يا أحمد مازلت عماداً للدين ... يا أشجع من أمسك رمحاً بيمين
لا تأس (١) إذا حصلت (٢) في سجنهم ... ها يوسف قد أقام في السجن سنين وهذا مأخوذ من قول البحتري من جملة أبيات (٣) :
أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوساً على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهة (٤) ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك وكانت ولادة الأمير عماد الدين في سنة خمس وسبعين وخمسمائة (٥) تقديراً.
ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن الأمير سيف الدين أبا الحسن علي ابن أحمد الهكاري المعروف بالمشطوب كتب إلى الملك الناصر صلاح الدين يخبره بولادة ولده عماد الدين أبي العباس أحمد، وأن عنده امرأة أخرى حاملاً، فكتب القاضي الفاضل جوابه " وصل كتاب الأمير دالاً على الخبر بالولدين، الحال على التوفيق، والسائر كتب الله سلامته في الطريق، فسررنا بالغرة الطالعة من لثامها، وتوقعنا المسرة بالثمرة الباقية في أكمامها.
(٨) وأما والده سيف الدين المشطوب فإن السلطان صلاح الدين كان قد رتبه في عكا لما خاف عليها من الفرنج، هو بهاء الدين قراقوش - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - ولم يزل بها حتى حاصرها الفرنج بها وأخذوها. ولما خلص منها وصل إلى السلطان وهو بالقدس، يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. قال ابن شداد (٦) : دخل على السلطان بغته، وعنده أخوه الملك العادل، فنهض إليه واعتنقه، وسر به سروراً عظيماً، وأخلى المكان وتحث معه طويلاً.
стр. 177
وكانت وفاة سيف الدين يوم الخميس السادس والعشرين من شوال (١) سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بنابلس، رحمه الله تعالى؛ هكذا ذكره العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب البرق الشامي. وقال بهاء الدين بن شداد في كتابه سيرة صلاح الدين إنه نزفي يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال من السنة المذكورة بالقدس الشريف، ودفن في داره بعد أن صلي عليه بالمسجد الأقصى.
ولم يكن في أمراء الدولة الصلاحية أحد يضاهيه ولا يدانيه في المنزلة وعلو المرتبة، وكانوا يسمونه الأمير الكبير، وكان ذلك علماً عليه عندهم لا يشاركه فيه غيره، ورأيت بخط القاضي الفاضل " ورد الخبر بوفاة الأمير سيف الدين المشطوب، أمير الأكراد وكبيرهم. وكانت وفاته يوم الأحد الثاني والعشرين من شوال من السنة المذكورة بالقدس، وخبزه يوم وفاته بنابلس وغيرها ثلثمائة ألف دينار، وكان بين خلاصه من أسره وحضور أجله دون مائة يوم. فسبحان الحي الذي لا يموت، وتهدم به بنيان قوم، والدهر قاض ما عليه لوم ".
قلت: وقوله " وتهدم به بنيان قوم " هذا الكلام حل فيه بيت الحماسة وهو (٢) :
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما وهذا البيت من جملة مرثية عبدة بن الطبيب التي رثى بها قيس بن عاصم التميمي الذي قدم من البادية على النبي ﷺ في وقد بني تميم في سنة تسع للهجرة، وأسلم، وقال النبي ﷺ في حقه: هذا سيد أهل الوبر، وكان عاقلاً مشهوراً بالحلم والسودد، وهذا البيت لأهل العربية في إعرابه كلام ليس هذا موضع ذكره، وقد ذكره أبو تمام الطائي في باب المراثي من جملة ثلاثة أبيات، وهي:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
стр. 178
تحية من غادرته غرض الردى ... إذا زار عن شحط بلادك سلما
فما كان قيس هُلكُه هلك واحد ... ولكنه بنيان قومٍ تهدما وهذا قيس أول من وأد البنات في الجاهلية للغيرة والأنفة من النكاح، وتبعه الناس في ذلك إلى أن أبطله الإسلام.
(٩) وأما الأمير بدر الدين لؤلؤ المذكور، فإنه توفي يوم الجمعة ثالث شعبان سنة سبع وخمسين وستمائة بقلعة الموصل، ودفن بها في مشهد هناك، وعمره مقدار ثمانين سنة، رحمه الله تعالى.
٧٦ - (١)
صلاح الدين الإربلي
أبو العباس أحمد بن عبد السيد بن شعبان بن محمد بن جابر بن قحطان الإربلي الملقب صلاح الدين، وهو من بيت كبير بإربل؛ وكان حاجباً عن الملك المعظم مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، فتغير عليه واعتقله مدة، فلما أفرج عنه خرج منها قاصداً بلاد الشام في سنة ثلاث وستمائة (٢) صحبة الملك القاهر بهاء الدين أيوب ابن الملك العادل، فاتصل بخدمة الملك المغيث ابن الملك العادل، وكان قد عرفه من إربل، وحسنت حاله عنده، فلما توفي المغيث انتقل الصلاح إلأى الديار المصرية، وخدم الملك الكامل، فعظمت منزلته عنده، ووصل منه إلى ما لم يصل إليه غيره، واختص به في خلواته وجعله أميراً.
وكان الصلاح ذا فضيلة تامة ومشاركات حسنة. بلغني أنه كان يحفظ
стр. 179
" الخلاصة " في الفقه للإمام الغزالي، وله نظم حسن ودوبيت رائق، وبه تقدم عند الملوك.
ثم إن الملك الكامل تغير عليه واعتقله في المحرم سنة ثماني عشرة وستمائة وهو بالمنصورة في قبالة الفرنج، ويره إلى قلعة القاهرة، ولم يزل في الاعتقال مضيقا عليه على هذه الحال إلى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فعمل الصلاح دوبيت وأملاه على بعض القيان، فغناه عند الملك الكامل، فاستحسنه وسأله: لمن هذا فقال: للصلاح، فأمر بالإفراج عنه، والدوبيت المذكور:
ما أمر تجنيك على الصب خفي ... أفنيت زماني بالأسى والأسف
ماذا غضب بقدر ذنبي ولقد ... بالغت وما أردت إلا تلفي وقيل: إن الدوبيت الذي كان سبب خلاصه قوله:
اصنع ما شئت أنت أنت المحبوب ... ما لي ذنب، بلى كما قلت ذنوب
هل تسمح بالوصال في ليلتنا ... تجلو صدأ القلب وتعفو وأتوب فلما خرج عادت مكانته عنده إلى أحسن مما كانت عليه.
وكان الملك الكامل قد تغير على بعض إخوته - وهو الملك الفائز سابق الدين إبراهيم ابن الملك العادل - فدخل على الصلاح وسأله أن يصلح أمره مع أخيه الملك الكامل، فكتب الصلاح إليه (١) :
من شرط صاحب مصر أن يكون كما ... قد كان يوسف في الحسنى لإخوته
أسوا فقابلهم بالعفو، وافتقروا ... فبرهم، وتولاهم برحمته وعند وصول الأنبرور (٢) صاحب صقلية إلى ساحل الشام في سنة ست
стр. 180
وعشرين وستمائة بعث الملك الكامل الصلاح إليه رسولاً، فلما قرر القواعد واستحلفه كتب إلى الملك الكامل:
زعم الزعيم (١) الأنبرور بأنه ... سلم يدوم لنا على أقواله
شرب اليمين فإن تعرض ناكثاً ... فليأكلن لذاك لحم شماله ومن شعره أيضاً:
وإذا رأيت بنيك فاعلم أنهم ... قطعوا إليك مسافة الآجال
وصل البنون إلى محل أبيهم ... وتجهز الآباء للترحال وأنشدني بعض أصحابنا له:
يوم القيامة فيه ما سمعت به ... من كل هول فكن منه على حذر
يكفيك من هوله أن لست تبلغه ... إلا إذا ذقت طعم الموت في السفر وكتب إليه شرف الدين ابن عنين الشاعر الدمشقي كتابناً من دمشق إلى الديار المصرية، قال لي صاحبنا عفيف الدين أبو الحسن علي بن عدلان النحوي المترجم الموصلي: إن هذا الكتاب كان على يده، وتضمن الوصية عليه، وفي أوله:
أبثك ما لقيت من الليالي ... فقد قصت نوائبها جناحي
وكيف يفيق من عنت الرزايا ... مريض ما يرى وجه الصلاح وللصلاح المذكور ديوان شعر وديوان دوبيت، وما زال وافر الحرمة عالي المنزلة عنده وعند الملوك. فلما قصد الملك الكامل بلاد الروم وهو في الخدمة
стр. 181
مرض في المعسكر بالقرب من السويداء، فحمل إلى الرها، فمات قبل دخولها في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة ودفن بظاهرها، وقيل: مات يوم السبت العشرين من ذي الحجة ودفن بظاهر الرها بمقبرة باب حران، ثم نقله ولده من هناك إلى الديار المصرية، فدفنه في تربة هناك بالقرافة الصغرى في آخر شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة (١) ، وكنت يومئذ بالقاهرة.
وكان تقدير عمره يوم وفاته ستين سنة، رحمه الله تعالى؛ ثم وقفت على تاريخ مولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بإربل.
والإربلي - بكسر الهمزة وسكون الراء وكسر الباء الموحدة وبعدها لام - هذه النسبة إلى إربل، وهي مدينة كبيرة بالقرب من الموصل، من جهتها الشرقية.
٧٧ - (٢)
ابن عبد الحميد الجرجاني
أبو العباس أحمد بن أبي نصر الخصيب بن عبد الحميد بن الضحاك الجرجاني الأصل؛ كل وزير المستنصر بالله، ونفاه المستعين إلى جزيرة أقريطش بجريرة صدرت منه سنة ٤٨ وكان ينسب إلى الطيش والتهور، وله في ذلك أخبار؛ وكان قد ركب يوماً فوقف له متظلم وشكا حاله فأخرج رجله من الركاب وزج المتكلم في فؤاده فقتله، فتحدث الناس بذلك فقال بعض الشعراء في ذلك الزمان هذين البيتين:
قل للخليفة يابن عم محمد ... أشكل وزيرك إنه ركال
أشكله عن ركل الرجال وإن ترد ... مالاً فعند وزيرك الأموال
стр. 182
يقال: ركله إذا رفسه، وأبوه الخصيب ممدوح أبي نواس الحكي، كان سبب توليته أن الرشيد قرأ يوماً في المصحف فانتهى إلى قوله تعالى: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتي، الآية فقال: لعنه الله ما كان أرقعه، ادعى الربوبية بملك مصر، والله لأولينها أخس خدمي، فولاها الخصيب وكان على وضوئه. ولأبي نواس فيه قصيدتاه الرائيتان وكان قد قصده بهما إلى مصر وهو أميرها، وما أحسن قوله في إحداهما:
تقول التي من بيتها خف مركبي ... عزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى من جريهن عبير
دعيني أكثر حاسديك برحلةٍ ... إلى بلدٍ فيه الخصيب أمير (١) وهي طويلة وأجازه عليها جائزة سنية.
وكانت وفاة أحمد المذكور سنة ٢٦٥ وكان نفيه إلى أقريطش في سنة٢٤٨. وأقريطش جزيرة ببلاد المغرب (٢) خرج منها جماعة من العلماء وأخذها الفرنج سنة٣٥٠.
٧٨ - (٣)
عزيز الدين المستوفي
أبو نصر أحمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن أله الأصبهاني الملقب عزيز الدين المستوفي عم العماد الكاتب الأصبهاني،
стр. 183
وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
كان العزيز المذكور رئيسا كبير القدر، ولي المناصب العلية في الدولة السلجوقية، ولم يزل مقدماً فيها، قصده بنو الحاجات، ومدحه الشعراء، وأحسن جوائزهم. وفيه يقول أبو محمد الحسن بن أحمد بن جكينا البغدادي الشاعر المشهور من جملة قصيدة:
أميلوا (١) بنا نحو العراق ركابكم ... لنكتال من مال العزيز بصاعه وللقاضي أبي بكر أحمد بن محمد الأرجاني المقدم ذكره فيه مدائح، والأبيات البائية المذكورة في ترجمته هي من جملة قصيدة طويلة يمدح بها عزيز الدين المذكور، وكان ابن أخيه العماد يفتخر به كثيراً، وقد ذكره في أكثر تواليفه (٢) ، وكان في آخر أمره متولي الخزانة للسلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي.
وكان السلطان محمود المذكور زوج بنت عمه السلطان سنجر بن ملكشاه، فماتت عنده فطالبه عمه بما خرج معها في جهازها من أنواع التحف والغرائب التي لا توجد في خزائن الملوك، فجحدها محمود، وخاف من عزيز الدين ان يشهد بما وصل صحبتها لأنه كان مطلعاً عليه من جهة الخزانة، فقبض عليه وسيرة إلى قلعة تكريت، وكانت القلعة له إذ ذاك، فحبسه بها ثم قتله بعد ذلك في أوائل سنة خمس وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
وذكر ابن أخيه العماد الكاتب في كتاب " الخريدة " أن مولده بأصبهان سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، وقتله سنة ست وعشرين وخمسمائة بتكريت، وكان قبضه ببغداد، وذكر العماد الكاتب أنه لما قتل كان الميران نجم الدين أيوب أبو السلطان صلاح الدين واخوه أسد الدين شيركو في القلعة المذكورة متوليي أمورها وأنهما دافعا عنه فما أجدى الدفاع.
стр. 184
وأله - بفتح الهمزة وضم اللام وسكون الهاء - لفظة عجمية معناها بالعربية العقاب، وق تقدم الكلام في ضبط اصبهان فلا حاجة إلى الإعادة.
٧٩ - (١)
أبو العباس القسطلاني
الشيخ أبو العباس أحمد بن علي القسطلاني صحب الشيخ أبا عبد الله القرشي وانتفع به وتمت عليه بركته وروى عنه وجمع جميع كلامه وما كان يصدر عنه في مجلد كبير ووقفت عليه ونقلت منه ما مثاله: قال أبو العباس أحمد بن علي القسطلاني ﵀ في ذي الحجة سنة عشر وستمائة سمعت الشيخ أبا عبد الله القرشي يقول: كنت عند الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن طريف حاضراً فأتى ليه إنسان فسأله: هل يجوز للإنسان أن يعقد على نفسه عقداً لا يحله إلا بنيل مطلوبه فقال الشيخ: نعم، واستدل بحديث أبي لبابة الأنصاري في قصة بني النضير، وقوله ﷺ : أما أنه لو أتاني لاستغفرت له ولكن إذا فعل ذلك بنفسه، فدعوه حتى يحكم الله فيه؛ قال: فسمعت هذه المسألة وعقدت على نفسي أنني لا أتناول شيئا إلا بإظهار قدره فمكثت ثلاثة أيام وكنت إذ ذاك أعمل في الحانوت صناعتي، فبينا أنا جالس على الكرسي إذ ظهر لي شخص بيده شيء في إناء فقال لي: اصبر إلى العشاء تأكل من هذا، ثم غاب عني، فبينا أنا في وردي بين العشاءين إذ انشق الجدار وظهرت لي حوراء بيدها ذلك الإناء الذي كان بيد ذلك الشخص فيه شيء يشبه العسل، فتقدمت إلي وألعقتني منه ثلاثا فصعقت وغشي علي ثم أفقت وقد ذهبت فلم يطب لي بعد ذلك طعام، وأشربت في قلبي تلك الصورة فما استحسنت بعدها شخصا ولا كنت أتمكن من سماع كلام الخلق.
стр. 185
٨٠ - (١)
أرتق
أرتق بن اكسب جد الملوك الأرتقية؛ هو رجل من التركمان تغلب على حلوان والجبل ثم سار إلى الشام مفارقا لفخر الدولة أبي نصر محمد بن جهير خائفا من السلطان محمد بن ملكشاه، وذلك في سنة ثمان أوتسع واربعين وأربعمائة، وملك القدس من جهة تاج الدولة تتش السلجوقي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، ولما توفي أرتق في التاريخ المذكور فيه تولاه بعده ولداه سكمان وإبلغازي ابنا أرتق، ولم يزالا به حتى قصدهما الأفضل شاهنشاه (٢) أمير الجيوش الآتي ذكره إن شاء الله تعالى من مصر بالعساكر، واخذه (٣) منهما في شوال سنة إحدى وتسعين وأربعمائة (٤) ، وتوجها إلى بلاد الجزيرة الفراتية وملكا ديار بكر. وصاحب قلعة ماردين الآن من أولاده، وملك ولده نجم الدين إيلغازي مدينة ماردين سنة إحدى وخمسمائة، وكان ولاه السلطان محمد شحنكية بغداد، وتوفي سكمان بن أرتق بعلة الخوانيق في طريق الفرات بين طرابلس والقدس، سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
وكان أرتق رجلا شهما ذا عزمة (٥) وسعادة وجد واجتهاد. وتوفي سنة أربع وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
وهو بضم الهمزة وسكون الراء وضم التاء المثناة من فوقها وبعدها قاف.
وأكسب: بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح السين المهملة وبعدها باء موحدة. وقيل: هو أكسك - بالكاف بد الباء - والله أعلم.
стр. 186
٨١ - (١)
أرسلان البساسيري
أبو الحارث أرسلان بن عبد الله البساسيري التركي مقدم الأترك ببغداد، يقال: إنه كان مملوك بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه، والله أعلم؛ وهو الذي خرج على الإمام القائم بأمر الله ببغداد، وكان قد قدمه على جميع التراك، وقلده الأمور بأسرها، وخطب له على منابر العراق وخوزستان فعظم أمرهوهابته الملوك، ثم خرج على الإمام القائم وأخرجه من بغداد، وخطب للمستنصر العبيدي صاحب مصر، فراح الإمام القائم إلى أمير العرب محيي الدين أبي الحارث مهارش بن المجلي العقيلي صاحب الحديثة وعانة فآواه وقام بجميع ما يحتاج إليه مدة سنة كاملة حتى جاء طغرلبك السلجوقي المذكور بعد هذا وقاتل البساسيري المذكور وقتله وعاد القائم إلى بغداد، وكان دخوله إليها في مثل اليوم الذي خرج منها بعد حول كامل، وكان ذلك من غرائب الاتفاق وقصته مشهورة، وقتله عسكر السلطان طغرلبك السلجوقي ببغداد يوم الخميس خامس عشر ذي الحجة، وقال ابن العظيمي: يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة وطيف برأسه في بغداد وصلب قبالة باب النوبي.
والبساسيري - بفتح الباء الموحدة والسين المهملة وبعد اللف سين مهملة مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها راء - هذه النسبة إلى بلدة بفارس يقال لها بسا، والعربية فسا، والنسبة إلها بالعربي فسوي (٢) ، ومنها
стр. 187
الشيخ أبو علي الفارسي النحوي صاحب الإيضاح، ويقال له فسوي أيضا، وأهل فارس يقولون في النسبة إليها: البساسيري، وهي نسبة شاذة على خلاف الأصل، وكان سيد أرسلان المذكور من بسافنسب المملوك إليه، واشتهر بالبساسيري، هكذا ذكره السمعاني (١) نقلاً عن الديب أبي العباس احمد بن علي ابن بابه القاشي (٢) ، وفي هذه اللفظة زيادة ليست في الأصل.
ومات الأمير مهارش بن المجلس في صفر سنة تسع وتسعين وأربعمائة وقد ناهز ثمانين سنة، وهو مهارش بن المجلي بن عليث بن قبان بن شعب بن المقلد بن جعفر بن عمرو بن المهنا، وبقية نسبة ستأتي في ترجمة المقلد بن المسبب، إن شاء الله تعالى.
٨٢ - (٣)
الملك العادل أتابك
أبو الحارث أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر صاحب الموصل المعروف بأتابك الملقب الملك العادل نور الدين، وسيأتي ذكر جماعة من أهل بيته إن شاء الله تعالى، كل واحد في حرفة.
ملك نور الدين المذكور الموصل بعد وفاة أبيه في التاريخ المذكور هناك، وكان ملكا شهما عارفا بالأمور، وانتقل إلى مذهب الشافعي ﵁، ولم يكن في بيته شافعي سواه، وبنى مدرسة الشافعية بالموصل قل أن توجد مدرسة في حسنها.
وتوفي ليلة الأحد التاسع والعشرين من رجيب سنة سبع وستمائة (٤) في شبارة
стр. 188
بالشط ظاهر الموصل - والشبارة عندهم هي الحراقة بمصر - وكتم موته حتى دخل به إلى دار السلطنة بالموصل. ودفن في تربته التي بمدرسته المذكورة، رحمه الله تعالى.
وخلف ولدين هما الملك القاهر عز الدين مسعود، والملك المنصور عماد الدين زنكي. وهما مذكوران في ترجمة جدهما عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي فليطلب منه إن شاء الله تعالى، وقام بالمملكة بعده ولده الملك القاهر كما هومشروح هناك، وهو أستاذ الأمير بدر الدين أبي الفضائل لؤلؤ الذي تغلب على الموصل وملكها في سنة ثلاثين وستمائة في أواخر شهر رمضان، وكان قبل نائبا بها ثم استقل. وهو المذكور في ترجمة عماد الدين بن المشطوب.
٨٣ - (١)
أزهر السمان
أبو بكر أزهر بن سعد (٢) السمان الباهلي بالولاء البصري؛ روى الحديث عن حميد الطويل، وروى عنه أهل العراق، كان يصحب أبا جعفر المنصور قبل أن يلي الخلافة، فلما وليها جاءه أزهر مهنئا، فحجبه المنصور فترصد له (٣) يوم جلوسه العام وسلم عليه، فقال له المنصور: ما جاء بك قال: جئت مهنئا بالأمر، فقال المنصور: أعطوه ألف دينار، وقولو له: قد قضيت وظيفة الهناء، فلا تعد إلي، فمضى وعاد في قابل، فحجبه فدخل عليه في مثل ذلك المجلس وسلم عليه، فقال له: ما جاء بك فقال له: سمعت أنك مرضت فجئتك عائدا، فقال: أعطوه ألف دينار وقولوا له: قد قضيت وظيفة العيادة
стр. 189
فلا تعد إلي، فإني قليل الأمراض. فمضى وعاد في قابل، فقال له في مثل ذلك المجلس: ما جاء بك فقال: سمعت منك دعاء مستجابا فجئت لأتعلمه منك، فقال له: يا هذا، إنه غير مستجاب، إني في كل سنة أدعو الله به أن لا تأتيني وأنت تأتي. وله وقائع وحكايات مشهورة. وكانت ولادته سنة إحدى عشرة ومائة. وتوفي سنة ثلاث ومائتين، وقيل: سبع ومائتين، رحمه الله تعالى.
وأزهر - بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الهاء وبعدها راء - وهو اسمم علم.
والسمان - بفتح السين المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى بيع السمن وحمله.
والبصري - بفتح الباء الموحدة وكسرها وسكون الصاد المهملة وبعدها راء - هذه النسبة إلى البصرة، وهي من أشهر مدن العراق وهي إسلامية، بناها عمر بن الخطاب ﵁ في سنة أربع عشرة للهجرة على يد عتبة ابن غزوان، ﵁. قال ابن قتيبة في كتاب " أدب الكاتب " (١) في باب ما تغير من أسماء البلاد البصرة: الحجارة الرخوة فإن حذفوا الهاء قالوا: البصر - بكسر الباء - وإنما أجازوا في النسب بصري لذلك، والبصر أيضاً: الحجارة الرخوة، قاله في الصحاح.
٨٤ - (٢)
أسامة بن منقذ
أبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي مقلد بن نصر بن منقذ الكناني
стр. 190
الكلبي الشيزري الملقب مؤيد الدولة مجد الدين، من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر وعلمائهم وشجعانهم، له تصانيف عديدة في فنون الأدب.
ذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل وأثنى عليه وعده في جملة من ورد عليه وأورد له مقاطيع من شعره.
وذكره العماد الكاتب في الخريدة وقال بعد الثناء عليه: سكن دمشق ثم نبت به كما تنبو الدار بالكريم، فانتقل إلى مصر فبقي بها مؤمراً مشاراً إليه بالتعظيم إلى أيام الصالح بن رزيك. ثم عاد إلى الشام وسكن دمشق، ثم رماه الزمان إلى حصن كيفا، فأقام به حتى ملك السلطان صلاح الدين - رحمه الله تعالى - دمشق، فاستدعاه وهو شيخ قد جاوز الثمانين.
وقال غير العماد: إن قدومه مصر كان في أيام الظافر بن الحافظ والوزير يومئذ العادل بن السلار، فأحسن إليه وعمل عليه حتى قتل حسبما هو مشروح في ترجمته.
قلت: ثم وجدت جزءا كتبه بخطه للرشيد بن الزبير حتى يلحقه بكتاب الجنان، وكتب عليه أنه كتبه بمصر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فيكون قد دخل مصر في أيامه وأقام بها حتى قتل العادل بن السلار، إذ لا خلاف أنه حضر هناك وقت قتله.
وله ديوان شعر في جزأين موجود في أيدي الناس ورأيته بخطه. ونقلت منه قوله (١) :
لا تستعر جلداً على هجرانهم ... فقواك تضعف من صدود دائم
واعلم بأنك إن رجعت إليهم ... طوعاً وإلا عدت عودة راغم ونقلت منه في ابن طليب المصري، وقد احترقت داره:
انظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... قسراً إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليب قط بداره ... ناراً وكان خرابها بالنار
стр. 191
(١٠) ومما يناسب هذه الواقعة أن الوجيه ابن صورة المصري دلال الكتب كانت له بمصر دار موصوفة بالحسن فاحترقت، فعمل نشء الملك أبو الحسن علي ابن مفرج المعروف بابن المنجم (١) المعري الأصل المصري الدار والوفاة:
أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنار فيها مارج يتضرم
كذا كل مال أصله من مهاوش ... فعما قليل في نهابر يعدم
وما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنم والبيت الثاني مأخوذ من قوله ﷺ من أصاب مالاً من مهاوش أذهبه الله في نهابر، والمهاوش: الحرام، والنهابر: المهالك.
والوجيه المذكور: هو أبو الفتوح ناصر بن أبي الحسن علي بن خلف الأنصاري المعروف بابن صورة، وكان سمساراً في الكتب (٢) بمصر، وله في ذلك حظ كبير، وكان يجلس في دهليز داره لذلك، ويجتمع عنده في يومي الأحد والأربعاء أعيان الرؤساء والفضلاء ويعرض عليهم الكتب التي تباع، ولا يزالون عنده إلى انقضاء وقت السوق، فلما مات السلفي سار إلى الإسكندرية لبيع كتبه، ومات في السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستمائة بمصر ودفن بقرافتها، رحمه الله تعالى.
ولابن منقذ من قطعة يصف ضعفه:
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما ... من بعد حطم القنا في لبة الأسد ونقلت من ديوانه أيضاً أبياتاً كتبها إلى أبيه مرشد جوابا عن ابيات كتبها أبوه إليه، وهي (٣) :
стр. 192
وما أشكو تلون أهل ودي ... ولو أجدت شكيتهم شكوت
مللت عتابهم ويئست منهم ... فما أرجوهم فيمن رجوت
إذا أدمت قوارصهم فؤادي ... كظمت على أذاهم وانطويت
ورحت عليهم طلق المحيا ... كأني ما سمعت ولا رأيت
تجنوا لي ذنوباً ما جنتها ... يداي ولا أمرت ولا نهبت
ولا والله ما أضمرت غدراً ... كما قد أظهروه ولا نويت
ويوم الحشر موعدنا وتبدو ... صحيفة ما جنوه وما جنيت وله بيتان في هذا الروي والوزن كتبهما في صدر كتاب إلى بعض أهل بيته في غاية الرقة والحسن، وهما:
شكا ألم الفراق الناس قبلي ... وروع بالنوى حي وميت
وأما مثل ما ضمت ضلوعي ... فإني ما سمعت ولا رأيت والشيء بالشيء يذكر، أنشدني الأديب أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم المعروف بالجزار المصري (١) لنفسه في بعض أدباء مصر، وكان شيخاً كبيراً، وظهر عليه جرب فالتطخ بالكبريت، قال: فلما بلغني ذلك كتبت إليه:
أيها السيد الأديب دعاءً ... من محب خال من التنكيت
أنت شيخ وقد قربت من النا ... ر فكيف ادهنت بالكبريت ونقلت من خط الأمير أبي المظفر أسامة بن منقذ المذكور لنفسه، وقد قلع ضرسه، وقال: عملتهما ونحن بظاهر خلاط، وهو معنى غريب ويصلح أن يكون لغزاً في الضرس:
وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
стр. 193
لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترقنا فرقة الأبد قال العماد الكاتب: وكنت أتمنى أبداً لقياه وأشيم على البعد حياه حتى لقيته في صفر سنة إحدى وسبعين وسألته عن مولده، فقال: يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. قلت: بقلعة شيرز. وتوفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة اربع وثمانين وخمسمائة بدمشق، رحمه الله تعالى؛ ودفن من الغد شرقي جبل قاسيون ودخلت تربته وهي على جانب نهر يزيد الشمالي، وقرأت عنده شيئا من القرآن وترحمت عليه.
وتوفي والده أبو أسامة مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
وشيزر - بفتح الشين المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها زاي مفتوحة ثم راء - قلعة بالقرب من حماة وهي معروفة بهم، وسيأتي ذكرها في حرف العين عند ذكر جده علي بن مقلد، إن شاء الله تعالى.
٨٥ - (١)
ابن راهويه
أبو يعقوب إسحاق بن أبي الحسن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله ابن مطر (٢) بن عبيد الله بن غالب بن عبد الوارث بن عبيد الله بن عطية بن مرة بن كعب بن همام بن أسد بن مرة بن عمرو بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ابن مرة الحنظلي المروزي المعروف بابن راهوية؛ جمع بين الحديث والفقه والورع، وكان احد أئمة الإسلام، ذكره الدارقطني فيمن روى عن الشافعي
стр. 194
رضي الله عنه، وعدة البيهقي في أصحاب الشافعي، وكان قد ناظر الشافعي في مسألة جواز بيع دور مكة (١) ، وقد استوفى الشيخ فخر الدين الرازي صورة ذلك المجلس الذي جرى بينهما في كتابه الذي سماه مناقب الإمام الشافعي ﵁ فلما عرف فضله نسخ كتبه وجمع مصنفاته بمصر.
قال أحمد بن حنبل ﵁: إسحاق عندنا إمام من ائمة المسلمين، وما عبر الجسر أفقه من إسحاق، وقال إسحاق: أحفظ سبعين ألف حديث، وأذاكر بمائة ألف حديث، وما سمعت شيئاً قط إلا حفظته، ولا حفظت شيئا قط فنسيته، وله مسند مشهور، وكان قد رحل إلى الحجاز والعراق واليمن والشام، وسمع من سفيان بن عيينة ومن في طبقته، وسمع منه البخاري ومسلم والترمذي.
وكانت ولادته سنة إحدى وستين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة ست وستين ومائة، وسكن في آخر عمره نيسابور، وتوفي بها ليلة الخميس النصف من شعبان - وقيل: الأحد، وقيل: السبت - سنة ثمان، وقيل: سنة ثلاثين ومائتين، وقيل: سنة ثلاثين ومائتين، رحمه الله تعالى.
وراهويه - بفتح الراء وبعد الألف هاء ساكنة ثم واو مفتوحة وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها هاء ساكنة - لقب أبيه أبي الحسن إبراهيم، وإنما لقب بذلك لآنه ولد في طريق مكة، والطريق بالفارسية " راه " و " ويه " معناه وجد، فكأنه وجد في الطريق، وقيل فيه أيضا " راهويه " بضم الهاء وسكون الواو وفتح الياء، وقال إسحاق المذكور: قال لي عبد الله بن طاهر أمير خراسان: لم قيل لك ابن راهويه وما معنى هذا وهل تكره أن يقال لك هذا قلت: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في الطريق فقالت المراوزة راهويه لأنه ولد في الطريق، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلست أكره ذلك.
ومخلد: بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام وبعدها دال مهملة.
والحنظلي - بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة وبعدها
стр. 195
لام - هذه النسبة إلى حنظلة بن مالك، ينسب إليه بطن من تميم.
والمزوزي: قد تقدم القول فيه في المروروذي.
٨٦ - (١)
ابن مرار الشيباني
أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني النحوي اللغوي؛ هو من رمادة الكوفة ونزل إلى بغداد، وهو من الموالي، وجاور شيبان للتأديب فيها فنسب إليها، وكان من الأئمة الأعلام في فنونه، وهي: اللغة والشعر، وكان كثير الحديث كثير السماع ثقةً، وهو عند الخاصة من أهل العلم والرواية مشهور معروف. والذي قصر به عند العامة من أهل العلم أنه كان مشتهر بشرب النبيذ.
وأخذ عنه جماعة كبار، منهم: الإمام أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام ويعقوب بن للسكيت صاحب إصلاح المنطق، وقال في حقه: عاش مائة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات، وكان ربما استعار الكتاب مني وأنا إذ ذاك صبي آخذ عنه وأكتب من كتبه.
وقال ابن كامل: مات إسحاق بن مرار في اليوم الذي مات فيه أبو العتاهية وإبراهيم النديم الموصلي سنة ثلاث عشرة ومائتين ببغداد. وقال غيره: بل توفي سنة ست ومائتين، وعمره مائة وعشر سنين، وهو الأصح، رحمه الله تعالى.
وله من التصانيف كتاب الخيل، وكتاب اللغات وهو المعروف بالجيم ويعرف أيضا بكتاب الحروف، وكتاب " النوادر الكبير " ثلاث نسخ، وكتاب
стр. 196
غريب الحديث، وكتاب النخلة، وكتاب الإبل وكتاب خلق الإنسان. وكان قد قرأ دواوين الشعراء على المفضل الضبي. وكان الغالب عليه النوادر وحفظ الغريب وأراجيز العرب. قال ولده عمرو: لما جمع أبي أشعار العرب ودونها كانت نيفا وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفاً وجعله بمسجد الكوفة، حتى كتب نيفاً وثمانين مصحفاً بخطه.
ومرار - بكسر الميم وبعدها راءان بينهما ألف -. والشيباني: قد تقدم القول فيه.
وقيل: توفي يوم الشعانين سنة عشر، والله أعلم.
٨٧ - (١)
إسحاق الموصلي
أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن ماهان بن بهمن بن نسك التميمي بالولاء الأرجاني الأصل المعروف بابن النديم الموصلي، وقد سبق ذكر أبيه والكلام في نسبته ونسبه فأغنى عن الإعادة؛ كان من ندماء الخلفاء وله الظرف المشهور والخلاعة والغناء اللذان تفرد بهما. وكان من العلماء باللغة والأشعار وأخبار الشعراء وأيام الناس، وروى عنه مصعب بن عبد الله الزبيري والزبير ابن بكار وغيرهما. وكان له يد طولى في الحديث والفقه وعلم الكلام.
قال محمد بن عطية العطوي الشاعر: كنت في مجلس القاضي يحيى بن أكثم، فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف
стр. 197
منهم، ثم تكلم في الفقه، فأحسن وقاس واحتج، وتكلم في الشعر واللغة، ففاق من حضر، ثم أقبل على القاضي يحيى فقال له: أعز الله القاضي! أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن قال: لا، قال: فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها وانسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه يعني الغناء. قال العطوي: فالتفت إلي القاضي يحيى وقال لي: الجواب في هذا عليك، وكان العطوي من أهل الجدل، فقال القاضي يحيى: نعم، أعز الله القاضي! الجواب علي. ثم أقبل على إسحاق فقال: يا أبا محمد، أنت كالفراء والخفش في النحو فقال: لا، فقال: فأنت في اللغة ومعرفة الشعر كالأصمعي وأبي عبيدة قال: لا، قال: فأنت في علم الكلام كأبي الهذيل العلاف والنظام ابلخي قال: لا، قال: فأنت في الفقه كالقاضي وأشار إلى القاضي يحيى، قال: لا، قال: فأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي نواس قال: لا، قال فمن ههنا نسبت إلى مانسبت إليه لأنه لا نظير لك فيه، وأنت في غيره دون رؤساء أهله، فضحك وقام وانصرف. فقال القاضي يحيى العطوي: لقد وفيت الحجة حقها، وفيها ظلم قليل لإسحاق، وغنه ممن يقل في الزمان نظيره.
وذكر صاحبنا عماد الدين أبو المجد إسماعيل بن باطيش الموصلي في كتابه الذي سماه التمييز والفصل: أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي كان مليح المحاورة والنادرة، ظريفاً فاضلاً، كتب الحديث عن سفيان بن عينية ومالك بن أنس وهشيم بن بشير وأبي معاوية الضرير، وأخذ الدب عن الأصمعي وأبي عبيدة، وبرع في علم الغناء فغلب عليه ونسب إليه.
وكان الخلفاء يكرمونه ويقربونه، وكان المأمون يقول: لولا ما سبق لإسحاق على ألسنة الناس واشتهر بالغناء لوليته القضاء، فإنه أولى وأعف وأصدق وأكثر ديناً وأمانة من هؤلاء القضاة، ولكنه اشتهر بالغناء وغلب على جميع علومه، مع أنه أصغرها عنده، ولم يكن له فيه نظير.
وله نظم جيد ديوان شعر، فمن شعره ما كتبه إلى هارون الرشيد:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل
стр. 198
أرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلاً له في العالمين خليل
وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئاً ان يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تكرما ... وما لي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل وكان كثير الكتب، حتى قال أبو العباس ثعلب: رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب، وكلها بسماعه. وما رأيت اللغة في منزل أحد قط أكثر منها في منزل إسحاق ثم منزل ابن الأعرابي.
ونقلت من حكاياته أنه قال: كان لنا جار يعرف بأبي حفص، وينبز باللوطي، فمرض جار له فعاده، فقال له: كيف تجدك إنما تعرفني فقال له المريض بصوت ضعيف: بلى، أنت ابو حفص اللوطي، فقال له: تجاوزت حد المعرفة، لا رفع الله جنبك.
وكان المعتصم يقول: ما غناني إسحاق بن إبراهيم قط إلا خيل لي أنه قد زيد في ملكي.
وأخباره كثيرة، وكان قد عمي في أواخر عمره قبل موته بسنتين.
ومولده في سنة خمسين ومائة، وهي السنة التي ولد فيها امام الشافعي، ﵁، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وتوفي في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين بعلة الذرب، وقيل: في شوال سنة ست وثلاثين، والأول أشهر، وقيل: توفي يوم الخميس بعد الظهر لخمس خلون من ذي الحجة سنة ست وثلاثينن رحمه الله تعالى.
ورثاه بعض أصحابه بقوله:
أصبح اللهو تحت عفر التراب ... ثاوياً في محلة الحباب
إذا مضى الموصلي وانقرض الأن ... س ومجت مشاهد الأطراب
بكت الملهيات حزنا عليه ... وبكاه الهوى وصفو الشراب
стр. 199
وبكت آلة المجالس حتى ... رحم العود عبرة المضراب وقيل: إن هذه المرثية في أبيه إبراهيم، والصحيح الأول.
٨٨ - (١)
إسحاق بن حنين
أبو يعقوب إسحاق بن حنين بن إسحاق العبادي، الطبيب المشهور؛ كان أوحد عصره في علم الطب، وكان يلحق بأبيه في النقل، وفي معرفته باللغات وفصاحته فيها. وكان يعرب كتب الحكة التي بلغة اليونانيين إلى اللغة العربية كما كان يفعل أبوه، إلا أن الذي يوجد من تعريبه في كتب الحكمة من كلام (٢) أرسطا طاليس وغيره أكثر مما يوجد من تعريبه لكتب الطب، وكان قد خدم من الخلفاء والرؤساء من خدمه أبوه، ثم انقطع إلى القاسم بن عبيد الله وزير الإمام المعتضد بالله، واختص به، حتى إن الوزير المذكور كان يطلعه على أسراره، ويفضي إليه بما يكتمه عن غيره.
وذكر ابن بطلان في كتاب دعوة الأطباء (٣) أن الوزير المذكور بلغه ان إسحاق المذكور استعمل دواء مسهلاً، فأحب مداعبته، فكتب إليه:
أبن لي كيف أمسيت ... وما كان من الحال
وكم سارت بك الناق ... ة نحو المنزل الخالي
стр. 200
فكتب إليه جوابه:
بخير بت مسروراً ... رخي البال والحال
فأما السير والناق ... ة والمرتبع الخالي
فإجلالك أنساني ... هـ يا غاية آمالي وكنت قد وقفت في كتاب الكنايات على مثل هذه القضية، فذكر أن الأول كتب البيتين الأولين وأن الثاني كتب الجواب:
كتبت إليك والنعلان ما إن ... أقلهما من المشي العنيف (١)
فإن رمت الجواب إلي فاكتب ... على العنوان يوصل (٢) في الكنيف وله ولأبيه المصنفات المفيدة في الطب - وسيأتي ذكر أبيه إن شاء الله تعالى - ولحقه الفالج في آخر عمره.
وكانت وفاته في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين، وقيل: تسع وتسعين ومائتين.
والعبادي - بكسر العين المهملة وفتح الباء الموحدة وبعد اللف دال مهملة - هذه النسبة إلى عباد الحيرة، وهم عدة بطون من قبائل شتى نزلوا الحيرة وكانوا نصارى ينسب إليهم خلق كثير، منهم عدي بن زيد العبادي الشاعر المشهور وغيره، قال الثعلبي في تفسيره في سورة المؤمنين في قوله تعالى فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون أي مطيعون متذللون، والعرب تسمي كل من دان الملك عابدا له، ومن ذلك قيل لأهل الحيرة العباد، لأنهم كانو أهل طاعة لملوك العجم.
والحيرة - بكسر الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعدها هاء - وهي مدينة قديمة كانت لبني المنذر ومن تقدمهم من ملوك العرب مثل عمرو بن عدي اللخمي، وهو جد بني المنذر ومن بعده من أبنائه، وكانت
стр. 201
من قبل عمرو لخاله الأبرش الأزدي صااحب الزباء، وخربت الحيرة، وبنيت الكوفة في الإسلام على ظهرها في سنة سبع عشرة للهجرة، بناها عمر ابن الخطاب ﵁ على يد سعد بن ابي وقاص، ﵁.
٨٩ - (١)
الميهني
أبو الفتح أسعد بن ابي نصر ابن ابي الفضل الميهني، الفقيه الشافعي الملقب مجد الدين؛ كان إماماً مبرزاً في الفقه والخلاف، وله فيه تعليقة مشهورة، تفقه بمرو ثم رحل إلى غرنة واشتهر بتلك الديار وشاع فضله، وقد مدحه الغزي المقدم ذكره، ثم ورد إلى بغداد وفوض إليه تدريس المدرسة النظامية ببغداد مرتين، فا لأولى في سنة سبع وخمسمائة، ثم عزل في ثامن عشر شعبان سنة ثلاث عشرة، والمرة الثانية في سنة سبع عشرة في شعبان، وخرج إلى العسكر في ذي القعدة من السننة، وتولى غيره مكانه، واشتغل عليه الناس وانتفعوا به وبطريقته الخلافية، وذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في الذيل وقال: قدم علينا من جهة السلطان محمود السلجوقي رسولاً إلى مرو، ثم توجه رسولاً من بغداد إلى همذان فتوفي بها سنة سبع وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، قال السمعاني في الذيل: سمعت أبا بكر محمد بن علي بن عمر الخطيب يقول: سمعت فقيهاً من أهل قزوين - وكان يخدم الإمام أسعد في آخر عمره بهمذان - قال: كنا في بيت وقت أن قرب أجله فقال لنا: اخرجوا من ههنا، فخرجنا، فوقفت على الباب وتسمعت فسمعته يلطم وجهه ويقول: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله، وجعل يبكي ويلطم وجهه ويردد هذه الكلمة إلى أن مات، رحمه الله تعالى؛ ذكر لي هذا أو معناه فإني كتبته من حفظي.
стр. 202
والميهني - بكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الهاء والنون - وهذه النسبة إلى ميهنة، وهي قرية من قرى خابران (١) وهي ناحية بين سرخس وأبيورد من إقليم خراسان.
٩٠ - (٢)
منتجب الدين العجلي
أبو الفتوح أسعد بن أبي الفضائل محمود بن خلف بن أحمد بن محمد العجلي الأصبهاني الملقب منتجب (٣) الدين الفقيه الشافعي الواعظ؛ كان من الفقهاء الفضلاء الموصوفين بالعلم والزهد مشهوراً بالعبادة والنسك والقناعة (٤) لا يأكل إلا من كسب يده، وكان يورق ويبيع ما يتقوت به، وسمع ببلده الحديث على أم إبراهيم فاطمة بنت عبد الله الجوزدانية (٥) ، والحافظ أبي القاسم إسماعيل بن محمد ابن الفضل وأبي الوفاء غانم بن أحمد بن الحسن الجلودي وأبي الفضل عبد الرحيم ابن أحمد بن محمد البغدادي وأبي المطهر القاسم بن الفضل بن عبد الواحد الصيدلاني (٦) وغيرهم، وقدم بغداد وسمع بها من ابي الفتح محمد بن عبد الباقي بن سلمان المعروف بابن البطي في سنة سبع وخمسين وخمسمائة وغيره. وله إجازة (٧) حدث بها من أبي القاسم زاهر بن طاهر الشحامي وأبي الفتح إسماعيل بن الفضل الإخشيد
стр. 203
وأبي المبارك عبد العزيز بن محمد الأزدي وغيرهم، وعاد إلى بلده وتبحر ومهر (١) واشتهر، وصنف عدة تصانيف، فمن ذلك شرح مشكلات الوجيز والوسيط للغزالي تكلم في المواضع المشكلة من الكتابين ونقل من الكتب المبسوطة عليهما، وله كتاب " تتمة التتمة " لأبي سعد المتولي وعليه كان الاعتماد في الفتوى بأصبهان. وكان مولده في أحد الربيعين سنة خمس أو أربع عشرة وخمسمائة بأصبهان. وتوفي بها في ليلة الخميس الثاني والعشرين من صفر سنة ستمائة، رحمه الله تعالى.
والعجلي - بكسر العين المهملة وسكون الجيم وبعدها لام - هذه النسبة إلى عجل بن لجيم، وهي قبيلة كبيرة مشهورة من بني ربيعة الفرس، ولجيم - بضم اللام وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ميم - وهو عجل ابن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، قال أبو عبيدة: كان عجل بن لجيم يعد في الحمقى بين العرب، وكان له فرس جواد، فقيل له: إن لكل فرس جواد اسما فما اسم فرسك فقال: لم أسمه بعد، فقيل له: فسمه، ففقأ إحدى عينيه وقال: قد سميته الأعور. وفيه قال بعض شعراء العرب:
رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في الناس أحمق من عجل
أليس أبوهم عار عين جواده ... فسارت به الأمثال في الناس بالجهل يقال: عار العين - بالعين المهملة - إذا فقأها.
стр. 204
٩١ - (١)
الأسعد ابن مماتي
القاضي الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير أبي سعيد مهذب بن مينا بن زكريا بن أبي قدامة ابن أبي مليح مماتي المصري الكاتب الشاعر؛ كان ناظر الدواوين بالديار المصرية، وفيه فضائل، وله مصنفات عديدة ونظم سيرة السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى، ونظم كتاب كليلة ودمنة، وله ديوان شعر رأيته بخط ولده ونقلت منه مقاطيع، فمن ذلك قوله:
تعاتبني وتنهى عن أمرٍ ... سبيل الناس أن ينهوك عنها
أتقدر أن تكون كمثل عيني ... وحقك ما علي أضر منها وله في شخص ثقيل رآه بدمشق:
حكى نهرين ما في الأر ... ض من يحكيهما أبدا
حكى في خلقه ثورى ... وفي أخلاقه بردى وقد أخذ ابن مماتي معنى بيته هذين من قول بعضهم:
ضاهى ابن بشران مدينة جلق ... فكلاهما يوم الفخار فريد
ألفاظه بردى، وصورة خلقه ... ثورى، ونقص العقل من يزيد وله من جملة قصيدة طويلة:
لنيرانه في الليل أي تحرقٍ ... على الضيف إن أبطا وأي تلهب
стр. 205
وما ضر من يعشو إلى ضوء ناره ... إذا هو لم ينزل بآل المهلب وله في غلام نحوي:
وأهيف أحدث لي نحوه ... تعجباً يعرب عن (١) ظرفه
علامة التأنيث في لفظه ... وأحرف العلة في طرفه ومن شعره ثلاثة أبيات مذكورة في ترجمة يحيى بن نزار المنبجي في حرف الياء، وفي شعره أشياء حسنة.
وذكره العماد الصبهاني في كتاب " الخريدة " وأورد له عدة مقاطيع، ثم أعقبه بذكر أبيه الخطير، وذكر كثيرا من شعره، فمن ذلك قوله في كتمان السر وبالغ فيه:
وأكتم السر حتى عن إعادته ... إلى المسر به من غير نسيان
وذاك أن لساني ليس يعلمه ... سمعي بسر الذي قد كان ناجاني وقال: لقيته بالقاهرة متولي ديوان جيش الملك الناصر، وكان هو وجماعته نصارى فأسلموا في ابتداء الملك الصلاحي (٢) .
وللمهذب ابن الخيمي في الأسعد ابن مماتي المذكور يهجوه:
وحديث الإسلام واهي الحديث ... باسم الثغر عن ضمير خبيث
لو رأى بعض شعره سيبويه ... زاده في علامة التأنيث وكان الحافظ أبو الخطاب ابن دحية المعروف بذي النسبين، رحمه الله تعالى، عند وصوله إلى مدينة إربل، ورأى اهتمام سلطانها الملك المعظم مظفر الين ابن زين الدين، رحمه الله تعالى، بعمل مولد النبي ﷺ ، حسبما هو مشروح في حرف الكاف من هذا الكتاب عند ذكر اسمه، صنف له كتابا سماه
стр. 206
" التنوير في مدح السراج المنير "، وفي آخر الكتاب قصيدة طويلة مدح بها مظفر الدين، أولها:
لولا الوشاة وهم ... أعداؤنا ما وهموا وقرأ الكتاب والقصيدة عليه، وسمعنا نحن الكتاب على مظفر الدين في شعبان سنة ست وعشرين وستمائة والقصيدة فيه، ثم بعد ذلك ريت هذه القصيدة بعينها في مجموعة منسوبة إلى الأسعد ابن مماتي المذكور، فقلت: لعل الناقل غلط، ثم بعد ذلك رأيتها في ديوان الأسعد بكمالها، مدح بها السلطان الملك الكامل، رحمه الله تعالى، فقوي الظن. ثم إني رأيت أبا البركات ابن المستوفي قد ذكر هذه القصيدة في تاريخ إربل عند ذكر ابن دحية، وقال: سألته عن معنى قوله فيها:
يفديه من عطا جما ... دى كفه المحرم فما أحار جوابا، فقلت: لعله مثل قول بعضهم:
تسمى بأسماء الشهور فكفه ... جمادى وما ضمت عليه المحرم قال: فتبسم وقال: هذا أردت، فلما وقفت على هذا ترجح عندي أن القصيدة للأسعد المذكور، فإنها لو كانت لأبي الخطاب لما توقف في الجواب، وأيضاً فإن إنشاد القصيدة لصاحب إربل كان في سنة ست وستمائة. والأسعد المذكور توفي في هذه السنة كما سيأتي، وهو مقيم بحلب لاتعلق له بالدولة العادلية، وبالجملة فالله أعلم لمن هي منهما (٢٦) .
وكان الأسعد المذكور قد خاف على نفسه من الوزير صفي الدين بن شكر، فهرب من مصر مستخفيا وقصد مدينة حلب لائذا بجناب السلطان الملك الظاهر، رحمه الله تعالى، وأقام بها حتى توفي في سلخ جمادى الأولى سنة ست وستمائة يوم الأحد، وعمره اثنتان وستون سنة، رحمه الله تعالى، ودفن في المقبرة المعروفة بالمقام على جانب الطريق بالقرب من مشهد الشيخ علي الهروي.
وتوفي أبوه الخطير في يوم الأربعاء سادس شهر رمضان من سنة
стр. 207
سبع وسبعين وخمسمائة.
ومينا: بكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون وبعدها ألف.
ومماتي - بفتح الميمين والثانية منهما مشددة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها وهي مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها - وهو لقب أبي مليح المذكور وكان نصرانياً، وإنما قيل له مماتي لأنه وقع في مصر غلاء عظيم، وكان كثير الصدقة والإطعام، وخصوصاً لصغار المسلمين، فكانوا إذا رأوه ناداه كل واحد منهم مماتي، فاشتهر به، هكذا اخبرني الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري، نفع الله به، ثم انشدني عقيب (١) هذا القول مرثية فيه وقال: أظن هذين البيتين لأبي طاهر لان مكنسة المغربي (٢) ، وهما:
طويت سماء المكرما ... ت وكورت شمس المديح
من ذا أؤمل أو أرجي ... بعد موت أبي المليح ثم كشفت عنهما فوجدتهما له، فيه مدائح أيضاً [وكان أبو الطاهر ابن مكنسة خصيصاً بأبي مليح مماتي جد الأسعد المذكور؛ وكان في بستانه المعروف بظاهر مصر، مجاور جامع راشدة الحاكمي، منظرته المعروفة بالنزهة ولها البئر الموصوف ماؤها بشدة البرد والحلاوة في الصيف حتى إن صاحب قصر الحكمة كان ينفذ من يأخذ من مائها لشربه، وفيها يقول ابن مكنسة من جملة قصيدة يمدحه بها ويصف المنظرة:
ومن عجائبها البئر التي انفردت ... بالقر في الحر والأمواه تضطرم
كأنما ماؤها في كل هاجرة ... ريق الحبيب عقيب الهجر وهي فم]
стр. 208
٩٢ - (١)
البهاء السنجاري
أبو السعادات أسعد بن يحيى بن موسى بن منصور بن عبد العزيز بن وهب (٢) ابن هبان بن سوار بن عبد الله بن رفيع بن ربيعة بن هبان السلمي السنجاري الفقيه الشافعي الشعار المنعوت بالبهاء؛ كان فقيهاً، وتكلم في الخلاف، إلا أنه غلب عليه الشعر وأجاد فيه واشتهر به وخدم به الملوك وأخذ جوائزهم، وطاف البلاد ومدح الكابر، وشعره كثير في أيدي الناس، يوجد قصائد ومقاطيع، ولم أقف له على ديوان ولم أدر هل دون شعره أم لا، ثم وجدت له في خزانة كتب التربة الأشرفية بدمشق ديواناً في مجلد كبير.
ومن شعره من جملة قصيدة مدح بها القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري (٣) :
وهواك ما خطر السلو بباله ... ولأنت أعلم في الغرام بحاله
ومتى وشى واش إليك بأنه ... سالٍ هواك فذاك من عذاله
أوليس للكلف المعنى شاه ... من حاله يغنيك عن تسآله جددت ثوب سقامه، وهتكت ستر غرامه، وصرمت حبل وصاله ...
أفزلة سبقت له أم خلة ... مألوفة من تيهه ولدلاله
ياللعجائب من أسير دأبه ... يفدي الطليق بنفسه (٤) وبماله
بأبي وأمي نابل بلحاظه ... لا تتقي بالدرع حد نباله
стр. 209
ريان من ماء الشبيبة والصبا ... شرقت معاطفه بطيب زلاله
تسري النواظر في مراكب حسنه ... فتكاد تغرق في بحار جماله
فكفاه عين كماله في نفسه ... وكفى كمال الدين عين كماله
كتب العذار (١) على صحيفة خده ... نوناً وأعجمها بنقطة خاله
فسواد طرته كليل صدوده ... وبياض غرته كيوم وصاله ولولا خوف الإطالة لذكرتها جميعها. وهذا القدر هو المشهور له، وقد أضافوا إليها بيتين، ولا أتحققهما فتركتهما.
وله أيضاً من جملة قصيدة:
ومهفهف حلو الشمائل فاتر ... الألحاظ فيه طاعة وعقوق
وقف الرحيق على مراشف ثغره ... فجرى به من خده راووق
سدت محاسنه على عشاقه ... سبل السلو فما إليه طريق وله من قصيدة أخرى:
هبت نسيمات الصبا سحرةً ... ففاح منها العنبر الأشهب
فقلت إذ مرت بوادي الغضا ... من أين هذا النفس الطيب (١١) وكان قد جاءنا ونحن في بلادنا في سنة ثلاث وعشرين وستمائة الشيخ جمال الدين أبو المظفر عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن السنينيرة (٢) الواسطي، وكان من أعيان شعراء عصره، ونزل عندنا بالمدرسة المظفرية، وكان قد طاف البلاد ومدح الملوك وأجازوه الجوائز السنية، وإذا قعد حضر عنده كل من له عناية بالأدب، وتجري بينهم محاضرات ومذكرات لطيفة، وكان قد طعن في السن، فقال يوماً: رافقني البهاء السنجاري في بعض الأسفار من سنجار إلى رأس عين، أو قال: من رأس عين إلى سنجار، فنزلنا في الطريق في مكان وكان
стр. 210
له غلام اسمه إبراهيم، وكان يأنس به، فأبعد عنا الغلام فقام يطلبه فناداه:
يا إبراهيم يا إبراهيم مراراً فلم يسمع نداءه لبعده عنا، وكان ذلك الموضه له صدى، فكلما قال: يا إبراهيم أجابه الصدى: يا إبراهيم، فقعد ساعة ثم أنشدني:
بنفسي حبيب جار وهو مجاور ... بعيد عن الأبصار وهو قريب
يجيب صدى الوادي إذا ما دعوته ... على أنه صخر وليس يجيب وكان للبهاء السنجاري صاحب، وبينهما (١) مودة أكيدة واجتماع كثير، ثم جرى بينهما في بعض الأيام عتاب وانقطع ذلك الصاحب عنه، فسير إليه يعتبه لانقطاعه، فكتب إليه بيتي الحريري اللذين ذكرهما في المقامة الخامسة عشرة وهما:
لا تزر من تحب في كل شهر ... غير يوم ولا تزده عليه
فاجتلاء الهلال في الشهر يوم ... ثم لا تنظر العيون إليه فكتب إليه البهاء من نظمه:
إذا حققت من خلٍ وداداً ... فزره ولا تخف منه ملالاً
وكن كالشمس تطلع كل يومٍ ... ولا تك في زيارته هلالاً وله، وهما من شعره السائر:
لله أيامي على رامة ... وطيب أوقاتي على حاجر
تكاد للسرعة في مرها ... أولها يعثر بالآخر وله من قصيدة في وصف الخمر، وهو معنى مليح:
كادت تطير وقد طرنا بها طرباً ... لولا الشباك التي صيغت من الحبب وذكره عماد الدين الأصبهاني الكاتب في كتاب " السيل والذيل " وقال: أنشدني لنفسه:
стр. 211
ومن العجائب أنني ... في لج بحر الجود راكب
وأموت من ظمإٍ ول ... كن عادة البحر العجائب وله أشياء حسنة.
وكانت ولادته سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في أوائل سنة اثنتين وعشرين وستمائة بسنجار، رحمه الله تعالى.
٩٣ - (١)
المزني صاحب الشافعي
أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني صاحب الإمام الشافعي ﵁؛ هو من أهل مصر، وكان زاهداً عالماً مجتهداً محجاجاً غواصا على المعاني الدقيقة، وهو غمام الشافعيين واعرفهم بطرقه وفتاويه وما ينقله عنه، صنف كتباً كثيرة في مذهب الإمام الشافعي، منها الجامع الصغير ومختصر المختصر والمنثور والمسائل المعتبرة والترغيب في العلم وكتاب الوثائق وغير ذلك، وقال الشافعي ﵁ في حقه: المزني ناصر مذهبي (٢) . وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصره قام إلى المحراب وصلى ركعتين شكرا لله تعالى. وقال أبو العباس أحمد بن سريج: يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء لم تفض، وهو أصل الكتب المصنفة في مذهب الشافعي ﵁، وعلى مثاله رتبوا ولكلامه فسروا وشرحوا.
ولما ولي القاضي بكار بن قتيبة الآتي ذكره إن شاء الله تعالى القضاء بمصر
стр. 212
وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقع الاجتماع بالمزني مدة، فلم يتفق له، فاجتمعا يوماً في صلاة جنازة فاقل القاضي بكار لأحد أصحابه: سل المزني شيئاً حتى أسمع كلامه، فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم،، قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ وجاء تحليله أيضاً، فلم قد متم التحريم على التحليل فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى ان النبيذ كان حراما في الجاهلية ثم حلل، ووقع الاتفاق على انه كان حلالاً، فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم، فاستحسن ذلك منه، وهذا من الدلة القاطعة. وكان في غاية الورع، وبلغ من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة من كوز نحاس، فقيل له في ذلك، فقال: بلغني أنهم يستعملون السرجين في الكيزان، والنار لا تطهرها.
وقيل إنه كان إذا فاتته الصلاة في جماعة صلى منفرداً خمساً وعشرين صلاة استراكا لفضيلة الجماعة، مستنداً في ذلك إلى قوله ﷺ صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة.
وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة، وكان مجاب الدعوة، ولم يكن أحد من أصحاب الشافعي يحدث نفسه في شيء من الأشياء بالتقديم عليه، وهوالذي تولى غسل الإمام الشافعي، وقيل: كان معه أيضاً حينئذ الربيع.
وذكره ابن يونس في اريخه وسماه، وجعل مكان اسم جده إسحاق مسلماً، ثم قال: صاحب الشافعي، وذكر وفاته كما تقدم (١) ، وقال: كانت له عبادة وفضل، ثقة في الحديث، لايختلف فيه حاذق من أهل الفقه، وكان أحد الزهاد في الدنيا وكان من خير خلق الله ، ومناقبه كثيرة.
وتوفي لست بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين بمصر، ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي، ﵁، بالقرافة الصغرى بسفح المقطم، رحمه الله تعالى، وزرت قبره هناك.
وذكر ابن زولاق في تاريخه الصغير أنه عاش تسعاً وثمانين سنة، وصلى عليه الربيع بن سليمان المؤذن المرادي.
стр. 213
والمزني - بضم الميم وفتح الزاي وبعدها نون - هذه النسبة إلى مزينة بنت كلب، وهي قبيلة كبيرة مشهورة.
٩٤ - (١)
أبو العتاهية
أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان العنزي بالولاء، العيني المعروف بأبي العتاهية الشاعر المشهور؛ مولده بعين التمر، وهي بليدة (٢) بالحجاز قرب المدينة، وقيل: إنها من أعمال سقي الفرات، وقال ياقوت الحموي في كتابه المشترك إنها قرب الأنبار، والله أعلم.
ونشأ بالكوفة وسكن بغداد، وكان يبيع الجرار فقيل له: الجرار، واشتهر بمحبة (٣) عتبة جارية الإمام المهدي، وأكثر نسيبه فيها فمن ذلك قوله (٤) :
أعلمت عتبة أنني ... منها على شرفٍ مطل
وشكوت ما ألقى إلي ... ها والمدامع تستهل
حتى إذا برمت بما ... أشكو كما يشكو الأقل
قالت: فأي الناس يع ... لم ما تقول فقلت: كل
стр. 214
وكتب مرة إلى المهدي وعرض بطلبها منه (١) :
نفسي بشيء من الدنيا معلقة ... الله والقائم المهدي يكفيها
إني لأيأس منها ثم يطمعني ... فيها احتقارك للدنيا وما فيها وقال أبو العباس المبرد في كتاب " الكامل " (٢) : إن أبا العتاهية كان قد استأذن في أن يطلق له أن يهدي إلى أمير المؤمنين في النيروز والمهرجان، فأهدى له في أحدهما برنية ضخمة فيها ثوب ناعم مطيب قد كتب على حواشيه هذين البيتين المقدم ذكرهما، فهم بدفع عتبة إليه، فجزعت، وقالت: يا أمير المؤمنين، حرمتي وخدمتي، أتدفعني (٣) إلى رجل قبيح المنظر بائع جرار ومتكسب بالشعر (٤) فأعفاها وقال: املأوا له البرنية مالاً، فقال للكتاب: أمر لي بدنانير، وقالوا: ما ندفع إليك ذاك، ولكن إن شئت أعطيناك دراهم إلى أن يفصح بما أراد، فاختلف في ذلك حولاً، فقالت عتبة: لو كان عاشقاً كما يزعم لم يكن يختلف منذ حول في التمييز بين الدراهم والدنانير، وقد أعض عن ذكري صفحا.
ومن مديحه (٥) :
إني أمنت من الزمان وصرفه ... لما علقت من المير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله ... تخذوا له حر الخدود نعالا
إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباباً (٦) ورمالا
فإذا وردن بنا وردن خفائفاً ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا وهذه الأبيات قالها في عمر بن العلاء، فأعطاه سبعين ألفا، وخلع عليه حتى
стр. 215
لا يقدر (١) أن يوم، فغار الشعراء من ذلك، فجمعهم ثم قال: يا معشر الشعراء عجباً لكم! ما أشد حسدكم بعضكم بعضاً! أحدكم يأتينا ليمدحنا بقصيدة يشبب فيها بصديقته بخمسين بيتا، فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتانا أبو العتاهية فشب بأبيات يسيرة، ثم قال، وانشد الأبيات المذكورة: فما لكم منه تغارون وكان أبو العتاهية لما مدحه بهذه الأبيات تأخر عنه بره قليلاً فكتب إليه يستبطئه (٢) :
أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر (٣)
سنرقبك بالأشعار حتى تملها ... وإن لم تفق منها رقيناك بالسور قال أشجع السلمي الشاعر المشهور: أذن الخليفة المهدي للناس في الدخول عليه فدخلنا، فأمرنا بالجلوس، فاتفق أن جلس بجنبي بشار بن برد وسكت المهدي فسكت الناس، فسمع بشار حساً فقال لي: من هذا فقلت: أبو العتاهية، فقال: أتراه ينشد في هذا المحفل فقلت: أحسبه سيفعل، فقال: فأمره المهدي أن ينشد، فأنشد (٤) :
ألا ما لسيدتي مالها ... أدلت فأحمل إدلالها قال: فنخسني بشار بمرفقه وقال: ويحك! أرأيت أجسر من هذا ينشد مثل هذا الشعر في مثل هذا الموضع، حتى بلغ إلى قوله:
أتته الخلافة منقادةً ... إليه تجرر (٥) أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها