وله من التواليف " يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر " وهو أكبر كتبه وأحسنها وأجمعها، وفيها يقول أبو الفتوح نصر الله قلاقس الإسكندري الشاعر المشهور - وسيأتي ذكره أن شاء الله تعالى -:
أبيات أشعار اليتيمه ... أبكار أفكار قديمه
ماتوا وعاشت بعدهم ... فلذاك سميت اليتيمه وله أيضاً كتاب " فقه اللغة " و " سحر البلاغة وسر البراعة " و " من غاب عنهم المطرب " و " مؤنس الوحيد " وشيء كثير جمع فيها أشعار الناس ورسائلهم وأخبارهم وأحوالهم وفيها دلالة على كثرة اطلاعه. وله أشعار كثيرة. وكانت ولادته سنة خمسين وثلثمائة وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة رحمه الله تعالى.
والثعالبي: بفتح الثاء المثلثه والعين المهملة وبعد الألف باء مكسورة وبعدها لام موحدة هذه النسبة إلى خياطة جلود الثعالب وعملها، قيل له ذلك لأنه كان فراء.
٣٨٢ - (١)
سحنون
أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة التنوخي الملقب سحنون (٢) الفقيه المالكي، قرأ على ابن القاسم وابن
стр. 1192
وهب وأشهب ثم انتهت الرياسة في العلم بالمغرب إليه، وكان يقول قبح الله الفقر، أدركنا مالكاً وقرأنا على ابن القاسم. كان أصله من الشام من مدينة حمص قدم به أبوه مع جند أهل حمص وولي القضاء بالقيروان وعلى قوله المعول بالمغرب. وصنف كتاب " المدونة " في مذهب الإمام مالك ﵁، وأخذها عن ابن القاسم وكان أول من شرع في تصنيف " المدونة " أسد بن الفرات الفقيه المالكي بعد رجوعه من العراق وأصلها أسئلة سأل عنها ابن القاسم فأجابه عنها، وجاء بها أسد إلى القيروان وكتبها عنه سحنون، وكانت تسمى " الأسدية " ثم رحل بها سحنون إلى ابن القاسم في سنة ثمان وثمانين ومائة فعرضها عليه وأصلح فيها مسائل ورجع بها إلى القيروان في سنة إحدى وتسعين ومائة، وهي في التأليف على ما جمعه أسد ابن الفرات أولاً غير مرتبة المسائل ولا مرسمة التراجم، فرتب سحنون أكثرها وبوبه على ترتيب التصانيف واحتج لبعض مسائلها بالآثار من روايته من موطإ ابن وهب وغيره، وبقيت منها بقية لم يتمم فيها سحنون هذا العمل المذكور، ذكر هذا كله القاضي عياض وغيره.
وذكر لي بعض الفقهاء المالكية أن الشيخ جمال الدين أبا عمرو المعروف بابن الحاجب الفقيه المالكي النحوي - الآتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى واسمه عثمان - قال: إن أسد بن الفرات الفقيه المالكي جاء من الغرب إلى مصر وقرأ على ابن القاسم وأخذ عنه " المدونه " وكانت مسودة وعاد بها إلى بلاده فحضر إليه سحنون وطلبها منه لينقلها فبخل عليه بها فرحل سحنون إلى ابن القاسم وأخذ عنه " المدونة " وقد حررها ابن القاسم فدخل بها إلى الغرب وعلى يده كتاب ابن القاسم إلى أسد بن الفرات يقول فيه: تقابل نسختك بنسخة سحنون فالذي تتفق عليه النسختان يثبت والذي يقع فيه الاختلاف فالرجوع إلى نسخة سحنون، وتمحى نسخة ابن الفرات فهذه هي الصحيحة فلما وقف ابن الفرات على كتاب ابن القاسم عزم على العمل به، فقال له أصحابه: إن عملت هذا صار كتاب سحنون هو الأصل وبطل كتابك، وتكون أنت قد أخذته عن سحنون، فلم يعمل بكتاب ابن القاسم، فلما بلغ
стр. 1193
ابن القاسم الخبر قال: اللهم لا تنفع أحداً بابن الفرات ولا بكتابه، فهجره الناس لذلك، وهو الآن مهجور، وعلى كتاب سحنون يعتمد أهل القيروان (١) .
وحصل له من الأصحاب والتلامذة ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك مثله وعنه انتشر علم مالك بالمغرب. وكانت ولادته أول ليلة من شهر رمضان سنة ستين ومائة، وتوفي في يوم الثلاثاء لتسع خلون من رجب سنة أربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
وسحنون: بفتح السين المهملة وضمها وسكون الحاء المهملة وضم النون وبعد الواو نون ثانية، وفي فتح السين وضمها كلام من جهة العربية يطول شرحه وليس هذا موضعه، وقد صنف فيه أبو محمد ابن السيد البطليوسي جزءاً وقفت عليه، وقد استوفى الكلام فيه كما ينبغي وهو مجيد في كل ما يصنعه، وقد تقدم ترجمته (٢) . ولقب سحنون باسم طائر حديد بالمغرب يسمونه سحنوناً لحدة ذهنه وذكائه، ذكر ذلك أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم القيرواني في كتاب " طبقات من كان بإفربقيه من العلماء " (٣) ، والله أعلم.
(٩٨) وأما أسد بن الفرات فإنه أرسله زيادة الله بن الأغلب في جيش إلى جزيرة صقلية، ونزلوا على مدينة سرقوسة، ولم يزالوا محاصرين لها إلى أن مات ابن الفرات في رجب سنة ثلاث عشرة ومائتين، ودفن بمدينة بلرم من الجزيرة أيضاً، والله أعلم.
стр. 1194
٣٨٣ - (١)
أبو هاشم الجبائي
أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي محمد الجبائي (٢) بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان ﵁، المتكلم المشهور العالم ابن العالم؛ كان هو وأبوه من كبار المعتزلة، ولهما مقالات على مذهب الاعتزال، وكتب الكلام مشحونة بمذاهبهما واعتقادهما، وكان له ولد يسمى أبا علي، وكان عامياً لا يعرف شيئاً، فدخل يوماً على الصاحب بن عباد، فظنه عالماً فأكرمه ورفع مرتبته، ثم سأله عن مسألة فقال: لا أعرف نصف العلم، فقال له الصاحب: صدقت يا ولدي، إلا أن أباك تقدم بالنصف الآخر (٣) .
وكانت ولادة أبي هاشم المذكور سنة سبع وأربعين ومائتين. وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ببغداد، ودفن في مقابر البستان من الجانب الشرقي، وفي ذلك اليوم توفي أبو بكر محمد بن دريد اللغوي المشهور - وسيأتي ذكر والده إن شاء الله تعالى ﵃ أجمعين.
وحمران: بضم الحاء المهملة وسكون الميم وفتح الراء وبعد الألف نون.
وأبان: بفتح الهمزة والباء الموحدة وبعد الألف نون.
والجبائي: بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة، هذه النسبة إلى قرية من قرى البصرة خرج منها جماعة من العلماء، هكذا قاله السمعاني في كتاب " الأنساب " (٤) ،
стр. 1195
وقال ياقوت الحموي في كتابه " المشترك " (١) : إنها كورة وبلدة ذات قرى وعمارات (٢) من نواحي خوزستان (٣) ، والله أعلم.
٣٨٤ - (٤)
ديك الجن
أبو محمد عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن زيد بن تميم الكلبي الملقب ديك الجن، الشاعر المشهور؛ وذكر ابن الجراح في كتاب " الورقة " (٥) أنه مولى لطيء، والله أعلم؛ أصله من أهل سلمية، ومولده بمدينة حمص، وتميم أول من أسلم من أجداده على يد حبيب بن مسلمة الفهري، أخذ محارباً، وكان يفخر على العرب ويقول: ما لهم فضل علينا، أسلمنا كما أسلموا. وهو من شعراء الدولة العباسية، ولم يفارق الشام ولا رحل إلى العراق ولا إلى غيره منتجعاً بشعر، ولا متصدياً لأحد، وكان يتشيع تشيعاً حسناً، وله مراثٍ في الحسين، ﵁. وكان ماجناً خليعاً عاكفاً على القصف واللهو متلافاً لما ورثه، وشعره في غاية الجودة.
حدث عبد الله بن محمد بن عبد الملك الزبيدي قال: كنت جالساً عند ديك الجن، فدخل عليه حدث فأنشده شعراً عمله، فأخرج ديك الجن من تحت مصلاه درجاً كبيراً فيه كثير من شعره فسلمه إليه وقال: يا فتى تكسب بهذا واستعن به على قولك. فلما خرج سألته عنه فقال: هذا فتى من أهل جاسم،
стр. 1196
يذكر أنه من طيء، يكنى أبا تمام، واسمه حبيب بن أوس، وفيه أدب وذكاء وله قريحة وطبع، قال: وعُمِّر الملقب ديك الجن إلى أن مات أبو تمام ورثاه.
ومولد ديك الجن سنة إحدى وستين (١) ومائة وعاش بضعاً وسبعين سنة، وتوفي في أيام المتوكل سنة خمس أو ست وثلاثين ومائتين.
ولما اجتاز أبو نواس بحمص قاصداً مصر لامتداح الخصيب بن عبد الحميد سمع ديك الجن بوصوله، فاستخفى منه خوفاً أن يظهر لأبي نواس أنه قاصر بالنسبة إليه، فقصده أبو نواس في داره وهو بها، فطرق الباب واستأذن عليه، فقالت الجارية: ليس هو ها هنا؛ فعرف مقصده فقال لها: قولي له اخرج فقد فتنت أهل العراق بقولك:
موردة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها فلما سمع ديك الجن ذلك خرج إليه واجتمع به وأضافه. وهذا البيت من جملة أبيات وهي (٢) :
بها غير معذولٍ (٣) فداو خمارها ... وصل بحبالات (٤) الغبوق ابتكارها
ونل من عظيم الوزر كل عظيمةً ... إذا ذكرت خاف الحفيظان نارها
وقم أنت فاحثث كأسها غير صاغرٍ ... ولا تسق إلا خمرها وعقارها
فقام يكاد الكأس يحرق كفه ... من الشمس أو من وجنتيه استعارها
ظللنا بأيدينا نتعتع روحها ... فتأخذ من أقدامنا الراح ثارها
موردةً من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها
стр. 1197
وذكر الجهشياري في كتاب " أخبار الوزراء " (١) أن حبيب بن عبد الله بن رغبان المذكور في هذا النسب كان كاتباُ في أيام الخليفة المنصور، وكان يتقلد الاعطاء، وكان موجوداً في سنة ثلاث وأربعين ومائة، وأن ديك الجن الشاعر من ولده، وإليه ينسب مسجد ابن رغبان بمدينة السلام، وأنه مولى حبيب ابن مسلمة الفهري.
(٩٩) قلت: وحبيب بن مسلمة كان من خواص معاوية، وله معه في وقعة صفين آثار شكرها له، ولما استقر الأمر لمعاوية سير حبيباً في بعض مهامه، فلقيه الحسن بن علي، ﵄، وهو خارج فقال له: يا حبيب، رب مسيرٍ لك في غير طاعة الله، فقال له حبيب: أما إلى أبيك فلا، فقال له الحسن: بلى والله، ولقد طاوعت معاوية على دنياه، وسارعت في هواه، فلئن قام بك في دنياك فقد قعد بك في دينك، فليتك إذ أسأت الفعل أحسنت القول، فتكون كما قال الله تعالى " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً " " التوبة: ١٠٢ " ولكنك كما قال الله تعالى " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " " المطففين: ١٤ ". وكنية حبيب هذا أبو عبد الرحمن، ولاه معاوية أرمينية فمات بها سنة اثنتين وأربعين للهجرة ولم يبلغ خمسين سنة.
وكانت لديك الجن جارية يهواها اسمها دنيا، فاتهمها بغلامه الوصيف فقتلها ثم ندم على ذلك فأكثر من التغزل فيها، فمن ذلك قوله (٢) :
يا طلعة طلع الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الردى بيديها
رويت من دمها الثرى ولطالما ... روى الهوى شفتي من شفتيها
مكنت سيفي من مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها
فوحق نعليها وما وطئ الحصى ... شيء أعز علي من نعليها
ما كان قتليها لأني لم أكن ... أبكي إذا سقط الغبار عليها
стр. 1198
لكن بخلت على سواي بحبها ... وأنفت من نظر الغلام إليها (١) وله فيها (٢) :
جاءت تزور فراشي بعد ما قبرت ... فظلت ألثم نحراً زانه الجيد
وقلت قرة عيني قد بعثت لنا ... فكيف ذا وطريق القبر مسدود
قالت هناك عظامي فيه مودعةً ... تعيث فيها بنات الأرض والدود
وهذه الروح قد جاءتك زائرةً ... هذي زيارة من في القبر ملحود وله فيها، وقيل أن هذه الأبيات لها في ولدها منه، واسمه رغبان (٣) :
بأبي نبذتك بالعراء المقفر ... وسترت وجهك بالتراب الأعفر (٤)
بأبي بذلتك بعد صونٍ للبلى ... ورجعت عنك صبرت أو لم أصبر
لو كنت أقدر أن أرى أثر البلى ... لتركت وجهك ضاحياً لم يقبر [ويروى أن المتهم بالجارية غلام كان يهواه فقتله أيضاً، وصنع فيه أبياتاً وهي (٥) :
أشفقت أن يرد الزمان بغدره ... أو أبتلى بعد الوصال بهجره
فقتلته وله علي كرامةٌ ... ملء الحشا وله الفؤاد بأسره
قمرٌ أنا استخرجته من دجنه ... لبليتي ورفعته من خدره
عهدي به ميتاً كأحسن نائمٍ ... والحزن ينحر في مقلتي في نحره
стр. 1199
لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي منه بكى له في قبره
غصصٌ تكاد تفيظ منها نفسه ... ويكاد يخرج قلبه من صدره فصنعت أخت الغلام:
يا ويح ديك الجن يا تباً له ... مما تضمن صدره من غدره
قتل الذي يهوى وعمر بعده ... يا رب لا تمدد له في عمره] (١) وقد ذكر أبو بكر الخرائطي في كتاب " اعتلال القلوب " (٢) حديثه وشعره وله كل معنى حسن، رحمه الله تعالى.
ورغبان: بفتح الراء وسكون الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون.
وقد تقدم الكلام على سلمية في ترجمة المهدي عبيد الله. وحمص: مدينة مشهورة.
٣٨٥ - (٣)
أبو القاسم الداركي
أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز الداركي، الفقيه الشافعي؛ كان أبوه محدث أصبهان في وقته، وكان أبو القاسم من كبار فقهاء
стр. 1200
الشافعيين، نزل نيسابور سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة ودرس الفقه بها سنين، ثم انتقل إلى بغداد وسكنها إلى حين وفاته، وأخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي، وعليه تفقه الشيخ أبو حامد الإسفرايني بعد موت أبي الحسن ابن المرزبان، وأخذ عنه عامة شيوخ بغداد وغيرهم من أهل الآفاق. وكان يدرس ببغداد في مسجد دعلج بن أحمد بدرب أبي خلف من قطيعة الربيع، وله حلقة في الجامع للفتوى والنظر، وانتهى التدريس إليه ببغداد وانتفع به خلق كثير. وله في المذهب وجوه جيده دالة على متانة علمه، وكان يتهم بالاعتزال، وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني يقول: ما رأيت أحداً أفقه من الداركي، وأخذ الحديث عن جده لأمه الحسن بن محمد الداركي. وكان إذا جاءته مسألة تفكر طويلاً ثم يفتي فيها، وربما أفتى على خلاف مذهب الإمامين الشافعي وأبي حنيفة، ﵄، فيقال له في ذلك، فيقول: ويحكم، حدث فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ بكذا وكذا، والأخذ بالحديث أولى من الأخذ بقول الإمامين.
وتوفي ببغداد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس وسبعين وثلثمائة، عن نيف وسبعين سنة، رحمه الله تعالى، وقيل: إنه توفي في ذي القعدة، والأول أصح. وكان ثقة أميناً.
والداركي: بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مفتوحة وبعدها كاف، قال السمعاني (١) : هذه النسبة إلى دارك، وظني أنها من قرى أصبهان، وقال: هو عبد العزيز بن الحسن بن أحمد الداركي، والله أعلم بالصواب.
стр. 1201
٣٨٦ - (١)
ابن نباتة الشاعر
أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة بن حميد بن نباتة بن الحجاج بن مطر بن خالد بن عمرو بن رزاح بن رياح بن سعد بن ثجير بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر، التميمي السعدي، وبقية النسب معروف؛ كان شاعراً مجيداً، جمع بين حسن السبك وجودة المعنى، طاف البلاد ومدح الملوك والوزراء والرؤساء، وله في سيف الدولة بن حمدان غر القصائد ونخب المدائح، وكان قد أعطاه فرساً أدهم أغر محجلاً فكتب إليه:
يا أيها الملك الذي أخلاقه ... من خلقه ورواؤه من رائه
قد جاءنا الطرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه
أولايةً وليتنا فبعثته ... رمحاً سبيب العرف عقد لوائه
نحتل منه على أغر محجل ... ماء الدياجي قطرةٌ من مائه
فكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه
متمهلاً والبرق من أسمائه ... متبرقعاً والحسن من أكفائه
ما كانت النيران يكمن حرها ... ولو كان للنيران بعض ذكائه
لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه
لا يكمل الطرف المحاسن كلها ... حتى يكون الطرف من أسرائه وهذا المعنى الذي وقع له في صفة الغرة والتحجيل في غاية الإبداع، وما أظنه سبق إليه.
стр. 1202
وله في سيف الدولة أيضاً قصيدة لامية طويلة ومن جملة أبياتها قوله:
قد جدت لي باللها حتى ضجرت بها ... وكدت من ضجري أثني على البخل
إن كنت ترغب في أخذ النوال لنا ... فاخلق لنا رغبة أو لا فلا تنل
لم يبقٍ جودك لي شيئاً أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل وهذا المعنى فيه إلمام بقول البحتري (١) ، أعني البيت الأول:
إني هجرتك إذ هجرتك وحشةً ... لا العود يذهبها ولا الإبداء
أخجلتني (٢) بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتني بالجود حتى إنني ... متخوفٌ أن لا يكون لقاء
صلةٌ غدت في الناس وهي قطيعة ... عجب وبر راح وهو جفاء وفي معناه أيضا قول دعبل بن علي الخزاعي المقدم ذكره يمدح المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي أمير مصر (٣) :
زمني بمطلب سقيت زمانا ... ما كنت إلا روضةً وجنانا
كل الندى إلا ندا ك تكلفٌ ... لم أرض بعدك كائناً من كانا
أصلحتني بالبر بل أفسدتني ... وتركتني أتسخط الإحسانا وهو معنى مطروق تداولته الشعراء، وأكثرت استعماله، فمنهم من يستوفيه ومنهم من يقصر فيه، وكتب به علي بن جبلة المعروف بالعكوك - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - إلى أبي دلف العجلي في أبيات رائية، ولولا خوف الإطالة لذكرتها، وما ألطف قول أبي العلاء المعري فيه:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
стр. 1203
رجعنا إلى ذكر أبي نصر المذكور:
ومعظم شعره جيد، وله ديوان كبير، وكان قد وصل إلى مدينة الري، وامتدح أبا الفضل محمد بن العميد وجرى بينهما مفاوضة يأتي شرحها (١) في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وكانت ولادته في سنة سبع وعشرين وثلثمائة، وتوفي يوم الأحد بعد طلوع الشمس ثالث شوال سنة خمس وأربعمائة ببغداد، ودفن قبل الظهر في مقبرة الخيزران من الجانب الشرقي، رحمه الله تعالى.
ونباتة: بضم النون كما تقدم في جد الخطيب ابن نباتة.
وثجير: بضم الثاء المثلثة وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها راء.
وبقيت الأسماء معروفة (٢) .
قال أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل: دخلت على أبي الحسن محمد بن علي بن نصر البغدادي صاحب الرسائل وصاحب كتاب " المفاوضة " - قلت: وهو أخو القاضي عبد الوهاب المالكي، وسيأتي ذكرهما في ترجمة عبد الوهاب إن شاء الله تعالى - قال: وكان في مرض موته بواسط، فقعدت عنده قليلاً ثم قمت لأنه كان به قيام، فأنشدني بيت أبي نصر عبد العزيز وهو:
متع لحاظك من خلٍ تودعه ... فما إخالك بعد اليوم بالوادي ثم قال لي أبو الحسن المذكور: عدت أبا نصر ابن نباتة في اليوم الذي توفي فيه فأنشدني هذا البيت، وودعته وانصرفت، فأخبرت في طريقي أنه توفي، قال الشيخ أبو غالب: وفي تلك الليلة توفي أبو الحسن المذكور، وقد ذكرت تاريخ ذلك في ترجمة عبد الوهاب [المالكي] (٣) .
стр. 1204
وقال أبو علي محمد بن وشاح بن عبد الله: سمعت أبا نصر ابن نباتة يقول: كنت يوما قائلاً في دهليزي، فدق عليه الباب، فقلت: من فقال: رجلٌ من أهل المشرق، فقلت: ما حاجتك فقال: أنت القائل:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والداء واحد فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك فقلت: نعم، فمضى، فلما كان أخر النهار دق عليه الباب، فقلت: من قال رجل من أهل تاهرت من الغرب، ما حاجتك فقال: أنت القائل:
ومن لم يمت بالسيف ما بغيره ... وتنوعت الأسباب والداء واحد فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك فقلت: نعم، وعجبت (١) كيف وصل إلى الشرق والغرب.
٣٨٧ - (٢)
ابن مغلس الأندلسي
أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن السيد بن مغلس القيسي الأندلسي؛ كان من أهل العلم باللغة والعربية مشاراً إليه فيهما، رحل من الأندلس وسكن مصر واستوطنها، وقرأ الأدب على أبي العلاء صاعد بن الحسن الربعي صاحب كتاب " الفصوص " - وقد سبق ذكره في حرف الصاد (٣) - وعلى أبي يعقوب
стр. 1205
يوسف بن يعقوب النجيرمي بمصر، ودخل بغداد واستفاد وأفاد، وله شعر حسن، فمن ذلك قوله:
مريض الجفون بلا علةٍ ... ولكن قلبي به ممرض
أعان السهاد على مقلتي ... بفيض الدموع فما تغمض
وما زار شوقاً ولكن أتى ... يعرض لي أنه معرض وله أشعار كثيرة، وكانت بينه وبين أبي الطاهر إسماعيل بن خلف صاحب كتاب " العنوان " (١) معارضات في قصائد (٢) هي موجودة في ديوانيهما، ولولا خوف الإطالة لأتيت بشيء منها.
وتوفي يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وأربعمائة، بمصر، وصلى عليه الشيخ أبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي (٣) صاحب التفسير في مصلى الصدفي، ودفن عند بني إسحاق، ﵏ أجمعين.
ومغلس: بضم الميم وفح الغين المعجمة وتشديد اللام وكسرها وبعدها سين مهملة.
стр. 1206
٣٨٨ - (١)
عبد الصمد بن علي الهاشمي
أبو محمد عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي؛ ذكر الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب " شذور العقود " أنه كانت فيه عجائب، مها أنه ولد في سنة أربع ومائة، وولد أخوه محمد بن علي والد السفاح والمنصور في سنة ستين للهجرة، فبينهما في المولد أربع وأربعون سنة، وتوفي في سنة ست وعشرين ومائة، وتوفي عبد الصمد المذكور في سنة خمس وثمانين ومائة، فكان بينهما في الوفاة تسع وخمسون سنة، ومنها أنه حج يزيد بن معاوية في سنة خمسين للهجرة وحج عبد الصمد بالناس سنة وخمسين ومائة، وهما في النسب إلى عبد مناف سواء، لأن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فبين يزيد وعبد مناف خمسة أجداد، وبين عبد الصمد وعبد مناف خمسة، لأن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ومنها أنه أدرك السفاح والمنصور وهما ابنا أخيه، ثم أدرك المهدي بن المنصور وهو عم أبيه، ثم أدرك الهادي وهو عم جده، ثم أدرك الرشيد وفي أيامه مات. وقال يوما للرشيد: يا أمير المؤمنين، هذا مجلس فيه أمير المؤمنين وعم أمير المؤمنين وعم عم أمير المؤمنين وعم عم عمه، وذلك أن سليمان بن أبي جعفر عم الرشيد، والعباس عم سليمان، وعبد الصمد عم العباس (٢) . ومنها أنه مات بأسنانه التي ولد بها، ولم يثغر، وكانت قطعة واحدة من أسفل.
стр. 1207
وذكر ابن جرير الطبري في تاريخه أن عبد الصمد المذكور ولد في رجب سنة ست ومائة، ومات في جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين ومائة. وقال غيره: كانت وفاته ببغداد، وقال غيره: ولد في سنة تسع، وقيل في سنة خمس بالحميمة من أرض البلقاء، والله أعلم.
وأمه كبيرة التي يقول فيها عبيد الله بن قيس الرقيات الشاعر المشهور قصيدته التي أولها (١) :
عاد له من كبيرة الطرب ... وعمي في أخر عمره.
يقال: ثغر الصبي يثغر فهو مثغور، إذا سقطت أسنانه، وإذا نبتت قيل قد اثغر، واتغر، بالثاء والتاء مع التشديد فيهما - وسيأتي ذكر والده وأخيه إن شاء الله تعالى -.
٣٨٩ - (٢)
ابن بابك
أبو القاسم عبد الصمد بن منصور بن الحسن بابك الشاعر المشهور؛ أحد الشعراء المجيدين المكثرين، رأيت ديوانه في ثلاث مجلدات، وله أسلوب رائق في نظم الشعر، وجاب البلاد، ولقي الرؤساء، ومدحهم، وأجزلوا جائزته [ولما قدم على الصاحب بن عباد قال له: أنت بابك الشاعر فقال: أنا ابن
стр. 1208
بابك، فاستحسن قوله وأجازه وأجزل صلته] (١) .
ومن شعره قوله:
وأغيد معسول الشمائل زارني ... على فرقٍ والنجم حيران طالع
فلما جلا صبغ الدجى قلت حاجبٌ ... من الصبح أو قرنٌ من الشمس لامع
إلى أن دنا والسحر رائد طرفه ... كما ريع ظبيٌ بالصريمة راتع
فنازعته الصهباء والليل دامسٌ (٢) ... رقيق حواشي البرد والنسر واقع
عقار عليها من دم الصب نفضةٌ ... ومن عبرات المستهان فواقع
تدير إذا شجت عيوناً كأنها ... عيون العذارى شق عنها البراقع
معودة غضب العقول كأنما ... لها عند ألباب الرجال ودائع
فبتنا وظل الوصل دانٍ (٣) وسرنا ... مصون ومكتوم الصبابة ذائع
إلى أن سلا عن ورده فارط القطا ... ولاذت بأطراف الغصون السواجع
فولى أسير السكر يكبو لسانه ... فتنطق عنه بالوداع الأصابع وله (٤) :
يا صاحبي امزجا كأس المدام لنا ... كيما يضيء لنا من نورها الغسق
خمراً إذا ما نديمي هم يشربها ... أخشى عليه من اللألاء يحترق
لو رام يحلف أن الشمس ما غربت ... في فيه كذبه في وجهه الشفق وله من قصيد بيتٌ من في غاية الرقة وهو:
ومر بي النسيم فرق حتى ... كأني قد شكوت إليه ما بي
стр. 1209
وكانت وفاته في سنة عشر وأربعمائة ببغداد، رحمه الله تعالى.
وبابك: بفتح الباءين الموحدتين بينهما ألف وفي الأخير كاف.
٣٩٠ - (١)
أبو المحاسن الروياني
أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني الفقيه الشافعي؛ من رؤوس الأفاضل في أيامه مذهباً وأصولاً وخلافاً، سمع أبا الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي بميافارقين ومن أبي عبد الله محمد بن بيان بن محمد الكازروني (٢) وتفقه عليه على مذهب الشافعي، وروى عنه زاهر بن طاهر الشحامي وغيره.
وكان له الجاه العظيم والحرمة الوافرة في تلك الديار، وكان الوزير نظام الملك كثير التعظيم له لكمال فضله. رحل إلى بخارى وأقام بها مدة ودخل غزنة ونيسابور، ولقي الفضلاء، وحضر مجلس ناصر المروزي وعلق عنه وسمع الحديث، وبنى بآمل طبرستان مدرسةً، ثم انتقل إلى الري ودرّس بها، وقدم أصبهان وأملى بجامعها، وصنف الكتب المفيدة: منها " بحر المذهب " (٣) وهو من أطول كتب الشافعيين وكتاب " مناصيص الإمام الشافعي " وكتاب " الكافي " وكتاب " حلية المؤمن " وصنف في الأصول والخلاف، ونقل عنه أنه كان يقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من خاطري.
وذكره القاضي أبو محمد عبد الله بن يوسف الحافظ في " طبقات أئمة الشافعية " (٤)
стр. 1210
فقال: أبو المحاسن الروياني باقرة (١) العصر إمام في الفقه، وذكره الحافظ أبو زكرياء يحيى بن منده، وروى الحديث عن خلق كثير في بلاد متفرقة. وكانت ولادته في ذي الحجة سنة خمس عشرة وأربعمائة، وقال الحافظ أبو طاهر السلفي:
بلغنا أن أبا المحاسن الروياني أملى بمدينة آمل، وقتل بعد فراغه من الإملاء بسبب التعصب في الدين، في المحرم سنة اثنتين وخمس مائة.
وذكر معمر (٢) بن عبد الواحد بن فاخر في الوفيات التي خرجها للحافظ أبي سعد ابن السمعاني أن أبا المحاسن المذكور قتل بآمل في جامعها يوم الجمعة الحادي عشر من المحرم من السنة المذكورة، قتله الملاحدة، والله أعلم، رحمه الله تعالى.
والروياني: بضم الراء وسكون الواو وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى رويان، وهي مدينة بنواحي طبرستان خرج منها جماعة من العلماء؛ وآمل مدينة هنالك وقد سبق ذكرها.
٣٩١ - (٣)
الببغاء
أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي الشاعر المعروف بالببغاء؛ ذكّره الثعالبي في " يتيمة الدهر " (٤) وقال: هو من أهل نصيبين، وبالغ في
стр. 1211
الثناء عليه وذكر جملة من رسائله ونظمه وما دار بينه وبين أبي إسحاق الصابي، وأشياء يطول شرحها.
[واتفق أن أبا الفرج (١) قدم مرة بغداد وأبو إسحاق معتقل مدة طويلة ولم يصبر عنه وزاره في مجلسه ثم انصرف ولم يعاوده فكتب إليه أبو إسحاق:
أبا الفرج اسلم وابق وانعم ولا تزل ... يزيدك صرف الدهر حظاً إذا نقص
مضى زمن تستام وصلي غالياً ... فأرخصته والبيع غالٍ ومرتخص
وأنستني في مجلسي بزيارة ... شفت كبداً من صاحبٍ لك قد خلص
ولكنها كانت كحسوة طائرٍ ... فواقاً كما يستفرص السارق الفرص
وأحسبك استوحشت من ضيق محبسي ... وأوجست خوفاً من تذكرك القفص
كذا الكرز اللماح ينجو بنفسه ... إذا عاين الأشراك تنصب للقنص
فحوشيت يا قسَّ الطيور بلاغةً ... إذا أنشد المنظوم أو درس القصص
من المنسر الأشغى ومن حدة المدى ... ومن بندق الرامي ومن قصة المقص
فهذي دواهي الطير وقيت شرها ... إذا الدهر من أحداثه جرع الغصص فأجابه أبو الفرج في الحال مع رسوله:
أيا ماجداً [مذ يمم] المجد مانكص ... وبدر تمامٍ مذ تكامل ما نقص
ستخلص من هذا السرار وأيما ... هلالٍ توارى بالسرار فما خلص
برأفة تاج الملة الملك الذي ... [لسؤدده] في خطة المشتري حصص
تقنصت بالألطاف شكري ولم أكن ... علمت بأن الحر بالبر يقتنص
وصادفت أدنى فرصة فانتهزتها ... بلقياك إذ بالحزم تنتهز الفرص
أتتني القوافي الزاهرات تجمل ال ... بدائع من مستحسن الجد والرخص
فقابلت زهر الروض منها ولم أرد ... وأحرزت [در] البحر منها ولم أغص
стр. 1212
فإن كنت بالببغاء قدماً ملقباً ... فكم لقبٍ بالجور لا العدل مخترص
وبعد فما أخشى تقنص جارحٍ ... وقلبك لي وكرٌ ورأيك لي قفص فانتهى الابتداء والجواب إلى عضد الدولة فأعجب بهما واستظرفهما، وكان ذلك أحد أسباب إطلاق أبي إسحاق من اعتقاله. ثم اتصلت بينهما المودة والكتابة.
وحكى القاضي أبو علي التنوخي قال: دخل أبو الفرج عبد الواحد الببغاء على الوزير أبي نصر سأبور بن أردشير وقد نثرت عليه دنانير وجواهر، فأنشد بديهاً:
نثروا الجواهر واللجين وليس لي ... شيءٌ عليه سوى المدائح أنثر
بقصائدٍ كالدر إن هي أنشدت ... وثنا إذا ما فاح فهو العنبر] (١) ومن شعره:
يا سادتي هذه روحي تودعكم ... إذ كان لا الصبر يسليها ولا الجزع
قد كنت أطمع في روح الحياة لها ... فالآن إذ بنتم لم يبق لي طمع
لا عذب الله روحي بالبقاء فما ... أظنها بعدكم بالعيش تنتفع وله (٢) :
خيالك منك أعرف بالغرام ... وأرأف بالمحب المستهام
ولو يسطيع حين حظرت نومي ... علي لزار في غير المنام وله أيضاً:
ومهفهفٍ لما اكتست وجناته ... خلع الملاحة طرزت بعذاره
لما انتصرت على أليم جفائه ... بالقلب كان القلب من أنصاره
стр. 1213
كملت محاسن وجهه فكأنما اق ... تبس الهلال النور من أنواره
وإذا ألح القلب في هجرانه ... قال الهوى لا بد منه فداره وله في التشبيه وقد أبدع فيه:
وكأنما نقشت حوافر خيله ... للناظرين أهلةً في الجلمد
وكأن طرف الشمس مطروفٌ وقد ... جعل الغبار له مكان الإثمد وله في سعيد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان:
لا غيث نعماه في الورى خلب ال ... برق ولا ورد جوده وشل
جاد إلى أن لم يبق نائله ... مالاً ولم يبق للورى أمل وقد سبق نظير هذا المعنى في شعر أبي نصر ابن نباتة السعدي. وأكثر شعر أبي الفرج المذكور جيد ومقاصده فيه جميلة. وكان قد خدم سيف الدولة بن حمدان مدة، وبعد وفاته تنقل في البلاد.
وتوفي يوم السبت سلخ شعبان سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، وقال الخطيب في تاريخه: توفي في ليلة السبت لثلاث بقين من شعبان سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، والله أعلم، رحمه الله تعالى. وقال الثعالبي: وسمعت الأمير أبا الفضل الميكالي يقول عند صدوره من الحج ودخوله بغداد في سنة تسعين وثلثمائة: ورأيت بها أبا الفرج الببغاء شيخاً عالي السن متطاول الأمد، قد أخذت الأيام من جسمه وقوته ولم تأخذ من ظرفه وأدبه.
والببغاء: بفتح الباء الأولى وتشديد الباء الثانية وفتح الغين المعجمة وبعدها ألف، وهو لقب وإنما لقب به لحسن فصاحته، وقيل: للثغة كانت في لسانه. ووجد بخط أبي الفتح ابن جني النحوي الففغاء، بفاءين، والله أعلم بالصواب.
стр. 1214
٣٩٢ - (١)
أبو منصور البغدادي
الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن محمد البغدادي الفقيه الشافعي الأصولي الأديب؛ كان ماهراً في فنون عديدة خصوصاً علم الحساب، فإنه كان متقناً له وله فيه تواليف نافعة، منها كتاب " التكملة "، وكان عارفاً بالفرائض والنحو، وله أشعار (٢) ، وذكره الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في " سياق تاريخ نيسابور " (٣) ، وقال: " ورد مع أبيه نيسابور، وكان ذا مال وثروة وأنفقه على أهل العلم والحديث ولم يكتسب بعلمه مالاً، وصنف في العلوم وأربى على أقرانه في الفنون ودرس في سبعة عشر فناً، وكان قد تفقه على أبي إسحاق الإسفرايني وجلس بعده للإملاء في مكانه بمسجد عقيل فأملى سنين، واختلف إليه الأئمة فقرأوا عليه، مثل ناصر المروزي وزين الإسلام القشيري وغيرهما ".
وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة بمدينة إسفراين، ودفن إلى جانب شيخه الأستاذ أبي إسحاق، رحمهما الله تعالى.
стр. 1215
٣٩٣ - (١)
أبو النجيب السهروردي
أبو النجيب عبد القاهر بن عبد الله بن محمد بن عمويه، واسمه عبد الله، بن سعد بن الحسين بن القاسم بن علقمة بن النضر بن معاذ بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁، الملقب ضياء الدين السهروردي. وقال محب الدين بن النجار في " تاريخ بغداد ": نقلت نسب الشيخ أبي النجيب من خطه وهو: عبد القاهر بن عبد الله بن محمد بن عمويه، واسمه عبد الله، بن سعد بن الحسين بن القاسم بن النضر بن سعد بن النضر عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁، وإذا كان بخطه هكذا فهو أصح.
كان شيخ وقته بالعراق، وولد بسهرورد سنة تسعين وأربعمائة تقريباً، وقدم بغداد وتفقه بالمدرسة النظامية على أسعد الميهني - المقدم ذكره - وغيره، ثم سلك طريق الصوفية وحبب إليه الانقطاع والعزلة فانقطع عن الناس مدة مديدة، وأقبل على الاشتغال بالعمل لله تعالى وبذل الجهد في ذلك، ثم رجع ودعا جماعة إلى الله تعالى وكان يعظ ويذكر، فرجع بسببه خلق كثير إلى الله تعالى. وبنى رباطاً على الشط من الجانب الغربي ببغداد وسكنه جماعة من أصحابه الصالحين، ثم ندب إلى التدريس بالمدرسة النظامية فأجاب ودرس بها مدة، وظهرت بركته على تلامذته وكانت ولايته في السابع والعشرين من المحرم سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وصرف عنها في رجب سنة سبع وأربعين. وروى عنه الحافظ أبو سعد السمعاني وذكره في كتابه.
وقدم الموصل مجتازاً إلى الشام لزيارة البيت المقدس في سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وعقد بها مجلس الوعظ بالجامع العتيق، ثم توجه إلى الشام فوصل إلى
стр. 1216
دمشق، ولم تتفق له الزيارة لانفساخ الهدنة بين المسلمين والفرنج، خذلهم الله تعالى، فأكرم الملك العادل نور الدين محمود صاحب الشام مورده، وأقام بدمشق مدة يسيرة وعقد بها مجلس الوعظ وعاد إلى بغداد، وتوفي بها يوم الجمعة وقت العصر سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وخمسمائة، ودفن بكرة الغد في رباطه. وكان مولده تقديراً سنة تسعين وأربعمائة، كذا ذكره ابن أخيه شهاب الدين في مشيخته.
وهو عم شهاب الدين أبي حفص عمر السهروردي، وسيأتي اسمه، رحمهما الله تعالى.
وعمويه: بفتح العين المهملة وتشديد الميم المضمومة وسكون الواو وفتح الياء المثناة من تحتها.
وسهرورد: بضم السين المهملة وسكون الهاء وفتح الراء والواو وسكون الراء الثانية وفي آخرها دال مهملة، وهي بليدة عند زنجان من عراق العجم.
٣٩٤ - (١)
أبو القاسم القشيري
أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القشيري الفقيه الشافعي؛ كان علامة في الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر والكتابة وعلم التصوف، جمع بين الشريعة والحقيقة، أصله من ناحية أستوا من العرب الذين قدموا خراسان، توفي أبوه وهو صغير، وقرأ الأدب
стр. 1217
في صباه، وكانت له قرية مثقلة الخراج بنواحي أستوا فرى من الرأي أن يحضر إلى نيسابور يتعلم طرفاً من الحساب ليتولى الاستيفاء ويحمي قريته من الخراج، فحضر نيسابور على هذا العزم، فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي علي الحسن بن علي النيسابوري المعروف بالدقاق، وكان إمام وقته، فلما سمع كلامه أعجبه ووقع في قلبه فرجع عن ذلك العزم، وسلك طريق الإرادة، فقبله الدقاق وأقبل عليه، وتفرس فيه النجابة فجذبه بهمته وأشار عليه بالاشتغال بالعلم، فخرج إلى درس أبي بكر محمد بن أبي بكر الطوسي، وشرع في الفقه حتى فرغ من تعليقه، ثم اختلف إلى الأستاذ أبي بكر ابن الإسفرايني، وقعد يسمع درسه أياماً فقال الأستاذ: هذا العلم لا يحصل بالسماع ولابد من الضبط بالكتابة، فأعاد عليه جميع ما سمعه تلك الأيام، فعجب منه وعرف محله فأكرمه وقال له: ما تحتاج إلى درس بل يكفيك أن تطالع مصنفاتي فقعد وجمع بين طريقته وطريقة ابن فورك، ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني وهو مع ذلك يحضر مجلس أبي علي الدقاق، وزوجه ابنته مع كثرة أقاربها.
وبعد وفاة أبي علي سلك مسلك المجاهدة والتجريد وأخذ في التصنيف، فصنف التفسير الكبير قبل سنة عشر وأربعمائة، وسماه " التيسير في علم التفسير " وهو من أجود التفاسير، وصنف الرسالة " في رجال الطريقة "، وخرج إلى الحج في رفقة فيها الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين وأحمد بن الحسين البيهقي وجماعة من المشاهير، فسمع معهم الحديث ببغداد والحجاز.
وكان له في الفروسية واستعمال السلاح يد بيضاء، وأما مجالس الوعظ والتذكير فهو إمامها، وعقد لنفسه مجلس الإملاء في الحديث سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. وذكره أبي الحسن علي الباخرزي في كتاب " دمية القصر " وبالغ في الثناء عليه، وقال في حقه: لو قرع الصخر بصوت تحذيره لذاب ولو ربط إبليس في مجلسه لتاب.
وذكره الخطيب في تاريخه وقال: قدم علينا - يعني إلى بغداد - في سنة
стр. 1218
ثمان وأربعين وأربعمائة وحدث ببغداد وكتبنا عنه، وكان ثقة وكان يقص وكان حسن الوعظ مليح الإشارة، وكان يعرف الأصول على مذهب الأشعري والفروع على مذهب الشافعي. وذكره عبد الغافر الفارسي في تاريخه (١) . وقال أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي: أنشدنا عبد الكريم بن هوازن القشيري لنفسه:
سقى الله وقتاً كنت أخلو بوجهكم ... وثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك
أقمنا زماناً والعيون قريرة ... وأصبحت يوماً والجفون سوافك وقال أبو الفتح محمد بن محمد بن علي الواعظ الفراوي: وكان أبو القاسم القشيري كثيراً ما ينشد لبعضهم وهو ذو القرنين ابن حمدان المقدم ذكره في حرف الذال:
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا ... وشهدت كيف تكرر التوديعا
أيقنت أن من الدموع محدثاً ... وعلمت أن من الحديث دموعا ولد في شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وثلثمائة؛ وتوفي صبيحة يوم الأحد قبل طلوع الشمس سادس عشر ربيع الآخر سنة خمس وستين وأربعمائة بمدينة نيسابور، ودفن بالمدرسة تحت شيخه أبي علي الدقاق، رحمه الله تعالى، ورأيت في كتابه المسمى بالرسالة بيتين أعجباني، فأحببت ذكرهما (٢) :
ومن كان في طول الهوى ذاق سلوةً ... فإني من ليلى لها غير ذائق
وأكثر شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كخطفة بارق (١٠٠) وكان ولده أبو نصر (٣) عبد الرحيم إماماً كبيراً أشبه أباه في علومه
стр. 1219
ومجالسه، ثم واظب دروس إمام الحرمين أبي المعالي حتى حصل طريقته في المذهب والخلاف ثم خرج للحج فوصل إلى بغداد وعقد بها مجلس وعظ، وحصل له قبول عظيم وحضر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مجلسه وأطبق علماء بغداد على أنهم لم يروا مثله، وكان يعظ في المدرسة النظامية ورباط شيخ الشيوخ، وجرى له مع الحنابلة خصام بسبب الاعتقاد لأنه تعصب للأشاعرة وانتهى الأمر إلى فتنة قتل فيها جماعة من الفريقين، وركب أحد أولاد نظام الملك حتى سكنها، وبلغ الخبر نظام الملك وهو بأصبهان، فسير إليه وإستدعاه فلما حضر عنده زاد في إكرامه ثم جهزه إلى نيسابور فلما وصلها لازم الدرس والوعظ إلى أن قارب انتهاء أمره فأصابه ضعف في أعضائه وأقام كذلك مقدار شهر، ثم توفي ضحوة نهار الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة بنيسابور، ودفن في المشهد المعروف بهم، رحمه الله تعالى.
وكان يحفظ من الشعر والحكايات شيئاً كثيراً، ورأيت له في بعض المجاميع هذه الأبيات، وذكرها السمعاني في " الذيل " أيضاً:
القلب نحوك نازع ... والدهر فيك منازع
جرت القضية بالنوى ... ما للقضية وازع
الله يعلم أنني ... لفراق وجهك جازع وتوفي شيخه أبو علي الدقاق المذكور في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
والقشيري: بضم القاف وفتح الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، هذه النسبة إلى قشير بن كعب، وهي قبيلة كبيرة.
وأستوا: بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم التاء المثناة من فوقها أو فتحها وبعدها واو ثم ألف، وهي ناحية بنيسابور كثيرة القرى خرج منها جماعة من العلماء.
стр. 1220
(١) ٣٩٥
ابن السمعاني
تاج الإسلام أبو سعد (٢) عبد الكريم بن أبي بكر محمد بن أبي المظفر المنصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عبد الجبار بن الفضل ابن الربيع بن مسلم بن عبد الله بن عبد المجيد التميمي السمعاني المروزي الفقيه الشافعي الحافظ الملقب قوام الدين؛ ذكره الشيخ عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير الجزري في أول مختصره فقال (٣) : كان أبو سعد واسطة عقد البيت السمعاني وعينهم الباصرة ويدهم الناصرة، وإليه انتهت رياستهم، وبه كملت سيادتهم، رحل في طلب العلم والحديث إلى شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، وسافر إلى ما وراء النهر وسائر بلاد خراسان عدة دفعات، وإلى قومس والري وأصبهان وهمذان، وبلاد الجبال والعراق والحجاز والموصل والجزيرة والشام وغيرها من البلاد التي يطول ذكرها ويتعذر حصرها، ولقي العلماء وأخذ عنهم وجالسهم وروى عنهم واقتدى بأفعالهم الجميلة وآثارهم الحميدة، وكان عدة شيوخه تزيد على أربعة آلاف شيخ، وذكر في بعض أماليه فقال: ودعني عبد الله بن محمد بن غالب أبو محمد الجيلي الفقيه نزيل الأنبار، وبكى وأنشدني:
ولما برزنا لتوديعهم ... بكوا لؤلؤاً وبكينا عقيقا
أداروا علينا كؤوس الفراق ... وهيهات من سكرها أن نفيقا
تولوا فأتبعتهم أدمعي ... فصاحوا الغريق فصحت الحريقا
стр. 1221
[ومما قيل في المعنى:
تنفست الغداة غداة ولوا ... وعيرهم معارضة الطريق
فصاحوا بالحريق، فظلت أبكي ... فصاحوا بالحريق والغريق] (١) وصنف التصانيف الحسنة الغزيرة الفائدة (٢) ، فمن ذلك " تذييل تاريخ بغداد " الذي صنعه الحافظ أبو بكر الخطيب وهو نحو خمسة عشر مجلداً، ومن ذلك " تاريخ مرو " يزيد على عشرين مجلداً، وكذلك " الأنساب " نحو ثماني مجلدات وهو الذي اختصره عز الدين المذكور واستدرك عليه، وهو في ثلاث مجلدات، والمختصر هو الموجود بأيدي الناس والأصل قليل الوجود.
ذكر أبو سعد السمعاني المذكور في ترجمة والده أن أباه حج سنة سبع وتسعين وأربعمائة، ثم عاد إلى بغداد وسمع بها الحديث من جماعة من المشايخ، وكان يعظ الناس في المدرسة النظامية، ويقرأ عليه الحديث، ويحصل الكتب، وأقام كذلك مدة، ثم رحل إلى أصبهان فسمع بها من جماعة كبيرة، ثم رجع إلى خراسان وأقام بمرو إلى سنة تسع وخمسمائة، وخرج إلى نيسابور.
قال أبو سعد: وحملني وأخي إليها، وسمعنا الحديث من أبي بكر عبد الغفار بن محمد الشيروي وغيره من المشايخ، وعاد إلى مرو، وأدركته المنية وهو شاب ابن ثلاث وأربعين سنة (٣) .
وكانت ولادة أبي سعد المذكور بمرو يوم الاثنين الحادي والعشرين من شعبان سنة ست وخمسمائة. وتوفي بمرو في ليلة غرة شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
(١٠١) وكان أبوه محمد (٤) إماماً فاضلاً مناظراً محدثاً فقيهاً شافعياً حافظاً، وله الإملاء الذي لم يسبق إلى مثله، تكلم على المتون والأسانيد، وأبان
стр. 1222
مشكلاتها (١) ، وله عدة تصانيف، وكان له شعر غسله قبل موته، وكانت ولادته في جمادى الأولى سنة ست وستين وأربعمائة، وتوفي وقت فراغ الناس من صلاة الجمعة ثاني صفر سنة عشر وخمسمائة، ودفن يوم السبت عند والده أبي المظفر بسفحوان إحدى مقابر مرو، رحمه الله تعالى.
(١٠٢) وكان جده المنصور (٢) إمام عصره بلا مدافعة، أقر له بذلك الموافق والمخالف، وكان حنفي المذهب متعيناً عند أئمتهم، فحج في سنة اثنتين وستين وأربعمائة وظهر له بالحجاز ما اقتضى (٣) انتقاله إلى مذهب الإمام الشافعي، ﵁، فلما عاد إلى مرو لقي بسبب انتقاله محناً وتعصباً شديداً، فصبر على ذلك، وصار إمام الشافعية بعد ذلك يدرس ويفتي، وصنف في مذهب الشافعي ﵁ وفي غيره من العلوم تصانيف كثيرة، منها " منهاج أهل السنة " و " الانتصار " و " الرد على القدرية " وغيرها. وصنف في الأصول " القواطع " وفي الخلاف " البرهان " يشتمل على قريب من ألف مسألة خلافية، و " الأوسط " و " الاصطلام " رد فيه على أبي زيد الدبوسي، وأجاب عن الأسرار التي جمعها، وله تفسير القرآن العزيز، وهو كتاب نفيس، وجمع في الحديث ألف حديث عن مائة شيخ، وتكلم عليها فأحسن، وله وعظ مشهور بالجودة، وكانت ولادته في سنة ست وعشرين وأربعمائة في ذي الحجة، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربعمائة بمرو، رحمه الله تعالى.
وفي بيتهم جماعة كثيرة علماء رؤساء.
والسمعاني: بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح العين المهملة وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى سمعان، وهو بطن من تميم، وسمعت بعض العلماء يقول: يجوز بكسر السين أيضاً.
стр. 1223
(١٠٣) وكان لأبي سعد عبد الكريم ولد يقال له أبو المظفر عبد الرحيم (١) بكر به والده في سماع الحديث وطاف به في بلاد خراسان وما وراء النهر وأسمعه الحديث وحصل له النسخ وجمع له معجماً لمشايخه في ثمانية عشر جزءاً، وعوالي في مجلدين ضخمين، وشغله بالفقه والأدب والحديث حتى حصل من كل واحد طرفاً صالحاً، وحدث بالكثير ورحل إليه الطلاب، وكان محترماً ببلاده، ومولده في ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وخمسمائة بنيسابور، وتوفي بمرو ما بين (٢) سنة أربع عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى.
٣٩٦ - (٣)
ابن حمديس الشاعر الصقلي
أبو محمد عبد الجبار بن أبي بكر ابن محمد بن حمديس الأزدي الصقلي الشاعر المشهور؛ قال ابن بسام في حقه: هو شاعر ماهر يقرطس أغراض المعاني البديعة، وبعبر عنها بالألفاظ النفيسة الرفيعة، ويتصرف في التشبيه المصيب، ويغوص في بحر الكلم (٤) على در المعنى الغريب، فمن معانيه البديعة قوله في صفة نهر (٥) :
стр. 1224
ومطرد الأجزاء تصقل متنه ... صباً أعلنت للعين ما في ضميره
جريحٌ بأطراف الحصى كلما جرى ... عليها شكا أوجاعه بخريره
كأن حباباً ريع تحت حبابه ... فأقبل يلقي نفسه في غديره
كأن الدجى خط المجرة بيننا ... وقد كللت حافاته ببدوره (١)
شربنا على حافاته دور سكره ... وأقتل سكراً منه عينا مديره وله من قصيد (٢) :
بت منها مستعيداً قبلاً ... كن لي منها على الدهر اقتراح
وأروي غلل الشوق بما ... لم يكن في قدرة الماء القراح قوله " وأروي غلل الشوق " مأخوذ من قول البحتري (٣) :
وبي ظمأ لا يملك الماء دفعه ... إلى نهلة من ريقها البارد العذب وقوله " جريح بأطراف الحصى " مأخوذ من قول المتنبي (٤) :
وذكي رائحة الرياض كأنها ... تلقي الثناء على الحيا فيفوح
جهد المقل فكيف بابن كريمة ... توليه خيراً واللسان فصيح وله من قصيدة أولها (٥) :
قم هاتها من كف ذات الوشاح ... فقد نعى الليل بشير الصباح
باكر إلى اللذات واركب لها ... سوابق اللهو ذوات المراح
من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح
стр. 1225
ومن معانيه النادرة قوله (١) :
زادت على كحل الجفون تكحلاً ... ويسم نصل السهم وهو قتول وله من جملة قصيد يتشوق صقلية (٢) :
ذكرت صقلية والأسى ... يجدد (٣) للنفس تذكارها
فإن كنت أخرجت من جنةٍ ... فإني أحدث أخبارها
ولولا ملوحة ماء البكاء ... حسبت دموعي أنهارها وكان قد دخل إلى الأندلس سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، ومدح المعتمد بن عباد فأحسن إليه وأجزل عطاياه، ولما قبض المعتمد وحبس بأغمات - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله - سمع ابن حمديس المذكور له أبياتاً عملها [المعتمد] (٤) في الاعتقال، فأجابه عنها بقوله (٥) :
أتيأس من يوم يناقض أمسه ... وشهب الدراري في البروج تدور
ولما رحلتم بالندى في أكفكم ... وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعت لساني بالقيامة قد دنت ... فهذي الجبال الراسيات تسير وقد ألم في البيت الأخير بقول عبد الله بن المعتز في مرثيته للوزير أبي القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب:
قد استوى الناس ومات الكمال ... وقال صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال
стр. 1226
وله ديوان شعر أكثره جيد.
وتوفي في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وخمسمائة بجزيرة ميورقة ودفن إلى جنب قبر ابن اللبانة الشاعر المشهور، وكان قد عمي، وقيل ببجاية، وأبياته الميمية التي في الشيب والعصا (١) تدل على أنه بلغ الثمانين، رحمه الله تعالى.
وحمديس: بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة.
والصقلي: بفتح الصاد المهملة والقاف وبعدها لام مشددة - هذه النسبة إلى جزيرة صقلية وهي في بحر المغرب بالقرب من إفريقية انتزعها الفرنج من المسلمين في سنة أربع وستين وأربعمائة.
(٢) ٣٩٧
أبو طالب المعافري
أبو طالب عبد الجبار بن محمد بن علي بن محمد المعافري المغربي؛ كان إماماً في اللغة وفنون الأدب، جاب البلاد وانتهى إلى بغداد وقرأ بها، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، ودخل الديار المصرية في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وقرأ عليه بها الشيخ العلامة أبو محمد عبد الله بن بري - المقدم ذكره - وكتب بخطه كثيراً، وهو حسن الخط على طريق المغاربة، وأكثر ما كتب في الأدب، ورأيت منه شيئاً كثيراً، وقد أتقن ضبطه غاية الإتقان، ورأيت (٣)
стр. 1227
بخطه على ظهر كتاب " المذيل " (١) في اللغة بيتين وهما:
أقسم بالله على كل من ... أبصر خطي حيثما أبصره
أن يدعو الرحمن لي مخلصاً ... بالعفو والتوبة والمغفرة وكتاب " المسلسل " للشيخ أبي الطاهر محمد بن يوسف بن عبد الله التميمي وهو يروي الكتاب عن مؤلفه - وقد ذكرت ذلك في ترجمة أبي الطاهر المذكور في حرف الميم في ترجمة المحمدين.
وتوفي في سنة ست وستين وخمسمائة وهو عائد إلى المغرب من الديار المصرية، رحمه الله تعالى.
والمعافري (٢) : بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف فاء مكسورة ثم راء، هذه النسبة إلى المعافر بن يعفر، وهي قبيل كبير، عامتهم بمصر.
٣٩٨ - (٣)
عبد الرزاق الصنعاني
أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني، مولى حمير؛ قال أبو سعد ابن السمعاني: قيل ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله ﷺ مثل (٤) ما رحلوا إليه. يروي عن معمر بن راشد الأزدي مولاهم البصري والأوزاعي وابن جريج وغيرهم، وروى عنه أئمة الإسلام في ذلك العصر منهم
стр. 1228
سفيان بن عيينة وهو من شيوخه وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم.
وكانت ولادته في سنة ست وعشرين ومائة. وتوفي في شوال سنة إحدى عشرة ومائتين باليمن، رحمه الله تعالى.
والصنعاني: بفتح الصاد المهملة وسكون النون وفتح العين المهملة وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى مدينة صنعاء، وهي من أشهر مدن اليمن، وزادوا النون في النسبة إليها، وهي نسبة شاذة، كما قالوا في بهراء: بهراني.
وقال أبو محمد عبد الله بن الحارث الصنعاني: سمعت عبد الرزاق يقول: من يصحب الزمان ير الهوان، قال: وسمعته ينشد:
فذاك زمان لعبنا به ... وهذا زمان بنا يلعب (١)(٢) ٣٩٩
ابن الصباغ صاحب الشامل
أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر، المعروف بابن الصباغ، الفقيه الشافعي؛ كان فقيه العراقين في وقته، وكان يضاهي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، وتقدم عليه في معرفة المذهب. وكانت الرحلة إليه من البلاد، وكان تقياً حجة صالحاً، ومن مصنفاته كتاب " الشامل " في الفقه، وهو من أجود كتب أصحابنا، وأصحها نقلاً وأثبتها أدلةً، وله كتاب " تذكرة العالم والطريق السالم " (٣) و " العدة " في أصول الفقه، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد أول ما فتحت، ثم عزل بالشيخ أبي إسحاق، وكانت
стр. 1229
ولايته لها عشرين يوماً، ولما توفي أبو إسحاق أعيد لها أبو نصر المذكور.
وذكر أبو الحسن محمد بن هلال بن الصابئ في تاريخه أن المدرسة النظامية بدئ بعمارتها في ذي الحجة من سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وفتحت يوم السبت عاشر ذي القعدة من سنة تسع وخمسين، وكان نظام الملك أمر أن يكون المدرس بها أبا إسحاق الشيرازي، وقرروا معه الحضور في هذا اليوم للتدريس، فاجتمع الناس ولم يحضر، وطلب فلم يوجد، فنفذ إلى أبي نصر ابن الصباغ فأحضر ورتب بها مدرساً، وظهر الشيخ أبو إسحاق في مسجده ولحق أصحابه من ذلك ما بان عليهم وفتروا عن حضور درسه وراسلوه إن لم يدرس بها مضوا إلى ابن الصباغ وتركوه، فأجاب إلى ذلك، وعزل ابن الصباغ، وجلس أبو إسحاق يوم السبت مستهل ذي الحجة فكان مدة تدريس ابن الصباغ عشرين يوماً.
وقال ابن النجار في " تاريخ بغداد ": ولما مات أبو إسحاق تولى أبو سعد المتولي ثم صرف في سنة ست وسبعين، وأعيد ابن الصباغ ثم صرف في سنة سبع وسبعين، وأعيد أبو سعد إلى أن مات، وقد ذكرت ذلك في ترجمته. وقد سبق في ترجمة الشيخ أبي إسحاق في حرف الهمزة طرف من هذه القضية.
وكانت ولادته سنة أربعمائة ببغداد، وكف بصره في آخر عمره. وتوفي في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وأربعمائة ببغداد، وقيل بل توفي يوم الخميس منتصف شعبان من السنة المذكورة، رحمه الله تعالى.
стр. 1230
(١) ٤٠٠
القاضي عبد الوهاب المالكي
القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك بن طوق التغلبي البغدادي الفقيه المالكي، وهو من ذرية مالك بن طوق التغلبي صاحب الرحبة؛ كان فقيهاً أديباً شاعراً، صنف في مذهبه كتاب " التلقين " وهو مع صغر حجمه من خيار الكتب وأكثرها فائدة، وله كتاب " المعونة " و " شرح الرسالة " وغير ذلك عدة تصانيف.
ذكره الخطيب في " تاريخ بغداد " فقال (٢) : سمع أبا عبد الله بن العسكري وعمر بن محمد بن سبنك (٣) وأبا حفص ابن شاهين، وحدث بشيء يسير. كتبت عنه، وكان ثقة، ولم يلق من المالكيين أحداً أفقه منه، وكان حسن النظر جيد العبارة، وتولى القضاء ببادرايا وباكسايا، وخرج في آخر عمره إلى مصر فمات بها.
وذكره ابن بسام في كتاب " الذخيرة " فقال (٤) : كان بقية الناس، ولسان أصحاب القياس، وقد وجدت له شعراً معانيه أجلى من الصبح وألفاظه أحلى من الظفر بالنجح، ونبت به بغداد كعادة البلاد بذوي فضلها، وعلى حكم الأيام في محسني أهلها، فخلع أهلها، وودع ماءها وظلها، وحدثت أنه شيعه يوم فصل عنها من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة وطوائف