← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وصنف في أصول الفقه، وكل تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة، وخالف النحاة في مواضع، وأورد عليهم إشكالات وإلزامات تبعد الإجابة عنها، وكان من أحسن خلق الله ذهناً. ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها والناس ملازمون للاشتغال عليه، وجاءني مراراً بسبب أداء شهادات، وسألته عن مواضع في العربية مشكلة، فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام، ومن جملة ما سألته عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط في قولهم " إن أكلت إن شربت فأنت طالق " لم تعين تقديم الشرب على الأكل بسبب وقوع الطلاق حتى لو أكلت ثم شربت لا تطلق وسألته عن بيت أبي الطيب المتنبي وهو قوله: لقد تصبرت حتى لات مصطبر ... فالآن أقحم حتى لات مقتحم ما السبب الموجب لخفض مصطبر ومقتحم، ولات ليست من أدوات الجر فأطال الكلام فيهما وأحسن الجواب عنهما، ولولا التطويل لذكرت ما قاله. ثم انتقل إلى الإسكندرية للإقامة بها، فلم تطل مدته هناك، وتوفي بها ضاحي نهار الخميس السادس والعشرين من شوال سنة ست وأربعين وستمائة، ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح ابن أبي شامة؛ وكان مولده في آخر سنة سبعين وخمسمائة بأسنا، رحمه الله تعالى. وأسنا: بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح النون وبعدها ألف، وهي بليدة صغيرة من الأعمال القوصية بالصعيد الأعلى من مصر.

стр. 1262

٤١٤ - (١) الملك العزيز ابن صلاح الدين الملك العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ كان نائباً عن أبيه في الديار المصرية لما كان أبوه بالشام، وتوفي أبوه بدمشق، فاستقل بملكتها باتفاق من الأمراء، كما هو مشهور فلا حاجة إلى شرحه. وكان ملكاً مباركاً كثير الخير واسع الكرم محسناً إلى الناس معتقداً في أرباب الخير والصلاح؛ وسمع بالإسكندرية الحديث من الحافظ السلفي والفقيه أبي الطاهر ابن عوف الزهري، وسمع بمصر من العلامة أبي محمد ابن بري النحوي وغيرهم. ويقال إن والده كان يؤثره على بقية أولاده، ولما ولد له الملك المنصور ناصر الدين محمد كان والده بالشام والقاضي الفاضل بالقاهرة فكتب إليه يهنئه " المملوك يقبل الأرض بين يدي مولانا الملك الناصر، دام رشده وإرشاده، وزاد سعده وإسعاده، وكثرت أولياؤه وعبيده وأعداده، واشتد بأعضاده فيهم اعتضاده، وأنمى الله عدده حتى يقال هذا آدم الملوك وهذه أولاده، وينهي أن الله تعالى وله الحمد رزق الملك العزيز عز نصره ولداً مباركاً علياً، ذكراً سرياً، براً زكياً تقياً نقياً، من ذرية كريمة بعضها من بعض، وبيت شريف كادت ملوكه تكون ملائكة في السماء ومماليكه ملوكاً في الأرض ". وكانت ولادة الملك العزيز بالقاهرة في ثامن جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة، وكان قد توجه إلى الفيوم، فطرد فرسه وراء صيد فتقطر به فأصابته الحمى من ذلك وحمل إلى القاهرة، فتوفي بها في الساعة السابعة من ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 1263

[نقلت من خط القاضي الفاضل فصلاً يتعلق بالملك العزيز بن صلاح الدين، رحمه الله تعالى، ما مثاله: لما كان يوم السبت تاسع عشر المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة اشتد المرض بالملك العزيز وخيف عليه، وأدركه في ليلته فواقٌ وأخذ نبضه في الضعف وأصبح الطبيب على إياسٍ منه، ثم لما كان وقت الظهر وقعت البشرى أنه أفاق وحضر ذهنه، وكلم من حوله وحضر إليه الأمراء والخواص، ثم قال بعد ذلك: إلى أن كان وقت العتمة من ليلة الأحد، فبدت قوته تخور، والفواق يشتد وبغته الأمر وعظمت الحمى وصغر النبض وكثر عليه الغشي، وكانت وفاته في الساعة السابعة من ليلة الأحد، ولما كان في آخر الليل خرج فخر الدين جهاركس وأسد الدين سراسنقر وجماعة من المماليك واستدعوا الأمراء فأحضرت وأعلمت بوفاته، وقال المذكورون: إنا قد اجتمعت كلمتنا على أن يكون ولد العزيز الأكبر وتقدير عمره عشر سنين واسمه محمد ولقبه ناصر الدين المنتصب في السلطنة والقائم بالأمر، وأن يكون أتابكه بهاء الدين قراقوش، وقالوا: قد كان السلطان استناب هذا الولد واستخلف على تربيته قراقوش، ونريد أن يجتمع الأمراء، ويخرج الخدام يبلغونهم رسالة عن السلطان وأنه حي، ومعنى الرسالة أن هذا ولدي سلطانكم من بعدي، فاحلفوا له واحفظوني فيه، فقلت لهم: فإن طالبكم الأمراء بسماع هذه المشافهة من السلطان ما الذي تقولون لهم فرجعوا إلى أن يخاطبوا الأمراء إذا حضروا بأن السلطان وصى بهذه الوصية، وأنه قد قضى، ويدخلون عليهم من جانب الموافاة لجد هذا الصبي وأبيه، فقلت لهم: لا تنتظروا اجتماع الأمراء، فإنهم إن حضروا جملة فلا تأمنوا أن يمتنعوا جملة، بل كل من حضر من الأمراء تقولون له: قد اتفقنا فكن معنا، وقد حلفنا فاحلف كما حلفنا، وقدموا المصحف وأسرعوا في تلقينه، فجرى الأمر على هذا، فلما تكامل الحلف أو أكثره أحضروا الولد، فبكى الناس لما رأوه وصاحوا وقاموا إليه، ووقفوا بين يديه، جميع ذلك قبل أن يسفر صباح الأحد، ثم صليت فريضة الفجر، وشرعوا في تجهيز الملك العزيز إلى قبره، وغسل في مكان موته، واجتمع الناس فيما بين الظهر والعصر للصلاة عليه، وكثر الزحام، وقامت الواعية، فلم يخلص

стр. 1264

من دفنه إلى قريب المغرب، وخوطب ولده بالملك الناصر بلقب جده في هذا اليوم] (١) . ولما مات كتب القاضي الفاضل إلى عمه الملك العادل رسالة يعزيه، من جملتها: " فنقول في توديع النعمة بالملك العزيز: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، قول الصابرين، ونقول في استقبالها (٢) بالملك العادل: الحمد لله رب العالمين، قول الشاكرين، وقد كان من أمر هذه الحادثة ما قطع كل قلب، وجلب كل كرب، ومثل وقوع هذه الواقعة لكل أحد ولا سيما لأمثال المملوك، ومواعظ الموت بليغة، وأبلغها ما كان في شباب الملوك، فرحم الله ذلك الوجه ونضره، ثم السبيل إلى الجنة (٣) يسره. وإذا محاسن أوجهٍ بليت ... فعفا الثرى عن وجهه الحسن والمملوك في حال تسطير هذه الخدمة جامع بين مرضي قلب وجسد، ووجع أطراف وغليل كبد، فقد فجع المملوك بهذا المولى والعهد بوالده غير بعيد، والأسى في كل يوم جديد، وما كان ليندمل ذلك القرح، حتى أعقبه هذا الجرح، فالله تعالى لا يعدم المسلمين بسلطانهم الملك العادل السلوة، كما لم يعدمهم بنبيهم ﷺ الأسوة ". ودفن بالقرافة الصغرى في قبة الإمام الشافعي، ﵁، وقبره معروف هناك.

стр. 1265

٤١٥ - (١) عدي الهكاري الشيخ عدي بن مسافر [بن إسماعيل بن موسى بن الحسن بن مروان، كذا أملى نسبه بعض ذوي قرابته] (٢) الهكاري مسكناً، العبد الصالح المشهور الذي تنسب إليه الطائفة العدوية؛ سار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق كثير، وجاوز حين اعتقادهم فيه الحد، حتى جعلوه قبلتهم التي يصلون إليها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعولون عليها، وكان قد صحب جماعة كثيرة من أعيان المشايخ والصلحاء المشاهير [مثل عقيل المنبجي وحماد الدباس وأبي النجيب عبد القاهر السهروردي وعبد القادر الجيلي وأبي الوفاء الحلواني] ثم انقطع إلى جبل الهكارية من أعمال الموصل، وبنى له هناك زاوية، ومال إليه أهل تلك النواحي كلها ميلاً لم يسمع لأرباب الزوايا مثله. وكان (٣) مولده في قرية يقال لها بيت فار من أعمال بعلبك، والبيت الذي ولد فيه يزار إلى الآن. وتوفي الشيخ سنة سبع، وقيل خمس وخمسين وخمسمائة، في بلده بالهكارية ودفن بزاويته، رحمه الله تعالى؛ وقبره عندهم من المزارات المعدودة، والمشاهد المقصودة، وحفدته إلى الآن بموضعه يقيمون شعاره ويقتفون آثاره، والناس معهم على ما كانوا عليه زمن الشيخ من جميل الاعتقاد وتعظيم الحرمة. وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " وعده من جملة الواردين على إربل. وكان مظفر الدين صاحب إربل، رحمه الله تعالى، يقول: رأيت

стр. 1266

الشيخ عدي بن مسافر وأنا صغير بالموصل، وهو شيخ ربعهٌ أسمر اللون، وكان يحكي عنه صلاحاً كثيراً، وعاش الشيخ عدي تسعين سنة، رحمه الله تعالى. ٤١٦ - (١) عروة بن الزبير أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي، وبقية النسب معروف (٢) ؛ هو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة - وقد تقدم ذكر خمسة منهم كل واحد في بابه - وأبوه الزبير بن العوام أحد الصحابة العشرة المشهود لهم بالجنة وهو ابن صفية عمة النبي، ﷺ . وأم عروة المذكور أسماء بنت أبي بكر الصديق، ﵁، هي ذات النطاقين وإحدى عجائز الجنة، وعروة شقيق أخيه عبد الله ابن الزبير، بخلاف أخيهما مصعب فإنه لم يكن من أمهما، وقد وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وسمع خالته عائشة أم المؤمنين، ﵂، وروي عنه ابن شهاب الزهري وغيره. وكان عالماً صالحاً، وأصابته الأكلة في رجلة وهو بالشام عند مجلس الوليد بن عبد الملك، فقطعت رجله في مجلس الوليد، والوليد مشغول عنه بمن يحدثه، فلم يتحرك ولم يشعر الوليد أنها قطعت حتى كويت فوجد رائحة الكي، هكذا قال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (٣) ، ولم يترك ورده تلك الليلة، ويقال: إنه مات ولده محمد في تلك السفرة فلما عاد إلى

стр. 1267

المدينة قال: ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً﴾ ، وعاش بعد قطع رجله ثماني سنين. وذكر أبو العباس المبرد في كتاب " التعازي " ما مثاله (١) : وقال إسحاق ابن أيوب وعامر بن جعفر بن حفص وسلمة بن محارب: قدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ولده محمد بن عروة فدخل محمد دار الدواب فضربته دابة فخر ميتاً، ووقعت في رجل عروة الأكلة ولم يدع ورده تلك الليلة فقال له الوليد: اقطعها فقال: لا، فسرت إلى ساقه فقال له الوليد: اقطعها وإلا أفسدت عليك جسدك فقطها بالمنشار وهو شيخ كبير ولم يمسكه أحد وقال لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً. وقدم تلك السنة قوم من بني عبس فيهم رجل ضرير فسأله الوليد عن عينيه فقال: يا أمير المؤمنين بت ليلة في بطن واد ولا أعلم عبسياً يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيلٌ فذهب بما كان لي من أهل وولد ومال غير بعير وصبي مولود وكان البعير صعباً فند، فوضعت الصبي واتبعت البعير، فلم أجاوز قليلاً حتى سمعت صيحة ابن ورأسه في فم الذئب وهو يأكله، فلحقت البعير لأحبسه فنفحني برجله على وجهي فحطمه وذهب بعيني، فأصبحت لا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر؛ فقال الوليد: انطلقوا به إلى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه بلاء. وكان أحسن من عزاه إبراهيم بن محمد بن طلحة وقال له: والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أربٌ في السعي، وقد تقدمك عضو من أعضائك وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع للبعض، إن شاء الله تعالى، وقد أبقى الله لنا منك ما كنا إليه فقراء، وعنه غير أغنياء، ومن علمك ورأيك، نفعك الله وإيانا به، والله ولي ثوابك، والضمين بحسابك. [وحكى سعيد بن أسد قال: حدثنا ضمرة عن ابن شوذب قال: كان عروة بن الزبير إذا كان أيام الرطب ثلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون ويحتملون، وكان إذا دخله ردد هذه الأية فيه: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾ (الكهف: ٣٩) حتى يخرج منه. وكان يقرأ

стр. 1268

ربع القرآن كل يوم نظراً في المصحف ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، ثم عاد من الليلة المقبلة. وقال ابن قتيبة وغيره: لما دعي الجزار ليقطعها قال له: نسقيك الخمر حتى لا تجد لها ألماً، فقال: لا أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافية، قالوا: فنسقيك المرقد، قال: ما أحب أن أسلب عضواً من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه، قال: ودخل عليه قوم أنكرهم، فقال: ما هؤلاء قالوا: يمسكونك فإن الألم ربما عزب معه الصبر، قال: أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي، فقطعت كعبه بالسكين حتى إذا بلغ العظم وضع عليها المنشار فقطعت وهو يهلهل ويكبر، ثم أنه أغلي له الزيت في مغارف الحديد فحسم به، فغشي عليه، فأفاق وهو يمسح العرق عن وجهه، ولما رأى القدم بأيديهم دعا بها فقلبها في يده ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم إني ما مشيت بك إلى حرام، أو قال معصية، ولما دخل ابنه إصطبل الوليد بن عبد الملك وقتلته الدابة كما تقدم لم يسمع في ذلك منه شيء، حتى قدم المدينة فقال: اللهم، إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدة وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد، وايم الله لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لطالما عافيت] (١) . ولما قتل أخوه عبد الله قدم عروة على عبد الملك بن مروان فقال له يوماً: أريد أن تعطيني سيف أخي عبد الله، فقال له: هو بين السيوف ولا أميزه من بينها، فقال عروة: إذا حضرت السيوف ميزته أنا، فأمر عبد الملك بإحضارها، فلما حضرت أخذ منها سيفاً مفلل الحد فقال: هذا سيف أخي، وقال عبد الملك: كنت تعرفه قبل الأن فقال: لا، فقال: كيف عرفته قال: بقول النابغة الذبياني: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلولا من قراع الكتائب وعروة هذا هو الذي احتفر بئر عروة التي بالمدينة وهي منسوبة إليه وليس بالمدينة بئر أعزب من مائها.

стр. 1269

وكانت ولادته سنة اثنتين وعشرين، وقيل ست وعشرين للهجرة. وتوفي في قرية له بقرب المدينة يقال لها فرع - بضم الفاء وسكون الراء - وهي من ناحية الربذة، بينها وبين المدينة أربع ليال، وهي ذات نخيل ومياه، سنة ثلاث وتسعين، وقيل أربع وتسعين، ودفن هناك، قاله ابن سعد، وهي سنة الفقهاء، ﵃، وسيأتي ذكر ولده هشام إن شاء الله تعالى. وذكر العتبي (١) أن المسجد الحرام جمع بين عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير وأخويه مصعب وعروة المذكور أيام تألفهم بعهد معاوية بن أبي سفيان، فقال بعضهم: هلم فلنتمنه، فقال عبد الله بن الزبير: منيتي أن أملك الحرمين وأنال الخلافة، وقال مصعب: منيتي أن أملك العراقين وأجمع بين عقيلتي قريش سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وقال عبد الملك بن مروان: منيتي أن أملك الأرض كلها وأخلف معاوية، وقال عروة: لست في شيء مما أنتم فيه، منيتي الزهد في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة وأن أكون ممن يروى عنه هذا العلم، قال: فصرف الدهر من صرف إلا أن بلغ كل واحد منهم إلى أمله. وكان عبد الملك لذلك يقول: من شره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير. ٤١٧ - (٢) ركن الدين الطاوسي أبو الفضل العراقي بن محمد العراقي القزويني، الملقب ركن الدين، المعروف بالطاوسي؛ كان إماماً فاضلاً مناظراً محجاجاً، قيماً بعلم الخلاف ماهراً فيه،

стр. 1270

اشتغل به على الشيخ رضي الدين النيسابوري الحنفي صاحب الطريقة في الخلاف وبرز فيه، وصنف ثلاث تعاليق في الخلاف: مختصرة وثانية وثالثة مبسوطة، واجتمع عليه الطلبة بمدينة همذان، وقصدوه من البلاد البعيدة والقريبة للاستفادة عليه، وعلقوا تعاليقه. وبنى له الحاجب جمال الدين بهمذان مدرسة تعرف بالحاجبية، وطريقته الوسطى أحسن من طريقتيه الأخريين لأن فقهها كثير وفوائدها جمة، وأكثر اشتغال الناس في هذا الزمان بها، واشتهر صيته في البلاد وحملت طريقته إليها. وتوفي بهمذان في رابع عشر جمادى الآخرة سنة ستمائة، رحمه الله تعالى. ولم أعلم نسبة الطاوسي إلى أي شيء ولا ذكرها السمعاني، والله أعلم. وسمعت جماعة من الفقهاء من أهل بلاده يقولون: إن في قزوين خلقاً كثيراً ينتسبون هذه النسبة، ويزعمون أنهم من نسل طاووس بن كيسان (١) التابعي المذكور قبل هذا، فلعله منهم، والله أعلم. ٤١٨ - (٢) شيذلة أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك بن منصور الجيلي، المعروف بشيذلة، الفقيه الشافعي الواعظ؛ كان فقيهاً فاضلاً واعظاً ماهراً فصيح اللسان حلو العبارة

стр. 1271

كثير المحفوظات، صنف في الفقه وأصول الدين والوعظ، وجمع كثيراً من أشعار العرب، وتولى القضاء بمدينة بغداد بباب الأزج، وكانت في أخلاقه حدة، وسمع الحديث الكثير من جماعة كثيرة، وكان يتظاهر بمذهب الأشعري. ومن كلامه: إنما قيل لموسى، ﵇، لن تراني لأنه لما قيل له انظر إلى الجبل نظر إليه، فقيل له: يا طالب النظر إلينا لم تنظر إلى سوانا يا مدعي بمقاله ... صدق المحبة والإخاء لو كنت تصدق في المقا ... ل لما نظرت إلى سوائي فسلكت سبل محبتي ... واخترت غيري في الصفاء هيهات أن يحوي الفؤا ... د محبتين على استواء وقال: أنشدني والدي عند خروجه من بغداد للحج: مددت إلى التوديع كفاً ضعيفةً ... وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي فلا كان هذا العهد آخر عهدنا ... ولا كان ذا التوديع آخر زادي وتوفي يوم الجمعة سابع عشر صفر سنة أربع وتسعين وأربعمائة ببغداد، ودفن بباب أبرز محاذياً للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، رحمهما الله تعالى. وعزيزي: بفتح العين المهملة وزايين بينهما ياء مثناة من تحتها وهي ساكنة، وبعد الزاي الثانية ياء ثانية. وشيذلة: بفتح الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الذال المعجمة والام وبعدها هاء ساكنة، وهو لقب عليه، ولا أعرف معناه من كثرة كشفي عنه.

стр. 1272

٤١٩ - (١) عطاء بن أبي رباح أبو محمد عطاء بن أبي رباح أسلم - وقيل سالم - بن صفوان مولى بني فهر أو جمح المكي، وقيل إنه مولى أبي ميسرة الفهري، من مولدي الجند؛ كان من أجلاء الفقهاء وتابعي مكة وزهادها، سمع جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وخلقاً كثيراً من الصحابة، رضوان الله عليهم، وروى عنه عمرو بن دينار والزهري وقتادة وملك بن دينار والأعمش والأوزاعي وخلق كثير، رحمهم الله تعالى وإليه وإلى، وإلى مجاهد انتهت فتوى مكة في زمانهما. قال قتادة: أعلم الناس بالمناسك عطاء. وقال إبراهيم بن عمر ابن كيسان: أذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحج صائحاً يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح، وإياه عنى الشاعر بقوله: سل المفتي المكي هل في تزاورٍ ... وضمة مشتاق الفؤاد جناح فقال معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكبادٍ بهن جراح فلما بلغه البيتان قال: والله ما قلت شيئاً من هذا (٢) . [وحكي عن وكيع قال: قال لي أبو حنيفة النعمان بن ثابت: أخطأت في خمسة أبواب في المناسك بمكة فعلمنيها حجام، وذلك إني أردت أن أحلق

стр. 1273

رأسي، فقال لي: أعربي أنت قلت: نعم، وكنت قد قلت له: بكم تحلق رأسي فقال: النسك لا يشارط فيه، اجلس، فجلست منحرفاً عن القبلة، فأومأ لي باستقبال القبلة، وأردت أن أحلق رأسي من الجانب الأيسر، فقال: أدر شقك الأيمن من رأسك، فأدرته، وجعل يحلق رأسي وأنا ساكت فقال لي: كبر، فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب فقال: أين تريد قلت: رحلي فقال: صلي ركعتين وامض، فقلت: ما ينبغي أن يكون هذا من مثل هذا الحجام إلا ومعه علم، فقلت: من أين لك ما رأيتك أمرتني به فقال: رأيت عطاء بن أبي رباح يفعل هذا. وحكي عن خليفة بن سلام عن يونس قال: سمعت الحسن البصري ذات يوم في مجلسه يقول: اعتبروا من المنافق بثلاث، إن حدث كذب، وإن اؤتمن خان وإن وعد أخلف، فبلغ ذلك عطاء فقال: قد كانت هذا الخلال الثلاث في ولد يعقوب، حدثوه فكذبوه، وائتمنهم فخانوه، ووعده فأخلفوه، فأعقبهم الله النبوة فبلغ الحسن فقال: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ (يوسف: ٧٦) ] (١) . ونقل أصحابنا عن مذهبه أنه كان يرى إباحة وطء الجواري بإذن أربابهن؛ وحكى أبو الفتوح العجلي - المقدم ذكره في حرف الهمزة (٢) - في كتاب " شرح مشكلات الوسيط والوجيز " في الباب الثالث من كتاب الرهن ما مثاله: وحكي عن عطاء أنه كان يبعث بجواريه إلى ضيفانه، والذي أعتقد أنا أن هذا بعيد، فإنه ولو رأى الحل لكن المروءة والغيرة تأبى ذلك فكيف يظن هذا بمثل ذلك السيد الإمام ولم أذكره إلا لغرابته. وكلن أسود أعور أفطس أشل أعرج، ثم عمي، مفلفل الشعر. قال سليمان بن رفيع: دخلت المسجد الحرام والناس مجتمعون على رجل فاطلعت فإذا عطاء بن أبي رباح جالس كأنه غراب أسود. توفي سنة خمس عشرة ومائة، وقيل أربع عشرة ومائة، وعمره ثمان وثمانون

стр. 1274

سنة، ﵁، وقال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة، والله أعلم. ورباح: بفتح الراء والباء الموحدة. وأسلم: بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح اللام. وفهر: بكسر الفاء وسكون الهاء وبعدها راء. وجمح: بضم الجيم وفتح الميم وبعدها حاء مهملة. والباقي معلوم. والجند: بفتح الجيم والنون وبعدها دال مهملة، وهي بلدة مشهورة باليمن خرج منها جماعة من العلماء، رحمهم الله تعالى. ٤٢٠ - (١) المقنع الخراساني اسمه عطاء، ولا أعرف اسم أبيه وقيل اسمه حكيم، والأول أشهر؛ وكان في مبدأ أمره قصاراً من أهل مرو، وكان يعرف شيئاً من السحر والنيرجات (٢) فادعى الربوبية من طريق المناسخة، وقال لأشياعه والذين اتبعوه: إن الله تحول إلى صورة آدم، ولذلك قال للملائكة: اسجدوا له فسجد إلا إبليس فاستحق بذلك السخط، ثم تحول من آدم إلى صورة نوح ﵇، ثم إلى صورة واحد فواحد من الأنبياء ﵈ والحكماء حتى حصل في صورة أبي مسلم الخراساني - المقدم

стр. 1275

ذكره - ثم زعم أنه انتقل إليه منه، فقبل قوم (١) دعواه وعبدوه وقاتلوا دونه، مع ما عاينوا من عظيم ادعائه وقبح صورته، لأنه كان مشوه الخلق أعور ألكن قصيراً، وكان لا يسفر عن وجهه بل اتخذ وجهاً من ذهب فتقنع به، فلذلك قيل له " المقنع "، وإنما غلب على عقوله بالتمويهات التي أظهرها لهم بالسحر والنيرجات. وكان في جملة ما أظهر لهم صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهرين من موضعه، ثم يغيب، فعظم اعتقادهم به، وقد ذكر أبو العلاء المعري هذا القمر في قوله (٢) : أفق إنما البدر المقنع رأسه ... ضلالٌ وغيٌ مثل البدر المقنع وهذا البيت من جملة قصيدة طويلة، وإليه أشار أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك الشاعر - الآتي ذكره - في جملة قصيدة طويلة بقوله (٣) : إليك فما بدر المقنع طالعاً ... بأسحر من ألحاظ بدر المعمم ولما اشتهر أمر المقنع وانتشر ذكره ثار عليه الناس، وقصدوه في قلعته التي كان اعتصم بها وحصروه، فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وسقاهن سماً فمتن منه ثم تناول شربة من ذلك السم فمات، ودخل المسلمون قلعته فقتلوا من فيها من أشياعه وأتباعه، وذلك في سنة ثلاث وستين ومائة، لعنه الله تعالى، ونعوذ بالله من الخذلان. قلت: ولم أر أحداً ذكر هذه القلعة وأين هي حتى أذكرها، ثم رأيت في كتاب الشهاب ياقوت الحموي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - الذي وضعه في معرفة المواضع المشتركة، فقال في باب سنام بفتح السين (٤) : إنها أربعة مواضع والموضع الرابع منها سنام قلعة عمرها المقنع الخارجي بما وراء النهر،

стр. 1276

والله أعلم، والظاهر أنها هذه القلعة، ثم وجدت في أخبار خراسان أنها هي، وأنها من رستاق كش، والله أعلم. ٤٢١ - (١) عكرمة أبو عبد الله عكرمة بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس، ﵄؛ أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن الحر العنبري، فوهبه لابن عباس ﵄، حين ولي البصرة لعلي بن أبي طالب ﵁ واجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن والسنن وسماه بأسماء العرب. حدث عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري والحسن بن علي بن وعائشة، ﵃؛ وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها، وكان ينتقل من بلد إلى بلد؛ روي أن ابن عباس قال له: انطلق فأفت الناس. وقيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أحداً أعلم منك قال: عكرمة. وقد تكلم الناس في لأنه كان يرى رأي الخوارج. وروى عن جماعة من الصحابة، ﵃، وروى عنه الزهري وعمرو بن دينار والشعبي وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم. ومات مولاه ابن عباس وعكرمة على الرق ولم يعتقه، فباعه ولده علي بن عبد الله بن عباس من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فأتى عكرمة مولاه علياً، فقال له: ما خير لك، بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار، فاستقاله وأقاله وأعتقه. وقال عبد الله بن الحارث: دخلت على علي بن عبد الله بن عباس وعكرمة موثق على باب

стр. 1277

كنيف، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم قال: إن هذا يكذب على أبي. وتوفي عكرمة في سنة سبع ومائة، وقيل سنة ست، وقيل سنة أربع، وقيل سنة خمس، وقيل سنة خمس عشرة، والله أعلم، وعمره ثمانون، وقيل أربع وثمانون سنة. وروى محمد بن سعد عن الواقدي عن خالد بن القاسم البياضي قال: مات عكرمة وكثير عزة الشاعر في يوم واحد، سنة خمس ومائة، فرأيتهما جميعاً صلي عليهما في موضع الجنائز بعد الظهر، فقال الناس: مات أفقه الناس وأشعر الناس، رحمهما الله تعالى، وكان موتهما بالمدينة، وقيل إن عكرمة مات بالقيروان، والأول أصح. وكان عكرمة كثير التطواف والجولان في البلاد: دخل خراسان وأصبهان ومصر وغيرها من البلاد. وعكرمة: بكسر العين المهملة وسكون الكاف وكسر الراء وفتح الميم وبعدها هاء ساكنة، وهو في الأصل اسم الحمامة الأنثى، فسمي به الإنسان. وعمارة بن حمزة مولى المنصور الموصوف بالتيه من أولاده، وقال الخطيب البغدادي: هو ابن ابنة عكرمة المذكور، والله أعلم. ٤٢٢ - (١) زين العابدين أبو الحسن (٢) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵃ أجمعين، المعروف بزين العابدين، ويقال له علي الأصغر، وليس للحسين، ﵁،

стр. 1278

عقب إلا من ولد زين العابدين هذا؛ وهو أحد الأئمة الاثني عشر ومن سادات التابعين، قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل منه. وأمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس، وهي عمة أم يزيد بن الوليد الأموي المعروف بالناقص. وكان قتيبة بن مسلم الباهلي أمير خراسان لما تتبع دولة الفرس وقتل فيروز بن يزدجرد المذكور بعث بابنتيه إلى الحجاج بن يوسف الثقفي - المقدم ذكره - وكان يومئذ أمير العراق وخراسان وقتيبة نائبه بخراسان، فأمسك الحجاج إحدى البنتين لنفسه وأرسل الأخرى إلى الوليد بن عبد الملك، فأولدها يزيد الناقص، واسمها شاه فريذ، وسمي بالناقص لأنه نقص أعطية الجند. وكان يقال لزين العابدين ابن الخيرتين، لقوله ﷺ " لله تعالى من عباده خيرتان، فخيرته من العرب قريش ومن العجم فارس ". وذكر أبو القاسم الزمخشري في كتاب " ربيع الأبرار " أن الصحابة، ﵃، لما أتوا المدينة بسبي فارس في خلافة عمر بن الخطاب، ﵁، كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد، فباعوا السبايا، وأمر عمر ببيع بنات يزدجرد أيضاً، فقال له علي بن أبي طالب، ﵁: إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السوقة، فقال: كيف الطريق إلى العمل معهن قال: يقومن مهما بلغ ثمنهن قام به من يختارهن فقومن وأخذهن علي، ﵁، فدفع واحدة لعبد الله بن عمر وأخرى لولده الحسين وأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق، وكان ربيبه، ﵃ أجمعين، فأولد عبد الله أمته ولده سالماً، وأولد الحسين زين العابدين، وأولد محمد ولده القاسم، فهؤلاء الثلاثة بنو خالة (١) ، وأمهاتهم بنات يزدجرد. وحكى المبرد في كتاب " الكامل " (٢) ما مثاله: يروى عن رجل من قريش لم يسم لنا قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب، فقال لي يوماً: من أخوالك

стр. 1279

فقلت له: أمي فتاة، فكأني نقصت من عينه، فأمهلت حتى دخل سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵃، فلما خرج من عنده قلت: يا عم من هذا فقال: سبحان الله، أتجهل مثل هذا من قومك هذا سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قلت: فمن أمه قال: فتاة، قال: ثم أتاه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁، فجلس عنده ثم نهض، قلت: يا عم، من هذا فقال: أتجهل من أهلك مثله ما أعجب هذا، هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، قلت: فمن أمه قال: فتاة، قال: فأمهلت شيئاً حتى جاءه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁ فسلم عليه ثم نهض، فقلت: يا عم، من هذا قال: هذا الذي لا يسعُ مسلماً أن يجهله، هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁، فقلت: من أمه قال: فتاة، فقلت: يا عم، رأيتني نقصت في عينك لما علمت أن أمي فتاة (١) ، أفما لي في هؤلاء أسوة قال: فجللت في عينه جداً. وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن الحسن والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة فقهاً وورعاً، فرغب الناس في السراري (٢) . وكان زين العابدين كثير البر بأمه، حتى قيل له: إنك أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها، وهذا ضد قصة أبي المخش مع ابنه، فإنه قال (٣) : كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفاً كأنها طلعة في ذراع كأنه جمارة فما تقع عينها على لقمة نفيسة إلا خصتني بها، فزوجتها، فصار يجلس معي على المائدة ابن لي فيبرز كفاً كأنها كرنافة (٤) في ذراع كأنه كربة،

стр. 1280

فوالله ما تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها. وحكى ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (١) أن أم زين العابدين سندية يقال لها سلافة ويقال غزالة والله أعلم بالصواب، وأنه زوجها بعد أبيه بن بزبيد مولى أبيه، وأعتق جارية له وتزوجها، فكتب إليه عبد الملك بن مروان يعيره ذلك، فكتب إليه زين العابدين: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، وقد أعتق رسول الله، ﷺ ، صفية بنت حيي بن أخطب وتزوجها وأعتق زيد بن حارثة وزوجه بنت عمته زينب بنت جحش ". وفضائل زين العابدين ومناقبه أكثر من أن تحصر. وكانت ولادته يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وتوفي سنة أربع وتسعين وقيل تسع وتسعين وقيل اثنتين وتسعين للهجرة بالمدينة، ودفن في البقيع في قبر عمه الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنه، في القبة التي فيها قبر العباس، ﵁. ٤٢٣ - (٢) علي الرضا أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين المذكور قبله؛ وهو أحد الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، وكان المأمون قد زوجه ابنته أم حبيب في سنة اثنتين ومائتين وجعله ولي عهده، وضرب اسمه على الدينار والدرهم، وكان السبب في ذلك أنه استحضر أولاد العباس الرجال منهم والنساء، وهو بمدينة مرو من بلاد خراسان، وكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين الكبار والصغار، واستدعى علياً المذكور فأنزله

стр. 1281

أحسن منزلة، وجمع خواص الأولياء وأخبرهم أنه نظر في أولاد العباس وأولاد علي بن أبي طالب، ﵄، فلم يجد في وقته أحداً أفضل ولا أحق بالأمر من علي الرضا فبايعه، وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام؛ ونمي الخبر إلى من بالعراق من أولاد العباس، فعلموا أن في ذلك خروج الأمر عنهم، فخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي - المقدم ذكره (١) - وهو عم المأمون، وذلك يوم الخميس لخمس خلون من المحرم سنة اثنتين، وقيل سنة ثلاث ومائتين، والشرح في ذلك يطول والقصة مشهورة، وقد اختصرته في ترجمة إبراهيم بن المهدي. وكانت ولادة علي الرضا يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة، وقيل بل ولد سابع شوال، وقيل ثامنه، وقيل سادسه، سنة إحدى وخمسين ومائة. وتوفي في آخر يوم من صفر سنة اثنتين ومائتين، بل توفي خامس ذي الحجة، وقيل ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث ومائتين، بمدينة طوس وصلى عليه المأمون ودفنه ملاصق قبر أبيه الرشيد، وكان سبب موته أنه أكل عنباً فأكثر منه، وقيل بل كان مسموماً فاعتل منه ومات، رحمه الله تعالى. وفيه يقول أبو نواس: قيل لي أنت أحسن الناس طراً ... في فنونٍ من الكلام النبيه لك من جيد القريض مديحٌ ... يثمر الدر في يدي مجتنيه فعلام تركت مدح ابن موسى ... والخصال التي تجمعن فيه قلت لا أستطيع مدح إمامٍ ... كان جبريل خادماً لأبيه وكان سبب قوله هذه الأبيات أن بعض أصحابه قال له: ما رأيت أوقح منك، ما تركت خمراً ولا طرداً ولا معنى إلا قلت فيه شيئاً، وهذا علي بن موسى الرضا في عصرك لم تقل فيه شيئاً، فقال: والله ما تركت ذلك إلا

стр. 1282

إعظاماً له، وليس قدر مثلي أن يقول في مثله، ثم أنشده بعد ساعة هذه الأبيات. وفيه يقول أيضاً [وله ذكر في " شذور العقول " في سنة إحدى أو اثنتين ومائتين] (١) : مطهرون نقياتٌ جيوبهم ... تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا من لم يكن علوياً حين تنسبه ... فما له في قديم الدهر مفتخر الله لما برا خلقاً فأتقنه ... صفاكم واصطفاكم أيها البشر وأنتم الملأ الأعلى وعندكم ... علم الكتاب وما جاءت به السور (٢) وقال المأمون يوماً لعلي بن موسى الرضا المذكور: ما يقول بنو أبيك في جدنا العباس بن عبد المطلب فقال: ما يقولون في رجل فرض الله طاعة بنيه على خلقه وفرض طاعته على بنيه، فأمر له بألف ألف درهم. وكان قد خرج أخوه زيد بن موسى بالبصرة على المأمون، وفتك بأهلها، فأرسل إليه المأمون أخاه علياً المذكور يرده عن ذلك، فجاءه وقال له: ويلك يا زيد، فعلت بالمسلمين بالبصرة ما فعلت، وتزعم أنك ابن فاطمة بنت رسول الله، ﷺ ! والله لأشد الناس عليك رسول الله، صلى اله عليه وسلم، يا زيد ينبغي لمن أخذ برسول الله، صلى اله عليه وسلم، أن يعطي به، فبلغ كلامه المأمون، فبكى وقال: هكذا ينبغي أن يكون أهل بيت رسول الله، صلى اله عليه وسلم. قلت: وآخر هذا الكلام مأخوذ من كلام علي زين العابدين - المقدم ذكره - فقد قيل: إنه كان إذا سافر كتم نفسه، فقيل له في ذلك فقال: أنا أكره أن آخذ برسول الله، صلى اله عليه وسلم، ما لا أعطي به.

стр. 1283

٤٢٤ - (١) أبو الحسن العسكري أبو الحسن (٢) علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا - المقدم ذكره - وهو حفيد الذي قبله، فلا حاجة إلى رفع نسبه، ويعرف بالعسكري؛ وهو أحد الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، كان قد سعي به إلي المتوكل وقيل إن في منزله سلاحاً وكتاباً وغيرها من شيعته، وأوهموه أنه يطلب الأمر لنفسه، فوجه إليه بعدة من الأتراك ليلاً فهجموا عليه في منزله على غفلة، فوجدوه وحده في بيت مغلق وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه ملحفة من صوف وهو مستقبل القبلة يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، ليس بينه وبين الأرض بساط ألا الرمل والحصى، فأخد على الصورة التي وجد عليها وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثل بين يديه والمتوكل يستعمل الشراب وفي يده كأس، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه، ولم يكن في منزله شيء مما قيل عنه ولا حالة يتعلق عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي كان بيده، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قط فأعفني منه، فأعفاه وقال: أنشدني شعراً أستحسنه، فقال: إني لقليل الرواية للشعر، قال: لابد أن تنشدني فأنشده (٣) : باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فما أغنتهم القلل واستنزلوا بعد عزٍ من معاقلهم ... فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخٌ من بعد قبروا ... أين الأسرة والتيجان والحلل

стр. 1284

أين الوجوه التي كانت منعمةً ... من دونها تضرب الأستار والكلل فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا ... فأصبح بعد طول الأكل قد أكلوا قال: فأشفق من حضر على علي وظن (١) أن بادرة تبدر إليه، فبكى المتوكل بكاء كثيراً حتى بلت دموعه لحيته وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب ثم قال: يا أبا الحسن، أعليك دين قال: نعم أربعة آلاف دينار، فأمر بدفعها إليه ورده إلى منزله مكرماً. وكانت ولادته يوم الأحد ثالث عشر رجب، وقيل يوم عرفة سنة أربع عشرة وقيل ثلاث عشرة ومائتين. ولما كثرت السعاية في حقه عند المتوكل أحضره من المدينة وكان مولده بها، وأقره بسر من رأى وهي تدعى بالعسكر، لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره، فقيل لها العسكر، ولهذا قيل لأبي الحسن المذكور العسكري لأنه منسوب إليها، فأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر. وتوفي بها يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الآخرة، وقيل لأربع بقين منها وقيل في رابعها، وقيل في ثالث رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره، رحمه الله تعالى.

стр. 1285

٤٢٥ - (١) علي بن عبد الله بن العباس أبو محمد علي بن عبد الله بن العباس به عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، وهو جد السفاح والمنصور الخليفتين؛ كان سيداً شريفاً بليغاً، وهو أصغر ولد أبيه، وكان أجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمه وأكثره صلاة، وكان يدعى السجاد لذلك. وكان له خمسمائة أصل زيتون يصلي في كل يوم إلى كل أصل ركعتين، وكان يدعى " ذا الثفنات " هكذا قاله المبرد في " الكامل (٢) "، وقال أبو الفرج ابن الجوزي الحافظ: ذو الثفنات هو علي بن الحسين، يعني زين العابدين، وإنما قيل له ذلك لأنه كان يصلي في كل يوم ألف ركعة فصار في ركبتيه مثل ثفن البعير، ذكر ذلك في كتاب " الألقاب ". وروي أن علي بن أبي طالب ﵁، افتقد عبد الله بن العباس، ﵁ في وقت صلاة الظهر، فقال لأصحابه: ما بال أبي العباس لم يحضر الظهر فقالوا: ولد له مولود، فلما صلى علي، ﵁ قال أمضوا بنا إليه فأتاه فهناه فقال: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب ما سميته فقال: أو يجوز لي أن أسميه حتى تسميه فأمر به فأخرج إليه فأخذه فحنكه ودعا له ثم رده إليه وقال: خذ إليك أبا الأملاك، وقد سميته علياً وكنيته أبا الحسن، فلما قام معاوية خليفة قال لابن عباس: ليس لكم اسمه وكنيته وقد كنيته أبا محمد، فجرت عليه هكذا قاله المبرد في " الكامل " (٣) .

стр. 1286

وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب " حلية الأولياء " (١) : إنه لما قدم على عبد الملك بن مروان قال له: غير اسمك وكنيتك، فلا صبر لي على اسمك وكنيتك قال: أما الاسم فلا، وأما الكنية فأكتني بأبي محمد، فغير كنيته؛ انتهى كلام أبي نعيم. قلت أنا: وإنما قال له عبد الملك هذه المقالة لبغضه في علي بن أبي طالب ﵁، فكره أن يسمع اسمه وكنيته. وذكر الطبري في تاريخه (٢) إنه دخل على عبد الملك بن مروان فأكرمه وأجلسه على سريره وسأله عن كنيته فأخبره، فقال: لا يجتمع في عسكري هذا الاسم وهذه الكنية لأحد، وسأله: هل له من ولد وكان قد ولد له يومئذ محمد بن علي، فأخبره بذلك فكناه أبا محمد. وقال الواقدي: ولد أبو محمد المذكور في الليلة التي ولد فيها علي بن أبي طالب ﵁ والله أعلم بالصواب. وقال المبرد أيضاً (٣) : وضرب علي بالسياط مرتين كلتاهما ضربه الوليد بن عبد الملك: إحداهما في تزوجه لبابة ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وكانت عند عبد الملك فعض تفاحة ثم رمى بها إليها، وكان أبخر فدعت بسكين فقال: ما تصنعين بها فقالت: أميط عنها الأذى فطلقها فتزوجها علي بن عبد الله المذكور فضربه الوليد وقال: إنما تتزوج بأمهات الخلفاء لتضع منهم، لأن مروان بن الحكم إنما تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منه، فقال علي بن عبد الله إنما أرادت الخروج من هذا البلد وأنا ابن عمها فتزوجتها لأكون لها محرماً (٤) .

стр. 1287

وأما ضربه إياه في المرة الثانية فقد حدث أبو عبد الله محمد بن شجاع في إسناد متصل يقول في أخره رأيت: علي بن عبد الله يوماً مضروباً بالسوط (١) يدار به على بعير ووجهه مما يلي ذنب البعير، وصائح يصيح عليه: هذا علي بن عبد الله الكذاب فأتيته وقلت ما هذا الذي نسبوك فيه إلى الكذب قال: بلغهم عني أني أقول: إن هذا الأمر سيكون في ولدي، ووالله ليكونن فيهم حتى تملكهم عبيدهم الصغار العيون، العراض الوجوه الذي كأن وجوههم المجان المطرقة (٢) . قلت: ذكر ابن الكلبي في كتاب " النسب " أن الذي تولى ضرب علي بن عبد الله بن العباس، ﵃، هو كلثوم بن عياض بن وحوح بن قشير بن الأعور بن قشير، كان والي الشرطة للوليد بن مروان، ثم أنه تولى إفريقية لهشام بن عبد الملك وقتل بها وقال غير بن الكلبي: كان قتله في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ومائة. وروى (٣) أن علي بن عبد الله دخل على سليمان بن عبد الملك، وهو غلط، بل الصحيح أنه هشام بن عبد الملك معه ابنا الخليفتان وهما السفاح والمنصور ابنا محمد بن علي المذكور، فأوسع له على سريره وبره وسأله عن حاجته فقال: ثلاثون ألف درهم علي دين فأمر بقضائها ثم قال له: وتستوصي بابني هذين خيراً ففعل، فشكره وقال: وصلتك رحم. فلما ولى علي قال هشام لأصحابه: إن هذا الشيخ قد اختل وأسن وخلط فصار يقول: إن هذا الأمر سينتقل إلى ولده، فسمعه علي فقال: والله ليكونن ذلك وليملكن هذان. وكان علي المذكور عظيم المحل عند أهل الحجاز، حتى قال هشام بن سليمان

стр. 1288

المخزومي: إن علي بن عبد الله كان إذا قدم مكة حاجاً أو معتمراً عطلت قريش مجالسها في المسجد الحرام وهجرت مواضع حلقها ولزمت مجلسه إعظاماً وإجلالاً وتبجيلاً له، فإن قعد قعدوا وإن نهض نهضوا وإن مشى مشوا جميعاً حوله، ولا يزالون كذلك حتى يخرج من الحرم. وكان آدم جسيماً له لحية طويلة، وكان عظيم القدم جداً لا يوجد له نعل ولا خف حتى يستعمله وكان مفرطاً في الطول، إذا طاف كأنما الناس حوله مشاة وهو راكب من طوله، وكان مع هذا الطول يكون إلى منكب أبيه عبد الله وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب. ونظرت عجوز إلى علي وهو يطوف وقد فرع الناس - فرع بالعين المهملة: أي علا عليهم - فقالت: من هذا الذي فرع الناس فقيل: علي بن عبد الله بن العباس، فقالت: لا إله إلا الله، إن الناس ليرذلون، عهدي بالعباس يطوف بهذا البيت كأنه فسطاط أبيض. ذكر هذا كله المبرد في " الكامل " (١) ، وذكر أيضاً أن العباس كان عظيم الصوت وجاءتهم مرة غارة وقت الصباح فصاح بأعلى صوته: واصباحاه، فلم تسمعه حامل في الحي إلا وضعت. وذكر أبو بكر الحازمي في كتاب " ما اتفق لفظه وافترق مسماه " في أول حرف الغين في باب عانة وغابة، وقال: كان العباس بن عبد المطلب يقف على سلع، وهو جبل عند المدينة، فينادي غلمانه وهم في الغابة فيسمعهم، وذلك من آخر الليل، وبين الغابة وسلع ثمانية أميال. وكانت وفاة علي بن عبد الله سنة سبع عشرة ومائة بالشراة بالحميمة وهو ابن ثمانين سنة. وقال الواقدي: ولد في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب، ﵁، وكان قتل علي، ﵁، في ليلة الجمعة سابع عشر شهر رمضان من سنة أربعين للهجرة، وقيل غير ذلك، وتوفي علي بن عبد الله سنة ثماني عشرة ومائة، وقال غير الواقدي: إن وفاته كانت في ذي القعدة، وقال خليفة

стр. 1289

بن خياط: مات في سنة أربع عشرة، وقال في موضع آخر: سنة ثماني عشرة، وقال غيره: سنة تسع عشرة، والله أعلم. وكان يخضب بالسواد، وابنه محمد والد السفاح والمنصور يخضب بالحمرة، فيظن من لا يعرفهما أن محمداً علي وأن علياً محمد، ﵄. والشراة: بفتح الشين المعجمة والراء وبعد الألف هاء مثناة، صقع بالشام في طريق المدينة من دمشق بالقرب من الشوبك وهو من إقليم البلقاء وفي بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة - بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الميم الثانية وبعدها هاء ساكنة - وهذه القرية كانت لعلي المذكور وأولاده في أيام بني أمية، وفيها ولد السفاح والمنصور وبها تربيا ومنها انتقلا إلى الكوفة، وبويع السفاح بالخلافة فيها كما هو مشهور - وسيأتي ذكر ولده محمد إن شاء الله تعالى. وذكر الطبري في تاريخه أن الوليد بن عبد الملك بن مروان أخرج علي بن عبد الله بن العباس من دمشق وأنزله الحميمة في سنة خمس وتسعين للهجرة، ولم يزل ولده بها إلى أن زالت دولة بني أمية وولد له بها نيفٌ وعشرون ولداً ذكراً. ٤٢٦ - (١) القاضي أبو الحسن الجرجاني القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني الفقيه الشافعي؛ كان فقيهاً أديباً شاعراً، ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب " طبقات الفقهاء " (٢) وقال: له ديوان شعر وهو القائل: يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

стр. 1290

وهي أبيات طويلة ومشهورة، فلا حاجة إلى ذكرها. وذكره الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر " فقال (١) : " هو فرد الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، وقبة (٢) تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، يجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحتري، وقد كان في صباه خلف الخضر في قطع الأرض وتدويخ بلاد العراق والشام وغيرها، واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار به في العلوم علماً، وفي الكمال عالماً " وأورد له مقاطيع كثيرة من الشعر، فمن ذلك قوله: قد برح الحب بمشتاقك ... فأوله أحسن أخلاقك ولا تجفه وارع له حقه ... فإنه آخر عشاقك وأنشدني صاحبنا الحسام عيسى بن سنجر بن بهرام المعروف بالحاجري - الآتي ذكره - لنفسه دوبيت في هذا المعنى وهو: يا عارضه فديت بالأحداق ... لم يبق على العهود غيري باقي ناشدتك إلا ما عسى ترفق بي ... في الحب فإني آخر العشاق وله من أبيات: وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر وبيني وبين المال شيئان حرما ... علي الغنى: نفسي الأبية والدهر إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه ... مواقف خيرٌ من وقوفي بها العسر وله أيضاً: وقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسع ... فقلت ولكن موضع الرزق ضيق إذا لم يكن في الأرض حر يعينني ... ولم يك لي كسبٌ فمن أين أرزق

стр. 1291

وله أيضاً في الصاحب بن عباد: ولا ذنب للأفكار أنت تركتها ... إذا احتشدت لم تنتفع باحتشادها سبقت لأفراد المعاني وألفت ... خواطرك الألفاظ بعد شرادها فأن نحن حاولنا اختراع بديعة ... حصلنا على مسروقها ومعادها وله فيه يهنيه بالعافية من جملة أبيات: أفي كل يوم للمكارم روعةٌ ... لها في قلوب المكرمات وجيب تقسمت العلياء جسمك كله ... فمن أين للأسقام فيه نصيب إذا ألمت نفس الوزير تألمت ... لها أنفسٌ تحيا بها وقلوب ووالله لاحظت وجهاً أحبه (١) ... حياتي (٢) ، وفي وجه الوزير شحوب وليس شحوباً ما أراه بوجهه ... ولكنه في المكرمات ندوب فلا تجزعن تلك السماء تغيمت ... وعما قليل تبتدي فتصوب وله: ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليسا ليس شيء أعز عندي من (٣) العل ... م فما أبتغي سواه أنيسا إنما الذل في مخالطة النا ... س فدعهم وعش عزيزاً رئيسا وله: ما لي وما لك يا فراق ... أبداً رحيلٌ وانطلاق يا نفس موتي بعدهم ... فكذا يكون الاشتياق وشعره كثير وطريقه فيه سهل، وله كتاب " الوساطة بين المتنبي وخصومه "

стр. 1292

أبان فيه عن فضل غزير واطلاع كثير ومادة متوفرة. وذكر الحاكم أبو عبد الله ابن البيع في " تاريخ النيسابوريين " (١) أنه توفي في سلخ صفر سنة ست وستين وثلثمائة بنيسابور وعمره ست وسبعون سنة، رحمه الله تعالى، وقال غيره: إنه كان حسن السيرة في قضائه صدوقاً، ورد به أخوه محمد نيسابور في سنة سبع وثلاثين وثلثمائة وهو صغير غير بالغ، وسمعا من سائر الشيوخ، ومات بالري وهو قاضي القضاة في سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة، وحمل تابوته إلى جرجان ودفن بها، ونقل الحاكم أثبت وأصح. وجرجان: بضم الجيم وسكون الراء وفتح الجيم الثانية وبعد الألف نون، وهي مدينة عظيمة من ناحية خراسان. ٤٢٧ - (٢) ابن المرزبان أبو الحسن علي بن أحمد بن المرزبان البغدادي الفقيه الشافعي؛ كان فقيها ورعاً من جلة العلماء، أخذ الفقه عن أبي الحسين ابن القطان، وعنه أخذ الشيخ أبو حامد الإسفرايني أول قدومه بغداد. وحكي عنه أنه قال: ما أعلم أن لأحد عليّ مظلمة، وقد كان فقيهاً يعلم أن الغيبة من المظالم، وكان مدرّساً ببغداد وله وجه في مذهب الشافعي. وتوفي في رجب سنة ست وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. والمرزبان: بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون، وهو لفظ فارسي معناه صاحب الحد، ومرز هو الحد، وبان صاحب، وهو في الأصل اسم لمن كان دون الملك.

стр. 1293

٤٢٨ - (١) الماوردي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، المعروف بالماوردي، الفقيه الشافعي؛ كان من وجوه الفقهاء الشافعية ومن كبارهم، أخذ الفقه عن أبي القاسم الصيمري (٢) بالبصرة، ثم عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني ببغداد، وكان حافظاً للمذهب وله فيه كتاب " الحاوي " الذي لم يطالعه أحد إلا وشهد له بالتبحّر والمعرفة التامة بالمذهب. وفوّض إليه القضاء ببلدان كثيرة، واستوطن بغداد في درب الزّعفراني وروى عنه الخطيب أبو بكر صاحب " تاريخ بغداد " (٣) وقال: كان ثقة. وله من التصانيف غير " الحاوي " " تفسير القرآن الكريم " (٤) و " النكت والعيون " و " أدب الدين والدنيا " و " الأحكام السلطانية " و " قانون الوزارة " و " سياسة الملك " و " الإقناع " في المذهب، وهو مختصر، وغير ذلك، وصنف في أصول الفقه والأدب وانتفع الناس به. وقيل: إنه لم يظهر شيئاً من تصانيفه في حياته، وإنما جمع كلها في موضع، فلما دنت وفاته قال لشخص يثق إليه: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى لم يشبها كدر، فإن عاينت الموت ووقعت في النزع فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى الكتب وألقها في دجلة

стр. 1294

ليلاً، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قبلت وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة. قال ذلك الشخص: فلما قارب الموت وضعت يدي في يده فبسطها ولم يقبض على يدي، فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه بعده. وذكر الخطيب في أول " تاريخ بغداد " (١) عن الماوردي المذكور، قال: كتب أخي إليّ من البصرة وأنا ببغداد: طيب الهواء ببغداد يشوّقني ... قدماً إليها وإن عاقت مقادير فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت ... طيب الهواءين ممدود ومقصور وقال أبو العز أحمد بن عبيد الله بن كادش: أنشدني أبو الحسن الماوردي، قال: أنشدنا أبو الخير الكاتب الواسطي بالبصرة لنفسه: جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيّان التحرك والسكون جنونٌ منك أن تسعى لرزقٍ ... ويرزق في غشاوته الجنين ويقال إن أبا الحسن الماوردي لما خرج من بغداد راجعاً إلى البصرة كان ينشد أبيات العباس بن الأحنف - المقدم ذكره - وهي (٢) : أقمنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا وما حب البلاد بنا ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا خرجت أقرّ ما كانت لعيني ... وخلّفت الفؤاد بها رهينا وإنما قال ذلك لأنه من أهل البصرة وما كان يؤثر مفارقتها، فدخل بغداد كارهاً لها ثم طابت له بعد ذلك ونسي البصرة فشق عليه فراقها، وقد قيل إن هذه الأبيات لأبي محمد المزني الساكن بما وراء النهر، كذا قال السمعاني، والله أعلم.

стр. 1295

وتوفي يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة، ودفن من الغد في مقبرة باب حرب ببغداد، وعمره ست وثمانون سنة، رحمه الله تعالى. والماوردي: نسبة إلى بيع الماورد، هكذا قاله الحافظ ابن السمعاني. ٤٢٩ - (١) أبو الحسن الأشعري أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله، ﷺ ؛ هو صاحب الأصول والقائم بنصرة مذهب السنة، وإليه تنسب الطائفة الأشعرية، وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه، والقاضي أبو بكر الباقلاني ناصر مذهبه ومؤيد اعتقاده، وكان أبو الحسن يجلس أيام الجمع في حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه الشافعي في جامع المنصور ببغداد. ومولده سنة سبعين، وقيل ستين ومائتين بالبصرة. وتوفي سنة نيف وثلاثين وثلثمائة، وقيل: سنة أربع وعشرين وثلثمائة، وقيل: سنة ثلاثين [فجأة] (٢) - حكاه ابن الهمذاني في " ذيل تاريخ الطبري " (٣) ببغداد ودفن بين الكرخ وباب البصرة، رحمه الله تعالى. [قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتاب " تبيين كذب المفتري فيما

стр. 1296

نسب للشيخ أبي الحسن الأشعري " (١) - بعد أن حكى في تاريخ وفاته أقوالاً -:وقال بعض البصريين: مات سنة ثلاث وثلاثين، وهذا القول أراه صحيحاً، والأصح أنه مات سنة أربع وعشرين، وكذلك ذكره أبو بكر ابن فورك؛ انتهى] (٢) . وقد تقدم ذكر جده أبي بردة في أول حرف العين. والأشعري: بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة وبعدها راء، هذه النسبة إلى أشعر، واسمه نبت بن أدد بن زيد بن يشجب، وإنما قيل له أشعر لأن أمه ولدته والشعر على بدنه، هكذا قال السمعاني، والله أعلم. وقد صنف الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في مناقبه مجلداً (٣) . وكان (٤) أبو الحسن الأشعري أولاً معتزلياً، ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة، ورقي كرسياً ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا تراه الأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم. وكان فيه دعابة ومزاح كثير، وله من الكتب كتاب " اللمع " وكتاب " الموجز " وكتاب " إيضاح البرهان " وكتاب " التبيين عن أصول الدين " وكتاب " الشرح والتفصيل في الرد على أهل الإفك والتضليل " وهو صاحب الكتب في الرد على الملاحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج، وسائر أصناف المبتدعة.

стр. 1297

ودفن في مشرعة الروايا في تربة إلى جانبها مسجد وبالقرب منها حمام وهو عن يسار المار من السوق إلى دجلة. وكان يأكل من غلة ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى على عقبه، وكانت نفقته في كل يوم سبعة عشر درهماً، هكذا قاله الخطيب. وقال أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم. وقال أبو محمد علي بن حزم الأندلسي: إن أبا الحسن له من التصانيف خمسة وخمسون تصنيفاً (١) . ٤٣٠ - (٢) الكيا الهراسي أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري، الملقب عماد الدين، المعروف بالكيا الهراسي الفقيه الشافعي؛ كان من أهل طبرستان، وخرج إلى نيسابور وتفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني مدة إلى أن برع، وكان حسن الوجه جهوري الصوت فصيح العبارة حلو الكلام، ثم خرج من نيسابور إلى بيهق ودرس بها مدة، ثم خرج (٣) إلى العراق وتولى تدريس المدرسة النظامية ببغداد إلى أن توفي. وذكره الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي - المقدم ذكره (٤) - في " سياق تاريخ نيسابور " (٥) فقال: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في

стр. 1298

الدرس. وكان ثاني أبي حامد الغزالي، بل آصل وأصلح وأطيب في الصوت والنظر، ثم اتصل بخدمة مجد الملك بركياروق بن ملك شاه السلجوقي - المذكور في حرف الباء (١) - وحظي عنده بالمال والجاه وارتفع شأنه، وتولى القضاء بتلك الدولة، وكان محدثاً يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسه. ومن كلامه: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهاب (٢) الرياح. وحدث الحافظ أبو طاهر السلفي قال: استفتيت شيخنا أبا الحسن المعروف بالكيا الهراسي ببغداد في سنة خمس وتسعين وأربعمائة لكلام جرى بيني وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية، وصورة الاستفتاء: " ما يقول الإمام وفقه الله تعالى في رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، هل تدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية أم لا " فكتب الشيخ تحت السؤال " نعم، كيف لا وقد قال النبي، ﷺ : من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً " وسئل الكيا أيضاً عن يزيد بن معاوية فقال: إنه لم يكن من الصحابة لأنه ولد في أيام (٣) عمر بن الخطاب، ﵁، وأما قول السلف ففيه لأحمد قولان تلويح وتصريح، ولمالك قولان تلويح وتصريح، ولأبي حنيفة قولان تلويح وتصريح، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد والمتصيد بالفهود ومدمن الخمر، وشعره في الخمر معلوم، ومنه قوله: أقول لصحبٍ ضمت الكأس شملهم ... وداعي صبابات الهوى يترنم خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذةٍ ... فكلٌ وإن طال المدى يتصرم [ولا تتركوا يوم السرور إلى غدٍ ... فرب غدٍ يأتي بما ليس يعلم] (٤)

стр. 1299

وكتب فصلاً طويلاً، ثم قلب الورقة وكتب: لو مددت ببياضٍ لمددت العنان في مخازي (١) هذا الرجل؛ وكتب فلان بن فلان. وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي، رحمه الله تعالى، في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك، فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد (٢) : هل يحكم بفسقه أم هل يكون ذلك مرخصاً فيه وهل كان مريداً قتل الحسين، ﵁، أم كان قصده الدفع وهل يسوغ الترحم عليه أم السكوت عنه أفضل ينعم بإزالة الاشتباه مثاباً، فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلاً، ومن لعن مسلماً فهو الملعون، وقد قال رسول الله ﷺ : (المسلم ليس بلعانٍ) ، وكيف يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي، ﷺ . ويزيد صح إسلامه، وما صح قتله الحسين، ﵁، ولا أمره لا رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك منه لا يجوز أن يظن ذلك به فإن إساءة الظن بالمسلم أيضاً حرام، وقد قال تعالى: (اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعد الظن، وقال النبي، ﷺ : (إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء) ، ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين، ﵁، أو رضي به فينبغي أن يعلم به غاية حماقة، فإن من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من أمر بقتله ومن الذي رضي به ومن الذي كرهه لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو كان في بلد بعيد وزمن قديم قد انقضى، فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في كان بعيد وقد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب فهذا أمرٌ لا تعرف حقيقته أصلاً، وإذا لم يعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به، ومع هذا فلو ثبت على مسلم أنه قتل مسلماً فمذهب الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة، والكافر

стр. 1300

لو تاب من كفره لم تجز لعنته، فكيف من تاب عن قتل وبم يعرف أن قاتل الحسين ﵁، مات قبل التوبة وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، فإذاً لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقاً عاصياً لله تعالى، ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصياً بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له يوم القيامة: لم لم تلعن إبليس، ويقال للاعن: لم لعنت ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون والملعون وهو المبعد من الله ، وذلك غيب لا يعرف إلى فيمن مات كافراً فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحم عليه جائز، بل هو مستحب، بل هو داخل في قولنا في كل صلاة (اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات) ، فإنه كان مؤمناً والله أعلم؛ كتبه الغزالي. وكانت ولادة الكيا في ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة. وتوفي يوم الخميس وقت العصر مستهل المحرم سنة أربع وخمسمائة ببغداد، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، وحضر دفنه الشيخ أبو طالب الزينبي وقاضي القضاة أبو الحسن ابن الدامغاني، وكان مقدمي الطائفة الحنفية، وكان بينه وبينهما في حال الحياة منافسة، فوقف أحدهما عند رأسه والأخر عند رجليه، فقال ابن الدامغاني متمثلاً: وما تغني النوادب والبواكي ... وقد أصبحت مثل حديث أمس وأنشد الزينبي متمثلاً أيضاً: عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقيم ولم أعلم لأي معنى قيل له الكيا، وفي اللغة العجمية الكيا هو الكبير القدر المقدم بين الناس، وهو بكسر الكاف وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها ألف. وكان في خدمته بالمدرسة النظامية أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزي الشاعر المشهور - المقدم ذكره في حرف الهمزة (١) - فرثاه إرتجالاً بهذه الأبيات على ما حكاه الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير، وهي:
следующие страницы →