وحق العناق فقبلته ... شهي المقبل والمعتنق
وبت أخالج فكري به ... أزور طراً أم خيال طرق
أفكر في الهجر كيف انقضى ... وأعجب للوصل كيف اتفق
وللحب ما عز مني وهان ... وللحسن ما جل منه ودق ويعجبني من شعره بيتان من جملة قصيدة، وهما في غاية الرقة (١) :
وبالجزع حي كلما عن ذكرهم ... أمات الهوى مني فؤاداً وأحياه
تمنيتهم بالرقمتين ودارهم ... بوادي الغضا يا بعد ما أتمناه ومن شعره أيضاً يعتب على أهله وأصحابه (٢) :
يا من بمجتمع الشطين إن عصفت ... بكم رياحي فقد قدمت أعذاري
لا تنكرن رحيلي عن دياركم ... ليس الكريم على ضيم بصبار وله أيضاً (٣) :
أتظنني لا أستط ... يع أحيل عنك الدهر ودي
من ظن أن لا بد من ... هـ فإن منه ألف بد وكانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة بدمشق، وتوفي بها في حاي عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وقيل: إنه مات في سابع عشر شهر رمضان، والأول أصح.
стр. 142
٦١ - (١)
الميداني
أبو الفضل أحمد بن محمد بن احمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري الأديب، كان فاضلاً عارفاً باللغة، اختص بصحبة أبي الحسن الواحدي صاحب التفسير، ثم قرأ على غيره، وأتقن فن العربية خصوصاً اللغة وأمثال العرب، وله فيها التصانيف المفيدة، منها كتاب الأمثال المنسوب إليه ولم يعمل مثله في بابه، وكتاب السامي في الأسامي وهو جيد في بابه، وكان قد سمع الحديث ورواه، وكان ينشد كثيراً وأظنهما له:
تنفس صبح الشيب في ليل عارضي ... فقلت عساه يكتفي بعذاري
فلما فشا عاتبته فأجابني ... ألا هل ترى صبحاً بغير نهار وتوفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثماني عشرة وخمسمائة بنيسابور، ودفن على باب ميدان زياد.
والميداني - بفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى ميدان زياد بن عبد الرحمن، وهي محلة في نيسابور.
وابنه أبو سعد سعيد بن أحمد كان أيضاً فاضلاً ديناً، وله كتاب الأسماء في الأسماء (٢) ، وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 143
٦٢ - (١)
ابن الخازن الكاتب
أبو الفضل أحمد بن محمد بن الفضل بن عبد الخالق المعروف بابن الخازن، الكاتب الشاعر الدينوري الصل البغدادي المولد والوفاة؛ كان فاضلاً نادرة في الخط أوحد وقته فيه، وهو والد ابي الفتح نصر الله الكاتب المشهور، كتب من المقامات نسخاً كثيرة وهي موجودة بأيدي الناس، واعتني بجمع شعر والده فجمع منه ديواناً، وهو شعر جيد حسن السبك جميل المقاصد، فمن ذلك قوله، وهو من المعاني البديعة:
من يستقم يحرم مناه، ومن يزغ ... يختص بالإسعاف والتمكين
انظر إلى الألف استقام ففاته ... عجم وفاز به اعوجاج النون وله أيضاً:
من لي بأسمر حجبوه بمثله ... في لونه والقد والعسلان
من رامه فليدرع صبراً على ... طرف السنان وطرفه الوسنان
راح الصبا تثنيه لا ريح الصبا ... سكران بي من حبه سكران
طرف كطرف جامح مرحمتى ... أرسلت فضل عنانه عناني وله أيضاً:
أيا عالم الأسرار إنك عالم ... بضعف اصطباري عن مداراة خلقه
ففتر غرامي فيه تفتير لحظه ... وأحسن عزائي فيه تحسين خلقه
فحمل الرواسي دون ما أنا حامل ... بقلبي المعنى من تكاليف عشقه
стр. 144
وكتب إلى الحكيم أبي القاسم الهوازي، وقد فصده فآلمه:
رحم الإله مجدلين سليمهم ... من ساعديك مبضع بالمبضع
فعصائب تأتيهم بمصائب ... نشرت فتطوي أذرعاً في الأذرع
أفصدتهم بالله أم أقصدتهم ... وخزاً بأطراف الرماح الشرع
دست المباضع أم كنانة أسهم ... أم ذو الفقار مع البطين الأنزع
غرراً بنفسي إن لقيتك بعدها ... يا عنتر العبسي غير مدرع وكان الحكيم المذكور قد أضافه يوماً وزاد في خدمته، وكان في داره بستان وحمام فأدخله إليهما، فعمل أبو الفضل المذكور:
وافيت منزله فلم أرحاجباً ... إلا تلقاني بسن ضاحك
والبشر فيوجه الغلام أمارة ... لمقدمات حياء وجه المالك
ودخلت جنته وزرت جحيمه ... فشكرت رضواناً ورأفة مالك ثم إني وجدت هذه الأبيات للحكيم أبي القاسم هبة الله بن الحسين بن علي الأهوازي الطبيب الأصبهاني، ذكرها العماد الكاتب في الخريدة له، وقال: توفي سنة نيف وخمسين وخمسمائة، وذكرها في ترجمة أبي الفضل ابن الخازن المذكور، والله أعلم لمن هي منهما.
ومن شعره أيضاً -[أعني ابن الخازن]-:
وأهيف ينميه إلى العرب لفظه ... وناظره الفتان يعزي إلى الهند
تجرعت كأس الصبر من رقبائه ... لساعة وصل منه أحلى من الشهد
وهادنت أعماماً له وخؤولةً ... سوى واحد منهم غيور على الخد
كنقطة مسك أودعت جلنارة ... رأيت بها غرس البنفسج في الورد [وكان أبو بكر الخوارزمي يروي لمعاً من شعره كقوله في وصف العيار
стр. 145
وذكر أنه لم يسمع في معناه أملح منه وهو:
إن هذا العيار ألبس عطفي ... عسلياً وديني التوحيد] وله أيضاً:
وافى خيالك فاستعارت مقلتي ... من أعين الرقباء غمض مروع
ما استكملت شفتاي لثم مسلمٍ ... منه ولا كفاي ضم مودع
وأظنهم فطنوا فكل قائل ... لو لم يزره خيالها لم يهجع
فانصاع يسرق نفسه فكأنما ... طلع الصباح بها وإن لم يطلع وجل شعره مشتمل على معان حسان.
وكانت وفاته في صفر سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وعمره سبع وأربعون سنة، وقال الحافظ ابن الخوري في كتابه المنتظم: توفي سنة اثنتيي عشرة وخمسمائة، والله أعلم، رحمه الله تعالى.
وكان ولده أبو الفتح نصر الله المذكور حياً في سنة خمس وسبعين وخمسمائة ولم أقف على تاريخ وفاته.
٦٣ - (١)
ناصح الدين الأرجاني
أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني الملقب ناصح الدين؛ - كان قاضي تستر وعسكر مكرم -، وله شعر رائق في نهاية الحسن، ذكره العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة فقال: كان الأرجاني في عنفوان عمره
стр. 146
بالمدرسة النظامية بأصبهان، وشعره من آخر عهد نظام الملك، منذ سنة نيف وثمانين وأربعمائة، إلى آخرعهده، وهو سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ولم يزل نائب القاضي بعسكر مكرم، وهو مبجل مكرم، وشعره كثير والذي جمع منه لا يكون عشره، ولما وافيت عسكر مكرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة لقيت بها ولده محمداً رئيس الدين أعارني إضبارة كبيرة من شعر والده.
منبت شجرته أرجان، وموطن أسرته تستر وعسكر مكرم من خوزستان، وهو وإن كان في العجم مولده، فمن العرب محتده، سلفه القديم من الأنصار، لم يسمح بنظيره سالف الأعصار، أوسي الأس خزرجيه، قسي النطق إياديه، فارسي القلم وفارس ميدانه، وسلمان برهانه، من أبناء فارس الذين نالوا العلم المتعلق بالثريا، جمع بين العذوبة والطيب في الري والريا. انتهى كلام العماد.
قلت: ونقلت من ديوانه أنه كان ينوب في القضاء ببلاد خوزستان، تارة بتستر وتارة بعسكر مكرم، مرة عن قاضيها ناصر الدين أبي محمد عبد القاهر بن محمد، ومن بعده عن عماد الدين أبي العلاء رجاء، وفي ذلك يقول:
ومن النوائب أنني ... في مثل هذا الشغل نائب
ومن العجائب أن لي ... صبراً على هذي العجائب وكان فقيهاً شاعراً، وفي ذلك يقول:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافعٍ ... في العصر، أو أنا أفقه الشعراء
شعري إذا ماقلت دونه الورى ... بالطبع لا بتكلف الإلقاء
كالصوت في قلل الجبال إذا علا ... للسمع هاج تجاوب الأصداء ومن شعره أيضاً:
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوماً وإن كانت من أهل المشورات
فالعين تلقى كفاحاً ما دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة ومن شعره أيضاً:
стр. 147
ما جبت آفاق البلاد مطوفاً ... إلا وانتم في الورى متطلبي
سعيي إليكم في الحقيقة، والذي ... تجدون عنكم فهو سعي الدهر بي
أنحوكم ويرد وجهي القهقرى ... عنكم فسيري مثل سير الكوكب
فالقصد نحو المشرق الأقصى لكم ... والسير رأي العين نحو المغرب ومن شعره أيضاً ما كتبه إلى بعض الرؤساء يعتب عليه لعدم سؤاله عنه وقد انقطع عنه مدة:
نفسي فداؤك أيهذا الصاحب ... يا من هواه علي فرض واجب
لم طال تقصيري وما عاتبتني ... فأنا الغداة مقصر ومعاتب
ومن الدليل على ملالك أنني ... قد غبت أياماً وما لي طالب
وإذا رأيت العبد يهرب ثم لم ... يطلب فمولى العبد منه هارب وله أيضاً، وهومعنى غريب:
رثى لي وقد ساويته في نحوله ... خيالي لما لم يكن لي راحم
فدلس بي حتى طرقت مكانه ... وأوهمت إلفي أنه بي حالم
وبتنا ولم يشعر بنا الناس ليلة ... أنا ساهر في جفنه وهو نائم وله من قصيدة وأجاد فيها:
تأمل تحت ذاك الصدغ خالاً ... لتعلم كم خبايا في الزوايا وله أيضاً:
شبت أنا والتحى حبيبي ... وبان عني وبنت عنه
وأبيض ذاك السواد مني ... وأسود ذاك البياض منه وله أيضاً:
سأل الفضا عنه وأصغى للصدى ... كيما يجيب فقال مثل مقاله
ناداه أين ترى محط رحاله ... فأجاب أين ترى محط رحاله
стр. 148
وله أيضاً:
لو كنت أجهل ما علمت (١) لسرني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم
كالصعو يرتع في الرياض، وإنما ... حبس الهزار لأنه يترنم (٢) ومثله قول بعضهم:
يقصد أهل الفضل دون الورى ... مصائب الدنيا وآفاتها
كالطير لا يحبس من بينها ... إلا التي تطرب أصواتها وهذا ينظر إلى قول الغزي أبي إسحاق المقدم ذكره من جملة قصيدة طويلة:
لا غرو أن تجني علي فضائلي ... سبب احتراق المندلي دخانه ونقتصر على هذه المقاطيع من شعره، ولا حاجة إلى ذكر شيء من قصائده المطولات خوفاً من الإطالة.
وله أيضاً:
أحب المرء ظاهره جميل ... لصاحبه وباطنه سليم
مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم وهذا البيت - أعني الثاني منهما - يقرأ معكوساً، ويوجد في ديوان الغزي المذكور أيضاً، والله أعلم.
وله ديوان شعر فيه كل معنى لطيف.
ومولده سنة ستين وأربعمائة، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمسمائة بمدينة تستر، رحمه الله تعالى، وقيل بعسكر مكرم.
والأرجاني - بفتح الهمزة وتشديد الراء المهملة وفتح الجيم وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى أرجان، وهي من كور الهواز من بلاد خوزستان،
стр. 149
وأكثر الناس يقولون: إنها بالراء المخففة، واستعملها المتنبي في شعره مخففة في قوله (١) :
أرجان أيتهاالجياد، فإنه ... عزمي الذي يذر (٢) الوشيج مكسرا وحكاها الجوهري في الصحاح، والحازمي في كتابه الذي سماه ما اتفق لفظه وافترق مسماه يتشديد الراء.
وتستر - بضم التاء المثناة من فوقها وسكون السين المهملة وفتح التاء الثانية وبعدها راء - مدينة مشهورة بخوزستان، والعامة تسميها ششتر.
وعسكر مكرم - قد اختلفوا في مكرم، فأكثر العلماء على أنه مكرم اخو مطرف بن سيدان بن عقيلة بن ذكوان بن حيان بن الخرزق بن عيلان بن حاوة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان، هكذا نسبه استخرجته على هذه الصورة من كتاب الجمهرة لابن الكلبي، وليس في نسبه باهلة، ومكرم المذكور يعرف بمكرم الباهلي الحاوي، والله اعلم. وقيل: هو مكرم أحد بني جعونة العامري.
وقيل: هو مكرم مولى الحجاج بن يوسف الثقفي، نزله لمحاربة خرزاد ابن بارس فسمي بذلك.
وخوزستان - بضم الخاء المعجمة وبعد الواو زاي ثم سين مهملة - وهوإقليم متسع بين البصرة وفارس.
стр. 150
٦٤ - (١)
ابن منير الطرابلسي
أبو الحسين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي الملقب مهذب الدين عين الزمان الشاعر المشهور؛ له ديوان شعر، وكان أبوه ينشد (٢) الأشعار، ويغني في أسواق طرابلس (٣) ، ونشأ أبو الحسين المذكور، وحفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة والأدب، وقال الشعر، وقدم دمشق فسكنها، وكان رافضياً كثير الهجاء خبيث اللسان، ولما كثر منه ذلك سجنه بوري بن أتابك طغتكين صاحب دمشق مدة وعزم على قطع لسانه، ثم شفعوا فيه فنفاه، وكان بينه وبين أبي عبد الله محمد بن نصر بن صغير المعروف بابن القيسراني (٤) مكاتبات وأجوبة ومهاجاة، وكانا مقيمين بحلب ومتنافسين في صناعتهما كما جرت عادة المتماثلين.
ومن شعره من جملة قصيدة:
وإذا الكريم رأى الخمول نزيله ... في منزل فالحزم أن يترحلا (٥)
كالبدر لما أن تضاءل جد في ... طلب الكمال فحازه متنقلا
سفها لحلمك أن رضيت بمشربٍ ... رنق ورزق الله قد ملأ الملا
ساهمت عيسك مر عيشك قاعداً ... أفلا فليت بهن ناصية الفلا
стр. 151
فارق ترق كالسيف سل فبان في ... متنيه ما أخفى القراب وأخملا
لا تحسبن ذهاب نفسك ميتةً ... ما الموت إلا أن تعيش مذللاً
للقفر لا للفقر هبها إنما ... مغناك ما أغناك أن تتوسلا
لا ترضى من دنياك ما أدناك من ... دنس وكن طيفاً جلا ثم انجلى
وصل الهجير بهجر قوم كلما ... أمطرتهم شهداً جنوا لك حنظلا
من غادر خبثت مغارس وده ... فإذا محضت له الوفاة تأولا
لله علمي بالزمان وأهله ... ذنب الفضيلة عندهم أن تكملا
طبعوا على لؤم الطباع فخيرهم ... إن قلت قال وإن سكت تقولا
أنا من إذا ما الدهر هم بخفضه ... سامته همته السماك الأعزلا
واعٍ خطاب الخطب وهو مجمجم ... راعٍ أكل العيس من عدم الكلا
زعم كمنبلج الصباح وراءه ... عزم كحد السيف صادف مقتلا ومن محاسن شعره القصيدة التي أولها:
من ركب البدر في صدر الرديني ... وموه السحر في حد اليماني
وأنزل النير الأعلى إلى فلك ... مداره في القباء الخسرواني
طرف رنا أم قراب سل صارمه ... وأغيد ماس أم أعطاف خطي
أذلني بعد عز والهوى أبداً ... يستعبد الليث للظبي الكناسي ومنها أيضاً:
أما وذائب مسكٍ من ذوائبه ... على أعالي القضيب الخيزراني
وما يجن عقيقي الشفاه من ال ... ريق الرحيقي والثغر الجماني
لو قيل للبدر من في الأرض تحسده ... إذا تجلس لقال ابن الفلاني
أربى علي بشتى من محاسنه ... تألفت بين مسموع ومرئي
إباء فارس في لين الشآم مع الظ ... رف العراقي والنطق الحجازي
وما المدامة بالألباب أفتك من ... فصاحة البدو في ألفاظ تركي
стр. 152
وله أيضاً (١) :
أنكرت مقلته سفك دمي ... وعلى وجنته فاعترفت
لا تخالوا خاله في خده ... قطرة (٢) من دم جفني نطفت
ذاك (٣) من نار فؤادي جذوة ... فيه ساخت وانطفت ثم طفت وله من جملة قصدة:
لا تغالطني فما تخ ... فى علامات المريب
أين ذاك البشر يامو ... لاي من هذا القطوب ونقلت من خط الشيخ الحافظ المحدث زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المصري رحمه الله تعالى قال: حكى لي أبو المجد قاضي السويداء، قال: كان بالشام شاعران ابن منير وابن القيسراني، وكان ابن منير كثيراً ما يبكت (٤) ابن القيسراني بأنه ما صحب أحدا إلا نكب (٥) ، فاتفق أن أتابك عماد الدين زنكي صاحب الشام غناه مغن على قلعة جعبر، وهو يحاصرها، قول الشاعر:
ويلي من المعرض الغضبان إذ نقل ال ... واشي إليه حديثا كله زور
سلمت فازور يزوي قوس حاجبه ... كأنني كأس خمر وهو مخمور فاستحسنها زنكي، وقال: لمن هذه فقيل: لابن منير، وهو بحلب، فكتب إلى والي حلب يسيره إليه سريعاً، فسيره، فليلة وصل ابن منير قتل أتابك زنكي - قلت: وسيأتي شرح الحال في ذلك على التفصيل في ترجمة زنكي إن شاء الله تعالى - قال: فأخذ أسد الدين شيركوه، صاحب حمص، نور الدين
стр. 153
محمود بن زنكي وعسكر الشام وعاد بهم إلى حلب، وأخذ زين الدين علي ولد مظفر الدين صاحب إربل عساكر بلاد الشرق وعاد بهم إلى الموصل، وإلى سيف الدين غازي بن زنكي وملكه الموصل، فلما دخل ابن منير إلى حلب صحبة العسكر، قال له ابن القيسراني: هذه بجميع ما كانت تبكتني به! قلت: ولابن القيسراني المذكور في ابن منير، وكان قد هجاه:
ابن منير هجوت مني ... حبراً أفاد الورى صوابه
ولم تضيق بذاك صدري ... فإن لي أسوة الصحابه أشعاره لطيفة فائقة.
وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بطرابلس، وكانت وفاته في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بحلب، ودفن في جبل جوشن، بقرب المشهد الذي هناك، رحمه الله تعالى.
وزرت قبره ورأيت عليه مكتوبا:
من زار قبري فليكن مرقناً ... أن الذي ألقاه يلقاه
فيرحم الله امرءا زارني ... وقال لي: يرحمك الله وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، فقال في ترجمته: حدث الخطيب السديد أبو محمد عبد القاهر بن عبد العزيز خطيب حماة، قال: رأيت أبا الحسين ابن منير الشاعر في النوم بعد موته، وأنا على قرنة (١) بستان مرتفعة، فسألته عن حاله وقلت له: اصعد إلي، فقال: ما أقدر من رائحتي، فقلت: تشرب الخمر فقال: شراً من الخمر يا خطيب، فقلت له: ما هو فقال: تدري ما جرى علي من هذه القصائد التي قلتها في مثالب الناس فقلت له: ما جرى عليك منها فقال: لساني قد طال وثخن حتى صار مد البصر، وكلما قرأت قصيدة منها قد صارت كلابا تتعلق في لساني، وأبصرته حافياً عليه ثياب رثة إلى غاية، وسمعت قارئا يقرأ من فوقه لهم من فوقهم ظلل
стр. 154
من النار - الآية ثم انتبهت مرعوبا.
قلت: ثم وجدت في ديوان أبي الحكم عبيد الله الآتي ذكره أن ابن منير توفي بدمشق سنة سبع وأربعين، ورثاه بأبيات تدل على أنه مات بدمشق منها وهي هزلية على عادته في ذلك:
أتوا به فوق أعواد تسير به ... وغسلوه بشطي نهر قلوط
وأسخنوا الماء في قدر مرصصة ... وأشعلوا تحته عيدان بلوط وعلى هذا التقدير فيحتاج إلى الجمع بين هذين الكلامين، فعساه أن يكون قد مات بدمشق قم نقل إلى حلب فدفن بها، والله أعلم.
ومنير: بضم الميم وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء.
ومفلح: بضم الميم وسكون الفاء وكسر اللام وبعدها حاء مهملة.
والطرابلسي - بفتح الطاء المهملة والراء وبعد الألف باء موحدة مضمونة ثم سين مهملة - هذه النسبة إلى طرابلس، وهي مدينة بساحل الشام قريبة من بعلبك، وقد تزاد الهمزة إلى أولها فيقال أطرابلس، وأخذها الفرنج سنة ثلاث وخمسمائة، وصاحبها يومئذ أبو علي عمار بن محمد بن عمار، بعد أن حوصرت سبع سنين، والشرح في ذلك يطول.
وجوشن: بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الشين المثلثة ثم نون [جبل بحلب] .
٦٥ - (١)
القاضي الرشيد ابن الزبير
القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد ابن القاضي الرشيد أبي الحسن علي ابن القاضي
стр. 155
الرشيد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الغساني الأسواني؛ كان من أهل الفضل والنباهة والرياسة، صنف كتاب جنان الجنان وياض الأذهان وذكر فيه جماعة من مشاهير الفضلاء (١) ، وله ديوان شعر، ولأخيه القاضي المهذب (٢) أبي محمد الحسن ديوان شعر أيضاً، وكان مجيدين في نظمهما ونثرهما.
(٦) ومن شعر القاضي المهذب - وهو معنى لطيف غريب - من جملة قصيدة بديعة:
وترى المجرة والنجوم كأنما (٣) ... تسقي الرياض بجدول ملآن
لو لم تكن نهراً لما عامت بها ... أبداً نجوم الحوت والسرطان وله أيضا من جملة قصيدة:
وما لي إلى ماءٍ سوى النيل غلة ... ولو أنه، أستغفر الله، زمزم وله كل معنى حسن، وأول شعر قاله سنة ست وعشرين وخمسمائة. وذكره العماد الكاتب في كتاب السيل والذيل وهو أشعر من الرشيد، والرشيد أعلم منه في سائر العلوم، وتوفي بالقاهرة سنة إحدى وستين وخمسمائة في رجب، حمه الله تعالى.
وأما القاضي الرشيد فقد ذكره الحافظ أبو الطاهر السلفي - رحمه الله تعالى - في بعض تعاليقه، وقال: ولي النظر بثغر الإسكندرية في الدواوين السلطانية بغير اختياره في سنة تسع وخمسين وخمسمائة، ثم قتل ظلماً وعدواناً في المحرم سنة ثلاث وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ وذكره العماد أيضاً في كتاب السيل والذيل الذي ديل به علىالخريدة فقال: الخضم الزاخر، والبحر العباب، ذكرته في الخريدة وأخاه المهذب، قتله شاور ظلماً لميله إلى أسد الدين شيركوه في سنة ثلاث وستين وخمسمائة، كان أسود الجلدة،
стр. 156
وسيد البلدة، أوحد عصره في علم الهندسة والرياضات (١) ، والعلوم الشرعيات، والآداب الشعريات، ومما أنشدني له الأمير عضد الدولة (٢) أبو الفوارس مرهف بن أسامة بن منقذ، وذكر أنه سمعها منه:
جلت لدي الرزايا بل جلت هممي ... وهل يضر جلاء الصارم الذكر
غيري يغيره عن حسن شيمته ... صرف الزمان وما ياتي من الغير
لو كانت النار للياقوت محرقة ... لكان يشتبه الياقوت بالحجر
لا تغررن بأطماري وقيمتها ... فإنما هي أصداف على درر
ولا تظن خفاء النجم من صغرٍ ... فالذنب في ذاك محمول على البصر قلت: وهذا البيت مأخوذ من قول أبي العلاء المعري في قصيدته الطويلة المشهورة، فإنه القائل فيها:
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر وأورد له العماد الكاتب في الجزيرة أيضاً قوله في الكامل بن شاور:
إذا ما نبت بالحر دار يودها ... ولم يرتحل عنها فليس بذي حزم
وهب بها صباً ألم يدر أنه ... سيزعجه منها الحمام على رغم وقال العماد: أنشدني محمد بن عيسى اليمني ببغداد سنة إحدى وخمسين، قال: أنشدني القاضي الرشيد باليمن لنفسه في رجل:
لئن خاب ظني في رجائك بعد ما ... ظننت بأني قد ظفرت بمنصف
فإنك قد قلدتني كل منةٍ ... ملكت بها شكري لدى كل موقف
لأنك قد حذرتني كل صاحبٍ ... وأعلمتني أن ليس في الأرض من يفي وكان الرشيد أسود اللون، وفيه يقول أبو الفتح محمود بن قادوس (٣)
стр. 157
الكاتب الشاعر يهجوه:
يا شبه لقمان بلا حكمةٍ ... وخاسراً في العلم لا راسخاً
سلخت أشعار الورى كلها ... فصرت تدعى الأسود السالخا وفيه أيضاً كما يغلب على ظني هذا:
إن قلت من نار خلق ... ت وفقت كل الناس فهما
قلنا صدقت فما الذي ... أضناك حتى صرت فحما وكان الرشيد سافر إلى اليمن رسولاً، ومدح جماعة من ملوكها، وممن مدحه منهم علي بن حاتم الهمداني قال فيه:
لئن أجدبت أرض الصعيد وأقحطوا ... فلست أنال القحط في أرض قحطان
ومذ كفلت لي مأرب بمآربي ... فلست على أسوان يوماً بأسوان
وإن جهلت حقي زعانف خندفٍ ... فقد عرفت فضلي غطارف همدان فحسده الداعي في عدن على ذلك، فكتب بالأبيات إلى صاحب مصر، فكانت سبب الغضب عليه، فأمسكه وأنفذه إليه مقيداً مجرداً، وأخذ جميع موجوده، فأقام باليمن مدة ثم رجع إلى مصر، فقتله شاور كما ذكرناه، وكتب إليه الجليس بن الحباب:
ثروة المكرمات بعدك فقر ... ومحل العلا ببعدك قفر
بك تجلى إذا حللت الدياجي ... وتمر الأيام حيث تمر
أذنب الدهر في مسيرك ذنباً ... ليس منه سوى إيابك عذر والغساني - بفتح الغين المعجمة والسين المهملة وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى غسان وهي قبيلة كبيرة من الأزد شربوا من ماء غسان، وهو باليمن فسموا به.
والأسواني - بضم الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الواو وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى أسوان، وهي بلدة بصعيد مصر، قال السمعاني: هي
стр. 158
بفتح الهمزة، والصحيح الضم، هكذا قال لي الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري حافظ مصر، نفعنا الله به آمين.
٦٦ - (١)
أحمد القطرسي النفيس
أبو العباس أحمد بين أبي القاسم عبد الغني بن أحمد بن عبد الرحمن بن خلف بن مسلم اللخمي المالكي القطرسي، المنعوت بالنفيس؛ كان من الأدباء، وله ديوان شعر أجاد فيه، ونقلت منه قصيدة يمدح بها الأمير شجاع الدين جلدك التقوي، المعروف بوالي دمياط، أولها:
قل للحبيب أطلت صدك ... وجعلت قتلي فيك وكدك
إن شئت أن أسلو فرد ... علي قلبي فهو عندك
أخلفت حتى في زيا ... رتنا بطيف منك وعدك
وأنا عليك كما عهد ... ت وإن نقضت علي عهدك
أحرقت يا ثغر الحبي ... ب حشاي لما ذقت بردك
وشهدت أني ظالم ... لما طلبت إليك شهدك
أتظن غصن البان يع ... جبني وقد عاينت قدك
أم يخدع التفاح أل ... حاظي وقد شاهدت خدك
أم خلت آس عذارك ال ... منشوق يحمي منك وردك
لا والذي جعل الهوى ... مولاي حتى صرت عبدك
يا قلب من لانت معا ... طفه علينا ما أشدك
أتظنني جلد الهوى ... أو أن لي عزمات جلدك
стр. 159
وهي قصيدة جيدة، ونقتصر منها على هذا القدر خوف الإطالة.
وجاب النفيس المذكور البلاد، ومدح الناس، واستجدى بشعره.
وذكره العماد الكاتب في الخريدة، فقال: فقيه مالكي المذهب، له يد في علوم الوائل والدب، ومن شعره قوله:
يسر بالعيد أقوام لهم سعة ... من الثراء، وأما المقترن فلا
هل سرني وثيابي فيه قوم سبا ... أو راقني وعلى رأسي به ابن جلا يعني قوم سبأ مزقناهم كل ممزق، وابن جلا ما له عمامة، يشير إلى قول الشاعر سحيم بن وثيل الرباحي:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني وذكره العماد أيضاً في كتاب السيل فقال: كان من الفقهاء بمصر، وقد رأيت القاضي الفاضل يثني عليه، ووجدت له قصيدة كتبها من مصر إليه ونقلت من ديوانه أيضاً:
يا راحلا وجميل الصبر يتبعه ... هل من سبيل إلى لقياك يتفق
ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو محترق [ومن شعره أيضاً في الأمير فخر الدين إسماعيل بن ثعلب:
مدحت الجعفري فما أثابت ... يداه فظن مدحي للثواب
وما كان احتساب الأجر فيه ... على كذب المدائح في الحساب ومن شعره أيضاً:
يأبى العذار المستدير بوجهه ... وكمال بهجة حسنه المنعوت
فكأنما هو صولجان زمرد ... متلقف كرة من الياقوت] وله في كأس سقطت وهو معنى بديع:
ما سقطت كاسك من علة ... لكن يد الفضل بتبديدها
стр. 160
هيهات أن تحفظها راحة ... ما حفظت قط سوى جودها وله:
فؤادي إليك شديد الظما ... وعيني تشكو لك الحاجبا
فرتب لي الأذن سهلاً لديك ... فإني أرضى به راتباً [وكتب إلى القاضي الأسعد بن عثمان يستدعيه من جملة أبيات:
صر إلينا على البراق وإلا ... جاءك العتب بعد فوت المراد وصار إليه وأنشده ارتجالاً:
قد أجبت لنداء يا داعي ال ... مجد ولو كنت موثقاً في صفاد
فودادي يصونني عن عتاب ... وبراقي عزيمتي في الوداد] وله في مغن اسمه حسام ويعرف بالأقرع وهي من الشعر المختار:
وفتيان تملكت الحميا ... أزمة أمرهم ملك الأمير
أرادوا من حسام أن يغني ... ليطربهم وذاك من الغرور
فقلت لهم متى بالله غنى ... حسام قط في زمن السرور [ومن شعره أيضاً:
لا تسأل اليوم عن حالي وعن خبري ... دهت فؤادي دواهي الحسن والقدر
أصبحت قد ضل قلبي في هوى قمر ... فأعجب لمن ضل بين الشمس والقمر وله أيضا وكتب بهما إلى بعض أصدقائه يعاتبه:
إن مسني من جنابٍ كنت أعهد لي ... فيه النعيم تكاليف من الشظف
فالشمس والبدر حسبي أسوة بهما ... وربما كسفا في البيت والشرف ومن شعره يصف دير القصير أولها:
قصرنا على دير القصير ركابنا ... ليالي قضاها السرور قصارا]
стр. 161
محل يريك النيل والروض والمها ... ويدني من النجم البعيد مزارا
وتهدي إلى أبصارنا وقلوبنا ... بغير عناء قوة وقدارا ويقتصر من شعره على هذا القدر.
وكان جده يقال له قطرس.
وتوفي في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة بمدينة قوص، وقد ناهز سبعين سنة من عمره، رحمه الله تعالى.
واللخمي - بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وبعدها ميم - هذه النمسبة إلى لخم بن عدي، واسمه مالك، وهو أخو جذام، واسم جذام عمر بن عدي، وكانا قد تشاجرا فلخم عمرو مالكا - أي لطمه - فضرب مالك عمرا بمدية فجذم يده - أي قطعها - فسمي مالك لخما، وسمي عمرو جذاماً لهذا السبب.
والقطرسي - بضم القاف وسكون الطاء المهملة وضم الراء وبعدها سين مهملة - هذه النسبة كشفت عنها كثيراً ولم اقف لها على حقيقة، غير انه كان من أهل مصر، ثم أخبرني بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب الشاعر - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - أن هذه النسبة إلى جده قطرس، وكان صاحبه، وروى عنه شيئا من شعره.
(٧) وجلدك: أبو المظفر عتيق تقي الدين عمر، صاحب حماة - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكان ديناً فاضلاً. ومات في الثامن والعشرين من شعبان سنة ثمان وعشرين وستمائة بالقاهرة، وقد ناهز ثمانين سنة، وله شعر، وروى عن الحافظ السلفي وغيره، ومن جملة ما روى بهاء الدين زهير من شعره في غلام يتعلم على الهندسة والهيئة:
وذي هيئة يزهو بوجه مهندس ... أموت به كل يوم وأبعث
محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأن به إقليدساً يتحدث
فعارضه خط استواء وخاله ... به نقطة والصدغ شكل مثلث وتنسب هذه اليات إلى أبي جعفر العلوي المصري، والله أعلم.
стр. 162
٦٧ - (١)
ابن الرشيد
أبو العباس أحمد بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور الهاشمي المعروف بالسبتي؛ كان عبداً صالحاً، ترك الدنيا في حياة أبيه مع القدرة، ولم يتعلق بشيء من أمورها، وأبوه خليفة الدنيا، وآثرالانقطاع والعزلة، وإنما قيل له السبتي لأنه كان يتكسب بيده في يوم السبت شيئاً ينفقه في بقية الأسبوع، ويتفرغ للاشتغال بالعبادة، فعرف بهذه النسبة، ولم يزل على هذه الحال إلى أن توفي سنة أربع وثمانين ومائة قبل موت أبيه، رحمهما الله تعالى؛ وأخباره مشهورة، فلا حاجة إلى التطويل فيها، وذكره ابن الجوزي في شذور العقود وفي صفوة الصفوة وهو مذكور في كتاب " التوابين " وفي " المنتظم " أيضا.
٦٨ - (٢)
ابن العريف
أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي الأندلسي المريي المعروف بابن العريف؛ كان من كبار الصالحين والولياء المتورعين، وله المناقب
стр. 163
المشهورة، وله كتاب " المجالس " (١) وغيره من الكتب المتعلقة بطريق القوم، وله نظم حسن في طرقهم أيضاً، ومن شعره (٢) :
شدوا المطي وقد نالوا المنى بمنى ... وكلهم بأليم الشوق قد باحا
سارت ركائبهم تندى روائحها ... طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحاً
نسيم قبر النبي المصطفى لهم ... روح إذا شربوا من ذكره راحا
يا واصلين إلى المختار من مضرٍ ... زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذرٍ وعن قدر ... ومن أقام على عذرٍ كمن راحا وبينه وبين القاضي عياض بن موسى اليحصبي مكاتبات حسنة، وكانت عنده مشاركة في أشياء من العلوم، وعنتية بالقراءات وجمع الروايات واهتمام بطرقها وحملتها، وكان العباد وأهل الزهد يألفونه ويحمدون صحبته.
وحكى بعض المشايخ الفضلاء أنه رأى بخطه فصلا في حق أبي محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الظاهري الأندلسي، وقال فيه: كان لسان ابن حزم المذكور وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين، وإنما قال ذلك لأن ابن حزم كان كثير الوقوع (٣) في الأئمة المتقدمين والمتأخرين، لم يكد يسلم منه أحد. ومولده يوم الأحد بعد طلوع الفجر ثاني جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
وكانت وفاة ابن العريف المذكور سنة ست وثلاثين وخمسمائة بمراكش، رحمه الله تعالى، ليلة الجمعة أول الليل، ودفن يوم الجمعة الثالث والعشرين من صفر، وقد كان سعي به إلى صاحب مراكش، فأحضره إليها فمات، واحتفل الناس بجنازته وظهرت له كرامات، فندم على استدعائه؛ وصاحب مراكش الذي استدعاه هو علي بن يوسف بن ناشفين - الآتي ذكره في ترجمة أبيه يوسف إن شاء الله تعالى -.
стр. 164
والمريي: هذه النسبة إلى المرية، وهي بفتح الميم وكسر الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء، وهي مدينة عظيمة بالأندلس.
٦٩ - (١)
ابن الحطيئة اللخمي
أبو العباس أحمد بن عبد الله بن احمد بن هشام بن الحطيئة اللخمي الفاسي؛ كان من مشاهير الصلحاء وأعيانهم، وكان مع صلاحه فيه فضيلة ومعرفة بالأدب، وكان رأساً في القراءات السبع، ونسخ بخطه كثيرا من كتب الأدب وغيرها، وكان جيد الخط، حسن الضبط، والكتب التي توجد بخطه مرغوب فيها للتبرك بها ولإتقانها.
ومولده في الساعة الثامنة من يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بمدينة فاس، وانتقل إلى الديار المصرية، ولأهلها فيه اعتقاد كبير لما رأوه من صلاحه، وكان قد حج ودخل الشام، واستوطن خارج مصر في جامع راشدة، وكان لا يقبل لأحد شيئا ولا يرتزق على الإقراء، واتفق بمصر مجاعة شديدة فمشى إليه أجلاء المصريين وسألوه قبول شيء فامتنع، وكان عدلاً بزازاً في القاهرة، فتزوجها وسأل أن تكون أمها عندها، فأذن في ذلك، وكان قصدهم تخفيف العائلة عنه، وبقي منفردا ينسخ ويأكل من نسخه [وكان يعرض عليه المال فلا يقبل منه شيئا؛ قيل: جاء بعض التجار بمئزر أسود صوف وحلف عليه به، فقال: اجعله على ذلك الوتد، فأقام ثلاثين سنة موضعه. لم يزل بالشرق إلى نوبة مصر المشهورة وحريقها فنزل في دويرة بها ... ]
وتوفي في أواخر المحرم سنة ستين وخمسمائة بمصر، ودفن في القرافة الصغرى
стр. 165
وقبره يزار بها، وزرته ليلا فوجدت عنده أنسا كثيرا، رحمه الله تعالى.
وكان يقول: أدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب ﵁، أشار إلى الإسلام لم يزل في أيامه في نمو وازدياد، وشرع بعده في التضعضع والاضطراب.
وذكر في كتاب " الدول المنقطعة " (١) في ترجمة أبي الميمون عبد المجيد صاحب مصر أن الناس أقاموا بلا قاض ثلاثة أشهرفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ثم اختير في ذي القعدة أبو العباس ابن الحطيئة، فاشترط أن لا يقضي بمذهب الدولة فلم يمكن من ذلك، وتولى غيره، والله تعالى أعلم.
والحطيئة: بضم الحاء المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد الهمزة هاء.
والفاسي - بفتح الفاء وبعد الألف سين مهملة - هذه النسبة إلى فاس وهي مدينة كبيرة بالمغرب بالقرب من سبتة خرج منها جماعة من العلماء.
٧٠ - (٢)
ابن الرفاعي
أبو العباس أحمد بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد المعروف بابن الرافاعي؛ كان رجلاً صالحاً فقيها شافعي المذهب، أصله من العرب، وسكن في البطائح بقرية يقال لها: أم عبيدة، وانضم إليه خلق عظيم من الفقراء، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه. والطائفة المعروفة بالرفاعية والبطائحية من الفقراء
стр. 166
منسوبة إليه، ولأتباعه أحوال عجيبة: من أكل الحيات وهي حية، والنزول في التنانير وهي تتضرم بالنار فيطفئونها، ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود، ومثل هذا وأشباهه، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعد ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل. ولم يكن له عقب، وإنما العقب لأخيه، وأولاده يتوارثون المشيخة والولاية على تلك الناحية إلى الآن، وأمورهم مشهورة مستفيضة، فلا حاجة إلى الإطالة فيها.
وكان للشيخ أحمد - مع ما كان عليه من الاشتغال بعبادته - شعر، فمنه على ما قيل:
إذا جن ليلي هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوف
وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى ... وتحتي بحار بالأسى تتدفق
سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها ... تفك الأسارى دونه وهو موثق
فلا هو مقتول ففي القتل راحة ... ولا هو ممنون عليه فيطلق (١) ولم يزل على تلك الحال إلى أن توفي يوم الخمسين الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بأم عبيدة، وهو في عشر السبعين، رحمه الله تعالى.
والرفاعي - بكسرالراء وفتح الفاء وبعد الألف عين مهملة - هذه النسبة إلى رجل من العرب، يقال له رفاعة، هكذا نقلته من خط بعض أهل بيته.
وأم عبيدة: بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد الدال المهملة المفتوحة هاء.
والبطائح - بفتح الباء الموحدة والطاء المهملة وبعد الألف ياء مثناة من تحتها ثم حاء مهملة - وهي عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة، ولها شهرة بالعراق.
стр. 167
٧١ - (١)
أحمد بن طولون
الأمير أبو العباس أحمد بن طولون، صاحب الديار المصرية والشامية والثغور؛ كان المعتز بالله قد ولاه مصر، ثم استولى على دمشق والشام أجمع وانطاكية والثغور في مدة اشتغال الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل، وكان نائبا عن أخيه المعتمد على الله الخليفة وهو والد المعتضد بالله، بحرب صاحب الزنج.
وكان أحمد عادلاً جواداً شجاعاً متواضعاً حسن السيرة صادق الفراسة، يباشر الأمور بنفسه ويعمر البلاد ويتفقد أحوال رعاياه ويحب أهل العلم، وكانت له مائدة يحضرها كل يوم الخاص والعام، وكان له ألف دينار في كل شهر للصدقة، فأتاه وكيله يوماً فقال: إني تأتيني المرأة وعليها الإزار وفي يدها خاتم الذهب فتطلب مني، أفأعطيها فقال له: من مد يده إليك فأعطه. وكان مع ذلك كله طائش السيف، قال القضاعي: يقال إنه أحصي من قتله ابن طولون صبراً ومن مات في حبشه فكان عددهم ثمانية عشر ألفا. وكان يحفظ القرآن الكريم، ورزق حسن الصوت، وكان من أدرس الناس القرآن، وبنى الجامع المنسوب إليه الذي بين القاهرة ومصر في سنة تسع وخمسين ومائتين، وهذه الزيادة حكاها الفرغاني في تارخه، وذكر القضاعي في كتاب الخطط أنه شرع في عمارته سنة أربع وستين ومائتين، وفرغ منه في سنة ست وستين ومائتين، والله أعلم، وأنفق على عمارته مائة ألف وعشرين ألف دينارعلى ما حكاه أحمد بن يوسف مؤلف سيرته. وكان أبوه مملوكاً أهداه نوح بن أسد الساماني عامل بخارى إلى المأمون في جملة رقيق حمله إليه في سنة مائتين، ومات طولون في سنة أربعين ومائتين.
стр. 168
وكانت ولادة ولده أحمد بسامرا في الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين، ويقال إن طولون تبناه ولم يكن ابنه، ودخل مصر لتسع - وقيل: لسبع - بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين، وقيل: يوم الاثنين لخمس بقين منه.
وتوفي بها في ليلة الأحد لعشر بقين - وقال الفرغاني: لعشر خلون - من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين بزلق الأمعاء، رحمه الله تعالى. وزرت قبره في تربة عتيقة بالقرب من الباب المجاور للقلعة على طريق المتوجه إلى القرافة الصغرى بسفح المقطم.
وطولون: بضم الطاء المهملة وسكون الواو وضم اللام [وسكون الواو] وبعدها نون، وهو اسم تركي.
والساماني - بفتح السين المهملة وبعد الألف ميم مفتوحة وبعد الألف الثانية نون - هذه النسبة إلى سامام، وهو جد الملوك السامانية بما وراء النهر وخراسان.
وسامرا - بفتح السين المهملة وبعد الألف ميم مفتوحة ثم راء مشددة وبعدها ألف - مدينة كبيرة بناها المعتصم في سنة عشرين ومائتين بالعاق فوق بغداد، وحكى فيها الجوهري في كتاب الصحاح ست لغات في فصل رأى وهذه اللغة إحدى تلك الست، وليس هذا موضع استقصاء الست، وقد ذكرتها في ترجمة إبراهيم بن المهدي.
٧٢ - (١)
معز الدولة ابن بويه
أبو الحسين أحمد بن بي شجاع بويه بن فناخسرو بن تمام بن كوهي بن
стр. 169
شيرزيل الأصغر ابن شيركوه بن شيرزيل الأكبر ابن شيران شاه بن شيرفنه بن شستان شاه ين سسن فرو بن شروذيل (١) بن سناد (٢) بن بهرام جور الملك بن يزد جردين بن هرمز كرمانشاه بن سابور ذي الأكتاف، وبقية النسب معروفة في ملوك بني ساسان فلا حاجة إلى الإطالة.
وأبو الحسين المذكور يلقب معز الدولة، وهم ثلاثة إخوة، وسيأتي ذكر الجميع، وهو عم عضد الدولة وأحد ملوك الديلم، وكان صاحب العراق والأهواز وكان يقال له الأقطع لأنه كان مقطوع اليد اليسرى وبعض أصابع اليمنى، وسبب ذلك أنه كان في مبدأ (٣) عمره وحداثة سنه تبعاً لأخيه عماد الدولة، وكان قد توجه إلى كرمان بإشارة أخويه عماد الدولة وركن الدولة، فلما وصلها سمع به صاحبها فتركها ورحل إلى سجستان من غير حرب، فملكها معز الدولة، وكان بتلك الأعمال طائفة من الأكراد قد تغلبوا عليها، وكانوا يحملون لصاحب كرمان في كل سنة شيئاً من المال بشرط أن لا يطأوا بساطه، فلما وصل معز الدولة سير إليه رئيس القوم وأخذ عهوده ومواثيقه بإجرائهم على عادتهم، ففعل ذلك، ثم أشار عليه كاتبه بنقض العهد وأن يسري (٤) إليهم على غفلة ويأخذ أموالهم وذخائرهم، ففعل معز الدولة ذلك، وقصدهم في الليلفي طريق متوعرة، فأحسوا به فقعدوا له على مضيق، فلما وصل إليهم بعسكره ثاروا عليهم من جميع الجوانب، فقتلوا وأسروا، ولم يفلت منهم إلا اليسير، ووقع بمعز الدولة ضربات كثيرة، وطاحت يده اليسرى وبعض أصابع يده اليمنى، وأثخن بالضرب في رأسه وسائر جسده، وسقط بين القتلى، ثم سلم بعد ذلك، وشرح ذلك يطول، وكان وصوله إلى بغداد من جهة الأهواز، فدخلها متملكا يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، في خلافة المستكفي، وملكها بلا كلفة.
стр. 170
وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب شذور العقود أن معز الدولة المذكور كان في أول أمره يحمل الحطب على رأسه، ثم ملك هو وإخوته البلاد وآل أمرهم إلى ما آل، وكان معز الدولة أصغر الإخوة الثلاثة، وكانت مدة ملكه العراق (١) إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهراً.
وتوفي يوم الاثنين سابع عشر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلثمائة ببغداد، ودفن في داره، ثم نقل إلى مشهد بني له في مقابر قريش. ومولده في سنة ثلاث وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
ولما حضره الموت أعتق مماليكه وتصدق بأكثر ماله (٢) ، ورد كثيراً من المظالم.
قال أبو الحسين (٣) أحمد العلوي: بينا أنا في داري على دجلة بمشرعة القصب (٤) في ليلة ذات غيم ورعد وبرق، سمعت صوت هاتف يقول (٥) :
لما بلغت أبا الحسي ... ن مراد نفسك في الطلب
وأمنت من حدث الليا ... لي واحتجبت عن النوب
مدت إليك يد الردى ... وأخذت من بيت الذهب قال: فإذا بمعز الدولة قد توفي في تلك الليلة.
ولما توفي ملك موضعه ولده عز الدولة أبو المنصور بختيار، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وبويه: بضم الباء الموحدة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة.
وفناخسرو: بفتح الفاء وتشديد النون وبعد اللف خاء معجمة مضمومة ثم سين مهملة ثم سين مهملة ساكنة ثم راء مضمومة وبعدها واو.
стр. 171
وتمام: بفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها ميم مخففة مفتوحة وبعد الألف ميم.
ولولا خوف التطويل لقيدت بقية الأجداد، وقد ضبطته بخطي، فمن نقله فلينقله على هذه الصورة فهو صحيح، وسيأتي ذكر أخويه عماد الدولة علي وركن الدولة حسن.
٧٣ - (١)
نصر الدولة ابن مروان الكردي
أبو نصر أحمد بن مروان بن دوستك (٢) ، الكردي الحميدي الملقب نصر الدولة صاحب ميافارقين وديار بكر؛ ملك البلاد بعد أن قتل أخوه أبو سعيد منصور ابن مروان في قلعة الهتاخ (٣) ليلة الخميس خامس جمادى الولى سنة إحدى وأربعمائة، وكان رجلاً مسعوداً عالي الهمة حسن السياسة كثير الحزم، قضى من اللذات وبلغ من السعادة ما يقصر الوصف عن شرحه.
وحكى ابن الأزرق الفارقي (٤) في تاريخه أنه لم ينقل أن نصر الدولة المذكور صادرأحدا في أيامه، سوى شخص واحد، وقص قصته ولا حاجة إلى ذكرها، وأنه لم تفته صلاة الصبح عن وقتها مع انهماكه في اللذات، وأنه كان له ثلثمائة وستون جارية يخلو كل ليلة من ليالي السنة بواحدة، فلا تعود النوبة إليها إلا في مثل تلك الليلة من العام الثاني، وأنه قسم أوقاته: فمنها ما ينظر فيه في مصالح دولته، ومنها ما يتوفر فيه على لذاته والاجتماع بأهله وألزامه، وخلف أولاداً كثيرة، وقصده شعراء عصره ومدحوه وخلدوا مدائحه في دواوينهم.
стр. 172
ومن جملة سعاداته أنه وزر له وزيران كانا وزيري خليفتين: أحدهما أبو القاسم الحسين بن علي المعروف بابن المغربي صاحب ديوان الشعر والرسائل والتصانيف المشهورة، وكان وزير خليفة مصر وأنفصل عنه، وقدم على الأمير أبي نصر المذكور فوزر له مرتين، والآخر فخر الدولة أبو نصر بن جهير، كان وزيره ثم انتقل إلى وزارة بغداد - وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى -.
ولم يزل على سعادته وقضاء أوطاره إلى أن توفي في التاسع والعشرين من شوال سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ودفن بجامع المحدثة، وقيل: في القصر بالسد لي، ثم نقل إلى القبة المعروفة بهم الملاصقة لجامع المحدثة.
وعاش سبعا وسبعين سنة (١) ، وكانت إمارته اثنتين وخمسين سنة، وقيل اثنتين وأربعين سنة، رحمه الله تعالى.
وميافارقين مشهورة فلا حاجة إلى ضبطها.
والمحدثة - بضم الميم وسكرن الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وبعدها ناء مثلثة - رباط بظاهر ميافارقين.
والسدلي - بكسر السين المهملة والدال المهملة وبعدها لام مشددة مكسورة أيضا - قبة في القصر مبينة على ثلاث دعائم، وهو لفظ عجمي معناه ثلاث قوائم.
وملك بعده ابنه نظام الدين أبو القاسم نصر.
٧٤ - (٢)
المستعلي الفاطمي
أبو لقاسم أحمد المنعوت بالمستعلي ابن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز
стр. 173
ابن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله، وستأتي تتمة النسب عند ذكر المهدي في حرف العين وكيفية الاختلاف فيه، إن شاء الله تعالى.
ولي الأمر بعد أبيه المستنصر بالديار المصرية والشامية، وفي أيامه اختلت دولتهم (١) ، وضعف أمرهم، وانقطعت (٢) من أكثر مدن الشام دعوتهم، وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك والفرنج - خذلهم الله تعالى - فإنهم دخلوا الشام ونزلوا على انطاكية في ذي القعدة سنة تسعين وأربعمائة، ثم تسلموها في سادس عشر رجب سنة إحدى وتسعين، وأخذوا معرة النعمان في سنة اثنتين وتسعين وأخذوا البيت المقدس في شعبان سنة اثنتين وتسعين أيضاً، وكان الفرنج قد أقاموا عليه نيفاً وأربعين يوماً قبل أخذه، وكان أخذهم له ضحى يوم (٣) الجمعة، وقتل فيه من المسلمين خلق كثير في مدة أسبوع، وقتل في الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً، وأخذوا من عند الصخرة من أواني الذهب والفضة مالا يضبطه الوصف، وانزعج المسلمون في جميع بلاد الإسلام بسبب أخذه غاية الانزعاج (٤) - وسأتي ذكر طرف من هذه الواقعة في ترجمة الأفضل ابن أمير الجيوش في حرف الشين إن شاء الله تعالى -. وكان الأفضل شاهنشاه المنعوت بأمير الجيوش قد تسلمه من سكمان (٥) بن أرتق في يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين، وقيل: في شعبان سنة تسع وثمانين، والله أعلم بالصواب، وولي فيه من قبله فلم يكن لمن فيه طاقة بالفرنج فتسلموه منه، ولو كان في يد الأرتقية لكان أصلح للمسلمين، ثم استولى الفرنج على كثير من بلاد الساحل في أيامه، فملكوا حيفا في شوال سنة ثلاث وتسعين، وقيساربة في سنة أربع وتسعين. ولم يكن للمستعلي مع الأفضل حكم، وفي أيامه هرب أخوه نزار إلى الإسكندرية، ونزار هو الأكبر وهو جد أصحاب الدعوة بقلعة الأ موت ولك القلاع وكان من أمره ما قد شهر، والشرح يطول (٢١) .
стр. 174
وكانت ولادة المستعلي لعشر ليال بقين من المحرم سنة تسع وستين وأربعمائة بالقاهرة، وبويع في يوم عيد غدير خم، وهو الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وتوفي بمصر يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت (١) من صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى، [وله من العمر ثمان وعشرون سنة وأيام، فكانت مدة ولايته سبع سنين وكسراً؛ وتولى بعده ولده أبو علي المنصور الملقب بالآمر، وله من الهمر خمس سنين وشهر وأربعة أيام، ولم يكن في من تسمى بالخلافة قط أصغر منه ومن المستنصر، وكان المستنصر أكبر من هذا، ولم يقدر يركب وحده الفرس. وقام بتدبير دولته الأفضل ابن أمير الجيوش أحسن قيام إلى أن قتل في التاريخ المذكور في بابه في حرف الشين] .
٧٥ - (٢)
عماد الدين ابن المشطوب
أبو العباس أحمد ابن الأمير سيف الدين أبي الحسن علي بن أحمدبن أبي الهيجاء ابن عبد الله بن أبي الخليل (٣) ابن مرزبان (٤) الهكاري المعروف بابن المشطوب الملقب عماد الدين، والمشطوب لقب والده، وإنما قيل له ذلك لشطبة كانت بوجهه؛ كان أميراً كبيراً وافر الحرمة عند الملوك، معدوداً بينهم مثل واحد منهم، وكان عالي الهمة غزيرة الجود واسع الكرم شجاعاً أبي النفس تهابه الملوك وله وقائع مشهورة في الخروج عليهم، ولا حاجة إلى ذكرها.
وكان من أمراء الدولة الصلاحية، فإن والده لما توفي وكانت نابلس إقطاعاً
стр. 175
له أرصد منها السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى الثلث لمصالح بيت المقدس وأقطع ولده عماد الدين المذكور باقيها. وجده أبو الهيجاء كان صاحب العمادية وعدة قلاع من بلاد الهكارية.
ولم يزل قائم الجاه والحرمة إلى أن صدر منه في سنة دمياط ما قد شهر، وقد شرحت ذلك في ترجمة الملك الكامل، فانفصل عن الديار المصرية، وآلت حاله إلى أن حوصر في شهر بيع الآخر بتل يعفور (١) القلعة التي بين الموصل وسنجار، والقصة مشهورة، فراسله الأمير بدر الدين لؤلؤ أتابك صاحب الموصل ولم يزل يخدعه ويطمنه إلى أن أدعن للانقياد، وحلف له على ذلك، فانتقل إلى الموصل، وأقام (٢) بها قليلاً، ثم قبض عليه، وذلك في سنة سبع عشرة وستمائة وأرسله إلى الملك الأشرف مظفر الدين ابن الملك العادل. وإنما قبض عليه تقريباً إلى قلبه، فإن خروجه في هذه الدفعة كان عليه، فاعتقله الملك الأشرف في قلعة حران، وضيق عليه تضييقا شديدا، من الحديد الثقيل في رجليه والخشب في يديه، وحصل في رأسه ولحيته وثيابه من القمل شيء كثير على ماقيل، وكنت أسمع بذلك في وقته وأنا صغير، وبلغني أن بعض من كان متعلقاً بخدمته كتب في ذلك الوقت إلى الملك الأشرف دوبيت في معناه وهو:
يا من بدوام سعده دار فلك ... ما أنت من الملوك بل أنت ملك
مملوكك ابن المشطوب في السجن هلك ... أطلقه فإن الأمر لله ولك ومكث على تلك الحال إلى أن توفي (٣) في الاعتقال في شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمائة، وبنت له ابنته قبة على باب مدينة رأس عين، ونقلته من حران إليها ودفنته بها، رحمه الله تعالى؛ ورأيت قبره هناك.
ولما كان في السجن كتب إليه بعض الأدباء دوبيت، وهو:
стр. 176
يا أحمد مازلت عماداً للدين ... يا أشجع من أمسك رمحاً بيمين
لا تأس (١) إذا حصلت (٢) في سجنهم ... ها يوسف قد أقام في السجن سنين وهذا مأخوذ من قول البحتري من جملة أبيات (٣) :
أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوساً على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهة (٤) ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك وكانت ولادة الأمير عماد الدين في سنة خمس وسبعين وخمسمائة (٥) تقديراً.
ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن الأمير سيف الدين أبا الحسن علي ابن أحمد الهكاري المعروف بالمشطوب كتب إلى الملك الناصر صلاح الدين يخبره بولادة ولده عماد الدين أبي العباس أحمد، وأن عنده امرأة أخرى حاملاً، فكتب القاضي الفاضل جوابه " وصل كتاب الأمير دالاً على الخبر بالولدين، الحال على التوفيق، والسائر كتب الله سلامته في الطريق، فسررنا بالغرة الطالعة من لثامها، وتوقعنا المسرة بالثمرة الباقية في أكمامها.
(٨) وأما والده سيف الدين المشطوب فإن السلطان صلاح الدين كان قد رتبه في عكا لما خاف عليها من الفرنج، هو بهاء الدين قراقوش - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - ولم يزل بها حتى حاصرها الفرنج بها وأخذوها. ولما خلص منها وصل إلى السلطان وهو بالقدس، يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. قال ابن شداد (٦) : دخل على السلطان بغته، وعنده أخوه الملك العادل، فنهض إليه واعتنقه، وسر به سروراً عظيماً، وأخلى المكان وتحث معه طويلاً.
стр. 177
وكانت وفاة سيف الدين يوم الخميس السادس والعشرين من شوال (١) سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بنابلس، رحمه الله تعالى؛ هكذا ذكره العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب البرق الشامي. وقال بهاء الدين بن شداد في كتابه سيرة صلاح الدين إنه نزفي يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال من السنة المذكورة بالقدس الشريف، ودفن في داره بعد أن صلي عليه بالمسجد الأقصى.
ولم يكن في أمراء الدولة الصلاحية أحد يضاهيه ولا يدانيه في المنزلة وعلو المرتبة، وكانوا يسمونه الأمير الكبير، وكان ذلك علماً عليه عندهم لا يشاركه فيه غيره، ورأيت بخط القاضي الفاضل " ورد الخبر بوفاة الأمير سيف الدين المشطوب، أمير الأكراد وكبيرهم. وكانت وفاته يوم الأحد الثاني والعشرين من شوال من السنة المذكورة بالقدس، وخبزه يوم وفاته بنابلس وغيرها ثلثمائة ألف دينار، وكان بين خلاصه من أسره وحضور أجله دون مائة يوم. فسبحان الحي الذي لا يموت، وتهدم به بنيان قوم، والدهر قاض ما عليه لوم ".
قلت: وقوله " وتهدم به بنيان قوم " هذا الكلام حل فيه بيت الحماسة وهو (٢) :
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما وهذا البيت من جملة مرثية عبدة بن الطبيب التي رثى بها قيس بن عاصم التميمي الذي قدم من البادية على النبي ﷺ في وقد بني تميم في سنة تسع للهجرة، وأسلم، وقال النبي ﷺ في حقه: هذا سيد أهل الوبر، وكان عاقلاً مشهوراً بالحلم والسودد، وهذا البيت لأهل العربية في إعرابه كلام ليس هذا موضع ذكره، وقد ذكره أبو تمام الطائي في باب المراثي من جملة ثلاثة أبيات، وهي:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
стр. 178
تحية من غادرته غرض الردى ... إذا زار عن شحط بلادك سلما
فما كان قيس هُلكُه هلك واحد ... ولكنه بنيان قومٍ تهدما وهذا قيس أول من وأد البنات في الجاهلية للغيرة والأنفة من النكاح، وتبعه الناس في ذلك إلى أن أبطله الإسلام.
(٩) وأما الأمير بدر الدين لؤلؤ المذكور، فإنه توفي يوم الجمعة ثالث شعبان سنة سبع وخمسين وستمائة بقلعة الموصل، ودفن بها في مشهد هناك، وعمره مقدار ثمانين سنة، رحمه الله تعالى.
٧٦ - (١)
صلاح الدين الإربلي
أبو العباس أحمد بن عبد السيد بن شعبان بن محمد بن جابر بن قحطان الإربلي الملقب صلاح الدين، وهو من بيت كبير بإربل؛ وكان حاجباً عن الملك المعظم مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، فتغير عليه واعتقله مدة، فلما أفرج عنه خرج منها قاصداً بلاد الشام في سنة ثلاث وستمائة (٢) صحبة الملك القاهر بهاء الدين أيوب ابن الملك العادل، فاتصل بخدمة الملك المغيث ابن الملك العادل، وكان قد عرفه من إربل، وحسنت حاله عنده، فلما توفي المغيث انتقل الصلاح إلأى الديار المصرية، وخدم الملك الكامل، فعظمت منزلته عنده، ووصل منه إلى ما لم يصل إليه غيره، واختص به في خلواته وجعله أميراً.
وكان الصلاح ذا فضيلة تامة ومشاركات حسنة. بلغني أنه كان يحفظ
стр. 179
" الخلاصة " في الفقه للإمام الغزالي، وله نظم حسن ودوبيت رائق، وبه تقدم عند الملوك.
ثم إن الملك الكامل تغير عليه واعتقله في المحرم سنة ثماني عشرة وستمائة وهو بالمنصورة في قبالة الفرنج، ويره إلى قلعة القاهرة، ولم يزل في الاعتقال مضيقا عليه على هذه الحال إلى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فعمل الصلاح دوبيت وأملاه على بعض القيان، فغناه عند الملك الكامل، فاستحسنه وسأله: لمن هذا فقال: للصلاح، فأمر بالإفراج عنه، والدوبيت المذكور:
ما أمر تجنيك على الصب خفي ... أفنيت زماني بالأسى والأسف
ماذا غضب بقدر ذنبي ولقد ... بالغت وما أردت إلا تلفي وقيل: إن الدوبيت الذي كان سبب خلاصه قوله:
اصنع ما شئت أنت أنت المحبوب ... ما لي ذنب، بلى كما قلت ذنوب
هل تسمح بالوصال في ليلتنا ... تجلو صدأ القلب وتعفو وأتوب فلما خرج عادت مكانته عنده إلى أحسن مما كانت عليه.
وكان الملك الكامل قد تغير على بعض إخوته - وهو الملك الفائز سابق الدين إبراهيم ابن الملك العادل - فدخل على الصلاح وسأله أن يصلح أمره مع أخيه الملك الكامل، فكتب الصلاح إليه (١) :
من شرط صاحب مصر أن يكون كما ... قد كان يوسف في الحسنى لإخوته
أسوا فقابلهم بالعفو، وافتقروا ... فبرهم، وتولاهم برحمته وعند وصول الأنبرور (٢) صاحب صقلية إلى ساحل الشام في سنة ست
стр. 180
وعشرين وستمائة بعث الملك الكامل الصلاح إليه رسولاً، فلما قرر القواعد واستحلفه كتب إلى الملك الكامل:
زعم الزعيم (١) الأنبرور بأنه ... سلم يدوم لنا على أقواله
شرب اليمين فإن تعرض ناكثاً ... فليأكلن لذاك لحم شماله ومن شعره أيضاً:
وإذا رأيت بنيك فاعلم أنهم ... قطعوا إليك مسافة الآجال
وصل البنون إلى محل أبيهم ... وتجهز الآباء للترحال وأنشدني بعض أصحابنا له:
يوم القيامة فيه ما سمعت به ... من كل هول فكن منه على حذر
يكفيك من هوله أن لست تبلغه ... إلا إذا ذقت طعم الموت في السفر وكتب إليه شرف الدين ابن عنين الشاعر الدمشقي كتابناً من دمشق إلى الديار المصرية، قال لي صاحبنا عفيف الدين أبو الحسن علي بن عدلان النحوي المترجم الموصلي: إن هذا الكتاب كان على يده، وتضمن الوصية عليه، وفي أوله:
أبثك ما لقيت من الليالي ... فقد قصت نوائبها جناحي
وكيف يفيق من عنت الرزايا ... مريض ما يرى وجه الصلاح وللصلاح المذكور ديوان شعر وديوان دوبيت، وما زال وافر الحرمة عالي المنزلة عنده وعند الملوك. فلما قصد الملك الكامل بلاد الروم وهو في الخدمة