٤٦٢ - (١)
علي بن الجهم
أبو الحسن علي بن الجهم بن بدر بن الجهم بن مسعود بن أسيد بن أذينة بن كرار بن كعب بن [جابر] (٢) بن مالك بن عتبة بن جابر بن الحارث بن قطن بن مدلج بن قطن بن أحزم (٣) بن ذهل بن عمرو بن مالك بن عبيدة بن الحارث بن سامة ابن لؤي بن غالب القرشي السامي الشاعر المشهور (٤) ؛ أحد الشعراء المجيدين، هكذا ساق الخطيب في " تاريخ بغداد " (٥) نسبه في ترجمة والده الجهم، وذكره أيضاً في ترجمة مفردة، فقال (٦) : له ديوان شعر مشهور، وكان جيد الشعر عالماً بفنونه، وله اختصاصٌ بجعفر المتوكل، وكان متديناً فاضلاً؛ انتهى كلامه.
وكان - مع انحرافه عن علي بن أبي طالب، ﵁، وإظهاره التسنن - مطبوعاً مقتدراً على الشعر عذب الألفاظ. وكان من ناقلة خراسان إلى العراق ثم نفاه المتوكل إلى خراسان في سنة اثنتين وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين ومائتين، لأنه هجا المتوكل، وكتب إلى طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين أنه إذا ورد عليه صلبه يوماً، فوصل إلى شاذياخ نيسابور، فحبسه طاهر ثم أخرجه فصلبه مجرداً نهاراً كاملاً، فقال في ذلك (٧) :
لم ينصبوا بالشاذياخ صبيحة ال ... إثنين مسبوقاً ولا مجهولا
стр. 1367
نصبوا بحمد الله ملء قلوبهم ... شرفاً وملء صدورهم تبجيلا وهي أبيات كثيرة مشهورة (١) ، ثم رجع إلى العراق ثم خرج إلى الشام، وبعد ذلك ورد على المستعين كتاب من صاحب البريد بحلب أن علي بن الجهم خرج من حلب متوجهاً إلى العراق، فخرجت عليه وعلى جماعة معه خيل من بين كلب، فقاتلهم قتالاً شديداً، ولحقه الناس وهو جريح بأخر رمق، فكان مما قال (٢) :
أزيد في الليل ليل ... أم سال بالصبح سيل
ذكرت أهل دجيلٍ ... وأين مني دجيل وكان منزله ببغداد في شارع الدجيل، وكان ورود الكتاب في شعبان سنة تسع وأربعين ومائتين، وتوفي في وقته، ولما نزعت ثيابه بعد موته وجدت فيها رقعة وقد كتب فيها (٣) :
يا رحمتا للغريب في البلد الن ... ازح ماذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا وكانت بينه وبين أبي تمام مودة أكيدة، وإليه كتب أبو تمام الأبيات التي يودعه فيها التي أولها (٤) :
هي فرقة من صاحب لك ماجد ... فغداً إراقة كل دمع جامد وديوان شعره صغير، فمنه قوله وهو معنى مليح (٥) :
стр. 1368
بلاء ليس يعدله بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين
يبيحك منه عرضاً لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون وهذان البيتان قالهما في مروان بن أبي حفصة لما عمل فيه:
لعمرك ما الجهم بن بدر بشاعر ... وهذا عليٌ بعده يدعي الشعرا
ولكن أبي قد كان جاراً لأمه ... فلما ادعى الأشعار أوهمني أمرا وهذا المعنى مأخوذ من قول كثير عزة، وقد أنشد الفرزدق شعراً له فاستحسنه فقال له: يا أبا صخر، هل كانت أمك ترد البصرة فقال: لا، ولكن أبي كثيراً ما يردها.
وله وقد حبس أبياته المشهورة التي أولها (١) :
قالت حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي، وأي مهند لا يغمد وهي أبيات جيدة في هذا المعنى لم يعمل مثلها، ولولا طولها لذكرتها.
وله أيضاً (٢) :
يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا ... هل أنت إلا مليك جار إذ قدرا
لولا الهوى لتجارينا على قدر ... فإن أفق منه يوماً ما فسوف ترى وله أشياء حسنة.
والسامي: بفتح السين المهملة وبعد الألف ميم، هذه النسبة إلى سامة بن لؤي المذكور في نسبه، ويتصحف على كثير من الناس بالشامي، بالشين المعجمة، وهو غلط.
ودجيل: بضم الدال المهملة وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها (٣)
стр. 1369
[وبعدها لام] (١) - تصغير دجلة، تصغير ترخيم - وهو نهر بأعلى بغداد، مخرجه من دجلة، مقابل القادسية في الجانب الغربي بين تكريت وبغداد، عليه مدن وقرى، وهو غير دجيل الأهواز، وهو أيضاً نهر عليه قرى ومدن ومخرجه من جهة أصبهان، حفره أردشير بن بابك بن ساسان أول ملوك الفرس.
٤٦٣ - (٢)
ابن الرومي
أبو الحسن علي بن العباس بن جريج، وقيل جورجيس، المعروف بابن الرومي، مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵁؛ الشاعر المشهور صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في أحسن صورة، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره ولا يبقي فيه بقية، وكان شعره غير مرتب، ورواه عنه المسيبي (٣) ، ثم عمله أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف، وجمعه أبو الطيب وراق ابن عبدوس من جميع النسخ، فزاد على كل نسخة مما هو على الحروف وغيرها نحو ألف بيت. وله
стр. 1370
القصائد المطولة والمقاطيع البديعة، ولو في الهجاء كل شيء ظريف، وكذلك في المديح، فمن ذلك قوله:
المنعمون وما منوا على أحدٍ ... يوم العطاء ولو منوا لما مانوا
كم ضن بالمال أقوامٌ وعندهم ... وفر، وأعطى العطايا يدان وله أيضاً، وقال: ما سبقني إلى هذا المعنى أحد:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم ومن معانيه البديعة قوله (١) :
وإذا امرؤ مدح امرءاً لنواله ... وأطال فيه فقد أراد هجاءه
لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه وكذلك قوله في ذم الخضاب، قال أبو الحسين جعفر بن علي الحمداني: ما سبقه أحد إلى هذا المعنى (٢) :
إذا دام للمرء السواد وأخلقت ... شبيبته ظن السواد خضابا
فكيف يظن الشيخ أن خضابه ... يظن سواداً أو يخال شبابا [وقوله:
كم يعد القرن باللقاء وكم ... يكذب في وعده ويخلفه
لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخٍ فيعرفه أخذ هذا المعنى الأخير من قول الخارجي وقد قال المنصور: أي أصحابنا أشد
стр. 1371
إقداماً في مبارزتكم فقال: ما أعرف وجوههم ولكن أعرف أقفاءهم، فقل لهم يقبلوا فأعرفهم.
وقال رجل لابن الرومي وهو يمازحه: ما أنت والشعر وقد نلت منه حظاً جسيماً وأنت من العجم أراك عربياً أو مدعياً في الشعر، قال: بل أنت دعي إذ كنت تنسب عربياً ولا تحسن من ذلك شيئاً، وأنشده (١) :
إياك يا ابن بويب ... أن يستثار بويب
قد تحسن الروم شعراً ... ما أحسنته العُريب وكان كثير الطيرة، وربما أقام المدة الطويلة لا يتصرف تطيراً لسوء ما يراه أو يسمعه حتى إن بعض إخوانه من الأمراء افتقده وعرف بحاله في الطيرة فبعث إليه خادماً اسمه إقبال ليتفاءل به، فلما أخذ أهبة ركوبه قال للخادم: انصرف إلى مولاك] (٢) .
وله في بعض الرؤساء وقد سأله حاجة فقضاها له وكان لا يتوقع منه خيراً:
سألتك في أمر فجدت ببذله ... على أني ما خلت أنك تفعل
وألزمتني بالبذل شكراً وإنه ... علي من الحرمان أدهى وأعضل
وما خلت أن الدهر يثني بصرفه ... إلى أن أرى في الناس مثلك يسأل
لئن سرني ما نلت منك فإنه ... لقد ساءني إذ أنت ممن يؤمل وهذه الأبيات تنسب إلى ابن وكيع التنيسي أيضاً - وقد سبق ذكره واسمه الحسن - والله أعلم (٣) .
وبالجملة فإن محاسنه كثيرة فلا حاجة إلى الإطالة. وكانت ولادته يوم الأربعاء بعد طلوع الفجر لليلتين خلتا من رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين ببغداد،
стр. 1372
في الموضع المعروف بالعقيقية ودرب الختلية في دار بإزاء قصر عيسى بن جعفر بن المنصور، وفي بغداد يقول وقد غاب عنها في بعض أسفاره:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد وتوفي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين، وقيل أربع وثمانين، وقيل ست وسبعين ومائتين ببغداد ودفن في مقبرة باب البستان، وكان سبب موته، رحمه الله تعالى، أن الوزير أبا الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير الإمام المعتضد كان يخاف من هجوه وفلتات لسانه بالفحش، فدس عليه ابن فراس (١) ، فأطعمه خشكنانجة مسمومة وهو في مجلسه، فلما أكلها أحس بالسم فقام، فقال له الوزير: إلى أين تذهب، فقال: إلى الموضع الذي بعثتني إليه، فقال له: سلم على والدي، فقال: ما طريقي على النار؛ وخرج من مجلسه وأتى منزله وأقام أياماً ومات. وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة للسم، فزعم أنه غلط في بعض العقاقير؛ قال إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي المعروف بنفطويه: رأيت ابن الرومي يجود بنفسه فقلت: ما حالك فأنشد:
غلط الطبيب علي غلطة موردٍ ... عجزت موارده عن الإصدار
والناس يلحون الطبيب وإنما ... غلط (٢) الطبيب إصابة المقدار وقال أبو عثمان الناجم الشاعر: دخلت على ابن الرومي أعوده فوجدته يجود بنفسه، فلما قمت من عنده قال لي:
أبا عثمان أنت حميد قومك ... وجودك للعشيرة دون لومك
تزود من أخيك فما أراه ... يراك ولا تراه بعد يومك (١٢٣) وكان الوزير المذكور عظيم الهيبة شديد الإقدام سفاكاً للدماء، وكان
стр. 1373
الكبير والصغير منه على وجلٍ لا يعرف أحدٌ من أرباب الأموال معه نعمة. وتوفي الوزير المذكور عشية الأربعاء لعشر خلون من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين ومائتين في خلافة المكتفي، وعمره نيف وثلاثون سنة، وفي ذلك يقول عبد الله بن الحسن بن سعد:
شربنا عشية مات الوزير ... سروراً، ونشرب في ثالثه
فلا رحم الله تلك العظام ... ولا بارك الله في وارثه وكان لهذا الوزير أخ يقال له أبو محمد الحسن، فمات في حياة أبيه والوزير، فعمل أبو الحارث النوفلي، وقيل البسامي وهو الأصح - وسيأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى (١) - ثم رأيت في " الذيل " للسمعاني في ترجمة علي بن مقلد بن عبد الله بن كرامة البواب أن أبا الحارث النوفلي قال: كنت أبغض القاسم بن عبيد الله لمكروه نالني منه، فلما مات أخوه الحسن قلت على لسان ابن بسام، وأنشد هذه الأبيات، وقال السمعاني قبل هذا الكلام: قال أبو بكر الصولي النديم: وقد رأيت أبا الحارث هذا، وكان رجلاً صدوقاً، وهي هذه:
قل لأبي القاسم المرزا ... قابلك الدهر بالعجائب
مات لك ابنٌ وكان زيناً ... وعاش ذو الشين والمعايب
حياة هذا كموت هذا ... فلست تخلو من المصايب وعمل آخر في المعنى أيضاً ولا أعرفه، ثم وجدت هذه الأبيات له أيضاً (٢) :
قل لأبي القاسم المرزا (٣) ... ونادِ يا ذا المصيبتين
مات لك ابنٌ وكان زيناً ... وعاش شين وأي شين
حياة هذا كموت هذا ... فالطم على الرأس باليدين
стр. 1374
٤٦٤ - (١)
البسامي الشاعر
أبو الحسن علي بن محمد (٢) بن منصور بن نصر (٣) بن بسام، الشاعر المعروف بالبسامي الشاعر المشهور؛ كانت أمه أمامة ابنة حمدون النديم، وروى عنه أبو بكر الصولي وأبو سهل بن زياد وغيرهما، وكان من أعيان الشعراء ومحاسن الظرفاء لسناً مطبوعاً في الهجاء، لم يسلم منه أمير ولا وزير ولا صغير ولا كبير، وهجا أباه وإخوته وسائر أهل بيته، فمن قوله في أبيه:
هبك عمرت عمر عشرين نسراً ... أترى أنني أموت وتبقى
فلئن عشت بعد موتك يوماً ... لأشقن جيب مالك شقا وله:
أقصرت عن طلب البطالة والصبا ... لما علاني للمشيب قناع
لله أيام الشباب ولهوه ... لو أن أيام الشباب تباع
فدع الصبا يا قلب واسل عن الهوى ... ما فيك بعد مشيبك استمتاع
وانظر إلى الدنيا بعين مودع ... فلقد دنا سفرٌ وحان وداع
والحادثات موكلاتٌ بالفتى ... والناس بعد الحادثات سماع
стр. 1375
وله في الوزير ابن المرزبان، وكان قد سأله برذوناً فمنعه إياه:
بخلت عني بمقرفٍ عطبٍ ... فلن تراني ما عشت أطلبه
وإن تقل صنته فما خلق ... الله مصوناً وأنت تركبه وله في أسد بن جهور الكاتب:
تعس الزمان لقد أتى بعجاب (١) ... ومحا رسوم الظرف والآداب
وأتى بكتابٍ لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب
أو ما ترى أسد بن جهور قد غدا ... متشبهاً بأجلة الكتاب وله أيضاً (٢) :
وكانت بالصراة لنا ليالٍ ... سرقناهن من ريب الزمان
جعلناهن تاريخ الليالي ... وعنوان المسرة والأماني وكان أبوه محمد بن نصر رجلاً مترفاً في نهاية السرو وحسن الزي، ظاهر المروءة، متخصصاً في هيئته ومطعمه وملبسه وتجمل داره. ويحكى أن الوزير القاسم بن عبيد الله المذكور قبله دخل على المعتضد يوماً وهو يلعب بالشطرنج وينشد قول ابن بسام هذا:
حياة هذا كموت هذا ... فلست تخلو من المصائب وقد تقدم ذكر الأبيات الثلاثة، ثم رفع المعتضد رأسه، فنظر إلى الوزير (٣) فاستحيا منه، فقال له يا قاسم، اقطع لسان ابن بسام عنك، فخرج مبادراً لقطع لسانه فبلغ ذلك المعتضد فاستدعاه وقال له: لا تعرض إليه بسوء، بل اقطعه بالبر والشغل، فولاه البريد والجسر بجند قنسرين والعواصم من أرض الشام.
стр. 1376
وتوفي ابن بسام المذكور في صفر سنة اثنتين، وقيل ثلاث وثلثمائة، رحمه الله تعالى، عن نيف وسبعين سنة.
وجده نصر بن منصور ممدوح أبي تمام (١) .
والعواصم: كورة متسعة بالشام قصبتها أنطاكية، وذكرها المعري بقوله (٢) :
متى سألت بغداد عني وأهلها ... فإني عن أهل العواصم سآل وإنما قال هذا لأن بلاده معرة النعمان من جملة العواصم.
وذكر الطبري في تاريخه أن هارون الرشيد عزل الثغور كلها عن بلاد الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزاً واحداً، وسميت العواصم، وذلك في سنة سبعين ومائة.
ولما هدم المتوكل على الله قبر الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵄، في سنة ست وثلاثين ومائتين عمل البسامي:
تالله إن كانت أمية قد أتت ... قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله ... هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا ... في قتله فتتبعوه رميما وكان المتوكل كثير التحامل على علي وولديه الحسن والحسين، ﵃ أجمعين، فهدم هذا المكان بأصوله ودوره وجميع ما يتعلق به وأمر أن يبذر ويسقى موضع قبره ومنع الناس من إتيانه، هكذا قال أرباب التواريخ، والله أعلم.
ولابن بسام المذكور في التصانيف " أخبار عمر بن أبى ربيعة " ولم يستقص
стр. 1377
أحد في بابه أبلغ منه، وكتاب " أخبار الأحوص " وكتاب " مناقضات الشعراء " وكتاب " ديوان رسائله " وغير ذلك.
٤٦٥ - (١)
القاضي التنوخي
أبو القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم داود بن إبراهيم بن تميم بن جابر بن هانئ بن زيد بن عبيد بن مالك بن مريط بن سرح بن نزار بن عمرو بن الحارث بن صبح بن عمرو بن الحارث، وهو أحد ملوك تنوخ الأقدمين، ابن فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، التنوخي، الأنطاكي؛ كان عالماً بأصول المعتزلة والنجوم، قال الثعالبي في حقه (٢) : " هو من أعيان أهل العلم والأدب، وأفراد الكرم وحسن الشيم، وكان كما قرأته في فصل للصاحب بن عباد: إن أردت فإني سبحة ناسك، وإن أحببت فإني تفاحة فاتك، أو اقترحت فإني مدرعة راهب، أو آثرت فإني تحية شارب ". وكان تقلد قضاء البصرة والأهواز بضع سنين، وحين صرف عنه ورد حضرة سيف الدولة بن حمدان زائراً ومادحاً، فأكرم مثواه واحسن قراه، وكتب في معناه إلى الحضرة ببغداد حتى أعيد إلى عمله، وزيد في رزقه ورتبته. وكان الوزير المهلبي وغيره من رؤساء (٣) العراق يميلون إليه ويتعصبون له ويعدونه ريحانة الندماء، وتاريخ (٤) الظرفاء، وكان في جملة الفقهاء والقضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي، ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتبسط في
стр. 1378
القصف والخلاعة، وهم: القاضي أبو بكر ابن قريعة وابن معروف والتنوخي المذكور وغيرهم، وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها، وكذلك كان المهلبي، فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس ولذ السماع وأخذ الطرب منهم مأخذه، وهبوا ثوب الوقار للعقار، وتقلبوا في أعطاف العيش بين الخفة والطيش، ووضع في يد كل واحد منهم طاس ذهب فيه ألف مثقال، مملوءٌ شراباً قطربلياً أو عكبرياً، فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ويرش بها بعضهم بعضاً ويرقصون بأجمعهم وعليهم المصبغات ومخانق المنثور والبرم، فإذا أصبحوا عادوا كعادتهم في التوقر والتحفظ بأبهة القضاء وحشمة المشايخ الكبراء. وأورد من شعره قوله (١) :
وراحٍ من الشمس مخلوقةٌ ... بدت لك في قدحٍ من نهار
هواءٌ ولكنه جامدٌ ... وماءٌ ولكنه غير جار
كأن المدير لها باليمين ... إذا مال للسقي أو باليسار
تدرع ثوباً من الياسمين ... له فرد كمٍ من الجلنار وأورد له أيضاً (٢) :
بأبي حسنك لو أش ... بهه منك صنيع
أنت بدرٌ ما له في ... فلك الوصل طلوع وأورد له (٣) :
رضاك شبابٌ لا يليه مشيب ... وسخطك داء ليس منه طبيب
كأنك في كل النفوس مركبٌ ... فأنت إلى كل النفوس حبيب وذكر له شيئاً كثيراً (٤) غير هذا.
стр. 1379
وقال المسعودي في كتاب " مروج الذهب " (١) : وقد عارض أبو القاسم التنوخي المذكور أبا بكر ابن دريد في مقصورته، وذكر منها أبياتاً، ومدح فيها تنوخ وقومه من قضاعة.
وقال غيره: حكى أبو محمد الحسن بن عسكر الصوفي الواسطي قال: كنت ببغداد في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة جالساً على دكة بباب أبرز للفرجة إذ جاء ثلاث نسوة فجلسن إلى جانبي، فأنشدت متمثلاً:
هواءٌ ولكنه جامد ... وماء ولكنه غير جار وسكت، فقالت إحداهن: هل تحفظ لهذا البيت تماماً فقلت: ما أحفظ سواه، فقالت: أن أنشدك أحدٌ تمامه وما قبله ماذا تعطيه فقلت: ليس لي شيء أعطيه، ولكني أقبل فاه، فأنشدتني الأبيات المذكورة، وزادت بعد البيت الأول:
إذا ما تأملتها وهي فيه ... تأملت نوراً محيطاً بنار
فهذا النهاية في الابيضاض ... وهذا النهاية في الاحمرار فحفظت الأبيات منها، فقالت لي: أين الوعد تعني التقبيل، أرادت مداعبتي بذلك (٢) .
وقال الخطيب (٣) : إنه ولد بأنطاكية يوم الأحد لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثمان وسبعين ومائتين، وقدم بغداد وتفقه بها على مذهب الإمام أبي حنيفة، ﵁، وسمع الحديث [وكان معتزلياً] (٤) . وتوفي بالبصرة يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وثلثمائة، ﵀
стр. 1380
تعالى. ودفن من الغد في تربة اشتريت له، بشارع المربد - وسيأتي ذكر ولده المحسّن في حرف الميم إن شاء الله تعالى - وكل واحد منهما له ديوان شعر.
٤٦٦ - (١)
الناشئ الأصغر
أبو الحسن علي بن عبد الله بن وصيف، المعروف بالناشئ الأصغر، الحلاّء الشاعر المشهور؛ وهو من الشعراء المحسنين، وله في أهل البيت قصائد كثيرة. وكان متكلماً بارعاً، أخذ علم الكلام عن أبي سهل إسماعيل بن علي بن نوبخت المتكلم، وكان من كبار الشيعة، وله تصانيف كثيرة، وكان جده وصيف مملوكاً وأبوه عبد الله عطاراً. والحلاء: بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام ألف، وإنما قيل له ذلك لأنه كان يعمل حلية من النحاس (٢) .
قال أبو بكر الخوارزمي: أنشدني أبو الحسن الناشئ بحلب لنفسه، وهو مليح جداً:
إذا أنا عاتبت الملوك فإنما ... أخط بأقلامي على الماء أحرفا
وهبه ارعوى بعد العتاب، ألم تكن ... مودته طبعاً فصارت تكلفا ومضى إلى الكوفة في سنة خمس وعشرين وثلثمائة، وأملى شعره بجامعها، وكان المتنبي وهو صبي يحضر مجلسه بها. وكتب من إملائه لنفسه من قصيدة (٣) :
كأن سنان ذابله ضميرٌ ... فليس عن القلوب له ذهاب
стр. 1381
وصارمه كبيعته بخمٍ ... مقاصدها من الخلق الرقاب فنظم المتنبي هذا وقال (١) :
كأن الهام في الهيجا عيونٌ ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد (٢) وكان قد قصد حضرة سيف الدولة بن حمدان بحلب، ولما عزم على مفارقته، وقد غمره بإحسانه، كتب إليه يودعه:
أودع لا أني أودع طائعا ... وأعطي بكرهي الدهر ما كنت مانعا
وأرجع لا ألفي سوى الوجد صاحباً ... لنفسي إن ألفيت بنفسي راجعا
تحملت عنا بالصنائع والعلا ... فنستودع الله العلا والصنائعا
راعاك الذي يرعى بسيفك دينه ... ولقاك روض العيش أخضر يانعا ومن شعره أيضاً، عزاها إليه الثعالبي، ثم عزاها إلى أبي محمد ابن المنجم (٣) :
إذا لم تنل همم الأكرمين ... وسعيهم وادعاً فاغترب
فكم دعةٍ أتعبت أهلها ... وكم راحة نتجت من تعب وله أيضاً:
إني ليهجرني الصديق تجنياً ... فأريه أن لهجره أسبابا
وأخاف إن عاتبته أغريته ... فأرى له ترك العتاب عتابا
وإذا بليت بجاهلٍ متغافلٍ ... يدعو المحال من الأمور صوابا
أوليته مني السكوت وربما ... كان السكوت عن الجواب جوابا (٤)
стр. 1382
وفي أشعاره مقاصد جميلة.
وتوفي سنة ست وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وقيل أنه توفي يوم الاثنين لخمسة خلون من صفر من سنة خمس وستين ببغداد. ومولده في سنة إحدى وسبعين ومائتين.
٤٦٧ - (١)
الزاهي الشاعر
أبو القاسم بن علي بن إسحاق بن خلف البغدادي المعروف بالزاهي الشاعر المشهور؛ وكان وصافاً محسناً كثير الملح، ذكره الخطيب في " تاريخ بغداد " (٢) فقال: إنه حسن الشعر في الشبيهات وغيرها، وأحسب شعره قليلاً، وأشار إلى أنه كان قطاناً، وكان دكانه في قطيعة الربيع.
وذكره عميد الدولة أبو سعد ابن عبد الرحيم (٣) في " طبقات الشعراء " فقال: ولد يوم الاثنين لعشر ليال بقين من صفر سنة ثماني عشرة وثلثمائة، وتوفي يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة (٤) ببغداد، ودفن في مقابر قريش؛ وشعره في أربعة أجزاء، وأكثر شعره في أهل البيت، ومدح سيف الدولة والوزير المهلبي وغيرهما من رؤساء وقته، وقال في جميع الفنون؛ وذكر له:
صدودك في الهوى هتك استتاري ... وعاونه البكاء على اشتهاري
стр. 1383
ولم أخلع عذاري فيك إلا ... لما عاينت من حسن العذار
وكم أبصرت من حسنٍ ولكن ... عليك لشقوتي وقع اختياري وللزاهي المذكور في تشبيه البنفسج:
ولازورديةٍ أوفت بزرقتها ... بين الرياض على زرق اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها (١) ... أوائل النار في أطراف كبريت وله:
ومدامةٍ لضيائها في كأسها ... نورٌ على فلك الأنامل بازغ
رقت وغاب عن الزجاجة لطفها ... فكأنما الإبريق منها فارغ ومن محاسن شعره قوله:
وبيضٍ بألحاظ العيون كأنما ... هززن سيوفاً واستللن خناجرا
تصدين لي يوماً بمنعرج اللوى ... فغادرن قلبي بالتصبر غادرا
سفرن بدوراً وانتقبن أهلة ... ومسن غصوناً والتفتن جآذرا
وأطلعن في الأجياد بالدر أنجماً ... جعلن لحبات القلوب ضرائرا وهذا تقسيم عجيب، وقد استعمله جماعة من الشعراء، ولكنهم ما أتوا به على هذه الصورة، فإنه أبدع فيه، وهو مثل قول المتنبي (٢) :
بدت قمراً ومالت خوط بان ... وفاحت عنبراً ورنت غزالا وذكر الثعالبي لبعض شعراء عصره على هذا الأسلوب في وصف مغنٍ:
فديتك يا أتم الناس ظرفاً ... وأصلحهم لمتخذ حبيبا
стр. 1384
فوجهك نزهة الأبصار (١) حسناً ... وصوتك متعة الأسماع طيبا
وسائلة تسائل عنك قلنا ... لها في وصفك العجب العجيبا
رنا ظبياً وغنى عندليبًا ... ولاح شقائقاً ومشى قضيبا ولولا خوف التطويل لذكرت له نظائر (٢) .
وللزاهي أيضاً:
من عذيري من عذاري قمر ... عرض القلب لأسباب التلف
علم الشعر الذي عاجله ... أنه جار عليه فوقف والزاهي: بفتح الزاي وكسر الهاء بعد الألف قال السمعاني (٣) : هذه النسبة إلى قرية من قرى نيسابور (٤) ونسب إليها جماعة، ثم قال: وأما أبو الحسن علي بن إسحاق بن خلف الشاعر البغدادي المعروف بالزاهي فلا أدري نسب إلى هذه القرية أم لا، غير أنه بغدادي، وكان حسن الشعر.
٤٦٨ - (٥)
علي بن المنجم
أبو الحسن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم؛ كان نديم المتوكل على الله ومن خواصه وجلسائه المتقدمين عنده، ثم انتقل إلى من بعده من الخلفاء، ولم
стр. 1385
يزل مكيناً عندهم حظياً لديهم يجلس بين يدي أسرتهم ويفضون إليه بأسرارهم ويأمنونه على أخبارهم، ولم يزل عندهم في المنزلة العلية. وكان قبل اتصاله بالخلفاء يلوذ بمحمد بن إسحاق بن إبراهيم المصعبي، ثم اتصل بالفتح بن خاقان وعمل له خزانة كتب أكثرها حكمة، واستكتب له شيئاً عظيماً يزيد على ما كان في خزانته أضعافاً مضاعفة مما لم تشتمل عليه خزانته، وكان راوية للأشعار والأخبار حاذقاً في صنعة الغناء، أخذ عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وشاهده، وصنف عدة كتب منها كتاب " الشعراء القدماء والإسلاميين " وكتاب " أخبار إسحاق بن إبراهيم الموصلي " وكتاب في الطبيخ، وغير ذلك. وكان شاعراً محسناً، فمن شعره قوله في الطيف:
بأبي والله من طرقا ... كابتسام البرق إذ خفقا
زادني شوقاً برؤيته ... وحشا قلبي به حرقا
من لقلب هائم كلفٍ ... كلما سكنته خفقا
زارني طيف الحبيب فما ... زاد أن أغرى بي الأرقا وله أشعار حسان، وعاش إلى أن خدم المعتمد على الله وتوفي في أواخر أيامه، وذلك في سنة خمس وسبعين ومائتين بسر من رأى، رحمه الله تعالى، وخلف جماعة من الأولاد، وكلهم نجباء علماء ندماء - وسيأتي ذكر بعضهم في مواضعهم من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
стр. 1386
٤٦٩ - (١)
علي بن هارون المنجم
أبو الحسن علي بن أبي عبد الله هارون بن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم الشاعر المشهور؛ ذو نسب عريق في ظرفاء الأدباء وندماء الخلفاء والوزراء، وله مع الصاحب ابن عباد مجالس، وفي تشريفه يقول الصاحب:
لبني المنجم فطنةٌ لهبيه (٢) ... ومحاسن عجميةٌ عربيه
وما زلت أمدحهم وأنشر فضلهم ... حتى عرفت بشدة العصبيه ولأبي الحسن المذكور أشعار نادرة، ومما يتغنى به من شعره قوله:
[بيني وبينك في الهوى أسباب ... وإلى المحبة ترجع الأنساب] (٣)
بيني وبين الدهر فيك عتاب ... سيطول إن لم يمحه الإعتاب
يا غائباً بوصاله وكتابه ... هل يرتجى من غيبتيك إياب
لولا التعلل بالرجا لتقطعت ... نفسٌ عليك شعارها الأوصاب
لا يأس (٤) من روح الإله فربما ... يصل القطوع وتحضر الغياب وكتب إلى ابن الخوارزمي وقد وثئت رجله من عثرة لحقته:
كيف نال العثار من لم يزل من ... هـ مقيلاً في كل خطب جسيم
стр. 1387
أو ترقى الردى إلى قدم لم ... تخط إلا إلى مقام كريم وأشعاره ونوادره كثيرة.
وله من التصانيف كتاب " شهر رمضان " عمله للإمام الراضي، وكتاب " النيروز والمهرجان " وكتاب " الرد على الخليل " في العروض، وكتاب ابتدأ فيه بنسب أهله، عمله للوزير المهلبي ولم يتمه، وكتاب رسالة في الفرق بين إبراهيم بن المهدي وإسحاق الموصلي في الغناء وكتاب " اللفظ المحيط بنقض ما لفظ به اللقيط " وهو يعارض كتاب أبي الفرج الأصبهاني الذي سماه " الفرق والعيار بين الأوغاد والأحرار ". وهو ولد صاحب كتاب " البارع في اختيار شعر المحدثين " - وسيأتي ذكره في حرف الهاء إن شاء الله تعالى - وحفيد أبي الحسن المذكور قبله.
وكانت ولادته لتسع خلون من صفر سنة ست، وقيل سنة سبع وسبعين ومائتين. وتوفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وكان يخضب إلى أن توفي.
٤٧٠ - (١)
أبو الفتح البستي
أبو الفتح علي بن محمد الكاتب البستي الشاعر المشهور؛ صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأنيس البديع التأسيس، فمن ألفاظه البديعة قوله: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. من أطاع غضبه، أضاع أدبه. عادات السادات،
стр. 1388
سادات العادات. من سعادة جدك، وقوفك عند حدك. الرشوة رشاء الحاجات. أجهل الناس من كان للإخوان مذلا، وعلى السلطان مدلا. الفهم شعاع العقل. المنية تضحك من الأمنية. حد العفاف، الرضا بالكفاف. ما لخرق الرقيع ترقيع.
ومن نادر شعره قوله:
إن هز أقلامه يوماً ليعملها ... أنساك كل كميٍ هز عامله
وإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له وله (١) :
وقد يلبس المرء حر الثياب ... ومن دونها حالة مضنيه
كمن يكتسي خده حمرةً ... وعلتها ورم في الريه وله:
إذا تحدثت في قوم لتؤنسهم ... بما تحدث من ماض ومن آت
فلا تعد لحديث إن طبعهم ... موكل بمعاداة المعادات وله (٢) :
تحمل أخاك على ما به ... فما في استقامته مطمع
وأنى له خلق واحد ... وفيه طبائعه الأربع (٣) وللبستي حين تغير عليه السلطان، وهو معنى بديع:
قل للأمير أدام ربي عزه ... وأناله من فضله مكنونه
стр. 1389
إني جنيت ولم يزل أهل النهى ... يهبون للخدام ما يجنونه
ولقد جمعت من العيون فنونها ... فاجمع من العفو الكريم فنونه
من كان يرجو عفو من هو فوقه ... عن ذنبه فليعف عمن دونه وله أيضاً:
إذا أحسست في لفظي فتوراً ... وحفظي والبلاغة والبيان
فلا ترتب بفهمي إن رقصي ... على مقدار إيقاع الزمان هكذا قاله في " زهر الآداب " (١) ، والله أعلم (٢) .
وشعره كثير في التجنيس وغيره.
وتوفي سنة أربعمائة، وقيل سنة إحدى وأربعمائة ببخارى، والله أعلم، رحمه الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على البستي في ترجمة الخطابي، ورأيت في أول ديوانه أنه أبو الفتح علي بن محمد بن الحسن بن محمد بن عبد العزيز الكاتب الشاعر، والله أعلم.
٤٧١ - (٣)
التهامي الشاعر
أبو الحسن علي بن محمد التهامي الشاعر المشهور؛ قال ابن بسام الأندلسي في كتاب " الذخيرة " في حقه: كان مشتهر الإحسان، ذرب اللسان، مخلى بينه
стр. 1390
وبين ضروب البيان، يدل شعره على فوز القدح، دلالة برد النسيم على الصبح، ويعرب عن مكانه من العلوم، إعراب الدمع على سر الهوى المكتوم.
قلت: وله ديوان شعر صغير أكثره نخب. ومن لطيف نظمه قوله من جملة قصيدة طويلة مدح بها الوزير أبا القاسم ابن المغربي - المقدم ذكره في حرف الحاء (١) :
قلت لخلي وثغور الربا ... مبتسمات وثغور الملاح (٢)
أيهما أحلى ترى منظراً ... فقال: لا أعلم، كلٌ أقاح ومثل هذا ما ينسب إلى ابن سناء الملك - الآتي ذكره - وهو (٣) :
فتحيرت أحسب الثغر عقداً ... لسليمى وأحسب العقد ثغرا
فلثمت الجميع قطعاً لشكي ... وكذا فعل كل من يتحرى وله في المديح وقد بالغ فيه:
أعطى وأكثر فاستقل هباته ... فاستحيت الأنواء وهي هوامل
فاسم السحاب لديه وهو كنهور ... آلٌ، وأسماء البحور جداول وله مرثية في ولده، وكان قد مات صغيراً، وهي في غاية الحسن ولم يمنعني من الإتيان بها إلا أن الناس يقولون: إنها محدودة، فتركتها، لكن من جملتها بيتان في الحساد ومعناهما غريب فأثبتهما (٤) :
إني لأرحم حاسدي لحر ما ... ضمت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنة، وقلوبهم في نار
стр. 1391
ومنها في ذم الدنيا:
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفيرٍ هار ومنها:
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
وتلهب الأحشاء شيب مفرقي ... هذا الشعاع شواظ تلك النار ومعنى هذا البيت مأخوذ من قول أبي نصر سعيد بن الشاه، وهو:
قالت اسود عارضاك بشعرٍ ... وبه تقبح الوجوه الحسان
قلت أشعلت في فؤادي ناراً ... فعلى وجنتي منه دخان وله من جملة قصيدة طويلة (١) :
كم قلت إياك الحجاز فإنه ... ضريت جآذره بصيد أسوده
وأردت صيد مها الحجاز فلم يسا ... عدك القضاء فصرت بعض صيوده ومن شعره المشهور قوله:
بين كريمين مجلسٌ واسع ... والود حال يقرب الشاسع
والبيت إن ضاق عن ثمانية ... متسعٌ بالوداد للتاسع وله بيت بديع من جملة قصيدة وهو (٢) :
وإذا جافاك الدهر وهو أبو الورى ... طراً فلا تعتب على أولاده
стр. 1392
وكان التهامي المذكور قد وصل إلى الديار المصرية مستخفياً، ومعه كتب كثيرة من حسان بن مفرج بن دغفل البدوي وهو متوجه إلى بني قرة، فظفروا به، فقال: أنا من بني تميم، فلما انكشفت حاله عرف أنه التهامي الشاعر، فاعتقل في خزانة البنود، وهو سجن بالقاهرة المحروسة، وذلك لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وأربعمائة، ثم قتل سراً في سجنه في تاسع جمادى الأولى من السنة المذكورة، رحمه الله تعالى. وكان أصفر اللون، هكذا نقلته من بعض تواريخ المصريين، وهو مرتب على الأيام، قد كتب مؤلفه كل يوم وما جرى فيه من الحوادث، رأيت منه مجلداً واحداً، ولا أعلم كم عدد مجلداته. وبعد موته رآه بعض أصحابه في النوم، فقال له: ما فعل الله بك فقال: غفر لي، فقال: بأي الأعمال فقال: بقولي في مرثية ولدي الصغير:
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري والتهامي: بكسر التاء المثناة من فوقها وفتح الهاء وبعد الألف ميم، هذه النسبة إلى تهامة، وهي تنطلق على مكة، حرسها الله تعالى، ولذلك قيل للنبي ﷺ : تهامي لأنه منها، وتنطلق أيضاً على جبال تهامة وبلادها، وهي خطة متسعة بين الحجاز وأطراف اليمن، ولا أعلم هل نسبة هذا الشاعر إلى مكة أم إليها، والله أعلم.
стр. 1393
٤٧٢ - (١)
ابن نوبخت
أبو الحسن علي بن أحمد بن نوبخت الشاعر؛ كان شاعراً مجيداً، إلا أنه كان قليل الحظ من الدنيا، لم يزل رقيق الحال ضعيف المقدرة، وتوفي بمصر في شعبان سنة ست عشرة وأربعمائة، وهو على حاله من الضرورة وشدة الفاقة، رحمه الله تعالى؛ وكفنه ولي الدولة أبو محمد أحمد بن علي المعروف بابن خيران الكاتب الشاعر.
(١٢٤) وهذا ابن خيران (٢) كان متولي كتب السجلات عن الظاهر بن الحاكم صاحب مصر، وله ديوان شعر أيضاً صغير الحجم ومن شعره البيتان المشهوران وهما:
سعى إليك بي الواشي فلم ترني ... أهلاً لتكذيب ما ألقى من الخبر
ولو سعى بك عندي في ألذ كرىً ... طيف الخيال لبعت النوم بالسهر قلت: ويقرب من هذا المعنى قول أبي عبد الله الحسين بن القم اليمني الشاعر المشهور صاحب الرسالة المشهورة (٣) من جملة أبيات، وهو قوله (٤) :
أنبئت أنك قد أتتك قوارضٌ ... عني ثنتك على الضمير الواجد
عملت رقى الواشين فيك وإنها ... عندي لتضرب في حديد بارد والأصل في هذا كله قول عبد الله بن الدمينة الخثعمي الشاعر المشهور
стр. 1394
المعروف بنائحة العرب من جملة قصيدته البائية المشهورة، وهو قوله (١) :
وكوني على الواشين لداء شغبةً ... كما أنا للواشي ألد شغوب ونوبخت: بضم النون وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبعدها تاء مثناة من فوقها (٢) .
وإنما ذكرت ابن خيران في هذه الترجمة، ولم أفرده بترجمة، لأني لم أقف على تاريخ وفاته، وقد التزمت في هذا الكتاب ذكر أرباب الوفيات، ثم إني وجدت في كتاب " طبقات الشعراء " تأليف الوزير أبي سعد محمد بن الحسين بن عبد الرحيم الملقب عميد الدولة ترجمة ولي الدولة ابن خيران المذكور، وذكر له شعراً وقال: كان شاباً حسن الوجه، ورد الخبر بوفاته في شهر رمضان من سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وكان وقوفي على هذا الفصل في أواخر سنة خمس وسبعين وستمائة بالقاهرة (٣) ، والله أعلم.
٤٧٣ - (٤)
صريع الدلاء
أبو الحسن علي بن عبد الواحد الفقيه البغدادي، المعروف بصريع الدلاء قتيل الغواشي ذي الرقاعتين الشاعر المشهور؛ ذكره الرشيد أبو الحسين أحمد بن الزبير المذكور في حرف الهمزة في كتاب " الجنان "، فقال: " كان يسلك في
стр. 1395
شعره مسلك أبي الرقعمق (١) ، وله قصيدة في المجون ختمها ببيت لو لم يكن له في الجد سواه لبلغ به درجة الفضل وأحرز معه قصب السبق وهو قوله:
من فاته العلم وأخطاه الغنى ... فذاك والكلب على حال سوا وقدم مصر سنة اثنتي عشرة وأربعمائة ومدح الظاهر لإعزاز دين الله "؛ انتهى كلام ابن الزبير.
ورأيت في نسخة من ديوان شعره أنه أبو الحسن محمد بن عبد الواحد القصار البصري، والله أعلم بالصواب (٢) . وكانت وفاته في سابع رجب سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، فجأة، من شرقة لحقته عند الشريف البطحائي، وغالب ظني أنه توفي بمصر، رحمه الله تعالى، لأني نقلت تاريخ وفاته من التاريخ الذي ذكرته في ترجمة التهامي، ومبناه على الحوادث الكائنة بمصر يوماً فيوماً ويؤيد ذلك أن ابن الزبير قد ذكر أنه قدم مصر في سنة اثنتي عشرة، وهي السنة التي توفي فيها، والله أعلم.
وفيه قال أبو العلاء المعري (٣) :
دعيت بصارعٍ فتداركته ... مبالغةٌ فرد إلى فعيل كان طلب منه شراباً وما يليق به، فسير له قليل نفقة، واعتذر بهذه الأبيات.
стр. 1396
٤٧٤ - (١)
صردر الشاعر
الرئيس أبو منصور علي بن الحسن (٢) بن علي بن الفضل الكاتب المعروف بصردر (٣) الشاعر المشهور؛ أحد نجباء شعراء عصره، جمع بين جودة السبك وحسن المعنى، وعلى شعره طلاوة رائقة وبهجة فائقة، وله ديوان شعر وهو صغير، وما ألطف قوله من جملة قصيدة (٤) :
نسائل عن ثمامات بحزوى ... وبان الرمل يعلم ما عنينا
فقد كشف الغطاء فما نبالي ... أصرحنا بذكرك أم كنينا
ولو أني أنادي يا سليمى ... لقالوا ما أردت سوى لبينى
ألا لله طيفٌ منك يسقي ... بكاسات الكرى (٥) زوراً ومينا
مطيته طوال الليل (٦) جفني ... فكيف شكا إليك وجىً وأينا
فأمسينا كأنا ما افترقنا ... وأصبحنا كأنا ما التقينا وقوله في الشيب:
لم أبك أن رحل الشباب، وإنما ... أبكي لأن يتقارب الميعاد
стр. 1397
شعر الفتى أوراقه، فإذا ذوى ... جفت على آثاره الأعواد وله في جارية سوداء، وهو معنى حسن:
علقتها سوداء (١) مصقولةً ... سواد قلبي صفةٌ فيها
ما انكسف البدر على تمه ... ونوره إلا ليحكيها
لأجلها الأزمان أوقاتها ... مؤرخات بلياليها وإنما قيل له " صردر " لأن أباه كان يلقب " صربعر " لشحه، فلما نبغ ولده المذكور وأجاد في الشعر قيل له: صردر، وقد هجاه بعض الشعراء وقته وهو الشريف أبو جعفر مسعود المعروف بالبياضي الشاعر - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى:
لئن لقب الناس قدماً أباك ... وسموه من شحه صر (٢) بعرا
فإنك تنثر ما صره ... عقوقاً له وتسميه شعرا ولعمري ما أنصفه هذا الهاجي، فإن شعره نادر، وإنما العدو لا يبالي بما يقوله.
وكانت وفاة صردر في سنة خمس وستين وأربعمائة، وكان سبب موته أنه تردى في حفرة حفرت للأسد في قرية بطريق خراسان. وكانت ولادته قبل الأربعمائة - وسيأتي ذكره في ترجمة الوزير فخر الدولة بن جهير (٣) ، واسمه محمد، وله هناك شعر بديع.
стр. 1398
(١) ٤٧٥
الباخرزي
أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي الشاعر المشهور؛ كان أوحد عصره في فضله وذهنه، والسابق إلى حيازة القصب في نظمه ونثره. كان في شبابه مشتغلاً بالفقه على مذهب الإمام الشافعي، ﵁، واختص بملازمة درس الشيخ أبي محمد الجويني والد إمام الحرمين، ثم شرع في فن الكتابة، واختلف إلى ديوان الرسائل، وارتفعت به الأحوال وانخفضت، ورأى من الدهر العجائب سفراً وحضراً، وغلب أدبه على فقهه، فاشتهر بالأدب وعمل الشعر، وسمع الحديث، وصنف كتاب " دمية القصر وعصرة أهل العصر " وهو ذيل " يتيمة الدهر " التي للثعالبي، وجمع فيها خلقاً كثيراً.
(١٢٥) وقد وضع على هذا الكتاب أبو الحسن علي بن زيد البيهقي كتاباً سماه " وشاح الدمية " وهو كالذيل له، هكذا سماه السمعاني في " المذيل "، وقال العماد في " الخريدة ": هو شرف الدين أبو الحسن علي بن الحسن البيهقي، والله أعلم، وذكر أشياء من شعره، فمن ذلك:
يا خالق الخلق حملت الورى ... لما طغى الماء على جاريه
وعبدك الآن طغى ماؤه ... في الصلب فاحمله على جاريه
стр. 1399
رجعنا إلى الباخرزي:
وديوان شعره مجلد كبير والغالب عليه الجودة، فمن معانيه الغريبة قوله:
وإني لأشكو لسع أصداغك التي ... عقاربها التي في وجنتيك تحوم
وأبكي لدر الثغر منك ولي أبٌ ... فكيف يديم الضحك وهو يتيم ومن قوله في شدة البرد:
كم مؤمن قرصته أظفار الشتا ... فغدا لسكان الجحيم حسودا
وترى طيور الماء في وكناتها ... تختار حر النار والسفودا
وإذا رميت بفضل (١) كسأك في الهوى ... عادت عليك من العقيق عقودا
يا صاحب العوديين لا تهملهما ... حرق لنا عوداً وحرك عودا وقوله من جملة أبيات:
يا فالق الصبح من لألاء غرته ... وجاعل الليل من أصداغه سكنا
بصورة الوثن استعبدني، وبها ... فتنتني، وقديماً هجت لي شجنا
لا غرو أن أحرقت نار الهوى كبدي ... فالنار حق على من يعبد الوثنا ومن المنسوب إليه، والله أعلم:
وإذا بكيت دماً تقول شمت بي ... يوم النوى فصبغت دمعك أحمرا
من شاء أمنحه الغرام فدونه ... هذي خلائقها بتحيير الشرى هكذا أنشدنيهما بعض المتأدبين والعهدة عليه في ذلك (٢) .
وقتل الباخرزي في مجلس الأنس بباخرز (٣) في ذي القعدة سنة سبع وستين
стр. 1400
وأربعمائة، وذهب دمه هدراً، رحمه الله تعالى.
وباخرز: بفتح الباء الموحدة وبعد الألف خاء موحدة مفتوحة ثم راء ساكنة وبعدها زاي، وهي ناحية من نواحي نيسابور تشتمل على قرى ومزارع، خرج منها جماعة من الفضلاء وغيرهم.
٤٧٦ - (١)
ابن أفلح الشاعر
جمال الملك أبو القاسم علي بن أفلح العبسي الشاعر المشهور؛ شاعر ظريف حسن المديح كثير الهجاء، مدح الخلفاء فمن دونهم من أرباب المراتب، وجاب البلاد ولقي رؤساها وأكابرها، رأيت ديوانه في مجلد وسط وقد جمعه بنفسه وعمل له خطبة وقفاه، وذكر عدد ما في كل قافية في بيت، واعتنى بأمره وهذبه، نقلت منه قوله يخاطب محبوبه:
يا جاهلاً قدر المحبة ساءني ... ما ضاع من كلفي ومن تبريحي
سيان عندك مغرم بك هائم ... وخلي قلبٍ فيك غير قريح
لو كنت أعلم أن طبعك هكذا ... لم أعص يوم نصحت فيك نصيحي
ما كان في عزمي السلو وإنما ... ألزمتنيه بكثرة التقبيح وله في غلام ناقص الجمال:
وما عشقي له وحشاً لأني ... كرهت الحسن واخترت القبيحا
ولكن غرت أن أهوى مليحاً ... وكل الناس يهوون المليحا
стр. 1401
ولابن المعتز في هذا المعنى أيضاً، أي في ناقص الجمال:
قلبي ميال إلى ذا وذا ... ليس يرى شيئاً فيأباه
يهيم بالحسن كما ينبغي ... ويرحم القبح فيهواه ومن أبياته السائرة المشهورة من جملة أبيات قوله:
بيننا يوم أثيلات منى ... كان عن غير تراضٍ بيننا (١) [ولبعض المتأخرين في المعنى الأول:
أنا لا أعشق من يع ... شقه كل الأنام
وأعاف المنهل العذ ... ب لبغضي في الزحام] (٢) وله في غلام أعرج، أي لابن أفلح المذكور:
بأبي من رأيته يتثنى ... فهو من لينه يحل ويعقد
حسدوه على الجمال فقالوا ... أعرج والمليح مازال يحسد
هو غصنٌ والحسن في الغصن النا ... عم ما كان مائلاً يتأود وله في بعض الرؤساء، وقد وصل إلى بابه، فمنعه البواب من الدخول إليه (٣) :
حمدت بوابك إذ ردني ... وذمه غيري على رده
لأنه قلدني نعمة ... تستوجب الإغراق في حمده
أراحني من قبح ملقاك لي ... وكبرك الزائد في حده [وأورد له الحظيري في " زينة الدهر ":
стр. 1402
لا غرو من جزعي لبينهم ... يوم النوى وأنا أخو الفهم
فالقوس من خشب تئن إذا ... ما كلفوها فرقة السهم وقال وقد وعده رجل بدرياق وتأخر عنه:
لا غرو أن أخلف ميعاده ... من لم يجد قط ولم يكرم
وإنما الأعجب منه أنا ... أن أطلب الدرياق من أرقم] (١) وله نوادر كثيرة.
وتوفي يوم الخميس ثاني شعبان سنة خمس، وقيل ست، وقيل سبع وثلاثين وخمسمائة، وعمره أربع وستون سنة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوماً، وكانت وفاته ببغداد، ودفن بالجانب الغربي بمقابر قريش، رحمه الله تعالى.
وأفلح: بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح اللام وبعدها حاء مهملة.
والعبسي: بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وبعدها سين مهملة، هذه النسبة إلى عبس، وهو اسم لعدة قبائل، ولا أعلم إلى أيها ينسب المذكور، وهو يتصحف بالعنسي، مثل الأول لكن بدل الباء نون، وهي قبيلة أيضاً.
٤٧٧ - (٢)
ابن مسهر الموصلي
أبو الحسن علي بن أبي الوفاء سعد بن أبي الحسن علي بن عبد الواحد بن عبد القاهر بن أحمد بن مسهر الموصلي، الملقب مهذب الدين؛ كان شاعراً بارعاً رئيساً مقدماً، تنقل في أكثر ولايات الموصل ومدح الخلفاء والأمراء؛ رأيت
стр. 1403
ديوان شعره في مجلدين (١) ، وذكر في ديوانه أنه ولد بمدينة آمد، ومن محاسن شعره قوله في صفة فهد:
[وكل أهرت بادي السخط مطرح ال ... حياء جهم المحيا سيء الخلق] (٢)
والشمس مذ لقبوها بالغزالة أع ... طته الرشا حسداً من لونها اليقق (٣)
ونقطته حباءً كي يسالمها ... على المنايا نعاج الرمل بالحدق
هذا ولم يبرزا مع سلم جانبه ... يوماً لناظره إلا على فرق ومن هذه القصيدة في صفة الخيل:
سودٌ حوافرها بيضٌ جحافلها (٤) ... صبغ تولد بين الصبح والغسق
من طول ما وطئت ظهر الدجا خبباً ... وطول ما كرعت من منهل الفلق [وهي قصيدة بديعة، وأولها:
هي الموارد بين السحر والحدق ... فرد دنان المنايا مورد الأنق
وأطيب العيش ما تجنيه من تعب ... وأعذب الشرب ما يصفو من الرنق
يا دار درك إخلاف الغمام على ... مر النسيم بجاري الغيث منبثق
وإن عدتك عوادي المزن فانتجعي ... بأروض الأرض من أجفان ذي حرق] (٥) وهذه الأبيات (٦) مع أنها جيدة مأخوذة من أبيات الأمير أبي عبد الله محمد بن أحمد السراج الصوري، وكان معاصره، وهي من جملة قصيدة:
стр. 1404
شثن البراثن في فيه وفي يده ... ما في الصوارم والعسالة الذبل
تنافس الليل فيه والنهار معاً ... فقمصاه بجلباب من المقل
والشمس منذ دعوها بالغزالة لم ... تبرز لناظره إلا على وجل ومن شعر ابن مسهر أيضاً بيتان كتبهما إلى بعض الرؤساء:
ولما اشتكيت اشتكى كل ما ... على الأرض واعتل شرقٌ وغرب
لأنك قلبٌ لجسم الزمان ... وما صح جسمٌ إذا اعتل قلب [وذكره العماد الكاتب في " الخريدة "، وبالغ في الثناء عليه، ثم قال: أنشدني العلم الشاتاني (١) له هذه القصيدة:
حسرت عن يومنا النوب ... واكتسى نواره العشب
واستقامت في مجرتها ... بالأماني السبعة الشهب
يا خليلي أين مصطبحٌ ... فيه للذات مصطحب
وثغور الزهر ضاحكة ... ودموع القطر تنسكب
ولنا في كل جارحة ... من غِنا أطياره طرب
اسقنيها بنت دسكرة ... وهي أم حين تنتسب
خندريسونٌ دون مدتها ... جاءت الأزمان والحقب
طاف يجلوها لنا رشأ ... قصرت عن لحظه القضب
أوقدتها نار وجنته ... فهي في كفيه تلتهب
ولها من ذاتها طربٌ ... فلهذا يرقص الحبب ثم قال بعد ذلك: وكان قد حكى لي كمال الدين بن السهروردي قال: كان ابن مسهر إذا أعجبه معنى لشاعر أو بيت عمل عليه قصيدة وادعاه لنفسه، واجتمع هو والأبيوردي مرة، وهو لا يعرف ابن مسهر، فجرى حديث ابن
стр. 1405
مسهر وأنه سرق بيت الأبيوردي، فقال ابن مسهر: بل الأبيوردي سرق شعري.
وقال في " الخريدة " أيضاً في حقه في أول ترجمته (١) : عاش إلى زماننا هذا، ورأيته شيخاً أناف على التسعين لما كنت بالموصل سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم وصفه على جاري عادته، ثم قال: وابن مسهر مسهر المعاصرين حسداً، ومميت القاصرين عن شأوه كمداً، ثم قال في أثناء الترجمة] (٢) : ومن غريب الاتفاق ما حكاه السمعاني عن أبي الفتح عبد الرحمن بن أبي الغنائم محمد بن أحمد بن علي بن عبد الغفار المعروف بابن الأخوة البيع الأديب الكاتب، أنه رأى في منامه منشداً ينشد:
وأعجب من صبري القلوص التي سرت ... بهودجك المزموم أنى استقلت
وأطبق أحناء الضلوع على جوىً ... جميعٍ وصبرٍ مستحيلٍ مشتت قال أبو الفتح المذكور: فلما انتبهت جعلت دأبي السؤال عن قائل هذين البيتين مدة، فلم أجد مخبراً عنهما، ومضى على ذلك عدة سنين، ثم اتفق نزول أبي الحسن علي بن مسهر المذكور في ضيافتي، فتجاذبنا في بعض الليالي ذكر المنامات، فذكرت له حال المنام الذي رأيته، وأنشدته البيتين المذكورين، فقال: أقسم بالله أنهما من شعري من جملة قصيدة، وأنشدني منها:
إذا ما لسان الدمع نم على الهوى ... فليس بسرٍ ما الضلوع أجنت
فوالله ما أدري عشية ودعت ... أناحت حمامات اللوى أم تغنت
وأعجب من صبري القلوص التي سرت ... بهودجك المزموم أنى استقلت
أعاتب فيك اليعملات على النوى ... وأسأل عنك الريح من حيث هبت
وأطبق أحناء الضلوع على جوىً ... جميعٍ وصبرٍ مستحيلٍ مشتت قال: فعجبنا من هذا الاتفاق، ثم تذاكرنا بقية ليلتنا بأنواع الأدب.