← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ست وعشرين وثلثمائة بالقرب من أصبهان. قلت: وهذا اسم (١) ديلمي يشبه النسبة وليس بنسبة، ويحتمل أن يكون صاحب هذه الترجمة منسوباً إليه، بأن يكون أحد أجداده من أصحابه فنسب إليه، وبقي النسب على أولاده كذلك. وهكذا وشمكير هو والد الأمير قابوس - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى. ٤٤٦ - (٢) القابسي أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القروي، المعروف بابن القابسي (٣) ؛ كان إماماً في علم الحديث ومتونه وأسانيده وجميع ما يتعلق به، وكان للناس فيه اعتقاد كثير، وصنف في الحديث كتاب " الملخص " جمع فيه ما اتصل إسناده من حديث مالك بن أنس، ﵁، في كتاب " الموطإ " رواية أبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم المصري، وهو على صغر حجمه جيد في بابه. وكانت ولادة أبي الحسن المذكور في يوم الاثنين لست مضين من رجب سنة أربع وعشرين وثلثمائة، ورحل إلى الشرق يوم السبت لعشر مضين من شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، وحج سنة ثلاث وخمسين، وسمع كتاب البخاري بمكة من أبي زيد، ورجع إلى القيروان فوصلها غداة الأربعاء أول شعبان أو ثانيه سنة سبع وخمسين كذا قاله أبو عبد الله مالك بن وهيب. وذكر الحافظ السلفي في " معجم السفر " أن شخصاً قال في مجلس القابسي وهو

стр. 1332

بالقيروان: ما قصر المتنبي في معنى قوله (١) : يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل فقال له: يا مسكين أين أنت عن قوله تعالى: (لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: ٣٠) (٢) . وتوفي ليلة الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة، ودفن يوم الأربعاء وقت العصر بالقيروان، وبات عند قبره من الناس خلق عظيم، وضربت الأخبية، وأقبل الشعراء بالمراثي، رحمه الله تعالى. ولما طعن في السن كان كثيراً ما ينشد قول زهير بن أبي سلمى المزني (٣) : سئمت تكاليف الحياة، ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم وقال أبو بكر الصقلي: قال لي أبو الحسن القابسي: كذب علي وعليك وسموني بالقابسي وما أنا بالقابسي، وإنما السبب في ذلك أن عمي كان يشد عمامته شدة قابسية فقيل لعمي " قابسي " واشتهرنا بذلك، وإلا فأنا قروي؛ وأنت، فلما دخل أبوك مسافراً إلى صقلية نسب إليها فقيل " الصقلي ". ومما سمع القاضي يقول أول جلوسه للمناظرة بأثر صوت أبي محمد: لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم ثم بكى حتى أبكى القوم وقال: أنا الهشيم أنا الهشيم، والله لو ان في الأرض خضراء ما رعيت أنا. وأبو محمد هذا أبو محمد عبد الله بن أبي هاشم التجيبي شيخه الذي روى عنه، وهو قروي. وقال أبو عمرو الداني: كان شيخنا أبو الحسن - يعني القابسي - يقرأ " الملخص " - بكسر الخاء - يجعله فاعلاً، يريد

стр. 1333

انه يلخص المتصل من حديث مالك، رحمه الله تعالى، وتقدير الترجمة: ما اتصل من حديث مالك للمستحفظين (١) . والقابسي: بفتح القاف وبعد الألف باء موحدة مكسورة ثم سين مهملة، هذه النسبة إلى قابس، وهي مدينة بإفريقية بالقرب من المهدية، ولما فتحها الأمير تميم بن المعز بن باديس - المقدم ذكره (٢) - قال ابن محمد خطيب سوسة قصيدة طائلة أولها: ضحك الزمان وكان يدعى عابساً ... لما فتحت بحد عزمك قابسا أنكحتها عذراء ما أصدقتها ... إلا قناً وبواتراً وفوارسا الله يعلم ما جنيت ثمارها ... إلا وكان أبوك قبلك غارسا من كان بالسمر العوالي خاطباً ... أضحت له بيض الحصون عرائسا ٤٤٧ (٣) ابن القطاع أبو القاسم علي بن جعفر بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن محمد ابن زيادة الله بن محمد بن الأغلب السعدي بن إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال ابن خفاجة بن عبد الله بن عباد بن محرث (٤) بن سعد بن حرام (٥) بن سعد بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بم مضر ابن نزار بن معد بن عدنان، المعروف بابن القطاع السعدي، الصقلي المولد

стр. 1334

المصري الدار والوفاة، اللغوي؛ هكذا وجدت هذا النسب بخطي في مسوداتي، وما أعلم من أين نقلته. والمنقول من خطه أنه علي بن جعفر بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسين الشنتريني (١) السعدي، أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم، والله أعلم. كان أحد أئمة الأدب خصوصاً اللغة، وله تصانيف نافعة، منها كتاب " الأفعال " أحسن فيه كل الإحسان، وهو أجود من " الأفعال " لابن القوطية وإن كان ذلك قد سبقه إليه، وله كتاب " أبنية الأسماء " جمع فيه فأوعب، وفيه دلالة على كثرة اطلاعه، وله عروض حسن جيد، وكتاب " الدرة الخطيرة في المختار من شعراء الجزيرة " (٢) وكتاب " لمح الملح " (٣) جمع فيه خلقاً من شعراء الأندلس. وكانت ولادته في العاشر من صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة بصقلية، وقرأ الأدب على فضلائها كابن البر اللغوي (٤) وأمثاله، وأجاد في النحو غاية الإجادة، ورحل عن صقلية لما أشرف على تملكها الفرنج (٥) ، ووصل إلى مصر في حدود سنة خمسمائة، وبالغ أهل مصر في إكرامه، وكان ينسب إلى التساهل في الرواية، ونظم الشعر في سنة ست وأربعين، ومن شعره في ألثغ: وشادنٍ في لسانه عقدٌ ... حلت عقودي وأوهنت جلدي عابوه جهلاً بها فقلت لهم ... أما سمعتم بالنفث في العقد وله من جملة قصيدة: فلا تنفدن العمر في طلب الصبا ... ولا تشقين يوماً بسعدى ولا نعم

стр. 1335

ولا تندبن أطلال مية باللوى ولا تسفحن ماء الشؤون على رسم (١) فإن قصارى المرء إدراك حاجةٍ وتبقى مذمات الأحاديث والإثم ومن شعره في غلام اسمه حمزة: يا من رمى النار في فؤادي ... وأنبط العين بالبكاء اسمك تصحيفه بقلبي (٢) ... وفي ثناياك برء دائي اردد سلامي فإن نفسي ... لم يبق منها سوى الذماء وارفق بصبٍ أتى ذليلاً ... قد مزج اليأس بالرجاء أنهكه في الهوى التجني ... فصار في رقة الهواء وله شعر كثير. [وكانت ولادته في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، هكذا ذكره في كتابه " الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة " عند ذكر ترجمة نفسه، رحمه الله تعالى، في أواخر الكتاب المذكور، ورأيته بخطه] (٣) . وتوفي بمصر في صفر سنة خمس عشرة وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وقد تقدم الكلام على السعدي والصقلي.

стр. 1336

(١) ٤٤٨ ابن حزم الظاهري أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن معدان بن سفيان بن يزيد، مولى يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموي، وجده يزيد أول من أسلم من أجداده، وأصله من فارس، وجده خلف أول من دخل الأندلس من آبائه. ومولده بقرطبة من بلاد الأندلس يوم الأربعاء قبل طلوع الشمس سلخ شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلثمائة في الجانب الشرقي منها. وكان حافظاً عالماً بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطاً للأحكام من الكتاب والسنة بعد أن كان شافعي المذهب، فانتقل إلى مذهب أهل الظاهر، وكان متفنناً في علوم جمة، عاملاً بعلمه، زاهداً في الدنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الممالك، متواضعاً ذا فضائل جمة وتواليف كثيرة، وجمع من الكتب في علوم الحديث والمصنفات والمسندات شيئاً كثيراً، وسمع سماعاً جماً، وألف في فقه الحديث كتاباً سماه " الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة (٢) لحمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع " أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، ﵃ أجمعين، في مسائل الفقه، والحجة لكل طائفة وعليها، وهو كتاب كبير، وله كتاب " الإحكام لأصول الأحكام " في غاية التقصي وإيراد

стр. 1337

الحجج، وكتاب " الفصل في الملل في الأهواء والنِّحل " وكتاب في الإجماع ومسائله على أبواب الفقه، وكتاب في مراتب العلوم وكيفية طلبها وتعلق بعضها ببعض، وكتاب " إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل " وهذا معنى لم يسبق إليه، كتاب " التقريب بحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية " فإنه سلك في بيانه وإزالة سوء الظن عنه وتكذيب الممخرقين به طريقة لم يسلكها أحد قبله، وكان شيخه في المنطق محمد بن الحسن المذحجي القرطبي المعروف بابن الكتاني (١) ، وكان أديباً شاعراً طبيباً له في الطب رسائل، وكتب في الأدب، ومات بعد الأربعمائة، ذكر ذلك ابن ماكولا في كتاب " الإكمال " في باب الكتامي والكتاني، نقلاً عن الحافظ أبي عبد الله الحميدي. وله كتاب صغير سماه " نقط العروس " جمع كل غريبة نادرة، وهو مفيد جداً. وقال ابن بشكوال في حقه (٢) : كان أبو محمد أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفةً مع توسعه في علم اللسان ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة بالسير والأخبار. أخبر ولده أبو رافع الفضل أنه اجتمع عنده بخط أبيه من تأليفه نحو أربعمائة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن فتوح الحميدي (٣) : ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ وكرم النفس والتدين، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه. ثم قال: أنشدني لنفسه: لئن أصبحت مرتحلاً بجسمي ... فروحي عندكم أبداً مقيم ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم وله في المعنى:

стр. 1338

يقول أخي شجاك رحيل جسمٍ ... وروحك ما له عنا رحيل فقلت له: المعاين مطمئن ... لذا طلب المعاينة الخليل وروى له الحافظ الحميدي أيضاً (١) : أقمنا ساعة ثم ارتحلنا ... وما يغني المشوق وقوف ساعه كأن الشمل لم يك ذا اجتماع ... إذا ما شتت البين اجتماعه وقال الحميدي أيضاً (٢) : أنشدني أبو محمد علي بن أحمد بن حزم - يعني المذكور - لعبد الملك بن جهور: إن كانت الأبدان بائنةً ... فنفوس أهل الظرف تأتلف يا رب مفترقين قد جمعت ... قلبيهما الأقلام والصحف ومن شعره أيضاً (٣) : وذي عذلٍ فيمن سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول أفي حسن وجهٍ لاح لم تر غيره ... ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل فقلت له أسرفت في اللوم ظالماً ... وعندي ردٌ لو أردت طويل ألم تر أني ظاهري وأنني ... على ما بدا حتى يقوم دليل وكانت بينه وبين أبي الوليد سليمان الباجي - المذكور في حرف السين (٤) - مناظرات وما جرايات يطول شرحها، وكان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فنفرت عنه القلوب واستهدف لفقهاء وقته، فتمالأوا على بغضه وردوا قوله واجمعوا على تضليله وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من

стр. 1339

فتنته ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ منه، فأقصته الملوك وشردته عن بلاده حتى انتهى إلى بادية لبلة فتوفي بها آخر نهار الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة، وقيل إنه توفي في منت ليشم، وهي قرية ابن حزم المذكور، رحمه الله تعالى. وفيه قال أبو العباس ابن العريف - المقدم ذكره (١) -: كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين، وإنما قال ذلك لكثرة وقوعه في الأئمة. (١١٨) وكانت وفاة والده أبي عمر أحمد (٢) في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة، وكان وزير الدولة العامرية، وهو من أهل العلم والأدب والخير والبلاغة، وقال ولده أبو محمد المذكور: أنشدني والدي الوزير في بعض وصاياه لي رحمه الله تعالى: إذا شئت أن تحيا غنياً فلا تكن ... على حالةٍ إلا رضيت بدونها وذكر الحميدي في كتاب " جذوة المقتبس " (٣) أن الوزير المذكور كان جالساً بين يدي مخدومه المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر في بعض مجالسه العامة (٤) ، فرفعت إليه رقعة استعطاف لأم رجل مسجون كان المنصور اعتقله حنقاً عليه لجرم استعظمه منه، فلما قرأها اشتد غضبه، وقال: ذكرتني والله به، وأخذ القلم وأراد أن يكتب: يصلب، فكتب: يطلق، ورمى الورقة إلى وزيره المذكور، وأخذ الوزير القلم وتناول الورقة وجعل يكتب بمقتضى التوقيع إلى صاحب الشرطة، فقال له المنصور: ما هذا الذي تكتب قال: بإطلاق فلان، فحرد، وقال: من أمر بهذا فناوله التوقيع، فلما رآه قال: وهمت، والله ليصلبن، ثم خط على التوقيع، وأراد أن يكتب " يصلب " فكتب " يطلق "، فأخذ الوزير الورقة، وأراد أن يكتب إلى الوالي بالإطلاق، فنظر إليه المنصور وغضب

стр. 1340

أشد من الأول، وقال: من أمر بهذا فناوله التوقيع، فرأى الخط، فخط عليه، وأراد أن يكتب " يصلب " فكتب " يطلق "، وأخذ الوزير التوقيع وشرع في الكتابة إلى الوالي، فرآه المنصور فأنكر أكثر من المرتين الأوليين، فأراه خطه بالإطلاق، فلما رآه عجب من ذلك، وقال: نعم يطلق على رغمي، فمن أراد الله سبحانه إطلاقه لا أقدر أنا على منعه. (١١٩) وكان لأبي محمد (١) ولد نبيه سريٌّ فاضل يقال له أبو رافع الفضل ابن أبي محمد علي، وكان في خدمة المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية وغيرها من بلاد الأندلس، وكان المعتمد قد غضب على عمه أبي طالب عبد الجبار بن محمد بن إسماعيل بن عباد وهمَّ بقتله لأمرٍ رابه منه، فاستحضر وزراءه وقال لهم: من يعرف منكم في الخلفاء أو ملوك الطوائف من قتل عمه عندما هم بالقيام عليه فتقدم أبو رافع المذكور، وقال: ما نعرف أيدك الله إلا من عفا عن عمه بعد قيامه عليه، وهو إبراهيم بن المهدي عم المأمون من بني العباس، فقبله المعتمد بين عينيه وشكره، ثم أحضر عمه وبسطه وأحسن إليه. وقتل أبو رافع المذكور في وقعة الزلاقة مع مخدومه المعتمد في يوم الجمعة منتصف رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة - وقد استوفيت خبر هذه الواقعة في ترجمة يوسف بن تاشفين فلينظر هناك، وقد سبق ذكر إبراهيم بن المهدي في هذا الكتاب (٢) - والله أعلم. ولبلة: بفتح اللامين، وبينهما باء موحدة ساكنة، وفي الأخير هاء ساكنة، بلدة بالأندلس (٣) . ومنت ليشم: بفتح الميم وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها وكسر

стр. 1341

اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الشين المعجمة وفي آخرها ميم، وهي قرية من أعمال لبلة كانت ملك ابن حزم المذكور، وكان يتردد إليها. ٤٤٩ - (١) ابن سيده الحافظ أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن سيده المرسي؛ كان إماماً في اللغة والعربية حافظاً لهما وقد جمع في ذلك جموعاً، من ذلك كتاب " المحكم " في اللغة، وهو كتاب كبير جامع مشتمل على أنواع اللغة، وله كتاب " المخصص " في اللغة أيضاً وهو كبير، وكتاب " الأنيق " في شرح الحماسة في ست مجلدات، وغير ذلك من المصنفات النافعة. وكان ضريراً، وأبوه ضريراً، وكان أبوه أيضاً قيماً بعلم اللغة، وعليه اشتغل ولده في أول أمره، ثم على أبي العلاء صاعد البغدادي - المقدم ذكره - وقرأ أيضاً على أبي عمر الطلمنكي، قال الطلمنكي: دخلت مرسية فتشبث بي أهلها يسمعون علي " غريب المصنف " فقلت لهم: انظروا لي من يقرأ لكم وأمسك أنا كتابي، فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيده، فقرأه علي من أوله إلى آخره، فتعجبت من حفظه. وكان له في الشعر حظ وتصرف. وتوفي بحضرة دانية عشية يوم الأحد لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وعمره ستون سنة أو نحوها. رأيت على ظهر مجلد من " المحكم " بخط بعض فضلاء الأندلس أن ابن سيده المذكور كان يوم الجمعة قبل يوم الأحد المذكور صحيحاً سوياً إلى وقت صلاة المغرب، فدخل المتوضأ فأخرج منه وقد سقط لسانه وانقطع كلامه، فبقي على تلك الحال إلى العصر من

стр. 1342

يوم الأحد ثم توفي، رحمه الله تعالى؛ وقيل سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، والأول أصح وأشهر. وسيده: بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعدها هاء ساكنة. والمرسي: بضم الميم وسكون الراء وبعدها سين مهملة، هذه النسبة إلى مرسية، وهي مدينة في شرق الأندلس. والطلمنكي: بفتح الطاء المهملة واللام والميم وسكون النون وبعدها كاف، هذه النسبة إلى طلمنكة وهي مدينة في غرب الأندلس (١) . ودانية: بفتح الدال المهملة وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها مفتوحة وبعدها هاء ساكنة، وهي مدينة في شرق الأندلس أيضاً. ٤٥٠ - (٢) أبو الحسن الحصري أبو الحسن علي بن عبد الغني الفهري المقرئ الضرير الحصري القيرواني الشاعر المشهور. قال ابن بسام صاحب " الذخيرة " (٣) في حقه: كان بحر براعة، ورأس صناعة، وزعيم جماعة، طرأ على جزيرة الأندلس منتصف المائة الخامسة من الهجرة بعد خراب وطنه من القيروان، والأدب يومئذ بأفقنا نافق السوق،

стр. 1343

معمور الطريق، فتهادته ملوك طوائفها تهادي الرياض بالنسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم، على أنه كان فيما بلغني ضيق العطن، مشهور اللسن، يتلفت إلى الهجاء تلفت الظمأن إلى الماء، ولكنه طوي على غره (١) ، واحتمل بين زمانته وبعد قطره، ولما خلع ملوك الطوائف بأفقنا اشتملت عليه مدينة طنجة، وقد ضاق ذرعه، وتراجع طبعه. قلت: وهذا أبو الحسن ابن خالة أبي إسحاق الحصري صاحب " زهر الآداب "؛ وذكره ابن بشكوال في كتاب " الصلة " (٢) والحميدي أيضاً، وقال (٣) : كان عالماً بالقراءات وطرقها، وأقرأ الناس القرآن الكريم بسبتة وغيرها، وله قصيدة نظمها في قراءة نافع عدد أبياتها مائتان وتسعة (٤) ، وله ديوان شعر، فمن قصائده السائرة القصيدة التي أولها: يا ليل الصب (٥) متى غده ... أقيام الساعة موعده رقد السمار فأرقه ... أسفٌ للبين يردده وهي مشهورة (٦) فلا حاجة إلى إيرادها. وقد وازنها صاحبنا الفقيه نجم الدين موسى بن محمد بن موسى بن أحمد بن عيسى الكناني أبو الفضائل المعروف بالقمراوي، رحمه الله تعالى (٧) - والقمراوي بفتح القاف وسكون الميم وبعد الراء ألف ثم واو، هذه النسبة إلى قمراء وهي ضيعة بالشام من أعمال صرخد - والأبيات: قد مل مريضك عوده ... ورثى لأسيرك حسده

стр. 1344

لم يبق جفاك سوى نفسٍ ... زفرات الشوق تصعده هاروت يعنعن في السح ... ر إلى عينيك ويسنده وإذا أغمدت اللحظ فتك ... ت فكيف وأنت تجرده ومنها: كم سهل خدك وجه الرضا ... والحاجب منك يعقده ما أشرك فيك القلب فلم ... في نار الهجر تخلده ومن شعر الحصري أيضاً: أقول له وقد حيا بكأسٍ ... لها من مسك ريقته ختام أمن خديك تعصر قال كلا ... متى عصرت من الورد المدام ولما كان مقيماً بمدينة طنجة أرسل غلامه إلى المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، واسمها في بلادهم حمص، فأبطأ عنه، وبلغه أن المعتمد ما احتفل به، فعمل: نبه الركب الهجوعا ... ولم الدهر الفجوعا حمصٌ الجنة قالت ... لغلامي لا رجوعا رحم الله غلامي ... مات في الجنة جوعا وقد التزم في هذه الأبيات لزوم ما لا يلزم. وحكى تاج الدين العلا أبو زيد المعروف بالنسابة، قال: حدثني أبو أصبغ نباتة ابن الأصبغ بن زيد بن محمد الحارثي الأندلسي عن جده زيد بن محمد، قال: بعث المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية إلى أبي العرب الزبيري خمسمائة دينار، وأمره أن يتجهز بها ويتوجه إليه، وكان بجزيرة صقلية وهو من أهلها - وهو أبو العرب مصعب بن محمد بن أبي الفرات القرشي الزبيري الصقلي الشاعر - وبعث مثلها إلى أبي الحسن الحصري وهو بالقيروان، فكتب إليه أبو العرب: لا تعجبن لرأسي كيف شاب أسىً ... واعجب لأسود عيني كيف لم يشب البحر للروم لا تجري السفين به ... إلا على غررٍ والبر للعرب

стр. 1345

وكتب إليه الحصري: أمرتني بركوب البحر أقطعه ... غيري لك الخير فاخصصه بذا الراء ما أنت نوحٌ فتنجيني سفينته ... ولا المسيح أنا أمشي على الماء ثم دخل الأندلس بعد ذلك، وامتدح المعتمد وغيره (١) . وتوفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة بطنجة، رحمه الله تعالى. (١٢٠) ومولد القمراوي سنة إحدى وتسعين وخمسمائة تقديراً، وتوفي راجعاً من اليمن في أواخر صفر سنة إحدى وخمسين وست مائة، على ساحل بحر عيذاب بموضعٍ يقال له رأس دواير بين عيذاب وسواكن، ودفن في بر عيذاب مقابل موضع موته. والحصري: قد تقدم الكلام عليه في حرف الهمزة. وطنجة: بفتح الطاء وسكون النون وفتح الجيم، وهي بلدة بالمغرب، بينها وبين سبتة مرحلتان من تلك الناحية. (١٢١) وأما أبو العرب الزبيري فإنه ولد بصقلية سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، وخرج منها لما تغلب الروم عليها سنة أربع وستين وأربعمائة قاصداً للمعتمد بن عباد، قال ابن الصيرفي: وبلغني أنه (٢) في سنة سبع وخمسمائة حيٌّ بالأندلس.

стр. 1346

٤٥١ - (١) ابن خروف أبو الحسن علي بن محمد بن علي الحضرمي، المعروف بابن خروف النحوي الأندلسي الإشبيلي؛ كان فاضلاً في علم العربية، وله فيها مصنفات (٢) شهدت بفضله وسعة علمه، شرح كتاب سيبويه شرحاً جيداً، وشرح أيضاً كتاب " الجمل " لأبي القاسم الزجاجي وما أقصر فيه، وكان قد تخرج على ابن طاهر النحوي الأندلسي المعروف بالخدب (٣) . وتوفي سنة عشر وستمائة، وقيل إنه توفي سنة تسع وستمائة بإشبيلية، رحمه الله تعالى. وخروف: بفتح الخاء المعجمة - وهو غير ابن خروف الشاعر، وسيأتي ذكر ذلك أيضاً إن شاء الله تعالى في رسالته التي كتبها إلى بهاء الدين بن شداد، رحمه الله تعالى -. والحضرمي: بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء وبعدها ميم، هذه النسبة إلى حضرموت، وقد تقدم الكلام عليها.

стр. 1347

٤٥٢ - (١) الربعي النحوي أبو الحسن علي بن عيسى بن الفرج بن صالح الربعي النحوي، البغدادي المنزل الشيرازي الأصل؛ كان إماماً في النحو متقناً له، شرح كتاب " الإيضاح " لأبي علي الفارسي فأجاد فيه؛ اشتغل ببغداد على السيرافي ثم خرج إلى شيراز فقرأ على أبي علي الفارسي عشرين سنة ثم رجع إلى بغداد. وقال أبو علي: قولوا لعلي البغدادي لو سرت من الشرق إلى الغرب لم تجد أنحى منك. وقال أبو علي أيضاً لما انفصل عنه: ما بقي له شيء يحتاج يسأل عنه. وله عدة تواليف في النحو منها " شرح مختصر الجرمي ". وانتفع بالاشتغال عليه خلق كثير. وذكره ابن الأنباري في كتاب " طبقات الأدباء " (٢) . وكانت ولادته سنة ثمان وعشرين وثلثمائة. وتوفي ليلة السبت لعشر بقين من المحرم سنة عشرين وأربعمائة ببغداد، رحمه الله تعالى. والربعي: بفتح الراء والباء الموحدة وبعدها عين مهملة، هذه النسبة إلى ربيعة، ولا أعلم أهو ربيعة بن نزار أم غيره، فقد جاءت هذه النسبة إلى جماعة اسم كل واحد منهم ربيعة، والله أعلم.

стр. 1348

٤٥٣ - (١) الفصيحي أبو الحسن علي بن أبي زيد محمد بن علي النحوي، المعروف بالفصيحي الإستراباذي؛ أخذ النحو عن عبد القاهر الجرجاني صاحب " الجمل الصغرى " وتبحر فيه حتى صار أعرف أهل زمانه به، وقدم بغداد واستوطنها ودرّس النحو بالمدرسة النظامية مدة، وكان يكتب خطاً في غاية الصحة، وكتب كثيراً من كتب الأدب، وانتفع به خلقٌ كثير، ومن جملة من أخذ عنه ملك النحاة الحسن بن صافي - وقد تقدم ذكره (٢) - وروى عنه الحافظ أبو الطاهر السلفي الأصبهاني، وقال: جالسته ببغداد وسألته عن أحرف من العربية، وقال: أنشدني لبعض النحاة: النحو شؤمٌ كله فاعلموا ... يذهب بالخبز من البيت خيرٌ من النحو وأصحابه ... ثريدةٌ تعمل بالزيت وتوفي يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة سنة ست عشرة وخمسمائة ببغداد، رحمه الله تعالى. ولم أعرف نسبته بالفصيحي: إلى كتاب " الفصيح " لثعلب، أم إلى شيء آخر. والإستراباذي: بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وكسر التاء المثناة من فوقها وفتح الراء وبعد الألف باء موحدة مفتوحة وبعد الألف الثانية ذال معجمة، هذه النسبة إلى إستيراباذ، وهي بلدة من أعمال مازندران بين سارية وجرجان.

стр. 1349

٤٥٤ - (١) ابن العصار أبو الحسن علي بن أبي الحسين عبد الرحيم بن الحسن بن عبد الملك بن إبراهيم السلمي الرقي الأصل، البغدادي المولد والدار، الملقب مهذب الدين، المعروف بابن العصار (٢) اللغوي؛ كان من الأدباء المشاهير، وحصل له منه (٣) أشياء غريبة، وقرأ الأدب على الشريف أبي السعادات ابن الشجري وأبي منصور ابن الجواليقي، وبرع في فنه، وأقرأ الناس زماناً، ورحل إلى مصر واجتمع بأبي محمد ابن بري والموفق بن الخلال كاتب الإنشاء. وكان عارفاً بديوان أبي الطيب المتنبي علماً ورواية، وقرأه عليه جمع كثير في العراق والشام ومصر، وكتب بخطه الكثير من كتب الأدب وشعر العرب، ويقع في خطه الغلط مع كثرة ضبطه واحترازه. وقيل إنه لم ذكياً، ولم يكن في النحو كما هو في اللغة، وكانت طريقته في الخط حسنة، والناس يتنافسون في خطه ويغالون به (٤) ، وكان حريصاً على الفوائد وطلبها وسطرها (٥) على كتبه. ورأيت جماعة ممن لقيه وأخذ عنه. وكانت ولادته في سنة ثمان وخمسمائة. وتوفي يوم السبت بعد صلاة الظهر ثالث المحرم سنة ست وسبعين وخمسمائة ببغداد. ودفن بمقبرة الشونيزي ببغداد، رحمه الله تعالى، بجنب قبر أبيه يوم الأحد.

стр. 1350

٤٥٥ - (١) شميم الحلي أبو الحسن علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت، الملقب مهذب الدين، المعروف بشميم الحلي؛ كان أديباً فاضلاً خبيراً بالنحو واللغة وأشعار العرب حسن الشعر، وكان اشتغاله ببغداد على أبي محمد ابن الخشاب ومن في طبقته من أدباء ذلك الوقت، ثم سافر إلى ديار بكر والشام ومدح الأكابر وأخذ جوائزهم، واستوطن الموصل، وله عدة تصانيف، وجمع من نظمه كتاباً سماه " الحماسة " رتبه على عشرة أبواب، وضاهى به كتاب " الحماسة " لأبي الطيب الطائي، وكان جم الفضيلة إلا أنه كان بذيء اللسان كثير الوقوع في الناس مسلطاً على ثلب أعراضهم، لا يثبت لأحد في الفضل شيئاً. ذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " وقبح (٢) ذكره بأشياء نسبها إليه: من قلة الدين وتركه للصلوات المكتوبة ومعارضته للقرآن (٣) الكريم واستهزائه بالناس؛ وذكر مقاطيع من شعره. وفي شعره تعسف؛ وقال: سئل لم سمي شميماً، فقال أقمت مدة آكل كل يوم شيئاً من الطين (٤) فإذا وضعته

стр. 1351

عند قضاء الحاجة شممته فلا أجد له رائحة، فسميت لذلك شميماً. وتوفي ليلة الأربعاء الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستمائة بالموصل، ودفن بمقبرة المعافى، رحمه الله تعالى. وشميم: بضم الشين المعجمة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ميم، وهو من الشم. ٤٥٦ - (١) العلم السخاوي أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب الهمداني المصري السخاوي المقرىء النحوي، الملقب علم الدين؛ كان قد اشتغل بالقاهرة على الشيخ أبي محمد القاسم الشاطبي المقرىء - المذكور في حرف القاف - وأتقن عليه علم القراءات والنحو واللغة، وعلى أبي الجود غياث بن فارس بن مكي المقرىء، وسمع بالإسكندرية من السلفي وابن عوف، وبمصر من البوصيري وابن ياسين (٢) ، ثم انتقل إلى مدينة دمشق وتقدم بها على علماء فنونه واشتهر، وكان للناس اعتقاد عظيم، وشرح " المفصل " للزمخشري في أربع مجلدات، وشرح القصيدة الشاطبية في القراءات، وكان قد قرأها على ناظمها، وله خطب وأشعار، وكان متعيناً في وقته. ورأيته بدمشق والناس يزدحمون عليه في الجامع لأجل القراءة، ولا تصح

стр. 1352

لواحد منهم نوبة إلا بعد زمان، ورأيته مراراً يركب بهيمة وهو يصعد إلى جبل الصالحين (١) وحوله اثنان وثلاثة وكل واحد يقرأ ميعاده في موضع غير الآخر، والكل في دفعة واحدة، وهو يرد على الجميع. ولم يزل مواظباً على وظيفته إلى أن توفي بدمشق ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وقد نيف على تسعين سنة، رحمه الله تعالى. ولما حضرته الوفاة أنشد لنفسه (٢) : قالوا غداً نأتي ديار الحمى ... وينزل الركب بمغناهم وكل من كان مطيعاً لهم ... أصبح مسروراً بلقياهم قلت: فلي ذنبٌ فما حيلتي ... بأي وجه أتلقاهم قالوا: أليس العفو من شانهم ... لا سيما عمن ترجاهم ثم ظفرت بتاريخ مولده في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بسخا، والله أعلم. والسخاوي: بفتح السين المهملة والخاء المعجمة وبعدها ألف، هذه النسبة إلى سخا، وهي بليدة بالغربية من أعمال مصر، وقياسه سخوي، لكن الناس أطبقوا على النسبة الأولى.

стр. 1353

٤٥٧ - (١) ابن البواب الكاتب أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب الكاتب المشهور؛ لم يوجد في المتقدمين ولا المتأخرين من كتب مثله ولا قاربه، وإن كان أبو علي ابن مقلة أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين، وأبرزها في هذه الصورة وله بذلك فضيلة السبق وخطه أيضاً في نهاية الحسن، لكن ابن البواب هذب طريقته ونقحها وكساها طلاوة وبهجة. وقيل إن صاحب الخط المنسوب المشهور ليس أبا علي المذكور، وإنما هو أخوه أبو عبد الله الحسن - وهو مذكور في ترجمة أخيه أبي علي المذكور في المحمدين فلينظر هناك - ولما شاهد أبو عبيد البكري الأندلسي صاحب التصانيف خط ابن مقلة أنشد: خط ابن مقلة من أرعاه مقلته ... ودت جوارحه لو أصبحت مقلا والكل معترفون لأبي الحسن بالتفرد، وعلى منواله ينسجون، وليس فيهم من يلحق شأوه ولا يدعي ذلك، مع أن في الخلق من يدعي ما ليس فيه، ومع هذا فما رأينا ولا سمعنا أن أحداً ادعى ذلك، بل الجميع أقروا له بالسابقة وعدم المشاركة. ويقال له " ابن الستري " أيضاً لأن أباه كان بواباً والبواب ملازم ستر الباب، فلهذا نسب إليه. (١٢٢) وكان شيخه في الكتابة ابن أسدٍ الكاتب المشهور (٢) ، وهو أبو عبد الله محمد بن أسد بن علي بن سعيد القارىء الكاتب البزاز البغدادي [سمع أبا بكر أحمد بن

стр. 1354

سليمان النجاد وعلي بن محمد بن الزبير الكوفي وجعفر الخلدي وعبد الملك بن الحسن السقطي، وجماعة من هذه الطبقة، وكان صدوقاً؛ مات محمد بن أسد في يوم الأحد لليلتين خلتا من المحرم سنة عشر وأربعمائة، ودفن بالشونيزي] (١) . وتوفي ابن البواب يوم الخميس ثاني جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ببغداد، ودفن جوار الإمام أحمد بن حنبل، ﵁. وأنشدني بعض العلماء بيتين ذكر أنه رثي بهما ابن البواب وهما: استشعر الكتاب فقدك سالفاً ... وقضت بصحة ذلك الأيام فلذاك سودت الدوي كآبةً ... أسفاً عليك وشقت الأقلام وهذا معنى حسن جداً. وسألني بعض الفقهاء بمدينة حلب عن قول بعض المتأخرين من جملة أبيات في صفة كتاب: كتابٌ كوشي الروض خطت سطوره ... يد ابن هلالٍ عن فم ابن هلال فقلت له: هذا يقول إن خطه في الحسن مثل خط ابن البواب وفي بلاغة ألفاظه مثل رسائل الصابىء، لأنه ابن هلال أيضاً - كما تقدم في ترجمته (٢) - ثم سألت الفقيه المذكور عن بقية الأبيات التي منها هذا البيت، فأنشدنيها، وهي: ولما أتى منك الكتاب الذي حوى ... قلائد سخرٍ للبيان حلال وقفت على ربعٍ من الفضل آهل ... وقوفي بربع للأحبة خال أرقرق من دمعي وأدمن (٣) لثمه ... وأسأل أطلالاً تجيب سؤالي وهمت به حتى توهمت لفظه ... نجوم ليالٍ أم سموط لآلي

стр. 1355

كتاب كوشي الروض خطت سطوره ... يد ابن هلال عن فم ابن هلال ومما يتعلق بالكتابة (١) أن أول من خط بالعربي إسماعيلٌ ﵇، والصحيح عند أهل العلم أنه مرامر بن مروة من أهل الأنبار، وقيل إنه من بني مرة، ومن الأنباء انتشرت الكتابة في الناس. قال الأصمعي: ذكروا أن قريشاً سألوا: من أين لكم الكتابة فقالوا: من الحيرة، وقيل لأهل الحيرة: من أين لكم الكتابة فقالوا: من الأنبار (٢) . وروى ابن الكلبي والهيثم بن عدي أن الناقل لهذه الكتابة من الحيرة إلى الحجاز هو حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، وكان قدم الحيرة فعاد إلى مكة بهذه الكتابة، وقالا: قيل لأبي سفيان ابن حرب: ممن أخذ أبوك هذه الكتابة فقال: من أسلم بن سدرة، وقال: سألت أسلم: ممن أخذت هذه الكتابة فقال: من واضعها مرامر بن مرة، فحدوث هذه الكتابة قبل الإسلام بقليل. وكان لحمير كتابة تسمى المسند، وحروفها منفصلة غير متصلة، وكانوا يمنعون العامة من تعلمها، فلا يتعاطاها أحد إلا بإذنهم، فجاءت ملة الإسلام وليس بجميع اليمن من يقرأ ويكتب. وجميع كتابات الأمم من سكان الشرق والغرب اثنتا عشرة كتابة، وهي: العربية والحميرية واليونانية والفارسية والسريانية والعبرانية والرومية والقبطية والبربرية والأندلسية والهندية والصينية (٣) ، فخمس منها اضمحلت وبطل استعمالها وذهب من يعرفها، وهي: الحميرية واليونانية والقبطية والبربرية والأندلسية، وثلاث قد بقي استعمالها وعدم من يعرفها في بلاد الإسلام، وهي: الرومية والهندية والصينية، وحصلت أربع هي مستعملات في بلاد الإسلام وهي: العربية والفارسية والسريانية والعبرانية.

стр. 1356

٤٥٨ - (١) شيخ الإسلام أبو الحسن علي بن أحمد بن يوسف بن جعفر بن عرفة الهكاري الملقب شيخ الإسلام؛ هو من ولد عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، وكان كثير الخير والعبادة، وطاف البلاد واجتمع بالعلماء والمشايخ وأخذ عنهم الحديث، ورجع إلى وطنه وانقطع به وأقبل الناس عليه وكان لهم فيه اعتقاد حسن، ولقي الشيخ أبا العلاء المعري وسمع منه، فلما انفصل عنه سأله بعض أصحابه عما رآه منه وعن عقيدته، فقال: هو رجل من المسلمين. وسمعت أن بعض الأكابر قال له: أنت شيخ الإسلام، فقال: بل أنا شيخ في الإسلام، وخرج من أولاده وحفدته جماعة تقدموا عند الملوك وعلت مراتبهم، منهم فقهاء ومنهم أمراء. وكانت ولادته سنة تسع وأربعمائة. وتوفي في أول المحرم سنة ست وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. والهكاري: بفتح الهاء وتشديد الكاف وبعد الألف راء، هذه النسبة إلى قبيلة من الأكراد لهم معاقل وحصون وقرى من بلاد الموصل من جهتها الشرقية.

стр. 1357

٤٥٩ - (١) الشيخ علي الهروي السائح أبو الحسن علي بن أبي بكر بن علي الهروي الأصل الموصلي المولد، السائح المشهور نزيل حلب؛ طاف البلاد وأكثر من الزيارات، وكاد يطبق الأرض بالدوران، فإنه لم يترك براً ولا بحراً ولا سهلاً ولا جبلاً من الأماكن التي يمكن قصدها ورؤيتها إلا رآه، ولم يصل إلى موضع إلا كتب خطه في حائطه، ولقد شاهدت ذلك في البلاد التي رأيتها مع كثرتها، ولما سار ذكره بذلك واشتهر به ضرب به المثل فيه، ورأيت لبعض المعاصرين، وهو ابن شمس الخلافة (٢) جعفر - المقدم ذكره (٣) - بيتين في شخص يستجدي من الناس بأوراقه وقد ذكر فيهما هذه الحالة وهما: أوراق كديته في بيت كل فتىً ... على اتفاق معانٍ واختلاف روي

стр. 1358

قد طبق الأرض من سهلٍ إلى جبلٍ ... كأنه خط ذاك السائح الهروي وإنما ذكرت البيتين استشهاداً بهما على ما ذكرته من كثرة زياراته وكتب خطه. وكان مع هذا فيه فضيلة، وله معرفة بعلم السيمياء، وبه تقدم عند الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب، وأقام عنده، وكان كثير الرعاية له، وبنى له مدرسة بظاهر حلب وفي ناحية منها قبة هو مدفون بها، وبتلك المدرسة بيوت كتب على باب كل بيت ما يليق به، ورأيته كتب على باب الميضأة " بيت المال في بيت الماء "، ورأيت في قبته معلقاً عند رأسه غصناً وهو حلقة خلقية (١) ليس فيه صنعة، وهو أعجوبة، وقيل إنه رآه في بعض سياحاته فاستصحبه وأوصى أن يكون عند رأسه ليعجب (٢) منه من يراه. وله مصنفات: منها كتاب " الإشارات في معرفة الزيارات " وكتاب " الخطب الهروية " وغير ذلك (٣) . ورأيت في حائط الموضع الذي تلقى فيه الدروس من المدرسة المذكورة بيتين مكتوبين بخط حسن، وكأنهما كتابة رجل فاضل نزل هناك قاصداً الديار المصرية، فأحببت ذكرهما لحسنهما وهما: رحم الله من دعا لأناسٍ ... نزلوا هاهنا يريدون مصرا نزلوا والخدود بيضٌ فلما ... أزف البين عدن بالدمع حمرا وتوفي في شهر رمضان في العشر الوسط سنة إحدى عشرة وستمائة في مدرسته المذكورة ودفن في القبة، رحمه الله تعالى. والهروي: بفتح الهاء والراء وبعدها واو، هذه النسبة إلى مدينة هراة، وهي أحد كراسي مملكة خراسان، فإنها مملكة عظيمة، وكراسيها أربعة:

стр. 1359

نيسابور ومرو وبلخ وهراة، والباقي مدن كبار، لكنها ما تنتهي إلى هذه الأربعة؛ وهراة بناها الإسكندر ذو القرنين عند مسيره إلى المشرق. ٤٦٠ - (١) عز الدين ابن الأثير الجزري أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجزري، الملقب عز الدين، ولد بالجزيرة ونشأ بها، ثم سار إلى الموصل مع والده وأخويه - الآتي كرهما إن شاء الله تعالى - وسكن الموصل وسمع بها من أبي الفضل عبد الله أحمد الخطيب الطوسي ومن فيه طبقته، وقدم بغداد مراراً حاجاً ورسولاً من صاحب الموصل وسمع بها من الشيخين أبي القاسم يعيش بن صدقة الفقيه الشافعي وأبي أحمد عبد الوهاب بن علي الصوفي وغيرهما، ثم رحل إلى الشام والقدس وسمع هناك من جماعة، ثم عاد إلى الموصل ولزم بيته منقطعاً إلى التوفر على النظر في العلم والتصنيف، وكان بيته مجمع الفضل لأهل الموصل والواردين عليها. وكان إماماً في حفظ الحديث ومعرفته وما يتعلق به، وحافظاً للتواريخ المتقدمة والمتأخرة، وخبيراً بأنساب العرب وأخبارهم وأيامهم ووقائعهم، صنف في التاريخ كتاباً كبيراً سماه " الكامل " ابتدأ فيه من أول الزمان إلى آخر سنة ثمان وعشرين وستمائة وهو من خيار التواريخ، واختصر كتاب " الأنساب " لأبي سعد عبد الكريم بن السمعاني، واستدرك عليه فيه مواضع ونبه على أغلاط

стр. 1360

وزاد أشياء أهملها، وهو كتاب مفيد جداً، وأكثر ما يوجد اليوم بأيدي الناس هذا المختصر، وهو في ثلاث مجلدات، والأصل في ثمان وهو عزيز الوجود ولم أره سوى مرة واحدة بمدينة حلب، ولم يصل إلى الديار المصرية سوى المختصر المذكور. وله كتاب " أخبار الصحابة " (١) ، رضوان الله عليهم، في ست مجلدات كبار. ولما وصلت إلى حلب في أواخر سنة ست وعشرين وستمائة كان عز الدين المذكور مقيماً بها في صورة الضيف عند الطواشي شهاب الدين طغريل الخادم أتابك الملك العزيز ابن الملك الظاهر صاحب حلب، وكان الطواشي كثير الإقبال عليه حسن الاعتقاد فيه مكرماً له، فاجتمعت به فوجدته رجلاً مكملاً في الفضائل وكرم الأخلاق وكثرة التواضع، فلازمت الترداد إليه، وكان بينه وبين الوالد، رحمه الله تعالى، مؤانسة أكيدة، فكان بسببها يبالغ في الرعاية والإكرام. ثم إنه سافر إلى دمشق في أثناء سنة سبع وعشرين، ثم عاد إلى حلب في أثناء سنة ثمان وعشرين، فجريت معه على عادة الترداد والملازمة. وأقام قليلاً ثم توجه إلى الموصل. وكانت ولادته في رابع جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمسمائة بجزيرة ابني عمر، وهم من أهلها. وتوفي في شعبان سنة ثلاثين وستمائة، رحمه الله تعالى، بالموصل. وسيأتي ذكر أخويه مجد الدين أبي السعادات المبارك، وضياء الدين أبي الفتح نصر الله، إن شاء الله تعالى. والجزيرة المذكورة أكثر الناس يقولون: إنها جزيرة ابن عمر، ولا أدري من ابن عمر [وقيل إنها منسوبة إلى يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين] (٢) ، ثم إني ظفرت بالصواب في ذلك، وهو أن رجلاً من أهل برقعيد من أعمال الموصل بناها وهو عبد العزيز بن عمر فأضيفت إليه. ورأيت في بعض التواريخ أنها جزيرة ابني عمر أوسٍ وكاملٍ، ولا أدري أيضاً من هما، ثم رأيت في

стр. 1361

تاريخ ابن المستوفي في ترجمة أبي السعادات المبارك بن محمد أخي أبي الحسن المذكور أنه من جزيرة أوس وكامل ابني عمر بن أوس التغلبي. ٤٦١ - (١) العكوك أبو الحسن علي بن جبلة بن مسلم بن عبد الرحمن، المعروف بالعكوك الشاعر المشهور (٢) ؛ أحد فحول الشعراء المبرزين [قال الجاحظ في حقه: كان أحسن خلق الله إنشاداً، ما رأيت مثله بدوياً ولا حضرياً] (٣) وكان من الموالي وولد أعمى، وكان أسود أبرص، ومن مشهور شعره قوله: بأبي من زارني مكتتماً ... خائفاً من كل شيء جزعا زائرٌ نم عليه حسنه ... كيف يخفي الليل بدراً طلعا رصد الغفلة حتى أمكنت ... ورعى السامر حتى هجعا ركب الأهوال في زروته ... ثم ما سلم حتى ودعا [ومن قوله في الحسن بن سهل: أعطيتني يا ولي الحق مبتدئاً ... عطيةً كافأت شعري ولم ترني ما شمت برقك إلا نلت ريقه ... كأنما كنت بالجدوى تبادرني] (٤)

стр. 1362

وله في أبي دلف العجلي وأبي غانم حميد بن عبد الحميد الطوسي غر المدائح، فمن قصائده الفائقة في أبي دلف القصيدة التي أولها: ذاد ورد الغي عن صدره ... فارعوى واللهو من وطره يقول في مدحها: إنما الدنيا أبو دلفٍ ... بين مغزاه (١) ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره ومنها: كل من في الأرض من عربٍ ... بين باديه إلى حضره مستعيرٌ منك مكرمةً ... يكتسيها يوم مفتخره وهي طويلة عددها ثمانية وخمسون بيتاً، ولولا خوف الإطالة لأثبتها كلها لأجل حسنها. ولقد سئل شرف الدين بن عنين - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكان من أخبر الناس بنقد الشعر، عن هذه القصيدة وقصيدة أبي نواس الموازنة لها التي أولها: أيها المنتاب من عفره ... لست من ليلي ولا سمره وهي من نوادر الشعر أيضاً، فلم يفضل إحداهما عن الأخرى، وقال: ما يصلح أن يفاضل بين هاتين إلا شخصٌ يكون في درجة هذين الشاعرين. ورأيت لأبي العباس المبرد كلاماً في وصف قصيدة أبي نواس المذكورة، فإنه قال بعد ذكر القصيدة: ما أحسب شاعراً جاهلياً ولا إسلامياً يبلغ هذا المبلغ فضلاً أن يزيد عليه جزالة وفخامة. [وقال محمد بن خلف بن محمد الطائي: قلت لعلي بن جبلة: عارضت أبا نواس

стр. 1363

بقصيدتك هذه " ذاد ورد الغي عن صدره " في قصيدته] (١) . ويحكى أن العكوك مدح حميد بن عبد الحميد الطوسي بعد مدحه لأبي دلف بهذه القصيدة فقال له حميد: ما عسى أن تقول فينا وما أبقيت لنا بعد قولك في أبي دلف: إنما الدنيا أبو دلف ... وأنشد البيتين، فقال: أصلح الله الأمير، قد قلت فيك ما هو أحسن من هذا، قال: وما هو فأنشد: إنما الدنيا حميد ... وأياديه الجسام فإذا ولى حميد ... فعلى الدنيا السلام قال: فتبسم ولم يحر جواباً، فأجمع من حضر المجلس من أهل المعرفة والعلم بالشعر أن هذا احسن مما قاله في أبي دلف، فاعطاه وأحسن جائزته. [وحكي أنه مدح المأمون بقصيدة أجاد فيها وتوسل بحميد الطوسي في إيصالها إليه، فقال له المأمون: خيره بين أن نجمع بين قوله هذا وبين قوله فيك وفي أبى دلف، فإن وجدنا قوله فينا خيراً منه أجزناه عشرة آلاف، وإلا ضربناه مائة سوط، فخيره حميد فاختار الإعفاء] (٢) . وقال ابن المعتز في " طبقات الشعراء " (٣) : ولما بلغ المأمون خبر هذه القصيدة غضب غضباً شديداً وقال: اطلبوه حيثما كان وائتوني به، فطلبوه فلم يقدروا عليه لأنه كان مقيماً بالجبل، فلما اتصل به الخبر هرب إلى الجزيرة الفراتية، وقد كانوا كتبوا إلى الآفاق أن يؤخذ حيث كان، فهرب من الجزيرة حتى توسط الشامات، فظفروا به فأخذوه وحملوه مقيداً إلى المأمون، فلما صار بين يديه قال له: يا بن اللخناء، أنت القائل في قصيدتك للقاسم بن عيسى، وهو أبو دلف: كل من في الأرض من عرب ... وأنشد البيتين، جعلتنا ممن يستعير المكارم منه والافتخار به، قال: يا أمير

стр. 1364

المؤمنين: أنتم أهل بيت لا يقاس بكم لأن الله اختصكم لنفسه من عباده وآتاكم الكتاب والحكم وآتاكم ملكاً عظيماً، وإنما ذهب في قولي إلى أقران وأشكال القاسم بن عيسى من هذا الناس، فقال: والله ما أبقيت أحداً، ولقد أدخلتنا في الكل، وما استحل دمك بكلمتك هذه، ولكني استحله بكفرك في شعرك حيث قلت في عبد ذليل مهين فأشركت بالله العظيم وجعلت معه مالكاً قادراً وهو: أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حال إلى حال وما مددت مدى طرفٍ إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال ذاك الله يفعله، أخرجوا لسانه من قفاه، فأخرجوا لسانه من قفاه فمات، وكان ذلك في سنة ثلاث عشرة ومائتين ببغداد. ومولده سنة ستين ومائة، وقيل إنه أصابه الجدري وهو ابن سبع سنين فذهب بصره منه، وهذا خلاف ما قيل في الأول. قلت: هكذا ذكر ابن المعتز هذه القصة، وكذلك قال أيضاً أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني " (١) ، ورأيت في كتاب " البارع في أخبار الشعراء المولدين " تأليف أبي عبد الله ابن المنجم هذين البيتين مع بيت ثالث، وهو: تزور سخطاً فتمسي البيض راضيةً ... وتستهل فتبكي أعين المال لخلف بن مرزوق مولى علي بن ريطة، والله أعلم بالصواب. ومن مديحه حميداً (٢) قوله: تكفل ساكني الدنيا حميدٌ ... فقد أضحوا له فيها عيالاً كأن أباه آدم كان أوصى ... إليه أن يعولهم فعالا وقوله أيضاً فيه:

стр. 1365

دجلة تسقي وأبو غانمٍ ... يطعم من تسقي من الناس فالناس جسمٌ وإمام الهدى ... رأس، وأنت العين في الراس ولما مات حميد في يوم عيد الفطر سنة عشر ومائتين رثاه بقصيده من جملتها: فأدبنا ما أدب الناس قبلنا ... ولكنه لم يبق للصبر موضع ورثاه أبو العتاهية بقوله: أبا غانم أما ذراك فواسعٌ ... وقبرك معمور الجوانب محكم وما ينفع المقبور عمران قبره ... إذا كان فيه جسمه يتهدم وأخبار العكوك كثيرة، ونقتصر منها على هذا القدر. والعكوك: بفتح العين المهملة والكاف وتشديد الواو وبعدها كاف ثانية، وهو السمين القصير مع صلابة، رحمه الله تعالى. وجبلة: بفتح الجيم والباء الموحدة واللام وبعدها هاء ساكنة (١) . وأما حميد الطوسي فإن الطبري ذكر في تاريخه تاريخ وفاته كما ذكرته ها هنا، وغالب ظني أنه توفي بفم الصلح، لأنه كان مع المأمون لما توجه إليها للدخول على بوران، حسب ما شرحته في ترجمتها في هذا التاريخ (٢) .

стр. 1366

٤٦٢ - (١) علي بن الجهم أبو الحسن علي بن الجهم بن بدر بن الجهم بن مسعود بن أسيد بن أذينة بن كرار بن كعب بن [جابر] (٢) بن مالك بن عتبة بن جابر بن الحارث بن قطن بن مدلج بن قطن بن أحزم (٣) بن ذهل بن عمرو بن مالك بن عبيدة بن الحارث بن سامة ابن لؤي بن غالب القرشي السامي الشاعر المشهور (٤) ؛ أحد الشعراء المجيدين، هكذا ساق الخطيب في " تاريخ بغداد " (٥) نسبه في ترجمة والده الجهم، وذكره أيضاً في ترجمة مفردة، فقال (٦) : له ديوان شعر مشهور، وكان جيد الشعر عالماً بفنونه، وله اختصاصٌ بجعفر المتوكل، وكان متديناً فاضلاً؛ انتهى كلامه. وكان - مع انحرافه عن علي بن أبي طالب، ﵁، وإظهاره التسنن - مطبوعاً مقتدراً على الشعر عذب الألفاظ. وكان من ناقلة خراسان إلى العراق ثم نفاه المتوكل إلى خراسان في سنة اثنتين وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين ومائتين، لأنه هجا المتوكل، وكتب إلى طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين أنه إذا ورد عليه صلبه يوماً، فوصل إلى شاذياخ نيسابور، فحبسه طاهر ثم أخرجه فصلبه مجرداً نهاراً كاملاً، فقال في ذلك (٧) : لم ينصبوا بالشاذياخ صبيحة ال ... إثنين مسبوقاً ولا مجهولا

стр. 1367

نصبوا بحمد الله ملء قلوبهم ... شرفاً وملء صدورهم تبجيلا وهي أبيات كثيرة مشهورة (١) ، ثم رجع إلى العراق ثم خرج إلى الشام، وبعد ذلك ورد على المستعين كتاب من صاحب البريد بحلب أن علي بن الجهم خرج من حلب متوجهاً إلى العراق، فخرجت عليه وعلى جماعة معه خيل من بين كلب، فقاتلهم قتالاً شديداً، ولحقه الناس وهو جريح بأخر رمق، فكان مما قال (٢) : أزيد في الليل ليل ... أم سال بالصبح سيل ذكرت أهل دجيلٍ ... وأين مني دجيل وكان منزله ببغداد في شارع الدجيل، وكان ورود الكتاب في شعبان سنة تسع وأربعين ومائتين، وتوفي في وقته، ولما نزعت ثيابه بعد موته وجدت فيها رقعة وقد كتب فيها (٣) : يا رحمتا للغريب في البلد الن ... ازح ماذا بنفسه صنعا فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا وكانت بينه وبين أبي تمام مودة أكيدة، وإليه كتب أبو تمام الأبيات التي يودعه فيها التي أولها (٤) : هي فرقة من صاحب لك ماجد ... فغداً إراقة كل دمع جامد وديوان شعره صغير، فمنه قوله وهو معنى مليح (٥) :

стр. 1368

بلاء ليس يعدله بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين يبيحك منه عرضاً لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون وهذان البيتان قالهما في مروان بن أبي حفصة لما عمل فيه: لعمرك ما الجهم بن بدر بشاعر ... وهذا عليٌ بعده يدعي الشعرا ولكن أبي قد كان جاراً لأمه ... فلما ادعى الأشعار أوهمني أمرا وهذا المعنى مأخوذ من قول كثير عزة، وقد أنشد الفرزدق شعراً له فاستحسنه فقال له: يا أبا صخر، هل كانت أمك ترد البصرة فقال: لا، ولكن أبي كثيراً ما يردها. وله وقد حبس أبياته المشهورة التي أولها (١) : قالت حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي، وأي مهند لا يغمد وهي أبيات جيدة في هذا المعنى لم يعمل مثلها، ولولا طولها لذكرتها. وله أيضاً (٢) : يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا ... هل أنت إلا مليك جار إذ قدرا لولا الهوى لتجارينا على قدر ... فإن أفق منه يوماً ما فسوف ترى وله أشياء حسنة. والسامي: بفتح السين المهملة وبعد الألف ميم، هذه النسبة إلى سامة بن لؤي المذكور في نسبه، ويتصحف على كثير من الناس بالشامي، بالشين المعجمة، وهو غلط. ودجيل: بضم الدال المهملة وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها (٣)

стр. 1369

[وبعدها لام] (١) - تصغير دجلة، تصغير ترخيم - وهو نهر بأعلى بغداد، مخرجه من دجلة، مقابل القادسية في الجانب الغربي بين تكريت وبغداد، عليه مدن وقرى، وهو غير دجيل الأهواز، وهو أيضاً نهر عليه قرى ومدن ومخرجه من جهة أصبهان، حفره أردشير بن بابك بن ساسان أول ملوك الفرس. ٤٦٣ - (٢) ابن الرومي أبو الحسن علي بن العباس بن جريج، وقيل جورجيس، المعروف بابن الرومي، مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵁؛ الشاعر المشهور صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في أحسن صورة، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره ولا يبقي فيه بقية، وكان شعره غير مرتب، ورواه عنه المسيبي (٣) ، ثم عمله أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف، وجمعه أبو الطيب وراق ابن عبدوس من جميع النسخ، فزاد على كل نسخة مما هو على الحروف وغيرها نحو ألف بيت. وله

стр. 1370

القصائد المطولة والمقاطيع البديعة، ولو في الهجاء كل شيء ظريف، وكذلك في المديح، فمن ذلك قوله: المنعمون وما منوا على أحدٍ ... يوم العطاء ولو منوا لما مانوا كم ضن بالمال أقوامٌ وعندهم ... وفر، وأعطى العطايا يدان وله أيضاً، وقال: ما سبقني إلى هذا المعنى أحد: آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم ومن معانيه البديعة قوله (١) : وإذا امرؤ مدح امرءاً لنواله ... وأطال فيه فقد أراد هجاءه لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه وكذلك قوله في ذم الخضاب، قال أبو الحسين جعفر بن علي الحمداني: ما سبقه أحد إلى هذا المعنى (٢) : إذا دام للمرء السواد وأخلقت ... شبيبته ظن السواد خضابا فكيف يظن الشيخ أن خضابه ... يظن سواداً أو يخال شبابا [وقوله: كم يعد القرن باللقاء وكم ... يكذب في وعده ويخلفه لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخٍ فيعرفه أخذ هذا المعنى الأخير من قول الخارجي وقد قال المنصور: أي أصحابنا أشد
следующие страницы →