← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وولي الخلافة الراضي بالله ابن المقتدر بالله المقدم ذكره، فقلد أبا الفتح ابن حنزابة الشام، فتوجه إليها، ثم إن الراضي بالله ولاه الوزارة، وهو يومئذ مقيم بحلب، وعقد له الأمر فيها يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة خمس وعشرين وثلثمائة، وكوتب بالمسير إلى الحضرة، فوصل إلى بغداد يوم الخميس لست خلون من شوال من السنة، فأقام ببغداد قليلاً (١) ، فرأى الأمور مضطربة، وقد استولى الأمير أبو بكر محمد بن رائق على الحضرة، فتحدث أبو الفتح مع ابن رائق في أنه يعود إلى الشام، وأطمعه في حمل الأموال إليه من مصر والشام، فعاد إليها في الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين، فأدركه أجله بغزة، وقيل بالرملة، وجاءت الكتب إلى الحضرة بموته في يوم الأحد لثمان خلون من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وقيل ست وعشرين والأول أصح ودفن في داره بالرملة. وكان مولده في ليلة السبت لسبع (٢) ليال بقين من شعبان سنة تسع وسبعين ومائتين، وكانت الكتب تصدر باسمه في الشام. وأما ابنه أبو الفضل جعفر بن الفضل فقد سبق ذكره في حرف الجيم من هذا الكتاب (٣) ، وتاريخ وفاته ومولده، رحمهم الله تعالى أجمعين. وهذا الذي ذكرته في هذه الترجمة نقلته من عدة مواضع: منها كتاب " أخبار الوزراء " تأليف الصاحب ابن عباد، وكتاب " عيون السير " تأليف محمد بن عبد الملك الهمداني، وكتاب " الوزراء " تأليف أبي عبد الله محمد بن أحمد الفارسي (٤) ، وما منهم أحد تعرض إلى قضية عبد الله بن المعتز. وترجمة ابن الفرات المذكور تترتب على قضية ابن المعتز فلا بد من ذكر شيء من أحوالها، وأصح التواريخ نقلاً تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، فنذكر ما قاله في حوادث سنة ست وتسعين ومائتين: إن القواد والكتّاب اجتمعوا على خلع الخليفة المقتدر، وتناظروا فيمن يجعلونه موضعه، فأجمعوا (٥) رأيهم على عبد الله بن المعتز، وناظروه في ذلك، فأجابهم إليه على أنه لا يكون

стр. 1437

في ذلك سفك دم ولا حرب، فأخبروه أن الأمر يسلم إليه عفواً، وأن جميع من وراءهم من الجند والقواد والكتاب قد رضوا، فبايعهم على ذلك، وكان الرأس في ذلك محمد بن داود بن الجراح وأبا المثنى أحمد بن يعقوب القاضي، وواطأ محمد بن داود جماعة من القواد على الفتك بالمقتدر والعباس بن الحسن؛ قلت: وكان وزير المقتدر يومئذ. قال الطبري: وكان العباس بن الحسن على ذلك قد واطأ جماعة من القواد على خلع المقتدر والبيعة لعبد الله بن المعتز، فلما رأى أمره مستوسقاً له مع المقتدر على ما يحب بدا له فيما كان قد عزم عليه من ذاك، فحينئذ وثب به الآخرون فقتلوه، يعني الوزير المذكور، وقال الطبري: وكان الذي تولى قتله [بدر الأعجمي] والحسين بن حمدان ووصيف بن صوارتكين، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، ولما كان من غد هذا اليوم، وهو يوم الأحد، خلع المقتدر الكتاب والقواد وقضاة بغداد (١) ، وبايعوا عبد الله بن المعتز ولقبوه الراضي بالله، وكان الذي يأخذ البيعة على القواد ويلي استحلافهم والدعاء بأسمائهم محمد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش. وفي هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار حرب شديدة من غدوة إلى انتصاف النهار، وفي هذا اليوم انفضت الجموع التي كان ابن داود جمعها لبيعة ابن المعتز عنه، وذلك أن الخادم الذي يدعى مؤنساً حمل غلاماً من غلمان الدار في الشذوات - قلت: وهي عندهم المراكب - قال: فصاعد بها وهم فيها وهي في دجلة، فلما جاوزوا الدار (٢) التي فيها ابن المعتز ومحمد بن داود صاحوا بهم ورشقوهم بالنشاب، فتفرقوا وهرب من كان في الدار من الجند والقواد والكتاب وهرب ابن المعتز، ولحق بعض الذين بايعوا ابن المعتز بالمقتدر، فاعتذروا إليه بأنهم منعوا (٣) من المصير إليه، واستخفى بعضهم، فطلبوا وأخذوا وقتلوا وانتبهت العامة دور ابن داود، وأخذ ابن المعتز فيمن أخذ؛ انتهى كلام (٤) الطبري في ذلك.

стр. 1438

(١٣٥) فنذكر ما قال (١) غيره، جمعته من مواضع متفرقة، حاصله أن عبد الله بن المعتز رتب للوزارة في ذلك اليوم محمد بن داود المذكور، وللقضاء أبا المثنى المذكور، فلما انتقض أمره وأخذ ابن المعتز استتر ابن داود، وكان من فضلاء أهل عصره وله عدة تصانيف منها كتاب " الورقة في أخبار الشعراء " وكتاب " الوزراء " وغير ذلك، ثم ظهر لمؤنس الخادم المذكور، وخافه أبو الحسن علي ابن الفرات المذكور، فأشار على مؤنس بقتله، فقتل وأخرج وطرح في سقاية عند المأمونية، فحمل إلى منزله، وكان قتله في شهر ربيع الآخر (٢) من السنة، ومولده في سنة ثلاث وأربعين ومائتين في الليلة التي توفي فيها إبراهيم ابن العباس الصولي المقدم ذكره. ولما عاد أمر المقتدر إلى ما كان عليه وقد قتل وزيره العباس بن الحسن في التاريخ الذي ذكره الطبري استوزر أبا الحسن علي بن الفرات المذكور، فأول ما ظهر (٣) من محاسنه أنه حمل إليه من دار ابن المعتز صندوقان عظيمان، فقال: أعلمتم ما فيهما قيل: نعم، جرائد بأسماء (٤) من بايعه، فقال: لا تفتحوهما، ودعا بنار فطرح الصندوقين (٥) فيها، فلما احترقا قال: لو فتحتهما وقرأت ما فيهما (٦) فسدت نيات الناس بأجمعهم علينا، واستشعروا منا، ومع ما فعلناه قد هدأت القلوب وسكنت النفوس. ومما يتعلق بهذه الترجمة أن القاهر بالله لما خلع وسملت عيناه كما ذكرناه آل به الأمر (٧) إلى أن خرج إلى جامع المنصور ببغداد، فعرف الناس بنفسه، وسألهم التصدق عليه، فقام إليه ابن أبي موسى الهاشمي فأعطاه ألف درهم، وفي ذلك عبرة لأولي الألباب. وقد سبق ذكر عبد الله بن المعتز في ترجمته، لكن هذه الحاجة دعت إلى إعادتها ها هنا. ونقلت من كتاب " الأعيان والأماثل " تأليف الرئيس أبي الحسن هلال بن المحسن بن أبي إسحاق إبراهيم الصابي: وحدث القاضي أبو الحسين عبيد الله بن

стр. 1439

عباس أن رجلاً اتصلت عطلته، وانقطعت مادته، فزور كتاباً من أبي الحسن ابن الفرات إلى أبي زنبور المادرائي (١) عامل مصر في معناه يتضمن الوصاة به والتأكيد في الإقبال عليه والإحسان إليه، وخرج إلى مصر فلقيه به، فارتاب أبو زنبور في أمره لتغير الخطاب على ما جرت به العادة وكون الدعاء ألين (٢) مما يقتضيه محله، فرعاه مراعاة قريبة ووصله بصلة قليلة، واحتبسه عنده على وعد وعده به، وكتب إلى أبي الحسن ابن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه، وأنفذه بعينه إليه واستثبته فيه، فوقف ابن الفرات على الكتاب المزور، فوجد فيه ذكر الرجل وأنه من ذوي الحرمات والحقوق الواجبة عليه، وما يقال في ذلك مما قد استوفي الخطاب (٣) فيهن وعرضه على كتابه وعرفهم الصورة فيه، وعجب إليهم منها ومما أقدم عليه الرجل، وقال لهم: ما الرأي في أمر هذا الرجل عندكم فقال بعضهم: تأديبه أو حبسه، وقال آخر: قطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا أو يقتدي به غيره فيما هو أكثر من هذا، وقال أجملهم محضراً: يكشف لأبي زنبور قصته ويرسم له طرده وحرمانه، فقال ابن الفرات: ما أبعدكم عن الخيرية والحرية وأنفر طباعكم منها! رجلٌ توسل بنا وتحمل المشقة إلى مصر في تأميل الصلاح بجاهنا، واستمداد صنع الله بالانتساب إلينا، يكون أحسن أحواله عند أحسنكم محضراً تكذيب ظنه وتخييب سعيه، والله لا كان هذا أبداً! ثم إنه أخذ القلم من دواته وكتب (٤) على الكتاب المزور " هذا كتأبي، ولست أعلم لم أنكرت أمره، واعترضتك شبهة فيه، وليس كل من خدمنا وأوجب حقاً علينا تعرفه، وهذا رجل خدمني في أيام نكبتي، وما أعتقده في قضاء حقه أكثر مما كلفتك في أمره من القيام به، فأحسن تفقده ووفر رفده وصرفه فيما يعود عليه نفعه ويصل إلينا فيما يحقق ظنه ويبين (٥) موقعه " ورده إلى أبي زنبور من يومه، فلما مضت على ذلك مدة طويلة دخل على أبي الحسن ابن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة وبزة

стр. 1440

جميلة، وأقبل يدعو له ويثني عليه ويبكي يده وويقبل الأرض (١) ، فقال له ابن الفرات: من أنت بارك الله فيك وكانت هذه كلمته، فقال: صاحب الكتاب المزور إلى أبي زنبور الذي صححه كرم الوزير وتفضله، فعل الله به وصنع، فضحك ابن الفرات وقال: كم وصل إليك منه قال: وصل إلي من ماله وتقسط قسطه على عماله ومعامليه وعمل صرفني فيه عشرون ألف دينار، فقال ابن الفرات: الحمد لله، الزمنا، فإنا نعرضك إلى عمل يزداد (٢) به صلاح هالك، ثم اختبره فوجده كاتباً سديداً، فاستخدمه وأكسبه مالاً جزيلاً، رحمه الله تعالى ورضي عنه. والفرات: بضم الفاء وبعد الراء ألف وبعدها تاء مثناة من فوقها. ونازوك: بالنون وبعد الألف زاء مضمومة وبعد الواو كاف. ٤٨٨ - (٣) ابن يونس المنجم صاحب الزيج الحاكمي أبو الحسن علي بن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المنجم المصري المشهور، صاحب الزيج الحاكمي المعروف بزيج ابن يونس، وهو زيج كبير رأيته في أربع مجلدات، بسط القول والعمل فيه وما أقصر في تحريره، ولم أر في الأزياج على كثرتها أطول منه، وذكر أن الذي أمره بعمله وابتدأه له العزيز أبو الحاكم صاحب مصر - وسيأتي ذكره في حرف النون إن شاء الله تعالى.

стр. 1441

كان مختصاً بعلم النجوم متصرفاً في سائر العلوم بارعاً في الشعر، وعلى إصلاحه لزيج يحيى بن منصور تعويل أهل مصر في تقويم الكواكب، وعدله القاضي أبو عبد الله محمد بن النعمان في جمادى الأولى سنة ثمانين وثلثمائة، وخلف ولداً متخلفاً باع كتبه وجميع تصنيفاته بالأرطال في الصابونيين، وكان قد أفنى عمره في الرصد والتسيير للمواليد وعمل فيها ما لا نظير له، وكان يقف للكواكب، قال الأمير المختار المعروف بالمسبحي: أخبرني أبو الحسن المنجم الطبراني أنه طلع معه إلى جبل المقطم وقد وقف للزهرة، فنزع ثوبه وعمامته ولبس ثوباً نساوياً أحمر ومقنعة حمراء تقنع بها، وأخرج عوداً فضرب به، والبخور بين يديه، فكان عجباً من العجب (١) . قال الأمير المختار في تاريخ مصر (٢) : كان ابن يونس المذكور أبله مغفلاً، يعتم على طرطور طويل ويجعل رداءه فوق العمامة، وكان طويلاً، وإذا ركب ضحك منه الناس لشهرته وسوء حاله ورثاثة لباسه، وكان له مع هذه الهيئة إصابة بديعة غريبة في النجامة لا يشاركه فيها غيره، وكان أحد الشهود، وكان متفنناً في علوم كثيرة (٣) ، وكان يضرب بالعود على جهة التأدب، وله شعر حسن فمنه قوله: أحمل نشر الريح عند هبوبه ... رسالة مشتاق لوجه حبيبه بنفسي من تحيا النفوس بقربه ... ومن طابت الدنيا به وبطيبه لعمري لقد عطلت كأسي بعده ... وغيبتها عني لطول مغيبه وجدد وجدي طائف منه في الكرى ... سرى موهناً في خفية من رقيبه وله شعر كثير. وقد تقدم ذكر والده في حرف العين وهو صاحب التاريخ - وسيأتي ذكر

стр. 1442

جده في حرف الياء إن شاء الله تعالى. ويحكى أن الحاكم العبيدي صاحب مصر قال وقد جرى في مجلسه ذكر ابن يونس وتغفله: دخل إلى عندي يوماً ومداسه بيده، فقبل الأرض وجلس وترك المداس إلى جانبه، وأنا أراه وأراها، وهو بالقرب مني، فلما أراد أن ينصرف (١) قبل الأرض وقدم المداس ولبسه وانصرف. وإنما ذكر هذا في معرض غفلته وقلة اكتراثه. وقال المسبحي: كانت وفاته بكرة يوم الاثنين لثلاث خلون من شوال سنة تسع وتسعين وثلثمائة (٢) فجأة، رحمه الله تعالى، وصلى عليه في الجامع بمصر القاضي مالك بن سعيد [بن أحمد بن محمد بن سليمان بن ثواب] (٣) ، ودفن بداره بالفرائين. ٤٨٩ - (٤) الفقيه عمارة اليمني الفقيه أبو محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن ريدان (٥) بن أحمد (٦) الحكمي اليمني،

стр. 1443

الملقب نجم الدين، الشاعر المشهور؛ نقلت من بعض تواليفه (١) أنه من قحطان، ثم الحكم بن سعد العشيرة المذحجي، وأن وطنه من تهامة باليمن مدينة يقال لها مرطان من وادي وساع (٢) وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً، وبها مولده ومرباه، وأنه بلغ الحلم سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ورحل إلى زبيد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فأقام بها يشتغل بالفقه في بعض مدارسها مدة أربع سنين، وأنه حج سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وسيره قاسم بن هاشم ابن فليتة صاحب مكة شرفها الله تعالى رسولاً إلى الديار المصرية، فدخلها في شهر ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وصاحبها يومئذ الفائز بن الظافر، والوزير الصالح ابن رزيك - المذكور في حرف الطاء - وأنشدهما في تلك الدفعة قصيدته الميمية، وهي (٣) : الحمد للعيس بعد العزم والهمم ... حمداً يقوم بما أولت من النعم (٤) لا أجحد الحق عندي للركاب يدٌ ... تمنت اللجم فيها رتبة الخطم قربن بعد مزار العز من نظري ... حتى رأيت إمام العصر من أمم ورحن من كعبة البطحاء والحرم ... وفداً إلى كعبة المعروف والكرم فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ما سرت من حرمٍ إلا حرم حيث الخلافة مضروبٌ سرادقها ... بين النقيضين من عفو ومن نقم وللإمامة أنوارٌ مقدسة ... تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم وللنبوة آيات تنص لنا ... على الخفيين (٥) من حكم ومن حكم

стр. 1444

وللمكارم أعلامٌ تعلمنا ... مدح الجزيلين من بأس ومن كرم وللعلا ألسنٌ تثني محامدها ... على الحميدين من فعل ومن شيم وراية الشرف البذاخ ترفعها ... يد الرفيعين من مجدٍ ومن همم أقسمت بالفائز المعصوم معتقداً ... فوز النجاة وأجر البر في القسم لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما ... وزيره الصالح الفراج للغمم اللابس الفخر لم تنسج غلائله ... إلا يد الصنعين السيف والقلم وجوده أوجد الأيام ما اقترحت ... وجوده أعدم الشاكين للعدم قد ملكته العوالي رق مملكة ... تعير أنف الثريا عزة الشمم أرى مقاماً عظيم الشأن أوهمني ... في يقظتي أنها من جملة الحلم يوم من العمر لم يخطر على أملي ... ولا ترقت إليه رغبة الهمم ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمي ترى الوزارة فيه وهي باذلة ... عند الخلافة نصحاً غير متهم عواطف علمتنا أن بينهما ... قرابة من جميل الرأي لا الرحم خليفة ووزير مد عدلهما ... ظلاً على مفرق الإسلام والأمم زيادة النيل نقص عند قبضهما ... فما عسى نتعاطى منة الديم فاستحسنا قصيدته وأجزلا صلته، وأقام إلى شوال من سنة خمسين في أرغد عيش وأعز جانب، ثم فارق مصر في هذا التاريخ وتوجه إلى مكة ومنها إلى زبيد في صفر سنة إحدى وخمسين، ثم حج من عامه فأعاده قاسم صاحب مكة المذكور في رسالة إلى مصر مرة ثانية، فاستوطنها ولم يفارقها بعد ذلك. ورأيت في كتابه الذي جعله تاريخ اليمن أنه فارق بلاده في شعبان سنة اثنتين وخمسين، وكان فقيهاً شافعي المذهب شديد التعصب للسنة، أديباً ماهراً شاعراً مجيداً محادثاً ممتعاً، فأحسن الصالح وبنوه وأهله إليه كل الإحسان، وصحبوه مع اختلاف العقيدة لحسن صحبته، وله في الصالح وولده مدائح كثيرة

стр. 1445

- وقد تقدم طرفٌ من خبره في ترجمة شاور السعدي والصالح (١) ، وما رثاه به - وكانت بينه وبين الكامل بن شاور صحبة متأكدة قبل وزارة أبيه، فلما وزر استحال عليه، فكتب إليه (٢) : إذا لم يسالمك الزمان فحارب ... وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب ولا تحتقر كيداً ضعيفاً فربما ... تموت الأفاعي من سمام العقارب فقد هد قدماً عرش بلقيس هدهدٌ ... وخرب فأر قبل ذا سد مأرب (٣) إذا كان رأس المال عمرك فاحترز ... عليه من الإنفاق في غير واجب فبين اختلاف الليل والصبح معرك ... يكر علينا جيشه بالعجائب وما راعني غدر الشباب لأنني ... أنست بهذا الخلق من كل صاحب وغدر الفتى في عهده ووفائه ... وغدر المواضي في نبو المضارب ومنها: إذا كان هذا الدر معدنه فمي ... فصونوه عن تقبيل راحة واهب رأيت رجالاً أصبحت في مآدب ... لديكم وحالي وحدها في نوادب تأخرت لما قدمتهم علاكم ... علي وتأبى الأسد سبق الثعالب ترى أين كانوا في مواطني التي ... غدوت لكم فيهن أكرم نائب ليالي أتلو ذكركم في مجالس ... حديث الورى فيها بغمز الحواجب وزالت دولة المصريين وهو في البلاد. ولما ملك السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، مدحه ومدح جماعة من أهل بيته، يتضمن ديوانه جميع ذلك، وكتب إلى صلاح الدين قصيدة متضمنة شرح حاله وضرورته، وسماها " شكاية المتظلم ونكاية المتألم " وهي بديعة، ورثى

стр. 1446

أصحاب القصر عند زوال ملكهم بقصيدة لامية طويلة أجاد فيها، وغالب شعره جيد. ثم إنه شرع في أمور وأسباب من الاتفاق مع جماعة من رؤساء البلد على التعصب للمصريين وإعادة لدولتهم، فأحس بهم السلطان صلاح الدين، وكانوا ثمانية من الأعيان ومن جملتهم الفقيه عمارة المذكور، وشنقهم في يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة بالقاهرة، رحمهم الله تعالى، وكان قبضهم يوم الأحد السادس والعشرين من شعبان من السنة. وله تواليف منها كتاب " أخبار اليمن " وفيه فوائد، ومنها " النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية " وغير ذلك. وقال العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة " (١) : إنه صلب في جملة الجماعة الذين نسب إليهم التدبير عليه، يعني السلطان صلاح الدين، ومكاتبة الفرنج واستدعاؤهم إليه، حتى يجلسوا ولداً للعاضد، وكانوا أدخلوا معهم رجلاً من الأجناد ليس من أهل مصر، فحضر عند صلاح الدين وأخبره بما جرى، فأحضرهم فلم ينكروا الأمر ولم يروه منكراً، فقطع الطريق على عمر عمارة، وأعيض بخرابه عن العمارة، ووقعت اتفاقات عجيبة، فمن جملتها أنه نسب إليه بيت من قصيدة ذكروا أنه يقول فيها: قد كان أول هذا الدين من رجل ... سعى إلى أن دعوه سيد الأمم ويجوز أن يكون البيت معمولاً عليه، فأفتى فقهاء مصر بقتله، وحرضوا السلطان على المثلة بمثله، ومنها أنه كان في النوبة التي لا تقال عثرتها، ولا يحترم الأديب فيها ولو أنه في سماء النظم والنثر نثرتها، ومنها أنه كان قد هجا أميراً فعد ذلك من كبائره، وجرى عليه الردى في جرائره؛ ثم قال في آخر ترجمته (٢) : والعجب من عمارة أنه تأبى في ذلك المقام عن الانتماء إلى القوم [وترك] ، وغطى القدر على بصره حتى أراد أن يتعصب لهم ويعيد دولتهم

стр. 1447

فهلك؛ وإنما قال العماد هذا لأجل الأبيات التي كتبها الصالح بن رزيك يرغبه في التشيع، وهي في الورقة التي هي قربها (١) . والمذحجي: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبعدها جيم، هذه النسبة إلى مذحج، واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يشجب، وإنما قيل له مذحج لأنه ولد على أكمة حمراء باليمن يقال لها مذحج فسمي بها، وقيل غير ذلك، والله أعلم. ٤٩٠ - (٢) عمر بن أبي ربيعة المخزومي أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة القرشي المخزومي الشاعر المشهور؛ لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل والنوادر والوقائع والمجون والخلاعة، وله في ذلك حكايات مشهورة. وكان يتغزل في شعره بالثريا ابنة علي بن عبد الله بن الحارث ابن أمية الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف الأموية، وقال السهيلي في " الروض الأنف ": هي الثريا ابنة عبد الله، ولم يذكر علياً، ثم قال: وقتيلة ابنة

стр. 1448

النضر جدتها، لأنها كانت تحت الحارث بن أمية، وعبد الله ولدها وهو والد الثريا، وهذه قتيلة (١) هي التي أنشدت رسول الله، ﷺ ، عقيب وقعة بدر الأبيات القافية، وكان قد قتل أباها النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، وقيل كان أخاها، ومن جملة الأبيات: أمحمد ولأنت ضنء (٢) نجيبةٍ ... من قومها والفحل فحلٌ معرق ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق فالنضر أقرب من تركت وسيلةً ... وأحقهم إن كان عتق يعتق فقال ﵇: لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته؛ وكان شديد العداوة لرسول الله، ﷺ ، فأسره في يوم بدر، فلما رجع إلى المدينة أمر علي بن أبي طالب، وقيل المقداد بن أسود بقتله، فقتله صبراً بين يديه بالصفراء، وهي مكان بين المدينة وبدر؛ وهذه الأبيات من جملة أبيات مذكورة في كتاب " الحماسة " (٣) في باب المراثي. وكانت الثريا موصوفة بالجمال، فتزوجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ﵁، ونقلها إلى مصر، فقال عمر المذكور في زواجها يضرب المثل في الثريا وسهيل النجمين المعروفين (٤) : أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيلٌ إذا استقل يماني وهذه الثريا وأختها عائشة أعتقتا الغريض المغني المشهور (٥) صاحب معبد،

стр. 1449

واسمه عبد الملك وكنيته أبو زيد، وسمي الغريض باسم الطلع، ويقال فيه الغريض والاغريض، وإنما سميلنقاء لونه، وقيل إنما سمي به لطراوته. [يروى أن يزيد بن معاوية لما أراد توجيه مسلم بن عقبة إلى المدينة اعترض الناس، فمر به رجل من أهل الشام [بترس] قبيح، فقال له: يا أخا الشام، مجن ابن أبي ربيعة أحسن من مجنك، يريد قول ابن أبي ربيعة: وكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص: كاعبان ومعصر وهذا البيت من جملة قصيدة، وهي من ظريف شعره، فمن جملتها: فحييت إذ فاجأتها فتلهفت ... وكادت بمكتوم التحية تجهر وقالت وعضت بالبنان: فضحتني ... وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر أريتك إن هنا عليك ولم تخف ... رقيباً وحولي من عدوك حضر فوالله ما أدري أتعجيل حاجة ... سرت بك أم قد نام من كنت تحذر فقلت لها: بل قادني الشوق والهوى ... إليك وما عين من الناس تنظر فلما تقضى الليل إلا قليله ... وكادت توالي نجمه تتغور أشارت بأن الحي قد حان منهم ... هبوب ولكن موعد لك عزور فما راعني إلا مناد برحلة ... وقد لاح مفتر من الصبح أشقر فلما رأت من قد تنور منهم ... وأيقاظهم قالت: أشر كيف تأمر فقلت: أباديهم فإما أفوتهم ... وإما أسل السيف ثأراً فيثأر فقالت: أتحقيقاً لما قال كاشح ... علينا وتصديقاً لما كان يؤثر وإن كان ما لابد منه فغيره ... من الأمر أدنى للخفاء وأستر أقص على أختي بدء حديثنا ... وما لي من أن يعلما متأخر لعلهما أن يبغيا لك مخرجاً ... وأن يرحبا سرباً بما كنت أحصر فقالت لأختيها: أعينا على فتى ... أتى زائراً والأمر للأمر يقدر فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا: ... اقلي عليك اللوم فالخطب أيسر

стр. 1450

يقوم فيمشي بيننا متنكراً ... فلا سرنا يفشو ولا هو يظهر وكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر] (١) ومن شعر عمر المذكور أيضاً (٢) : حي طيفاً من الأحبة زارا ... بعدما صرع الكرى السمارا طارقا في المنام تحت دجى اللي ... ل ضنيناً بأن يزور نهارا قلت ما بالنا جفينا وكنا ... قبل ذاك الأسماع والأبصارا قال إنا كما عهدت ولكن ... شغل الحلي أهله أن يعارا وكانت ولادته في الليلة التي قتل فيها عمر بن الخطاب، ﵁، وهي ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين للهجرة. وغزا في البحر فأحرقوا السفينة فاحترق في حدود سنة ثلاث وعشرين للهجرة وعمره مقدار سبعين سنة، رحمه الله تعالى، وقال الهيثم بن عدي: مات سنة ثلاث وتسعين للهجرة، وعمره ثمانون سنة، والله أعلم. وقتل والده عبد الله في سنة ثمان وسبعين للهجرة بسجستان. وكان الحسن البصري، ﵁، إذا جرى ذكر ولادة عمر بن أبي ربيعة في الليلة التي قتل فيها عمر، ﵁، يقول: أي حق رفع وأي باطل وضع وكان جده أبو ربيعة يلقب ذا الرمحين، واسمه عمرو، وقيل حذيفة، وقيل اسمه كنيته. وكان أبوه عبد الله أخا أبي جهل ابن هشام المخزومي لأمه، وأمهما أسماء بنت مخربة، من بني مخزوم، وقيل من بني نهشل، وهما ابنا عم، يجمعهما المغيرة بن عبد الله. ويقظة: بفتح الياء المثناة من تحتها والقاف والظاء المعجمة.

стр. 1451

٤٩١ - (١) عمر بن شبة أبو زيد عمر بن شبة، واسمه زيد وشبة لقب (٢) ، ابن عبيدة بن زيد، ويقال ابن رايطة (٣) ، النميري البصري؛ كان صاحب أخبار ونوادر ورواية واطلاع كثير، وصنف " تاريخ البصرة ". روى القراءة عن جبلة بن مالك عن المفضل عن عاصم بن أبي النجود، وسمع الحروف من محبوب بن الحسن، وروى عن عبد الوهاب الثقفي وعمرو بن علي، وروى القراءة عنه عبد الله بن سليمان وعبد الله بن عمرو الوراق وأحمد بن فرج، وسمع منه أبو محمد ابن الجارود وسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: صدوق، وروى عنه الحافظ محمد بن ماجة صاحب السنن وغيره. وقد تقدم ذكره في ترجمة العباس بن الأحنف (٤) . وكانت ولادته يوم الأحد مستهل رجب سنة ثلاثة وسبعين ومائة. وتوفي يوم الاثنين لست بقين، وقيل يوم الخميس لأربع بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين، وقيل ثلاث وستين ومائتين بسر من رأى، رحمه الله تعالى. وشبة: بفتح الشين وتشديد الباء الموحدة. والنميري: بضم النون وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، هذه نسبة إلى نمير بن عامر بن صعصعة، وهي قبيلة كبيرة ينسب إليها جماعة من العلماء وغيرهم.

стр. 1452

٤٩٢ - (١) الخرقي أبو القاسم عمر بن أبي علي الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي الفقيه الحنبلي؛ كان من أعيان الفقهاء الحنابلة، وصنف في مذهبهم كتباً كثيرة من جملتها المختصر الذي يشتغل به أكثر المبتدئين من أصحابهم (٢) ، وكان قد أودعها في بغداد لما عزم على السفر إلى دمشق لما ظهر بها - أعني بغداد - من سب السلف، فاحترقت في غيبته. وتوفي بدمشق، وقيل ببغداد في سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. وكان والده أيضاَ من الأعيان، روى عن جماعة، وروت عنه جماعة، ﵏ أجمعين. والخرقي: بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء وبعدها قاف، هذه النسبة إلى بيع الخرق والثياب.

стр. 1453

٤٩٣ - (١) عمر بن ذر أبو ذر عمر بن ذر بن عبد الله بن زرارة بن معاوية بن منبه بن غالب بن وقش بن قسيم بن موهبة بن دعام بن مالك بن معاوية بن صعب بن دومان ابن بكيل بن جشم بن مالك، وهو الخارق بن عبد الله بن كبير بن مالك ابن جشم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان، هكذا ساق نسبه هشام بن الكلبي في كتاب " جمهرة النسب " الهمداني الكوفي الفقيه القاص؛ كان صالحاً عابداً كبير القدر، روى عن عطاء ومجاهد، وروى عنه وكيع وأهل العراق، وكان ولده ذر كثير البر له (٢) شديد التوفر على طاعته (٣) ، ولما حضرته الوفاة دخل عليه أبوه عمر المذكور وهو يجود بنفسه، فقال له: يا بني، إنه ما علينا من موتك غضاضة، ولا بنا إلى أحد سوى الله من حاجة، فلما قضى صلى عليه ودفنه ووقف على قبره وقال: أما والله يا ذر لقد شغلنا البكاء لك عن البكاء عليك، لأنا ما ندري ما قلت ولا ما قيل لك، اللهم إني قد وهبت له ما قصر فيه مما افترضت عليه من حقي، فهب لي ما قصر فيه مما افترضت عليه من حقك واجعل ثوابي عليه له، وزدني من فضلك إني إليك من الراغبين. وقيل له: كيف كان بر ابنك بك فقال: ما مشيت قط بنهار وهو

стр. 1454

معي إلا مشى خلفي، ولا بليل إلا مشى أمامي، ولا رقي سطحاً وأنا تحته. ويحكى عنه في ذلك أشياء كثيرة. وكان عمر المذكور يعد من المرجئة. وتوفي سنة ست، وقيل خمس وخمسين ومائة، رحمه الله تعالى. وذر: بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء. والهمداني: بفتح الهاء وسكون الميم وفتح الدال المهملة، وقد تقدم الكلام عليها، وإنما قيدتها كيلا تتصحف بالهمذاني. وزرارة: بضم الزاي وفتح الراءين بينهما ألف. وكان أبوه ذر فقيهاً أيضاً. ٤٩٤ - (١) الثمانيني أبو القاسم عمر بن ثابت الثمانيني الضرير النحوي؛ كان قيماً بعلم النحو عارفاً بقوانينه (٢) ، شرح كتاب " اللمع " لابن جني شرحاً تاماً حسناً أجاد فيه، وانتفع بالاشتغال عليه جمعٌ كبير (٣) ؛ وكان نحوياً فاضلاً، أخذ النحو عن أبي الفتح ابن جني، وأخذ عنه الشريف أبو المعمر يحيى بن محمد بن طباطبا العلوي الحسيني، وشرح كتاب " اللمع " في التصريف لابن جني أيضاً (٤) ، وكان هو وأبو القاسم ابن برهان متعارضين يقرئان الناس بالكرخ ببغداد، فكان

стр. 1455

خواص الناس يقرأون على ابن برهان، والعوام يقرأون على الثمانيني (١) . وتوفي في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. والثمانيني: بفتح الثاء المثلثة والميم وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ثم نون أخرى، هذه النسبة إلى ثمانين، وهي قرية من نواحي جزيرة ابني عمر عند الجبل الجودي. وهي أول قرية بنيت بعد الطوفان، وسميت بعدد الجماعة الذين خرجوا من السفينة مع نوح ﵇، فإنهم كانوا ثمانين وبنى كل واحد منهم بيتاً، فسميت القرية ثمانين، وقد خرج من هذه القرية جماعة. [وتوفي الشريف ابن طباطبا المذكور في شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى] (٢) . ٤٩٥ - (٣) ابن البزري أبو القاسم عمر بن محمد بن أحمد بن عكرمة، المعروف بابن البزري الجزري الفقيه الشافعي إمام جزيرة ابني عمر وفقيهها ومفتيها؛ تفقه أولاً بالجزيرة على الشيخ أبي الغنائم محمد بن الفرج بن منصور بن إبراهيم بن الحسن السلمي الفارقي نزيل جزيرة ابني عمر، ثم رحل إلى بغداد، واشتغل على الكيا الهراسي وحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وسمع عليه وعلى أخيه أحمد، وصحب الشاشي صاحب كتاب " المستظهري " وأدرك جماعة من العلماء، واستفاد منهم، ورجع

стр. 1456

إلى الجزيرة ودرس بها، وقصد من البلاد للاشتغال عليه وبطريقته، وصنف كتاباً شرح فيه إشكالات كتاب " المهذب " للشيخ أبي إسحاق الشيرازي وغريب ألفاظه وأسماء رجاله، سماه " الأسامي والعلل من كتاب المهذب " وهو مختصر. وكان من العلم والدين في محل رفيع، وكان أحفظ من بقي في الدنيا على ما يقال لمذهب الإمام الشافعي، ﵁، وكان الغالب عليه المذهب، وانتفع به خلق كثير، وكان ينعت زين الدين جمال الإسلام. ومولده في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. وتوفي في ثاني شهر ربيع الأول، وقيل الآخر، سنة ستين وخمسمائة بالجزيرة، رحمه الله تعالى. وما خلف مثله، وله تلاميذ كثيرون (١) . (١٣٦) وتوفي شيخه أبو الغنائم الفارقي المذكور سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى، وعليه اشتغل الفقيه عيسى بن محمد الهكاري - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - بالجزيرة. والبزري: بفتح الباء الموحدة وسكون الزاي وبعدها راء، هذه النسبة إلى عمل البزر أو بيعه، والبزر في تلك البلاد اسم للدهن المستخرج من حب الكتان، وبه يستصبحون.

стр. 1457

٤٩٦ - (١) شهاب الدين السهروردي أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمويه، واسمه عبد الله، البكري الملقب شهاب الدين السهروردي - وقد تقدم تتمة نسبه إلى أبي بكر الصديق، ﵁، في ترجمة عمه الشيخ أبي النجيب عبد القاهر، فأغنى عن إعادته؛ كان فقيهاً شافعي المذهب شيخاً صالحاً ورعاً كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة وتخرج عليه خلق كثير من الصوفية في المجاهدة والخلوة، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله، وصحب عمه أبا النجيب وعنه أخذ التصوف والوعظ، والشيخ أبا محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي وغيرهما، وانحدر إلى البصرة إلى الشيخ أبي محمد ابن عبد، ورأى غيرهم من الشيوخ، وحصل طرفاً صالحاً من الفقه والخلاف، وقرأ الأدب (٢) ، وعقد مجلس الوعظ سنين. وكان شيخ الشيوخ ببغداد، وكان له مجلس وعظ، وعلى وعظه قبول كثير وله نفس مبارك؛ حكى لي من حضر مجلسه أنه أنشد يوماً على الكرسي: لا تسقني وحدي فما عودتني ... أني أشح بها على جلاسي أنت الكريم ولا يليق تكرماً ... أن يعبر الندماء دور (٣) الكاس فتواجد الناس لذلك، وقطعت شعور كثيرة وتاب جمع كبير. وله تواليف حسنة منها كتاب " عوارف المعارف " وهو أشهرها، وله شعر فمنه (٤) :

стр. 1458

تصرمت وحشة الليالي ... وأقبلت دولة الوصال وصار بالوصل لي حسوداً ... من كان في هجركم رثى لي وحقكم بعد إن حصلتم ... بكل ما فات لا أبالي أحييتموني وكنت ميتاً ... وبعتموني بغير غالي تقاصرت عنكم قلوبٌ ... فيا له مورداً حلا لي (١) علي ما للورى حرام ... وحبكم في الحشا حلا لي تشربت أعظمي هواكم ... فما لغير الهوى وما لي فما على عادمٍ أجاجاً ... وعنده أعين الزلال ورأيت جماعة ممن حضروا مجلسه وقعدوا في خلوته وتسليكه، كجاري عادة الصوفية، فكانوا يحكون غرائب مما يطرأ عليهم فيها وما يجدونه من الأحوال الخارقة، وكان قد وصل رسولاً إلى إربل من جهة الديوان العزيز، وعقد بها مجلس وعظ، ولم تتفق لي رؤيته لصغر (٢) السن. وكان كثير الحج، وربما جاور في بعض حججه، وكان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون إليه من البلاد صورة فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم؛ سمعت أن بعضهم كتب إليه " يا سيدي إن تركت العمل أخلدت إلى البطالة، وإن عملت داخلني العجب، فأيهما أولى " فكتب جوابه: " اعمل واستغفر الله تعالى من العجب ". وله من هذا شيء كثير، وذكر في كتابه " عوارف المعارف " أبياتاً لطيفة منها: أشم منك نسيماً لست أعرفه ... أظن لمياء جرت فيك أذيالا وذكر فيه أيضاً: إن تأملتكم فكلي عيونٌ ... أو تذكرتكم فكلي قلوب

стр. 1459

وذكر أشياء غير هذا لا حاجة إلى التطويل بذكرها. وكان قد صحب عمه الشيخ أبا النجيب المذكور زماناً، وعليه تخرج. ومولده بسهرورد في أواخر رجب، أو أوائل شعبان، والشك منه، في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وتوفي في مستهل المحرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، ودفن من الغد بالوردية. ٤٩٧ - (١) الحافظ ابن دحية أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد الجميل بن فرح بن خلف بن قومس (٢) بن مزلال بن ملال بن بدر بن أحمد بن دحية بن خليفة بن فروة الكلبي، المعروف بذي النسبين، الأندلسي البلنسي الحافظ؛ نقلت نسبه على هذه الصورة من خطه، وكان قد قيده وضبطه كما هو هاهنا. الجميل: بضم الجيم وفتح الميم وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها لام وهو تصغير جميل. وفرح: بفتح الفاء وسكون الراء وبعدها حاء مهملة. وقومس: بضم القاف وفتحها وسكون الواو وكسر الميم وبعدها سين مهملة. ومزلال: بفتح الميم وسكون الزاي وبعد اللام ألف لام. وملال: بفتح الميم وتشديد اللام ألف وبعدها لام.

стр. 1460

ودحية: بكسر الدال المهملة وفتحها وسكون الحاء المهملة وبعدها ياء مثناة من تحتها، وهو دحية الكلبي صاحب رسول الله، ﷺ . والباقي معروف لا حاجة إلى ضبطه. كان يذكر أن أمه أمة الرحمن بنت أبي عبد الله ابن أبي البسام موسى بن عبد الله بن الحسين بن جعفر بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁، فلهذا كان يكتب بخطه " ذو النسبين دحية والحسين، ﵄ " وكان يكتب أيضاً " سبط أبي البسام " إشارة إلى ذلك. كان أبو الخطاب المذكور من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متقناً لعلم الحديث النبوي وما يتعلق به، عارفاً بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها، واشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقي بها علماءها ومشايخها، ثم رحل منها إلى بر العدوة ودخل مراكش واجتمع بفضلائها، ثم ارتحل إلى إفريقية ومنها إلى الديار المصرية ثم إلى الشام والشرق والعراق؛ [وسمع ببغداد من بعض أصحاب ابن الحصين، وسمع بواسط من أبي الفتح محمد ابن أحمد بن الميداني] (١) ودخل إلى عراق العجم وخراسان وما والاها ومازندران، كل ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأئمته والأخذ عنهم، وهو في تلك الحال يؤخذ عنه، ويستفاد منه [وسمع بأصبهان من أبي جعفر الصيدلاني، وبنيسابور من منصور بن عبد المنعم الفراوي] (٢) وقدم مدينة إربل في سنة أربع وستمائة، وهو متوجه إلى خراسان، فرأى صاحبها الملك المعظم مظفر الدين بن زيد الدين، رحمه الله تعالى، مولعاً بعمل مولد النبي، ﷺ ، عظيم الاحتفال به - كما هو مذكور في ترجمته في حرف الكاف من هذا الكتاب - فعمل له كتاباً سماه " كتاب التنوير في مولد السراج المنير " وقرأه عليه بنفسه، وسمعناه على الملك المعظم في ست مجالس في جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين

стр. 1461

وستمائة، وكان الحافظ أبو الخطاب المذكور قد ختم هذا الكتاب بقصيدة طويلة أولها: لولا الوشاة وهم ... أعداؤنا ما وهموا وقد ذكرت فيما تقدم في ترجمة الأسعد بن مماتي في حرف الهمزة حديث هذه القصيدة فليتأمل هناك (١) ؛ ولما عمل هذا الكتاب دفع له الملك المعظم المذكور ألف دينار، وله عدة تصانيف. وكانت ولادته في مستهل ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وتوفي في يوم الثلاثاء الرابع عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم، رحمه الله تعالى، أخبرني بذلك ولده؛ وأخبرني بعض أصحابنا الموثوق بقولهم أنه سأل ولده المذكور عن مولد أبيه، فقال في ذي القعدة من سنة ثمان وأربعين، وأخبرني ابن أخيه قال: سمعت عمي أبا الخطاب غير مرة يقول: ولدت في مستهل ذي القعدة سنة ست وأربعين وخمسمائة، والله أعلم. والبلنسي: بفتح الباء الموحدة اللام وسكون النون وبعها سين مهملة، هذه النسبة إلى بلنسية، وهي مدينة في شرق الأندلس. (١٣٧) وكان أخوه أبو عمرو عثمان بن الحسن أسن من أخيه أبي الخطاب، وكان حافظاً للغة العرب قيماً بها. وعزل الملك الكامل أبا الخطاب المذكور عن دار الحديث التي كان أنشأها بالقاهرة، ورتب مكانه أخاه أبا عمرو المذكور، ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وستمائة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم، وله رسائل استعمل فيها حوشي اللغة.

стр. 1462

٤٩٨ - (١) أبو علي الشلوبيني أبو علي عمر بن محمد بن عمر بن عبد الله الأزدي، المعروف بالشلوبيني، الأندلسي الإشبيلي النحوي [تلميذ أبي بكر محمد بن خلف بن محمد بن عبد الله ابن صافي اللخمي الإشبيلي، ومن قوله: قالوا: حبيبك معلول فقلت لهم ... نفسي الفداء له من كل محذور يا ليت علته بي غير أن له ... أجر العليل واني غير مأجور] (٢) كان إماماً في علم النحو مستحضراً له غاية الاستحضار، ولقد رأيت جماعة من أصحابه وكلهم فضلاء، وكل منهم يقول: ما يتقاصر الشيخ أبو علي الشلوبيني عن الشيخ أبي علي الفارسي، ويغالون فيه مغالاة زائدة، وقالوا: فيه مع هذه الفضيلة غفلة وصورة بله في الصورة الظاهرة، حتى قالوا: إنه كان يوماً على جانب نهر وبيده كراريس فوقع منه كراسة في الماء وبعدت عنه فلم تصل يده إليها ليأخذها فأخذ كراسة أخرى وجذبها بها فتلفت الأخرى بالماء؛ وكان

стр. 1463

له مثل هذه الأسباب (١) الدالة على البله (٢) . وشرح المقدمة الجزولية شرحين كبيراً وصغيراً، وله كتاب في النحو سماه " التوطئة ". وكانت إقامته بإشبيلية، وأخباره متواصلة إلينا وتلامذته واردة في كل وقت، وبالجملة فإنه على ما يقال كان خاتمة أئمة النحو. وكانت ولادته بإشبيلية في سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وتوفي في أحد الربيعين، وقيل في صفر، سنة خمس وأربعين وستمائة بإشبيلية، رحمه الله تعالى. والشلوبيني: بفتح الشين المثلثة اللام وسكون الواو وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، هذه النسبة إلى الشلوبين، وهو بلغة الأندلس الأبيض الأشقر (٣) ، هكذا ذكروا، والله أعلم. ٤٩٩ - (٤) ابن طبرزذ أبو حفص عمر بن أبي بكر محمد بن معمر بن أحمد بن يحيى بن حسان المؤدب، المعروف بابن طبرزذ، المحدث المشهور البغدادي، الملقب موفق الدين من أهل الجانب الغربي ببغداد، من ساكني محلة دار القز ولهذا عرف بالدارقزي؛ كان أخوه الأكبر أبو البقاء محمد قد أسمعه الكثير من الحديث، ثم استقل بإفادة نفسه، وعمر حتى حدث سنين، وحفظ الأصول إلى وقت الحاجة إليها، وكانت بخط أخيه أبي البقاء المذكور إلا القليل، وكان سماعه من أبي القاسم

стр. 1464

هبة الله بن عبد الواحد بن الحصين وأبي المواهب أحمد بن محمد بن ملوك الوراق وأبي الحسن ابن الزاغوني وأبي غالب ابن البناء وأبي القاسم هبة الله بن عبد الشروطي وأبي القاسم هبة الله بن أحمد الحريري والقاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وأبي منصور ابن زريق وإسماعيل بن أحمد السمرقندي وعبد الوهاب الأنماطي وخلق كثير يطول ذكرهم؛ وكان سماعه صحيحاً على تخليط فيه، وسافر في آخر عمره إلى الشام، وحدث في طريقه بإربل والموصل وحران وحلب ودمشق وغيرها وعاد إلى بغداد وحدث بها، وتفرد بالرواية عن جماعة منهم الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن الزاغوني وابن ملوك المذكور وأبو القاسم الشروطي المذكور وأبو غالب محمد بن أحمد بن قريش وأبو البركات بن كامل بن حبيش وأبو غالب أحمد بن الحسن بن البناء وأبو القاسم هبة الله بن الحصين وغيرهم، وجمع له ابن المديني مشيخةً في جزأين وبعض ثالث فيها ثلاثة وثمانون شيخاً (١) . وكان عالي الإسناد في سماع الحديث، طاف البلاد وأفاد أهلها وألحق الأصاغر بالأكابر وطبق الأرض بالسماعات والإجازات، وامتدت له الحياة فخلا له العصر، وكان فيه صلاح وخير. ومولده في ذي الحجة سنة ست عشرة وخمسمائة (٢) . وتوفي في عصر يوم الثلاثاء تاسع رجب سنة سبع وستمائة ببغداد، ودفن من الغد بباب حرب، رحمه الله تعالى. وطبرزذ: بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وسكون الراء وفتح الزاي وبعدها ذال معجمة، وهو اسم لنوع من السكر.

стр. 1465

٥٠٠ - (١) الشرف ابن الفارض أبو حفص وأبو القاسم عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي، الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، المعروف بابن الفارض، المنعوت بالشرف؛ له ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه رائق ظريف ينحو منحى طريقة الفقراء؛ وله قصيدة مقدار ستمائة بيت (٢) على اصطلاحهم ومنهجهم، وما ألطف قوله في جملة قصيدة طويلة (٣) : أهلاً بما لم أكن أهلاً لموقعه ... قول المبشر بعد اليأس بالفرج لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج وقوله من قصيدة أخرى (٤) : لم أخل من حسدٍ عليك فلا تضع ... سهري بتشنيع الخيال المرجف واسأل نجوم الليل هل زار الكرى ... جفني وكيف يزور من لم يعرف ومنها: وعلى تفنن واصفيه بحسنه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف

стр. 1466

وله دوبيت ومواليا وألغاز. وسمعت أنه كان رجلاً صالحاً كثير الخير، على قدم التجرد، جاور بمكة، زادها الله تعالى شرفاً، زماناً. وكان حسن الصحبة محمود العشرة، أخبرني عنه بعض أصحابه أنه ترنم يوماً وهو في خلوة ببيت الحريري، صاحب " المقامات " وهو: من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط قال: فسمع قائلاً ولم ير شخصه وقد أنشد: محمد الهادي الذي ... عليه جبريل هبط وأنشدني له جماعة من أصحابه مواليا في غلام صنعته الجزارة، وهو كيس، ولم أره في ديوانه: قلتو لجزر عشقتو كم تشرخني ... قتلتني قال ذا شغلي توبخني ومل إلي وبس رجلي يربخني (١) ... يريد ذبحي فينفخني ليسلخني (٢) وقد كتبته على اصطلاحهم فإنهم لا يراعون فيه الإعراب والضبط بل يجوزون فيه اللحن، بل غالبه ملحون، فلا يؤاخذ من يقف عليه. وكان يقول: عملت في النوم بيتين، وهما (٣) : وحياة أشواقي إلي ... ك وحرمة الصبر الجميل لا أبصرت عيني (٤) سوا ... ك ولا صبوت إلى خليل وكانت ولادته في الرابع من ذي القعدة سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة. وتوفي بها يوم الثلاثاء الثاني من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ودفن من الغد بسفح المقطم، رحمه الله تعالى.

стр. 1467

والفارض: بفتح الفاء وبعد الألف راء مفتوحة (١) وبعدها ضاد معجمة، وهو الذي يكتب الفروض للنساء على الرجال. ٥٠١ - (٢) تقي الدين صاحب حماة الملك الظفر تقي الدين أبو سعيد عمر بن نور الدولة شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة، وهو ابن أخي السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى - وقد تقدم ذكر أبيه في حرف الشين (٣) ؛ كان شجاعاً مقداماً منصوراً في الحروب مؤيداً في الوقائع ومواقفه مشهورة مع الفرنج. وكانت له آثار في المصافات دلت عليها التواريخ، وله في أبواب البر كل حسنة، منها: مدرسة منازل العز التي بمصر، يقال إنها كانت دار سكنه، فوقف عليها وقفاً كثيراً وجعلها مدرسة. وكانت الفيوم وبلادها إقطاعه، وله بها مدرستان: شافعية ومالكية، وعليهما وقفٌ جيد أيضاً (٤) ، وبنى بمدينة الرها مدرسة لما كان صاحب البلاد الشرقية، وكان كثير الإحسان إلى العلماء والفقراء وأرباب الخير. وناب عن عمه صلاح الدين بالديار المصرية في بعض غيباته عنها، فإن الملك العادل كان نائباً عن أخيه السلطان صلاح الدين بالديار المصرية، فلما حاصر الكرك في سنة تسع وسبعين وخمسمائة في رجب طلب أخاه من مصر بالعساكر، وسير إليها تقي الدين في العشر الوسط من شعبان من السنة نائباً عنها، ثم استدعاه

стр. 1468

إليه بالشام، ورتب بالديار المصرية ولده الملك العزيز عثمان - المقدم ذكره (١) - ومعه الملك العادل، فشق ذلك على تقي الدين وعزم على دخوله بلاد المغرب ليفتحها، فقبح أصحابه عليه ذلك، فامتثل قول عمه صلاح الدين وحضر إلى خدمته. وخرج السلطان التقاه بمرج الصفر، واجتمعا هناك في الثالث والعشرين من شعبان سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وفرح به وأعطاه حماة، فتوجه إليها (٢) وتوجه إلى قلعة منازكرد من نواحي خلاط ليأخذها، فحاصرها مدة، وتوفي عليها يوم الجمعة تاسع عشر شهر رمضان، سنة سبع وثمانين وخمسمائة وقيل بل توفي ما بين خلاط وميافارقين، ونقل إلى حماة، ودفن بها. (١٣٨) وترتب مكانه ولده الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد بن عمر، ومات يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة سبع عشرة وستمائة بحماة، رحمهما الله تعالى. ورأيت بخطي في مسوداتي أن تقي الدين مولده سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. قال ابن شداد في " السيرة " (٣) : لما كان يوم الجمعة حادي عشر شوال سنة سبع وثمانين وخمسمائة ركب السلطان إلى جهة العدو وأشرف عليهم، ثم عاد وأمرني بالإشارة إلى الملك العادل بأن يحضر معه علم الدين سليمان بن جندر وسابق الدين بن الداية وعز الدين بن المقدم؛ فلما مثلت بين يديه الجماعة بخدمته، أمر بإخلاء المكان من غير المذكورين وإبعاد الناس عن الخيمة، وكنت من جملة الحاضرين؛ فأخرج كتاباً من قبائه وفضه ووقف عليه، ففاضت دموعه وغلبه النحيب والبكاء حتى وافقناه من غير أن نعلم السبب في ذلك، ثم ذكر انه يتضمن وفاة الملك المظفر تقي الدين، رحمه الله تعالى، فاستأنف الحاضرون البكاء عليه والأسف، ثم ذكرته الله تعالى وعرفته ما يجب من الانقياد لقضائه وقدره فقال: أستغفر الله، إنا لله وإنا إليه راجعون؛ ثم قال: من المصلحة كتمان ذلك وإخفاؤه لئلا يتصل بالعدو ونحن منازلوه. ثم أمر بإحضار الطعام وأطعم

стр. 1469

الجماعة وانفصلوا من بين يديه. وكانت وفاته في طريق خلاط عائداً إلى ميافارقين، فحمل ميتاً إلى ميافارقين، وعملت له تربة ومدرسة مشهورة بأرض حماة، وحمل إليها ودفن بها وزرته بها. وكانت وفاته يوم الجمعة تاسع شهر رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة. وذكر قبل هذا (١) : لما كان يوم الأحد الحادي والعشرين من شهر رمضان - يعني من السنة - وصل كتاب من الديوان العزيز ينكر قصد الملك المظفر تقي الدين إلى جهة خلاط وفيه معاتبة نائبه بسبب بكتمر ويشفع فيه وفي حسن بن قفجاق وأن يتقدم بإطلاقه - وكان مظفر الدين قد قبض عليه بإربل - وأن يسير القاضي الفاضل إلى الديوان لبت حال، فسير الكتاب إلى القاضي الفاضل ليقف عليه ويكتب إلى الملك المظفر بما رسم فيه. ثم عاد ابن شداد إلى هذا الكلام في كتاب آخر بعد هذا التاريخ وقال (٢) : كان الجواب عن تقي الدين: إنا لم نأمره إلى التعريض ببكتمر صاحب اخلاط وإنما عبر ليجمع العساكر للجهاد ويعود، فاتفقت أسباب اقتضت ذلك وقد أمرنا بالعود عنه؛ وعن ابن قفجاق بأن قد عرفتم حال ابن قفجاق وما يتصدى له من الفساد في الأرض وانه قد تقدم إلى مظفر الدين بإحضاره معه إلى الشام ليقطعه فيه ويكون ملازماً للجهاد؛ وعن الثالث بالاعتذار عن القاضي الفاضل بأن قوته تضعف عن الحركة إلى العراق؛ هذا حاصل الجواب (٣) .

стр. 1470

٥٠٢ - (١) أبو إسحاق السبيعي أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن علي بن أحمد بن ذي يحمد بن السبيع السبيعي الهمداني الكوفي من أعيان التابعين؛ رأى علياً وابن عباس وابن عمر وغيرهم من الصحابة، ﵃ أجمعين، وروى عنه الأعمش وشعبة والثوري وغيرهم، ﵃، وكان كثير الرواية. ولد لثلاث سنين بقين من خلافة عثمان، ﵁، وتوفي سنة تسع وعشرين، وقيل سبع وعشرين، وقيل ثمان وعشرين ومائة (٢) . وقال يحيى بن معين والمدائني: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، والله أعلم، ﵁. والسبيعي: بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها عين مهملة، هذه النسبة إلى سبيع، وهو بطن من همدان. وكان أبو إسحاق المذكور يقول: رفعني أبي حتى رأيت علي بن أبي طالب، ﵁، يخطب وهو أبيض الرأس واللحية.

стр. 1471

٥٠٣ - (١) عمرو بن عبيد أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب، المتكلم الزاهد المشهور، مولى بني عقيل، ثم آل عرادة بن يربوع بن مالك. كان جده باب من سبي كابل من جبال السند، وكان أبوه يخلف أصحاب الشرط بالبصرة، فكان الناس إذا رأوا عمراً مع أبيه، قالوا: هذا خير الناس ابن شر الناس، فيقول أبوه: صدقتم، هذا إبراهيم وأنا آزر، وقيل لأبيه عبيد: إن ابنك يختلف إلى الحسن البصري، ولعله أن يكون، فقال: وأي خير يكون من ابني وقد أصبت أمه من غلول وأنا أبوه وكان عمرو شيخ المعتزلة في وقته - وسيأتي في ترجمة واصل بن عطاء سبب اعتزاله، ولم سموا المعتزلة إن شاء الله تعالى - وكان آدم مربوعاً بين عينيه أثر السجود. وسئل الحسن البصري عنه، فقال للسائل: لقد سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته، وكأن الأنبياء ربته، إن قام بأمر قعد به، وإن قعد بأمر قام به، وإن أمر بشيء كان ألزم الناس له، وإن نهي عن شيء كان أترك الناس له، ما رأيت ظاهراً أشبه بباطن ولا باطناً أشبه بظاهر منه. [ولما كان عبد الله بن عمر بن عبد العزيز أميراً على العراق أرسل إلى عامله على البصرة - وهو شبيب بن شيبة - أن يوفد إليه وفداً، فأرسل إلى جماعة يأمرهم بذلك، وأرسل إلى عمرو بن عبيد فامتنع، فأعاد سؤاله فقال: إن أول ما يسألني عنه سيرتك، فما تراني قائلاً قال: فكف عنه.

стр. 1472

قلت: هذا عبد الله بن عمر هو الذي حفر نهر البصرة المعروف بنهر ابن عمر المشهور في مكانه، وهو عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي الحكمي، حبسه مروان بن محمد المنبوذ بالحمار، آخر ملوك بني أمية، مع إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، المعروف بالإمام، بحران، وقتلهما في سنة نيف وثلاثين ومائة] (١) . ودخل عمرو يوماً على أبي جعفر المنصور في خلافته، وكان صاحبه وصديقه قبل الخلافة وله معه مجالس وأخبار، فقربه وأجلسه، ثم قال له: عظني، فوعظه بمواعظ (٢) ، منها: إن هذا الأمر الذي أصبح في يدك لو بقي في يد غيرك ممن كان قبلك لم يصل إليك، فأحذرك ليلة تمخض بيوم لا ليلة بعده. فلما أراد النهوض قال: قد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم، قال: لا حاجة لي فيها، قال: والله تأخذها، قال: والله لا آخذها. وكان المهدي ولد المنصور حاضراً، فقال: يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت فالتفت عمرو إلى المنصور وقال: من هذا الفتى قال: هذا المهدي ولدي وولي عهدي، فقال: أما لقد ألبسته لباساً ما هو من لباس الأبرار، وسميته باسم ما استحقه، ومهدت له أمراً أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه. ثم التفت عمرو إلى المهدي وقال: نعم يا ابن أخي، إذا حلف أبوك أحنثه عمك، لأن أباك أقوى على الكفارات من عمك، فقال له المنصور: هل من حاجة قال: لا تبعث إلي حتى آتيك، قال: إذاً لا تلقني، قال: هي حاجتي، ومضى، فأتبعه المنصور طرفه (٣) ، وقال: كلكم يمشي رويد ... كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد ... [ولما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم، على أبي جعفر المنصور وقدم البصرة ثم خرج منها، وبلغ

стр. 1473

المنصور خبره، أقبل مسرعاً في سنة اثنتين وأربعين ومائة، وبها عمرو بن عبيد، فقال له أصحابه: نخرج للقائه، فأبى، فعاودوه وغلبوه على رأيه حتى خرج إليه، فقال له يا أبا عثمان، هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا قال: لا، قال: أفأقتصر على قولك وأنصرف قال: نعم، فانصرف ولم يدخلها] (١) . ولعمرو المذكور رسائل وخطب، وكتاب التفسير عن الحسن البصري، وكتاب " الرد على القدرية "، وكلام كثير في العدل والتوحيد، وغير ذلك. ولما حضرته الوفاة قال لصاحبه: نزل بي الموت ولم أتأهب له، ثم قال: اللهم إنك تعلم أنه لم يسنح لي أمران في أحدهما رضا لك وفي الآخر هوى لي إلا اخترت رضاك على هواي، فاغفر لي. وكانت ولادته في سنة ثمانين للهجرة. وتوفي سنة أربع وأربعين ومائة، وقيل اثنتين، وقيل ثلاث، وقيل ثمان، وهو راجع من مكة بموضع يقال له مران؛ ورثاه المنصور بقوله: صلى الإله عليك من متوسدٍ ... قبراً مررت به على مران قبراً تضمن مؤمناً متحنفاً ... صدق الإله ودان بالعرفان لو أن هذا الدهر أبقى صالحاً ... أبقى لنا عمراً أبا عثمان ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه، ﵁. ومران: بفتح الميم وتشديد الراء وبعد الألف نون، موضع بين مكة والبصرة على ليلتين من مكة، وبه دفن أيضاً تميم بن مر الذي تنسب إليه بنو تميم القبيلة الكبيرة المشهورة. واسم جده باب: بباءين موحدتين بينهما ألف، وإنما قيدته لأنه يتصحف بناب.

стр. 1474

٥٠٤ - (١) سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، الملقب سيبويه، مولى بني الحارث بن كعب، وقيل آل الربيع بن زياد الحارثي؛ كان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، ولم يوضع فيه مثل كتابه، وذكره الجاحظ يوماً فقال: لم يكتب الناس في النحو كتاباً مثله، وجميع كتب الناس عليه عيال. وقال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم ففكرت في شيء أهديه له، فلم أجد شيئاً أشرف من كتاب سيبويه، فلما وصلت إليه قلت له: لم أجد شيئاً أهديه لك مثل هذا الكتاب، وقد اشتريته من ميراث الفراء، فقال: والله ما أهديت لي شيئاً أحب إلي منه. ورأيت في بعض التواريخ أن الجاحظ لما وصل إلى ابن الزيات بكتاب سيبويه أعلمه به قبل إحضاره، فقال له ابن الزيات: أو ظننت أن خزانتنا خالية من هذا الكتاب فقال الجاحظ: ما ظننت ذلك، ولكنها بخط الفراء ومقابلة الكسائي وتهذيب عمرو بن بحر الجاحظ، يعني نفسه، فقال ابن الزيات: هذه أجل نسخة توجد وأعزها، فأحضرها إليه، فسر بها ووقعت منه أجمل موقع (٢) . وأخذ سيبويه النحو عن الخليل بن أحمد - المقدم ذكره (٣) - وعن عيسى ابن عمر ويونس بن حبيب وغيرهم، وأخذ اللغة عن أبي الخطاب المعروف بالأخفش الأكبر وغيره. وقال ابن النطاح: كنت عند الخليل بن أحمد فأقبل سيبويه، فقال الخليل:

стр. 1475

مرحباً بزائر لا يمل، قال أبو عمر المخزومي (١) وكان كثير المجالسة للخليل: ما سمعت الخليل يقولها لأحد إلا لسيبويه. وكان قد ورد إلى بغداد من بصرة والكسائي يومئذ يعلم الأمين بن هارون الرشيد، فجمع بينهما وتناظرا وجرى مجلس يطول شرحه، وزعم الكسائي أن العرب تقول: كنت أظن أن الزنبور أشد لسعاً من النحلة فإذا هو إياها، فقال سيبويه: ليس المثل كذا، بل فإذا هو هي، وتشاجرا طويلاً، واتفقا على مراجعة عربي خالص لا يشوب كلامه شيء من كلام أهل الحضر، وكان الأمين شديد العناية بالكسائي لكونه معلمه، فاستدعى عربياً وسأله فقال كما قال سيبويه. فقال له: نريد أن تقول كما قال الكسائي، فقال: إن لساني لا يطاوعني على ذلك فإنه ما يسبق إلا إلى الصواب، فقرروا معه أن شخصاً يقول: قال سيبويه كذا وقال الكسائي كذا، فالصواب مع من منهما فيقول العربي: مع الكسائي، فقال: هذا يمكن، ثم عقد لهما المجلس واجتمعا أئمة هذا الشأن وحضر العربي، وقيل له ذلك فقال: الصواب مع الكسائي، وهو كلام العرب، فعلم سيبويه أنهم تحاملوا عليه وتعصبوا للكسائي، فخرج من بغداد وقد حمل في نفسه لما جرى عليه، وقصد بلاد فارس فتوفي في قرية من قرى شيراز يقال لها البيضاء في سنة ثمانين ومائة، وقيل سنة سبع وسبعين، وعمره نيف وأربعون سنة، وقال ابن قانع: بل توفي بالبصرة في سنة إحدى وستين ومائة، وقيل سنة ثمان وثمانين، وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي: توفي سنة أربع وتسعين ومائة، وعمره اثنتان وثلاثون سنة، وأنه توفي بمدينة ساوة، وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (٢) عن ابن دريد أنه قال: مات سيبويه بشيراز، وقبره بها، والله أعلم. وقيل أن ولادته كانت بالبيضاء المذكورة، لا وفاته. قال أبو سعيد الطوال: رأيت على قبر سيبويه هذه الأبيات مكتوبة، وهي لسليمان بن يزيد العدوي: ذهب الأحبة بعد طول تزاور ... ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا
следующие страницы →