نسب للشيخ أبي الحسن الأشعري " (١) - بعد أن حكى في تاريخ وفاته أقوالاً -:وقال بعض البصريين: مات سنة ثلاث وثلاثين، وهذا القول أراه صحيحاً، والأصح أنه مات سنة أربع وعشرين، وكذلك ذكره أبو بكر ابن فورك؛ انتهى] (٢) .
وقد تقدم ذكر جده أبي بردة في أول حرف العين.
والأشعري: بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة وبعدها راء، هذه النسبة إلى أشعر، واسمه نبت بن أدد بن زيد بن يشجب، وإنما قيل له أشعر لأن أمه ولدته والشعر على بدنه، هكذا قال السمعاني، والله أعلم.
وقد صنف الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في مناقبه مجلداً (٣) .
وكان (٤) أبو الحسن الأشعري أولاً معتزلياً، ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة، ورقي كرسياً ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا تراه الأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم.
وكان فيه دعابة ومزاح كثير، وله من الكتب كتاب " اللمع " وكتاب " الموجز " وكتاب " إيضاح البرهان " وكتاب " التبيين عن أصول الدين " وكتاب " الشرح والتفصيل في الرد على أهل الإفك والتضليل " وهو صاحب الكتب في الرد على الملاحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج، وسائر أصناف المبتدعة.
стр. 1297
ودفن في مشرعة الروايا في تربة إلى جانبها مسجد وبالقرب منها حمام وهو عن يسار المار من السوق إلى دجلة. وكان يأكل من غلة ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى على عقبه، وكانت نفقته في كل يوم سبعة عشر درهماً، هكذا قاله الخطيب. وقال أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم. وقال أبو محمد علي بن حزم الأندلسي: إن أبا الحسن له من التصانيف خمسة وخمسون تصنيفاً (١) .
٤٣٠ - (٢)
الكيا الهراسي
أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري، الملقب عماد الدين، المعروف بالكيا الهراسي الفقيه الشافعي؛ كان من أهل طبرستان، وخرج إلى نيسابور وتفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني مدة إلى أن برع، وكان حسن الوجه جهوري الصوت فصيح العبارة حلو الكلام، ثم خرج من نيسابور إلى بيهق ودرس بها مدة، ثم خرج (٣) إلى العراق وتولى تدريس المدرسة النظامية ببغداد إلى أن توفي.
وذكره الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي - المقدم ذكره (٤) - في " سياق تاريخ نيسابور " (٥) فقال: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في
стр. 1298
الدرس. وكان ثاني أبي حامد الغزالي، بل آصل وأصلح وأطيب في الصوت والنظر، ثم اتصل بخدمة مجد الملك بركياروق بن ملك شاه السلجوقي - المذكور في حرف الباء (١) - وحظي عنده بالمال والجاه وارتفع شأنه، وتولى القضاء بتلك الدولة، وكان محدثاً يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسه. ومن كلامه: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهاب (٢) الرياح.
وحدث الحافظ أبو طاهر السلفي قال: استفتيت شيخنا أبا الحسن المعروف بالكيا الهراسي ببغداد في سنة خمس وتسعين وأربعمائة لكلام جرى بيني وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية، وصورة الاستفتاء: " ما يقول الإمام وفقه الله تعالى في رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، هل تدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية أم لا " فكتب الشيخ تحت السؤال " نعم، كيف لا وقد قال النبي، ﷺ : من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً "
وسئل الكيا أيضاً عن يزيد بن معاوية فقال: إنه لم يكن من الصحابة لأنه ولد في أيام (٣) عمر بن الخطاب، ﵁، وأما قول السلف ففيه لأحمد قولان تلويح وتصريح، ولمالك قولان تلويح وتصريح، ولأبي حنيفة قولان تلويح وتصريح، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد والمتصيد بالفهود ومدمن الخمر، وشعره في الخمر معلوم، ومنه قوله:
أقول لصحبٍ ضمت الكأس شملهم ... وداعي صبابات الهوى يترنم
خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذةٍ ... فكلٌ وإن طال المدى يتصرم
[ولا تتركوا يوم السرور إلى غدٍ ... فرب غدٍ يأتي بما ليس يعلم] (٤)
стр. 1299
وكتب فصلاً طويلاً، ثم قلب الورقة وكتب: لو مددت ببياضٍ لمددت العنان في مخازي (١) هذا الرجل؛ وكتب فلان بن فلان.
وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي، رحمه الله تعالى، في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك، فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد (٢) : هل يحكم بفسقه أم هل يكون ذلك مرخصاً فيه وهل كان مريداً قتل الحسين، ﵁، أم كان قصده الدفع وهل يسوغ الترحم عليه أم السكوت عنه أفضل ينعم بإزالة الاشتباه مثاباً، فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلاً، ومن لعن مسلماً فهو الملعون، وقد قال رسول الله ﷺ : (المسلم ليس بلعانٍ) ، وكيف يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي، ﷺ . ويزيد صح إسلامه، وما صح قتله الحسين، ﵁، ولا أمره لا رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك منه لا يجوز أن يظن ذلك به فإن إساءة الظن بالمسلم أيضاً حرام، وقد قال تعالى: (اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعد الظن، وقال النبي، ﷺ : (إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء) ، ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين، ﵁، أو رضي به فينبغي أن يعلم به غاية حماقة، فإن من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من أمر بقتله ومن الذي رضي به ومن الذي كرهه لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو كان في بلد بعيد وزمن قديم قد انقضى، فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في كان بعيد وقد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب فهذا أمرٌ لا تعرف حقيقته أصلاً، وإذا لم يعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به، ومع هذا فلو ثبت على مسلم أنه قتل مسلماً فمذهب الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة، والكافر
стр. 1300
لو تاب من كفره لم تجز لعنته، فكيف من تاب عن قتل وبم يعرف أن قاتل الحسين ﵁، مات قبل التوبة وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، فإذاً لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقاً عاصياً لله تعالى، ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصياً بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له يوم القيامة: لم لم تلعن إبليس، ويقال للاعن: لم لعنت ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون والملعون وهو المبعد من الله ، وذلك غيب لا يعرف إلى فيمن مات كافراً فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحم عليه جائز، بل هو مستحب، بل هو داخل في قولنا في كل صلاة (اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات) ، فإنه كان مؤمناً والله أعلم؛ كتبه الغزالي.
وكانت ولادة الكيا في ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة. وتوفي يوم الخميس وقت العصر مستهل المحرم سنة أربع وخمسمائة ببغداد، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، وحضر دفنه الشيخ أبو طالب الزينبي وقاضي القضاة أبو الحسن ابن الدامغاني، وكان مقدمي الطائفة الحنفية، وكان بينه وبينهما في حال الحياة منافسة، فوقف أحدهما عند رأسه والأخر عند رجليه، فقال ابن الدامغاني متمثلاً:
وما تغني النوادب والبواكي ... وقد أصبحت مثل حديث أمس وأنشد الزينبي متمثلاً أيضاً:
عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقيم ولم أعلم لأي معنى قيل له الكيا، وفي اللغة العجمية الكيا هو الكبير القدر المقدم بين الناس، وهو بكسر الكاف وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها ألف. وكان في خدمته بالمدرسة النظامية أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزي الشاعر المشهور - المقدم ذكره في حرف الهمزة (١) - فرثاه إرتجالاً بهذه الأبيات على ما حكاه الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير، وهي:
стр. 1301
هي الحوادث لا تبقي ولا تذر ... ما للبرية من محتوفها وزر
لو كان ينجي علو من بوائقها ... لم تكسف الشمس بل لم يخسف القمر
قل للجبان الذي أمسى على حذرٍ ... من الحمام متى رد الردى الحذر
بكى على شمسه الإسلام إذ أفلت ... بأدمعٍ قل في تشبيهها المطر
حبرٌ عهدناه طلق الوجه مبتسماً ... والبشر أحسن ما يلقى به البشر
لئن طوته المنايا تحت أخمصها ... فعلمه الجم في الأفق منتشر
سقى ثراك عماد الدين كل ضحىً ... صوب الغمام ملث الودق منهمر (١)
عند الورى من أسىً أيقنته خبرٌ ... فهل أتك من استيحاشهم خبر
أحيا ابن إدريس درسٌ كنت تورده ... تحار في نظمه الأذهان والفكر
من فاز منه بتعليقٍ فقد علقت ... يمينه بشهابٍ ليس ينكدر
كأنما مشكلات الفقه يوضحها ... جباه دهمٍ لها من لفظه غرر
ولو عرفت له مثلاً دعوت له ... وقلت دهري إلى شرواه (٢) مفتقر ٤٣١ (٣)
الحافظ المقدسي
أبو الحسن علي بن الأنجب أبي المكارم المفضل بن أبي الحسن علي بن أبي الغيث مفرج بن حاتم بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم بن الحسن اللخمي المقدسي الأصل، الاسكندراني المولد والدار، المالكي المذهب؛ كان فقيهاً فاضلاً في مذهب الإمام
стр. 1302
مالك، ﵁، ومن أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه (١) ، صحب الحافظ أبا الطاهر السلفي الأصبهاني نزيل الاسكندرية، رحمه الله تعالى، وانتفع به، وصحبه شيخنا الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، ولازم صحبته وبه انتفع وعليه تخرج، وذكر عنه فضلاً غزيراً وصلاحاً كثيراً، وأنشدني له مقاطيع عديدة؛ فمما أنشدني قال، أنشدني الحافظ أبو الحسن المقدسي المذكور لنفسه:
تجاوزت ستين من مولدي ... فأسعد أيامي المشترك
يسائلني زائري حالتي ... وما حال من حل في المعترك وأنشدني أيضاً قال أنشدني الحافظ لنفسه (٢) :
أيا نفس بالمأثور عن خير مرسلٍ ... وأصحابه والتابعين تمسكي
عساك إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب من نشرٍ له أن تمسكي
وخافي غداً يوم الحساب جهنماً ... إذا لفحت نيرانها أن تمسك وأنشدني أيضاً قال، أنشدني لنفسه:
ثلاث باءات بلين بها: ... البق والبرغوث والبرغش
ثلاثة أوحش ما في الورى ... ولست أدري أيها أوحش وأنشدني أيضاً قال، أنشدني لنفسه:
ولمياء تحيي من تُحيّي بريقها ... كأن مزاج الراح بالمسك في فيها
وما ذقت فاها غير أني رويته ... عن الثقة المسواك وهو موافيها وهذا معنى مستعمل قد سار في كثير من أشعار المتقدمين والمتأخرين، فمن
стр. 1303
ذلك قول بشار بن برد من جملة أبيات (١) :
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك وقول الأبيوردي من جملة أبيات:
وأخبرني أترابها أن ريقها ... على ما حكى عود الأراك لذيذ ونقتصر على هذا القدر.
وكان الحافظ المذكور ينوب في الحكم بثغر الاسكندرية المحروس، ودرس به بالمدرسة المعروفة به هناك، ثم انتقل إلى مدينة القاهرة المحروسة ودرس بها بالمدرسة الصاحبية، وهي مدرسة الوزير صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي المعروف بابن شكر، واستمر بها إلى حين وفاته.
وكانت ولادته ليلة السبت الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة بالثغر المحروس. وتوفي يوم الجمعة مستهل شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة بالقاهرة، رحمه الله تعالى.
(١١٢) وتوفي (٢) والده القاضي الأنجب أبو المكارم المفضل في رجب سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وكان مولده في سنة ثلاث وخمسمائة، رحمهما الله تعالى.
والمقدسي: بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال المهملة وفي آخرها سين مهملة، هذه النسبة إلى بيت المقدس.
واللخمي: تقدم الكلام عليه.
стр. 1304
٤٣٢ - (١)
السيف الآمدي
أبو الحسن علي بن أبي علي بن (٢) محمد بن سالم التغلبي (٣) الفقيه الأصولي، الملقب سيف الدين الآمدي؛ كان في أول اشتغاله حنبلي المذهب، وانحدر إلى بغداد وقرأ بها على ابن المني أبي الفتح نصر بن فتيان الحنبلي (٤) ، وبقي على ذلك مدة ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي، ﵁، وصحب الشيخ أبا القاسم بن فضلان واشتغل عليه في الخلاف وتميز فيه، وحفظ طريقة الشريف وزوائد طريقة أسعد الميهني - المقدم ذكره (٥) - ثم انتقل إلى الشام واشتغل بفنون المعقول وحفظ منه الكثير وتمهر فيه وحصل منه شيئاً كثيراً، ولم يكن في زمانه أحفظ منه لهذه العلوم. ثم انتقل إلى الديار المصرية وتولى الإعادة بالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي، ﵁، التي بالقرافة الصغرى، وتصدر بالجامع الظافري بالقاهرة مدة، واشتهر بها فضله واشتغل عليه الناس وانتفعوا به، ثم حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصبوا عليه ونسبوه إلى فساد العقيدة وانحلال الطوية والتعطيل ومذهب الفلاسفة والحكماء، وكتبوا محضراً يتضمن ذلك، ووضعوا فيه خطوطهم بما يستباح به الدم؛ وبلغني عن رجل منهم فيه عقل ومعرفة أنه لما رأى تحاملهم عليه وإفراط التعصب كتب في المحضر وقد حمل إليه ليكتب فيه مثل ما كتبوا فكتب:
стр. 1305
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصوم والله أعلم، وكتب فلان بن فلان. ولما رأى سيف الدولة تألبهم عليه وما اعتمدوه في حقه، ترك البلاد وخرج منها مستخفياً وتوصل إلى الشام، واستوطن مدينة حماة.
وصنف في أصول الفقه والدين والمنطق والحكمة والخلاف، وكل تصانيفه مفيدة. فمن ذلك كتاب " أبكار الأفكار " في علم الكلام (١) واختصره في كتاب سماه " منائح القرائح " و " رموز الكنوز " وله " دقائق الحقائق " و " لباب الألباب " و " منتهى السول في علم الأصول "، وله طريقة في الخلاف، ومختصر في الخلاف أيضاً وشرح جدل الشريف، وله مقدار عشرين تصنيفاً.
وانتقل إلى دمشق ودرس بالمدرسة العزيزية وأقام بها زماناً، ثم عزل عنها لسبب تهم فيه وأقام بطالاً في بيته. وتوفي على تلك الحال في رابع صفر يوم الثلاثاء سنة إحدى وثلاثين وستمائة ودفن بسفح جبل قاسيون. وكانت ولادته في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
والآمدي: بالهمزة الممدودة والميم المكسورة وبعدها دال مهملة، هذه النسبة إلى آمد، وهي مدينة كبيرة في ديار بكر مجاورة لبلاد الروم (٢) .
(١١٣) وكان أبو الفتح نصر بن فتيان بن المني المذكور (٣) فقيهاً محدثاً، انتفع به جماعة كبيرة. ومولده سنة إحدى وخمسمائة، وتوفي خامس شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 1306
٤٣٣ - (١)
الكسائي
أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن (٢) بن فيروز، الأسدي بالولاء الكوفي المعروف بالكسائي؛ أحد القراء السبعة (٣) ، كان إماماً في النحو واللغة والقراءات، ولم تكن له في الشعر يد، حتى قيل: ليس في علماء العربية أجهل من الكسائي بالشعر؛ وكان يؤدب الأمين بن هارون الرشيد ويعلمه الأدب ولم يكن له زوجة ولا جارية، فكتب إلى الرشيد يشكو العزبة في هذه الأبيات:
قل للخليفة لا تقول لمن ... أمسى إليك بحرمة يدلي
ما زلت مذ صار الأمين معي ... عبدي يدي ومطيتي رجلي
وعلى فراشي من ينبهني ... من نومتي وقيامه (٤) قبلي
أسعى برجل منه ثالثة ... موفورة مني بلا رجل (٥)
وإذا ركبت أكون مرتدفاً ... قدام سرجي راكب (٦) مثلي
فامنن علي بما يسكنه ... عني وأهد الغمد للنصل فأمر له الرشيد بعشرة آلاف درهم وجارية حسناء بجميع آلاتها وخادم وبرذون بجميع آلته.
стр. 1307
واجتمع يوماً بمحمد بن الحسن الفقيه الحنفي في مجلس الرشيد فقال الكسائي: من تبحر في علم تهدى إلى جميع العلوم، فقال له محمد: ما تقول فيمن سها في سجود السهو، هل يسجد مرة أخرى قال الكسائي: لا، قال: لماذا قال: لأن النحاة تقول: التصغير لا يصغر، هكذا وجدت هذه الحكاية في عدة مواضع؛ وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (١) أن هذه القضية جرت بين محمد بن الحسن المذكور والفراء - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وهما ابنا خالة، والله أعلم بالصواب.
رجعنا إلى بقية الحكاية:
فقال محمد: فما تقول في تعليق الطلاق بالملك قال: لا يصح، قال: لم قال: لأن السيل لا يسبق المطر.
وله مع سيبويه وأبي محمد اليزيدي مجالس ومناظرات - سيأتي ذكر بعضها في تراجم أربابها إن شاء الله تعالى.
روى الكسائي عن أبي بكر ابن عياش وحمزة الزيات وابن عيينة وغيرهم وروى عنه الفراء وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهما. وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة بالري وكان قد خرج إليها صحبة هارون الرشيد. قال السمعاني: وفي ذلك اليوم توفي محمد بن الحسن المذكور بالري أيضاً - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وكذا قال ابن الجوزي في " شذور العقود "، توفي برنبويه (٢) قرية من قرى الري - ورنبويه مذكورة في ترجمة محمد بن الحسن - وقال السمعاني أيضاً: وقيل إن الكسائي مات بطوس سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة، والله أعلم، ويقال إن الرشيد كان يقول: دفنت الفقه والعربية بالري.
والكسائي: بكسر الكاف وفتح السين المهملة وبعدها ألف ممدودة، وإنما قيل له الكسائي لأنه دخل الكوفة وجاء إلى حمزة بن حبيب الزيات وهو ملتف
стр. 1308
بكساء، فقال حمزة: من يقرأ فقيل له: صاحب الكساء، فبقي عليه (١) ، وقيل بل أحرم في كساء فنسب إليه، رحمه الله تعالى.
٤٣٤ - (٢)
الدارقطني
أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الدارقطني الحافظ المشهور؛ كان عالماً حافظاً فقيهاً على مذهب الإمام الشافعي، ﵁، أخذ الفقه عن أبي سعيد الإصطخري الفقيه الشافعي، وقيل بل أخذه عن صاحب لأبي سعيد، وأخذ القراءة عرضاً وسماعاً عن محمد بن الحسن النقاش وعلي بن سعيد القزاز ومحمد بن الحصين الطبري ومن في طبقتهم، وسمع من أبي بكر بن مجاهد وهو صغير، وانفرد بالإمامة في علم الحديث في دهره، ولم ينازعه في ذلك أحد من نظرائه، وتصدر في آخر أيامه للإقراء ببغداد. وكان عارفاً باختلاف الفقهاء ويحفظ كثيراً من دواوين العرب، منها ديوان السيد الحميري، فنسب إلى التشيع لذلك. وروى عنه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني صاحب " حلية الأولياء " وجماعة كثيرة، وقبل القاضي ابن معروف شهادته في سنة ست وسبعين وثلثمائة، فندم على ذلك وقال: كان يقبل قولي على رسول الله، ﷺ ، بانفرادي، فصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع آخر.
وصنف كتاب " السنن " و " المختلف والمؤتلف " وغيرهما، وخرج من بغداد
стр. 1309
إلى مصر قاصداً أبا الفضل جعفر بن الفضل المعروف بابن حنزابة وزير كافور الإخشيدي - المذكور في حرف الجيم (١) - فإنه بلغه أن أبا الفضل عازم على تأليف مسند فمضى إليه ليساعده عليه، وأقام عنده مدة، وبالغ أبو الفضل في إكرامه وأنفق عليه نفقة واسعة وأعطاه شيئاً كثيراً وحصل له بسببه مال جزيل (٢) . ولم يزل عنده حتى فرغ المسند، وكان يجتمع هو والحافظ عبد الغني بن سعيد - المقدم ذكره (٣) - على تخريج المسند وكتابته إلى أن نجز.
وقال الحافظ عبد الغني المذكور (٤) : أحسن الناس كلاماً على حديث رسول الله، ﷺ ، ثلاثة: علي بن المديني (٥) في وقته، وموسى بن هارون (٦) في وقته، والدارقطني في وقته.
وسأل الدارقطني يوماً أحد أصحابه: هل رأى الشيخ مثل نفسه فامتنع من جوابه، وقال: قال الله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم) ، فألح عليه، فقال: إن كان في فن واحد فقد رأيت من هو أفضل مني، وإن كان من اجتمع فيه ما اجتمع في فلا، وكان مفنناً في علوم كثيرة وإماماً في علوم القرآن.
وكانت ولادة الحافظ المذكور في ذي القعدة سنة ست وثلثمائة. وتوفي يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة، وقيل ذي الحجة، سنة خمس وثمانين وثلثمائة ببغداد، وصلى عليه الشيخ أبو حامد الإسفرايني الفقيه المشهور المقدم ذكره. ودفن قريباً من معروفٍ الكرخي، في مقبرة باب الدير، رحمه الله تعالى.
والدارقطني: بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مفتوحة ثم قاف مضمومة
стр. 1310
وبعدها طاء مهملة ساكنة ثم نون، هذه النسبة إلى دار القطن وكانت محلة كبيرة ببغداد.
٤٣٥ - (١)
الرماني
أبو الحسن علي بن عيسى بن علي بن عبد الله الرماني النحوي المتكلم؛ أحد الأئمة المشاهير، جمع بين علم الكلام والعربية، وله تفسير القرآن الكريم، أخذ الأدب عن أبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن السراج، وروى عنه أبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وغيرهما. وكانت ولادته ببغداد سنة ست وتسعين ومائتين، وتوفي ليلة الأحد حادي عشر جمادى الأولى سنة أربع وثمانين، وقيل اثنتين وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى؛ وأصله من سر من رأى.
والرماني: بضم الراء وتشديد الميم وبعد الألف نون، هذه النسبة يجوز أن تكون إلى الرمان وبيعه، ويمكن أن تكون إلى قصر الرمان، وهو قصر بواسط معروف، وقد نسب إلى هذا وهذا خلق كثير، ولم يذكر (٢) السمعاني أن نسبة أبي الحسن المذكور إلى أيهما، والله أعلم.
стр. 1311
٤٣٦ - (١)
الحوفي صاحب التفسير
أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف الحوفي النحوي؛ كان عالما بالعربية وتفسير القرآن الكريم، وله تفسير جيد، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به ورأيت خطه على كثير من كتب الأدب قد قرئت عليه وكتب لأربابها بالقراءة كما جرت عادة المشايخ. وتوفي بكرة يوم السبت مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والحوفي: بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفي آخرها فاء هذه النسبة إلى حوف، قال السمعاني: ظني أنها قرية بمصر، حتى قرأت في تاريخ البخاري أنها من عمان منها أبو الحسن المذكور، ثم قال: وكان عنده من تصانيف النحاس أبي جعفر المصري قطعة كثيرة.
قلت: قوله قرية بمصر، ليس كذلك، بل الناحية المعروفة بالشرقية التي قصبتها مدينة بلبيس جميع ريفها يسمونه الحوف، ولا أعلم ثم قرية يقال لها حوف، والله أعلم، وأبو الحسن من حوف مصر (٢) .
وبعد أن فرغت من ترجمة أبي الحسن الحوفي على هذه الصورة ظفرت بترجمته مفصلة، وذلك أنه (٣) من قرية يقال لها شبرا اللنجة (٤) من أعمال الشرقية
стр. 1312
المذكورة، وأنه دخل مصر وقرأ على أبي بكر الأدفوي، ولقي جماعة من علماء المغرب وأخذ عنهم، وتصدر لإفادة العربية (١) ، وصنف في النحو مصنفاً كبيراً وصنف في إعراب القرآن كتاباً في عشر مجلدات، وله تصانيف (٢) كثيرة يشتغل بها الناس.
٤٣٧ - (٣)
الأخفش الأصغر
أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل المعروف بالأخفش الأصغر النحوي؛ كان عالماً، روى عن المبرد وثعلب وغيرهما، وروى عنه المرزباني وأبو الفرج المعافى الجريري وغيرهما، وكان ثقة، وهو غير الأخفش الأكبر والأخفش الأوسط.
(١١٤) فإن الأخفش الأكبر هو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد من أهل هجر من مواليهم، وكان نحوياً لغوياً وله ألفاظ لغوية انفرد بنقلها عن العرب وأخذ عنه سيبويه وأبو عبيدة ومن في طبقتهما، ولم أظفر له بوفاة حتى أفرد له ترجمة.
والأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة - وقد تقدم ذكره في حرف السين (٤) - وهو صاحب سيبويه.
وكان بين الأخفش المذكور وبين ابن الرومي الشاعر منافسة، فكان الأخفش يباكر داره ويقول عند بابه كلاماً يتطير به (٥) ، وكان ابن الرومي كثير التطير،
стр. 1313
فإذا سمع كلامه لم يخرج ذلك اليوم من بيته، فكثر ذلك منه، فهجاه ابن الرومي بأهاج كثيرة، وهي مثبتة في ديوانه، وكان الأخفش يحفظها ويوردها في جملة ما يوردها استحساناً لها وافتخاراً بأنه نوه بذكره إذ هجاه، فلما علم ابن الرومي بذلك أقصر عنه.
وقال المرزباني (١) : لم يكن الأخفش بالمتسع في الرواية للأشعار والعلم بالنحو؛ وما علمته صنف شيئاً البتة ولا قال شعراً، وكان إذا سئل عن مسألة في النحو ضجر وانتهر من يسأله.
وكان وفاة أبي الحسن المذكور في ذي القعدة، وقيل شعبان، سنة خمس عشرة، وقيل ست عشرة وثلثمائة، فجاءة ببغداد، ودفن بمقبرة قنطرة بردان. ودخل مصر سنة سبع وثمانين ومائتين، وخرج منها إلى حلب سنة ست وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والأخفش: بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح الفاء وبعدها شين معجمة، وهو الصغير العين مع سوء بصرها.
وبردان: بفتح الباء الموحدة والراء والدال المهملة وبعد الألف نون، وهي قرية من قرى بغداد خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم.
وقال أبو الحسن ثابت بن سنان: كان الأخفش المذكور يواصل المقام عند أبي علي ابن مقلة، وأبو علي يراعيه ويبره، فشكا إليه في بعض الأيام ما هو فيه من وشدة الفاقة وزيادة الإضاقة، وسأله أن يكلم (٢) الوزير أبا الحسن علي بن عيسى في أمره، ويسأله إقرار رزق له في جملة من يرتزق من أمثاله، فخاطبه أبو علي في ذلك، وعرّفه اختلال حاله وتعذر القوت عليه في أكثر أيامه، وسأله أن يجري عليه رزقاً أسوة بأمثاله، فانتهره الوزير انتهاراً شديداً (٣) ، وكان ذلك في مجلس حافل، فشق ذلك على أبى علي وقام من مجلسه، وصار إلى منزله لائماً نفسه على سؤاله، ووقف الأخفش على الصورة، فاغتم لها وانتهت
стр. 1314
به الحال إلى أكل السلجم النيئ، فقيل إنه قبض على فؤاده، فمات فجأة في التاريخ المذكور.
[كان أبو الحسن الأخفش كثيراً ما ينشد وعلي على الناس، وكأنه كان يعرض بأبي علي ابن مقلة الوزير (١) :
هون عليك فإني غير جائيكا ... وإنني غير ماضٍ في نواحيكا
والله لو كانت الدنيا بزينتها ... وادٍ بكفك لم أحلل بواديكا
ولو ملكت رقاب الناس كلهم ... شرقاً وغرباً لما جئنا نهنيكا] (٢) /poetry> ٤٣٨ (٣)
الواحدي
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي بن متويه الواحدي المتوي صاحب التفاسير المشهورة؛ كان أستاذ عصره في النحو والتفسير، ورزق السعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها وذكرها المدرسون في دروسهم، منها " البسيط " في تفسير القرآن الكريم، وكذلك " الوسيط " وكذلك " الوجيز " ومنه أخذ أبو حامد الغزالي أسماء كتبه الثلاثة، وله كتاب " أسباب النزول " و " التحبير في شرح أسماء الله تعالى الحسنى " وشرح ديوان أبي الطيب المتنبي شرحاً مستوفى، وليس في شروحه مع كثرتها مثله، وذكر فيه أشياء غريبة منها أنه في شرح هذا البيت وهو (٤) :
стр. 1315
وإذا المكارم والصوارم والقنا ... وبنات أعوج كل شيءٍ يجمع تكلم على البيت ثم قال في أعوج: إنه فحل كريم كان لبني هلال بن عامر، وإنه قيل لصاحبه: ما رأيت من شدة عدوه فقال: ضللت في بادية وأنا راكبه، فرأيت سرب قطا يقصد الماء فتبعته، وأنا أغض من لجامه، حتى توافينا الماء دفعة واحدة، وهذا أغرب شيء يكون، فإن القطا شديد الطيران، وإذا قصد الماء اشتد طيرانه أكثر من غير قصد الماء، ثم ما كفى حتى قال: كنت أغض من لجامه، ولو ذلك لكان يسبق القطا، وهذه مبالغة (١) عظيمة، وإنما قيل له أعوج لأنه كان صغيراً وقد جاءتهم غارة فهربوا منها وطرحوه في خرج وحملوه لعدم قدرته على متابعتهم لصغره، فاعوج ظهره من ذلك فقيل له أعوج. وهذا البيت من جملة القصيدة التي رثى بها فاتكاً المجنون.
وكان الواحدي المذكور تلميذ الثعلبي صاحب التفسير - المقدم ذكره في حرف الهمزة (٢) - وعنه أخذ علم التفسير وأربى عليه، وتوفي عن مرض طويل في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وأربعمائة بمدينة نيسابور، رحمه الله تعالى.
ومتويه: بفتح الميم وتشديد التاء المثناة من فوقها وضمها وسكون الواو وبعدها ياء مفتوحة مثناة من تحتها ثم هاء ساكنة، ونسبة المتوي إلى هذا الجد.
والواحدي: بفتح الواو وبعد الألف حاء مهملة مكسورة وبعدها دال مهملة، لم أعرف هذه النسبة إلى أي شيء هي، ولا ذكرها السمعاني، ثم وجدت هذه النسبة إلى الواحد بن الدين (٣) بن مهرة، ذكره أبو أحمد العسكري.
стр. 1316
٤٣٩ - (١)
ابن ماكولا
الأمير سعد الملك أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف بن أبي دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير (٢) العجلي، المعروف بابن ماكولا - وبقية نسبه مستوفاة في ترجمة جده أبي دلف القاسم بن عيسى في حرف القاف - وأصله من جرباذقان من نواحي أصبهان، ووزر أبوه أبو القاسم هبة الله للإمام القائم بأمر الله، وتولى عمه أبو عبد الله الحسين بن علي قضاء بغداد.
سمع الحديث الكثير وصنف المصنفات النافعة، وأخذ عن مشايخ العراق وخراسان والشام وغير ذلك. وكان أحد الفضلاء المشهورين، تتبع الألفاظ المشتبهة في الأسماء الأعلام وجمع منها شيئاً كثيراً، وكان الخطيب أبو بكر صاحب " تاريخ بغداد " قد أخذ كتاب الحافظ أبي الحسن الدارقطني المسمى المختلف والمؤتلف " وكتاب الحافظ عبد الغني بن سعيد الذي سماه " مشتبه النسبة " وجمع بينهما، وزاد عليهما، وجعله كتاباً مستقلاً سماه " المؤتنف تكملة المختلف "؛ وجاء الأمير أبو نصر المذكور وزاد على هذا " المؤتنف " وضم إليه الأسماء التي وقعت له، وجعله أيضاً كتاباً مستقلاً سماه " الإكمال " وهو في غاية الإفادة في رفع الالتباس والضبط والتقييد، وعليه اعتماد المحدثين وأرباب هذا الشأن، فإنه لم يوضع مثله ولقد أحسن فيه غاية الإحسان. ثم جاء ابن نقطة - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وذيله وما أقصر فيه أيضاً، وما يحتاج الأمير
стр. 1317
المذكور مع هذا الكتاب إلى فضيلة أخرى، وفيه دلالة على كثرة اطلاعه وضبطه وإتقانه.
ومن الشعر المنسوب إليه:
قوض خيامك عن أرضٍ تهان بها ... وجانب الذل إن الذل يجتنب
وارحل إذا كان في الأوطان منقصةٌ ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب وكانت ولادته في عكبرا في خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وقتله غلمانه بجرجان في سنة نيف وسبعين وأربعمائة. وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب " المنتظم " أنه قتل في سنة خمس وسبعين وأربعمائة، وقيل في سنة سبع وثمانين، وقال غيره: في سنة تسع وسبعين بخوزستان، وقيل بالأهواز. وقال الحميدي: خرج إلى خراسان ومعه غلمان له أتراك فقتلوه بجرجان وأخذوا ماله وهربوا، وطاح دمه هدراً، رحمه الله تعالى.
ومدحه الشاعر المعروف (١) بصر در - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - ومدحه في ديوانه موجود.
وماكولا: بفتح الميم وبعد الألف كاف مضمومة وبعدها واو ساكنة ثم لام ألف، ولا أعرف معناه، ولا أدري سبب تسميته بالأمير، هل كان أميراً بنفسه أم لأنه من أولاد أبي دلف العجلي - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وعكبرا قد تقدم القول (٢) عليها في ترجمة الشيخ أبي البقاء.
стр. 1318
٤٤٠ - (١)
أبو الفرج الأصبهاني
أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأموي الكاتب الأصبهاني صاحب كتاب " الأغاني " وجده مروان بن محمد المذكور آخر خلفاء بني أمية؛ وهو أصبهاني الأصل بغدادي المنشأ، كان من أعيان أدبائها، وأفراد مصنفيها، وروى عن عالم كثير من العلماء يطول تعدادهم، وكان عالماً بأيام الناس والأنساب والسير.
قال التنوخي: ومن المتشيعين الذين شاهدناهم أبو الفرج الأصبهاني، كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله، ويحفظ دون ذلك من علوم أخر منها اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئاً كثيراً، مثل علم الجوارح والبيطرة ونتف من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك، وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان الظرفاء الشعراء.
وله المصنفات المستملحة منها: كتاب " الأغاني " الذي وقع الاتفاق على أنه لم يعمل في بابه مثله، يقال إنه جمعه في خمسين سنة، وحمله إلى سيف الدولة بن حمدان فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه. وحكي عن الصاحب بن عباد أنه كان في أسفاره وتنقلاته يستصحب حمل ثلاثين جملاً من كتب الأدب ليطالعها، فلما وصل إليه كتاب " الأغاني " لم يكن بعد ذلك يستصحب سواه، استغناءً
стр. 1319
به عنها. ومنها: كتاب " القيان " وكتاب " الإماء الشواعر " وكتاب " الديارات " وكتاب " دعوة التجار " وكتاب " مجرد الأغاني " وكتاب " أخبار جحظة البرمكي " و " مقاتل الطالبيين " وكتاب " الحانات " و " آداب الغرباء ".
وحصل له ببلاد الأندلس كتب صنفها لبني أمية ملوك الأندلس (١) يوم ذاك وسيرها إليهم سراً وجاءه الإنعام منهم سراً، فمن ذلك كتاب " نسب بني عبد شمس " وكتاب " أيام العرب " ألف وسبعمائة يوم، وكتاب " التعديل والانتصاف " في مآثر العرب ومثالبها، وكتاب " جمهرة النسب " وكتاب " نسب بني شيبان " وكتاب " نسب المهالبة " وكتاب " نسب بني تغلب " و " نسب بني كلاب " وكتاب " الغلمان المغنين " ذلك.
وكان منقطعاً إلى الوزير المهلبي وله فيه مدائح، فمن ذلك قوله فيه:
ولما انتجعنا لائذين بظله ... أعان وعنى ومن وما منا
وردنا عليه مقترين فراشنا ... وردنا نداه مجدبين فأخصبنا وله فيه من قصيدة تهنئة بمولود جاءه من سرية رومية:
اسعد بمولودٍ أتاك مباركاً ... كالبدر أشرق جنح ليلٍ مقمر
سعد لوقت سعادةٍ جاءت به ... أمٌ حصانٌ من بنات الأصفر
متبجحٌ في ذروتي شرف الورى ... بين المهلب منتماه وقيصر
شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى ... حتى إذا اجتمعا أتت بالمشتري وكتب إلى بعض الرؤساء وكان مريضاً:
أبا محمد المحمود يا حسن ال ... إحسان والجود يا بحر الندى الطامي
حاشاك من عود عواد إليك ومن ... دواء داء ومن إلمام آلام وشعره كثير، ومحاسنه شهيرة. وكانت ولادته سنة أربع وثمانين ومائتين،
стр. 1320
وفي هذه السنة مات البحتري الشاعر. وتوفي يوم الأربعاء رابع عشر ذي الحجة سنة ست وخمسين وثلثمائة ببغداد، وقيل سنة سبع وخمسين، والأول أصح، وكان قد خلط قبل أن يموت، رحمه الله تعالى؛ وهذه سنة ست وخمسين مات فيها عالمان كبيران وثلاثة ملوك كبار، فالعالمان أبو الفرج المذكور وأبو علي القالي - وقد ذكرناه في حرف الهمزة (١) - والملوك الثلاثة سيف الدولة بن حمدان، ومعز الدولة بن بويه وكافور الإخشيدي، وهو مذكور في ترجمة كل واحد.
٤٤١ - (٢)
الحافظ ابن عساكر
الحافظ أبو القاسم علي بن أبي محمد الحسن بن هبة الله أبي الحسن بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن عساكر، الدمشقي الملقب ثقة الدين كان محدث الشام في وقته، ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، ورحل وطوف وجاب البلاد ولقي المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني في الرحلة، وكان حافظا دّيناً جمع بين معرفة المتون والأسانيد.
سمع ببغداد سنة عشرين وخمسمائة من أصحاب البرمكي والتنوخي والجوهري، ثم رجع إلى دمشق ثم رحل إلى خراسان ودخل نيسابور وهراة وأصبهان والجبال، وصنف التصانيف المفيدة وخرّج التخاريج. وكان حسن
стр. 1321
الكلام على الأحاديث، محظوظاً في الجمع والتأليف، صنف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلدة، أتى فيه بالعجائب، وهو على نسق " تاريخ بغداد ". قال لي شيخنا الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري حافظ مصر أدام الله به النفع، وقد جرى ذكر هذا التاريخ، وأخرج لي منه مجلداً وطال الحديث في أمره واستعظامه: ما أظن هذا الرجل إلى عزم على وضع هذا التاريخ من عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا فالعمر يقصر عن أن يجمع فيه الإنسان مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال والتنبه. ولقد قال الحق، ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا القول (١) ، ومتى يتسع للإنسان الوقت حتى يضع مثله وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره، وما صح له هذا إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط حصرها. وله غيره تواليف حسنة وأجزاء ممتعة، وله شعر لا بأس به، فمن ذلك قوله على ما قيل (٢) :
ألا إن الحديث أجل علمٍ ... وأشرفه (٣) الأحاديث العوالي
وأنفع كل نوعٍ منه عندي ... وأحسنه الفرائد في الأمالي
وإنك لن ترى للعلم شيئاً ... يحققه كأفواه الرجال
فكن يا صاح ذا حرصٍ عليه ... وخذه عن الرجال بلا ملال
ولا تأخذه من صحفٍ فترمى ... من التصحيف بالداء العضال ومن المنسوب إليه أيضاً:
أيا نفس ويحك جاء المشيب ... فماذا التصابي وماذا الغزل
تولى شبابي كأن لم يكن ... وجاء مشيبي كأن لم يزل
كأني بنفسي على غرةٍ ... وخطب المنون بها قد نزل
فيا ليت شعري ممن أكون ... وما قدر الله لي بالأزل
стр. 1322
وقد التزم فيها مالا يلزم، وهو الزاي قبل اللام، والبيت الثاني هو بيت علي بن جبلة المعروف بالعكوك، وهو قوله:
شبابٌ كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل وليس بينهما إلا تغيير يسير كما تراه، وهذا البيت من جملة أبيات - وسيأتي ذكر قائله بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وكانت ولادة الحافظ المذكور في أول المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة. وتوفي ليلة الاثنين الحادي عشر من رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة بدمشق، ودفن عند والده وأهله بمقابر باب الصغير، رحمهم الله تعالى. وصلى عليه الشيخ قطب الدين النيسابوري - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وحضر الصلاة عليه السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى.
(١١٥) وتوفي ولده أبو محمد القاسم الملقب بهاء الدين ابن الحافظ (١) في التاسع من صفر سنة ستمائة بدمشق، ودفن من يومه خارج باب النصر، ومولده بها ليلة النصف من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وكان أيضاً حافظاً (٢) .
(١١٦) وتوفي أخوه الفقيه المحدث الفاضل صائن الدين هبة الدين بن الحسن بن هبة الله يوم الأحد الثالث والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستين وخمسمائة بدمشق، ودفن من الغد بمقبرة باب الصغير، ومولده على ما ذكر أخوه الحافظ المذكور في العشر الأول من رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقدم بغداد سنة عشرين وخمسمائة، وقرأ على أسعد الميهني - المقدم ذكره (٣) - وابن برهان، وعاد إلى دمشق، ودرس بالمقصورة الغربية في جامع دمشق وأفتى وحّدث، رحمه الله تعالى.
стр. 1323
٤٤٢ - (١)
السمسماني
أبو الحسن علي بن عبيد الله بن عبد الغفار السمسماني اللغوي؛ كان قيماً بعلم اللغة (٢) مشهوراً؛ وكتب الأدب التي عليها خطه مرغوبٌ فيها، ولا أعرف شيئاً من أحواله سوى أنه سمع أبا بكر ابن شاذان وأبا الفضل ابن المأمون؛ وذكره الخطيب في تاريخه وقال (٣) : كتبت عنه.
وكان صدوقاً، وكتب الكثير، وخطه في غاية الإتقان والصحة، وتصدر ببغداد للرواية وإقراء الأدب، وأكثر كتبه بخطه، وحصلت بعده عند ابن دينار الواسطي الأديب وأدركها الغرق ففسد أكثرها. وتوفي يوم الأربعاء رابع المحرم سنة خمس عشرة وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
ولا أعرف نسبته إلى ماذا هي، وهي بكسر السينين المهملتين وسكون الميم الأولى وفتح الثانية وبالنون، ثم وجدت في " درة الغواص " للحريري ما مثاله (٤) : ويقولون في النسبة إلى الفاكهة والباقلاء والسمسم: فاكهاني، وباقلاني، وسمسماني، فيخطئون فيه، وبين وجه الخطأ، ثم قال بعد ذلك: ووجه الكلام أن يقال في المنسوب إلى السمسم سمسمي، وتمم الكلام إلى آخره. فلما وقفت على هذا علمت أن نسبة أبي الحسن المذكور إلى السمسم، وأنه استعمل على اصطلاح الناس، والله أعلم.
стр. 1324
(١) ٤٤٣
الشريف المرتضى
الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁؛ كان نقيب الطالبيين وكان إماماً في علم الكلام والأدب (٢) والشعر، وهو أخو الشريف الرضي - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وله تصانيف على مذهب الشيعة ومقالة في أصول الدين، وله ديوان شعر كبير (٣) ، وإذا وصف الطيف أجاد فيه، وقد استعمله في كثير من المواضع. وقد اختلف الناس في كتاب " نهج البلاغة " المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب، ﵁، هل هو (٤) جمعه أم جمع أخيه الرضي وقد قيل: إنه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه، والله أعلم. وله الكتاب الذي سماه " الغرر والدرر " (٥) وهي مجالس أملاها تشتمل على فنون من معاني الأدب تكلم فيها على النحو واللغة وغير ذلك، وهو كتاب ممتع يدل على فضل كثير، وتوسع في الاطلاع على العلوم.
وذكره ابن بسام الأندلسي في أواخر كتاب " الذخيرة " فقال: كان هذا الشريف إمام أئمة العراق، بين الاختلاف والاتفاق، إليه فزع علماؤها، وعنه
стр. 1325
أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، وجماع شاردها وآنسها، ممن سارت أخباره، وعرفت له أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، إلى تواليفه في الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين، مما يشهد أنه فرع تلك الأصول، ومن أهل ذلك البيت الجليل، وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله (١) :
ضن عني بالنزر إذ أنا يقظا ... ن وأعطى كثيره في المنام
والتقينا كما اشتهينا ولا عي ... ب سوى أن ذاك في الأحلام
وإذا كانت الملاقاة ليلاً ... فالليالي خيرٌ من الأيام قلت: وهذا من قول أبي تمام الطائي (٢) :
استزارته فكرتي في المنام ... فأتاني في خفية واكتتام
يا لها زورةً تلذذت الأر ... واح فيها سراً من الأجسام
مجلسٌ لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام ومن شعره أيضاً (٣) :
يا خليلي من ذؤابة قيسٍ ... في التصابي رياضة الأخلاق
عللاني بذكرهم تطرباني ... واسقياني دمعي بكأسٍ دهاق
وخذا النوم من جفوني فإني ... قد خلعت الكرى على العشاق فلما وصلت هذه الأبيات إلى البصروي الشاعر قال: المرتضى قد خلع ما لا يملك على من لا يقبل.
ومن شعره أيضاً:
ولما تفرقنا كما شاءت النوى ... تبين ودٌ خالصٌ وتودد
стр. 1326
كأني وقد سار الخليط عشيةً ... أخو جنةً مما أقوم وأقعد ومعنى (١) البيت الأول مأخوذ من قول المتنبي في مديح عضد الدولة بن بويه من جملة قصيدته الكافية التي ودعه بها لما عاد من خدمته من شيراز إلى العراق وقتل في الطريق، كما هو مشروح في ترجمة المتنبي وهو (٢) :
وفي الأحباب مختصٌ بوجدٍ ... وآخر يدعي معه اشتراكا
إذا اشتبهت دموعٌ في خدودٍ ... تبين من بكى ممن تباكى ونقلت من كتاب " جنان الجنان ورياض الأذهان " الذي صنفه القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد المعروف بابن الزبير الغساني - المقدم ذكره (٣) - ما نسبه إلى الشريف المرتضى المذكور، وهو (٤) :
بيني وبين عواذلي ... في الحب أطراف الرماح
أنا خارجيٌّ في الهوى ... لا حكم إلا للملاح ونسب إليه أيضاً:
مولاي يا بدر كل داجية ... خذ بيدي قد وقعت في اللجج
حسنك ما تنقضي عجائبه ... كالبحر حدث عنه بلا حرج
بحق من خط عارضيك ومن ... سلط سلطانها على المهج
مد يديك الكريمتين معي ... ثم ادع لي من هواك بالفرج وذكر له أيضاً:
قل لمن خده من اللحظ دامٍ ... رق لي من جوانح فيك تدمى
стр. 1327
يا سقيم الجفون من غير سقم ... لا تلمني إن مت منهن سقما
أنا خاطرت في هواك بقلبٍ ... ركب البحر فيك إما وإما وحكى الخطيب أبو زكرياء يحيى بن علي التبريزي اللغوي أن أبا الحسن علي ابن أحمد بن علي بن سلك الفالي الأديب كانت له نسخة بكتاب " الجمهرة " لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها واشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم المذكور بستين ديناراً، وتصفحها فوجد بها أبياتاً بخط بائعها أبي الحسن الفالي وهي:
أنست بها عشرين حولاً وبعتها ... لقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها ... ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصبيةٍ ... صغارٍ عليهم تستهل شؤوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرةٍ ... مقالة مكوي الفؤاد حزين:
" وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من ربٍ بهن ضنين " (١) وهذا الفالي منسوب إلى فالة - بالفاء - وهي بلدة بخوزستان قريبة من إيذج، أقام بالبصرة لمدة طويلة، وسمع بها من أبي عمرو ابن عبد الواحد الهاشمي وأبي الحسن ابن النجاد وشيوخ ذلك الوقت، وقدم بغداد واستوطنها وحدث بها. وأما جده سلك فهو بفتح السين المهملة وتشديد اللام وفتحها وبعدها كاف، هكذا وجدته مقيداً، ورأيت في موضع آخر بكسر السين وسكون اللام، والله أعلم بالصواب.
وملح الشريف المرتضى وفضائله كثيرة. وكانت ولادته في سنة خمس وخمسين وثلثمائة. وتوفي يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وأربعمائة ببغداد، ودفن في داره عشية ذلك النهار، رحمه الله تعالى.
(١١٧) وكانت وفاة أبي الحسن الفالي المذكور في ذي القعدة سنة ثمان وأربعين
стр. 1328
وأربعمائة ليلة الجمعة ثامن الشهر المذكور، ودفن في مقبرة جامع المنصور، وكان أديباً شاعراً. روى عنه الخطيب أبو بكر صاحب " تاريخ بغداد " (١) ، وأبو الحسين ابن الطيوري وغيرهما، ﵏ أجمعين.
٤٤٤ - (٢)
الخلعي
أبو الحسين علي بن الحسن بن الحسين بن محمد القاضي، المعروف بالخلعي، الموصلي الأصل المصري الشافعي، صاحب " الخلعيات " المنسوبة إليه؛ سمع أبا الحسن الحوفي وأبا محمد ابن النحاس وأبا الفتح العداس وأبا سعد الماليني وأبا القاسم الأهوازي وغيرهم.
قال القاضي عياض اليحصبي: سألت أبا علي الصدفي عنه، وكان قد لقيه لما رحل إلى البلاد الشرقية، فقال: فقيه له تواليف، ولي القضاء وقضى يوماً واحداً واستعفى وانزوى بالقرافة الصغرى، وكان مسند مصر بعد الحبال. وذكره القاضي أبو بكر ابن العربي فقال: شيخ معتزل في القرافة له علو في الرواية وعنده فوائد، وقد حدث عنه الحميدي وكنى عنه بالقرافي. وقال غيره: ولي الخلعي قضاء فامية، وخرج له أبو نصر أحمد بن الحسن الشيرازي أجزاء من مسموعاته، آخر من رواها عنه أبو رفاعة، ونقلت منها عن
стр. 1329
الأصمعي، قال: كان نقش خاتم أبي عمرو ابن العلاء:
وإن امرءاً دنياه أكبر همه ... لمستمسكٌ منها بحبل غرور فسألته عن ذلك فقال: كنت في ضيعتي نصف النهار أدور فيها، فسمعت قائلاً يقول هذا البيت ونظرت فلم أر أحداً فكتبته على خاتمي.
قال أبو العباس ثعلب: هذا البيت لهانئ بن توبة بن سحيم بن مرة المعروف بالشويعر الحنفي.
وقال الحافظ أبو طاهر السلفي: كان أبو الحسن الخلعي إذا سمع عليه الحديث يختم مجالسه بهذا الدعاء: اللهم ما مننت به فتممه، وما أنعمت به فلا تسلبه، وما سترته فلا تهتكه، وما علمته فاغفره. وكانت ولادة الخلعي في المحرم (١) سنة خمس وأربعمائة بمصر. وتوفي بها في ثامن عشر ذي الحجة يوم السبت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وقيل في السادس والعشرين من الشهر المذكور.
وتوفي أبوه في شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، رحمهما الله تعالى.
والخلعي: بكسر الخاء المعجمة وفتح اللام وبعدها عين مهملة، هذه النسبة إلى الخلع ونسب إليها أبو الحسن المذكور لأنه كان يبيع بمصر الخلع لأملاك مصر، فاشتهر بذلك وعرف به.
وأما القرافة: بفتح القاف والراء المخففة وبعد الألف فاء، فهما قرافتان الكبرى منهما ظاهر مصر، والصغرى ظاهر القاهرة، وبها قبر الإمام الشافعي، ﵁.
وبنو قرافة: فخذ من المعافر بني يعفر، نزلوا هذين المكانين فنسبا إليه.
وفامية: بالفاء وبعد الألف ميم مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم هاء قد يزاد فيها الألف فيقال: أفامية، وهي قلعة ورستاق من أعمال حلب الآن.
стр. 1330
٤٤٥ - (١)
الشابشتي
أبو الحسين علي بن محمد الشابشتي (٢) الكاتب؛ كان أديباً فاضلاً، تعلق بخدمة العزيز بن المعز العبيدي صاحب مصر، فولاه أمر خزانة كتبه، وجعله دفترخوان يقرأ له الكتب ويجالسه وينادمه، وكان حلو المحاورة، لطيف المعاشرة، وله مصنفات حسنة، منها: كتاب " الديارات " ذكر فيه كل دير بالعراق والموصل والشام والجزيرة والديار المصرية وجميع الأشعار المقولة في كل دير وما جرى فيه، وهو على أسلوب " الديارات " للخالديين وأبي الفرج الأصبهاني، مع أن هذه الديارات قد جمع فيها تواليف كثيرة، وله كتاب " اليسر بعد العسر " وكتاب " مراتب الفقهاء " وكتاب " التوقيف والتخويف " وله مكاتبات ومراسلات مضمنة شعراً وحكماً، وغير ذلك من المصنفات في الأدب وغيره.
وتوفي سنة تسعين وثلثمائة، وقال الأمير المختار المعروف بالمسبحي: توفي سنة ثمان وثمانين وثلثمائة، وزاد غيره فقال: ليلة الثلاثاء منتصف صفر، رحمه الله تعالى، وكانت وفاته بمصر.
والشابشتي: بفتح الشين المعجمة وبعد الألف باء موحدة مضمومة ثم شين معجمة ساكنة وبعدها تاء مثناة من فوقها - كشفت عن هذه النسبة كثيراً فلم أعرفها، ثم بعد هذا بسنين كثيرة وجدت في كتاب " التاجي " تصنيف أبي إسحاق الصابي أن الشابشتي حاجب وشمكير بن زيار الديلمي، قتل في سنة
стр. 1331
ست وعشرين وثلثمائة بالقرب من أصبهان.
قلت: وهذا اسم (١) ديلمي يشبه النسبة وليس بنسبة، ويحتمل أن يكون صاحب هذه الترجمة منسوباً إليه، بأن يكون أحد أجداده من أصحابه فنسب إليه، وبقي النسب على أولاده كذلك. وهكذا وشمكير هو والد الأمير قابوس - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
٤٤٦ - (٢)
القابسي
أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القروي، المعروف بابن القابسي (٣) ؛ كان إماماً في علم الحديث ومتونه وأسانيده وجميع ما يتعلق به، وكان للناس فيه اعتقاد كثير، وصنف في الحديث كتاب " الملخص " جمع فيه ما اتصل إسناده من حديث مالك بن أنس، ﵁، في كتاب " الموطإ " رواية أبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم المصري، وهو على صغر حجمه جيد في بابه.
وكانت ولادة أبي الحسن المذكور في يوم الاثنين لست مضين من رجب سنة أربع وعشرين وثلثمائة، ورحل إلى الشرق يوم السبت لعشر مضين من شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، وحج سنة ثلاث وخمسين، وسمع كتاب البخاري بمكة من أبي زيد، ورجع إلى القيروان فوصلها غداة الأربعاء أول شعبان أو ثانيه سنة سبع وخمسين كذا قاله أبو عبد الله مالك بن وهيب. وذكر الحافظ السلفي في " معجم السفر " أن شخصاً قال في مجلس القابسي وهو
стр. 1332
بالقيروان: ما قصر المتنبي في معنى قوله (١) :
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل فقال له: يا مسكين أين أنت عن قوله تعالى: (لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: ٣٠) (٢) . وتوفي ليلة الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة، ودفن يوم الأربعاء وقت العصر بالقيروان، وبات عند قبره من الناس خلق عظيم، وضربت الأخبية، وأقبل الشعراء بالمراثي، رحمه الله تعالى.
ولما طعن في السن كان كثيراً ما ينشد قول زهير بن أبي سلمى المزني (٣) :
سئمت تكاليف الحياة، ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم وقال أبو بكر الصقلي: قال لي أبو الحسن القابسي: كذب علي وعليك وسموني بالقابسي وما أنا بالقابسي، وإنما السبب في ذلك أن عمي كان يشد عمامته شدة قابسية فقيل لعمي " قابسي " واشتهرنا بذلك، وإلا فأنا قروي؛ وأنت، فلما دخل أبوك مسافراً إلى صقلية نسب إليها فقيل " الصقلي ".
ومما سمع القاضي يقول أول جلوسه للمناظرة بأثر صوت أبي محمد:
لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم ثم بكى حتى أبكى القوم وقال: أنا الهشيم أنا الهشيم، والله لو ان في الأرض خضراء ما رعيت أنا. وأبو محمد هذا أبو محمد عبد الله بن أبي هاشم التجيبي شيخه الذي روى عنه، وهو قروي. وقال أبو عمرو الداني: كان شيخنا أبو الحسن - يعني القابسي - يقرأ " الملخص " - بكسر الخاء - يجعله فاعلاً، يريد
стр. 1333
انه يلخص المتصل من حديث مالك، رحمه الله تعالى، وتقدير الترجمة: ما اتصل من حديث مالك للمستحفظين (١) .
والقابسي: بفتح القاف وبعد الألف باء موحدة مكسورة ثم سين مهملة، هذه النسبة إلى قابس، وهي مدينة بإفريقية بالقرب من المهدية، ولما فتحها الأمير تميم بن المعز بن باديس - المقدم ذكره (٢) - قال ابن محمد خطيب سوسة قصيدة طائلة أولها:
ضحك الزمان وكان يدعى عابساً ... لما فتحت بحد عزمك قابسا
أنكحتها عذراء ما أصدقتها ... إلا قناً وبواتراً وفوارسا
الله يعلم ما جنيت ثمارها ... إلا وكان أبوك قبلك غارسا
من كان بالسمر العوالي خاطباً ... أضحت له بيض الحصون عرائسا ٤٤٧ (٣)
ابن القطاع
أبو القاسم علي بن جعفر بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن محمد ابن زيادة الله بن محمد بن الأغلب السعدي بن إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال ابن خفاجة بن عبد الله بن عباد بن محرث (٤) بن سعد بن حرام (٥) بن سعد بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بم مضر ابن نزار بن معد بن عدنان، المعروف بابن القطاع السعدي، الصقلي المولد
стр. 1334
المصري الدار والوفاة، اللغوي؛ هكذا وجدت هذا النسب بخطي في مسوداتي، وما أعلم من أين نقلته. والمنقول من خطه أنه علي بن جعفر بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسين الشنتريني (١) السعدي، أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم، والله أعلم.
كان أحد أئمة الأدب خصوصاً اللغة، وله تصانيف نافعة، منها كتاب " الأفعال " أحسن فيه كل الإحسان، وهو أجود من " الأفعال " لابن القوطية وإن كان ذلك قد سبقه إليه، وله كتاب " أبنية الأسماء " جمع فيه فأوعب، وفيه دلالة على كثرة اطلاعه، وله عروض حسن جيد، وكتاب " الدرة الخطيرة في المختار من شعراء الجزيرة " (٢) وكتاب " لمح الملح " (٣) جمع فيه خلقاً من شعراء الأندلس.
وكانت ولادته في العاشر من صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة بصقلية، وقرأ الأدب على فضلائها كابن البر اللغوي (٤) وأمثاله، وأجاد في النحو غاية الإجادة، ورحل عن صقلية لما أشرف على تملكها الفرنج (٥) ، ووصل إلى مصر في حدود سنة خمسمائة، وبالغ أهل مصر في إكرامه، وكان ينسب إلى التساهل في الرواية، ونظم الشعر في سنة ست وأربعين، ومن شعره في ألثغ:
وشادنٍ في لسانه عقدٌ ... حلت عقودي وأوهنت جلدي
عابوه جهلاً بها فقلت لهم ... أما سمعتم بالنفث في العقد وله من جملة قصيدة:
فلا تنفدن العمر في طلب الصبا ... ولا تشقين يوماً بسعدى ولا نعم
стр. 1335
ولا تندبن أطلال مية باللوى ولا تسفحن ماء الشؤون على رسم (١)
فإن قصارى المرء إدراك حاجةٍ وتبقى مذمات الأحاديث والإثم
ومن شعره في غلام اسمه حمزة:
يا من رمى النار في فؤادي ... وأنبط العين بالبكاء
اسمك تصحيفه بقلبي (٢) ... وفي ثناياك برء دائي
اردد سلامي فإن نفسي ... لم يبق منها سوى الذماء
وارفق بصبٍ أتى ذليلاً ... قد مزج اليأس بالرجاء
أنهكه في الهوى التجني ... فصار في رقة الهواء وله شعر كثير.
[وكانت ولادته في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، هكذا ذكره في كتابه " الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة " عند ذكر ترجمة نفسه، رحمه الله تعالى، في أواخر الكتاب المذكور، ورأيته بخطه] (٣) . وتوفي بمصر في صفر سنة خمس عشرة وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على السعدي والصقلي.