стр. 107
٤٧ - (١)
أبو العلاء المعري
أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن أنوربن أسحم بن أرقم بن النعمان بن عدي بن غطفان بن عمر بن بريح بن جديمة بن تيم الله ابن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قصناعة التنوخي المعري للغوي الشاعر؛ كان متضلعاً من فنون الأدب، قرأ النحو واللغة على أبيه بالمعرة، وعلى محمد بن عبد الله بن سعد النحوي بحلب، وله التصانيف الكثيرة المشهورة والرسائل المأثورة، وله من النظم لزوم ما لا يلزم وهو كبير يقع في خمسة أجزاء أو ما يقاربها، وله سقط الزند أيضاً، وشرحه بنفسه، وسماه ضوء السقط، وبلغني أن له كتباً سماه الأيك والغصون وهو المعروف بالهمزة والردف يقارب المائة جزء في الأدب أيضاً، وحكى لي من وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتاب الهمزة والردف وقال: لا أعلم ما كان يعوزه بعد هذا المجلد. وكان علامة عصره.
وأخذ عنه أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، والخطيب أبو زكريا التبريزي وغيرهما.
وكانت ولادته يوم الجمعة عند مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلثمائة بالمعرة، وعمي من الجدري أول سنة سبع وستين، غشى يمنى عينيه بياض وذهبت اليسرى جملة، قال الحافظ السلفي: أخبرني أبو محمد عبد الله (٢) بن الوليد بن غريب الإيادي أنه دخل مع عمه على أبي
стр. 108
العلاء يزوره، فرآه قاعداً على سجادة لبد وهو شيخ، قال: فدعا لي ومسح على رأسي وكنت صبيا، قال: وكأني أنظر إليه الساعة وإلى عينيه إحداهما نادرة (١) والأخرى غائرة جدا، وهو مجدر الوجه، نحيف الجسم.
ولما فرغ من تصنيف كتاب اللامع العزيزي في شرح شعر المتنبي وقرىء عليه أخذ الجماعة في وصفه فقال أبو العلاء: كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ الغيب حيث يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم واختصر ديوان أبي تمام وشرحه وسماه ذكرى حبيب وديوان البحتري وسماه عبث الوليد وديوان المتنبي وسماه معجز أحمد وتكلم على غريب أشعارهم ومعانيها ومآخذهم من غيرهم وما أخذ عليهم، وتولى الانتصار لهم والنقد في بعض المواضع عليهم، والتوجيه في أماكن لخطئهم.
ودخل بغداد سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، ودخلها ثانية سنة تسع وتسعين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى المعرة ولزم منزله، وشرع في التصنيف وأخذ عنه الناس، وسار إليه الطلبة من الآفاق، وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الأقدار، وسمى نفسه رهين المحبسين للزومه منزله ولذهاب عينيه، ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تديناً لأنه كان يرى رأي الحكماء المتقدمين وهم لا يأكلونه كي لا يذبحوا الحيوان ففيه تعذيب له وهم لا يرون الإيلام في جميع الحيوانات.
وعمل الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ومن شعره في اللزوم قوله:
لا تطلبن بآلةٍ لك رتبهً ... قلم البليغ بغير جد مغزل
سكن السماكان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل وتوفي يوم الجمعة ثالث - وقيل: ثاني - شهر ربيع الأول، وقيل: ثالث عشره، سنة تسع وأربعين واربعمائة بالمعرة، وبلغني أنه أوصى أن
стр. 109
يكتب على قبره هذا البيت:
هذا جناه أبي علي ... وما جنيت على أحد وهو أيضا متعلق باعتقاد الحكماء، فانهم يقولون: إيجاد الولد وإخراجه إلى هذا العالم جناية عليه، لأنه يتعرض للحوادث والآفات.
وكان مرضه ثلاثة أيام، ومات في اليوم الرابع، ولم يكن عنده غير بني عمه فقال لهم في اليوم الثالث (١) : اكتبوا عني، فتناولوا الدوي والأقلام، فأملى عليهم غير الصواب، فقال القاضي أبو محمد عبد الله التنوخي: أحسن الله عزاءكم في الشيخ فإنه ميت؛ فمات ثاني يوم. ولما توفي رثاه تلميذه أبو الحسن علي بن همام بقوله:
إن كنت لم ترق الدماء زهادة ... فلقد أرقت اليوم من جفني دماً
سيرت ذكرك في البلاد كأنه ... مسك فسامعة يضمخ أو فما
وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة ... ذكراك أخرج فدية من أحرما وقد أشار في البيت الأول إلى ما كان يعتقده ويتدين به من عدم الذبح كما تقدم ذكره.
وقبره في ساحة من دوار أهله، وعلى الساحة باب [صغير قديم] (٢) ، وهو على غاية ما يكون من الإهمال وترك القيام بمصالحه، وأهله لايحتفلون به.
والتنوخي - بفتح التاء المثناة من فوقها وضم النون المخففة وبعد الواو خاء معجمة - وهذه النسبة إلى تنوخ، وهواسم لعدة قبائل اجتمعوا قديماً بالبحرين، وتحالفوا على التناصر، وأقاموا هناك فسموا تنوخاً. والتنوخ: الإقامة، وهذه القبيلة إحدى القبائل الثلاث التي هي نصارى العرب، وهم: بهراء، وتنوخ، وتغلب.
والمعري - بفتح الخميم والعين المهملة وتشديد الراء - وهذه النسبة إلى
стр. 110
معرة النعمان، وهي: بلدة صغيرة بالشام بالقرب من حماة وشيزر، وهي منسوبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، فإنه تديرها، فنسبت إليه، وأخذها الفرنج من المسلمين في محرم سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ولم تزل بأيدي الفرنج من يومئذ إلى أن فتحها عماد الدين زنكي بن آق سنقر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ومن على أهلها بأملاكهم.
٤٨ - (١)
ابن شهيد
أبو عامر أحمد بن أبي مروان عبد الملك بن مروان بن ذي الوزارتين الأعلى أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد الأشجعي الأندلسي القرطبي؛ هو من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهط، ذكره ابن بسام في كتاب الذخيرة، وبالغ في الثناء عليه، وأورد له طرفاً وافراً من الرسائل والنظم والوقائع. وكان من أعلم أهل الأندلس (٢) ، متفنناً بارعاً في فنونه، وبينه وبين ابن حزم الظاهري مكاتبات وماعبات، وله التصانيف الغربية البديعة، منها كتاب كشف الدك وإيضاح الشك، ومنها التوابع والزوابع، ومنها حانوت عطار، وغير ذلك. وكان فيه