٥٠٣ - (١)
عمرو بن عبيد
أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب، المتكلم الزاهد المشهور، مولى بني عقيل، ثم آل عرادة بن يربوع بن مالك. كان جده باب من سبي كابل من جبال السند، وكان أبوه يخلف أصحاب الشرط بالبصرة، فكان الناس إذا رأوا عمراً مع أبيه، قالوا: هذا خير الناس ابن شر الناس، فيقول أبوه: صدقتم، هذا إبراهيم وأنا آزر، وقيل لأبيه عبيد: إن ابنك يختلف إلى الحسن البصري، ولعله أن يكون، فقال: وأي خير يكون من ابني وقد أصبت أمه من غلول وأنا أبوه وكان عمرو شيخ المعتزلة في وقته - وسيأتي في ترجمة واصل بن عطاء سبب اعتزاله، ولم سموا المعتزلة إن شاء الله تعالى - وكان آدم مربوعاً بين عينيه أثر السجود.
وسئل الحسن البصري عنه، فقال للسائل: لقد سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته، وكأن الأنبياء ربته، إن قام بأمر قعد به، وإن قعد بأمر قام به، وإن أمر بشيء كان ألزم الناس له، وإن نهي عن شيء كان أترك الناس له، ما رأيت ظاهراً أشبه بباطن ولا باطناً أشبه بظاهر منه.
[ولما كان عبد الله بن عمر بن عبد العزيز أميراً على العراق أرسل إلى عامله على البصرة - وهو شبيب بن شيبة - أن يوفد إليه وفداً، فأرسل إلى جماعة يأمرهم بذلك، وأرسل إلى عمرو بن عبيد فامتنع، فأعاد سؤاله فقال: إن أول ما يسألني عنه سيرتك، فما تراني قائلاً قال: فكف عنه.
стр. 1472
قلت: هذا عبد الله بن عمر هو الذي حفر نهر البصرة المعروف بنهر ابن عمر المشهور في مكانه، وهو عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي الحكمي، حبسه مروان بن محمد المنبوذ بالحمار، آخر ملوك بني أمية، مع إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، المعروف بالإمام، بحران، وقتلهما في سنة نيف وثلاثين ومائة] (١) .
ودخل عمرو يوماً على أبي جعفر المنصور في خلافته، وكان صاحبه وصديقه قبل الخلافة وله معه مجالس وأخبار، فقربه وأجلسه، ثم قال له: عظني، فوعظه بمواعظ (٢) ، منها: إن هذا الأمر الذي أصبح في يدك لو بقي في يد غيرك ممن كان قبلك لم يصل إليك، فأحذرك ليلة تمخض بيوم لا ليلة بعده. فلما أراد النهوض قال: قد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم، قال: لا حاجة لي فيها، قال: والله تأخذها، قال: والله لا آخذها. وكان المهدي ولد المنصور حاضراً، فقال: يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت فالتفت عمرو إلى المنصور وقال: من هذا الفتى قال: هذا المهدي ولدي وولي عهدي، فقال: أما لقد ألبسته لباساً ما هو من لباس الأبرار، وسميته باسم ما استحقه، ومهدت له أمراً أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه. ثم التفت عمرو إلى المهدي وقال: نعم يا ابن أخي، إذا حلف أبوك أحنثه عمك، لأن أباك أقوى على الكفارات من عمك، فقال له المنصور: هل من حاجة قال: لا تبعث إلي حتى آتيك، قال: إذاً لا تلقني، قال: هي حاجتي، ومضى، فأتبعه المنصور طرفه (٣) ، وقال:
كلكم يمشي رويد ... كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد ... [ولما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم، على أبي جعفر المنصور وقدم البصرة ثم خرج منها، وبلغ
стр. 1473
المنصور خبره، أقبل مسرعاً في سنة اثنتين وأربعين ومائة، وبها عمرو بن عبيد، فقال له أصحابه: نخرج للقائه، فأبى، فعاودوه وغلبوه على رأيه حتى خرج إليه، فقال له يا أبا عثمان، هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا قال: لا، قال: أفأقتصر على قولك وأنصرف قال: نعم، فانصرف ولم يدخلها] (١) .
ولعمرو المذكور رسائل وخطب، وكتاب التفسير عن الحسن البصري، وكتاب " الرد على القدرية "، وكلام كثير في العدل والتوحيد، وغير ذلك.
ولما حضرته الوفاة قال لصاحبه: نزل بي الموت ولم أتأهب له، ثم قال: اللهم إنك تعلم أنه لم يسنح لي أمران في أحدهما رضا لك وفي الآخر هوى لي إلا اخترت رضاك على هواي، فاغفر لي.
وكانت ولادته في سنة ثمانين للهجرة. وتوفي سنة أربع وأربعين ومائة، وقيل اثنتين، وقيل ثلاث، وقيل ثمان، وهو راجع من مكة بموضع يقال له مران؛ ورثاه المنصور بقوله:
صلى الإله عليك من متوسدٍ ... قبراً مررت به على مران
قبراً تضمن مؤمناً متحنفاً ... صدق الإله ودان بالعرفان
لو أن هذا الدهر أبقى صالحاً ... أبقى لنا عمراً أبا عثمان ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه، ﵁.
ومران: بفتح الميم وتشديد الراء وبعد الألف نون، موضع بين مكة والبصرة على ليلتين من مكة، وبه دفن أيضاً تميم بن مر الذي تنسب إليه بنو تميم القبيلة الكبيرة المشهورة.
واسم جده باب: بباءين موحدتين بينهما ألف، وإنما قيدته لأنه يتصحف بناب.
стр. 1474
٥٠٤ - (١)
سيبويه
أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، الملقب سيبويه، مولى بني الحارث بن كعب، وقيل آل الربيع بن زياد الحارثي؛ كان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، ولم يوضع فيه مثل كتابه، وذكره الجاحظ يوماً فقال: لم يكتب الناس في النحو كتاباً مثله، وجميع كتب الناس عليه عيال. وقال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم ففكرت في شيء أهديه له، فلم أجد شيئاً أشرف من كتاب سيبويه، فلما وصلت إليه قلت له: لم أجد شيئاً أهديه لك مثل هذا الكتاب، وقد اشتريته من ميراث الفراء، فقال: والله ما أهديت لي شيئاً أحب إلي منه. ورأيت في بعض التواريخ أن الجاحظ لما وصل إلى ابن الزيات بكتاب سيبويه أعلمه به قبل إحضاره، فقال له ابن الزيات: أو ظننت أن خزانتنا خالية من هذا الكتاب فقال الجاحظ: ما ظننت ذلك، ولكنها بخط الفراء ومقابلة الكسائي وتهذيب عمرو بن بحر الجاحظ، يعني نفسه، فقال ابن الزيات: هذه أجل نسخة توجد وأعزها، فأحضرها إليه، فسر بها ووقعت منه أجمل موقع (٢) .
وأخذ سيبويه النحو عن الخليل بن أحمد - المقدم ذكره (٣) - وعن عيسى ابن عمر ويونس بن حبيب وغيرهم، وأخذ اللغة عن أبي الخطاب المعروف بالأخفش الأكبر وغيره.
وقال ابن النطاح: كنت عند الخليل بن أحمد فأقبل سيبويه، فقال الخليل:
стр. 1475
مرحباً بزائر لا يمل، قال أبو عمر المخزومي (١) وكان كثير المجالسة للخليل: ما سمعت الخليل يقولها لأحد إلا لسيبويه.
وكان قد ورد إلى بغداد من بصرة والكسائي يومئذ يعلم الأمين بن هارون الرشيد، فجمع بينهما وتناظرا وجرى مجلس يطول شرحه، وزعم الكسائي أن العرب تقول: كنت أظن أن الزنبور أشد لسعاً من النحلة فإذا هو إياها، فقال سيبويه: ليس المثل كذا، بل فإذا هو هي، وتشاجرا طويلاً، واتفقا على مراجعة عربي خالص لا يشوب كلامه شيء من كلام أهل الحضر، وكان الأمين شديد العناية بالكسائي لكونه معلمه، فاستدعى عربياً وسأله فقال كما قال سيبويه. فقال له: نريد أن تقول كما قال الكسائي، فقال: إن لساني لا يطاوعني على ذلك فإنه ما يسبق إلا إلى الصواب، فقرروا معه أن شخصاً يقول: قال سيبويه كذا وقال الكسائي كذا، فالصواب مع من منهما فيقول العربي: مع الكسائي، فقال: هذا يمكن، ثم عقد لهما المجلس واجتمعا أئمة هذا الشأن وحضر العربي، وقيل له ذلك فقال: الصواب مع الكسائي، وهو كلام العرب، فعلم سيبويه أنهم تحاملوا عليه وتعصبوا للكسائي، فخرج من بغداد وقد حمل في نفسه لما جرى عليه، وقصد بلاد فارس فتوفي في قرية من قرى شيراز يقال لها البيضاء في سنة ثمانين ومائة، وقيل سنة سبع وسبعين، وعمره نيف وأربعون سنة، وقال ابن قانع: بل توفي بالبصرة في سنة إحدى وستين ومائة، وقيل سنة ثمان وثمانين، وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي: توفي سنة أربع وتسعين ومائة، وعمره اثنتان وثلاثون سنة، وأنه توفي بمدينة ساوة، وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (٢) عن ابن دريد أنه قال: مات سيبويه بشيراز، وقبره بها، والله أعلم. وقيل أن ولادته كانت بالبيضاء المذكورة، لا وفاته. قال أبو سعيد الطوال: رأيت على قبر سيبويه هذه الأبيات مكتوبة، وهي لسليمان بن يزيد العدوي:
ذهب الأحبة بعد طول تزاور ... ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا
стр. 1476
تركوك أوحش ما تكون بقفرة ... لم يؤنسوك، وكربة لم يدفعوا
قضيا لقضاء وصرت صاحب حفرة ... عنك الأحبة أعرض وتصدعوا وقال معاوية بن بكر العليمي، وقد ذكر عنده سيبويه: رأيته وكان حديث السن، وكنت أسمع في ذلك العصر أنه أثبت من حمل عن الخليل بن أحمد، وقد سمعته يتكلم ويناظر في النحو، وكانت في لسانه حبسة، ونظرت في كتابه فقلمه أبلغ من لسانه.
وقال أبو زيد الأنصاري: كان سيبويه غلاماً يأتي مجلسي وله ذؤابتان، فإذا سمعته يقول: حدثني من أثق بعربيته، فإنما يعنيني.
وكان سيبويه كثيراً ما ينشد:
إذا بل من داءٍ به ظن أنه ... نجا، وبه الداء الذي هو قاتله وسيبويه: بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الباء الموحدة والواو وسكون الياء الثانية وبعدها هاء ساكنة، ولا يقال بالتاء البتة، وهو (١) لقب فارسي معناه بالعربية رائحة التفاح؛ هكذا يضبط أهل العربية (٢) هذا الاسم ونظائره مثل نفطويه وعمرويه وغيرهما، والعجم يقولون " سيبويه " بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح الياء المثناة بعدها، لأنهم يكرهون أن يقع في آخر الكلمة " ويه " لأنها للندبة. وقال إبراهيم الحربي: سمي سيبويه لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحتان (٣) ، وكان في غاية الجمال، رحمه الله تعالى.
стр. 1477
٥٠٥ - (١)
أبو عمرو بن العلاء
أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التميمي المازني البصري. ورأيت بخطي في مسوداتي: هو أبو عمرو بن العلاء بن عمار ابن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهم بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ويقال: جلهم بن حجر بن خزاعي، واسمه العريان؛ أحد القراء السبعة، كان أعلم الناس بالقرآن الكريم والعربية والشعر، وهو في النحو في الطبقة الرابعة من علي بن أبي طالب، ﵁. قال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء: لقد علمت من النحو ما لم يعلمه الأعمش وما لو كتب لما استطاع أن يحمله. وقال أيضاً: سألت أبا عمرو عن ألف مسألة، فأجابني فيها بألف حجة.
وكان أبو عمرو رأساً في حياة الحسن البصري مقدما في عصره. وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالأدب والعربية والقرآن والشعر.
وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرأ - أي تنسك - فأخرجها كلها، فلما رجع إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه، وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية. قال الأصمعي: جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عشر حجج، فلم أسمعه يحتج ببيت إسلامي، قال: وفي أبي عمرو بن العلاء يقول الفرزدق:
стр. 1478
مازلت أغلق أبواباً وأفتحها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار والصحيح أن كنيته اسمه، وقيل اسمه زبان (١) ، وقيل غير ذلك، وليس بصحيح، وهو من خزاعي بن مازن، وحكي في نسبه في بعض الروايات أنه أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهم بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ويقال: جلهم بن حجر بن خزاعي (٢) ، والله أعلم.
وحكى أبو عمرو قال: طلب الحجاج بن يوسف الثقفي أبي، فخرج منه هارباً إلى اليمن، فإنا لنسير بصحراء باليمن إذ لحقنا لاحق ينشد:
ربما تكره النفوس من الام ... ر له فرجة كحل العقال قال: فقال أبي: مالخبر قال: مات الحجاج، قال أبو عمرو: فأنا بقوله " له فرجة " أشد سروراً مني بموت الحجاج، قال، فقال أبي: اصرف ركابنا إلى البصرة. قال أبو عبيدة، قلت لأبي عمرو: كم سنك يوم يومئذ قال: كنت قد خنقت بضعاً وعشرين سنة.
يقال فرجة بالفتح بين الأمرين وبالضم بين الجبلين.
وذكر في كتاب " طبقات النحاة " (٣) قال: حدث الأصمعي عن أبي عمرو ابن العلاء في قول رسول الله، ﷺ " في الجنين غرة عبد أو أمة " لولا أن رسول الله، ﷺ ، أراد بالغرة معنى لقال: " في الجنين عبد أو أمة " ولكنه عنى البياض، ولا يقبل في الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء، لا يقبل فيها أسود ولا سوداء، وهذا غريب، ولا أعلم أهل يوافق مذهب أحد من الأئمة المجتهدين أم لا، ولغرابته نقلته. وذكر في هذا الكتاب أيضاً (٤) قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قولهم " أرهبته
стр. 1479
ورهبته " فقال: ليستا بسواء (١) ، فقلت: رهبته فرقته، وأرهبته أدخلت الفرق في قلبه، قال أبو عمرو: ذهب من يعرف هذا منذ ثلاثين سنة.
وقال ابن مناذر: سألت أبا عمرو بن العلاء: حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم قال: ما دامت الحياة تحسن به. وقال أبو عمرو: حدثنا قتادة السدوسي قال: لما كتب المصحف عرض على عثمان بن عفان، ﵁، فقال: إن فيه لحناً ولتقيمنه العرب بألسنتها.
وكان أبو عمرو إذا دخل شهر رمضان لم ينشد بيت شعر (٢) حتى ينقضي. وكان له في كل يوم فلسان يشتري بأحدهما كوزاً جديداً يشرب فيه يومه ثم يتركه لأهله، ويشتري بالأخر ريحاناً فيشمه يومه فإذا أمسى قال لجاريته: جففيه ودقيه في الأشنان.
وروى بن يونس بن حبيب النحوي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: ما زدت في شعر العرب قط إلا بيتاً واحداً، وهو:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا وهذا البيت يوجد في جملة أبيات للأعشى، وهي أبيات مشهورة. وقال أبو عبيدة: دخل أبو عمرو بن العلاء على سليمان بن علي، وهو عم السفاح، فسأله عن شيء فصدقه، فلم يعجبه ما قاله، فوجد أبو عمرو في نفسه وخرج، وهو يقول:
أنفت من الذل عند الملوك ... وأن أكرموني وإن قربوا
إذا ما صدقتهم خفتهم ... ويرضون مني بأن يكذبوا وحكى علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: سمعت أبي يقول لأبي عمرو بن العلاء: خبرني عما وضعت مما سميته عربيةً، يدخل فيه كلام العرب كله فقال: لا، فقلت: فكيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهو حجة قال:
стр. 1480
أعمل على الأكثر، واسمي ما خالفني لغات. وأخبار أبي عمرو كثيرة.
وكانت ولادته سنة سبعين، وقيل ثمان وستين، وقيل خمس وستين للهجرة بمكة. وتوفي سنة أربع وخمسين، وقيل تسع (١) وخمسين، وقيل ست وخمسين ومائة بالكوفة، وكان قد خرج إلى الشام يجتدي عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام والي دمشق، فلما عاد إلى الكوفة توفي بها، وقال ابن قتيبة: مات في طريق الشام، ونسبوه في ذلك إلى الغلط، فقد ذكر (٢) بعض الرواة أنه رأى قبر أبي عمرو بالكوفة مكتوباً عليه " هذا قبر أبي عمرو بن العلاء ".
ولما حضرته الوفاة كان يغشى عليه ويفيق، فأفاق من غشية له، فإذا ابنه بشر يبكي، فقال: ما يبكيك وقد أتت علي أربع وثمانون سنة رحمه الله تعالى.
ورثاه عبد الله بن المقفع بقوله:
رزئنا أبا عمرو ولا حي مثله ... فلله ريب الحادثات بمن فجع
فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي خلة ما في انسداد لها طمع
فقد جر نفعاً فقدنا لك أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع وقد قيل: إنما رثي بها يحيى بن زياد بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي الكوفي الشاعر المشهور، وهو ابن خال السفاح أول خلفاء بني العباس، ﵁؛ وقيل بل رثي بها عبد الكريم بن أبي العوجاء، والأول أشهر، والله أعلم؛ وقيل أن هذه الأبيات لمحمد بن عبد الله بن المقفع، والله أعلم.
وأقول: إن هذه المرثية إن كانت في أبي عمرو المذكور فما يمكن أن تكون لعبد الله لأنه مات قبل موت أبي عمرو، وإن كانت لمحمد فيمكن ذلك، ولكنها مشهورة في أبي عمر المذكور.
وإنما أتيت بأبي عمرو في هذا الحرف، وهذه كنية لا اسم، للعذر الذي تقدم في حرف الباء في ترجمة أبي بكر بن عبد الرحمن، فلينظر هناك (٣) .
(١٣٩) وأما عبد الوهاب المذكور فهو ابن إبراهيم المعروف بالإمام المذكور
стр. 1481
في ترجمة أبيه محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ﵁، وكان عبد الوهاب يتولى الشام من جهة عمه المنصور، وكان المنصور يخافه فلما حضرت المنصور الوفاة وهو بباب مكة عند بئر ميمون كما هو مشهور قال لحاجبه الربيع ابن يونس المقدم ذكره: ما أخاف إلى صاحب الشام عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم اكفني عبد الوهاب، قال الربيع: فلما مات المنصور ودليته في القبر وعرضت عليه الحجارة سمعت هاتفاً يهتف من القبر: مات عبد الوهاب، وأجيبت الدعوة، قال الربيع فهالني ذلك الصوت، وجيء بالخبر بعد سادسة أو سابعة بوفاة عبد الوهاب، هكذا ذكره ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون (١) التي أولها:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... بعد قوله فيها:
وروعت كل مأمون ومؤتمن ... وأسلمت كل منصور ومنتصر والله أعلم.
٥٠٦ - (٢)
الجاحظ
أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي المعروف بالجاحظ،
стр. 1482
البصري العالم المشهور؛ صاحب التصانيف في كل فن، له مقالة في أصول الدين (١) ، وإليه تنتسب الفرقة المعروفة بالجاحظية من المعتزلة، وكان تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن سيار البلخي المعروف بالنظام المتكلم المشهور، وهو خال يموت بن المزرع - الآتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - ومن أحسن تصانيفه وأمتعها كتاب " الحيوان " فلقد جمع كل غريبة، وكذلك كتاب " البيان والتبين " وهي كثيرة جداً (٢) . وكان من فضائله مشوه الخلق، وإنما قيل له " الجاحظ " لأن عينيه كانتا جاحظتين، والجحوظ: النتو، وكان يقال له أيضاً " الحدقي " لذلك.
ومن جملة أخباره أنه قال: ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني، فخرجت من عنده فلقيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الانصراف إلى مدينة السلام، فعرض علي الخروج معه والانحدار في حراقته وكنا بسر من رأى، فركبنا في الحراقة، فلما انتهينا إلى فم نهر القاطول نصب ستارةً وأمر بالغناء، فاندفعت عوادة فغنت:
كل يوم قطيعةٌ وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذا ... دون ذا الخلق أم كذا (٣) الأحباب وسكتت، فأمر الطنبورية (٤) فغنت:
ورحمتاه للعاشقينا ... ما إن أرى لهم معينا
كم يهجرون ويصرمو ... ن ويقطعون فيصبرونا
стр. 1483
قال: فقالت لها العوادة: فيصنعون ماذا قالت: هكذا يصنعون، وضربت بيدها إلى الستارة فهتكتها وبرزت كأنها فلقة قمر، فألقت نفسها في الماء، وعلى رأس محمد غلام يضاهيها في الجمال، وبيده مذبة، فأتى الموضع ونظر إليها وهي تمر بين الماء، وأنشد:
أنت التي غرقتني ... بعد القضا لو تعلمينا وألقى نفسه في أثرها، فأدار الملاح الحراقة، فإذا بهما معتنقان ثم غاصا فلم يريا، فاستعظم محمد ذلك وهاله أمره، ثم قال: يا عمرو، لتحدثني حديثا يسليني عن فعل هذين، وإلا الحقتك بهما، قال: فحضرني حديث يزيد بن عبد الملك، وقد قعد للمظالم يوماً وعرضت عليه القصص، فمرت به قصة فيها: " إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلي جاريته فلانة حتى تغنيني ثلاثة أصوات فعل "، فاغتاظ يزيد من ذلك، وأمر من يخرج إليه ويأتيه برأسه، ثم أتبع الرسول برسول آخر يأمره أن يدخل إليه الرجل، فأدخله، فلما وقف بين يديه قال له: ما لذي حملك على ما صنعت قال: الثقة بحلمك والاتكال على عفوك، فأمره بالجلوس حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج، ثم أمر فأخرجت الجارية ومعها عودها، فقال لها الفتى غني:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي فغنته، فقال له يزيد: قل، فقال: غني:
تألق البرق نجدياً فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول فغنته، فقال له يزيد: قل، قال: تأمر لي برطل شراب، فأمر له، فما استتم شربه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد، فرمى نفسه على دماغه فمات، فقال يزيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتراه الأحمق الجاهل ظن أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى ملكي، يا غلمان خذوا بيدها واحملوها إلى أهله إن كان له أهل، وإلا فبيعوها وتصدقوا بثمنها عليه. فانطلقوا بها إلى أهله، فلما توسطت الدار نظرت إلى حفيرة في وسط دار يزيد قد أعدت للمطر
стр. 1484
فجذبت نفسها من أيديهم، وأنشدت:
من مات عشقاً فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت وألقت نفسها في الحفيرة على دماغها فماتت (١) . فسري عن محمد وأجزل صلتي. وقال أبو القاسم السيرافي: حضرنا مجلس الأستاذ أبي الفضل ابن العميد الوزير - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فجرى ذكر الجاحظ، فغض منه بعض الحاضرين وأزرى به، وسكت الوزير عنه، فلما خرج الرجل قلت له: سكت أيها الأستاذ عن هذا الرجل في قوله مع عادتك في الرد على أمثاله، فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو وافقته وبينت له لنظر في كتبه وصار بذلك إنساناً يا أبا القاسم، فكتب الجاحظ تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً، ولم أستصلحه لذلك.
وكان الجاحظ في أواخر عمره قد أصابه الفالج، فكان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور لشدة حرارته، والنصف الأيسر لو قرض بالمقاريض لما أحس به من خدره وشدة برده. وكان يقول في مرضه: اصطلحت على جسدي الأضداد. إن أكلت بارداً أخذ برجلي، وأن أكلت حاراً أخذ برأسي. وكان يقول: أما من جانبي الأيسر مفلوج فلو قرض بالمقاريض ما علمت به، ومن جانبي الأيمن منقرسٌ فلو مر به الذباب (٢) لألمت، وبي حصاة لا ينسرح لي البول معها وأشد ما علي ست وتسعون سنة، وكان ينشد:
أترجو أن تكون وأنت شيخٌ ... كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريسٌ كالجديد من الثياب وحكى بعض البرامكة قال: كنت تقلدت السند، فأقمت بها ما شاء الله، ثم اتصل بي إني صرفت عنها، وكنت كسبت بها ثلاثين ألف دينار، فخشيت أن يفجأني الصارف فيسمع بمكان المال فيطمع فيه، فصغته عشرة آلاف إهليلجة في كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل؛ ولم يمكث الصارف أن أتى، فركبت
стр. 1485
البحر وانحدرت إلى البصرة، فخبرت أن الجاحظ بها وأنه عليل بالفالج، فأحببت أن أراه قبل وفاته، فسرت إليه، فأفضيت إلى باب دار لطيف فقرعته (١) فخرجت إلي خادمة صفراء فقالت: من أنت قلت: رجل غريب وأحب أن أسر بالنظر إلى الشيخ فبلغته الخادم ما قلته، فسمعته يقول: قولي له وما تصنع بشق مائل ولعاب سائل ولون حائل، فقلت للجارية: لابد من الوصول إليه، فلما بلغته قال: هذا رجل قد اجتاز بالبصرة وسمع بعلتي فقال: أراه قبل موته لأقول: قد رأيت الجاحظ، ثم أذن لي فدخلت فسلمت عليه ورد رداً جميلاً، وقال: من تكون أعزك الله فانتسبت له، فقال: رحم الله أسلافك وآباءك السمحاء الأجواد، فلقد كانت أيامهم رياض الأزمنه، ولقد انجبر بهم خلق كثير فسقياً لهم ورعياً، فدعوت له وقلت: أنا أسألك أن تنشدني شيئاً من الشعر، فأنشدني:
لئن قدمت قبلي رجال فطالما ... مشيت على رسلي فكنت المقدما
ولكن هذا الدهر تأتي صروفه ... فتبرم منقوضاً وتنقض مبرماً ثم نهضت، فلما قاربت الدهليز قال: يا فتى أرأيت مفلوجاً ينفعه الإهليلج قلت: لا، قال: فإن الإهليلج الذي معك ينفعني فابعث لي منه، فقلت: نعم، وخرجت متعجباً من وقوعه على خبري مع كتماني له، وبعثت له مائة إهليلجة.
وقال أبو الحسن البرمكي: أنشدني الجاحظ:
وكان لنا أصدقاء مضوا ... تفانوا جميعاً فما خلدوا
تساقوا جميعاً كؤوس المنون ... فمات الصديق ومات العدو وكانت وفاة الجاحظ في المحرم سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة، وقد نيف على تسعين سنة، رحمه الله تعالى.
وبحر: بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وبعدها راء.
стр. 1486
ومحبوب: بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وضم الباء الموحدة وسكون الواو وبعدها باء موحدة.
والجاحظ: بفتح الجيم وبعد الألف حاء مهملة مكسورة وبعدها ظاء معجمة.
والكناني: بكسر الكاف وفتح النون وبعد الألف نون ثانية.
والليثي: بفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة، هذه النسبة إلى ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانه بن خزيمة.
٥٠٧ - (١)
عمرو بن مسعدة
عمرو بن مسعدة بن سعيد بن صول الكاتب وكنيته أبو الفضل، أحد وزراء المأمون؛ ذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " أنه ابن عم إبراهيم بن العباس الصولي الشاعر - وقد تقدم ذكره (٢) - وكان كاتباً بليغاً جزل العبارة وجيزها سديد المقاصد والمعاني. ولما كان الفضل بن سهل أخو الحسن بن سهل وزير المأمون لم يكن لأحد معه كلام، لاستيلائه على المأمون، فلما قتل سلم عليه الوزراء بعد ذلك وهم: أحمد بن أبي خالد الأحول وعمرو بن مسعدة المذكور وأبو عباد.
وكان المأمون قد أمره أن يكتب لشخص كتاباً إلى العمال بالوصية عليه والاعتناء بأمره، فكتب له " كتابي إليك كتاب واثقٍ بمن كتبت إليه، معنيٍ بمن كتبت له، ولن يضيع بين الثقة والعناية موصله، والسلام ".
стр. 1487
وقيل إن هذا من كلام الحسن بن وهب، والأول أصح وأشهر. وقال عمرو بن مسعدة المذكور: كنت أوقع بين يدي جعفر بن يحيى البرمكي فرفع إليه غلمانه ورقة يستزيدونه في رواتبهم، فرمى بها إلي، وقال: أجب عنها، فكتبت " قليل دائم خير من كثير منقطع " فضرب بيده على ظهره، وقال: أي وزير في جلدك
وله كل معنى بديع. وتوفي في سنة سبع عشرة ومائتين بموضع يقال له أذنة، وذكر الجهشياري في كتاب " الوزراء " أنه توفي في شهر ربيع الأخر سنة خمسة عشرة ومائتين، والله أعلم. ولما مات رفعت إلى المأمون رقعة أنه خلف ثمانين ألف ألف درهم، فوقع في ظهرها " هذا قليل لمن اتصل بنا وطالت خدمته لنا، فبارك الله لولده فيما خلف، وأحسن لهم النظر فيما ترك ".
وذكر المسعودي في كتاب " مروج الذهب " (١) أنه لما مات عرض لماله ولم يعرض لمال وزير غيره، رحمه الله تعالى.
ومسعدة: بفتح الميم وسكون السين المهملة وفتح العين والدال المهملتين.
وأذنة: بفتح الهمزة والذال المعجمة والنون، وهي بليدة بساحل الشام عند طرسوس، بني حصنها سنة أربع وأربعين ومائة.
وبعد انتهائي إلى هذا الموضع ظفرت له برسالة بديعة كتبها إلى بعض الرؤساء وقد تزوجت أمه فساءه ذلك، فلما قرأها ذلك الرئيس تسلى بها وذهب عنه ما كان يجده، فآثرت الإتيان بها لحسنها، وهي " الحمد لله الذي كشف عنا ستر الحيرة، وهدانا لستر العورة، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة، ومنع من عضل الأمهات، كما منع من وأد البنات، استنزالاً للنفوس الأبية، عن الحمية حمية الجاهلية ثم عرض لجزيل الأجر من استسلم لواقع قضائه، وعوض جليل الذخر من صبر على نازل بلائه، وهناك الذي شرح للتقوى صدرك، ووسع في البلوى صبرك، وألهمك من التسليم لمشيئته، والرضا بقضيته، ما وفقك له من قضاء الواجب في أحد أبويك، ومن عظم حقه عليك، وجعل تعالى جده ما تجرعته من أنف، وكظمته من أسف، معدوداً فيما يعظم به أجرك،
стр. 1488
ويجزل عليه ذخرك، وقرن بالحاضر من امتعاضك بفعلها، المنتظر من ارتماضك بدفنها، فتستوفى بها المصيبة، وتستكمل عنها المثوبة، فوصل الله لسيدي ما استشعره من الصبر على عرسها، ما يستكسبه من الصبر على نفسها، وعوضه من أسرة فرشها، أعواد نعشها، وجعل تعالى جده ما ينعم به عليه بعدها من نعمة، معرى من نقمة، وما يوليه من بعد قبضها من منحة، مبرأ من محنة، فأحكام الله تعالى جده وتقدست أسمائه جارية على غير مراد المخلوقين، لكنه تعالى يختار لعباده المؤمنين، ما هو خيرٌ لهم في العاجلة، وأبقى لهم في الآجلة، اختار الله لك في قبضها إليه، وقدومها عليه، ما هو أنفع لها، وأولى بها، وجعل القبر كفؤاً لها، والسلام ".
وقيل: إن هذا الرسالة لأبي الفضل ابن العميد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ولقد أذكرتني هذه الرسالة بيتين للصاحب بن عباد في شخص زوج أمه، وهما:
عذلت لتزويجه أمه ... فقال: فعلت حلالاً يجوز
فقلت: صدقت، حلالاً فعلت ... ولكن سمحت بصدع العجوز وكتب عمرو إلى بعض أصحابه في حق شخص يعز علي " أما بعد فموصل كتابي إليك سالم، والسلام "؛ أراد قول الشاعر:
يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدت بين العين والأنف سالم أي: يحل مني هذا المحل.
وأنشد محمد بن داود بن الجراح لمحمد البيدق النصيبي في عمرو بن مسعدة وقد اشتكى (١) :
قالوا أبو الفضل معتل فقلت لهم: ... نفسي الفداء له من كل محذور
يا ليت علته بي ثم أن له ... أجر العليل وأني غير مأجور وكان بين عمرو المذكور وبين إبراهيم بن العباس الصولي - المقدم
стр. 1489
ذكره - مودة، فحصل لإبراهيم ضائقة بسبب البطالة في بعض الأوقات، فبعث لهم عمرو مالاً، فكتب إليه إبراهيم (١) :
سأشكر عمراً ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذ النعل ذلت
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت وقال أحمد بن يوسف الكاتب - المقدم ذكره (٢) -: دخلت على المأمون، وهو يمسك كتاباً بيده، وقد أطال النظر فيه زماناً وأنا ملتفت إليه، فقال: يا أحمد، أراك مفكراً فيما تراه مني، قلت: نعم، وقى الله أمير المؤمنين من المكاره وأعاذه من المخاوف، قال: فإنه لا مكروه فيه: ولكنني قرأت كلاماً وجدته نظير ما سمعته من الرشيد يقوله في البلاغة، كان يقول: البلاغة التباعد عن الإطالة، والتقرب من معنى البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على المعنى، وما كنت أتوهم أن أحداً يقدر على المبالغة في هذا المعنى، حتى قرأت هذا الكتاب، ورمى به إلي، وقال: هذا كتاب من عمرو بن مسعدة إليه، قال: فقرأته فإذا فيه " كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من قواده وسائر أجناده في الانقياد والطاعة على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، وانقياد كفاة تراخت أعطياتهم، واختلت لذلك أحوالهم، والتائت معه أمورهم " فلما قرأته قال: إن استحساني إياه بعثني على أن أمرت للجند قبله بعطائهم لسبعة أشهر، وأنا على مجازاة الكاتب بما يستحقه من حل محله في صناعته.
стр. 1490
٥٠٨ - (١)
ابن بانة
عمرو بن محمد بن سليمان بن راشد، المعروف بابن بانة، مولى يوسف بن عمر الثقفي؛ أحد المغنين المشهورين المجيدين في طبقة المتقدمين منهم، ذكره أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني " (٢) وقال: كان أبوه صاحب ديوان ووجهاً من وجوه الكتاب، وكان مغنياً مجيداً وشاعراً صالح الشعر، وله كتاب في الأغاني؛ وكانت تياهاً معجباً بنفسه، وهو معدود في ندماء الخلفاء ومغنيهم، على ما كان به من الوضح؛ وتوفي سنة ثماني وسبعين ومائتين بسر من رأى، رحمه الله تعالى؛ وكان خصيصاً بالمتوكل على الله آنساً به، أخذ الغناء عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي وغيره، وله صنعة في الغناء تدل على حذقه، وكان منزله بغداد، ويتردد إلى سر من رأى في الأحيان.
وبانة: بفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون مفتوحة ثم هاء ساكنة، وهو اسم أمه، وهي بانة ابنة روح كاتب سلمة الوصيف، وكان ينسب إليها، وقد تقدم في ترجمة طاهر بن الحسين ذكر بيتين من شعره يهجوه بهما (٣) .
стр. 1491
٥٠٩ - (١)
ابن الموصلايا
أبو سعد العلاء بن الحسن بن وهب بن الموصلايا، الكاتب البغدادي منشئ دار الخلافة، الملقب أمين الدولة؛ كان نصرانياً وأسلم على يد الإمام المقتدي بالله وحسن إسلامه، وله الرسائل الرائقة والأشعار الجيدة (٢) ، وكل منهما مدون.
وكان كثير الفضل، وخدم بديوان الإنشاء للإمام القائم في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. وتوفي بعد أن كف بصره في تاسع عشر جمادى الأولى سنة سبع وتسعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
(١٤٠) وتوفي ابن أخته تاج الرؤساء (٣) أبو نصر هبة الله بن صاحب الخير الحسن ابن علي الكاتب - وكان فاضلاً له معرفة بالأدب والبلاغة والخط الحسن، وكان ذا رسائل جيدة، وهي مدونة أيضاً ومشهورة - في عشية الاثنين حادي عشر جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وأربع مائة ببغداد، ودفن بباب أبرز، وكان مرضه خمسة أيام، وعمره سبعون سنة رحمه الله تعالى. وكان قد أسلم مع خاله المذكور، وكان إسلامهما في سنة أربع وثمانين وأربعمائة.
والموصلايا: بضم الميم وسكون الواو وفتح الصاد المهملة وبعد اللام ألف ياء مثناة من تحتها وبعدها ألف، وهو من أسماء النصارى.
стр. 1492
٥١٠ - (١)
ابن السوادي
أبو الفرج العلاء بن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن عبيد الله الواسطي، المعروف بابن السوادي الواسطي الكاتب الشاعر؛ كان شاعراً فاضلاً ظريفاً خليعاً مطبوعاً من بيت كبير في بلد مشهور بالكتابة والنباهة والتميز، وله شعر حسن فمنه قوله:
أشكو إليك ومن صدودك أشتكي ... وأظن من شغفي بأنك منصفي
وأصد عنك مخافة من إن يرى ... منك الصدود فيشتفي من يشتفي وهو مأخوذ من قول بعضهم:
أخفي هواه عن العذول تجلداً ... كي لا يرى جزعي عليه فيشتفي وكنت قد وقفت على هذا البيت قبل وقوفي على بيتي ابن السوادي، فأعجبني المعني، فنظمته في دوبيت، وهو:
يا غصن نقا قوامه مياد ... أيام رضاك كلها أعياد
ما أكتم حزني عندما تهجرني ... إلا حذرني أن تشمت الحساد وقال عماد الدين الكاتب في كتاب " الخريدة ": أنشدني لنفسه:
يميناً بما ضم المصلى وما حوت ... رحاب منًى إني إليك مشوق وهي ثلاثة أبيات اقتصرت منها على هذا لأنه أحسنها.
وكان أبو القاسم هبة الله بن الفضل المعروف بابن القطان - الآتي ذكره في
стр. 1493
حرف الهاء إن شاء الله تعالى - قد هجا قاضي القضاة الزينبي بقصيدته الكافية التي أولها (١) :
يا أخي الشرط أملك ... لست للثلب أترك وهي طويلة عدد أبياتها مائة وثمانية عشر بيتاً، وتناقلتها الرواة وسارت عنه، فبلغ ذلك الزينبي المذكور، فأحضر ابن الفضل وصفعه وحبسه لمدة ثم أفرج عنه، فاتفق أن حضر ابن السوادي المذكور إلى بغداد من واسط عقيب هذه الواقعة، ومدح الزينبي المذكور بقصيدة، فتأخرت عنه الجائزة، وتردد إلى مجلسه كثيراً فما أجدى عليه، فاجتمع بابن الفضل المذكور وشرح له حاله، وقال: أنا على عزم الانحدار إلى واسط، فإذا وصلت إلى بلدي هجوت الزينبي، وكان للزينبي صاحب يقال له أبو الفتح فكتب إليه ابن الفضل أبياتاً من جملتها (٢) :
يا أبا الفتح الهجاء إذا ... جاش صدرٌ فهو متسع
وقوافي الشعر واثبةٌ ... ولها الشيطان متبع
فاحذروا كافات منحدرٍ ... مالكم في صفعه طمع فاتصلت الأبيات بالزينبي، فأرسل لابن السوادي جائزة وطيب قلبه.
وكانت ولادة ابن السوادي بواسط سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، منتصف شهر ربيع الآخر ليلة الأربعاء. وتوفي سنة ست وخمسين وخمسمائة بواسط (٣) .
والسوادي: بفتح السين المهملة والواو وبعد الألف دال مهملة، هذه النسبة إلى سواد العراق، وإنما قيل له السواد لأن العرب لما رأت خضرة الأشجار قالت: ما هذا السواد فبقي الاسم عليه.
стр. 1494
٥١١ - (١)
القاضي عياض
القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو (٢) بن موسى بن عياض ابن محمد بن موسى بن عياض اليحصبي (٣) السبتي؛ كان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم وصنف التصانيف المفيدة منها " الإكمال في شرح كتاب مسلم " كمل به " المعلم في شرح مسلم " للمازري، ومنها " مشارق الأنوار " وهو كتاب مفيد جداً في تفسير غريب الحديث المختص بالصحاح الثلاثة وهي: الموطأ والبخاري ومسلم، وشرح حديث أم زرع شرحاً مستوفى، وله كتاب سماه " التنبيهات " جمع فيه غرائب وفوائد (٤) ، وبالجملة فكل تواليفه بديعة.
ذكره أبو القاسم بن بشكوال في كتاب " الصلة " (٥) فقال: دخل الأندلس طالباً للعلم، فأخذ بقرطبة عن جماعة، وجمع من الحديث كثيراً، وكان له عناية كبيرة به والاهتمام (٦) بجمعه وتقييده. وهو من أهل التفنن في العلم والذكاء واليقظة
стр. 1495
والفهم، واستقضي ببلده - يعني مدينة سبتة - مدة طويلة حمدت سيرته فيها، ثم نقل عنها إلى قضاء غرناطة، فلم يطل أمده فيها؛ انتهى كلامه.
وللقاضي عياض شعر حسن، فمنه ما رواه عنه ولده أبو عبد الله محمد قاضي دانية قال: أنشدني أبي لنفسه في خامات زرع بينها شقائق النعمان هبت عليه ريح:
انظر إلى الزرع وخاماته ... تحكي وقد ماست أمام الرياح
كتيبةً حمراء (١) مهزومة ... شقائق النعمان فيها جراح الخامة: القصبة الرطبة من الزرع.
وأنشد أيضاً لأبيه:
الله يعلم أني منذ لم أركم ... كطائرٍ خانه ريح الجناحين
فلو قدرت ركبت البحر نحوكم ... لأن بعدكم عني جنى حيني ورأيت لابن العريف رسالة كتبها إليه فأحببت ذكرها، ثم أضربت عنها لطولها.
وذكره العماد في " الخريدة " فقال: كبير الشان، غزير البيان، وذكر له البيتين في الزرع الذي بينه شقائق النعمان، ثم قال بعد ذلك: وله في لزوم ما لا يلزم:
إذا ما نشرت بساط انبساطٍ ... فعنه فديتك فاطو المزاحا
فإن المزاح على ما حكاه ... أولو العلم قبلي عن العلم زاحا ومدحه أبو الحسن ابن هارون المالقي الفقيه المشاور بقوله:
ظلموا عياضاً وهو يحلم عنهم ... والظلم بين العالمين قديم
جعلوا مكان الراء عيناً في اسمه ... كي يكتموه فإنه معلوم
стр. 1496
لولاه ما ناحت أباطح سبتةٍ ... والروض حول فنائها معدوم وذكره ابن الأبار في تسمية أصحاب أبي علي الغساني، فقال (١) : من أهل سبتة، وأصله من بسطة، يكنى أبا الفضل، أحد الأئمة الحفاظ الفقهاء المحدثين الأدباء، وتواليفه وأشعاره شاهدة بذلك، كتب إليه أبو علي في جماعة جلة، ولقي أيضاً آخرين مثلهم، وشيوخه يقاربون (٢) المائة (٣) .
وكان مولد القاضي عياض بمدينة سبتة في النصف من شعبان سنة ست وسبعين وأربعمائة. وتوفي بمراكش يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة، وقيل في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، ودفن بباب إيلان داخل المدينة؛ وتولى القضاء بغرناطة سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.
وتوفي ولده المذكور سنة خمس وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى (٤) .
وعياض: بكسر العين المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف ضاد معجمة.
واليحصبي: بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الحاء المهملة وضم الصاد المهملة وفتحها وكسرها وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى يحصب بن مالك قبيلة من حمير.
وسبتة: مدينة مشهورة بالمغرب، وكذلك غرناطة - بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح النون وبعد الألف طاء مهملة ثم هاء - وهي بالأندلس.
стр. 1497
(١) ٥١٢
عيسى بن عمر الثقفي
أبو عمرو عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري، قيل كان مولى خالد بن الوليد، ﵁، ونزل في ثقيف فنسب إليهم؛ كان صاحب تقعير في كلامه واستعمال للغريب فيه وفي قراءاته، وكانت بينه وبين أبي عمرو بن العلاء صحبة، ولهما مسائل ومجالس [وأخذ القراءة عرضاً عن عبد الله بن أبي إسحاق وروى الحروف عن عبد الله بن كثير وابن محيصن، وسمع الحسن البصري، وله اختيار في القراءة على قياس العربية، وروى القراءات عنه أحمد بن موسى اللؤلؤي وهارون بن موسى النحوي والأصمعي والخليل بن أحمد وسهل بن يوسف وعبيد بن عقيل] (٢) وأخذ سيبويه عنه النحو، وله الكتاب الذي سماه " الجامع " في النحو، ويقال إن سيبويه أخذ هذا الكتاب وبسطه وحشى عليه من كلام الخليل وغيره، ولما كمل بالبحث والتحشية نسب إليه، وهو كتاب سيبويه المشهور، والذي يدل على صحة هذا القول أن سيبويه لما فارق عيسى بن عمر المذكور ولازم الخليل بن أحمد سأله الخليل عن مصنفات عيسى، فقال له سيبويه: صنف نيفاً وسبعين مصنفاً في النحو، وإن بعض أهل اليسار جمعها وأتت عنده عليها آفة فذهبت ولم يبق منها في الوجود سوى كتابين: أحدهما اسمه " الإكمال "، وهو بأرض فارس عند فلان، والآخر " الجامع " وهو هذا الكتاب الذي أشتغل فيه وأسألك عن غوامضه، فأطرق الخليل ساعة ثم رفع رأسه وقال: رحم الله عيسى، وأنشد:
ذهب النحو جميعاً كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر
стр. 1498
ذاك إكمال وهذا جامعٌ ... وهما للناس شمسٌ وقمر فأشار بالإكمال إلى الغائب وبالجامع إلى الحاضر (١) . وكان الخليل قد أخذ عنه أيضاً.
ويقال: إن أبا الأسود الدؤلي لم يضع في النحو إلا باب الفاعل والمفعول فقط، وإن عيسى بن عمر وضع كتاباً على الأكثر وبوبه وهذبه وسمى ما شذ عن الأكثر لغات. وكان يطعن على العرب ويخطئ المشاهير منهم، مثل النابغة في بعض أشعاره وغيره، وروى الأصمعي قال (٢) : قال عيسى بن عمر لأبي عمرو بن العلاء: أنا أفصح من معد بن عدنان، فقال له أبو عمرو: لقد تعديت، فكيف تنشد هذا البيت:
قد كنا يخبأن الوجوه تستراً ... فاليوم حين بدأن للنظار (٣) أو " بدين للنظار " فقال عيسى: بدأن للنظار، فقال له أبو عمرو، أخطأت؛ يقال: بدا يبدو إذا ظهر، وبدا يبدأ إذا شرع في الشيء، والصواب " حين بدون للنظار ". وإنما قصد أبو عمرو تغليطه، لأنه لا يقال في هذا الموضع " بدأن " ولا " بدين " بل " بدون ".
ومن جملة تقعيره في الكلام ما حكاه الجوهري في كتاب " الصحاح " قال (٤) : سقط عيسى بن عمر عن حمار له، فاجتمع عليه الناس، فقال: ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جنة، افرنقعوا عني؛ معناه: ما لكم تجمعتم علي تجمعكم على مجنون، انكشفوا عني.
ورأيت في بعض المجاميع أنه كان به ضيق النفس، فأدركه يوماً وهو في السوق، فوقع ودار الناس حوله يقولون: مصروع مصروع، فبين قارئ ومعوذ من الجان، فلما أفاق من غشيته نظر إلى ازدحامهم فقال هذه المقالة، فقال بعض الحاضرين: إنه جنيه يتكلم (٥) بالهندية (٦) .
стр. 1499
ويروى أن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين كان قد ضربه بالسياط، وهو يقول: والله إن كانت إلا أثياباً في أسيفاط قبضها عشاروك. وله من هذا النوع شيء كثير. وتوفي سنة تسع وأربعين ومائة، رحمه الله تعالى.
وقيل إن الذي ضربه كان يوسف بن عمر أمير العراقين - وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - وكان سبب ضربه إياه أنه لما تولى العراقين بعد خالد بن عبد الله القسري تتبع أصحابه، وكان بعض جلسائه قد أودع عند عيسى بن عمر المذكور وديعةً فنمي الخبر إلى يوسف، فكتب إلى نائبه بالبصرة يأمره بأن يحمل إليه عيسى بن عمر مقيداً، فدعا به ودعا حداداً (١) ، وأمره بتقييده: فلما قيده قال له الوالي: لا بأس عليك، إنما أرادك الأمير لتأديب ولده، قال: فما بال القيد إذاً (٢) فبقيت هذه الكلمة مثلاً بالبصرة، فلما وصل إلى يوسف سأله عن الوديعة فأنكر، فأمر بضربه (٣) ، فلما أخذه السوط جزع فقال هذه المقالة المقدم ذكرها.
٥١٣ - (٤)
الجزولي
أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت بن عيسى بن يوماريلي الجزولي اليزدكتني؛ كان إماماً في علم النحو، كثير الاطلاع على دقائقه وغريبه وشاذه، وصنف في المقدمة التي سماها القانون، ولقد أتى فيها بالعجائب، وهي في غاية
стр. 1500
الإيجاز مع الاشتمال على شيء كثير من النحو، ولم يسبق إلى مثلها، واعتنى بها جماعة من الفضلاء فشرحوها، ومنهم من وضع لها أمثلة، ومع هذا كله فلا تفهم حقيقتها، وأكثر النحاة ممن لم يكن قد أخذوها عن موقف يعترفون بقصور أفهامهم عن إدراك مراده منها، فإنها كلها رموز وإشارات؛ ولقد سمعت من بعض أئمة العربية المشار إليه في وقته وهو يقول: أنا ما أعرف هذه المقدمة، وما يلزم من كوني ما أعرفها أن لا أعرف النحو. وبالجملة فإنه أبدع فيها. وسمعت أن له أمالي في النحو، ولكنها لم تشتهر، ورأيت له مختصر " الفسر " (١) لابن جني في شرح ديوان المتنبي، ويقال: إنه كان يدري شيئاً من المنطق.
ودخل إلى الديار المصرية، وقرأ على الشيخ أبي محمد بن بري المقدم ذكره (٢) ، وقد نقل عنه شيئاً في المقدمة المذكورة، وذكر بعض المتأخرين في تصنيفه أنه كان قد قرأ " الجمل " على ابن بري، وسأله عن مسائل على أبواب الكتاب، فأجابه ابن بري عنها، وجرى فيها بحث بين الطلبة حصلت منه فوائد علقها الجزولي مفردة، فجاءت كالمقدمة فيها كلام غامض وعقود لطيفة وإشارات إلى أصول صناعة النحو غريبة، فنقلها الناس عنه واستفادوها منه. ثم قال هذا المصنف (٣) : وبلغني أنه كان إذا سئل عنها: هل هي من تصنيفك قال: لا، لأنه كان متورعاً، ولما كانت من نتائج خواطر الجماعة عند البحث ومن كلام شيخه ابن بري لم يسعه أن يقول: هي من تصنيفي، وإن كانت منسوبة إليه، لأنه هو الذي انفرد بترتيبها.
ثم رجع الجزولي إلى بلاد المغرب بعد أن حج، وأقام بمدينة بجاية مدة، والناس يشتغلون علي، وانتفع به خلق كثير (٤) ، ورأيت جماعة من أصحابه. وتوفي سنة عشر وستمائة بمدينة مراكش (٥) ، رحمه الله تعالى، هكذا سمعت
стр. 1501
جماعة يذكرون تاريخ وفاته، ثم وقفت على ترجمته، وقد رتبها أبو عبد الله ابن الأبار القضاعي فقال: في سنة ست أو سبع وستمائة مات الجزولي (١) .
ويللبخت: بفتح الياء المثناة من تحتها واللام وسكون اللام الثانية وفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبعدها تاء مثناة من فوقها، وهو اسم بربري.
ويوماريلي: بضم الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وفتح الميم وبعد الألف راء مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها لام ثم ياء، وهو اسم بربري أيضاً.
والجزولي: بضم الجيم والزاي وسكون الواو وبعدها لام، هذه النسبة إلى جزولة، ويقال لها أيضاً كزولة - بالكاف - وهي بطن من البربر.
واليزدكتني: بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وفتح اللام المهملة وسكون الكاف وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها نون، هذه النسبة إلى فخذ من جزولة (٢) .
ورأيت بخطي في مسوداتي أنه تولى الخطابة بجامع مراكش وأن قبيلته كزولة من الرحالة يكونون بصحراء بلاد السوس في المغرب الأقصى، وكان إماماً في القراءات والنحو واللغة، وكان يتصدر في الجامع للاقراء، وأنه شرح مقدمته في مجلد كبير أتى فيه بغرائب وفوائد، وذكر بعض أصحابه أنه حضر عنده ليقرأ عليه قراءة أبي عمرو فقال بعض الحاضرين: أتريد أن تقرأ على الشيخ النحو قال: فقلت: لا، قال: فسألني آخر كذلك، فقلت: لا، فأنشد الشيخ وقال: قل لهم:
لست للنحو جئتكم ... لا ولا فيه أرغب
خل زيداً لشأنه ... أينما شاء يذهب
стр. 1502
أنا ما لي ولامرئ ... أبد الدهر يضرب وكانت وفاته بهسكورة من أعمال مراكش، والله أعلم.
٥١٤ - (١)
الفائز العبيدي
أبو القاسم عيسى الملقب الفائز بن الظافر بن الحافظ بن محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله، وقد تقدم ذكر والده وجماعة من أهل بيته، وكيف قتل نصر بن عباس أباه حسبما شرح هناك، وهذا نصر بن عباس هو الذي قتل العادل بن السلار، وقد رفعت هناك في نسبه (٢) ، فمن أراد معرفته فلينظره هناك.
ولما كان صبيحة ليلة قتل فيها الظافر حضر عباسٌ إلى القصر على جاري عادته في الخدمة، وأظهر عدم الاطلاع على قضيته وطلب الاجتماع به، ولم يكن أهل القصر قد علموا بقتله بعد، فإنه خرج من عندهم في خفية كما ذكر ثم، وما علم أحد بخروجه، فدخل الخدم إلى موضعه ليستأذنوا لعباس فلم يجدوه، فدخلوا إلى قاعة الحرم فقيل: إنه لم يبت ها هنا، وحاصل الأمر أنهم تطلبوه في جميع مظانه في القصر فلم يقفوا له على خبر، فتحققوا عدمه، فأخرج عباس المذكور أخوي الظافر - وهما جبريل ويوسف وهو أبو العاضد المقدم ذكره في جملة من اسمه عبد الله - وقال لهما: أنتما قتلتما إمامنا وما نعرف
стр. 1503
حاله إلا منكما، فأصرا على الإنكار وكانا صادقين في ذلك، فقتلهما في الوقت لينفي عن نفسه وابنه التهمة، ثم استدعى ولده الفائز المذكور وتقدير عمره خمس سنين، وقيل سنتان، فحمله على كتفه ووقف في صحن الدار، وأمر أن يدخل الأمراء، فدخلوا، فقال لهم: هذا ولد مولاكم وقد قتل عماه أباه، وقد قتلتهما كما ترون، والواجب إخلاص الطاعة لهذا الطفل فقالوا بأجمعهم: سمعنا وأطعنا، وصاحوا صيحة واحدة اضطرب منها الطفل وبال على كتف عباس، وسموه الفائز، وسيروه (١) إلى أمه، واختل من تلك الصيحة فصار يصرع في كل وقت ويختلج، وخرج عباس إلى داره ودبر لأمور وانفرد بالتصرف ولم يبق على يده يد.
وأما أهل القصر فإنهم اطلعوا على باطن الأمر، وأخذوا (٢) في إعمال الحيلة في قتل عباس وابنه نصر، وكاتبوا الصالح بن رزيك الأرمني - المذكور في حرف الطاء (٣) - وكان إذ ذاك والي منية بن خصيب بالصعيد، وسألوه الانتصار لهم ولمولاه والخروج على عباس، وقطعوا شعورهم وسيروها طي (٤) الكتاب وسودوا الكتاب، فلما وقف الصالح عليه أطلع من حوله من الأجناد عليه وتحدث معهم في المعنى، فأجأبوا إلى الخروج معه، واستمال جمعاً من العرب، وساروا قاصدين القاهرة وقد لبسوا السواد، فلما قاربوها خرج إليهم جميع من بها من الأمراء والأجناد والسودان، وتركوا عباساً وحده، فخرج عباس في ساعته من القاهرة هارباً ومعه شيء من ماله، وخرج معه ولده نصر قاتل الظافر، وأسامة بن منقذ - المذكور في حرف الهمزة (٥) - فقد قيل: إنه الذي أشار عليهما بقتل الظافر وشرح ذلك يطول وقد تقدم في ترجمة العادل بن السلار ذكره أيضاً وأنه الذي أشار بقتله، والله العالم بالخفيات. وكان معهم جماعة يسيرة من أتباعهم، وقصدوا طريق الشام على أيلة، وذلك في رابع عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
стр. 1504
وأما الصالح بن رزيك فإنه دخل القاهرة بغير قتال، وما قدم شيئاً على النزول بدار عباس المعروفة بدار المأمون ابن البطائحي وهي اليوم مدرسة للطائفة الحنفية، وتعرف بالسيوفية، واستحضر الخادم الصغير الذي كان (١) مع الظافر ساعة قتله، وسأله عن الموضع الذي دفن فيه، فعرفه به، وقلع البلاطة التي كانت (٢) عليه، وأخرج الظافر ومن معه من المقتولين وحملوا، وقطعت لهم الشعور وانتشر البكاء والنياح في البلد، ومشى الصالح والخلق قدام الجنازة إلى موضع الدفن، وهو في تربة آبائه، وهي معروفة في قصرهم. وتكفل الصالح بالصغير ودبر أحواله.
وأما عباس ومن معه فإن أخت الظافر كاتبت فرنج عسقلان بسببه وشرطت لهم مالاً جزيلاً بسببه إذا أمسكوه، فخرجوا عليه وصادفوه، فتواقعوا وقتلوا عباساً وأخذوا ماله وولده وانهزم بعض أصحابه إلى الشام، وفيهم ابن منقذ، فسلموا، وسيرت (٣) الفرنج نصر بن عباس إلى القاهرة تحت الحوطة في قفص حديد (٤) ، فلما وصل تسلم رسولهم ما شرطوا لهم من المال، فأخذوا نصراً المذكور وضربوه بالسياط ومثلوا به، وصلبوه بعد ذلك على باب زويلة، ثم أنزلوه يوم عاشوراء من سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ثم أحرقوه، هذه خلاصة الواقعة وإن كان فيها طول.
وكان دخول نصر بن عباس إلى القصر بالقاهرة في السابع والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة خمسين وخمسمائة، وأخرج من القصر يوم الاثنين سادس عشر شهر ربيع الآخر من السنة، وكان قد قطعت يده اليمنى وقرض جسمه بالمقاريض، والله أعلم، وقيل كان ذلك يوم الجمعة ثامن الشهر المذكور.
ولم تطل مدة الفائز في ولايته، وكانت ولادته يوم الجمعة لتسع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة وتولى في تاريخ وفاة والده - وهو مذكور في
стр. 1505
ترجمته في حرف الهمزة (١) ، واسمه إسماعيل - وتوفي ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وتولى بعده العاضد - وقد سبق ذكره (٢) - وهو آخرهم.
٥١٥ - (٣)
الملك المعظم ابن العادل
الملك المعظم شرف الدين عيسى، ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق؛ كان عالي الهمة حازماً شجاعاً مهيباً فاضلاً جامعاً شمل أرباب الفضائل محباً لهم، وكان حنفي المذهب متعصباً لمذهبه وله فيه مشاركة حسنة، ولم يكن في بني أيوب حنفي سواه، وتبعه أولاده، وكان قد حج إلى بيت الله الحرام في سنة إحدى عشرة وستمائة، سار من الكرك على الهجن في حادي عشر ذي القعدة في جماعة من خواصه، وسلك طريق العلا وتبوك، وفي هذه السنة أخذ المعظم صرخد من ابن قراجا وأعطاها مملوكه عز الدين أيبك المعروف بصاحب صرخد، ولم يزل بها إلى أن أخذها منه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل في سنة أربع وأربعين وستمائة، وحمله إلى القاهرة واعتقله بدار الطواشي صواب.
وكان المعظم يحب الأدب كثيراً ومدحه جماعة من الشعراء المجيدين فأحسنوا في مدحه، وكانت له رغبة في فن الأدب، وسمعت أشعاراً منسوبة إليه ولم
стр. 1506
أستثبتها فلم أثبت شيئاً منها. وقيل إنه كان قد شرط لكل من يحفظ " المفصل " للزمخشري مائة دينار وخلعة، فحفظه لهذا السبب جماعة، ورأيت بعضهم بدمشق، والناس يقولون: إن سبب حفظهم له كان هذا، وقيل إنه لما توفي كان قد انتهى بعضهم إلى أواخره وبعضهم في أثنائه وهم على قدر أوقات شروعهم فيه، ولم أسمع بمثل هذه المنقبة لغيره.
وكانت مملكته متسعة من حدود بلد حمص إلى العريش يدخل في ذلك بلاد الساحل الإسلاميه منها وبلاد الغور وفلسطين والقدس والكرك والشوبك وصرخد وغير ذلك.
وكانت ولادته في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وذكر أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في تاريخه " مرآة الزمان " (١) أن المعظم ولد في سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة، وولد أخوه الأشرف موسى قبله بليلة واحدة. وتوفي المعظم يوم الجمعة مستهل ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة، والله أعلم بالصواب. وقال غيره: بل توفي يوم الجمعة ثامن ساعة من نهار سلخ ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة بدمشق، ودفن بقلعتها ثم نقل إلى جبل الصالحية، ودفن في مدرسة هناك بها قبور جماعة من إخوته وأهل بيته تعرف بالمعظمية، وكان نقله ليلة الثلاثاء مستهل المحرم سنة سبع وعشرين.
وكان كثيراً ما ينشد:
ومورد الوجنات أغيد خاله ... بالحسن من فرط الملاحة عمه
كحل الجفون وكان في ألحاظه ... كحل فقلت سقى الحسام وسمه وهذا ينظر إلى قول عبد الجبار بن حمديس الصقلي - المقدم ذكره (٢) :
زادت على كحل الجفون تكحلا ... ويسمٌ نصل السيف وهو قتول رحمه الله تعالى، فلقد كان من النجباء الأذكياء؛ أخبرني جماعة عن شرف
стр. 1507
الدين بن عنين بأمور كانت تجري بينهما تدل على حسن الإدراك وإصابة المقصد، منها: أنه كان ابن عنين قد مرض فكتب إليه (١) :
انظر إلي بعين مولىً لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي أحتاج ما تحتاجه ... فاغنم ثوابي والثناء الوافي فجاء بنفسه إليه يعوده ومعه صرة فيها ثلثمائة دينار، فقال: هذه الصلة وأنا العائد، وهذه لو وقعت لأكابر النحاة ومن هو في ممارسته طول عمره لاستعظم منه، لا سيما مثل هذا الملك، وأشياء كثيرة غير هذه يطول شرحها وكان المقصود ذكر أنموذج منها ليستدل بها على الباقي.
(١٤١) وتولى موضعه: ولده الملك الناصر صلاح الدين داود، وتوفي في السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة، في قرية يقال لها البويضاء على باب دمشق، ودفن عند والده. وكانت ولادته يوم السبت، سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وستمائة بدمشق.
(١٤٢) وتوفي عز الدين أيبك صاحب صرخد المذكور في أوائل جمادى الأولى من سنة ست وأربعين وستمائة في موضع اعتقاله بالقاهرة. ودفن خارج باب النصر في تربة شمس الدولة، وحضرت الصلاة عليه ودفنه. ثم نقل إلى تربته في مدرسته التي أنشأها ظاهر دمشق على الشرف الأعلى مطلة على الميدان الأخضر الكبير.
стр. 1508
٥١٦ - (١)
الفقيه عيسى الهكاري
الفقيه أبو محمد عيسى بن محمد بن عيسى بن محمد بن أحمد بن يوسف بن القاسم ابن عيسى بن محمد بن القاسم بن محمد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵁، هكذا أملى علي نسبه ولد ولد أخيه، ويقال له الهكاري، الملقب ضياء الدين.
كان أحد الأمراء بالدولة الصلاحية، كبير القدر وافر الحرمة معولاً عليه في الآراء والمشورات (٢) . وكان في مبدأ أمره يشتغل في الفقه بالمدرسة الزجاجية بمدينة حلب، فاتصل بالأمير أسد الدين شيركوه، عم السلطان صلاح الدين - المقدم ذكره (٣) - وصار إمامه يصلي به الفرائض الخمس. ولما توجه أسد الدين إلى الديار المصرية، وتولى الوزارة - كما سبق شرحه - كان في صحبته.
ولما توفي أسد الدين اتفق الفقيه عيسى المذكور والطواشي بهاء الدين قراقوش - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - على ترتيب السلطان صلاح الدين موضعه في الوزارة، ودققا الحيلة في ذلك حتى بلغا المقصود، وشرح ذلك يطول؛ فلما تولى صلاح الدين رأى له ذلك واعتمد عليه، ولم يكن يخرج عن رأيه، وكان كثير الإدلال عليه، يخاطبه بما لا يقدر عليه غيره من الكلام، وكان واسطة خير للناس نفع بجاهه خلقاً كثيراً.
ولم يزل على مكانته وتوفر حرمته إلى أن توفي في يوم الثلاثاء عند طلوع الشمس، التاسع من ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة بالمخيم بمنزلة الخروبة، ثم نقل إلى القدس ودفن بظاهرها، رحمه الله تعالى.
стр. 1509
وكان يلبس زي الأجناد ويعتم بعمائم الفقهاء، فيجمع بين اللباسين. ورأيت أخاه الأمير مجد الدين أبا حفص عمر أيضاً على هذه الصفة.
والخروبة: بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء وضمها وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وبعدها هاء ساكنة، موضع بالقرب من عكا.
(١٤٣) وكانت ولادة أخيه مجد الدين عمر في رجب سنة ستين وخمسمائة. وتوفي في الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة ست وثلاثين وستمائة بالقاهرة ودفن بسفح المقطم، وحضرت الصلاة عليه، عليه رحمة الله.
٥١٧ - (١)
فخر الدين صاحب تكريت
أبو المنصور عيسى بن مودود بن علي بن عبد الملك بن شعيب، الملقب فخر الدين صاحب تكريت؛ هو من أتراك الشام، وكانت فيه فضائل، وله ديوان شعر حسن ورسائل مطبوعة ودوبيت رقيق، فمن شعره قوله:
وما ذات طوق في فروع أراكةٍ ... لها رنةٌ تحت الدجى وصدوح
ترامت بها أيدي النوى وتمكنت ... بها فرقة من أهلها ونزوح
فحلت بزوراء العراق وزغبها ... بعسفان ثاوٍ منهم وطليح
تحن إليهم كلما ذر شارق ... وتسجع في جنح الدجى وتنوح
إذا ذكرتهم هيجت ذا بلابل ... وكادت بمكتوم الغرام تبوح
بأبرح من وجد لذكراكم متى ... تألق برق أو تنسم ريح ومن رسائله على هذا الأسلوب قوله: " ما شوارد أنعام بسباسب فلوات،
стр. 1510
لم يسمها أخمص دارج، ولم يلج فيها جان من مارج، منحتها أنفاس الهجير، لوافح زفرات السعير، فارجحنت من الأين، وراهقت مداناة الحين، فأتت العمق، بعد ثلاثٍ تستبق، وقد أدنفها اللغوب، وكادت أن تعلق بها شعوب، فألفت الماء أزرق سلسالا يعثر بصفحاته النسيم، وتعطفه ذوائب التسنيم، غير أن لا سبيل لها إلى مقراته، ولا وصول إلى موارده ونهلاته:
ترنو إليه خوازراً بعيونها ... إذ حاولت مضض الجواد عظيما (١)
بأشد من ظمئي إلى لقياكم ... من حيث آنس قلبي التسليما فالرغبة والابتهال إلى فارض الفرض، ورب السكون والنبض، أن يحقق الأماني، ويبدل النائي بالداني، إنه سميع الدعاء ".
ومن دوبيتياته:
القبض لديك في الهوى والبسط ... يا من أملي عذراه المختط
قالوا رشأ فقلت مه لا تخطوا ... من أين لساكن الفيافي قرط وله في النظم والنثر شيء كثير ولطيف.
ومولده بمدينة حماه، وقتله إخوته سنة أربع وثمانين وخمسمائة بقلعة تكريت، رحمه الله تعالى. وكان له أخ اسمه الياس، وهو الذي سلم تكريت إلى الإمام الناصر في شوال سنة خمس وثمانين وخمسمائة - وسيأتي في ترجمة مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل أن تكريت كانت لأبيه زين الدين - وكان له غلام من أهل حمص اسمه " تبر " ويقال " طبر " أيضاً - بالتاء والطاء - فولاه قلعة العماديه وكانت أيضاً له، ثم نقله إلى قلعة تكريت، فلما كبر زين الدين وعزم على الانتقال إلى إربل كما شرحته في ترجمة ولده مظفر الدين سلم البلاد التي كانت له إلى قطب الدين، فعصى تبر في تكريت وسير إلى قطب الدين مودود صاحب الموصل يقول له: أنت ما تقيم بتكريت، ولابد لك فيها من