← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ولابن المعتز في هذا المعنى أيضاً، أي في ناقص الجمال: قلبي ميال إلى ذا وذا ... ليس يرى شيئاً فيأباه يهيم بالحسن كما ينبغي ... ويرحم القبح فيهواه ومن أبياته السائرة المشهورة من جملة أبيات قوله: بيننا يوم أثيلات منى ... كان عن غير تراضٍ بيننا (١) [ولبعض المتأخرين في المعنى الأول: أنا لا أعشق من يع ... شقه كل الأنام وأعاف المنهل العذ ... ب لبغضي في الزحام] (٢) وله في غلام أعرج، أي لابن أفلح المذكور: بأبي من رأيته يتثنى ... فهو من لينه يحل ويعقد حسدوه على الجمال فقالوا ... أعرج والمليح مازال يحسد هو غصنٌ والحسن في الغصن النا ... عم ما كان مائلاً يتأود وله في بعض الرؤساء، وقد وصل إلى بابه، فمنعه البواب من الدخول إليه (٣) : حمدت بوابك إذ ردني ... وذمه غيري على رده لأنه قلدني نعمة ... تستوجب الإغراق في حمده أراحني من قبح ملقاك لي ... وكبرك الزائد في حده [وأورد له الحظيري في " زينة الدهر ":

стр. 1402

لا غرو من جزعي لبينهم ... يوم النوى وأنا أخو الفهم فالقوس من خشب تئن إذا ... ما كلفوها فرقة السهم وقال وقد وعده رجل بدرياق وتأخر عنه: لا غرو أن أخلف ميعاده ... من لم يجد قط ولم يكرم وإنما الأعجب منه أنا ... أن أطلب الدرياق من أرقم] (١) وله نوادر كثيرة. وتوفي يوم الخميس ثاني شعبان سنة خمس، وقيل ست، وقيل سبع وثلاثين وخمسمائة، وعمره أربع وستون سنة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوماً، وكانت وفاته ببغداد، ودفن بالجانب الغربي بمقابر قريش، رحمه الله تعالى. وأفلح: بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح اللام وبعدها حاء مهملة. والعبسي: بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وبعدها سين مهملة، هذه النسبة إلى عبس، وهو اسم لعدة قبائل، ولا أعلم إلى أيها ينسب المذكور، وهو يتصحف بالعنسي، مثل الأول لكن بدل الباء نون، وهي قبيلة أيضاً. ٤٧٧ - (٢) ابن مسهر الموصلي أبو الحسن علي بن أبي الوفاء سعد بن أبي الحسن علي بن عبد الواحد بن عبد القاهر بن أحمد بن مسهر الموصلي، الملقب مهذب الدين؛ كان شاعراً بارعاً رئيساً مقدماً، تنقل في أكثر ولايات الموصل ومدح الخلفاء والأمراء؛ رأيت

стр. 1403

ديوان شعره في مجلدين (١) ، وذكر في ديوانه أنه ولد بمدينة آمد، ومن محاسن شعره قوله في صفة فهد: [وكل أهرت بادي السخط مطرح ال ... حياء جهم المحيا سيء الخلق] (٢) والشمس مذ لقبوها بالغزالة أع ... طته الرشا حسداً من لونها اليقق (٣) ونقطته حباءً كي يسالمها ... على المنايا نعاج الرمل بالحدق هذا ولم يبرزا مع سلم جانبه ... يوماً لناظره إلا على فرق ومن هذه القصيدة في صفة الخيل: سودٌ حوافرها بيضٌ جحافلها (٤) ... صبغ تولد بين الصبح والغسق من طول ما وطئت ظهر الدجا خبباً ... وطول ما كرعت من منهل الفلق [وهي قصيدة بديعة، وأولها: هي الموارد بين السحر والحدق ... فرد دنان المنايا مورد الأنق وأطيب العيش ما تجنيه من تعب ... وأعذب الشرب ما يصفو من الرنق يا دار درك إخلاف الغمام على ... مر النسيم بجاري الغيث منبثق وإن عدتك عوادي المزن فانتجعي ... بأروض الأرض من أجفان ذي حرق] (٥) وهذه الأبيات (٦) مع أنها جيدة مأخوذة من أبيات الأمير أبي عبد الله محمد بن أحمد السراج الصوري، وكان معاصره، وهي من جملة قصيدة:

стр. 1404

شثن البراثن في فيه وفي يده ... ما في الصوارم والعسالة الذبل تنافس الليل فيه والنهار معاً ... فقمصاه بجلباب من المقل والشمس منذ دعوها بالغزالة لم ... تبرز لناظره إلا على وجل ومن شعر ابن مسهر أيضاً بيتان كتبهما إلى بعض الرؤساء: ولما اشتكيت اشتكى كل ما ... على الأرض واعتل شرقٌ وغرب لأنك قلبٌ لجسم الزمان ... وما صح جسمٌ إذا اعتل قلب [وذكره العماد الكاتب في " الخريدة "، وبالغ في الثناء عليه، ثم قال: أنشدني العلم الشاتاني (١) له هذه القصيدة: حسرت عن يومنا النوب ... واكتسى نواره العشب واستقامت في مجرتها ... بالأماني السبعة الشهب يا خليلي أين مصطبحٌ ... فيه للذات مصطحب وثغور الزهر ضاحكة ... ودموع القطر تنسكب ولنا في كل جارحة ... من غِنا أطياره طرب اسقنيها بنت دسكرة ... وهي أم حين تنتسب خندريسونٌ دون مدتها ... جاءت الأزمان والحقب طاف يجلوها لنا رشأ ... قصرت عن لحظه القضب أوقدتها نار وجنته ... فهي في كفيه تلتهب ولها من ذاتها طربٌ ... فلهذا يرقص الحبب ثم قال بعد ذلك: وكان قد حكى لي كمال الدين بن السهروردي قال: كان ابن مسهر إذا أعجبه معنى لشاعر أو بيت عمل عليه قصيدة وادعاه لنفسه، واجتمع هو والأبيوردي مرة، وهو لا يعرف ابن مسهر، فجرى حديث ابن

стр. 1405

مسهر وأنه سرق بيت الأبيوردي، فقال ابن مسهر: بل الأبيوردي سرق شعري. وقال في " الخريدة " أيضاً في حقه في أول ترجمته (١) : عاش إلى زماننا هذا، ورأيته شيخاً أناف على التسعين لما كنت بالموصل سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم وصفه على جاري عادته، ثم قال: وابن مسهر مسهر المعاصرين حسداً، ومميت القاصرين عن شأوه كمداً، ثم قال في أثناء الترجمة] (٢) : ومن غريب الاتفاق ما حكاه السمعاني عن أبي الفتح عبد الرحمن بن أبي الغنائم محمد بن أحمد بن علي بن عبد الغفار المعروف بابن الأخوة البيع الأديب الكاتب، أنه رأى في منامه منشداً ينشد: وأعجب من صبري القلوص التي سرت ... بهودجك المزموم أنى استقلت وأطبق أحناء الضلوع على جوىً ... جميعٍ وصبرٍ مستحيلٍ مشتت قال أبو الفتح المذكور: فلما انتبهت جعلت دأبي السؤال عن قائل هذين البيتين مدة، فلم أجد مخبراً عنهما، ومضى على ذلك عدة سنين، ثم اتفق نزول أبي الحسن علي بن مسهر المذكور في ضيافتي، فتجاذبنا في بعض الليالي ذكر المنامات، فذكرت له حال المنام الذي رأيته، وأنشدته البيتين المذكورين، فقال: أقسم بالله أنهما من شعري من جملة قصيدة، وأنشدني منها: إذا ما لسان الدمع نم على الهوى ... فليس بسرٍ ما الضلوع أجنت فوالله ما أدري عشية ودعت ... أناحت حمامات اللوى أم تغنت وأعجب من صبري القلوص التي سرت ... بهودجك المزموم أنى استقلت أعاتب فيك اليعملات على النوى ... وأسأل عنك الريح من حيث هبت وأطبق أحناء الضلوع على جوىً ... جميعٍ وصبرٍ مستحيلٍ مشتت قال: فعجبنا من هذا الاتفاق، ثم تذاكرنا بقية ليلتنا بأنواع الأدب.

стр. 1406

[ومن شعره أيضاً، وهو ما أورده له في " الخريدة " من قصيدة (١) : الوجد ما قد هيج الطللان ... مني، وأذكرني حمام البان أنا والحمائم حيث تندب شجوها ... فوق الأراكة سحرةً سيان فأنا المعنى بالقدود أمالها ... شرخ الشباب وهن بالأغصان ومنها: فافخر فإنك من سلالة معشر ... عقدوا عمائمهم على التيجان كل الأنام بنو أبٍ لكنما ... بالفضل تعرف قيمة الإنسان] (٢) وتوفي في أواخر صفر سنة ثلاث وأربعين وخمسائة رحمه الله تعالى. وقال العماد الكاتب في " الخريدة " سنة ست وأربعين. ومسهر: بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء بعدها وبعدها راء، وهو اسم علم. ٤٧٨ - (٣) ابن الساعاتي أبو الحسن علي بن رستم بن هردوز المعروف بابن الساعاتي، الملقب بهاء الدين، الشاعر المشهور؛ شاعر مبرز في حلبة المتأخرين، له ديوان شعر يدخل

стр. 1407

في مجلدين، أجاد فيه كل الإجادة، وديوان أخر لطيف سماه " مقطعات النيل " نقلت منه قوله (١) : لله يومٌ في سيوط وليلةٌ ... صرف الزمان بأختها لا يغلط بتنا وعمر الليل في غلوائه ... وله بنور البدر فرعٌ أشمط والطل في سلك الغصون كلؤلؤ ... رطب يصافحه النسيم فبسقط والطير يقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمامة تنقط وهذا تقسيم بديع؛ ونقلت منه أيضاً (٢) : وقد نزلت بروضة حزنيةٍ ... رتعت نواظرها بها والأنفس فظللت أعجب حيث يحلف صاحبي ... والمسك من نفحاتها يتنفس ما الجو إلا عنبرٌ والدوح ... إلا جوهرٌ والروض إلا سندس سفرت شقائقها فهم الأقحوا ... ن بلثمها فرنا إليه النرجس فكأن ذا خد وذا ثغر يحا ... وله وذا أبداً عيون تحرس وله كل معنى مليح. أخبرني ولده بالقاهرة المحروسة أن أباه توفي يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وستمائة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم وعمره إحدى وخمسون سنة وستة أشهر وأثنا عشر يوماً. ورأيت بخط بعض المشايخ وقد وافق في تاريخ الوفاة ولكنه قال: عاش ثمانياً وأربعين سنة وسبعة أشهر واثني عشر يوما وأنه ولد بدمشق، رحمه الله تعالى. والله أعلم بالصواب. ورستم: بضم الراء وسكون السين المهملة وضم التاء المثناة من فوقها. وهردوز: بفتح الهاء وسكون الراء وضم الدال وسكون الواو وبعدها زاي.

стр. 1408

وسيوط: بضم السين المهملة والياء المثناة من تحتها وسكون الواو وبعدها طاء مهملة، وهي بلدة بصعيد مصر، ومنهم من يقول أسيوط بزيادة همزة مضمومة [وسكون السين] (١) . ٤٧٩ - (٢) ابن الآمدي قاضي واسط أبو الفضائل علي بن أبي المظفر يوسف بن أحمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسين بن أحمد بن جعفر، الآمدي الأصل الواسطي المولد والدار؛ هو من بيت معروف بواسط بالصلاح والروايه والعدالة، قدم بغداد وأقام بها مدة متفقهاً على مذهب الإمام الشافعي، ﵁، على الشيخ أبي طالب المبارك بن المبارك صاحب ابن الخل، ثم من بعده على أبي القاسم يعيش بن صدقة الفراتي، وأعاد له درسه بالمدرسة الثقتية بباب الأزج، وكان حسن الكلام في المناظرة، وسمع الحديث من جماعة كبيرة ببلده وببغداد، وتولى القضاء بواسط في أواخر صفر سنة أربع وستمائة، وصار إليها في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، وأضيف إليه أيضاً (٣) الاشراف بالأعمال الواسطية، وكان له معرفة بالحساب، وله أشعار رائقة، فمن ذلك الأبيات السائرة وهي: واهاً له ذكر الحمى فتأوها ... ودعا به داعي الصبا فتولها هاجت بلابله البلابل فانثنت ... أشجانه تثني عن الحلمي النهى فشكا جوى وبكى أسى وتنبه ال ... وجد القديم ولم يزل متنبها

стр. 1409

قالوا وهى جلداً ولو علق الهوى ... بيلملم يوما تأوه أو وهى لا تكرهوه على السلو فطائعاً ... حمل الغرام فكيف يسلو مكرها ياعتب لا عتب عليك فسامحي ... وصلي فقد بلغ السقام المنتهى علمت بان الجزع ميل غصونه ... لما خطرت عليه في حلل البها ومنحت غنج اللحظ غزلان النقا ... فلذاك أحسن ما يرى عين المها لولا دلالك لم أبت متقسم ال ... عزمات مسلوب الرقاد متيها (١) لي أربع شهداء في صدق الولا ... دمع وحزن مفرطٌ وتدلها (٢) وبلابل تعتادني لو أنها ... في يذبل يوماً لأصبح كالسها لام العواذل في هواك وما أرعوى ... ونهاه عنك اللائمون ومن انتهى قالوا اشتهاك وقد رآك مليحة ... عجباً وأي مليحة لا تشتهى أنا أعشق العشاق فيك ولا أرى ... مثلي ولا لك في الملاحة مشبها وله غيرها أشعار رقيقة. (١٢٦) قلت: هكذا وجدت هذه الأبيات منسوبة إليه ولا أتحقق صحتها، والله أعلم، ثم وجدت بخطي في مسودتي أن توفي ابن الآمدي الشاعر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة (٣) ، وكان في طبقة الغزي والأرجاني، ولم أقف على اسمه ونسبه حتى أعلم من هو، لكنه قال: وكان من أهل النيل، يعني البليدة التي في العراق، وكان قد زاد على تسعين سنة، فيحتمل أن تكون له هذه الأبيات المذكورة في هذه الترجمة، ويحتمل أن تكون لهذا الثاني المجهول الاسم والنسب، والله أعلم، لكن يترجح الأول لأنه كان قاضي واسط فهو الفقيه، وهذا الشاعر. وكانت ولادته بواسط في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وخمسين

стр. 1410

وخمسمائة. وتوفي ليلة الاثنين ثالث شهر ربيع الأول سنة ثمان وستمائة بواسط، وصلي عليه يوم الاثنين، ودفن عند أبيه وأهله بظاهر البلد، رحمه الله تعالى، وقد تقدم الكلام على الآمدي، وأن نسبته إلى آمد. ٤٨٠ - (١) عماد الدوله ابن بويه عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بن فناخسرو الديلمي صاحب بلاد فارس - وقد تقدم تمام نسبه في ترجمة أخيه معز الدولة أحمد بن بويه في حرف الهمزة (٢) فأغنى عن الإعادة (٣) ؛ وعماد الدولة المذكور أول من ملك من بني بويه، وكان أبوه صياداً وليست له معيشة إلا من صيد السمك، وكانوا ثلاثة إخوة: عماد الدولة أكبرهم، ثم ركن الدولة الحسن وهو والد عضد الدولة - وقد تقدم ذكره في حرف الحاء (٤) - ثم معز الدولة، والجميع ملكوا. وكان عماد الدولة سبب سعادتهم وانتشار صيتهم، واستولوا على البلاد وملكوا العراقين والأهواز وفارس وساسوا أمور الرعية أحسن سياسة، ثم لما ملك عضد الدولة بن ركن الدولة اتسعت مملكته، وزادت على ما كان لأسلافه، ولولا خوف الإطالة لذكرت طرفاً من سبب تملك عماد الدولة المذكور وكيفية أمره من أول الحال. وذكر أبو محمد هارون بن العباس المأموني في تاريخه أن عماد الدولة المذكور اتفقت له أسباب عجيبة كانت سبباً لثبات ملكه: منها أنه لما ملك شيراز في

стр. 1411

أول ملكه اجتمع أصحابه وطالبوه بالأموال، ولم يكن معه ما يرضيهم به وأشرف أمره على الانحلال، فاغتم لذلك، فبينما هو مفكر قد استلقى على ظهره في مجلس قد خلا فيه للفكرة والتدبير إذ رأى حية قد خرجت من موضع من سقف ذلك المجلس ودخلت موضعاً آخر منه، فخاف أن تسقط عليه، فدعا الفراشين (١) وأمرهم بإحضار سلم، وأن تخرج (٢) الحية، فلما صعدوا وبحثوا عن الحية وجدوا ذلك السقف يفضي إلى غرفة بين سقفين، فعرفوه ذلك، فأمرهم بفتحه ففتحت فوجد فيها عدة صناديق من المال والمصاغات قدر خمسمائة ألف دينار، فحمل المال إلى بين يديه، فسر به وأنفقه في رجاله، وثبت أمره بعد أن كان قد أشفى على الانخرام. ثم أنه قطع ثياباً وسأل عن خياط حاذق، فوصف له خياط كان لصاحب البلد قبله، - فأمر بإحضاره، وكان أطروشاً، فوقع له أنه قد سعي به إليه في وديعة كانت عنده لصاحبه (٣) ، وأنه طلبه لهذا السبب، فلما خاطبه حلف أنه ليس عنده إلا اثنا عشر صندوقاً لا يدري (٤) ما فيها، فعجب عماد الدولة من جوابه، ووجه معه من حملها، فوجد فيها أموالاً وثياباً بجملة عظيمة (٥) ، فكانت هذه الأسباب من أقوى دلائل سعادته، ثم تمكنت حاله واستقرت قواعده (٦) . وكانت وفاته يوم الأحد لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين وثلثمائة بشيراز، ودفن في دار المملكة، وأقام في المملكة ست عشر سنة، وعاش سبعاً وخمسين سنة ولم يعقب، رحمه الله تعالى. وأتاه في مرضه أخوه ركن الدولة واتفقا على تسليم بلاد فارس إلى عضد الدولة بن ركن الدولة فتسلمها.

стр. 1412

٤٨١ - (١) سيف الدولة بن حمدان سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان - وقد تقدم تتمة (٢) نسبه في ترجمة أخيه ناصر الدولة الحسن (٣) في حرف الحاء فلا حاجة إلى إعادته؛ قال أبو منصور الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر " (٤) : كان بنو حمدان ملوكاً أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، ووساطة قلادتهم، وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحط الرحال، وموسم الأدباء، وحلبة الشعراء، ويقال: إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر ونجوم الدهر، وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها؛ وكان أديباً شاعراً محباً لجيد الشعر شديد الاهتزاز له، وكان كل من أبي محمد عبد الله بن محمد الفياض الكاتب وأبي الحسن علي بن محمد الشمشاطي (٥) قد اختار من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت. ومن محاسن شعر سيف الدولة في وصف قوس قزح وقد أبدع فيه كل

стр. 1413

الإبداع، وقيل: إن هذه الأبيات لأبي الصقر القبيصي (١) ، والأول ذكره الثعالبي في كتاب " اليتيمة " (٢) : وساقٍ صبيح للصبوح دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمض يطوف بكاسات العقار كأنجم ... فمن بين منقض علينا ومنفض وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفاً ... على الجو دكناً والحواشي على الأرض يطرزها قوس السحاب بأصفرٍ ... على أحمرٍ في أخضر تحت مبيض كأذيال خودٍ أقبلت في غلائل ... مصبغة، والبعض أقصر من بعض وهذا من التشبيهات الملوكية التي لا يكاد يحضر مثلها للسوقة، والبيت الأخير أخذ معناه أبو علي الفرج بن محمد بن الأخوة المؤدب البغدادي، فقال في فرس أدهم محجل: لبس الصبح والدجنة بردي ... ن فأرخى برداً وقلص بردا وقيل إنها لعبد الصمد بن المعذل (٣) . وكانت له جارية من بنات ملوك الروم في غاية الجمال، فحسدها بقية الحظايا لقربها منه ومحلها من قلبه، وعزمنا على إيقاع مكروه بها من سم أو غيره، فبلغه الخبر وخاف عليها، فنقلها إلى بعض الحصون احتياطاً، وقال: راقبتني العيون فيك فأشفق ... ت ولم أخل قط من إشفاق ورأيت العدو يحسدني في ... ك مجداً يا أنفس الأعلاق فتمنيت أن تكوني بعيداً ... والذي بيننا من الود باق رب هجر يكون من خوف (٤) هجر ... وفراقٍ يكون خوف فراق

стр. 1414

ورأيت هذه الأبيات بعينها في ديوان عبد المحسن الصوري، والله أعلم لمن هي منهما. ومن شعره أيضاً: أقبله على جزعٍ ... كشرب الطائر الفزع رأى ماءً فأطعمه ... وخاف عواقب الطمع وصادف خلسة فدنا ... ولم يلتذ بالجرع ويحكى أن ابن عمه أبا فراس - المقدم ذكره في حرف الحاء (١) - كان يوماً بين يديه في نفر من ندمائه، فقال لهم سيف الدولة: أيكم يجيز قولي، وليس له إلا سيدي، يعني أبا فراس: لك جسمي تعله ... فدمي لم تحله فارتجل أبو فراس وقال: قال إن كنت مالكاً ... فلي الأمر كله فاستحسنه وأعطاه ضيعة بأعمال منبج المدينة المعروف تغل ألفي دينار في كل سنة. ومن شعر سيف الدولة أيضاً قوله: تجنى علي الذنب والذنب ذنبه ... وعاتبني ظلماً وفي شقه العتب إذا برم المولى بخدمة عبده ... تجنى له ذنباً وإن لم يكن ذنب وأعرض لما صار قلبي بكفه ... فهلا جفاني حين كان لي القلب وأنشدني الفقير أيدمر الصوفي المسمى إبراهيم لنفسه دوبيت في معنى البيت الثالث:

стр. 1415

قوم نقضوا عهودنا بالشعب ... من غير جناية ولا من ذنب صدوا وتعتبوا وقد همت بهم ... هلا هجروا وكان قلبي قلبي ويحكى أن سيف الدولة كان يوماً بمجلسه والشعراء ينشدونه، فتقدم أعرأبي رث الهيئة وأنشد وهو بمدينة حلب: أنت علي وهذه حلب ... قد نفذ الزاد وانتهى الطلب بهذه تفخر البلاد وبال ... أمير تزهى على الورى العرب وعبدك الدهر قد أضر بنا ... إليك من جور عبدك الهرب فقال سيف الدولة: أحسنت والله، وأمر له بمائتي دينار. وقال أبو القاسم عثمان بن محمد العراقي قاضي عين زربة (١) : حضرت مجلس الأمير سيف الدولة بحلب، وقد وافاه القاضي أبو نصر محمد بن محمد النيسابوري، فطرح من كمه كيساً فارغاً ودرجاً فيه شعر استأذن في إنشاده، فأذن له، فأنشد قصيدة أولها: حباؤك معتادٌ وأمرك نافذ ... وعبدك محتاج إلى ألف درهم فلما فرغ من إنشاده ضحك سيف الدولة ضحكاً شديداً، وأمر له بألف درهم، فجعلت في الكيس الفارغ الذي كان معه (٢) . وكان أبو بكر محمد وأبو عثمان سعيد ابنا هاشم المعروفان بالخالديين الشاعرين المشهورين (٣) ، وأبو بكر أكبرهما، قد وصلا إلى حضرة سيف الدولة ومدحاه، فانزلهما وقام بواجب حقهما، وبعث لهما مرة وصيفاً ووصيفة ومع كل واحد منهما

стр. 1416

بدرة وتخت ثياب من عمل مصر، فقال أحدهما من قصيدة طويلة: لم يغد شكرك في الخلائق مطلقاً ... إلا ومالك في النوال حبيس خولتنا شمساً وبدراً أشرقت ... بهما لدينا الظلمة الحنديس رشأ أتانا وهو حسناً يوسفٌ ... وغزالةٌ هي بهجةً بلقيس هذا ولم تقنع بذاك وهذه ... حتى بعثت المال وهو نفيس أتت الوصيفة وهي تحمل بدرة ... وأتى على ظهر الوصيف الكيس وحبوتنا مما أجادت حوكه ... مصرٌ وزادت حسنه تنيس فغدا لنا من جودك المأكول وال ... مشروب والمنكوح والملبوس فقال له سيف الدولة: أحسنه إلا في لفظة " المنكوح " فليست مما يخاطب الملوك بها. وأخبار سيف الدولة كثيرة مع الشعراء، خصوصاً مع المتنبي والسري الرفاء والنامي والببغاء والوأواء وتلك الطبقة، وفي تعدادهم طول. وكانت ولادته يوم الأحد سابع عشر ذي الحجة سنة ثلاث وثلثمائة، وقيل سنة إحدى وثلثمائة. وتوفي يوم الجمعة ثالث ساعة، وقيل رابع ساعة، لخمس بقين من صفر سنة ست وخمسين وثلثمائة بحلب، ونقل إلى ميافارقين، ودفن في تربة أمه، وهي داخل البلد، وكان مرضه عسر البول. وكان قد جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئاً وعمله لبنة بقدر الكف، وأوصى أن يوضع خده عليها في لحده، فنفذت وصيته في ذلك. وملك حلب في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة، انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابي صاحب الإخشيد. (١٢٧) ورأيت في " تاريخ حلب " أن أول من ولي حلب من بني حمدان الحسين بن سعيد (١) ، وهو أخو أبي فراس ابن حمدان، وأنه تسلمها في رجب سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وكان شجاعاً موصوفاً، وفيه يقول ابن المنجم:

стр. 1417

وإذا رأوه مقبلاً قالوا ألا ... إن المنايا تحت راية ذاكا وتوفي يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة بالموصل، ودفن بالمسجد الذي بناه في الدير الأعلى، وكنت أظن أن دير سعيد الذي بظاهر الموصل منسوب إلى أبيه حتى رأيته في كتاب الديرة منسوباً إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان الأموي. وكان سيف الدولة قبل ذلك مالك واسط وتلك النواحي، وتقلبت به الأحوال وانتقل إلى الشام وملك دمشق أيضاً وكثيراً من بلاد الشام وبلاد الجزيرة، وغزواته مع الروم مشهورة، وللمتنبي في أكثر الوقائع قصائد، رحمه الله تعالى (١) . (١٢٨) وملك بعده ولده سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة (٢) ، وطالت مدته أيضاً في المملكة، ثم عرض له قولنج وأشفى منه على التلف، وفي اليوم الثالث من عافيته واقع جاريته، فلما فرغ منها سقط عنها وقد جف شقه الأيمن، فدخل عليه طبيبه، فأمر ان يسجر عنده الند والعنبر، فأفاق قليلاً، فقال له الطبيب: أرني مجسك، فناوله يده اليسرى، فقال: أريد اليمين، فقال: ما تركت لي اليمين يميناً، وكان قد حلف وغدر. وتوفي ليلة الأحد لخمس بقين من شهر رمضان من سنة إحدى وثمانين وثلثمائة وعمره أربعون سنة وستة أشهر وعشرة أيام. (١٢٩) وتولى بعده ولده أبو الفضائل سعد، ولم أقف على تاريخ وفاته، وبموته انقرض ملك بني سيف الدولة. (١٣٠) وتوفي أبو علي ابن الأخوة (٣) المذكور يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وخمسمائة، وكان شاعراً مجيداً.

стр. 1418

٤٨٢ - (١) الظاهر العبيدي أبو هاشم علي، الملقب الظاهر لإعزاز دين الله، ابن الحاكم بن العزيز بن المعز ابن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله صاحب مصر، وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته؛ كانت ولايته بعد فقد أبيه بمدة، لأن أباه فقد في السابع والعشرين من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وكان الناس يرجون ظهوره ويتتبعون آثاره إلى أن تحققوا عدمه، فأقاموا ولده المذكور في يوم النحر من السنة المذكورة، وكانت مملكته الديار المصرية وإفريقية وبلاد الشام، فقصد صالح بن مرداس الكلابي - المذكور في حرف الصاد (٢) - مدينة حلب وحاصرها، وفيها مرتضى الدولة بن لؤلؤ الجراحي غلام أبي الفضائل ابن شريف بن سيف الدولة الحمداني نيابة عن الظاهر المذكور، فانتزعها منه واستولى على ما يليها، وتغلب حسان بن مفرج بن دغفل البدوي صاحب الرملة على أكثر بلاد الشام، وتضعضعت دولة الظاهر وجرت أمور وأسباب يطول شرحها. واستوزر نجيب الدولة أبا القاسم علي بن أحمد الجرجرائي (٣) ، وكان أقطع اليدين من المرفقين، قطعهما الحاكم والد الظاهر في شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعمائة على باب القصر البحري بالقاهرة المحروسة، وحمل إلى داره، وكان يتولى بعض الدواوين فظهرت عليه خيانة قطع بسببها، ثم بعد ذلك ولي ديوان

стр. 1419

النفقات سنة تسع وأربعمائة، ثم وزر للظاهر سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وهذا كله بعد أن تنقل في الخدم بالأرياف والصعيد. ولما استوزر كان يكتب عنه العلامة القاضي أبو عبد الله القضاعي صاحب كتاب " الشهاب " - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكانت علامته " الحمد لله شكراً لنعمته " واستعمل العفاف والأمانة الزائدة والاحتراز والتحفظ، وفي ذلك يقول جاسوس الفلك: يا أحمقاً اسمع وقل ... ودع الرقاعة والتحامق أأقمت نفسك في الثقا ... ت وهبك فيما قلت صادق فمن الأمانة والتقى ... قطعت يداك من المرافق وهو منسوب إلى جرجرايا - بفتح الجيمين بينهما راء ساكنة ثم راء مفتوحة وبين الألفين ياء مثناة من تحتها - وهي قرية من أرض العراق. وكانت ولادة الظاهر يوم الأربعاء عاشر شهر رمضان سنة خمس وتسعين وثلثمائة بالقاهرة. وتوفي أخر ليلة الأحد منتصف شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. وسمعت أنه توفي ببستان الدكة، وكان بالمقس في الموضع المعروف بالدكة، والله أعلم. (١٣١) وتوفي وزيره الجرجرائي سنة ست وثلاثين وأربعمائة، رحمه الله تعالى، في سابع شهر رمضان، وكانت مدة وزارته للظاهر وولده المستنصر سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وثمانية عشر يوماً.

стр. 1420

٤٨٣ - (١) علي بن منقذ أبو الحسن علي بن مقلد (٢) ، بن نصر بن منقذ الكناني، الملقب سديد الملك، صاحب قلعة شيزر؛ كان شجاعاً مقدماً قوي النفس كريماً، وهو أول من ملك قلعة شيزر من بني منقذ، لأنه كان نازلاً مجاور (٣) القلعة بقرب الجسر (٤) المعروف اليوم بجسر بني المنقذ، وكانت القلعة بيد الروم فحدثته نفسه بأخذها، فنازلها وتسلمها بالأمان في رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة، ولم تزل في يده ويد أولاده إلى أن جاءت الزلزلة في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة فهدمتها وقتلت كل من فيها من بني منقذ وغيرهم تحت الهدم، وشغرت (٥) ، فجاءها نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام في بقية السنة وأخذها. وذكر بهاء الدين بن شداد في كتاب " سيرة صلاح الدين " (٦) أنه جاءت زلزلة بحلب، وأخربت كثيراً من البلاد، وذلك في الثاني عشر من شوال سنة خمس وستين وخمسمائة، وهذه غير تلك، فلا يظن الواقف عليه أن هذا غلط، بل هما زلزلتان، والأول ذكره ابن الجوزي في " شذور العقود " وغيره أيضاً. وكان سديد الملك المذكور مقصوداً، وخرج من بيته جماعة نجباء أمراء فضلاء كرماء، ومدحه جماعة من الشعراء كابن الخياط والخفاجي وغيرهما (٧) ، وكان له شعر جيد أيضاً، فمنه قوله وقد غضب على مملوك له وضربه: أسطو عليه وقلبي لو تمكن من ... كفي غلهما غيظاً إلى عنقي

стр. 1421

وأستعير إذا عاقبته حنقاً ... وأين ذل الهوى من عزة الحنق وكان موصوفاً بقوة الفطنة، وتنقل عنه حكاية عجيبة، وهي أنه كان يتردد إلى حلب قبل تملكه شيرز، وصاحب حلب يومئذ تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس، فجرى أمر خاف سديد الملك المذكور على نفسه منه، فخرج من حلب إلى طرابلس الشام وصاحبها يومئذ جلال الملك بن عمار، فأقام عنده، فتقدم محمود بت صالح إلى كاتبه أي نصر محمد بن الحسين علي بن النماس الحلبي أن يكتب إلى سديد الملك كتاباً يتشوقه ويستعطفه ويستدعيه إليه، ففهم الكاتب أنه يقصد له شراً، وكان صديقاً لسديد الملك، فكتب الكتاب كما أمر إلى أن بلغ إلى " إن شاء الله تعالى " فشدد النون وفتحها، فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك عرضه على ابن عمار صاحب طرابلس ومن بمجلسه من خواصه، فاستحسنوا عبارة الكتاب واستعظموا ما فيه من رغبة محمود فيه وإيثاره لقربه، فقال سديد الملك إني أرى في الكتاب ما لا ترون، ثم أجابه عن الكتاب بما اقتضاه الحال، وكتب في جملة الكتاب " أنا الخادم المقر بالانعام " وكسر الهمزة من أنا وشدد النون، فلما وصل الكتاب إلى محمود ووقف عليه الكاتب سر بما فيه وقال لأصدقائه: قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى على سديد الملك، وقد أجاب بما طيب نفسي؛ وكان الكاتب قد قصد قول الله تعالى: (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك) (القصص:٢٠) . فأجاب سديد الملك بقوله تعالى: (إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها) (المائدة:٢٤) فكانت هذه معدودة من تيقظه وفهمه؛ وهكذا ساق هذه الحكاية أسامة في مجموعه إلى الرشيد بن الزبير في ترجمة ابن النحاس (١) . وكانت وفاته في سنة خمس وسبعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. وقد تقدم ذكر حفيده أسامة بن مرشد بن علي المذكور في حرف الهمزة وسيأتي ذكر والده في حرف الميم إن شاء الله تعالى. وذكرهم العماد الأصبهاني في الخريدة، وبالغ في الثناء عليهم [وذكر أيضاً

стр. 1422

في كتاب " السيل والذيل " أنه توفي تحت الهدم لما هدمت الزلزلة حصن شيزر يوم الاثنين ثالث رجب سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، والله أعلم] (١) . ٤٨٤ - (٢) الصليحي أبو الحسن علي بن محمد بن علي الصليحي القائم باليمن؛ كان أبوه محمد قاضياً باليمن سني المذهب، وكان أهله وجماعته يطيعونه، وكان الداعي عامر بن عبد الله الزواحي يلاطفه ويركب إليه، لرياسته وسؤدده وصلاحه وعلمه، فلم يزل عامر المذكور حتى استمال قلب ولده علي المذكور وهو يومئذ دون البلوغ ولاحت له فيه مخايل النجابة، وقيل كانت عنده حلية علي الصليحي في كتاب " الصور " وهو من الذخائر القديمة، فأوقفه منه على تنقل حاله وشرف مآله، وأطلعه على ذلك سراً من أبيه وأهله. ثم مات عامر عن قرب وأوصى له بكتبه وعلومه، ورسخ في ذهن علي من كلامه ما رسخ، فعكف على الدرس، وكان ذكياً، فلم يبلغ الحلم حتى تضلع من معارفه التي بلغ بها وبالجد السعيد غاية الأمل البعيد، فكان فقيهاً في مذهب الدولة (٣) الإمامية مستبصراً في علم التأويل، ثم إنه صار يحج بالناس دليلاً على طريق السراة والطائف خمس عشرة سنة وكان الناس يقولون له: بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره ويكون لك شأن، فيكره ذلك وينكره على قائله، مع كونه أمراً قد شاع وكثر في أفواه الناس، الخاصة والعامة؛ ولما كان في

стр. 1423

سنة تسع وعشرين وأربعمائة ثار في رأس مسار (١) ، وهو أعلى ذروة في جبال [اليمن] (٢) ، وكان معه ستون رجلاً قد حالفهم بمكة في موسم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة على الموت والقيام بالدعوة وما منهم إلا من هو من قومه وعشائره في منعة وعدد كثير، ولم يكن برأس الجبل المذكور بناء، بل كان قلة منيعة عالية، فلما ملكها لم ينتصف نهار ذلك اليوم الذي ملكها في ليلته إلا وقد أحاط به عشرون ألف ضارب سيف وحصروه وشتموه وسفهوا رأيه وقالوا له: إن نزلت وإلا قتلناك أنت ومن معك بالجوع، فقال لهم: لم أفعل هذا إلا خوفاً علينا وعليكم أن يملكه غيرنا، فإن تركتموني أحرسه وإلا نزلت إليكم، فانصرفوا عنه؛ ولم تمض عليه أشهر حتى بناه وحصنه وأتقنه. واستفحل أمر الصليحي شيئاً فشيئاً، وكان يدعو للمستنصر صاحب مصر في الخفية، ويخاف من نجاح صاحب تهامة ويلاطفه ويستكين لأمره، وفي الباطن يعمل الحيلة في قتله، ولم يزل حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها إليه، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة بالكدراء. وفي سنة ثلاث وخمسين كتب الصليحي إلى المستنصر يستأذنه في إظهار الدعوة (٣) ، فأذن له، فطوى البلاد طياً وفتح الحصون والتهائم، ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك اليمن كله سهله ووعره وبره وبحره، وهذا أمر لم يعهد مثله في جاهلية ولا إسلام، حتى قال يوماً وهو يخطب الناس في جامع الجند: وفي مثل هذا اليوم نخطب على منبر عدن، ولم يكن ملكها بعد، فقال بعض من حضر مستهزئاً: سبوح قدوس، فأمر بالحوطة عليه، وخطب الصليحي في مثل ذلك اليوم على منبر عدن، فقام ذلك الإنسان وتغالى في القول وأخذ البيعة ودخل في المذهب. ومن سنة خمس وخمسين استقر حاله في صنعاء، وأخذ معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم، وأسكنهم معه وولى في الحصون غيرهم، واختط بمدينة صنعاء

стр. 1424

عدة قصور (١) ، وحلف أن لا يولي تهامة إلا لمن وزن مائة ألف دينار، فوزنت له زوجته (٢) أسماء عن أخيها أسعد بن شهاب، فولاه، وقال لها: يا مولاتنا أنا لك هذا فقالت: (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) (آل عمران:٣٧) فتبسم وعلم أنه من خزانته، فقبضه وقال: (هذه بضاعتنا ردت إلينا، ونمير أهلنا ونحفظ أخانا) (٣) (يوسف:٦٥) . ولما كان في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة عزم الصليحي على الحج، فأخذ معه الملوك الذين كان يخاف منهم أن يثوروا عليه، واستصحب زوجته أسماء ابنة شهاب، واستخلف مكانه ولده الملك المكرم أحمد، وهو ولدها أيضاً، وتوجه في ألفي فارس فيهم من آل الصليحي مائة وستون شخصاً، حتى إذا كان بالمهجم، ونزل في ظاهرها بضيعة يقال لها أم الدهيم وبئر أم معبد، وخيمت عساكره والملوك التي معه من حوله، لم يشعر الناس حتى قيل: قد قتل الصليحي، فانذعر الناس وكشفوا عن الخبر، فكان سعيد الأحول ابن نجاح المذكور التي قتلته الجارية بالسم قد استتر في زبيد، وكان أخوه جياش في دهلك، فسير إليه وأعلمه أن الصليحي متوجه إلى مكة، فتحضر حتى نقطع عليه الطريق (٤) ونقتله، فحضر جياش إلى زبيد، وخرج هو وأخوه سعيد ومعهما سبعون رجلآً بلا مركوب ولا سلاح، بل مع كل واحد جريدة في رأسها مسمار حديد، وتركوا جادة الطريق وسلكوا طريق الساحل، وكان بينهم وبين المهجم مسيرة ثلاثة أيام للمجد. وكان الصليحي قد سمع بخروجهم، فسير خمسة آلاف حربة من الحشة الذين في ركابه لقتالهم، فاختلفوا في الطريق، فوصل سعيد ومن معه إلى طرف المخيم، وقد أخذ منهم التعب والحفاء وقلة المادة، فظن الناس أنهم من جملة عبيد العسكر، ولم يشعر بهم إلا عبد الله أخو علي الصليحي، فقال لأخيه: يا مولانا

стр. 1425

اركب، فهذا والله الأحول سعيد بن نجاح، وركب عبد الله، فقال الصليحي لأخيه: إني لا أموت إلا بالدهيم وبئر أم معبد، معتقداً أنها أم معبد التي نزل بها رسول الله، ﷺ ، لما هاجر إلى المدينة (١) ، فقال له رجل من أصحابه: قاتل عن نفسك، فهذه والله الدهيم وهذه بئر أم معبد، فلما سمع الصليحي ذلك لحقه زمع اليأس من الحياة، وبال، ولم يبرح من مكانه حتى قطع رأسه بسيفه وقتل أخوه معه وسائر الصليحين، وذلك في الثاني عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. ثم إن سعيداً أرسل إلى خمسة الآلاف التي أرسلها الصليحي لقتالهم، وقال لهم: إن الصليحي قد قتل، وأنا رجل منكم، وقد أخذت ثأر (٢) أبي، فقدموا عليه وأطاعوه، واستعان بهم على قتال عسكر الصليحي، فاستظهر عليهم قتلاً وأسرا ونهباً، ثم رفع رأس الصليحي على عود المظلة، وقرأ القارئ: (قل اللهم مالك الملك) (٣) ... الآية (آل عمران:٢٦) . ورجع إلى زبيد، وقد حاز الغنائم ملكاً عقيماً، ودخلها في السادس عشر من ذي القعدة من السنة وملكها، وملك بلاد تهامة. ولم يزل على ذلك حتى قتل في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة بتدبير الحرة، وهي امرأة من الصليحيين، وخبر ذلك يطول. ولما قتل الصليحي ورفع رأسه على عود المظلة - كما تقدم ذكره - عمل في ذلك القاضي العثماني (٤) : بكرت مظلته عليه فلم ترح ... إلا على الملك الأجل سعيدها ما كان أقبح وجهه في ظلها ... ما كان أحسن رأسه في عودها سود الأراقم قابلت أسد الشرى ... وارحمتا لأسودها من سودها

стр. 1426

ولعلي الصليحي شعر جيد، فمن ذلك قوله: أنكحت بيض الهند سمر رماحهم ... فرؤوسهم عوض النثار نثار وكذا (١) العلا لا يستباح نكاحها ... إلا بحيث تطلق الأعمار وذكره العماد في " الخريدة " (٢) فقال: ومن شعره، وقيل لغيره على لسانه: ألذ من قرع المثاني عنده ... في الحرب ألجم يا غلام وأسرج خيلٌ بأقصى حضرموت أشدها ... وصهيلها بين العراق ومنبج (٣) والصليحي: بضم الصاد المهملة وفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها حاء مهملة، لا أعرف هذه النسبة إلى أي شيء هي، والظاهر أنها إلى رجل، فقد جاء في الأسماء الأعلام صليح، ونسبوا إليه أيضاً. وأما الأماكن المذكورة فكلها من بلاد اليمن، ولم أتحقق ضبطها فكتبتها على الصورة التي وجدتها. وأكثر هذه الترجمة نقلته من " أخبار اليمن " للفقيه عمارة اليمني الشاعر - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 1427

٤٨٥ - (١) العادل ابن السلار أبو الحسن علي بن السلار، المنعوت بالملك العادل سيف الدين، ورأيت في مكان أخر أنه أبو منصور علي بن إسحاق، عرف بابن السلار، وزير الظافر العبيدي صاحب مصر؛ رأيت في بعض تواريخ (٢) المصريين: أنه كان كردياً زرزارياً، وكان تربية القصر بالقاهرة وتقلبت فيه الأحوال في الولايات بالصعيد وغيره إلا أن تولى الوزارة للظافر المذكور في رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. ثم وجدت في مكان أخر أن الظافر المذكور استوزر نجم الدين أبا الفتح سليم بن محمد مصال في أول ولايته. وكان ابن مصال من أكابر أمراء الدولة ثم تغلب عليه العادل بن سلام وعدى ابن مصال إلى الجيزة ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان سنة أربع وأربعين وخمسمائة، عندما سمع بوصول ابن السلار من ولاية الإسكندرية طالباً للوزارة ودخل ابن السلار القاهرة في الخامس عشر (٣) من الشهر المذكور وتولى تدبير الأمور ونعت بالعادل أمير الجيوش، وحشد ابن مصال جماعة من المغاربة وغيرهم، وجرد العادل العساكر للقائه، فكسره بدلاص من الوجه القبلي، وأخذ رأسه ودخل به إلى القاهرة على رمح يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي القعدة من السنة المذكورة واستمر العادل إلى أن قتل، وهذا القول أصح من الأول، والله أعلم. (١٣٢) وكان ابن مصال من أهل لك - بضم اللام وتشديد الكاف - وهي

стр. 1428

بليدة عند برقة من أعمالها، وكان هو وأبوه يتعاطيان البيزرة والبيطرة، وبذلك تقدما، وكانت وزارة ابن مصال نحواً من خمسين يوماً. وكان [ابن السلار] شهماً مقداماً مائلاً إلى أرباب الفضل والصلاح، عمر بالقاهرة مساجد، ورأيت بظاهر مدينة بلبيس مسجداً منسوباً إليه، وكان ظاهر التسنن شافعي المذهب، ولما وصل الحافظ أبو طاهر السلفي، رحمه لله تعالى، إلى ثغر الإسكندرية المحروس وأقام به - كما ذكرته في ترجمته (١) - ثم صار العادل المذكور والياً به احتفل به وزاد في إكرامه وعمر له هناك مدرسة فوض تدريسها إليه، وهي معروفة به إلى الآن، ولم أر بالإسكندرية مدرسة للشافعية سواها. وكان مع هذه الأوصاف ذا سيرة جائرة وسطوة قاطعة يؤاخذ الناس بالصغائر والمحقرات. ومما يحكى عنه أنه قبل وزراته بزمان، وهو يومئذ من آحاد الأجناد، دخل يوما على الموفق أبي الكرم ابن معصوم التنيسي، وكان يتولى (٢) الديوان، فشكا إليه حاله من غرامة لزمته بسبب تفريطه في شيء من لوازم الولاية بالغربية، فلما أطال عليه الكلام قال له أبو الكرم: والله إن كلامك ما يدخل في إذني، فحقد عليه ذلك. فلما ترقى إلى درجة الوزارة طلبه، فخاف منه واستتر مدة، فنادى عليه في البلد، وأهدر دم من يخفيه، فأخرجه الذي خبأه عنده، فخرج في زي امرأة بإزار وخف، فعرف فأخذ وحمل إلى العادل، فأمر بإحضار لوح خشب ومسمار طويل وأمر به فألقي على جنبه وطرح اللوح تحت أذنه، ثم ضرب المسمار في الأذن الأخرى وصار كلما صرخ يقول له: دخل كلامي في أذنك بعد أم لا ولم يزل كذلك حتى نفذ المسمار من الأذن التي على اللوح، ثم عطف المسمار على اللوح ويقال: إنه شنقه بعد ذلك. وكان قد وصل من إفريقية إلى الديار المصرية أبو الفضل عباس بن أبي الفتوح ابن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي (٣) وهو صبي ومعه أمه واسمها بلارة فتزوجها العادل المذكور وأقامت عنده زماناً، ورزق عباس ولداً سماه نصراً

стр. 1429

فكان عند جدته في دار العادل والعادل يحنو عليه ويعزه (١) ، ثم إن العادل جهز عباساً إلى جهة الشام بسبب الجهاد، وكان معه أسامة بن منقذ - المذكور في حرف الهمزة (٢) - فلما وصل إلى بلبيس وهو مقدم الجيش الذي صار في صحبته تذاكرا طيب طيب الديار المصرية وحسنها وما هي عليها، وكونه يفارقها ويتوجه للقاء العدو ويقاسي البيكار، فأشار عليه أسامة على ما قيل بقتل العادل، ويستقل هو بالوزارة ويستريح من البيكار (٣) ، وتقرر بينهما أن ولده نصراً يباشر ذلك إذا رقد العادل، فإنه ومعه في الدار ولا ينكر عليه ذلك. وحاصل الأمر أن نصراً قتله على فراشه يوم الخميس سادس المحرم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، بدار الوزارة بالقاهرة المحروسة، رحمه الله تعالى، وتفصيل الواقعة يطول (٤) . وقيل إنه قتل يوم السبت حادي عشر المحرم من السنة المذكورة. وكان والده في صحبة سقمان بن أرتق صاحب القدس، فلما أخذ الأفضل أمير الجيوش القدس من سقمان - كما هو مذكور في ترجمة أبيه أرتق (٥) - وجد فيه طائفة من عسكر سقمان، فضمهم الأفضل إليه؛ وكان في جملتهم السلار والد العادل المذكور، فأخذه الأفضل إليه، وتقدم عنده، وسماه " ضيف الدولة " وأكرم ولده هذا، وجعل في صبيان الحجر، ومعنى صبيان الحجر عندهم: أن يكون لكل واحد منهم فرس وعدة، فإذا قيل له عن شغلٍ، ما يحتاج أن يتوقف فيه، وذلك على مثال الداوية والاسبتار (٦) ، فإذا تميز صبي من هؤلاء بعقل وشجاعة قدم للإمرة، فترجح العادل بهذه الصفات وزاد عليها بالحزم والهيبة وترك المخالطة، فأمره الحافظ، وولاه الإسكندرية، وكان

стр. 1430

يعرف برأس البغل، ثم تقدم. وهذا نصر بن عباس هو الذي قتل الظافر إسماعيل بن الحافظ، صاحب مصر، وقد ذكرته في ترجمته في أوائل هذا الكتاب (١) . ٤٨٦ - (٢) الملك الأفضل ابن صلاح الدين أبو الحسن علي، الملقب الملك الأفضل نور الدين، ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ سمع بالإسكندرية من الإمام أبي الطاهر إسماعيل بن مكي بن عوف الزهري، وبمصر من العلامة أبي محمد عبد الله بن بري النحوي، وأجاز له أبو الحسين أحمد بن حمزة بن علي السلمي، وأبو عبد الله محمد بن علي بن صدقة الحراني، وغيرهما من الشاميين، وأجاز له أبو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود وأبو عبد الله بن أحمد بن حامد وغيرهما من المصريين. وكان يكتب خطاً حسناً، واجتمعت فيه فضائل (٣) . وكان أكبر أولاد أبيه وإليه كانت ولاية عهده، فلما توفي بدمشق رحمه الله تعالى - كما سيأتي في ترجمته - وكان الملك الأفضل في صحبته، استقل بمملكة دمشق واستقل أخوه الملك العزيز عماد الدين عثمان بالديار المصرية - كما سبق في ترجمته (٤) - وبقي الملك الظاهر أخوهما بحلب، ثم إن الملك الأفضل جرت له مع أخيه وقائع في أسباب يطول شرحها. وآخر الأمر أن العزيز والملك العادل عمه

стр. 1431

حاصرا دمشق وأخذاها من الأفضل وأعطياه (١) صرخد، فمضى إليها وأقام بها قليلاً، فمات العزيز بمصر وتولى ولده الملك المنصور محمد وكان صغيراً، فطلب الملك الأفضل من صرخد ليكون أتابكه، وكان طلبه يوم الأربعاء التاسع والعشرين من صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة، عقيب موت أخيه العزيز عثمان، ومشى في ركاب المنصور محمد ابن العزيز. ثم أن الملك العادل قصد الديار المصرية وأخذها، ودفع للأفضل عدة بلاد بالشرق (٢) ، فمضى إليها، فلم يحصل له سوى سميساط فأقام بها، ولم يزل بها إلى أن مات. وما أحسن كلام القاضي الفاضل، من جملة كتاب كتبه في أثناء هذه الوقائع: " أما هذا البيت فإن الآباء منه اتفقوا فملكوا، والأبناء اختلفوا فهلكوا، وإذا غرب نجم فما في الحيلة تشريقه، وإذا بدا خرق ثوبٍ فما يليه إلا تمزيقه، وهيهات أن يسد على قدر طريقه، وقد قدر طروقه، وإذا كان الله مع خصم على خصم، فمن كان الله معه فمن يطيقه ". وكان الأفضل فيه فضيلة (٣) ومعرفة وكتابة ونباهة، وكان يحب العلماء ويعظم حرمتهم، وله شعر. فمن المنسوب إليه أنه كتبه إلى الإمام الناصر يشكو من عمه العادل وأخيه العزيز لما أخذ منه دمشق (٤) : مولاي إن أبا بكر وصاحبه ... عثمان قد غصبا بالسيف حق علي وهو الذي كان قد ولاه والده ... عليهما فاستقام الأمر حين ولي فخالفاه وحلا عقد بيعته ... والأمر بينهما والنص فيه جلي فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقي ... من الأواخر ما لقي من الأول فجاء جواب الإمام الناصر وفي أوله:

стр. 1432

وافى كتابك يا ابن يوسف معلناً ... بالود يخبر أن أصلك طاهر غصبوا علياً حقه إذ لم يكن ... بعد النبي له بيثرب ناصر فأبشر فإن غداً عليه حسابه ... واصبر فناصرك الإمام الناصر وكانت ولادته يوم عيد الفطر وقت العصر سنة ست، وقيل خمس وستين وخمسمائة بالقاهرة، ووالده يومئذ وزير المصريين. وتوفي في صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة فجأة بسميساط، رحمه الله تعالى، ونقل إلى حلب، ودفن في تربته بظاهر حلب بالقرب من مشهد الهروي. وسميساط: بضم السين المهملة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين الثانية وبعد الألف طاء مهملة، وهي قلعة في بر الشام على الفرات في ناحية بلاد الروم بين قلعة الروم وملطية. ٤٨٧ - (١) ابن الفرات أبو الحسن علي بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات وزير المقتدر بالله بن المعتضد بالله، وزر له ثلاث دفعات، فالأولى منهن بثمان خلون من شهر ربيع الأول، وقيل لسبع بقين منه، سنة ست وتسعين ومائتين، ولم يزل وزيره إلى أن قبض عليه الأربع خلون من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين ونكبه ونهب داره وأمواله، واستغل من أملاكه إلى أن عاد إلى الوزارة في المرة (٢) الثانية سبعة آلاف ألف دينار (٣) ، وذكروا عنه أنه كتب إلى الأعراب أن يكبسوا بغداد،

стр. 1433

والله أعلم. ثم عاد إلى الوزارة يوم الاثنين لثمان خلون من ذي الحجة سنة أربع وثلثمائة، وخلع عليه سبع خلع، وحمل إليه ثلثمائة ألف درهم لغلمانه وخمسون بغلاً لثقله وعشرون خادماً وغير ذلك من العدد والآلات، وزاد في ذلك اليوم في ثمن الشمع في كل من قيراط ذهب لكثرة استعماله إياه، وكان ذلك النهار (١) شديد الحر، فسقي في ذلك النهار (٢) وتلك الليلة في داره أربعون ألف رطل ثلج (٣) ، ولم يزل على وزارته إلى أن قبض عليه يوم الخميس لثلاث بقين من جمادى الأول سنة ست وثلثمائة، ثم عاد إلى الوزارة يوم الخميس لسبع ليال بقين من ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلثمائة، وكان يوم خرج من الحبس مغتاظاً، فصادر الناس، وأطلق يد ولده المحسن فقتل حامد بن العباس الوزير الذي كان قبل أبيه، وسفك الدماء، ولم يزل وزيراً (٤) إلى أن قبض عليه لتسع ليلي خلون من شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشر وثلثمائة، [وقيل قبض عليه يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الأول] (٥) . وكان يملك أموالاً كثيرة تزيد على عشرة آلاف ألف دينار، وكان يستغل من ضياعه في كل سنة ألفي ألف دينار ينفقها، قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: مدحته بقصيدة، فحصل لي في ذلك اليوم ستمائة دينار. وكان كاتباً كافياً خبيراً، قال الإمام المعتضد بالله لعبيد الله بن سليمان: قد دفعت إلى ملك مختل وبلاد خراب ومال قليل، وأريد أعرف ارتفاع الدنيا لتجري النفقات عليه، فطلب عبيد الله ذلك من جماعة من الكتاب، فاستمهلوه شهراً، وكان أبو الحسن ابن الفرات وأخوه أبو العباس محبوسين منكوبين، فأعلما بذلك، فعملاه في يومين وأنفذاه، فعلم عبيد الله أن ذلك لا يخفى على المعتضد، فكلمه فيهما ووصفهما، فاصطنعهما. وكانت في دار أبي الحسن ابن الفرات حجرة شراب يوجه الناس على اختلاف طبقاته إليها غلمانهم (٦) يأخذون منها الأشربة والفقاع والجلاب إلى دورهم.

стр. 1434

وكان يجري الرزق على خمسة آلاف من أهل العلم والدين والبيوت والفقراء أكثرهم مائة درهم (١) في الشهر، وأقله خمسة دراهم، وما بين ذلك. قال الصولي: ومن فضائله التي لم يسبق إليها أنه كان إذا رفع إليه قصة فيها سعاية خرج من عنده غلام فنادى: أين فلان بن فلان الساعي فلما عرف الناس ذلك من عادته امتنعوا من السعاية بأحد، واغتاظ يوماً من رجل فقال: اضربوه مائة صوت، ثم أرسل رسولاً (٢) فقال: اضربوه خمسين، ثم أرسل أخر وقال: لا تضربوه، وأعطوه عشرين ديناراً، فكفاه ما مر به المسكين من الخوف. قال الصولي: قام من مرضه - وقد اجتمعت الكتب والرقاع عنده - فنظر في ألف كتاب، ووقع في ألف رقعة، فقلنا له: بالله لا يسمع بهذا أحد، خوفاً من العين عليه. قال الصولي: ورأيت من أدبه أنه دعا خاتم الخلافة (٣) ليختم به كتاباً، فلما رآه قام على رجليه تعظيماً للخلافة، قال: ورأيته جالساً للمظالم، فتقدم إليه خصمان في دكاكين في الكرخ، فقال لأحدهما: رفعت إلي قصة في سنة اثنتين وثمانين ومائتين في هذه الدكاكين، ثم قال: سنك يقصر عن هذا، فقال له: ذاك كان أبي، قال: نعم وقعت له على قصة رفعها. وكان إذا مشى الناس بين يديه غضب وقال: أنا لا أكلف هذا غلماني فكيف أكلف أحراراً لا إحسان لي عليهم. وقتل نازوك صاحب الشرطة أبا الحسن ابن الفرات المذكور وابنه المحسن يوم الاثنين ثلاثة عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثني عشر وثلثمائة. وقال بعض المؤرخين (٤) : كان مولده لتسع خلون (٥) من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكان عمر ابنه المحسن يوم قتل ثلاثاً وثلاثين سنة. قال الصاحب أبو القاسم ابن عباد المقدم ذكره: أنشدني أبو الحسن ابن أبي بكر العلاف - وهو المشهور بكثرة الأكل - قصيدة (٦) أبيه أبي بكر في الهر وقال:

стр. 1435

إنما كنى بالهر عن المحسن بن أبي الحسن ابن الفرات أيام محنتهم، لأنه لم يجسر أن يذكره يرثيه. قلت: وقد سبق ذكر المرثية في ترجمة أبي بكر العلاف (١) . ومن غرائب (٢) الأخبار أن زوجة المحسن ابن الفرات أرادت أن تختن أبنها بعد قتل أبيه فرأت المحسن في منامها، فذكرت له تعذر النفقه، فقال لها: إن لي عند فلان عشرة آلاف دينار أودعته إياها، فانتبهت، وأخبرت أهلها فسألوا الرجل فأعترف وحمل المال عن آخره. (١٣٣) وكان أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات أخو أبي الحسن المذكور أكتب أهل زمانه وأضبطهم للعلوم والآداب، وللبحتري فيه القصيدة التي أولها (٣) : بت أبدي وجداً وأكتم وجدا ... لخيال قد بات لي منك يهدى وتوفي أبو العباس المذكور يوم الثلاثاء (٤) منتصف شهر رمضان سنة إحدى وتسعين ومائتين. وأما أخوه أبو الخطاب جعفر بن محمد بن الفرات فإنه عرضت عليه الوزارة فأباها. (١٣٤) وتولاها ابنه أبو الفتح الفضل بن جعفر، وكان كاتباً مجوداً، وهو المعروف بابن حنزابة، وهي أمه، وكانت جارية رومية، قلده المقتدر الوزارة يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الآخر سنة عشرين وثلثمائة [وقيل خلع عليه في أول شهر ربيع الآخر سنة عشرين وثلثمائة، والله أعلم] (٥) ولم يزل وزيره إلى أن قتل المقتدر لأربع بقين من شوال سنة عشرين وثلثمائة، وتولى الخلافة أخوه القاهر بالله، فاستتر أبو الفتح ابن حنزابة، فولى القاهر أبا علي محمد بن علي بن مقلة الكاتب - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - الوزارة، ثم تولى أبو الفتح الدواوين في أيام القاهر أيضاً، وخلع القاهر وسملت عيناه في يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة.

стр. 1436

وولي الخلافة الراضي بالله ابن المقتدر بالله المقدم ذكره، فقلد أبا الفتح ابن حنزابة الشام، فتوجه إليها، ثم إن الراضي بالله ولاه الوزارة، وهو يومئذ مقيم بحلب، وعقد له الأمر فيها يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة خمس وعشرين وثلثمائة، وكوتب بالمسير إلى الحضرة، فوصل إلى بغداد يوم الخميس لست خلون من شوال من السنة، فأقام ببغداد قليلاً (١) ، فرأى الأمور مضطربة، وقد استولى الأمير أبو بكر محمد بن رائق على الحضرة، فتحدث أبو الفتح مع ابن رائق في أنه يعود إلى الشام، وأطمعه في حمل الأموال إليه من مصر والشام، فعاد إليها في الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين، فأدركه أجله بغزة، وقيل بالرملة، وجاءت الكتب إلى الحضرة بموته في يوم الأحد لثمان خلون من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وقيل ست وعشرين والأول أصح ودفن في داره بالرملة. وكان مولده في ليلة السبت لسبع (٢) ليال بقين من شعبان سنة تسع وسبعين ومائتين، وكانت الكتب تصدر باسمه في الشام. وأما ابنه أبو الفضل جعفر بن الفضل فقد سبق ذكره في حرف الجيم من هذا الكتاب (٣) ، وتاريخ وفاته ومولده، رحمهم الله تعالى أجمعين. وهذا الذي ذكرته في هذه الترجمة نقلته من عدة مواضع: منها كتاب " أخبار الوزراء " تأليف الصاحب ابن عباد، وكتاب " عيون السير " تأليف محمد بن عبد الملك الهمداني، وكتاب " الوزراء " تأليف أبي عبد الله محمد بن أحمد الفارسي (٤) ، وما منهم أحد تعرض إلى قضية عبد الله بن المعتز. وترجمة ابن الفرات المذكور تترتب على قضية ابن المعتز فلا بد من ذكر شيء من أحوالها، وأصح التواريخ نقلاً تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، فنذكر ما قاله في حوادث سنة ست وتسعين ومائتين: إن القواد والكتّاب اجتمعوا على خلع الخليفة المقتدر، وتناظروا فيمن يجعلونه موضعه، فأجمعوا (٥) رأيهم على عبد الله بن المعتز، وناظروه في ذلك، فأجابهم إليه على أنه لا يكون

стр. 1437

في ذلك سفك دم ولا حرب، فأخبروه أن الأمر يسلم إليه عفواً، وأن جميع من وراءهم من الجند والقواد والكتاب قد رضوا، فبايعهم على ذلك، وكان الرأس في ذلك محمد بن داود بن الجراح وأبا المثنى أحمد بن يعقوب القاضي، وواطأ محمد بن داود جماعة من القواد على الفتك بالمقتدر والعباس بن الحسن؛ قلت: وكان وزير المقتدر يومئذ. قال الطبري: وكان العباس بن الحسن على ذلك قد واطأ جماعة من القواد على خلع المقتدر والبيعة لعبد الله بن المعتز، فلما رأى أمره مستوسقاً له مع المقتدر على ما يحب بدا له فيما كان قد عزم عليه من ذاك، فحينئذ وثب به الآخرون فقتلوه، يعني الوزير المذكور، وقال الطبري: وكان الذي تولى قتله [بدر الأعجمي] والحسين بن حمدان ووصيف بن صوارتكين، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، ولما كان من غد هذا اليوم، وهو يوم الأحد، خلع المقتدر الكتاب والقواد وقضاة بغداد (١) ، وبايعوا عبد الله بن المعتز ولقبوه الراضي بالله، وكان الذي يأخذ البيعة على القواد ويلي استحلافهم والدعاء بأسمائهم محمد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش. وفي هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار حرب شديدة من غدوة إلى انتصاف النهار، وفي هذا اليوم انفضت الجموع التي كان ابن داود جمعها لبيعة ابن المعتز عنه، وذلك أن الخادم الذي يدعى مؤنساً حمل غلاماً من غلمان الدار في الشذوات - قلت: وهي عندهم المراكب - قال: فصاعد بها وهم فيها وهي في دجلة، فلما جاوزوا الدار (٢) التي فيها ابن المعتز ومحمد بن داود صاحوا بهم ورشقوهم بالنشاب، فتفرقوا وهرب من كان في الدار من الجند والقواد والكتاب وهرب ابن المعتز، ولحق بعض الذين بايعوا ابن المعتز بالمقتدر، فاعتذروا إليه بأنهم منعوا (٣) من المصير إليه، واستخفى بعضهم، فطلبوا وأخذوا وقتلوا وانتبهت العامة دور ابن داود، وأخذ ابن المعتز فيمن أخذ؛ انتهى كلام (٤) الطبري في ذلك.

стр. 1438

(١٣٥) فنذكر ما قال (١) غيره، جمعته من مواضع متفرقة، حاصله أن عبد الله بن المعتز رتب للوزارة في ذلك اليوم محمد بن داود المذكور، وللقضاء أبا المثنى المذكور، فلما انتقض أمره وأخذ ابن المعتز استتر ابن داود، وكان من فضلاء أهل عصره وله عدة تصانيف منها كتاب " الورقة في أخبار الشعراء " وكتاب " الوزراء " وغير ذلك، ثم ظهر لمؤنس الخادم المذكور، وخافه أبو الحسن علي ابن الفرات المذكور، فأشار على مؤنس بقتله، فقتل وأخرج وطرح في سقاية عند المأمونية، فحمل إلى منزله، وكان قتله في شهر ربيع الآخر (٢) من السنة، ومولده في سنة ثلاث وأربعين ومائتين في الليلة التي توفي فيها إبراهيم ابن العباس الصولي المقدم ذكره. ولما عاد أمر المقتدر إلى ما كان عليه وقد قتل وزيره العباس بن الحسن في التاريخ الذي ذكره الطبري استوزر أبا الحسن علي بن الفرات المذكور، فأول ما ظهر (٣) من محاسنه أنه حمل إليه من دار ابن المعتز صندوقان عظيمان، فقال: أعلمتم ما فيهما قيل: نعم، جرائد بأسماء (٤) من بايعه، فقال: لا تفتحوهما، ودعا بنار فطرح الصندوقين (٥) فيها، فلما احترقا قال: لو فتحتهما وقرأت ما فيهما (٦) فسدت نيات الناس بأجمعهم علينا، واستشعروا منا، ومع ما فعلناه قد هدأت القلوب وسكنت النفوس. ومما يتعلق بهذه الترجمة أن القاهر بالله لما خلع وسملت عيناه كما ذكرناه آل به الأمر (٧) إلى أن خرج إلى جامع المنصور ببغداد، فعرف الناس بنفسه، وسألهم التصدق عليه، فقام إليه ابن أبي موسى الهاشمي فأعطاه ألف درهم، وفي ذلك عبرة لأولي الألباب. وقد سبق ذكر عبد الله بن المعتز في ترجمته، لكن هذه الحاجة دعت إلى إعادتها ها هنا. ونقلت من كتاب " الأعيان والأماثل " تأليف الرئيس أبي الحسن هلال بن المحسن بن أبي إسحاق إبراهيم الصابي: وحدث القاضي أبو الحسين عبيد الله بن

стр. 1439

عباس أن رجلاً اتصلت عطلته، وانقطعت مادته، فزور كتاباً من أبي الحسن ابن الفرات إلى أبي زنبور المادرائي (١) عامل مصر في معناه يتضمن الوصاة به والتأكيد في الإقبال عليه والإحسان إليه، وخرج إلى مصر فلقيه به، فارتاب أبو زنبور في أمره لتغير الخطاب على ما جرت به العادة وكون الدعاء ألين (٢) مما يقتضيه محله، فرعاه مراعاة قريبة ووصله بصلة قليلة، واحتبسه عنده على وعد وعده به، وكتب إلى أبي الحسن ابن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه، وأنفذه بعينه إليه واستثبته فيه، فوقف ابن الفرات على الكتاب المزور، فوجد فيه ذكر الرجل وأنه من ذوي الحرمات والحقوق الواجبة عليه، وما يقال في ذلك مما قد استوفي الخطاب (٣) فيهن وعرضه على كتابه وعرفهم الصورة فيه، وعجب إليهم منها ومما أقدم عليه الرجل، وقال لهم: ما الرأي في أمر هذا الرجل عندكم فقال بعضهم: تأديبه أو حبسه، وقال آخر: قطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا أو يقتدي به غيره فيما هو أكثر من هذا، وقال أجملهم محضراً: يكشف لأبي زنبور قصته ويرسم له طرده وحرمانه، فقال ابن الفرات: ما أبعدكم عن الخيرية والحرية وأنفر طباعكم منها! رجلٌ توسل بنا وتحمل المشقة إلى مصر في تأميل الصلاح بجاهنا، واستمداد صنع الله بالانتساب إلينا، يكون أحسن أحواله عند أحسنكم محضراً تكذيب ظنه وتخييب سعيه، والله لا كان هذا أبداً! ثم إنه أخذ القلم من دواته وكتب (٤) على الكتاب المزور " هذا كتأبي، ولست أعلم لم أنكرت أمره، واعترضتك شبهة فيه، وليس كل من خدمنا وأوجب حقاً علينا تعرفه، وهذا رجل خدمني في أيام نكبتي، وما أعتقده في قضاء حقه أكثر مما كلفتك في أمره من القيام به، فأحسن تفقده ووفر رفده وصرفه فيما يعود عليه نفعه ويصل إلينا فيما يحقق ظنه ويبين (٥) موقعه " ورده إلى أبي زنبور من يومه، فلما مضت على ذلك مدة طويلة دخل على أبي الحسن ابن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة وبزة

стр. 1440

جميلة، وأقبل يدعو له ويثني عليه ويبكي يده وويقبل الأرض (١) ، فقال له ابن الفرات: من أنت بارك الله فيك وكانت هذه كلمته، فقال: صاحب الكتاب المزور إلى أبي زنبور الذي صححه كرم الوزير وتفضله، فعل الله به وصنع، فضحك ابن الفرات وقال: كم وصل إليك منه قال: وصل إلي من ماله وتقسط قسطه على عماله ومعامليه وعمل صرفني فيه عشرون ألف دينار، فقال ابن الفرات: الحمد لله، الزمنا، فإنا نعرضك إلى عمل يزداد (٢) به صلاح هالك، ثم اختبره فوجده كاتباً سديداً، فاستخدمه وأكسبه مالاً جزيلاً، رحمه الله تعالى ورضي عنه. والفرات: بضم الفاء وبعد الراء ألف وبعدها تاء مثناة من فوقها. ونازوك: بالنون وبعد الألف زاء مضمومة وبعد الواو كاف. ٤٨٨ - (٣) ابن يونس المنجم صاحب الزيج الحاكمي أبو الحسن علي بن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المنجم المصري المشهور، صاحب الزيج الحاكمي المعروف بزيج ابن يونس، وهو زيج كبير رأيته في أربع مجلدات، بسط القول والعمل فيه وما أقصر في تحريره، ولم أر في الأزياج على كثرتها أطول منه، وذكر أن الذي أمره بعمله وابتدأه له العزيز أبو الحاكم صاحب مصر - وسيأتي ذكره في حرف النون إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →