٣٧٢ - (١)
أبو مسلم الخراساني
أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم، وقيل عثمان، الخراساني القائم بالدعوة العباسية، وقيل هو إبراهيم بن عثمان بن يسار بن شذوس بن جودرن (٢) من ولد بزرجمهر بن البختكان (٣) الفارسي، قال له إبراهيم الإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب: غير اسمك فما يتم لنا الأمر حتى تغير اسمك، فسمى نفسه عبد الرحمن، والله أعلم.
كان أبوه من رستاق فريذين من قرية تسمى سنجرد (٤) وكانت هذه القرية له مع عدة قرى، وقيل: إنه من قرية يقال لها ماخوان، على ثلاث (٥) فراسخ من مرو، وكان بعض الأحيان يجلب إلى الكوفة مواشي، ثم إنه قاطع (٦) على رستاق فريذين، فلحقه فيه عجز، وأنفذ عامل البلد إليه من يشخصه إلى الديوان، وكان له عند أذين بنداذ ابن وستجان جارية اسمها وشيكة جلبها من الكوفة، فأخذ الجارية معه وهي حامل، وتنحى عن مؤدى خراجه آخذاً إلى أذربيجان، فاجتاز على رستاق فاتق بعيسى بن معقل بن عمير أخي إدريس بن معقل جد أبي دلف العجلي فأقام عنده أياماً، فرأى في منامه
стр. 1157
كأنه جلس للبول فخرج من إحليله نار وارتفعت في السماء وسدت الأفاق وأضاءت الأرض ووقعت بناحية المشرق، فقص رؤياه على عيسى بن معقل فقال له: ما أشك أن في بطنها غلاماً، ثم فارقه ومضى إلى أذربيجان ومات بها.
ووضعت الجارية أبا مسلم، ونشأ عند عيسى، فلما ترعرع اختلف مع ولده إلى المكتب، فخرج أديباً لبيباً يشار إليه في صغره. ثم إنه اجتمع على عيسى بن معقل وأخيه إدريس جد أبي دلف العجلي بقايا من الخراج تقاعدا من أجلها عن حضور مؤدى الخراج بأصبهان، فأنهى عامل أصبهان خبرهما إلى خالد بن عبد الله القسري والي العراقين، فأنفذ خالد من الكوفة (١) من حملهما إليه بعد قبضه عليهما، فتركهما خالد في السجن، فصادفا فيه عاصم بن يونس العجلي محبوساً بسبب من أسباب الفساد، وقد كان عيسى بن معقل قبل أن يقبض عليه أنفذ أبا مسلم إلى قرية من رستاق فاتق لاحتمال غلتها، فلما اتصل به خبر عيسى بن معقل باع ما كان احتمله من الغلة وأخذ ما كان اجتمع عنده من ثمنها ولحق بعيسى بن معقل، فأنزله عيسى بداره في بني عجل، وكان يختلف إلى السجن ويتعهد عيسى وإدريس ابني معقل.
وكان قد قدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - مع عدة من الشيعة الخرسانية، فدخلوا على العجليين السجن مسلمين، فصادفوا أبا مسلم عندهم، فأعجبهم عقله ومعرفته وكلامه وأدبه، ومال هو إليهم ثم عرف أمرهم وأنهم دعاة، واتفق مع ذلك هرب عيسى وإدريس من السجن، فعدل أبو مسلم من دور بني عجل إلى هؤلاء النقباء، ثم خرج معهم إلى مكة، حرسها الله تعالى، فأورد النقباء على إبراهيم بن محمد الإمام - المذكور في ترجمة أبيه محمد بن علي وقد تولى الإمامة بعد وفاة أبيه - عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم، وأهدوا إليه أبا مسلم، فأعجب به وبمنطقه وعقله وأدبه، وقال لهم: هذا عضلة من العضل. وأقام أبو مسلم عند الإمام إبراهيم يخدمه حضراً وسفراً.
стр. 1158
ثم إن النقباء عادوا إلى إبراهيم الإمام وسألوه رجلاً يقوم بأمر خراسان، فقال: إني قد جربت هذا الأصبهاني وعرفت ظاهره وباطنه فوجدته حجر الأرض، ثم دعا أبا مسلم وقلده الأمر وأرسله إلى خراسان وكان من أمره ما كان. وكان إبراهيم الإمام قد أرسل إلى أهل خراسان سليمان بن كثير الحراني يدعوهم إلى أهل البيت، فلما بعث أبا مسلم أمر من هناك بالسمع والطاعة له، وأمره أن لا يخالف سليمان بن كثير، فكان أبو مسلم يختلف ما بين إبراهيم وسليمان.
وقال المأمون، وقد ذكر أبو مسلم عنده: أجل ملوك الأرض ثلاثة، وهم اللذين قاموا بثقل الدول: الاسكندر وأردشير وأبو مسلم الخراساني.
وكان أبو مسلم يدعو الناس إلى رجل من بني هاشم وأقام على ذلك سنين وفعل في خراسان وتلك البلاد ما هو مشهور ولا حاجة إلى الإطالة بذكره.
وكان مروان بن محمد، آخر ملوك بني أمية، يحتال على الوقوف على حقيقة الأمر وأن أبا مسلم إلى من يدعو منهم، فلم يزل على ذلك حتى ظهر له أن الدعاء لإبراهيم الإمام (١) ، وكان مقيماً عند اخوته وأهله بالحميمة - الآتي ذكرها في ترجمة جده علي بن عبد الله بن العباس ﵄ فأرسل إليه وقبض عليه وأحضره إلى حران فأوصى إبراهيم بالأمر من بعده لأخيه عبد الله السفاح. ولما وصل إبراهيم إلى حران حبسه مروان بها ثم غمه بجراب طرح فيه نورة وجعل فيه رأسه وسد عليه إلى أن مات، وذلك في صفر سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل إنه قتله غير هذه القتلة لكن هذا هو الأكثر، وكان عمره إحدى وخمسين سنة، وكان دفنه هناك داخل حران.
ثم صار أبو مسلم يدعو الناس إلى أبي العباس عبد الله بن محمد الملقب السفاح. وكان بنو أمية يمنعون بني هاشم من نكاح الحارثية للخبر المروي في ذلك أن هذا الأمر يتم لابن الحارثيه، فلما قام عمر بن عبد العزيز بالأمر أتاه محمد بن علي
стр. 1159
وقال: إني أردت أن اتزوج ابنة خالي من بني الحارث بن كعب، أفتأذن لي قال: تزوج من شئت، فتزوج ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الركال بن قطن بن زياد بن الحارث بن كعب، فأولدها السفاح المذكور، فتولى الخلافة (١) .
ووصف المدائني أبا مسلم فقال: كان قصيراً أسمر جميلاً حلواً نقي البشرة أحور العين عريض الجبهة حسن اللحية وافرها طويل الشعرة طويل الظهر قصير الساق والفخذ خافض الصوت، فصيحاً بالعربية والفارسية حلو المنطق راوية للشعر عالماً بالأمور، لم ير ضاحكاً ولا مازحاً إلا في وقته ولا يكاد يقطب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الحوادث الفادحة (٢) فلا يرى مكتئباً، وإذا غضب لم يستفزه الغضب، ولا يأتي النساء في السنة إلا مرة واحدة، ويقول: الجماع جنون ويكفي الإنسان أن يجن في السنة مرة، وكان من أِشد الناس غيرةً [ايدخل قصره غيره، وكان في القصر كوى يطرح لنسائه منها ما يحتجن إليه، قالوا: وليلة زفت أليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه، لئلا يركبه ذكر بعدها، وقال له ابن شبرمة: أصلح الله الأمير، من أشجع الناس قال: كل قوم في إقبال دولتهم؛ وكان أقل الناس طمعاً، واكثرهم طعاماً، ولما حج نادى في الناس: برئت الذمة ممن أوقد ناراً، فكفى العسكر ومن معه أمر طعامهم وشرابهم في ذهابهم وإيابهم ومنصرفهم، وهربت الأعراب، فلم يبق في المناهل منهم أحد لما كانوا يسمعونه من سفكه الدماء: قتل في دولته ستمائة ألف صبراً، فقيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم خير أو الحجاج قال: لا أقول إن أبا مسلم خيراً من أحد، ولكن الحجاج كان شراً منه] (٣) .
стр. 1160
وقيل له: بم بلغت ما بلغت فقال: ما أخرت أمر يومي إلى غد قط. وذكر الزمخشري في كتاب " ربيع الأبرار " في باب " الأسنان وذكر الصبا والشباب " أن أبا مسلم نهض للدعوة وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال الزمخشري أيضاً في كتابه المذكور انه كان عظيم القدر - يعني أبا مسلم - وأنه قدم مرة فتلقاه ابن أبي ليلى القاضي المشهور فقبل يده، فقيل له في ذلك فقال: قد لقي أبو عبيدة ابن الجراح عمر ابن الخطاب ﵄ فقبل يده، فقيل له: أتشبه أبا مسلم بعمر فقال: أتشبهونني بأبي عبيدة (١)
وكان له إخوة من جملتهم يسار جد علي بن حمزة بن عمارة بن حمزة بن يسار الأصبهاني.
وكانت ولادته في سنة مائة للهجرة، والخليفة يومئذ عمر بن عبد العزيز ﵁، في رستاق فاتق، بقرية يقال لها ناوانه (٢) ، ويدعي أهل مدينة جي الأصبهانية أن مولده بها. ولما ظهر بخراسان كان أول ظهوره بمرو يوم الجمعة لتسع بقين، وقال الخطيب لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة، والوالي بخراسان يومئذ نصر بن سيار الليثي من جهة مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، فكتب نصر إلى مروان:
أرى جذعاً إن يئن لم يقو ريضٌ ... عليه، فبادر قبل أن يُثني الجذع وكان مروان مشغولاً عنه بغيره من الخوارج بالجزيرة الفراتية وغيرها منهم الضحاك بن قيس الحروري وغيره فلم يجبه عن كتابه، وأبو مسلم يوم ذاك في خمسين رجلاً، فكتب إليه ثانية قول أبي مريم عبد الله بن إسماعيل البجلي الكوفي وهو من جملة أبيات كثيرة، وكان أبو مريم منقطعاً إلى نصر بن سيار وكان له مكتب بخراسان:
стр. 1161
أرى خلل الرماد وميض نارٍ ... ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن النار بالزندين تورى ... وإن الحرب أولها كلام
لئن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثثٌ وهام
أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظٌ أمية أم نيام
فإن كانوا لحينهم نياماً ... فقل قوموا فقد حان القيام وهذا مثل ما يحكى عن بعض علوية الكوفة أنه قال، لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ على أبي جعفر المنصور وأخوه إبراهيم بن عبد الله:
أرى ناراً تشب على يفاعٍ ... لها في كل ناحية شعاع
وقد رقدت بنو العباس عنها ... وباتت وهي آمنةٌ رتاع
كما رقدت أمية ثم هبت ... تدافع حين لا يغني الدفاع رجعنا إلى الأول:
فانتظر ابن سيار ما يكون من مروان، فجاءه جوابه وهو يقول: إنا حين وليناك خراسان، والشاهد يرى ما يرى الغائب، فحسم الثؤلول قبلك، فقال نصر حين أتاه الجواب: قد أعلمكم أن لا نصر عنده، ثم كتب ثانياً (١) فأبطأ عنه الجواب. واشتدت شوكة أبي مسلم فهرب نصر من خراسان وقصد العراق، فمات في الطريق بناحية ساوة، وقيل أنه مرض بالري وحمل إلى ساوة وهي بالقرب من همذان، فمات بها في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين ومائة، وكانت ولايته بخراسان عشر سنين.
وفي يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة وثب أبو مسلم على علي بن جديع بن علي الكرماني بنيسابور فقتله بعد أن قيده وحبسه،
стр. 1162
وقعد في الدست وسلم عليه بالإمرة وصلى وخطب ودعا للسفاح أبي العباس عبد الله بن محمد أول خلفاء بني العباس، وصفت له خراسان وانقطعت عنها ولاية بني أمية. ثم سير العساكر لقتال مروان بن محمد، وظهر السفاح بالكوفة وبويع بالخلافة ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر وقيل الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل غير هذا التاريخ.
وتجهزت العساكر الخراسانية وغيرها من جهة السفاح لقصد مروان بن محمد ومقدمها عبد الله بن علي عم السفاح، فتقدم مروان إلى الزاب، النهر الذي بين الموصل وإربل، وكانت الوقعة على كشاف - بضم الكاف وهي قرية هناك -، وانكسر عسكر مروان وهرب إلى الشام، فتبعه عبد الله بجيوشه، فهرب إلى مصر، فأقام عبد الله بدمشق وأرسل جيشاً وراء مروان مع الأصفر - وقيل: مصفر - وعامر بن إسماعيل الجرجاني (١) .
فلما وصل إلى بوصير القرية التي عند الفيوم قتل بها ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، رحمه الله تعالى، وقيل في ذي القعدة من السنة، قتله عامر المذكور، واحتزوا رأسه وبعثوه إلى السفاح، فبعثه السفاح إلى أبي مسلم وأمره يطيف به في بلاد خراسان.
وقيل لمروان: ما الذي أصارك إلى هذا قال: قلة مبالاتي بكتب نصر بن سيار لما استنصرني وهو بخراسان (٢) .
فاستقل السفاح بالخلافة، وخلا له الوقت من منازع.
[وقال أبو عثمان التيمي قاضي مروان بن محمد: رأيت في منامي كأن عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية ناشرة شعرها وهي واقفة على مرقى بين مراقي منبر رسول الله ﷺ وهي تنشد بيتين من قصيدة الأحوص التي أولها:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ...
стр. 1163
أين الشباب وعيشنا اللذّ الذي ... كنا به زمنا نسر ونجذل
ذهبت بشاشته وأصبح ذكره ... حزناً يعل به الفؤاد وينهل قال أبو عثمان التيمي: فلم يكن بين ذلك وبين الحادثة على بني أمية إلا أقل من شهر.
ووجد بخط محمد بن أسعد قال: كان الخراز يقول: من أعجب أحاديث مروان بن محمد ما رواه المدائني قال: لما حاصر مروان تدمر فظفر بها وهدم دورها افضى إلى جرن طويل، فلم يشك مروان والحاضرون أن تحته كنزاً، فنبشوه فإذا امرأة مسجاة عظيمة الخلق على قفاها فوق سرير من حجارة عليها سبعون حلة منسوجة بالذهب جرباناتها، لها غدائر من رأسها إلى رجليها، فذرع قدمها فكانت عظيمة الساق، وكان طولها سبعة أذرع، وإذا عند رأسها صفيحة من نحاس مكتوب عليها بالحميرية، فطلب من قرأه فإذا فيه: أنا تدمر بنت حسان بن أذينة بن السميدع بن هرم العماليقي، من دخل علي بيتي هذا فأزعجني منه حتى يراني أدخل الله عليه المهانة والذل والصغار؛ فلما قرىء المكتوب على مروان عظم عليه وندم على ما كان منه وتطير بذلك وجعل يسترجع، ثم أمر بطبق الجرن وأن يرد إلى موضعه، وما كان بين ذلك وبين الظفر به وزوال الملك واستباحة حريمه إلا قليل] (١) .
وكان السفاح كثير التعظيم لأبي مسلم لما صنعه ودبره، وكان أبو مسلم عند ذلك ينشد في كل وقت:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
ما زلت أسعى بجهدي في دمارهم ... والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومةٍ لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعةٍ ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
стр. 1164
ولما مات السفاح في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة بعلة الجدري - وكانت وفاته بالأنبار - وتولى الخلافة أخوه أبو جعفر المنصور يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة وهو بمكة، صدرت من أبي مسلم أسباب وقضايا غيرت قلب المنصور عليه فعزم على قتله، وبقي حائراً بين الاستبداد برأيه في أمره أو الاستشارة، فقال يوماً لسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي: ما ترى في أمر أبي مسلم قال: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " الأنبياء:٢٢ " فقال: حسبك يا ابن قتيبة، لقد أودعتها أذناً واعية.
وكان أبو مسلم قد حج، فلما عاد نزل الحيرة التي عند الكوفة وكان بها نصراني عمره مائتا سنة يخبر عن الكوائن، فأحضره وسمع كلامه، وكان في جملته أنه يقتل، وقال له: إن صرت إلى خراسان سلمت، فعزم على الرجوع إليها (١) .
فلم يزل المنصور يخدعه بالرسائل حتى أحضره إليه، وكان أبو مسلم ينظر في كتب الملاحم ويجد خبره فيها وأنه مميت دولة ومحيي دولة وأنه يقتل ببلاد الروم، وكان المنصور يومئذٍ برومية المدائن التي بناها كسرى، ولم يخطر بقلب أبي مسلم أنها موضع قتله، بل راح وهمه إلى بلاد الروم، فلما دخل على المنصور رحب به ثم أمره بالانصراف إلى مخيمه، وانتظر المنصور فيه الفرص والغوائل، ثم إن أبا مسلم ركب إليه مراراً فأظهر له التجني، ثم جاءه يوماً فقيل له: إنه يتوضأ للصلاة، فقعد تحت الرواق، ورتب المنصور له جماعة يقفون وراء السرير الذي خلف أبي مسلم، فإذا عاتبه لا يظهرون فإذا ضرب يداً على يد ظهروا وضربوا عنقه؛ ثم جلس المنصور ودخل عليه أبو مسلم فسلم فرد عليه وأذن له في الجلوس وحادثه ثم عاتبه وقال: فعلت وفعلت، فقال أبو مسلم: ما يقال هذا لي بعد سعيي واجتهادي وما كان مني، فقال له: يا ابن الخبيثة إنما فعلت ذلك بجدنا وحظنا، ولو كان مكانك أمة سوداء لعملت عملك (٢) ،
стр. 1165
ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك قبلي ألست الكاتب تخطب عمتي آسيا وتزعم أنك ابن سليط (١) بن عبد الله بن العباس لقد ارتقيت لا أم لك مرتقىً صعباً. فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور وهو آخر كلامه: قتلني الله إن لم أقتلك، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى، فخرج إليه القوم وخبطوه بسيوفهم، والمنصور يصيح (٢) : اضربوا قطع الله أيديكم، وكان أبو مسلم قد قال عند أول ضربة: استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك، قال: لا أبقاني الله أبداً إذاً (٣) ، وأي عدو أعدى منك
وكان قتله يوم الخميس لخمس بقين من شعبان، وقيل لليلتين، وقيل يوم الأربعاء لسبع ليال خلون منه، سنة سبع وثلاثين ومائة، وقيل سنة ست وثلاثين، وقيل سنة أربعين وهذا القول ضعيف، وكان قتله برومية المدائن، وهي بلدة بالقرب من بغداد على دجلة بالجانب الغربي معدودة من مدائن كسرى. ولما قتله أدرجه في بساط فدخل عليه جعفر بن حنظلة فقال له المنصور: ما تقول في أمر (٤) أبي مسلم فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل ثم اقتل، فقال المنصور: وفقك الله، هاهو في البساط، فلما نظر إليه قتيلاً قال: يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك، فأنشد المنصور:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر ثم أقبل المنصور على من حضره، وأبو مسلم طريح بين يديه وأنشد:
زعمت أن الدين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مجرم
اشرب بكأسٍ كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم
стр. 1166
وكان المنصور بعد قتله أبا مسلم كثيراً ما ينشد جلساءه قول بعضهم:
طوى كشحه عن أهل كل مشورةٍ ... وبات يناجي عزمه ثم صمما
وأقدم لما لم يجد ثم مذهباً ... ومن لم يجد بداً من الأمر أقدما قلت: ومن ها هنا أخذ البحتري قوله في قصيدته التي مدح بها الفتح بن خاقان صاحب المتوكل على الله وقد لقي أسداً في طريقه فلم يقدم عليه الأسد فقتله الفتح، وهي من غرر قصائده والمقصود منها قوله:
فأحجم لما لم يجد فيك مطمعاً ... وأقدم لما لم يجد منك مهربا (١) والله أعلم (٢) .
وقد اختلف الناس في نسب أبي مسلم، فقيل إنه من العرب، وقيل من العجم، وقيل من الأكراد، وفي ذلك يقول أبو دلامة المقدم ذكره (٣) :
أبا مجرم ما غير الله نعمةً ... على عبده حتى يغيرها العبد
أفي دولة المنصور حاولت غدرةً ... ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد
أبا مجرم خوفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوفتني الأسد الورد ورومية: بضم الراء وسكون الواو وكسر الميم وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة، بناها الإسكندر ذو القرنين لما أقام بالمدائن، وكان قد طاف الأرض شرقاً وغرباً، كما أخبر عنه الباري تعالى في القرآن الكريم ولم يختر منها منزلاً سوى المدائن فنزلها، وبنى رومية المذكورة إذ ذاك، والله أعلم.
стр. 1167
٣٧٣ - (١)
الخطيب ابن نباتة
الخطيب أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة، الحذاقي الفارقي صاحب الخطب المشهورة؛ كان إماماً في علوم الأدب، ورزق السعادة في خطبه التي وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها، وفيها دلالة على غزارة علمه وجودة قريحته. وهو من أهل ميافارقين، وكان خطيب حلب وبها اجتمع بأبي الطيب المتنبي في خدمة سيف الدولة بن حمدان، وقالوا: إنه سمع عليه بعض ديوانه (٢) . وكان سيف الدولة كثير الغزوات فلهذا أكثر الخطيب من خطب الجهاد ليحض الناس عليه، ويحثهم على نصرة سيف الدولة، وكان رجلاً صالحاً.
وذكر الشيخ (٣) تاج الدين الكندي بإسناده المتصل إلى الخطيب ابن نباتة أنه قال: لما عملت خطبة المنام وخطبت بها يوم الجمعة رأيت ليلة السبت في منامي كأني بظاهر ميافارقين عند الجبانة فقلت: ما هذا الجمع فقال لي قائل: هذا النبي ﷺ ومعه أصحابه، فقصدت إليه لأسلم عليه، فلما دنوت منه التفت فرآني فقال: مرحباً يا خطيب الخطباء، كيف تقول وأومأ إلى القبور؛ قلت: لا يخبرون بما إليه آلوا، ولو قدروا على المقال لقالوا، قد شربوا من الموت كأساً مرة، ولم يفقدوا من أعمالهم ذرة، وآلى عليهم الدهر
стр. 1168
ألية برة، ألا يجعل لهم إلى دار الدنيا كرة، كأنهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعدوا في الأحياء مرة، أسكتهم والله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم، وسيجدهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم [يوم يعيد الله العالمين خلقاً جديداً، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقوداً، يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً - وأومأت عند قولي " تكونون شهداء على الناس " إلى الصحابة وبقولي " شهيداً " إلى الرسول ﷺ " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً "، فقال لي: أحسنت، ادن، فدنوت منه ﷺ فأخذ وجهي وقبله] (١) ثم تفل في فيَّ وقال: وفقك الله، قال: فانتبهت من النوم وبي من السرور ما يجل عن الوصف فأخبرت أهلي بما رأيت.
قال الكندي بروايته (٢) : وبقي الخطيب بعد هذا المنام ثلاثة أيام لا يطعم طعاماً ولا يشتهيه، ويوجد في فيه رائحة المسك، ولم يعش إلا مدة يسيرة. ولما استيقظ الخطيب من منامه كان على وجهه أثر نور وبهجة لم تكن قبل ذلك، وقص رؤياه على الناس، وقال: سماني رسول الله ﷺ خطيباً، وعاش بعد ذلك ثمانية عشر يوماً لا يستطعم فيها طعاماً ولا شراباً من أجل تلك التفلة وبركتها. وهذه الخطبة التي فيها هذه الكلمات تعرف بالمنامية لهذه الواقعة.
وهذا الخطيب لم أر أحداً من المؤرخين ذكر تاريخه في المولد والوفاة سوى ابن الأزرق الفارقي في تاريخه، فإنه قال: ولد في سنة خمس وثلاثين وثلثمائة. وتوفي في سنة أربع وسبعين وثلثمائة بميافارقين ودفن بها، رحمه الله تعالى.
ورأيت في بعض المجاميع قال الوزير أبو القاسم ابن المغربي: رأيت الخطيب ابن نباتة في المنام بعد موته فقلت له: ما فعل الله بك فقال: دفع لي ورقة فيها سطران بالأحمر وهما:
قد كان أمنٌ لك من قبل ذا ... واليوم أضحى لك أمنانِ
стр. 1169
والصفح لا يحسن عن محسن ... وإنما يحسن عن جاني قال: فانتبهت من النوم وأنا أكررهما.
ونباتة: بضم النون وفتح الباء الموحدة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها مفتوحة ثم هاء ساكنة.
والحذاقي (١) : بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة وبعد الألف قاف، هذه النسبة إلى حذاقة بطن من قضاعة، وقال ابن قتيبة في كتاب " أخبار الشعراء " (٢) : وحذاق قبيلة من إياد، والله أعلم.
٣٧٤ - (٣)
القاضي الفاضل
أبو علي عبد الرحيم ابن القاضي الأشرف بهاء الدين أبي المجد علي ابن القاضي السعيد أبي محمد الحسن بن الحسن بن أحمد بن الفرج بن أحمد اللخمي العسقلاني المولد المصري الدار، المعروف بالقاضي الفاضل الملقب مجير الدين؛ وزر للسلطان الملك الناصر صلاح الدين، رحمه الله تعالى، وتمكن منه غاية التمكن، وبرز في صناعة الإنشاء، وفاق المتقدمين، وله فيه الغرائب مع الإكثار. أخبرني أحد (٤) الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله في المجلدات
стр. 1170
والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد، وهو مجيد في أكثرها.
قال العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة " في حقه (١) : رب القلم والبيان، واللسن واللسان، والقريحة الوقادة، والبصيرة النقادة، والبديهة المعجزة، والبديعة المطرزة، والفضل الذي ما سمع في الأوائل بمن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره، أو جرى في مضماره، فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع، ورسخت بها الصنائع، يخترع الأفكار، ويفترع الأبكار، ويطلع الأنوار، ويبدع الأزهار، وهو ضابط الملك بآرائه، رابط السلك بآلائه، إن شاء أنشأ في يوم واحد بل في ساعة واحدة ما لو دون لكان لأهل الصناعة خير بضاعة، أين قس عند فصاحته وابن قيس في مقام حصافته ومن حاتم وعمرو في سماحته وحماسته وأطال القول في تقريظه.
ونذكر له رسالة لطيفة كتبها على يد خطيب عيذاب إلى صلاح الدين يتشفع له في توليته خطابة الكرك وهي: " أدام الله السلطان الملك الناصر وتبته، وتقبل عمله بقبولٍ صالح وأنبته، وأخذ عدوه قائلاً أو بيته، وأرغم أنفه بسيفه وكبته، خدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عيذاب، ولما نبا به المنزل عنها، وقل عليه المرفق فيها، وسمع بهذه الفتوحات التي طبق الأرض ذكرها ووجب على أهلها شكرها، هاجر من هجير عيذاب وملحها، سارياً في ليلة أمل كلها نهار فلا يسأل عن صبحها. وقد رغب في خطابة الكرك وهو خطيب، وتوسل بالمملوك في هذا الملتمس وهو قريب، ونزع من مصر إلى الشام ومن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب، والفقر سائق عنيف، والمذكور عائل ضعيف، ولطف الله بالخلق بوجود مولانا لطيف، والسلام ".
وله من جملة رسالة في صفة قلعة شاهقة ولقد أبدع فيها، ويقال إنها قلعة كوكب " وهذه القلعة عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة ".
وملحه ونوادره كثيرة. وقوله " كان الهلال لها قلامة " أخذه من قول
стр. 1171
عبد الله بن المعتز من جملة أبياته المتقدم ذكرها في ترجمته وهو قوله:
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر وابن المعتز أخذه من قول عمرو بن قميئة وهو:
كأن ابن مزنتها جانحاً ... فسيط لدى الأفق من خنصر والفسيط، بفتح الفاء وكسر السين المهملة، قلامة الظفر (١) .
ومن كلامه في أثناء رسالة وقد كبر: " والمملوك قد وهت ركبتاه، وضعف أطيباه، وكتبت لام ألف عند قيامه رجلاه، ولم يبق من نظره إلا شفافة، ومن حديثه إلا خرافة ".
وله في النظم أيضاً أشياء حسنة، منها ما أنشده عند وصوله إلى الفرات في خدمة السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، ويتشوق نيل مصر (٢) :
بالله قل للنيل عني إنني ... لم أشف من ماء الفرات غليلا
وسل الفؤاد فإنه لي شاهد ... إن كان جفني بالدموع بخيلا
يا قلب كم خلفت ثم بثينةً ... وأعيذ صبرك أن يكون جميلا ومن المنسوب إلى القاضي الفاضل قوله:
عتبٌ أقلب فيه طرف ترقبي ... فعسى يكون وراءه الإعتاب ومن شعره أيضاً (٣) :
بتنا على حال يسر الهوى ... وربما لا يمكن الشرح
بوابنا الليل، وقلنا له: ... إن غبت عنا دخل الصبح
стр. 1172
ولقد نظمت هذا المعنى في دوبيت وهو:
ما أطيب ليلة مضت بالسفح ... والوصف لها يقصر عنه شرحي
إذ قلت لها بوابنا أنت متى ... ما غبت نخاف من دخول الصبح وكان كثيراً ما ينشد لابن مكنسة، وهو أبو طاهر إسماعيل بن محمد بن الحسين القرشي الإسكندري (١) :
وإذا السعادة أحرستك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبائل (٢) ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان [وكان الملك العزيز بن صلاح الدين يميل إلى القاضي الفاضل في حياة أبيه، فاتفق أن العزيز هوي قينة شغلته عن مصالحه، وبلغ ذلك والده، فأمره بتركها ومنعها من صحبته، فشق ذلك عليه، وضاق صدره، ولم يجسر أن يجتمع بها، فلما طال ذلك بينهما سيرت له مع بعض الخدم كرة عنبر، فكسرها فوجد في وسطها زر ذهب، فأفكر فيه ولم يعرف معناه، واتفق حضور القاضي، فعرفه الصورة، فعمل القاضي الفاضل في ذلك بيتين وأرسلهما إليه وهما:
أهدت لك العنبر في وسطه ... زرٌ من التبر دقيق اللحام
فالزر في العنبر معناهما ... زر هكذا مستتراً في الظلام فعلم الملك العزيز أنها أرادت زيارته في الليل] (٣) .
وشعره أيضاً كثير.
وكانت ولادته يوم الاثنين في خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة بمدينة عسقلان، وتولى أبوه القضاء بمدينة بيسان فلهذا نسبوا إليها،
стр. 1173
وفي ترجمة الموفق يوسف بن الخلال - في حرف الياء - صورة مبدإ أمره وقدومه الديار المصرية واشتغاله عليه بصناعة (١) الإنشاء، فلا حاجة إلى ذكره ها هنا.
ثم إنه تعلق بالخدم في ثغر الاسكندرية وأقام به مدة، وقال الفقيه عمارة اليمني في كتاب " النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية " (٢) في ترجمة العادل ابن الصالح بن رزيك: ومن محاسن أيامه وما يؤرخ عنها، بل هي الحسنة التي لا توازى، بل هي اليد البيضاء التي لا تجازى، خروج أمره إلى والي الاسكندرية بتسيير القاضي الفاضل إلى الباب، واستخدامه بحضرته وبين يديه في ديوان الجيش، فإنه غرس منه للدولة بل للملة، شجرة مباركة متزايدة النماء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
وقد تقدم ذكر ما آل إليه أمره من وزارة السلطان صلاح الدين، وترقي منزلته عنده، وبعد وفاة صلاح الدين استمر (٣) على ما كان عليه عند ولده الملك العزيز في المكانة والرفعة ونفاذ الأمر، ولما توفي العزيز وقام ولده الملك المنصور بالملك بتدبير عمه الملك الأفضل نور الدين كان أيضاً على حاله. ولم يزل كذلك إلى أن وصل الملك العادل وأخذ الديار المصرية، وعند دخوله القاهرة توفي القاضي الفاضل، وذلك في ليلة الأربعاء سابع شهر (٤) ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة بالقاهرة، فجأة (٥) ، ودفن في تربته من الغد بسفح المقطم في القرافة الصغرى، وزرت قبره مراراً، وقرأت تاريخ وفاته على الرخام المحوط حول القبر كما هو ها هنا، رحمه الله تعالى؛ وكان من محاسن الدهر وهيهات أن يخلف الزمان مثله (٦) .
وبنى بالقاهرة مدرسة بدرب ملوخية، ورأيت بخطه أنه استفتح التدريس بها يوم السبت مستهل المحرم من سنة ثمانين وخمسمائة. وأما لقبه فإن أهله يقولون:
стр. 1174
إنه كان يلقب محيي الدين، ورأيت مكاتبة الشيخ شرف الدين عبد الله بن أبي عصرون - المقدم ذكره - إليه وهو يخاطبه بمجير الدين، والله أعلم بالصواب.
(٩٧) وكان ولده القاضي الأشرف بهاء الدين أبو العباس أحمد ابن القاضي الفاضل (١) كبير المنزلة عند الملوك، وكان مثابراً على سماع الحديث وتحصيل الكتب، ومولده في المحرم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة بالقاهرة، وتوفي بها في ليلة الاثنين سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة، ودفن بسفح المقطم إلى جانب قبر أبيه، وكان الملك الكامل ابن الملك العادل ابن أيوب قد سيره من مصر في رسالة إلى بغداد، فأنشد الوزير من نظمه:
يا أيها المولى الوزير ومن له ... مننٌ حللن من الزمان وثاقي
من شاكر عني نداك فإنني ... من عظم ما أوليت ضاق نطاقي
مننٌ تخف على يديك، وإنما (٢) ... ثقلت مؤونتها على الأعناقِ ٣٧٥ (٣)
ابن جريج
أبو خالد وأبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، القرشي بالولاء المكي، مولى أمية بن خالد بن أسيد، ويقال إن جريجاً كان عبداً لأم حبيب بنت جبير زوجة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية فنسب ولاؤه إليه.
стр. 1175
وكان عبد الملك أحد العلماء المشهورين، ويقال إنه أول من صنف الكتب في الإسلام، وكان يقول: كنت مع معن بن زائدة باليمن، فحضر وقت الحج فلم تحضرني نية، فخطر ببالي قول عمر بن أبي ربيعة (١) :
بالله قولي له من غير معتبةٍ ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن قال: فدخلت على معن فأخبرته أني قد عزمت على الحج، فقال لي: ما يدعوك إليه ولم تكن تذكره فقلت له: ذكرت بيتين لعمر بن أبي ربيعة، وأنشدته إياهما، فجهزني وانطلقت.
وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة، وقدم بغداد على أبي جعفر المنصور. وتوفي سنة تسع وأربعين ومائة، وقيل سنة خمسين، وقيل إحدى وخمسين ومائة، رحمه الله تعالى.
وجريج: بضم الجيم وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها جيم ثانية.
٣٧٦ - (٢)
عبد الملك بن عمير
أبو عمر، ويقال أبو عمرو، عبد الملك بن عمير بن سويد بن حارثة بن املاص بن شنيف بن عبد شمس بن سعد بن الوسيع بن الحارث بن يثيع بن أزدة بن حجر بن جزيلة بن لخم اللخمي الكوفي القبطي الفرسي؛ كان قاضياً على
стр. 1176
الكوفة بعد الشعبي، وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم ومن كبار أهل الكوفة، رأى علي بن أبي طالب، ﵁، وروى عن جابر بن عبد الله. ومن أخباره أنه قال: كنت عند عبد الملك بن مروان بقصر الكوفة حين جيء برأس مصعب بن الزبير فوضع بين يديه، فرآني قد ارتعت، فقال لي: ما لك فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، كنت بهذا القصر بهذا الموضع مع عبيد الله بن زياد فرأيت رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ بين يديه في هذا المكان، ثم كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد الثقفي فرأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يديه ثم كنت فيه مع مصعب بن الزبير هذا فرأيت رأس المختار فيه بين يديه، ثم هذا رأس مصعب بن الزبير بين يديك. قال: فقام عبد الملك من موضعه، وأمر بهدم ذلك الطاق الذي كنا فيه (١) .
ومرض عبد الملك بن عمير مرة، فاعتذر إليه رجل من تخلفه عن عيادته، فقال له: ما كنت لألوم على ترك عيادتي رجلاً لو مرض لما عدته. وكانت وفاته سنة ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة (٢) ، وهو ابن مائة سنة وثلاث سنين.
والقبطي: بكسر القاف وسكون الباء الموحدة وكسر الطاء المهملة، هذه النسبة إلى القبطي، وهو فرسٌ سابق كان له فنسب إليه.
والفرسي: بالفاء والراء المفتوحتين والسين المهملة، نسبة إلى هذا الفرس أيضاً وأكثر الناس يصحفونه (٣) بالقرشي، رحمه الله تعالى.
стр. 1177
٣٧٧ - (١)
ابن الماجشون
أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، واسمه ميمون، وقيل دينار، القرشي التيمي المنكدري مولاهم، المدني الأعمى الفقيه المالكي؛ تفقه على الإمام مالك، ﵁، وعلى والده عبد العزيز وغيرهما. وقيل إنه عمي في آخر عمره، وكان مولعاً بسماع الغناء، قال أحمد بن حنبل: قدم علينا ومعه من يغنيه. وحدث وكان من الفصحاء، روي أنه كان إذا ذاكره الإمام الشافعي ﵁ لم يعرف الناس كثيراً مما يقولان، لأن الشافعي تأدب بهذيل في البادية وعبد الملك تأدب في خؤولته من كلب بالبادية. وقال يحيى بن أحمد بن المعذل: كلما تذكرت أن التراب يأكل لسان عبد الملك صغرت الدنيا في عيني. وسئل أحمد بن المعذل فقيل له: أين لسانك من لسان أستاذك عبد الملك فقال: كان لسان عبد الملك إذا تعايا أحيى من لساني إذا تحايا.
ومات عبد الملك المذكور سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقال أبو عمر ابن عبد البر: توفي سنة اثنتي عشرة، وقيل سنة أربع عشرة ومائتين، رحمه الله تعالى.
والماجشون: بفتح الميم وبعد الألف جيم مكسورة ثم شين معجمة مضمومة وبعد الواو نون، وهو المورد (٢) ، ويقال: الأبيض الأحمر (٣) ، وهو لقب أبي
стр. 1178
يوسف يعقوب بن أبي سلمة المذكور، وهو عم والد عبد الملك المذكور، لقبته بذلك سكينة بنت الحسين بن علي، ﵃، وجرى هذا اللقب على أهل بيته من بنيه وبني أخيه، وقيل إن أصلهم من أصبهان، فكان إذا سلم بعضهم على بعض قال: شوني، شوني، فسمي الماجشون، حكاه الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الجرجاني، وقال أبو داود: كان عبد الملك الماجشون لا يعقل الحديث، قال ابن البرقي: دعاني رجل أن أمضي إليه، فجئناه فإذا هو لا يدري الحديث أيش هو، وذكره محمد بن سعد في " الطبقات الكبرى " (١) وقال: كان له فقه ورواية (٢) .
والمنكدري: منسوب إلى المنكدر بن عبد الله بن هدير القرشي التيمي والد محمد وأبي بكر وعمر بني المنكدر، وقد استوفى ابن قتيبة حديثهم في كتاب " المعارف " (٣) في ترجمة محمد بن المنكدر.
٣٧٨ - (٤)
إمام الحرمين
أبو المعالي عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي يعقوب يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه، الجويني، الفقيه الشافعي الملقب ضياء الدين، المعروف بإمام الحرمين؛ أعلم المتأخرين من أصحاب الإمام الشافعي على الإطلاق، المجمع على إمامته المتفق على غزارة مادته وتفننه في العلوم من الأصول
стр. 1179
والفروع والأدب وغير ذلك، وقد تقدم ذكر والده في العبادلة (١) ، ورزق من التوسع في العبارة ما لم يعهد من غيره، وكان يذكر دروساً يقع كل واحد منها في عدة أوراق ولا يتلعثم في كلمة منها، وتفقه في صباه على والده أبي محمد، وكان يعجب بطبعه وتحصيله وجودة قريحته وما يظهر عليه من مخايل الإقبال، فأتى على جميع مصنفات والده وتصرف فيها، حتى زاد عليه في التحقيق والتدقيق. ولما توفي والده قعد مكانه للتدريس، وإذا فرغ منه مضى إلى الأستاذ أبي القاسم الإسكافي الإسفرايني بمدرسة البيهقي حتى حصل عليه علم الأصول، ثم سافر إلى بغداد ولقي بها جماعة من العلماء، ثم خرج إلى الحجاز وجاور بمكة أربع سنين (٢) ، وبالمدينة، يدرس ويفتي ويجمع طرق المذهب، فلهذا قيل له إمام الحرمين، ثم عاد إلى نيسابور في أوائل (٣) ولاية السلطان ألب أرسلان السلجوقي، والوزير يومئذ نظام الملك، فبنى له المدرسة النظامية بمدينة نيسابور، وتولى الخطابة بها، وكان يجلس للوعظ والمناظرة، وظهرت تصانيفه، وحضر دروسه الأكابر من الأئمة وانتهت إليه رياسة الأصحاب، وفوض إليه أمور الأوقاف، وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع، مسلم له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس ومجلس التذكير يوم الجمعة.
وصنف في كل فن: منها كتاب " نهاية المطلب في دراية المذهب " (٤) الذي ما صنف في الإسلام مثله، قال أبو جعفر الحافظ: سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي يقول لإمام الحرمين: يا مفيد أهل المشرق والمغرب، أنت اليوم إمام الأئمة. وسمع الحديث من جماعة كبيرة من علمائه، وله إجازة من الحافظ أبي نعيم الأصبهاني صاحب " حلية الأولياء ". ومن تصانيفه " الشامل " في أصول الدين، و " البرهان " (٥) في أصول الفقه، و " تلخيص التقريب " و " الإرشاد " (٦)
стр. 1180
و " العقيدة النظامية " و " مدارك العقول " لم يتمه، وكتاب " تلخيص نهاية المطلب " لم يتمه، و " غياث الأمم في الإمامة " و " مغيث الخلق في اختيار الأحق " و " غنية المسترشدين " في الخلاف وغير ذلك من الكتب. وكان إذا شرع في علوم الصوفية وشرح الأحوال أبكى الحاضرين، ولم يزل على طريقة حميدة مرضية من أول عمره إلى آخره.
أخبرني بعض المشايخ أنه وقف على جلية أمره (١) في بعض الكتب، وأن والده الشيخ أبا محمد، رحمه الله تعالى، كان في أول أمره ينسخ بالأجرة، فاجتمع له من كسب يده شيء اشترى به جارية موصوفة بالخير والصلاح، ولم يزل يطمعها من كسب (٢) يده أيضاً إلى أن حملت بإمام الحرمين، وهو مستمر على تربيتها بكسب الحل، فلما وضعته أوصاها أن لا تمكن أحداً من إرضاعه، فاتفق أنه دخل عليها يوماً وهي متألمة والصغير يبكي، وقد أخذته امرأة من جيرانهم وشاغلته بثديها فرضع منه قليلاً، فلما رآه شق عليه وأخذه إليه ونكس رأسه ومسح على بطنه وأدخل إصبعه في فيه ولم يزل يفعل به ذلك حتى قاء جميع ما شربه، وهو يقول: يسهل علي أن يموت ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه. ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان تلحقه بعض الأحيان (٣) فترةٌ في مجلس المناظرة فيقول: هذا من بقايا تلك الرضعة.
ومولده في ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة، ولما مرض حمل إلى قرية من أعمال نيسابور، يقال لها بشتنقان (٤) موصوفة باعتدال الهواء وخفة الماء، فمات بها ليلة الأربعاء وقت العشاء الآخرة الخامس والعشرين من شهر (٥) ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ونقل إلى نيسابور تلك الليلة ودفن من الغد في داره، ثم نقل بعد سنين (٦) إلى مقبرة الحسين فدفن بجنب
стр. 1181
أبيه (١) ، رحمهما الله تعالى، وصلى عليه ولده أبو القاسم، فأغلقت الأسواق يوم موته وكسر منبره في الجامع وقعد الناس لعزائه وأكثروا فيه المراثي.
ومما رثي به:
قلوب العالمين على المقالي ... وأيام الورى شبه الليالي
أيثمر غصن أهل العلم يوماً ... وقد مات الإمام أبو المعالي وكانت تلامذته يومئذٍ قريباً من أربعمائة واحد، فكسروا محابرهم وأقلامهم وأقاموا على ذلك عاماً كاملاً.
٣٧٩ - (٢)
الأصمعي
أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مظهر بن رياح بن عمرو بن عبد شمس بن أعيا بن سعد بن عبد بن غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، المعروف بالأصمعي الباهلي، وإنما قيل له الباهلي وليس في نسبه اسم باهلة لأن باهلة اسم امرأة مالك بن أعصر، وقيل إن باهلة ابن أعصر.
كان الأصمعي المذكور صاحب لغة ونحو، وإماماً في الأخبار والنوادر والملح والغرائب، سمع شعبة بن الحجاج والحمادين ومسعر بن كدام وغيرهم، وروى عنه عبد الرحمن ابن أخيه عبد الله وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو حاتم
стр. 1182
السجستاني وأبو الفضل الرياشي وغيرهم، وهو من أهل البصرة، وقدم بغداد في أيام هارون الرشيد.
قيل لأبي نواس (١) : قد أحضر أبو عبيدة والأصمعي إلى الرشيد، فقال: أما أبو عبيدة فإنهم إن أمكنوه قرأ عليهم أخبار الأولين والآخرين، وأما الأصمعي فبلبل يطربهم بنغماته.
وقال عمر بن شبة: سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة. وقال إسحاق الموصلي: لم أر الأصمعي يدعي شيئاً من العلم فيكون أحد أعلم به منه.
[وحكى محمد بن هبيرة قال (٢) : قال الأصمعي للكسائي وهما عند الرشيد: ما معنى قول الراعي (٣) :
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً ... ودعا فلم أر مثله مخذولا قال الكسائي: كان محرماً بالحج، قال الأصمعي: ما أراد عدي بن زيد بقوله (٤) :
قتلوا كسرى بليلٍ محرماً ... فتولى لم يمتع بكفن هل كان محرماً بالحج وأي إحرامٍ لكسرى فقال الرشيد للكسائي: إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي. قال الأصمعي: قوله " محرماً " في حرمة الإسلام ومن ثم قتل مسلماً محرماً، أي لم يحل في نفسه شيئاً يوجب القتل؛ وقوله " محرماً " في كسرى يعني حرمة العهد الذي كان في عنق أصحابه] (٥) . وقال
стр. 1183
الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي، ﵁، يقول: ما عبر أحد من العرب بأحسن من عبارة الأصمعي. وقال أبو أحمد العسكري: لقد حرص المأمون على الأصمعي وهو بالبصرة أن يصير إليه فلم يفعل واحتج بضعفه وكبره، فكان المأمون يجمع المشكل من المسائل ويسيرها إليه ليجيب (١) عنها.
وقال الأصمعي: حضرت أنا وأبوعبيدة معمر بن المثنى عند الفضل بن الربيع فقال لي: كم كتابك في الخيل فقلت: جلد واحد، فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال: خمسون مجلدة (٢) ، فقال له: قم إلى هذا الفرس وأمسك عضواً عضواً منه وسمه، فقال: لست بيطاراً، وإنما هذا شيء أخذته عن العرب (٣) ، فقال لي: قم يا أصمعي وافعل ذلك، فقمت وأمسكت ناصيته وشرعت أذكر عضواً عضواً وأضع يدي عليه وأنشد ما قالت العرب فيه، إلى أن فرغت منه، فقال: خذه، فأخذته، وكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة ركبته إليه. وقد روي من طريق أخرى أن ذلك كان عند هارون الرشيد، وأن الأصمعي لما فرغ من كلامه في أعضاء الفرس قال الرشيد لأبي عبيدة: ما تقول فيما قال قال: أصاب في بعض وأخطأ في بعض، فالذي أصاب فيه مني تعلمه، والذي أخطأ فيه ما أدري من أين أتى به.
وكن شديد الإحتراز في تفسير الكتاب والسنة، فإذا سئل عن شيء منهما يقول: العرب تقول معنى هذا كذا، ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أي شيء هو.
وأخباره ونوادره كثيرة، [حدث محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: دخلت على الرشيد هارون ومجلسه حافل، فقال: يا أصمعي، ما أغفلك عنا وأجفاك لحضرتنا! قلت: والله يا أمير المؤمنين
стр. 1184
ما لاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك، قال: فأمرني بالجلوس، فجلست وسكت عني، فلما تفرق الناس إلا أقلهم نهضت للقيام، فأشار إلي أن اجلس فجلست حتى خلا المجلس ولم يبق غيري ومن بين يديه من الغلمان، فقال: يا أبا سعيد، ما معنى قولك ما لاقتني بلاد بعدك (١) قلت: ما أمسكتني يا أمير المؤمنين، وأنشدت قول الشاعر:
كفاك كف ما تليق درهما ... جوداً، وأخرى تعط بالسيف دما أي: ما تمسك درهماً، فقال: أحسنت، وهكذا فكن، وقرنا في الملا، وعلمنا في الخلا، فإنه يقبح بالسلطان أن لا يكون عالماً، إما أن أسكت فيعلم الناس أني لا أفهم إذ لم أجب، وإما أن أجيب بغير الجواب فيعلم من حولي أني لم أفهم ما قلت، قال الأصمعي: فعلمني أكثر مما علمته.
وحكى المبرد أيضاً قال: مازح الرشيد أم جعفر فقال لها: كيف أصبحت يا أم نهر فاغتمت لذلك ولم تفهم معناه، فأنفذت إلى الأصمعي تسأله عن ذلك، فقال: الجعفر النهر الصغير، وإنما ذهب إلى هذا، فطابت نفسها (٢) .
وقال أبو بكر النحوي: لما قدم الحسن بن سهل العراق قال: أحب أن أجمع قوماً من أهل الأدب، فأحضر أبا عبيده والأصمعي ونصر بن علي الجهضمي، وحضرت معهم فابتدأ الحسن فنظر في رقاعٍ بين يديه للناس في حاجاتهم، فوقع عليها، فكانت خمسين رقعة ثم أمر فدفعت إلى الخازن، ثم أقبل علينا فقال: قد فعلنا خيراً، ونظرنا في بعض ما نرجو نفعه من أمور الناس والرعية، فنأخذ الآن في ما نحتاج إليه، فأفضنا في ذكر الحفاظ، فذكرنا الزهري وقتادة ومررنا، فالتفت أبو عبيدة فقال: ما الغرض أيها الأمير في ذكر من مضى وبالحضرة ها هنا من يقول ما قرأ كتاباً قط فاحتاج إلى أن يعود فيه ولا دخل قلبه شيء فخرج عنه فالتفت الأصمعي وقال: إنما يريدني بهذا القول أيها الأمير، والأمر في ذلك على ما حكى، وأنا أقرب
стр. 1185
إليك، قد نظر الأمير فيما نظر فيه من الرقاع، وأنا أعيد ما فيها وما وقع به على الأمير على رقعة رقعة، قال: فأمر وأحضرت الرقاع، فقال الأصمعي: سأل صاحب الرقعة الأولى كذا، واسمه كذا، فوقع له بكذا، والرقعة الثانية والثالثة حتى مر في نيف وأربعين رقعة، فالتفت إليه نصر بن علي فقال: أيها الرجل، أبق على نفسك من العين، فكف الأصمعي.
وحكي عن عباس بن الفرج قال: ركب الأصمعي حماراً دميماً، فقيل له: بعد براذين الخلفاء تركب هذا فقال متمثلاً:
ولما أبت إلا انصراماً لودها ... وتكديرها الشرب الذي كان صافياً
شربنا برنقٍ من هواها مكدرٍ ... وليس يعاف الرنق من كان صادياً هذا وأملك ديني أحب إلي من ذاك مع فقده.
وقال الأصمعي: ذكرت يوماً للرشيد نهم سليمان بن عبد الملك، وقلت: إنه كان يجلس ويحضر بين يديه الخراف المشوية وهي كما أخرجت من تنانيرها، فيريد أخذ كلاها فتمنعه الحرارة، فيجعل يده على طرف جبهته ويدخلها في جوف الخروف فيأخذ كلاه، فقال لي: قاتلك الله ما أعلمك بأخبارهم! اعلم أنه عرضت علي ذخائر بني أمية، فنظرت إلى ثياب مذهبة ثمينة (١) وأكمامها ودكة (٢) بالدهن، فلم أدر ما ذلك حتى حدثتني بالحديث، ثم قال: علي بثياب سليمان، فأتي بها، فنظر إلى تلك الآثار فيها ظاهرة فكساني منها حلة، وكان الأصمعي ربما خرج فيها أحياناً فيقول: هذه جبة سليمان التي كسانيها الرشيد.
وحكي عنه قال: رأيت بعض الأعراب يفلي ثيابه، فيقتل البراغيث ويدع القمل فقلت: يا إعرأبي، ولم تصنع هذا فقال: أقتل الفرسان ثم أعطف على الرجالة] (٣) .
وكان جده علي بن أصمع سرق بسفوان فأتوا به علي بن أبي طالب
стр. 1186
رضي الله عنه، فقال: جيئوني بمن يشهد أنه أخرجها من الرحل، قال ك فشهد عليه بذلك عنده، فأمر به فقطع من أشاجعه، فقيل له: يا أمير المؤمنين ألا قطعته من زنده، فقال: يا سبحان الله، كيف يتوكأ كيف يصلي كيف يأكل فلما قدم الحجاج بن يوسف البصرة أتاه علي بن أصمع فقال: أيها الأمير، إن أبوي عقاني فسمياني علياً، فسمني أنت، فقال: ما أحسن ما توسلت به، قد وليتك سمك البارجاه، وأجريت لك في كل يوم دانقين فلوساً، ووالله لئن تعديتهما لأقطعن ما أبقاه علي من يدك.
وكانت ولادة الأصمعي سنة اثنتين، وقيل ثلاث وعشرين ومائة. وتوفي في صفر سنة ست عشرة، وقيل أربع عشرة وقيل خمس عشرة وقيل سبع عشرة ومائتين بالبصرة، وقيل بمرو، رحمه الله تعالى.
وقال الخطيب أبو بكر: بلغني أن الأصمعي عاش ثمانياً وثمانين سنة. ومولد أبيه قريب سنة ثلاث وثمانين للهجرة، ولم أقف على تاريخ وفاته، رحمه الله تعالى.
وقريب: بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها باء موحدة، وهو لقب له قال المرزباني وأبو سعيد السيرافي: اسمه عاصم وكنيته أبو بكر وغلب عليه لقبه. والأصمعي: نسبة إلى جده أصمع.
ومظهر: بضم الميم وفتح الظاء المعجمة وتشديد الهاء وكسرها وبعدها راء.
وأعيا: بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها.
وباهلة: قد تقدم الكلام عليها في أول الترجمة (١) ، وهي بالباء الموحدة وكسر الهاء وفتح اللام.
وسفوان: بفتح السين المهملة والفاء والواو وبعد الألف نون وهو اسم موضع عند البصرة ومن قصد البحرين من البصرة يخرج إلى سفوان ثم إلى كاظمة ومنها يتوجه إلى هجر، وهي مدينة البحرين.
والبارجاه: موضع بالبصرة.
стр. 1187
قال أبو العيناء: كنا في جنازة الأصمعي، فجذبني أبو قلابة حبيش بن عبد الرحمن الجرمي وقيل حبيش بن منقذ، قاله المرزباني فيه " المعجم "، الشاعر فأنشدني لنفسه:
لعن الله أعظماً حملوها ... نحو دار البلى على خشباتِ
أعظماً تبغض النبي وأهل ال ... بيت والطيبين والطيبات قال: وجذبني أبو العالية الشامي وأنشدني واسم أبي العاليه الحسن بن مالك:
لا در در بنات الأرض إذ فجعت ... بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى ... في الناس منه ولا من علمه خلفاً قال: فعجبت من اختلافهما فيه.
وللأصمعي من التصانيف كتاب " خلق الإنسان " وكتاب " الأجناس " وكتاب " الأنواء " وكتاب " الهمز " وكتاب " المقصور والمدود " وكتاب " الفرق " وكتاب " الصفات " وكتاب " الأبواب " (١) وكتاب " الميسر والقداح " وكتاب " خلق الفرس " وكتاب " الخيل " وكتاب " الإبل " وكتاب " الشاء " وكتاب " الأخبية " (٢) وكتاب " الوحوش " وكتاب " فعل وأفعل " وكتاب " الأمثال " وكتاب " الأضداد " وكتاب " الألفاظ " وكتاب " السلاح " وكتاب " اللغات " وكتاب " مياه العرب " وكتاب " النوادر " وكتاب " أصول الكلام " وكتاب " القلب والإبدال " وكتاب " جزيرة العرب " وكتاب " الاشتقاق " وكتاب " معاني الشعر " وكتاب " المصادر " وكتاب " الأراجيز " وكتاب " النخلة " وكتاب " النبات " وكتاب " ما اتفق لفظه واختلف معناه " وكتاب " غريب الحديث " وكتاب " نوادر الاعراب " وغير ذلك.
стр. 1188
٣٨٠ - (١)
ابن هشام صاحب السيرة
أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري؛ قال أبو القاسم السهيلي عنه في كتاب " الروض الأنف " - شرح سيرة رسول الله ﷺ : إنه مشهور بحمل العلم، متقدم في علم النسب والنحو، وهو من مصر وأصله من البصرة، وله كتاب في أنساب حمير وملوكها، وكتاب في شرح ما وقع في أشعار السير من الغريب فيما ذكر لي. وتوفي بمصر في سنة ثلاث عشرة ومائتين، رحمه الله تعالى.
قلت وهذا ابن هشام هو الذي جمع سيرة رسول الله ﷺ من " المغازي والسير " لابن إسحاق وهذبها لخصها وشرحها السهيلي المذكور، وهي الموجودة بأيدي الناس المعروفة بسيرة ابن هشام. وقال أبو سعيد عبد الحمن بن أحمد ين يونس صاحب " تاريخ مصر " المقدم ذكره في تاريخه الذي جعله للغرباء القادمين على مصر: إن عبد الملك المذكور توفي لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ثماني عشرة ومائتين بمصر، والله أعلم بالصواب، وقال: إنه ذهلي.
والحميري قد تقدم الكلام عليه.
والمعافري: بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف فاء مكسورة ثم راء، هذه النسبة إلى المعافر بن يعفر (٢) قبيل كبير (٣) ينسب إليه بشر كثير عامتهم بمصر.
стр. 1189
٣٨١ - (١)
الثعالبي
أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري؛ قال ابن بسام صاحب " الذخيرة " في حقه: " كان في وقته راعي تلعات العلم، وجامع أشتات النثر والنظم، رأس المؤلفين في زمانه، وإما م المصنفين بحكم قرانه، سار ذكره سير المثل، وضربت إليه آباط الإبل، وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب طلوع النجم في الغياهب، وتواليفه أشهر مواضع وأبهر مطالع وأكثر راوٍ لها وجامع، من أن يستوفيها حد أو وصف، أو يوفيها حقوقها نظم أو رصف "، وذكر له طرفاً من النثر وأورد شيئاً من نظمه فمن ذلك ما كتبه إلى الأمير أبي الفضل الميكالي:
لك في المفاخر معجزاتٌ جمةٌ ... أيداً لغيرك في الورى لم تجمع
بحران: بحر في البلاغة شانه ... شعر الوليد (٢) وحسن لفظ الأصمعي
[وترسل الصابي يزين علوه ... خط ابن مقلة ذو المحل الأرفع] (٣)
كالنور أو كالسحر أو كالبدر أو ... كالوشي في بردٍ عليه موشع
شكراً فكم من فقرة لك كالغنى ... وافى الكريم بعيد فقر مدقع
وإذا تفتق نور شعرك ناضراً ... فالحسن بين مرصع ومصرع
أرجلت فرسان الكلام ورضت أف ... راس البديع وأنت أمجد مبدع
стр. 1190
ونقشت في فص الزمان بدائعاً ... تزري بآثار الربيع الممرع [ومنها في وصف فرس أهداه إليه ممدوحه:
يا واهب الطرف الجواد كأنما ... قد أنعلوه بالرياح الأربع
لا شيء أسرع منه إلا خاطري ... في وصف نائلك اللطيف الموقع
ولو انني أنصفت في إكرامه ... لجلال مهديه الكريم الألمعي
أقضمته حب الفؤاد محبة ... وجعلت مربطه سواد المدمع
وخلعت ثم قطعت غير مضيع ... برد الشباب لجله والبرقع] (١) ومن شعره (٢) :
لما بعثت فلم توجب مطالعتي ... وأمعنت نار شوقي في تلهبها
ولم أجد حيلةً تبقي على رمقي ... قبلت عيني رسولي إذ رآك بها [وكتب إلى أبي نصر بن سهل ابن المرزبان يحاجيه:
حاجيت شمس العلم في ذا العصر ... نديم مولانا الأمير نصر
ما حاجةٌ لأهل كل مصر ... في كل ما دار وكل قطر ليست ترى إلا بعيد العصر ... فكتب إليه جوابه:
يا بحر آدابٍ بغير جزر ... وحظه في العلم غير نزر
حزرت ما قلت وكان حزري ... أن الذي عنيت دهن البزر يعصره ذو قوةٍ وأزر] (٣) ...
стр. 1191
وله من التواليف " يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر " وهو أكبر كتبه وأحسنها وأجمعها، وفيها يقول أبو الفتوح نصر الله قلاقس الإسكندري الشاعر المشهور - وسيأتي ذكره أن شاء الله تعالى -:
أبيات أشعار اليتيمه ... أبكار أفكار قديمه
ماتوا وعاشت بعدهم ... فلذاك سميت اليتيمه وله أيضاً كتاب " فقه اللغة " و " سحر البلاغة وسر البراعة " و " من غاب عنهم المطرب " و " مؤنس الوحيد " وشيء كثير جمع فيها أشعار الناس ورسائلهم وأخبارهم وأحوالهم وفيها دلالة على كثرة اطلاعه. وله أشعار كثيرة. وكانت ولادته سنة خمسين وثلثمائة وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة رحمه الله تعالى.
والثعالبي: بفتح الثاء المثلثه والعين المهملة وبعد الألف باء مكسورة وبعدها لام موحدة هذه النسبة إلى خياطة جلود الثعالب وعملها، قيل له ذلك لأنه كان فراء.
٣٨٢ - (١)
سحنون
أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة التنوخي الملقب سحنون (٢) الفقيه المالكي، قرأ على ابن القاسم وابن
стр. 1192
وهب وأشهب ثم انتهت الرياسة في العلم بالمغرب إليه، وكان يقول قبح الله الفقر، أدركنا مالكاً وقرأنا على ابن القاسم. كان أصله من الشام من مدينة حمص قدم به أبوه مع جند أهل حمص وولي القضاء بالقيروان وعلى قوله المعول بالمغرب. وصنف كتاب " المدونة " في مذهب الإمام مالك ﵁، وأخذها عن ابن القاسم وكان أول من شرع في تصنيف " المدونة " أسد بن الفرات الفقيه المالكي بعد رجوعه من العراق وأصلها أسئلة سأل عنها ابن القاسم فأجابه عنها، وجاء بها أسد إلى القيروان وكتبها عنه سحنون، وكانت تسمى " الأسدية " ثم رحل بها سحنون إلى ابن القاسم في سنة ثمان وثمانين ومائة فعرضها عليه وأصلح فيها مسائل ورجع بها إلى القيروان في سنة إحدى وتسعين ومائة، وهي في التأليف على ما جمعه أسد ابن الفرات أولاً غير مرتبة المسائل ولا مرسمة التراجم، فرتب سحنون أكثرها وبوبه على ترتيب التصانيف واحتج لبعض مسائلها بالآثار من روايته من موطإ ابن وهب وغيره، وبقيت منها بقية لم يتمم فيها سحنون هذا العمل المذكور، ذكر هذا كله القاضي عياض وغيره.
وذكر لي بعض الفقهاء المالكية أن الشيخ جمال الدين أبا عمرو المعروف بابن الحاجب الفقيه المالكي النحوي - الآتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى واسمه عثمان - قال: إن أسد بن الفرات الفقيه المالكي جاء من الغرب إلى مصر وقرأ على ابن القاسم وأخذ عنه " المدونه " وكانت مسودة وعاد بها إلى بلاده فحضر إليه سحنون وطلبها منه لينقلها فبخل عليه بها فرحل سحنون إلى ابن القاسم وأخذ عنه " المدونة " وقد حررها ابن القاسم فدخل بها إلى الغرب وعلى يده كتاب ابن القاسم إلى أسد بن الفرات يقول فيه: تقابل نسختك بنسخة سحنون فالذي تتفق عليه النسختان يثبت والذي يقع فيه الاختلاف فالرجوع إلى نسخة سحنون، وتمحى نسخة ابن الفرات فهذه هي الصحيحة فلما وقف ابن الفرات على كتاب ابن القاسم عزم على العمل به، فقال له أصحابه: إن عملت هذا صار كتاب سحنون هو الأصل وبطل كتابك، وتكون أنت قد أخذته عن سحنون، فلم يعمل بكتاب ابن القاسم، فلما بلغ
стр. 1193
ابن القاسم الخبر قال: اللهم لا تنفع أحداً بابن الفرات ولا بكتابه، فهجره الناس لذلك، وهو الآن مهجور، وعلى كتاب سحنون يعتمد أهل القيروان (١) .
وحصل له من الأصحاب والتلامذة ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك مثله وعنه انتشر علم مالك بالمغرب. وكانت ولادته أول ليلة من شهر رمضان سنة ستين ومائة، وتوفي في يوم الثلاثاء لتسع خلون من رجب سنة أربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
وسحنون: بفتح السين المهملة وضمها وسكون الحاء المهملة وضم النون وبعد الواو نون ثانية، وفي فتح السين وضمها كلام من جهة العربية يطول شرحه وليس هذا موضعه، وقد صنف فيه أبو محمد ابن السيد البطليوسي جزءاً وقفت عليه، وقد استوفى الكلام فيه كما ينبغي وهو مجيد في كل ما يصنعه، وقد تقدم ترجمته (٢) . ولقب سحنون باسم طائر حديد بالمغرب يسمونه سحنوناً لحدة ذهنه وذكائه، ذكر ذلك أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم القيرواني في كتاب " طبقات من كان بإفربقيه من العلماء " (٣) ، والله أعلم.
(٩٨) وأما أسد بن الفرات فإنه أرسله زيادة الله بن الأغلب في جيش إلى جزيرة صقلية، ونزلوا على مدينة سرقوسة، ولم يزالوا محاصرين لها إلى أن مات ابن الفرات في رجب سنة ثلاث عشرة ومائتين، ودفن بمدينة بلرم من الجزيرة أيضاً، والله أعلم.
стр. 1194
٣٨٣ - (١)
أبو هاشم الجبائي
أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي محمد الجبائي (٢) بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان ﵁، المتكلم المشهور العالم ابن العالم؛ كان هو وأبوه من كبار المعتزلة، ولهما مقالات على مذهب الاعتزال، وكتب الكلام مشحونة بمذاهبهما واعتقادهما، وكان له ولد يسمى أبا علي، وكان عامياً لا يعرف شيئاً، فدخل يوماً على الصاحب بن عباد، فظنه عالماً فأكرمه ورفع مرتبته، ثم سأله عن مسألة فقال: لا أعرف نصف العلم، فقال له الصاحب: صدقت يا ولدي، إلا أن أباك تقدم بالنصف الآخر (٣) .
وكانت ولادة أبي هاشم المذكور سنة سبع وأربعين ومائتين. وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ببغداد، ودفن في مقابر البستان من الجانب الشرقي، وفي ذلك اليوم توفي أبو بكر محمد بن دريد اللغوي المشهور - وسيأتي ذكر والده إن شاء الله تعالى ﵃ أجمعين.
وحمران: بضم الحاء المهملة وسكون الميم وفتح الراء وبعد الألف نون.
وأبان: بفتح الهمزة والباء الموحدة وبعد الألف نون.
والجبائي: بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة، هذه النسبة إلى قرية من قرى البصرة خرج منها جماعة من العلماء، هكذا قاله السمعاني في كتاب " الأنساب " (٤) ،
стр. 1195
وقال ياقوت الحموي في كتابه " المشترك " (١) : إنها كورة وبلدة ذات قرى وعمارات (٢) من نواحي خوزستان (٣) ، والله أعلم.
٣٨٤ - (٤)
ديك الجن
أبو محمد عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن زيد بن تميم الكلبي الملقب ديك الجن، الشاعر المشهور؛ وذكر ابن الجراح في كتاب " الورقة " (٥) أنه مولى لطيء، والله أعلم؛ أصله من أهل سلمية، ومولده بمدينة حمص، وتميم أول من أسلم من أجداده على يد حبيب بن مسلمة الفهري، أخذ محارباً، وكان يفخر على العرب ويقول: ما لهم فضل علينا، أسلمنا كما أسلموا. وهو من شعراء الدولة العباسية، ولم يفارق الشام ولا رحل إلى العراق ولا إلى غيره منتجعاً بشعر، ولا متصدياً لأحد، وكان يتشيع تشيعاً حسناً، وله مراثٍ في الحسين، ﵁. وكان ماجناً خليعاً عاكفاً على القصف واللهو متلافاً لما ورثه، وشعره في غاية الجودة.
حدث عبد الله بن محمد بن عبد الملك الزبيدي قال: كنت جالساً عند ديك الجن، فدخل عليه حدث فأنشده شعراً عمله، فأخرج ديك الجن من تحت مصلاه درجاً كبيراً فيه كثير من شعره فسلمه إليه وقال: يا فتى تكسب بهذا واستعن به على قولك. فلما خرج سألته عنه فقال: هذا فتى من أهل جاسم،