← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وله ديوان شعر أكثره جيد. وتوفي في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وخمسمائة بجزيرة ميورقة ودفن إلى جنب قبر ابن اللبانة الشاعر المشهور، وكان قد عمي، وقيل ببجاية، وأبياته الميمية التي في الشيب والعصا (١) تدل على أنه بلغ الثمانين، رحمه الله تعالى. وحمديس: بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة. والصقلي: بفتح الصاد المهملة والقاف وبعدها لام مشددة - هذه النسبة إلى جزيرة صقلية وهي في بحر المغرب بالقرب من إفريقية انتزعها الفرنج من المسلمين في سنة أربع وستين وأربعمائة. (٢) ٣٩٧ أبو طالب المعافري أبو طالب عبد الجبار بن محمد بن علي بن محمد المعافري المغربي؛ كان إماماً في اللغة وفنون الأدب، جاب البلاد وانتهى إلى بغداد وقرأ بها، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، ودخل الديار المصرية في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وقرأ عليه بها الشيخ العلامة أبو محمد عبد الله بن بري - المقدم ذكره - وكتب بخطه كثيراً، وهو حسن الخط على طريق المغاربة، وأكثر ما كتب في الأدب، ورأيت منه شيئاً كثيراً، وقد أتقن ضبطه غاية الإتقان، ورأيت (٣)

стр. 1227

بخطه على ظهر كتاب " المذيل " (١) في اللغة بيتين وهما: أقسم بالله على كل من ... أبصر خطي حيثما أبصره أن يدعو الرحمن لي مخلصاً ... بالعفو والتوبة والمغفرة وكتاب " المسلسل " للشيخ أبي الطاهر محمد بن يوسف بن عبد الله التميمي وهو يروي الكتاب عن مؤلفه - وقد ذكرت ذلك في ترجمة أبي الطاهر المذكور في حرف الميم في ترجمة المحمدين. وتوفي في سنة ست وستين وخمسمائة وهو عائد إلى المغرب من الديار المصرية، رحمه الله تعالى. والمعافري (٢) : بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف فاء مكسورة ثم راء، هذه النسبة إلى المعافر بن يعفر، وهي قبيل كبير، عامتهم بمصر. ٣٩٨ - (٣) عبد الرزاق الصنعاني أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني، مولى حمير؛ قال أبو سعد ابن السمعاني: قيل ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله ﷺ مثل (٤) ما رحلوا إليه. يروي عن معمر بن راشد الأزدي مولاهم البصري والأوزاعي وابن جريج وغيرهم، وروى عنه أئمة الإسلام في ذلك العصر منهم

стр. 1228

سفيان بن عيينة وهو من شيوخه وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم. وكانت ولادته في سنة ست وعشرين ومائة. وتوفي في شوال سنة إحدى عشرة ومائتين باليمن، رحمه الله تعالى. والصنعاني: بفتح الصاد المهملة وسكون النون وفتح العين المهملة وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى مدينة صنعاء، وهي من أشهر مدن اليمن، وزادوا النون في النسبة إليها، وهي نسبة شاذة، كما قالوا في بهراء: بهراني. وقال أبو محمد عبد الله بن الحارث الصنعاني: سمعت عبد الرزاق يقول: من يصحب الزمان ير الهوان، قال: وسمعته ينشد: فذاك زمان لعبنا به ... وهذا زمان بنا يلعب (١) (٢) ٣٩٩ ابن الصباغ صاحب الشامل أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر، المعروف بابن الصباغ، الفقيه الشافعي؛ كان فقيه العراقين في وقته، وكان يضاهي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، وتقدم عليه في معرفة المذهب. وكانت الرحلة إليه من البلاد، وكان تقياً حجة صالحاً، ومن مصنفاته كتاب " الشامل " في الفقه، وهو من أجود كتب أصحابنا، وأصحها نقلاً وأثبتها أدلةً، وله كتاب " تذكرة العالم والطريق السالم " (٣) و " العدة " في أصول الفقه، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد أول ما فتحت، ثم عزل بالشيخ أبي إسحاق، وكانت

стр. 1229

ولايته لها عشرين يوماً، ولما توفي أبو إسحاق أعيد لها أبو نصر المذكور. وذكر أبو الحسن محمد بن هلال بن الصابئ في تاريخه أن المدرسة النظامية بدئ بعمارتها في ذي الحجة من سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وفتحت يوم السبت عاشر ذي القعدة من سنة تسع وخمسين، وكان نظام الملك أمر أن يكون المدرس بها أبا إسحاق الشيرازي، وقرروا معه الحضور في هذا اليوم للتدريس، فاجتمع الناس ولم يحضر، وطلب فلم يوجد، فنفذ إلى أبي نصر ابن الصباغ فأحضر ورتب بها مدرساً، وظهر الشيخ أبو إسحاق في مسجده ولحق أصحابه من ذلك ما بان عليهم وفتروا عن حضور درسه وراسلوه إن لم يدرس بها مضوا إلى ابن الصباغ وتركوه، فأجاب إلى ذلك، وعزل ابن الصباغ، وجلس أبو إسحاق يوم السبت مستهل ذي الحجة فكان مدة تدريس ابن الصباغ عشرين يوماً. وقال ابن النجار في " تاريخ بغداد ": ولما مات أبو إسحاق تولى أبو سعد المتولي ثم صرف في سنة ست وسبعين، وأعيد ابن الصباغ ثم صرف في سنة سبع وسبعين، وأعيد أبو سعد إلى أن مات، وقد ذكرت ذلك في ترجمته. وقد سبق في ترجمة الشيخ أبي إسحاق في حرف الهمزة طرف من هذه القضية. وكانت ولادته سنة أربعمائة ببغداد، وكف بصره في آخر عمره. وتوفي في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وأربعمائة ببغداد، وقيل بل توفي يوم الخميس منتصف شعبان من السنة المذكورة، رحمه الله تعالى.

стр. 1230

(١) ٤٠٠ القاضي عبد الوهاب المالكي القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك بن طوق التغلبي البغدادي الفقيه المالكي، وهو من ذرية مالك بن طوق التغلبي صاحب الرحبة؛ كان فقيهاً أديباً شاعراً، صنف في مذهبه كتاب " التلقين " وهو مع صغر حجمه من خيار الكتب وأكثرها فائدة، وله كتاب " المعونة " و " شرح الرسالة " وغير ذلك عدة تصانيف. ذكره الخطيب في " تاريخ بغداد " فقال (٢) : سمع أبا عبد الله بن العسكري وعمر بن محمد بن سبنك (٣) وأبا حفص ابن شاهين، وحدث بشيء يسير. كتبت عنه، وكان ثقة، ولم يلق من المالكيين أحداً أفقه منه، وكان حسن النظر جيد العبارة، وتولى القضاء ببادرايا وباكسايا، وخرج في آخر عمره إلى مصر فمات بها. وذكره ابن بسام في كتاب " الذخيرة " فقال (٤) : كان بقية الناس، ولسان أصحاب القياس، وقد وجدت له شعراً معانيه أجلى من الصبح وألفاظه أحلى من الظفر بالنجح، ونبت به بغداد كعادة البلاد بذوي فضلها، وعلى حكم الأيام في محسني أهلها، فخلع أهلها، وودع ماءها وظلها، وحدثت أنه شيعه يوم فصل عنها من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة وطوائف

стр. 1231

كثير، وأنه قال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية، ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية، وفي ذلك يقول: سلام على بغداد في كل موطنٍ ... وحق لها مني سلامٌ مضاعف فوالله ما فارقتها عن قلىً لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف ولكنها ضاقت علي بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف وكانت كخلٍ كنت أهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف واجتاز في طريقه بمعرة النعمان، وكان قاصداً مصر، وبالمعرة يومئذ أبو العلاء المعري فأضافه، وفي ذلك يقول من جملة أبيات (١) : والمالكي ابن نصرٍ زار في سفرٍ ... بلادنا (٢) فحمدنا النأي والسفرا إذا تفقه أحيا (٣) مالكاً جدلاً ... وينشر الملك الضليل إن شعرا ثم توجه إلى مصر فحمل لواءها، وملأ أرضها وسماءها، واستتبع سادتها وكبراءها، وتناهت إليه الغرائب، وانثالت في يديه الرغائب، فمات لأول ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها، وزعموا أنه قال وهو يتقلب، ونفسه يتصعد ويتصوب: لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا. وله أشعار رائقة طريفة، فمن ذلك قوله: ونائمة قبلتها فتنبهت ... فقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحد فقلت لها إني فديتك غاصبٌ ... وما حكموا في غاصبٍ بسوى الرد خذيها وكفي عن أثيمٍ ظلامةً ... وإن أنت لم ترضي فألفاً على العد فقالت: قصاص يشهد العقل أنه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد فباتت يميني وهي هميان خصرها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد

стр. 1232

فقالت: ألم أخبر بأنك زاهدٌ ... فقلت بلى ما زلت أزهد في الزهد ومن شعره أيضاً: بغداد دارٌ لأهل المال طيبة ... وللمفاليس دار الضنك والضيق ظللت حيران أمشي في أزقتها ... كأنني مصحفٌ في بيت زنديق [وله: أهيم بذكر الشرق والغرب دائماً ... وما لي لا شرق البلاد ولا غرب ولكن أوطاناً نأت وأحبةً ... فعدت متى أذكر عهودهم أصب ولم أنس من ودعت بالشط سحرةً ... وقد غرد الحادون واشتغل الركب أليفان هذا سائرٌ نحو غربةٍ ... وهذا مقيمٌ سار من صدره القرب وله أيضاً: قطعت الأرض في شهري ربيعٍ ... إلى مصر وعدت إلى العراق وقال لي الحبيب وقد رآني ... مشوقاً للمضمرة العتاق ركبت على البراق فقلت كلا ... ولكني ركبت على اشتياقي] (١) وكان على خاطري أبيات لا أعرف لمن هي، ثم وجدتها في عدة مواضع للقاضي عبد الوهاب المذكور وهي: متى يصل العطاش إلى ارتواءٍ ... إذا استقت البحار من الركايا ومن يثني الأصاغر عن مرادٍ ... وقد جلس الأكابر في الزوايا وأن ترفع الوضعاء يوماً ... على الرفعاء من إحدى الرزايا إذا استوت الأسافل والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا (٢)

стр. 1233

وذكر صاحب " الذخيرة " أنه ولي القضاء بمدينة اسعرد وقال غيره: كان قاضياً في بادرايا وباكسايا وهما بليدتان من أعمال العراق. وسئل عن مولده فقال: يوم الخميس السابع من شوال سنة اثنتين وستين وثلثمائة ببغداد. وتوفي ليلة الاثنين الرابعة عشرة من صفر سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة بمصر، وقيل: إنه توفي في شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. ودفن في القرافة الصغرى وزرت قبره فيما بين قبة الإمام الشافعي، ﵁، وباب القرافة، بالقرب من ابن القاسم وأشهب، رحمهما الله تعالى. وكان أبوه من أعيان الشهود المعدلين ببغداد. (١٠٤) وكان أخوه أبو الحسن محمد بن علي بن نصر أديباً فاضلاً صنف كتاب " المفاوضة " للملك العزيز جلال الدولة أبي منصور ابن أبي طاهر (١) بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه، جمع فيه ما شاهده، وهو من الكتب الممتعة في ثلاثين كراسة، وله رسائل، ومولده ببغداد في إحدى الجماديين في سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة، وتوفي يوم الأحد لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بواسط وكان قد صعد إليها من البصرة فمات بها. (١٠٥) وتوفي أبوهما أبو الحسن علي يوم السبت ثاني شهر رمضان المعظم إحدى وتسعين وثلثمائة رحمهم الله تعالى.

стр. 1234

٤٠١ - (١) الحافظ عبد الغني أبو محمد عبد الغني بن سعيد بن علي سعيد بن بشر بن مروان بن عبد العزيز الأزدي الحافظ المصري؛ كان حافظ مصر في عصره، وله تواليف نافعة منها " مشتبه النسبة " وكتاب " المؤتلف والمختلف " وغير ذلك وانتفع به خلق كثير وكانت بينه وبين أبي أسامة جنادة اللغوي وأبي علي (٢) المقرئ الأنطاكي مودة أكيدة واجتماع في دار الكتب ومذاكرات فلما قتلهما الحاكم صاحب مصر استتر بسبب ذلك الحافظ عبد الغني خوفاً أن يلحق بهما لاتهامه بمعاشرتهما وأقام مستخفياً مدة حتى حصل له الأمن فظهر - وقد تقدم في ترجمة أبي أسامة خبر ذلك (٣) . وكانت ولادة الحافظ عبد الغني لليلتين بقيتا من ذي القعدة (٤) سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة. وتوفي ليلة الثلاثاء ودفن يوم الثلاثاء سابع صفر سنة تسع وأربعمائة بمصر ودفن بحضرة مصلى العيد، رحمه الله تعالى. وذكر أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي المعروف بابن الطحان (٥) في تاريخه الذي جعله ذيلاً لتاريخ ابن يونس المصري أن عبد الغني بن سعيد المذكور مولده في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة، والله أعلم.

стр. 1235

(١٠٦) وتوفي والده سعيد المذكور سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة، وعمره ثلاث وأربعون سنة، رحمه الله تعالى، وقال ولده الحافظ عبد الغني: لم أسمع من والدي شيئاً (١) . وقال أبو الحسن علي بن بقا كاتب الحافظ عبد الغني بن سعيد: سمعت الحافظ عبد الغني بن سعيد يقول: رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان: معاوية بن عبد الكريم الضال، وإنما ضل في طريق مكة، وعبد الله بن محمد الضعيف، وإنما كان ضعيفاً في جسمه، لا في حديثه. وقال أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ الصوري: قيل للدارقطني: هل رأيت في الحديث أحداً يرجى علمه فقال: نعم، شاباً بمصر كأنه شعلة نار يقال له: عبد الغني، فلما خرج الدارقطني من مصر جاءه المودعون وتحزنوا على مفارقته وبكوا، فقال: لقد تركت عندكم خلفاً، يعني عبد الغني. وقال أيضاً - أعني الصوري - لما صنف عبد الغني " المؤتلف والمختلف " عرضه على الدارقطني فقال له: اقرأه، فقال: كيف أقرأه لك ومعظمه أخذته عنك فقال: نعم أخذته عني متفرقاً، والآن قد جمعته.

стр. 1236

٤٠٢ - (١) الحافظ عبد الغافر الفارسي أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسي الحافظ؛ كان إماماً في الحديث والعربية وقرأ القرآن الكريم، ولقن الاعتقاد بالفارسية وهو ابن خمس سنين، وتفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني صاحب " نهاية المطلب " في المذهب والخلاف ولازمه مدة أربع سنين وهو سبط الإمام أبي القاسم عبد الكريم القشيري - المقدم ذكره - وسمع عليه الحديث الكثير، وعلى جدته فاطمة بنت أبي علي الدقاق وخاليه أبي سعد وأبي سعيد ولدي أبي القاسم القشيري ووالده أبي عبد الله إسماعيل بن عبد الغافر ووالدته أمة الرحيم ابنة أبي القاسم القشيري وجماعة كبيرة سواهم. ثم خرج من نيسابور إلى خوارزم ولقي بها الأفاضل، وعقد له المجلس، ثم خرج إلى غزنة ومنها إلى الهند، وروى الأحاديث، وقرئ عليه لطائف الإشارات بتلك النواحي، ثم رجع إلى نيسابور وولي الخطابة بها، وأملى بها في مسجد عقيل أعصار يوم الاثنين سنين، ثم صنف كتباً عديدة منها " المفهم لشرح غريب صحيح مسلم " و " السياق لتاريخ نيسابور " وفرغ منه في أواخر ذي القعدة سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وكتاب " مجمع الغرائب " في غريب الحديث، وغير ذلك من الكتب المفيدة. وكانت ولادته في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وأربعمائة؛ وتوفي في سنة تسع وعشرين وخمسمائة بنيسابور، رحمه الله تعالى.

стр. 1237

٤٠٣ - (١) أبو الوقت أبو الوقت عبد الأول بن أبي عبد الله عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق السجزي؛ كان مكثراً من الحديث عالي الاسناد (٢) ، طالت مدته وألحق الأصاغر بالأكابر. سمعت صحيح البخاري بمدينة إربل في بعض شهور سنة إحدى وعشرين وستمائة على الشيخ الصالح أبي جعفر محمد بن هبة الله بن المكرم بن عبد الله الصوفي البغدادي، بحق سماعه في المدرسة النظامية ببغداد من الشيخ أبي الوقت (٣) المذكور، في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، بحق سماعه من أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن مظفر الداودي في ذي القعدة سنة خمس وستين وأربعمائة، بحق سماعه من أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي في صفر سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، بحق سماعه من أبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري سنة ست عشرة وثلثمائة، بحق سماعه من مؤلفه الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري مرتين، إحداهما سنة ثمان وأربعين ومائتين والثانية سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ﵏ أجمعين (٤) . وكان الشيخ أبو الوقت صالحاً يغلب عليه الخير، وانتقل أبوه إلى مدينة هراة وسكنها فولد له بها أبو الوقت في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين

стр. 1238

وأربعمائة. وتوفي في ليلة الأحد سادس ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وكان قد وصل إلى بغداد يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شوال سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، ونزل في رباط فيروز وبه مات، وصلي عليه فيه ثم صلوا عليه الصلاة العامة بالجامع، وكان الإمام في الصلاة الشيخ عبد القادر الجيلي، وكان الجمع متوفراً، ودفن بالشونيزية في الدكة المدفون بها رويم الزاهد؛ وكان سماعه الحديث بعد الستين والأربعمائة، وهو آخر من روى في الدنيا عن الداودي، رحمه الله تعالى. وتوفي والده سنة بضع عشرة وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وقد تقدم الكلام على السجزي، وهي من شواذ النسب (١) . (١٠٧) وكانت ولادة شيخنا أبي جعفر محمد بن هبة الله بن المكرم الصوفي المذكور في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وقيل سنة ست، وقيل سنة سبع وثلاثين. وتوفي ليلة الخميس من المحرم سنة إحدى وعشرين وستمائة ببغداد، ودفن من الغد بالشونيزية، ﵏ أجمعين. ٤٠٤ - (٢) ابن كليب الحراني أبو الفرج عبد المنعم بن أبي الفتح عبد الوهاب بن سعد بن صدقة بن الخضر بن كليب، الملقب شمس الدين، الحراني الأصل البغدادي المولد والدار الحنبلي المذهب؛ كان تاجراً وله في الحديث السماعات العالية، وانتهت الرحلة إليه من أقطار الأرض وألحق الصغار بالكبار لا يشاركه في شيوخه ومسموعاته أحد.

стр. 1239

وكانت ولادته في صفر سنة خمس خمسمائة. وتوفي ليلة الاثنين السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وخمسمائة ببغداد، ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، بباب حرب، عند أبيه وأهله، وكان صحيح الذهن والحواس إلى أن مات، وتسرى مائة وثمانياً وأربعين جارية، رحمه الله تعالى. ٤٠٥ - (١) عبد الحميد الكاتب عبد الحميد بن يحيى بن سعد مولى بني عامر بن لؤي بن غالب، الكاتب البليغ المشهور؛ وبه يضرب المثل في البلاغة، حتى قيل فتحت الرسائل بعبد الحميد، وختمت بابن العميد. وكان في الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب إماماً، وهو من أهل الشام، وكان أولاً معلم صبيةٍ يتنقل في البلدان، وعنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا ولآثاره اقتفوا، وهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل، ومجموع رسائله مقدار ألف ورقة. وهو أول من أطال الرسائل واستعمل التحميدات في فصول الكتب، فاستعمل الناس ذلك بعده، وكان كاتب مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الأموي آخر ملوك بني أمية المعروف بالجعدي، فقال له يوماً وقد أهدى له بعض العمال عبداً أسود فاستقله: اكتب إلى هذا العامل كتاباً مختصراً، وذمه على ما فعل، فكتب إليه " لو وجدت لوناً شراً من السواد وعدداً أقل من الواحد لأهديته، والسلام ". ومن كلامه أيضاً: القلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة.

стр. 1240

وقال إبراهيم بن العباس الصولي (١) ، وقد ذكر عبد الحميد المذكور عنده: كان والله الكلام معاناً له، ما تمنيت كلام أحد من الكتاب قط أن يكون لي مثل كلامه. وفي رسالة له " والناس أخياف مختلفون، وأطوار متباينون، منهم علق مضنة لا يباع، وغل مظنة لا يبتاع " وكتب على يد شخص كتاباً بالوصاة عليه إلى بعض الرؤساء فقال: " حق موصل كتابي إليك عليك كحقه علي إذ رآك موضعا لأمله، ورآني أهلاً لحاجته، وقد أنجزت حاجته، فصدق أمله ". ومن كلامه " خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً ". وكان كثيراً ما ينشد: إذا جرح الكتاب كانت دويهم ... قسياً وأقلام الدوي لها نبلا وله رسائل بليغة. وكان حاضراً مع مروان في جميع وقائعه عند آخر أمره، وقد سبق في أخبار أبي مسلم الخراساني طرف من ذلك. ويحكى أن مروان قال له حين أيقن بزوال ملكه: قد احتجت أن تصير مع عدوي وتظهر الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك يحوجهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي، وإلا لم تعجز عن حفظ حرمي بعد وفاتي. فقال له عبد الحميد: إن الذي أشرت به علي أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله تعالى أو أقتل معك؛ وأنشد: أسر وفاء ثم أظهر غدرةً ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهر ذكر ذلك أبو الحسن المسعودي في كتاب " مروج الذهب " (٢) . ثم إن عبد الحميد قتل مع مروان، وكان قتل مروان يوم الاثنين ثالث عشر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، بقرية يقال لها بوصير من أعمال الفيوم بالديار المصرية، رحمهما الله تعالى.

стр. 1241

ورأيت بخطي في مسوداتي أنه لما قتل مروان بن محمد الأموي استخفى عبد الحميد بالجزيرة، فغمز عليه، فأخذ ودفعه أبو العباس، وأظنه السفاح، إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن صاحب شرطته، فكان يحمي له طستاً بالنار ويضعه على رأسه حتى مات. وكان من أهل الأنبار وسكن الرقة، وشيخه في الكتابة سالم مولى هشام بن عبد الملك. [وروى محمد بن العباس اليزيدي بإسناد ذكره قال: أتي أبو جعفر المنصور أخو السفاح - وهو ثاني خلفاء بني العباس بعد قتل مروان بن محمد الجعدي - بعبد الحميد الكاتب والبعلبكي المؤذن وسلام الحادي، فهم المنصور بقتلهم جميعاً لكونهم من أصحاب مروان، فقال سلام: استبقني يا أمير المؤمنين فإني أحسن الناس حداءً، فقال: وما بلغ من حدائك فقال: تعمد إلى إبل فتظمئها ثلاثاً ثم توردها الماء، فإذا وردت رفعت صوتي بالحداء فترفع رؤوسها وتدع الشرب ثم لا تشرب حتى أسكت، قال (١) : فأمر المنصور بإبل فأظمئت ثلاثة أيام، ثم أوردت الماء، فلما بدأت بالشرب رفع سلام صوته بالحداء فامتنعت من الشرب ثم لم تشرب حتى سكت، فاستبقى سلاماً وأجازه وأجرى عليه رزقه. وقال له البعلبكي [المؤذن] : استبقني يا أمير المؤمنين، قال: وما عندك قال: أنا مؤذن، قال: وما بلغ من أذانك قال: تأمر جارية تقدم إليك طستاً وتأخذ بيدها أبريقاً وتصب عليك، وأبتدئ الآذان فتدهش ويذهب عقلها إذا سمعت أذاني حتى تلقي الأبريق من يدها وهي لا تعلم؛ فأمر جارية فأعدت أبريقاً فيه ماء وقدمت إليه طستاً وجعلت تصب عليه ورفع البعلبكي صوته بالآذان فبقيت الجارية شاخصة وألقت الأبريق من يدها فاستبقاه وأجازه وأجرى عليه الرزق وصير أمر الجامع إليه. قال له: عبد الحميد الكاتب: استبقني يا أمير المؤمنين قال: وما عندك قال: أنا أبلغ أهل زماني في الكتابة، فقال له المنصور: أنت الذي فعلت بنا الأفاعيل وعملت بنا الدواهي. فأمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم ضربت عنقه، والله

стр. 1242

أعلم أي ذلك كان] (١) . وكان ولده إسماعيل كاتباً ماهراً نبيلاً معدوداً في جملة الكتاب المشاهير. وكان يعقوب بن داود وزير المهدي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - كاتباً بين يدي عبد الحميد المذكور، وممن تخرج عليه وتعلم منه. [وساير عبد الحميد (٢) يوماً مروان بن محمد على دابة قد طالت مدتها في ملكه، فقال له مروان: قد طالت صحبة هذه الدابة لك، فقال: يا أمير المؤمنين إن من بركة الدابة طول صحبتها وقلة علفها، فقال له: فكيف سيرها فقال: همها أمامها وسوطها عنانها وما ضربت قط إلا ظلماً. وقال أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري في كتاب " أخبار الوزراء " (٣) : وجدت بخط أبي علي أحمد بن إسماعيل: حدثني العباس بن جعفر الأصبهاني، قال: طلب عبد الحميد بن يحيى الكاتب وكان صديقاً لابن المقفع، ففاجأهما الطلب وهما في بيت، فقال الذين دخلوا عليهما: أيكما عبد الحميد فقال كل واحد منهما: أنا، خوفاً من أن ينال صاحبه مكروه وخاف عبد الحميد أن يسرعوا إلى ابن المقفع فقال: ترفقوا بنا فإن كلاً منا له علامات، فوكلوا بنا بعضكم ويمضي البعض الآخر ويذكر تلك العلامات لمن وجهكم ففعلوا، وأخذ عبد الحميد] (٤) . وبوصير: بضم الباء الموحدة وسكون الواو وكسر الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء. ويقال: إن مروان لما وصل إليها منهزماً والعساكر في طلبه قال: ما اسم هذه القرية فقيل له: بوصير، فقال: إلى الله المصير، فقتل بها، وهي واقعة مشهورة. وقال إبراهيم بن جبلة (٥) : رآني عبد الحميد الكاتب أخط خطاً رديئاً فقال لي:

стр. 1243

أتحب أن تجود خطك فقلت: نعم، فقال: أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها، ففعلت فجاد خطي. ٤٠٦ - (١) عبد المحسن الصوري أبو محمد عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب بن غلبون الصوري الشاعر المشهور؛ أحد المحسنين الفضلاء، المجيدين الأدباء، شعره بديع الألفاظ حسن المعاني، رائق الكلام مليح النظام، من محاسن الشام، له ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان، فمن محاسنه قوله: أترى بثأرٍ أم بدين ... علقت محاسنها بعيني في لحظها وقوامها ... ما في المهند والرديني وبوجهها ماء الشبا ... ب خليط نار الوجنتين بكرت (٢) علي وقالت اخ ... تر خصلة من خصلتين إما الصدود أو الفرا ... ق فليس عندي غير ذين فأجبتها ومدامعي ... تنهل مثل المأزمين (٣) لا تفعلي، إن حان ص ... دك أو فراقك حان حيني فكأنما قلت انهضي ... فمضت مسارعةً لبيني

стр. 1244

ثم استقلت أين حل ... ت عيسها رميت بأين ونوائبٍ أظهرن أيا ... مي إلي بصورتين سودنها وأطلنها ... فرأيت يوماً ليلتين ومنها: هل بعد ذلك من يع ... رفني النضار من اللجين فلقد جهلتهما لبع ... د العهد بينهما وبيني متكسباً بالشعر يا ... بئس الصناعة في اليدين كانت كذلك قبل أن ... يأتي علي بن الحسين فاليوم حال الشعر ثا ... لثة لحال الشعريين أغنى وأعفى مدحه ال ... عافين عن كذب ومين وهذه القصيدة عملها عبد المحسن في علي بن الحسين والد الوزير أبي القاسم بن المغربي، وهي قصيدة طويلة جيدة ولها حكاية ظريفة، وهي أنه كان بمدينة عسقلان رئيس يقال له ذو المنقبتين، فجاءه بعض الشعراء وامتدحه بهذه القصيدة وجاء في مديحها: ولك المناقب كلها ... فلم اقتصرت على اثنتين فأصغى الرئيس إلى إنشاده واستحسنها وأجزل جائزته، فلما خرج من عنده قال له بعض الحاضرين: هذه القصيدة لعبد المحسن، فقال: أعلم هذا وأحفظ القصيدة، ثم أنشدها، فقال له ذلك الرجل: فكيف حتى عملت معه هذا العمل من الإقبال عليه والجائزة السنية فقال: لم أفعل ذلك إلا لأجل البيت الذي ضمنها، وهو قوله: ولك المناقبُ كلها ... فإن هذا البيت ليس لعبد المحسن، وأنا ذو المنقبتين، فأعلم قطعاً أن هذا البيت ما عمل إلا في، وهو في نهاية الحسن.

стр. 1245

ومن شعره أيضاً، وذكر الثعالبي في كتابه الذي جعله ذيلاً على " يتيمة الدهر "، هذه الأبيات لأبي الفرج ابن أبي حصين علي بن عبد الملك الرقي أصلاً، وكان أبوه قاضي حلب، والله أعلم، ولكنها في ديوان عبد المحسن - والثعالبي قد نسب أشياء إلى غير أربابها وغلط فيها، ولعل هذا من جملة الغلط أيضاً - وذكر في ديوانه أنه عملها في أخيه عبد الصمد، وهي: وأخٍ مسه نزولي بقرحٍ ... مثلما مسني من الجوع قرح بت ضيفاً له كما حكم الده ... ر وفي حكمه على الحر قبح فابتداني يقول وهو من السك ... رة بالهم طافح ليس يصحو لم تغربت قلت قال رسول الله ... والقول منه نصحٌ ونجح سافروا تغنموا، فقال: وقد قا ... ل تمام الحديث صوموا تصحوا وذكر له صاحب " اليتيمة " هذين البيتين: عندي حدائق شكرٍ غرس جودكم ... قد مسها عطش فليسق من غرسا تداركوها وفي أغصانها رمقٌ ... فلن يعود اخضرار العود إن يبسا واجتاز يوماً بقبر صديق له فأنشده: عجباً لي وقد مررت على قب ... رك كيف اهتديت قصد الطريق أتراني نسيت عهدك يوماً ... صدقوا ما لميت من صديق ولما ماتت أمه ودفنها وجد عليها وجداً كثيراً فأنشد: رهينة أحجار ببيداء دكدك ... تولت فحلت عروة المتمسك وقد كنت أبكي إن تشكت وإنما ... أنا اليوم أبكي أنها ليس تشتكي وهذا المعنى مأخوذ من قول المتنبي: وشكيتي فقد السقام لأنه ... قد كان لما كان لي أعضاء وقد استعمل أبو محمد عبد الله بن محمد المعروف بابن سنان الخفاجي الحلبي

стр. 1246

هذا المعنى في بيت من جملة قصيدة طويلة فقال: بكى الناس أطلال الديار وليتني ... وجدت دياراً للدموع السواكب ومحاسنه كثيرة، والاقتصار أولى. وتوفي يوم الأحد تاسع شوال سنة تسع عشرة وأربعمائة، وعمره ثمانون سنة أو أكثر، رحمه الله تعالى. وغلبون: بفتح الغين المعجمة وسكون اللام وضم الباء الموحدة وبعد الواو نون. والصوري قد تقدم الكلام عليه. ٤٠٧ - (١) الحافظ عبد المجيد العبيدي أبو الميمون عبد المجيد، الملقب الحافظ، ابن أبي القاسم محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله - وقد تقدم ذكر المهدي وجماعة من حفدته -؛ بويع الحافظ بالقاهرة يوم مقتل ابن عمه الآمر بولاية العهد وتدبير المملكة حتى يظهر الحمل المخلف عن الآمر - حسبما يأتي شرحه في آخر هذه الترجمة إن شاء الله تعالى - فغلب عليه أبو علي أحمد بن الأفضل شاهان شاه ابن أمير الجيوش بدرٍ الجمالي - وقد تقدم ذكر أبيه في حرف الشين - في صبيحة يوم مبايعته وكان الآمر لما قتل الأفضل اعتقل جميع أولاده وفيهم أبو علي المذكور، فأخرجه الجند من الاعتقال لما قتل الآمر

стр. 1247

وبايعوه (١) فسار إلى القصر وقبض على الحافظ المذكور واستقل بالأمر وقام به أحسن قيام، ورد على المصادرين أموالهم، وأظهر مذهب الإمامية وتمسك بالأئمة الاثني عشر، ورفض الحافظ وأهل بيته، ودعا على المنابر للقائم في أخر الزمان المعروف بالإمام المنتظر على زعمهم وكتب اسمه على السكة، ونهى أن يؤذن " حي على خير العمل "، وأقام كذلك إلى أن وثب عليه رجل من الخاصة بالبستان الكبير بظاهر القاهرة في النصف من المحرم سنة ست وعشرين وخمسمائة فقتله، وكان ذلك بتدبير الحافظ، فبادر الأجناد بإخراج الحافظ وبايعوه ولقبوه الحافظ، ودعي له على المنابر. وكان مولده بعسقلان (٢) في المحرم من سنة سبع وستين وأربعمائة، وقيل سنة ست وستين، وكان قد بويع بالعهد يوم قتل الآمر - وسيأتي تاريخه في ترجمته في حرف الميم إن شاء الله تعالى - ثم بويع بالاستقلال يوم قتل أحمد بن الأفضل في التاريخ المذكور. وتوفي أخر ليلة الأحد لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة أربع، وقيل ثلاث وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وقيل أنه ولد في الثالث عشر وقيل الخامس عشر من شهر رمضان سنة ثمان وستين وأربعمائة. وكان سبب ولادته بعسقلان أن أباه خرج إليها من مصر في أيام الشدة والغلاء المفرط الذي حصل بمصر في زمان جده المستنصر - حسبما هو مشروح في ترجمته في حرف الميم - فأقام بها ينتظر أيام الرخاء وزوال الشدة، فولد له الحافظ المذكور هناك، هكذا قاله شيخنا عز الدين بن الأثير في تاريخه الكبير، والله أعلم (٣) . ولم يتول الأمر من ليس أبوه صاحب الأمر من بيتهم سواه وسوى العاضد عبد الله - وقد تقدم ذكره في العبادلة - وكان سبب توليته أن الآمر لم يخلف ولداً وخلف امرأة حاملاً، فماج أهل مصر وقالوا: هذا البيت لا يموت إمام

стр. 1248

منهم حتى يخلف ولداً ذكراً وينص عليه بالإمامة، وكان الآمر قد نص على الحمل، فوضعت له المرأة بنتاً، فكان ما شرحناه من حديث الحافظ المذكور وأحمد بن الأفضل أمير الجيوش، ولهذا السبب بويع الحافظ بولاية العهد ولم يبايع بالإمامة مستقلاً، لأنهم كانوا ينتظرون ما يكون من الحمل. وهذا الحافظ كان كثير المرض بعلة القولنج فعمل له شيرماه الديلمي - وقيل موسى النصراني - طبل القولنج الذي كان في خزائنهم لما ملك السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، الديار المصرية، وكسره السلطان المذكور، وقصته مشهورة، وأخبرني حفيد شيرماه المذكور أن جده ركب هذا الطبل من المعادن السبعة والكواكب السبعة في إشرافها (١) كل واحد منها في وقته، وكان من خاصته أن الإنسان إذا ضربه خرج الريح من مخرجه، ولهذه الخاصية كان ينفع من القولنج. ٤٠٨ - (٢) عبد المؤمن صاحب المغرب أبو محمد عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي الذي قام بأمره محمد بن تومرت المعروف بالمهدي؛ كان والده وسطاً في قومه، وكان صانعاً في عمل الطين يعمل منه الآنية فيبيعها، وكان عاقلاً من الرجال وقوراً. ويحكى أن عبد المؤمن في صباه كان نائماً تجاه أبيه وأبوه مشتغل بعمله في الطين (٣) ، فسمع أبوه دوياً

стр. 1249

من السماء، فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار، فنزلت كلها مجتمعة على عبد المؤمن وهو نائم، فغطته ولم يظهر من تحتها ولا استيقظ لها، فرأته أمه على تلك الحال فصاحت خوفاً على ولدها، فسكتها أبوه فقالت: أخاف عليه، فقال: لا بأس عليه، بل إني متعجب مما يدل عليه ذلك، ثم إنه غسل يديه من الطين ولبس ثيابه ووقف ينتظر ما يكون من أمر النحل، فطار عنه بأجمعه، فاستيقظ الصبي وما به من ألم، فتفقدت أمه جسده فلم تر به أثراً، ولم يشك إليها ألماً، وكان بالقرب منهم رجل معروف بالزجر، فمض أبوه إليه فأخبره ما رآه من النحل مع ولده، فقال الزاجر: يوشك أن يكون له شأن، يجتمع على طاعته أهل المغرب، فكان من أمره ما اشتهر. ورأيت في بعض تواريخ المغرب (١) أن ابن تومرت كان قد ظفر بكتاب يقال له " الجفر " وفيه ما يكون على يده وقصة عبد المؤمن وحليته واسمه، وأن ابن تومرت أقام مدة يتطلبه حتى وجده وصحبه وهو إذ ذاك غلام، وكان يكرمه ويقدمه على أصحابه، وأفضى إليه بسره (٢) وانتهى به إلى مراكش وصاحبها يومئذ أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين ملك الملثمين، وجرى له معه فصول يطول شرحها، وأخرجه منها فتوجه إلى الجبال وحشد واستمال المصامدة، وبالجملة فإنه لم يملك شيئاً من البلاد، بل عبد المؤمن ملك بعد وفاته بالجيوش التي جهزها ابن تومرت والترتيب الذي رتبه، وكان أبداً يتفرس فيه النجابة وينشد إذا أبصره: تكاملت فيك أوصافٌ خصصت بها ... فكلنا بك مسرورٌ ومغتبط السن ضاحكةٌ والكف مانحة ... والنفس واسعةٌ والوجه منبسط وهذان البيتان وجدتهما منسوبين إلى أبي الشيص الخزاعي الشاعر المشهور (٣) ،

стр. 1250

وكان يقول لأصحابه: صاحبكم هذا غلاب الدول، ولم يصح عنه أنه استخلفه، بل راعى أصحابه في تقديمه إشارته فتم له الأمر وكمل. وأول ما أخذ من البلاد وهران ثم تلمسان ثم فاس ثم سلا ثم سبتة، وانتقل بعد ذلك إلى مراكش وحاصرها أحد عشر شهراُ ثم ملكها، وكان أخذه لها في أوائل سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، واستوثق له الأمر، وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى وبلاد إفريقية وكثير من بلاد الأندلس، وتسمى أمير المؤمنين، وقصدته الشعراء وامتدحته (١) بأحسن المدائح، وذكر العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة " أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن أبي العباس التيفاشي لما أنشده: ما هز عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي أشار عليه بأن يقتصر على هذا البيت وأمر له بألف دينار. ولما تمهدت له القواعد وانتهت أيامه خرج من مراكش إلى مدينة سلا، فأصابه بها مرض شديد، وتوفي منه في العشر الأخير من جمادى الآخرة السابع والعشرين منه سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وقيل أنه حمل إلى تين مل (٢) المذكورة في ترجمة المهدي محمد بن تومرت، ودفن هناك، والله أعلم، وكانت مدة ولايته ثلاثاً وثلاثين سنة وأشهراً، وكان عند موته شيخاً نقي البياض. ونقلت من تاريخ فيه سيرته وحليته، فقال مؤلفه: رأيته شيخاً معتدل القامة عظيم الهامة أشهل العينين كث اللحية شثن الكفين طويل القعدة واضح بياض الأسنان، بخده الأيمن خال، رحمه الله تعالى. وقيل إن ولادته كانت سنة خمسمائة، وقيل سنة تسعين وأربعمائة، والله أعلم. وعهد إلى ولده أبي عبد الله محمد فاضطرب أمره وأجمعوا على خلعه في شعبان من سنة ولايته، وبويع أخوه يوسف - على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 1251

والكومي: بضم الكاف وسكون الواو وبعدها ميم، هذه النسبة إلى كومية، وهي قبيلة صغيرة نازلة بساحل البحر من أعمال تلمسان، ومولده في قرية هناك يقال لها تاجرة (١) . وأما كتاب " الجفر " فقد ذكره ابن قتيبة في أوائل كتاب " اختلاف الحديث " (٢) فقال بعد كلام طويل واعجب من هذا التفسير تفسير الروافد للقرآن الكريم وما يدعونه من علم باطنه بما وقع إليهم من الجفر الذي ذكره سعد بن هارون العجلي وكان رأس الزيدية فقال: ألم تر أن الرافضين تفرقوا ... فكلهم في جعفر قال منكرا فطائفة قالوا إمامٌ ومنهم ... طوائف سمته النبي المطهرا ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم ... برئت إلى الرحمن ممن تجفرا والأبيات أكثر من هذا (٣) فاقتصرت منها على هذا لأنه المقصود بذكر الجفر، ثم قال ابن قتيبة بعد الفراغ من الأبيات: " وهو جلد جفر ادعوا أنه كتب لهم فيه الإمام كل ما يحتاجون إليه وكل ما يكون إلى يوم القيامة ". قلت: وقولهم " الإمام " يريدون به جعفراً الصادق، ﵁، وقد تقدم ذكره. وإلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعري بقوله من جملة أبيات (٤) : لقد عجبوا لأهل البيت لما ... أتاهم علمه في مسك جفر ومرآة المنجم وهي صغرى ... أرته كل عامرةٍ وقفر وقوله " في مسك جفر " المسك، بفتح الميم وسكون السين المهملة، الجلد. والجفر، بفتح الجيم وسكون الفاء وبعدها راء، من أولاد المعز ما بلغ أربعة

стр. 1252

أشهر، وجفر جنباه، وفصل عن أمه، والأنثى جفرة، وكانت عاداتهم ذلك الزمان أنهم (١) يكتبون في الجلود والعظام والخزف (٢) وما شاكل ذلك. ٤٠٩ - (٣) أبو القاسم الأنماطي أبو القاسم عثمان بن سعيد بن بشار الأحول الأنماطي الفقيه الشافعي؛ كان من كبار الفقهاء الشافعية أخذ الفقه عن المزني والربيع بن سليمان المرادي، وأخذ عنه أبو العباس ابن سريج وغيره، وكان هو السبب في نشاط الناس ببغداد في كتب الشافعي وتحفظها. وقال عن المزني: أنا أنظر في كتاب " الرسالة " عن الشافعي، ﵁، منذ خمسين سنة ما أعلم أني نظرت فيه مرةً إلا وأنا أستفيد منه شيئاً كثيرا، لم أكن عرفته. وتوفي في شوال سنة ثمان وثمانين ومائتين ببغداد، رحمه الله تعالى. وقال أبو حفص عمر بن علي المطوعي في كتاب " المذهب في ذكر أئمة المذهب " اسم أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن بشار الأنماطي، رحمه الله تعالى. والأنماطي: بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الميم وبعد الألف طاء مهملة، هذه النسبة إلى الأنماط وبيعها (٤) ، وهي البسط التي تفرش وغير ذلك من آلة الفرش من الأنطاع والوسائد، وأهل مصر يسمون هذه الآلات الأنماط وبائعها الأنماطي، والله أعلم.

стр. 1253

٤١٠ - (١) ضياء الدين شارح المهذب أبو عمرو عثمان بن عيسى بن درباس بن فير بن جهم بن عبدويس الهذباني الماراني الملقب ضياء الدين؛ كان من أعلم الفقهاء في وقته بمذهب الإمام الشافعي، وهو أخو القاضي صدر الدين أبي القاسم عبد الملك الحاكم بالديار المصرية - كان - وناب عنه في الحكم في القاهرة، واشتغل في صباه بإربل على الشيخ أبي العباس الخضر بن عقيل - المقدم ذكره في حرف الخاء - ثم انتقل إلى دمشق وقرأ على الشيخ أبي سعد عبد الله بن أبي عصرون - المقدم ذكره - وتمهر في المذهب وأصول الفقه وأتقنهما، وشرح " المذهب " شرحاً شافياً لم يسبق إلى مثله في قريب من عشرين مجلداً ولم يكمله، بل بقي من كتاب الشهادات إلى آخره، وسماه " الاستقصاء لمذاهب الفقهاء " وشرح " اللمع " في أصول الفقه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي شرحاً مستوفى في مجلدين وصنف غير ذلك. وقبل أن مات القاضي صدر الدين، رحمه الله تعالى - وكان موته في الليلة الخامسة من رجب ليلة الأربعاء سنة خمس وستمائة - عزل ضياء الدين المذكور عن النيابه، فوقف عليه الأمير جمال الدين خشترين الهكاري (٢) مدرسة أنشأها بالقصر بالقاهرة وفوض تدريسها إليه. ولم يزل بها إلى أن توفي في ثاني عشر ذي القعدة سنة اثنتين وستمائة بالقاهرة ودفن بالقرافة الصغرى وقد قارب تسعين سنة، رحمه الله تعالى. ثم توفي صدر الدين في التاريخ المذكور، ودفن في تربته بالقرافة الصغرى، وكان يتردد في مولده: هل هو في أواخر سنة ست عشرة أو أوائل سنة سبع عشرة وخمسمائة؛ وفوض إليه السلطان صلاح الدين القضاء بالديار المصرية بعد

стр. 1254

أن كان قاضي الغربية من أعمال الديار المصرية في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وقيل سنة خمس وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وفير: بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء. وجهم: بفتح الجيم وسكون الهاء وبعدها ميم. وعبدوس: بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وضم الدال المهملة وسكون الواو وبعدها سين مهملة. والماراني: بفتح الميم وبعد الألف راء مفتوحة وبعد الألف الثانية نون، هذه النسبة إلى بني ماران بالمروج تحت الموصل. ٤١١ - (١) تقي الدين ابن الصلاح أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصري الكردي الشهرزوري المعروف بابن الصلاح، الشرخاني الملقب تقي الدين، الفقيه الشافعي؛ كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة، وكانت له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاويه مسددة وهو أحد أشياخي الذين انتفعت بهم. قرأ الفقه أولاً على والده الصلاح وكان من جلة مشايخ الأكراد المشار إليهم، ثم نقله والده إلى الموصل واشتغل بها مدة، وبلغني أنه كرر على جميع كتاب " المهذب " ولم يطر شاربه، ثم إنه تولى الإعادة عند الشيخ العلامة عماد الدين أبي حامد

стр. 1255

ابن يونس بالموصل أيضاً، وأقام قليلاً ثم سافر إلى خراسان فأقام بها زماناً وحصل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام وتولى التدريس بالمدرسة الناصرية بالقدس المنسوبة إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، رحمه الله تعالى، وأقام بها مدة، واشتغل الناس عليه وانتفعوا به، ثم انتقل إلى دمشق وتولى تدريس المدرسة الرواحية التي أنشأها الزكي أبو القاسم هبة الله بن عبد الواحد ابن رواحة الحموي، وهو الذي أنشأ المدرسة الرواحية بحلب أيضاً. ولما بنى الملك الأشرف ابن الملك العادل بن أيوب، رحمه الله تعالى، دار الحديث بدمشق فوض تدريسها إليه. واشتغل الناس عليه بالحديث، ثم تولى تدريس ست الشام زمرد خاتون بنت أيوب - وهي شقيقة شمس الدولة توران شاه بن أيوب المقدم ذكره التي هي داخل البلد قبلي البيمارستان النوري، وهي التي بنت المدرسة الأخرى ظاهر دمشق، وبها قبرها وقبر أخيها المذكور وزوجها ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص - فكان يقوم بوظائف الجهات الثلاث من غير إخلال بشيء منها إلا لعذر ضروري لابد منه، وكان من العلم والدين على قدم حسن، وقدمت عليه في أوائل شوال سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وأقمت عنده بدمشق ملازم الاشتغال مدة سنة. وصنف في علوم الحديث كتاباً نافعاً، وكذلك في مناسك الحج جمع فيه أشياء حسنة يحتاج الناس إليها، وهو مبسوط، وله إشكالات على كتاب " الوسيط " في الفقه، وجمع بعض أصحابه فتاويه في مجلد. ولم يزل أمره جارياً على سداد وصلاح حال واجتهاد في الاشتغال والنفع إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت الصبح، وصلي عليه بعد الظهر، وهو الخامس والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر، رحمه الله تعالى. ومولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة بشرخان. (١٠٨) وتوفي والده الصلاح ليلة الخميس السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ثمان عشرة وستمائة بحلب، ودفن خارج باب الأربعين في الموضع المعروف بالجبل بتربة الشيخ علي بن محمد الفارسي، وكان مولده في سنة تسع وثلاثين

стр. 1256

وخمسمائة تقديراً لأنه كان لا يتحققه، وتولى بحلب تدريس المدرسة الأسدية المنسوبة إلى أسد الدين شيركوه بن شاذي - المقدم ذكره - وكان قد دخل بغداد واشتغل بها، واشتغل أيضاً على شرف الدين بن أبي عصرون - المقدم ذكره. والنصري: بفتح النون وسكون الصاد المهملة وبعدها راء، هذه النسبة إلى جده أبي نصر المذكور. وشر خان: بفتح الشين المثلثة والراء والخاء المعجمة وبعد الألف نون، قرية من أعمال إربل قريبة من شهرزور. (١٠٩) وتوفي الزكي ابن رواحة المذكور يوم الثلاثاء سابع رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة بدمشق ودفن في مقابر الصوفية، وذكر الشهاب عبد الرحمن المعروف بأبي شامة في تاريخه المرتب على السنين (١) أنه مات سنة ثلاث وعشرين. (١١٠) وتوفيت ست الشام بنت أيوب المذكورة في سنة ست عشرة وستمائة يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة، رحمها الله تعالى (٢) . وروي عن تقي الدين المعروف بابن الصلاح، رحمه الله تعالى، أنه قال: أخبرني الشيخ الصالح علي بن الرواس، قدس الله روحه، قال: ألهمت في النوم هذه الكلمات: ادفع المسألة ما وجدت التجمل يمكنك، فإن لكل يوم رزقاً جديداً، والإلحاح في الطلب يذهب البهاء، وما أحسن الصنيع إلى الملهوف، وربما كانت الغير نوعاً من أدب الله تعالى، والحظوظ مراتب فلا تعجل على ثمرةٍ قبل أن تدرك، فإنك ستنالها في أوانها، ولا تعجل في حوائجك فتضيق بها ذرعاً ويغشاك القنوط، والله أعلم] (٣) .

стр. 1257

٤١٢ - (١) ابن جني أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي المشهور؛ كان إماماً في علم العربية، قرأ الأدب على الشيخ أبي علي الفارسي - المقدم ذكره في حرف الحاء - وفارقه وقعد للإقراء بالموصل، فاجتاز بها شيخه أبو علي فرآه في حلقته والناس حوله يشتغلون عليه، فقال له " زببت وأنت حصرم "، فترك حلقته وتبعه ولازمه حتى تمهر. وكان أبوه جني مملوكاً رومياً لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، وإلى هذا أشار بقوله في جملة أبيات: فإن أصبح بلا نسب ... فعلمي في الورى نسبي على أني أؤول إلى ... قرومٍ سادة نجب قياصرة إذا نطقوا ... أرم الدهر ذو الخطب أولاك دعا النبي لهم ... كفى شرفاً دعاء نبي " أرم " بمعنى سكت. وله أشعار حسنة، ويقال أنه كان أعور، وفي ذلك يقول - وقيل إن هذه الأبيات لأبي منصور الديلمي: صدودك عني ولا ذنب لي ... يدل على نية فاسده فقد وحياتك مما بكيت ... خشيت على عيني الواحده ولولا مخافة أن لا أراك ... لما كان في تركها فائده

стр. 1258

ورأيت له قصيدة بائية يرثي بها المتنبي ولولا طولها لأتيت بها (١) . (١١١) وأما أبو منصور الديلمي فالمشهور عنه غير هذه التسمية، وأنه أبو الحسن علي بن منصور، وكان أبوه من جند سيف الدولة بن حمدان، وكان شاعراً مجيداً خليعاً، وكان بفرد عين، وله في ذلك أشياء مليحة فمن ذلك قوله: يا ذا الذي ليس له شاهدٌ ... في الحب معروفٌ ولا شاهده شواهدي عيناي إني بها ... بكيت حتى ذهبت واحدة وأعجب الأشياء أن التي ... قد بقيت في صحبتي زاهده وله في غلام جميل الصورة بفرد عين، وقد أبدع فيه: له عين أصابت كل عين ... وعين قد أصابتها العيون ولابن جني من التصانيف المفيدة في النحو كتاب " الخصائص " و " سر الصناعة " و " المنصف في شرح تصريف أبي عثمان المازني " و " التلقين في النحو " و " التعاقب " و " الكافي في شرح القوافي " للأخفش، و " المذكر والمؤنث " و " المقصور والممدود " و " التمام في شرح شعر الهذليين " و " المنهج في اشتقاق أسماء شعراء الحماسة " ومختصر في العروض ومختصر في القوافي و " المسائل الخاطريات " و " التذكرة الأصبهانية " و " مختار تذكرة أبي علي الفارسي " وتهذيبها و " المقتضب " في المعتل العين و " اللمع " و " التنبيه " و " المهذب " و " التبصرة " وغير ذلك، ويقال: إن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أخذ منه أسماء كتبه، فإن له " المهذب " و " التنبيه " في الفقه، و " اللمع " و " التبصرة " في أصول الفقه. وشرح ابن جني ديوان المتنبي وسماه الفسر (٢)

стр. 1259

وكان قد قرأ الديوان على صاحبه، ورأيت في شرحه قال: سأل شخص أبا الطيب المتنبي عن قوله: بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا ... فقال: كيف أثبت الألف في " تصبرا " مع وجود لم الجازمة، وكان من حقه أن يقول " لم تصبر "، فقال المتنبي: لو كان أبو الفتح هاهنا لأجابك، يعنيني، وهذه الألف هي بدل من نون التأكيد الخفيفة، كان في الأصل " لم تصبرن " ونون التأكيد الخفيفة إذا وقف الإنسان عليها أبدل منها ألفاً، قال الأعشى: ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا ... وكان الأصل فاعبدن فلما وقف أتى بالألف بدلاً. وكانت ولادة ابن جني قبل الثلاثين والثلثمائة بالموصل. وتوفي يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، ببغداد. وجني: بكسر الجيم وتشديد النون وبعدها ياء. ٤١٣ - (١) أبو عمرو ابن الحاجب أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر ابن يونس الدوني ثم المصري الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب، الملقب جمال الدين؛ كان والده حاجباً للأمير عز الدين موسك الصلاحي وكان كردياً، واشتغل ولده أبو عمرو المذكور بالقاهرة في صغره بالقرآن الكريم، ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك، ﵁، ثم

стр. 1260

بالعربية والقراءات، وبرع في علومه وأتقنها غاية الإتقان، ثم انتقل إلى دمشق ودرس بجامعها في زاوية المالكية، واكب الخلق على الاشتغال عليه، والتزم لهم الدروس وتبحر في الفنون، وكان الأغلب عليه علم العربية، وصنف مختصراً في مذهبه، ومقدمة وجيزة في النحو، وأخرى مثلها في التصريف وشرح المقدمتين [وله (١) : أي غدٌ مع يدٍ ددٍ ذي حروفٌ ... طاوعت في الروي وهي عيون ودواة والحوت والنون نونا ... ت عصتهم وأمرها مستبين وهو جواب عن البيتين المشهورين وهما: ربما عالج القوافي رجالٌ ... في القوافي فتلتوي وتلين طاوعتهم عينٌ وعين وعين ... وعصتهم نون ونون ونون (٢) فيعني بقوله " عين وعين وعين " نحو غد ويدٍ وددٍ، فإن وزن كل منها " فع " إذ أصل غد: غدوٌ ويد: يديٌ ودد: ددن، وبقوله " نون ونون ونون " الدواة والحوت والنون الذي هو الحرف، وله أيضاً في أسماء قداح الميسر ثلاثة أبيات، وهي: هي فذ وتوأم ورقيب ... ثم حلس ونافس ثم مسبل والمعلى والوغد ثم سفيح ... ومنيح وذي الثلاثة تهمل ولكلٍ مما عداها نصيب ... مثله أن تعد أول أول] (٣)

стр. 1261

وصنف في أصول الفقه، وكل تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة، وخالف النحاة في مواضع، وأورد عليهم إشكالات وإلزامات تبعد الإجابة عنها، وكان من أحسن خلق الله ذهناً. ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها والناس ملازمون للاشتغال عليه، وجاءني مراراً بسبب أداء شهادات، وسألته عن مواضع في العربية مشكلة، فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام، ومن جملة ما سألته عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط في قولهم " إن أكلت إن شربت فأنت طالق " لم تعين تقديم الشرب على الأكل بسبب وقوع الطلاق حتى لو أكلت ثم شربت لا تطلق وسألته عن بيت أبي الطيب المتنبي وهو قوله: لقد تصبرت حتى لات مصطبر ... فالآن أقحم حتى لات مقتحم ما السبب الموجب لخفض مصطبر ومقتحم، ولات ليست من أدوات الجر فأطال الكلام فيهما وأحسن الجواب عنهما، ولولا التطويل لذكرت ما قاله. ثم انتقل إلى الإسكندرية للإقامة بها، فلم تطل مدته هناك، وتوفي بها ضاحي نهار الخميس السادس والعشرين من شوال سنة ست وأربعين وستمائة، ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح ابن أبي شامة؛ وكان مولده في آخر سنة سبعين وخمسمائة بأسنا، رحمه الله تعالى. وأسنا: بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح النون وبعدها ألف، وهي بليدة صغيرة من الأعمال القوصية بالصعيد الأعلى من مصر.

стр. 1262

٤١٤ - (١) الملك العزيز ابن صلاح الدين الملك العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ كان نائباً عن أبيه في الديار المصرية لما كان أبوه بالشام، وتوفي أبوه بدمشق، فاستقل بملكتها باتفاق من الأمراء، كما هو مشهور فلا حاجة إلى شرحه. وكان ملكاً مباركاً كثير الخير واسع الكرم محسناً إلى الناس معتقداً في أرباب الخير والصلاح؛ وسمع بالإسكندرية الحديث من الحافظ السلفي والفقيه أبي الطاهر ابن عوف الزهري، وسمع بمصر من العلامة أبي محمد ابن بري النحوي وغيرهم. ويقال إن والده كان يؤثره على بقية أولاده، ولما ولد له الملك المنصور ناصر الدين محمد كان والده بالشام والقاضي الفاضل بالقاهرة فكتب إليه يهنئه " المملوك يقبل الأرض بين يدي مولانا الملك الناصر، دام رشده وإرشاده، وزاد سعده وإسعاده، وكثرت أولياؤه وعبيده وأعداده، واشتد بأعضاده فيهم اعتضاده، وأنمى الله عدده حتى يقال هذا آدم الملوك وهذه أولاده، وينهي أن الله تعالى وله الحمد رزق الملك العزيز عز نصره ولداً مباركاً علياً، ذكراً سرياً، براً زكياً تقياً نقياً، من ذرية كريمة بعضها من بعض، وبيت شريف كادت ملوكه تكون ملائكة في السماء ومماليكه ملوكاً في الأرض ". وكانت ولادة الملك العزيز بالقاهرة في ثامن جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة، وكان قد توجه إلى الفيوم، فطرد فرسه وراء صيد فتقطر به فأصابته الحمى من ذلك وحمل إلى القاهرة، فتوفي بها في الساعة السابعة من ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 1263

[نقلت من خط القاضي الفاضل فصلاً يتعلق بالملك العزيز بن صلاح الدين، رحمه الله تعالى، ما مثاله: لما كان يوم السبت تاسع عشر المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة اشتد المرض بالملك العزيز وخيف عليه، وأدركه في ليلته فواقٌ وأخذ نبضه في الضعف وأصبح الطبيب على إياسٍ منه، ثم لما كان وقت الظهر وقعت البشرى أنه أفاق وحضر ذهنه، وكلم من حوله وحضر إليه الأمراء والخواص، ثم قال بعد ذلك: إلى أن كان وقت العتمة من ليلة الأحد، فبدت قوته تخور، والفواق يشتد وبغته الأمر وعظمت الحمى وصغر النبض وكثر عليه الغشي، وكانت وفاته في الساعة السابعة من ليلة الأحد، ولما كان في آخر الليل خرج فخر الدين جهاركس وأسد الدين سراسنقر وجماعة من المماليك واستدعوا الأمراء فأحضرت وأعلمت بوفاته، وقال المذكورون: إنا قد اجتمعت كلمتنا على أن يكون ولد العزيز الأكبر وتقدير عمره عشر سنين واسمه محمد ولقبه ناصر الدين المنتصب في السلطنة والقائم بالأمر، وأن يكون أتابكه بهاء الدين قراقوش، وقالوا: قد كان السلطان استناب هذا الولد واستخلف على تربيته قراقوش، ونريد أن يجتمع الأمراء، ويخرج الخدام يبلغونهم رسالة عن السلطان وأنه حي، ومعنى الرسالة أن هذا ولدي سلطانكم من بعدي، فاحلفوا له واحفظوني فيه، فقلت لهم: فإن طالبكم الأمراء بسماع هذه المشافهة من السلطان ما الذي تقولون لهم فرجعوا إلى أن يخاطبوا الأمراء إذا حضروا بأن السلطان وصى بهذه الوصية، وأنه قد قضى، ويدخلون عليهم من جانب الموافاة لجد هذا الصبي وأبيه، فقلت لهم: لا تنتظروا اجتماع الأمراء، فإنهم إن حضروا جملة فلا تأمنوا أن يمتنعوا جملة، بل كل من حضر من الأمراء تقولون له: قد اتفقنا فكن معنا، وقد حلفنا فاحلف كما حلفنا، وقدموا المصحف وأسرعوا في تلقينه، فجرى الأمر على هذا، فلما تكامل الحلف أو أكثره أحضروا الولد، فبكى الناس لما رأوه وصاحوا وقاموا إليه، ووقفوا بين يديه، جميع ذلك قبل أن يسفر صباح الأحد، ثم صليت فريضة الفجر، وشرعوا في تجهيز الملك العزيز إلى قبره، وغسل في مكان موته، واجتمع الناس فيما بين الظهر والعصر للصلاة عليه، وكثر الزحام، وقامت الواعية، فلم يخلص

стр. 1264

من دفنه إلى قريب المغرب، وخوطب ولده بالملك الناصر بلقب جده في هذا اليوم] (١) . ولما مات كتب القاضي الفاضل إلى عمه الملك العادل رسالة يعزيه، من جملتها: " فنقول في توديع النعمة بالملك العزيز: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، قول الصابرين، ونقول في استقبالها (٢) بالملك العادل: الحمد لله رب العالمين، قول الشاكرين، وقد كان من أمر هذه الحادثة ما قطع كل قلب، وجلب كل كرب، ومثل وقوع هذه الواقعة لكل أحد ولا سيما لأمثال المملوك، ومواعظ الموت بليغة، وأبلغها ما كان في شباب الملوك، فرحم الله ذلك الوجه ونضره، ثم السبيل إلى الجنة (٣) يسره. وإذا محاسن أوجهٍ بليت ... فعفا الثرى عن وجهه الحسن والمملوك في حال تسطير هذه الخدمة جامع بين مرضي قلب وجسد، ووجع أطراف وغليل كبد، فقد فجع المملوك بهذا المولى والعهد بوالده غير بعيد، والأسى في كل يوم جديد، وما كان ليندمل ذلك القرح، حتى أعقبه هذا الجرح، فالله تعالى لا يعدم المسلمين بسلطانهم الملك العادل السلوة، كما لم يعدمهم بنبيهم ﷺ الأسوة ". ودفن بالقرافة الصغرى في قبة الإمام الشافعي، ﵁، وقبره معروف هناك.

стр. 1265

٤١٥ - (١) عدي الهكاري الشيخ عدي بن مسافر [بن إسماعيل بن موسى بن الحسن بن مروان، كذا أملى نسبه بعض ذوي قرابته] (٢) الهكاري مسكناً، العبد الصالح المشهور الذي تنسب إليه الطائفة العدوية؛ سار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق كثير، وجاوز حين اعتقادهم فيه الحد، حتى جعلوه قبلتهم التي يصلون إليها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعولون عليها، وكان قد صحب جماعة كثيرة من أعيان المشايخ والصلحاء المشاهير [مثل عقيل المنبجي وحماد الدباس وأبي النجيب عبد القاهر السهروردي وعبد القادر الجيلي وأبي الوفاء الحلواني] ثم انقطع إلى جبل الهكارية من أعمال الموصل، وبنى له هناك زاوية، ومال إليه أهل تلك النواحي كلها ميلاً لم يسمع لأرباب الزوايا مثله. وكان (٣) مولده في قرية يقال لها بيت فار من أعمال بعلبك، والبيت الذي ولد فيه يزار إلى الآن. وتوفي الشيخ سنة سبع، وقيل خمس وخمسين وخمسمائة، في بلده بالهكارية ودفن بزاويته، رحمه الله تعالى؛ وقبره عندهم من المزارات المعدودة، والمشاهد المقصودة، وحفدته إلى الآن بموضعه يقيمون شعاره ويقتفون آثاره، والناس معهم على ما كانوا عليه زمن الشيخ من جميل الاعتقاد وتعظيم الحرمة. وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " وعده من جملة الواردين على إربل. وكان مظفر الدين صاحب إربل، رحمه الله تعالى، يقول: رأيت
следующие страницы →