← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

أستثبتها فلم أثبت شيئاً منها. وقيل إنه كان قد شرط لكل من يحفظ " المفصل " للزمخشري مائة دينار وخلعة، فحفظه لهذا السبب جماعة، ورأيت بعضهم بدمشق، والناس يقولون: إن سبب حفظهم له كان هذا، وقيل إنه لما توفي كان قد انتهى بعضهم إلى أواخره وبعضهم في أثنائه وهم على قدر أوقات شروعهم فيه، ولم أسمع بمثل هذه المنقبة لغيره. وكانت مملكته متسعة من حدود بلد حمص إلى العريش يدخل في ذلك بلاد الساحل الإسلاميه منها وبلاد الغور وفلسطين والقدس والكرك والشوبك وصرخد وغير ذلك. وكانت ولادته في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وذكر أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في تاريخه " مرآة الزمان " (١) أن المعظم ولد في سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة، وولد أخوه الأشرف موسى قبله بليلة واحدة. وتوفي المعظم يوم الجمعة مستهل ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة، والله أعلم بالصواب. وقال غيره: بل توفي يوم الجمعة ثامن ساعة من نهار سلخ ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة بدمشق، ودفن بقلعتها ثم نقل إلى جبل الصالحية، ودفن في مدرسة هناك بها قبور جماعة من إخوته وأهل بيته تعرف بالمعظمية، وكان نقله ليلة الثلاثاء مستهل المحرم سنة سبع وعشرين. وكان كثيراً ما ينشد: ومورد الوجنات أغيد خاله ... بالحسن من فرط الملاحة عمه كحل الجفون وكان في ألحاظه ... كحل فقلت سقى الحسام وسمه وهذا ينظر إلى قول عبد الجبار بن حمديس الصقلي - المقدم ذكره (٢) : زادت على كحل الجفون تكحلا ... ويسمٌ نصل السيف وهو قتول رحمه الله تعالى، فلقد كان من النجباء الأذكياء؛ أخبرني جماعة عن شرف

стр. 1507

الدين بن عنين بأمور كانت تجري بينهما تدل على حسن الإدراك وإصابة المقصد، منها: أنه كان ابن عنين قد مرض فكتب إليه (١) : انظر إلي بعين مولىً لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي أنا كالذي أحتاج ما تحتاجه ... فاغنم ثوابي والثناء الوافي فجاء بنفسه إليه يعوده ومعه صرة فيها ثلثمائة دينار، فقال: هذه الصلة وأنا العائد، وهذه لو وقعت لأكابر النحاة ومن هو في ممارسته طول عمره لاستعظم منه، لا سيما مثل هذا الملك، وأشياء كثيرة غير هذه يطول شرحها وكان المقصود ذكر أنموذج منها ليستدل بها على الباقي. (١٤١) وتولى موضعه: ولده الملك الناصر صلاح الدين داود، وتوفي في السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة، في قرية يقال لها البويضاء على باب دمشق، ودفن عند والده. وكانت ولادته يوم السبت، سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وستمائة بدمشق. (١٤٢) وتوفي عز الدين أيبك صاحب صرخد المذكور في أوائل جمادى الأولى من سنة ست وأربعين وستمائة في موضع اعتقاله بالقاهرة. ودفن خارج باب النصر في تربة شمس الدولة، وحضرت الصلاة عليه ودفنه. ثم نقل إلى تربته في مدرسته التي أنشأها ظاهر دمشق على الشرف الأعلى مطلة على الميدان الأخضر الكبير.

стр. 1508

٥١٦ - (١) الفقيه عيسى الهكاري الفقيه أبو محمد عيسى بن محمد بن عيسى بن محمد بن أحمد بن يوسف بن القاسم ابن عيسى بن محمد بن القاسم بن محمد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵁، هكذا أملى علي نسبه ولد ولد أخيه، ويقال له الهكاري، الملقب ضياء الدين. كان أحد الأمراء بالدولة الصلاحية، كبير القدر وافر الحرمة معولاً عليه في الآراء والمشورات (٢) . وكان في مبدأ أمره يشتغل في الفقه بالمدرسة الزجاجية بمدينة حلب، فاتصل بالأمير أسد الدين شيركوه، عم السلطان صلاح الدين - المقدم ذكره (٣) - وصار إمامه يصلي به الفرائض الخمس. ولما توجه أسد الدين إلى الديار المصرية، وتولى الوزارة - كما سبق شرحه - كان في صحبته. ولما توفي أسد الدين اتفق الفقيه عيسى المذكور والطواشي بهاء الدين قراقوش - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - على ترتيب السلطان صلاح الدين موضعه في الوزارة، ودققا الحيلة في ذلك حتى بلغا المقصود، وشرح ذلك يطول؛ فلما تولى صلاح الدين رأى له ذلك واعتمد عليه، ولم يكن يخرج عن رأيه، وكان كثير الإدلال عليه، يخاطبه بما لا يقدر عليه غيره من الكلام، وكان واسطة خير للناس نفع بجاهه خلقاً كثيراً. ولم يزل على مكانته وتوفر حرمته إلى أن توفي في يوم الثلاثاء عند طلوع الشمس، التاسع من ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة بالمخيم بمنزلة الخروبة، ثم نقل إلى القدس ودفن بظاهرها، رحمه الله تعالى.

стр. 1509

وكان يلبس زي الأجناد ويعتم بعمائم الفقهاء، فيجمع بين اللباسين. ورأيت أخاه الأمير مجد الدين أبا حفص عمر أيضاً على هذه الصفة. والخروبة: بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء وضمها وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وبعدها هاء ساكنة، موضع بالقرب من عكا. (١٤٣) وكانت ولادة أخيه مجد الدين عمر في رجب سنة ستين وخمسمائة. وتوفي في الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة ست وثلاثين وستمائة بالقاهرة ودفن بسفح المقطم، وحضرت الصلاة عليه، عليه رحمة الله. ٥١٧ - (١) فخر الدين صاحب تكريت أبو المنصور عيسى بن مودود بن علي بن عبد الملك بن شعيب، الملقب فخر الدين صاحب تكريت؛ هو من أتراك الشام، وكانت فيه فضائل، وله ديوان شعر حسن ورسائل مطبوعة ودوبيت رقيق، فمن شعره قوله: وما ذات طوق في فروع أراكةٍ ... لها رنةٌ تحت الدجى وصدوح ترامت بها أيدي النوى وتمكنت ... بها فرقة من أهلها ونزوح فحلت بزوراء العراق وزغبها ... بعسفان ثاوٍ منهم وطليح تحن إليهم كلما ذر شارق ... وتسجع في جنح الدجى وتنوح إذا ذكرتهم هيجت ذا بلابل ... وكادت بمكتوم الغرام تبوح بأبرح من وجد لذكراكم متى ... تألق برق أو تنسم ريح ومن رسائله على هذا الأسلوب قوله: " ما شوارد أنعام بسباسب فلوات،

стр. 1510

لم يسمها أخمص دارج، ولم يلج فيها جان من مارج، منحتها أنفاس الهجير، لوافح زفرات السعير، فارجحنت من الأين، وراهقت مداناة الحين، فأتت العمق، بعد ثلاثٍ تستبق، وقد أدنفها اللغوب، وكادت أن تعلق بها شعوب، فألفت الماء أزرق سلسالا يعثر بصفحاته النسيم، وتعطفه ذوائب التسنيم، غير أن لا سبيل لها إلى مقراته، ولا وصول إلى موارده ونهلاته: ترنو إليه خوازراً بعيونها ... إذ حاولت مضض الجواد عظيما (١) بأشد من ظمئي إلى لقياكم ... من حيث آنس قلبي التسليما فالرغبة والابتهال إلى فارض الفرض، ورب السكون والنبض، أن يحقق الأماني، ويبدل النائي بالداني، إنه سميع الدعاء ". ومن دوبيتياته: القبض لديك في الهوى والبسط ... يا من أملي عذراه المختط قالوا رشأ فقلت مه لا تخطوا ... من أين لساكن الفيافي قرط وله في النظم والنثر شيء كثير ولطيف. ومولده بمدينة حماه، وقتله إخوته سنة أربع وثمانين وخمسمائة بقلعة تكريت، رحمه الله تعالى. وكان له أخ اسمه الياس، وهو الذي سلم تكريت إلى الإمام الناصر في شوال سنة خمس وثمانين وخمسمائة - وسيأتي في ترجمة مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل أن تكريت كانت لأبيه زين الدين - وكان له غلام من أهل حمص اسمه " تبر " ويقال " طبر " أيضاً - بالتاء والطاء - فولاه قلعة العماديه وكانت أيضاً له، ثم نقله إلى قلعة تكريت، فلما كبر زين الدين وعزم على الانتقال إلى إربل كما شرحته في ترجمة ولده مظفر الدين سلم البلاد التي كانت له إلى قطب الدين، فعصى تبر في تكريت وسير إلى قطب الدين مودود صاحب الموصل يقول له: أنت ما تقيم بتكريت، ولابد لك فيها من

стр. 1511

نائب، وأنا ذلك النائب، فلم يقدر على مشاقته خوفاً أن يسلمها إلى الخليفة، فسكت عنه وأقره على حاله. ولما امتنع تبر من التسليم كان زيد الدين يقول: سود الله وجهك يا تبر كما سودت وجهي مع قطب الدين، ولم يزل تبر بها إلى أن مات، ولم يكن له ولد سوى بنت، فتزوجها ابن أخيه، وهو عيسى ابن مودود صاحب هذه الترجمة وملك تكريت. ثم أنه أحب مطربة فتزوجها وأولدها ولدين: شمس الدين وفخر الدين، وتوصلت المطربة وزوجت ابنها الشمس بابنة حسن بن قفجاق أمير التركمان، وطلبت منه خمسين فارساً تكون عندهم في تكريت لتحفظها. فلما علم أخوته بذلك، وكانوا اثني عشر رجلاً، وثبوا على أخيهم عيسى المذكور فقتلوه خنقاً وملكوا تكريت. ثم وقع بينهم الاختلاف، فباعها المقدم منهم للإمام الناصر لدين الله والله أعلم. وتكريت: بكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الكاف وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها، وهي بلدة كبيرة لها قلعة حصينة على دجلة فوق بغداد بنحو ثلاثين فرسخاً، وهي في بر الموصل، وسميت تكريت بتكريت بنت وائل أخت بكر بن وائل، وبنى قلعتها سابور بن أردشير بن بابك، وهو ثاني ملوك الفرس.

стр. 1512

٥١٨ - (١) الحاجري الإربلي أبو يحيى وأبو الفضل عيسى بن سنجر بن بهرام بن جبريل بن خمارتكين بن طاشتكين الإربلي، المعروف بالحاجري الملقب حسام الدين؛ هو جندي ومن أولاد الأجناد، وله ديوان شعر تغلب عليه الرقة وفيه معاني جيدة وهو مشتمل على شعر والدوبيت والموالية، وقد أحسن في الكل مع أنه قل من يجيد في مجموع هذه الثلاثة، بل من غلب عليه واحد منها قصر في الباقي، وله أيضاً " كان وكان " (٢) واتفقت له فيها مقاصد حسان. وكان صاحبي وأنشدني كثيراً من شعره، فمن ذلك قوله وهو معنى جيد: ما زال يحلف لي بكل أليةٍ ... ألا يزال مدى الزمان مصاحبي لما جفا نزل العذار بخده ... فتعجبوا لسواد وجهه الكاذب وأنشدني لنفسه أيضاً: لك خالٌ من فوق عر ... ش شقيقٍ قد استوى بعث الصدغ مرسلاً ... يأمر الناس بالهوى

стр. 1513

وأنشدني لنفسه أيضاً أبيات منها في صفة الخال: لم يحو ذاك الخد خالاً أسواداً ... إلا لنبت شقائق النعمان وله في الخال أيضاً، [وهو معنى لطيف] (١) : ومهفهف من شعره وجبينه ... أمسى الورى في ظلمة وضياء لا تنكروا الخال الذي في خده ... كل الشقيق بنقطة سوداء ومثل هذا قول بن وكيع التنيسي - المقدم ذكره (٢) - واسمه الحسن: إن الشقيق رأى محاسن وجهه ... فأراد أن يحكيه في أحواله فأفاد حمرة لونه من خده ... وأفاد لون سواده من خاله [وله أيضاً: يقولون لما خط لام عذاره ... سلا كل قلب كان منه سليما لقد كنت أهوى ورد خديه زائراً ... فكيف إذا ما الآس جاء مقيما] (٣) وأنشدني أيضاً أكثر دوبيتياته، فمن ذلك قوله، وقال لي: ما يعجبني فيما عملته مثل هذا الدوبيت، وهو آخر شيء عملته إلى الآن، وهو: حيا وسقى الحمى سحابٌ هامي ... ما كان ألذ عامه من عام يا علوة ما ذكرت أيامكم ... إلا وتظلمت على الأيام وكان لي أخ يسمى ضياء الدين عيسى بينه وبين الحاجري المذكور مودة أكيدة، فكتب إليه من الموصل في صدر كتاب، وكان الأخ بإربل، وذلك في سنة تسع عشرة وستمائة: الله يعلم ما أبقى سوى رمق ... مني فراقك يا من قربه الأمل

стр. 1514

فابعث كتابك واستودعه تعزية ... فربما مت شوقاً قبل ما يصل ومع شهرة ديوانه وكثرة وجوده بأيدي الناس لا حاجة إلى الإطالة في إيراد أكثر من هذا (١) . وكنت خرجت من إربل في أواخر شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة وهو معتقل بقلعتها لأمر يطول شرحه، بعد أن كان قد حبس في قلعة خفتيدكان ثم نقل منها، وله في ذلك أشعار، فمن ذلك قوله أبيات أولها: قيد أكابده وسجنٌ ضيق ... يا ربي شاب من الهموم المفرق ومنها: يا برق إن جئت الديار بإربلٍ ... وعلى عليك من التداني رونق بلغ تحية نازحٍ حسراته ... أبداً بأذيال الصبا تتعلق قل يا جعلت لك الفداء أسير كم ... من كل مشتاق إليكم أشوق والله ما سرت الصبا نجديةً ... إلا وكدت بدمع عيني أشرق كيف السبيل إلى اللقاء ودونه ... شماء شاهقة وباب مغلق وله وهو في السجن أيضاً: أحبابنا أي داعٍ بالبعاد دعا ... وأي خطبٍ دهانا منه تفريق لا كان دهرٌ رمانا بالفراق فقد ... أضحى له في صميم القلب تمزيق كانت تضيق بي الدنيا بغيبتكم ... فكيف سجنٌ ومن عاداته الضيق ثم بلغني بعد ذلك أنه خرج من الاعتقال، واتصل بخدمة الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، رحمه الله تعالى، وتقدم عنده وغير لباسه وتزين بزي الصوفية، فلما توفي مظفر الدين - في التاريخ الأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - سافر عن إربل ثم عاد إليها وقد صارت في مملكة أمير المؤمنين

стр. 1515

المستنصر بالله ونائبه بها الأمير شمس الدين أبو الفضائل باتكين، فأقام مديدة، وكان ورأه من يقصده، فاتفق أن خرج يوماً من بيته قبل الظهر، فوثب عليه شخص وضربه بسكين فأخرج حشوته، فكتب في تلك الحال إلى بآتكين المذكور وهو يكابد الموت: أشكوك يا ملك البسيطة حالة ... لم تبق رعباً (١) في عضواً ساكنا إن تستبح إبلي لقيطة معشر ... ممن أومل غير جأشك مازنا (٢) ومن العجائب كيف يمسي (٣) خائفاً ... من بات في حرم الخلافة آمنا (٤) ثم توفي بعد ذلك من يومه في يوم الخميس ثاني شوال سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن في مقبرة باب الميدان، رحمه الله تعالى، وتقدير عمره خمسون سنة. (١٤٤) وباتكين المذكور كان أرمني الجنس، وهو مملوك أم الخليفة الإمام الناصر لدين الله، ولما أخذ التتر إربل في الدفعة الأولى في أواخر سنة أربع وثلاثين وستمائة رجع إلى بغداد ومات بها يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شوال سنة أربعين وستمائة، ودفن بالشونيزية. والحاجري: بفتح الحاء المهملة وبعد الألف جيم مكسورة وبعدها راء، هذه النسبة إلى حاجر، وكانت بليدة (٥) بالحجاز ولم يبق منها اليوم سوى الآثار، ولم يكن الحاجري منها، بل لكونه استعملها في شعره كثيراً نسب إليها، وهو إربلي الأصل والمولد والمنشأ، ولما غلبت عليه هذه النسبة وعرف بها واشتهرت بحيث صارت كالعلم عليه عمل في ذلك دوبيت، وهو (٦) : لو كنت كفيت من هواك البينا ... ما بات يحاكي دمع عيني عينا

стр. 1516

لولاك لما ذكرت نجداً بفمي ... من أين أنا وحاجر من أين وذكر ذلك أيضاً في أبيات لطيفة أو لها: أي طرف أحيور ... للغزال الأسيمر وآخرها: أيهذا الأريبلي ... هام فيك الحويجري وفي مدينة إربل (١) محلة يقال لها قرية جبريل بالتصغير ذكر أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " أنها منسوبة إلى جده جبريل المذكور. وخمارتكين: بضم الحاء المعجمة. وطاشتكين: بفتح الطاء المهملة وسكون الشين المثلثة. والباقي معروف. وخفتيدكان: بضم الخاء المعجمة وسكون الفاء وكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة وكاف وبعد الألف نون (٢) ، وهي قلعة حصينة مشهورة في بلد إربل، ويقال لها خفتيدكان صارم الدين وهي غير خفتيدكان أبي علي.

стр. 1517

٥١٩ - (١) طويس المغني قال أبو فرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني " (٢) اسمه عيسى بن عبد الله وكنيته أبو عبد المنعم، وغيرها المخنثون فقالوا: عبد النعيم، وهو مولى بني مخزوم، وطويس لقب عليه. وقال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (٣) في فصل عامر بن عبد الله الصحابي، ﵁: ومن موالي آل كريز طويس مولى أروى بنت كريز، وهي أم عثمان بن عفان، ﵁، واسمه عبد الملك ويكنى أبا عبد النعيم. وقال الجوهري في كتاب " الصحاح " (٤) : واسمه طاوس، فلما تخنث جعله طويساً ويسمى بعبد النعيم. وقد وقع هذا الاختلاف في اسمه كما تراه، وقيل إن الأصح أنه عيسى لتطابق جماعة من العلماء عليه. وكان طويس المذكور من المبرزين في الغناء المجيدين فيه، وممن تضرب به الأمثال، وإياه عنى الشاعر بقوله في مدح معبد المغني: تغنى طويسٌ والسريجي بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد وقد ذكر في كتاب " الأغاني " ترجمته وأطال الحديث في أمره وهو الذي يضرب به المثل في الشؤم، فيقال: أشأم من طويس (٥) ، وإنما قيل له ذلك

стр. 1518

لأنه ولد في اليوم الذي قبض فيه رسول الله، ﷺ ، وفطم في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق، ﵁ وختن في اليوم الذي قتل فيه عمر بن الخطاب، وقيل بلغ الحلم في ذلك اليوم، وتزوج في اليوم الذي قتل فيه عثمان بن عفان، ﵁، وولد له مولود في اليوم الذي قتل فيه علي بن أبي طالب، ﵁، وقيل بل في يوم مات الحسن بن علي، ﵄، فلذلك تشاءموا به. وهذا من عجائب الاتفاقات. وكان مفرطاً في طوله مضطرباً في خلقه أحول العين، وكان يسكن المدينة ثم انتقل عنها إلى السويداء، وهي على مرحلتين من المدينة في طريق الشام، فلم يزل بها حتى توفي سنة اثنتين وتسعين للهجرة، رحمه الله تعالى وسامحه، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل إنه مات بالمدينة، والله أعلم. وذكر ياقوت الحموي في كتابه " المشترك " (١) أن قبر طويس المخنث في سقيا الجزل، وما ذكر أين هي (٢) . وطويس: بضم الطاء المهملة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة، وهي تصغير طاوس بعد حذف الزيادات، هكذا قاله الجوهري في " الصحاح "، وله ذكر في كتاب " الأوائل " تأليف أبي هلال العسكري.

стр. 1519

مقدمة الجزء الرابع ١ - النسخ السابقة أستمر الاعتماد في تحقيق هذا الجزء على عدد من النسخ المعتمدة في تحقيق الأجزاء السابقة، وهذه النسخ هي: - مسودة المؤلف التي انتهت عند ترجمة غيلان (ذي الرمة) من هذا الجزء، وكان فقدان القسم التالي منها يمثل فقدان الحكم الذي نطمئن إليه حين تتعدد الخلافات بين النسخ. - نسخة الظاهرية (ر) التي ستظل معتمدة حتى نهاية الكتاب. - النسختان ل (كوبريللي: ١١٩٢) لي (لاله لي: ٢٢١٢) وكلتاهما تنتهي عند ترجمة ابن التعاويذي. - النسخة ن (ولي الدين: ٢٤٦٠) ويستمر الاعتماد عليها بعد هذا الجزء أيضاً. أما النسخة (م) التي اعتمدنا عليها في الأجزاء السابقة، ثم وقع فيها خرم كبير أشرنا إليه في موضعه، فإننا سنهمل الاعتماد عليها بعد إذ توفر لدينا عدد غير قليل من النسخ. ٢ - النسخ الجديدة ذكرنا ست نسخ أسعفتنا في تحقيق هذا الجزء، وقد حصلنا على خمس نسخ أخرى لنجعل عملنا أدق وأوفى، فيكون مجموع النسخ التي راجعناها في تحقيق هذا الجزء (عدا نسخة المختار التي سنتحدث عنها منفردة) إحدى عشرة نسخة وهذا بيان بالنسخ الجديدة:

стр. 1520

(١) نسخة المجمع العلمي العراقي، ورمزها (مج) : كتب على الورقة الأولى منها " الخامس من تاريخ ابن خلكان " وتحت هذه العبارة بخط مختلف " بخط مصنفه رحمه الله تعالى " ثم ذكر لبعض التملكات. وهذه النسخة في ١٥٠ ورقة مسطرتها ١٧×٢٧ سم وفي كل صفحة ١٢ سطراً ومعدل الكلمات في السطر الواحد ٧ كلمات، وتبدأ بترجمة الأمير المختار عز الملك المسبحي وتنتهي بترجمة الحاكم بأمر الله العبيدي وقد وقع فيها خرم كبير عند الورقة ١٤١/ أضاعت بسببه تراجم كثيرة. وعند مقارنتها بالنسخ الأخرى تبين لنا أنها نسخة غريبة حقاً لعدة أمور: فهي تسقط كثيراً من النصوص الورادة في النسخ الأخرى حتى فيما عددناه نسخاً لا تمثل العمل النهائي للمؤلف، وتنفرد بزيادات في الترجمة الواحدة لا ترد في أية نسخة سواها، وأحياناً يجيء نص الرواية المشتركة بينها وبين النسخ الأخرى بعبارة مختلفة كثيراً، وقد سقطت منها بعض التراجم التي لا ريب في أنها من عمل النؤلف، كترجمة ابن مقلة، وانفردت بإيراد ترجمة محمد بن عبد الله بن طاهر ولم ترد في غيرها، كذلك فإن سياق بعض الترجمات فيها (مثل ترجمة ابن الزيات وابن العميد والملك الكامل) مختلف في مجمله عما اتفقت عليه سائر النسخ ولذلك أثبتنا هذه الترجمات مرتين: مرة كما وردت في النسخ المتفقة ومرة كما وردت في (مج) . وعلى الرغم مما تتمتع به هذه النسخ من دقة وضبط فإنها ليست بخط المؤلف كما توهم العبارة المكتوبة على الورقة الأولى، ذلك أنه لا جدال في أن مسودة المؤلف هي النسخ المحفوظة في المتحف البريطاني، وعند مقارنة الخط فيها بالخط في هذه النسخة بتبدي الاختلافق واضحاً حتى لمن لم يكن ذا خبرة بأنواع الخطوط؛ كذلك فإن في حاشية النسخة (مج) بخط الناسخ نفسه إشارة إلى أنه ينقل عن أصل، ومثل هذا يبعد أن تكون نسخة المؤلف؛ ثم أن اعتبارها " الخامس " من تاريخ ابن خلكان ينفي عنها النسبة إلى المؤلف مباشرة لأن تجزئة المؤلف (كما سيتبين عند الحديث عن المختار) تختلف اختلافاً بعيداً عن هذه النسخة التجزئة. ومهما يكن من شيء فإن الخصائص التي تفرد هذه النسخة عما عداها تضعنا أمام سؤال ليس من الممكن أن نجيب عليه، وذلك هو: كيف يفسر مثل هذا

стр. 1521

التفرد لا ريب في أن هذه النسخة قطعة من تاريخ ابن خلكان ولكني أقر بأني عاجز عن تعليل هذا التفاوت الكبير بينها وبين النسخ الأخرى. (٢) نسخة مكتبة قاضي زاده محمد باستانبول، رقم: ٣٧١ (ورموزها: ق) : في المكتبة المذكورة مجلدان، في كل مجلد جزءان، وتحتوي الأجزاء الأربعة جميع كتاب الوفيات، فالمجلد الأول (رقم: ٣٧٠) يضم التراجم حتى قسم من حرف الميم، في ٤٧٣ ورقة، ولم نعتمد عليه في هذا التحقيق، وعليه تملك يعود إلى سنة ٩٢٦، ولكنه مكتوب بنفس الخط الذي كتب به المجلد الثاني. غير أني لما بلغت إلى هذا الحد من تحقيق الكتاب حصلت على الجزء الثاني المشار أليه، وهو يبدأ بترجمة محمد بن السائب الكلبي ويستمر حتى نهاية الكتاب. نسخة محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن النقاش في يوم الأحد الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة ٧٣٩، عدد أوراقه ٥٣٢ ورقة، في كل صفحة ٢٣ سطراً ومعدل الكلمات في السطر ١١ كلمة؛ وهذه النسخة مكتوبة بخط نسخي جميل، والصحة غالبة عليها، إلا أنها غير بارئة من الوهم والسقط والخطأ، وفي قسم من التراجم يغلب عليها التلخيص، ثم تعود النسخة بعد ذلك إلى متابعة نص المؤلف دون حذف، وذلك أمر محير فيها، لأن التراجم التي يغلب عليها التلخيص ليست بخط مختلف عن سائر الخط في هذه النسخة. (٣) النسخة (ت) وهي قطعة من الكتاب كانت بحوزة الصديق الاستاذ محمد بن تاويت الطنجي، وقدمها إلي؛ وتبدأ بجانب من ترجمة مظفر الدين كوكبوري، وتنتهي عند جزء من ترجمة ألب أرسلان السلجوقي، وهي في ١١١ ورقة، في كل صفحة ٢٣ سطراً، ومعدل الكلمات في السطر ١٣، مكتوبة بخط نسخي واضح. وقد أهملت عدداً غير قليل من التراجم الواردة في النسخ الأخرى، وليس فيها اهتمام بالإعجام، ولكن خطها يدل على أنها ربما كانت تنتمي إلى القرن الثامن؛ وهي تقع في صف الفئة الموجزة من النسخ، التي نقلت عن أصل المؤلف قبل أن يضيف إليه، وتقارب النسخة (س) فيما أوردته من تراجم. (٤) نسخة مكتبة جامعة أدنبره باسكتلنده (رقم: ٢٢) ؛ رمزها (بر)

стр. 1522

وتمثل نسخة كلماة من وفيات الأعيان، في ٣٩٤ ورقة بمعدل ٥٣ سطراً في الصفحة، و١٦ كلمة في كل سطر، وفي الورقات العشرين الأخيرة منها بعض طمس ومحو أو عطب، وانقطعت عند جزء من ترجمة يونس بن حبيب، فضاع منها بقية الترجمة وترجمتان تاليتان وخاتمة المؤلف وتاريخ النسخ واسم الناسخ. وعلى الورقة الأولى منها تملكات تواريخها على التوالي: ١٠٢٨، ١٠٨٣، ١١٢٧ وربما كانت من نسخ القرن التاسع أو العاشر، ولا تنفرد بأية زيادات، وهي متوسطة في تراجمها بين النسخ الموجزة (مثل س) والأخرى الطويلة التراجم (مثل ر) . (٥) نسخة مكتبة جون رايلندز، بمنشستر (رقم ٢٩٧ [٦٢٣] تمثل الجزء الثاني من وفيات الأعيان وتبدأ بترجمة أبي شجاع فاتك الكبير، وتنتهي بخاتمة المؤلف، وقد جاء في آخر ناسخها هو محمد بن أبي حامد محمد الحسني الحسيني المكي وأن النسخ تم بمكة، وفرغ منه يوم الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة الحرام آخر شهور سنةى إحدى وتسعين وتسعمائة. وبما أنها تمثل الجزء الثاني فإن أوراقها تبدأ بالرقم ٢٣٩ وتنتهي بالرقم ٥١٦ ومسطرتها ١٩×١٧.٥، في كل صفحة ٢٩ سطراً، بمعدل ١٧ كلمة للسطر الواحد؛ وخطها نسخي دقيق جميل، ونسبة الضبط فيها جيدة، ولكن أوراقها مضطربة دون أن يكون قد ضاع منها شيء. والمطابقة بينها وبين النسخة السابقة (بر) تكاد تكون تامة، فإذا لم نفترض، أنهما نقلتا عن أصل واحد، فليس من المستبعد أن تكون إحداهما قد نقلت عن الأخرى. ٣ - المختار من وفيات الأعيان لابن المؤلف لكتاب وفيات الأعيان في المكتبات المختلفة عدد من الاختصارات والمختارات، رأيت منها في مكتبات استانبول ثلاثة وهي: (١) تجريد ابن خلكان (طوبقبوسراي، رقم: ١٢٢٢ E. H.) في ٩١ ورقة وفي آخر النسخة: " تم المختصر المسمى بالتجريد نهار الأحد عشرين خلت من

стр. 1523

ربيع الأول سنة ستين ومائة بعد الألف " ومن الطريف أن يقول صانع هذه النسخة، وهو إبراهيم بن مصطفى، إن الدفتر المسمى وفيات الأعيان عزيز الوجود عزيز المقدار، لا يمكن توصيله إلا بتكثير من الدينار، وأنه لذلك يلخصه مع المحافظة على تبيان زمان الولادة والوفاة. (٢) المختار من وفيات الأعيان (طوبقبوسراي، رقم ٢٩١٩ A.) وما تبقى منه هو الجزء الأول في ٢١٢ ورقة بترجمة ذي الرمة، وكان تاريخ الاختيار شهر المحرم عام ٧٢٤ على يد محمد بن الحسن بن عقيل البلبيسي الناسخ بالقاهرة المعزية. (٣) مختصر ابن خلكان (أسعد أفندي، رقم: ٢١٩٥) في ٤٣٢ ورقة، والنسخة ناقصة من أولها، تبدأ ببقية من ترجمة المتنبي، وفي آخرها ((تم المختصر المبارك)) (دون تاريخ) . ولكني لم أتوقف عند هذه المختصرات والمختارات عند التحقيق، لكثرة النسخ الكاملة وتوفرها، إلا اختيار واحد، صنعه موسى ولد المؤلف، ولذلك حصلت عليه وجعلته بمنزلة إحدى النسخ، إن لم أضعه فوق سائر النسخ من حيث القيمة. المختار من وفيات الأعيان محفوظة بمكتبة وزارة شئون الهند India Offica بلندن (رقم: ٧٠٥ Loth) ؛ وقد كتب على الورقة الأولى منه بخط غير خط الأصل: " كتاب مختار وفيات الأعيان لموسى بن قاضي القضاة أحمد بن خلكان المشهور، رحمه الله تعالى بمنه وكرمه آمين.... وهو الجزء الثاني ابتداء من حرف العين، ويختم به، تغمدهم الله برحمته الواسعة "؛ ثم تملكات ومطالعات، فالكتاب كان في ملك عبد الرحمن الحمو بالشراء الشرعي، وطالع فيه عثمان ابن الحافظ المغربي سنة ١١٧٢، ونظر فيه آخرون منهم عبد الرحمن العمادي سنة ١٢٠١. ويبدأ القسم المتبقي من هذه النسخة بترجمة أبي القاسم علي بن أفلح (الترجمة رقم ٤٧٦ في الجزء الثالث) ويستمر الاختيار فيه حتى آخر الوفيات، ويقع في ٣٣٣ ورقة، مسطرتها ٥٣×١٩ وعدد الأسطر في كل صفحة ٢١ سطراً، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٢ كلمة، والخط نسخي قليل الاعجام أميل

стр. 1524

إلى التعليق، ولكنه في جملته واضح حسن الضبط، يقل فيه السهو والخطأ إلا أن الترقيم للأوراق ترقيم حديث، وقد ضاعت أوراق كثيرة من هذه النسخة في عدة مواطن متفرقة، رغم تسلسل الأرقام، كذلك فإن بعض الأوراق لم تقع في أماكنها الصحيحة. ومن بداية النسخة حتى الورقة ١٥٠ ينتهي ما يعده صاحب المختار " المجلد الأول " ويبدأ " المجلد الثاني " وقد كتب على الورقة الأولى منه: " المجلد الثاني من المختار من وفيات الأعيان " وتحت هذا العنوان: " يقول الفقير إليه تعالى موسى بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان كاتب هذه التعليقة والمختار لطف الله به: أنني اعتمدت في اختيار هذا المجلد من الكتاب ... ما شرحته في أول المجلد الأول من هذا المختار، من غير إخلال بشيء في ذلك ... الخ " ولما كان أول المجلد الأول قد ضاع مع قسم كبير منه، فأنا لا نعرف ما هو المنهج الذي شرحه ابن المؤلف في اختياره. وعلىالورقة ١٥١ ب من المجلد الثاني كتب ابن المؤلف " بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً: نقلت مبتدئاً من أول الجزء الرابع من كتاب وفيات الأعيان تأليف سيدي والدي أحمد بن محمد ابن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان قدس الله ضريحه مقتضباً تذكرة لنفسي، ومبدأ النقل يوم الأحد ثاني شهر ذي الحجة سنة إحدى وسبعمائة بمدينة بعلبك المحروسة، كتبه ولد المؤلف، الفقير إليه تعالى موسى بن أحمد لطف الله به " ويستمر النقل من الجزء الرابع حتى الورقة ٢٣٣ ب حيث جاء " هذا آخر ما نقلته من الجزء الرابع من كتاب وفيات الأعيان، ويتلوه ما أنقله من المجلد الخامس إن شاء الله تعالى وأوله ترجمة عون الدين ابن هبيرة ". وهذا يدلنا على أن التجزئة النهائية التي اعتمدها المؤلف لكتابه جعلته في خمسة أجزاء نعرف منها بوضوح الجزءين الاخيرين وهما الرابع والخامس. فالرابع حسب تجزئة المؤلف يبتدي بترجمة أبي تميم معد الملقب المعز لدين الله الفاطمي وينتهي بترجمة يحيى بن خالد البرمكي، والخامس يبدأ بترجمة الوزير ابن هبيرة ويستمر حتى آخر الكتاب.

стр. 1525

ولا بأس أن نعيد هنا حقيقتين وردنا في النصوص التي نقلناها عن ولد المؤلف وهما: (١) أن نقل المجلد الثاني من المختار بدأ في ذي الحجة سنة ٧٠١، وهذا يعني طبعاً أن نقل المجلد الأول بدأ قبل ذلك، ولكنا لا نظنه بدأ قبل العام المذكور. (٢) أن ابن المؤلف حين كان ينقل المجلد الأول وبعض الثاني كان يسكن مدينة بعلبك، ونزيد هنا أنه حين انتهى من ترجمة ابن شداد (الورقة ٢٨٩) انتقل من بعلبك إلى دمشق، وهو يشير إلى ذلك بقوله: " قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: هذا آخر ما نقلته من أول كتاب وفيات الأعيان المشار إليه إلى هذا المكان بمدينة بعلبك المحروسة، وذلك في يوم الاثنين سابع صفر سنة اثنتين وسبعمائة، ويتلوه ما أنقله منه بدمشق المحروسة إن شاء الله تعالى ". ثم انتهى من نقل بقية الكتاب بدمشق يوم الأحد ثالث شهر ربيع الآخر سنة ٧٠٢ وهو يسكن قبل الصالحيين بخط ابن جهاركس، قال: " وكان مبدأ ما اخترته منه بدمشق عند قدومي إليها من بعلبك يوم الأحد العشرون من شهر ربيع الأول سنة ٧٠٢ ". وهذا يفيد أنه حين كان في بعلبك أنهى حوالي ١٣٨ ورقة في ٦٥ يوماً، وحين كان في دمشق أنجز نسخ ٤٥ ورقة في ١٢ يوماً، وذلك يعطي فكرة تقريبية عن نسخ الكتاب كله، إذا كان النسخ متتابعاً دون انقطاع؛ ويجب أن نذكر هنا أن النسخ لم يكن دائماً مطرداً، لأن موسى كان يختار، ويتوقف عندما يحذفه أو يثبته. تلك هي نسخة " المختار " وعلى أنها غير كاملة، وقد سقطت منها أوراق في عدة مواضع، فإنها تعد نسخة بالغة الأهمية، ولعلها تلي " مسودة المؤلف " من حيث القيمة؛ ولما كان جانب كبير من مسودة المؤلف بعد حرف الغين ما يزال مفقوداً، فقد كانت الاستعانة بالمختار أمراً ضرورياً أثناء التحقيق لأنه منقول مباشرة عن نسخة المؤلف، ولأن الذي نقله امرؤ عرف المؤلف والكتاب معرفة وثيقة، وهو رجل مثقف ذو مشاركة حسنة في الفن الذي ندب نفسه لأدائه (وسنتحدث عنه بشيء من التفصيل عند الحديث عن المؤلف وكتابه وما

стр. 1526

يتصل بهما في موضع آخر) .وقد أضاف موسى إلى الكتاب فوائد جليلة يتصل كثير منها بأبيه، ويلقي على جوانب من شخصيته وعلاقاته أضواء كاشفة، وكان يضع بين هذه الفوائد المضافة وبين المتن جملة فاصلة يبدأها بقوله: " قال كاتبه موسى بن أحمد لطف الله به " وقد أدرجنا جميع هذه الفوائد في هوامش الكتاب لإيماننا بأنها مفيدة ومنها ما يصور جانباً من ثقافة صانع المختار. وقد أعطانا المختار أحياناً فكرة عن مدى ما أدرجه المؤلف في الترجمة الواحدة، بحيث تأكد لنا أن بعض ما استقلت به مفردات النسخ إنما كان من عمل المؤلف نفسه، وأثبت لدينا أن مجموعة كبيرة من النسخ التي اعتمدناها لا تمثل الشكل النهائي للكتاب، كما أراده مؤلفه، وأن الزيادات التي انفردت بها النسخة (ر) علة وجه الخصوص، هي من أصل المؤلف أيضاً (في هذا القسم من الكتاب) فأما زيادات (مج) فليس هناك ما يثبت، ولو مرة واحدة أنها أصيلة في الكتاب. وكذلك اتضح أن بعض التراجم التي لم ترد في كثير من النسخ (مثل ترجمة يعقوب بن الليث الصفار) إنما هي مما أثبته المؤلف نفسه، لأنها وردت في المختار. أما التراجم التي لم يرد لها ذكر في المختار فلا نقطع بأنها دخيلة لأن المختار يقوم في أساسه على الإيجاز والحذف؛ وقد أهمل صاحب المختار - على هذا الأساس - بعض التراجم كما أنه كان شديد الإيجاز في ما يختاره من بعضها الآخر، وليس له في اختياره منهج محدد، فهو حيناً يهتم بإيراد الشعر، وحيناً يهتم بإيراد الخبر، ومرة ثالثة يكاد لا يحذف شيئاً من الترجمة. غير أنه كان يقدم ويؤخر حسبما تمليه عليه طريقته، ويجمع الأشياء المتشابهة في نطاق، ويحذف في الغالب اسم المصدر المنقول عنه. ونراه في أحيان أخرى يجمل الخبر على طريقته الخاصة، ولكنه في ذلك كله لم يحاول أن يغير في العبارة الأصلية للمؤلف أو أن يقحم في السياق ما ليس من الأصل دون أن ينبه إليه؛ وقد اعتذر عن الطريقة التي جرى عليها في اختياره بقوله في الخاتمة: " وقد قدمت في أول هذا المختار أنني اخترت منه ونقلته تذكرة لنفسي، فليعذر من يقف على ذلك، فأن الآراء والأهواء تختلف، والله أعلم ". ومع ذلك كله فإن المختار سيبقى ذا قيمة كبيرة حتى بعد أن تكتشف

стр. 1527

الأقسام الضائعة من مسودة المؤلف. وقد ختم موسى كتابه بترجمة موجزة لوالده، وتقديراً لما توضحه من معلومات دقيقة راينا أن نثبتها في هذه المقدمة. ٤ - ترجمة المؤلف بقلم ابنه موسى قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد مؤلف هذا الكتاب [المختار] لطف الله به: وكانت وفاة والدي أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان، تغمده الله برحمته، وقت أذان العصر من يوم السبت السادس والعشرين من شهر رجب سنة إحدى وثمانين وستمائة بدمشق المحروسة، بالمدرسة الجمالية النجيبية، رحم الله واقفها، المجاورة للمدرسة النورية التي بحضرة الخواصين؛ ودفن يوم الأحد السابع والعشرين من بعد ما صلى عليه بجامع دمشق في الساعة الثانية بسفح جبل قاسيون، في الصحراء، جوار التربة الصوابية التي بالسفح من غربي الجبل، من شرقيها؛ وكان مبدأ مرضه يوم الثلاثاء ثاني عشرين شهر رجب المذكور. وأخبرني غير مرة أنه ولد وقت أذان العصر من يوم الخميس حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستمائة بمدينة إربل، بالمدرسة المظفرية. وقد تقدم في هذا الكتاب في عدة مواضع ذكر نبذ من أحواله وما جراياته وذكر بعض شيوخه وصفة بعض اشتغااله فأغنى عن الإعادة هنا طلباً للإيجاز والاختصار. وأخبرني أيضاً أن قبيلته التي ينتسب إليها من الأكراد القبيلة المعروفة بالزرزارية، وأن أباه وأمه أصلها من مدينة بلخ إحدى كراسي خراسان، وذلك أن أباه هو محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان بائك بن عبد الله بن الحسين ابن مالك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي، وبرمك وبيته من أهل بلخ، وأمه من ولد خلف بن أيوب صاحب الإمام أبي حنيفة، ﵄، وهو من أهل بلخ أيضاً، وكانت حنيفة من أهل الموصل واسمها آمنة ولأبيها الشيخ شمس الدين [....] الحنفي شيخ الطائفة الحنفية بالموصل في عصره. واخبرني أيضاً أن جده أبا بكر ابن خلكان اشتغل في الفقه على الشيخ أبي

стр. 1528

إسحاق الفيروزابادي الشيرازي وتخرج عليه، وأنه أول من اشتغل بالفقه من عمود نسبه، وأنه توفي سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وقد ناهز تسعين سنة من العمر. قلت: وكان عود والدي رحمه الله تعالى إلى دمشق المحروسة في يوم الخميس السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وسبعين وستمائة، وقد قلد الأحكام بالشام المحروسة على ما كان عليه الرسم في مباشرة ذلك إلى ثاني عشر صفر سنة تسع وسبعين وستمائة؛ وصرف عن الحكم في ذلك في المحنة التي جرت بدمشق بسبب قيام الأمير شمس الدين الأشقر الصالحي بالأمير بدمشق وأعمالها، وما آل أمره إليه من الحروب في دمشق في التاريخ المذكور، عندما كسره العسكر القادم من الديار المصرية، وكان مقدمه الأمير علم الدين الحلبي الكبير الصالحي. ثم أعيد والدي إلى الحكم بالبلاد الشامية في رابع عشر شهر ربيع الأول من السنة المذكورة فاستمر إلى سلخ المحرم سنة ثمانين وستمائة، وانفصل عنها، وانقطع بالمدرسة النجيبية التي توفي فيها حسبما تقدم ذكره، وكنت أنا يومئذ مدرسها، واستمرت بيدي ثلاث عشرة سنة. ورتب له على المصالح في كل شهر ثلاثمائة درهم، ثم أضيفت إليه المدرسة الأمينية التي بدمشق في أثناء السنة المذكورة، واستمر على ذكر الدرس بها والعود إلى مسكنه والاجتماع بمن تردد إليه من العلماء والفضلاء والأدباء على اختلاف طبقاتهم، والبحث معهم والمذاكرة لهم وبث العلوم والفوائد إلى أن توفي في التاريخ المقدم ذكره، قدس الله روحه ونور ضريحه. وهذه نبذة فيها خلاصة أحواله المتأخرة مع المبالغة في الاختصار والإيجاز، ولم أذكر منها هذه اللمعة إلا لاحتمال من يتفق وقوفه على هذه التعليقة، ويتشوف للوقوف على شيء من أحواله، لكونه تأسياً لما في هذا الكتاب من ذكر التواريخ. وقد ذكرت في أول هذه التعليقة صورة ما اخترته وما اعتقدته فيما نقلته من هذا الكتاب، فأغنى عن إعادته، والله الموفق للصواب.

стр. 1529

٥ - شكر وتقدير وفي الختام أحب أن أتوجه بالشكر الجزيل لعدد ممن أعانني في تذليل بعض العقبات التي اعترضت سبيلي في تحقيق هذا الجزء، وأخص بالذكر منهم الأصدقاء: العلامة المحقق محمد بن تاويت الطنجي الأستاذ بكلية الإلهيات بجامعة أنقرة الذي أهداني النسخة المرموز إليها بالحرف (ت) والأستاذ عبد الله الجبوري أمين مكتبة المتحف العراقي الذي أهداني ميكروفيلم من النسخة (مج) والأستاذ سامي الصفار الذي قدم إلي صورة عن قطعة من تاريخ إربل محفوظة بمكتبة تشستربيتي بدبلن (ارلنده) وصوراً عن فهارس صنعها لعدد من المخطوطات القيمة المحفوظة بجامعة كيمبردج؛ والدكتور أحمد أبو حاكمة الذي أمن إيصال نسخة المختار إلي؛ والدكتور إبراهيم السامرائي الذي أبدى اهتماماً فائقاً بهذا العمل وكتب إلي عن استعداده لتصوير ما أريده من مكتبة جامعة بغداد مما يعين على التحقيق؛ ولن يفوتني أيضاً أن اشكر المس واطسن المسئولة عن المخطوطات بمكتبة وزارة شئون الهند India Office ومدير مكتبة ادنبره ومدير مكتبة جون رايلندز بمنشستر فقد ابدوا جميعاً عوناً مشكوراً في غرسال ما طلبته من مصورات؛ فما كان هذا العمل ليتم على النحو الذي ارتضيته لولا هذا العون الكثير الذي تلقيته، وفيه نفسه حافز لي للمضي بهذا العمل إلى أن يكتمل بتوفيق الله وعونه. بيروت في ١١ كانون الثاني (يناير) ١٩٧١. إحسان عباس

стр. 1530

حرف الغين

стр. 1531

فراغ

стр. 1532

٥٢٠ - (١) غازي بن زنكي سيف الدين غازي بن عماد زنكي بن آق سنقر، صاحب الموصل - وقد تقدم ذكر والده في حرف الزاي (٢) - وأنه قتل على حصار قلعة جعبر، فلما قتل وكان معه ألب أرسلان بن السلطان محمود المعروف بالخفاجي السلجوقي، المذكور في ترجمة عماد الدين زنكي، اجتمع أكابر الدولة، وفيهم الوزير جمال الدين محمد (٣) الأصبهاني، المعروف بالجواد، والقاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهروزي - وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى - وقصدوا خيمة ألب أرسلان المذكور، وقالوا له: كان عماد الدين زنكي غلامك ونحن غلمانك، والبلاد لك، وطمنوا (٤) الناس بهذا الكلام. ثم إن العسكر افترق فرقتين: فطائفة منهم (٥) توجهت صحبة نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - إلى الشام، والطائفة الثانية سارت مع ألب أرسلان وعساكر الموصل وديار ربيعة إلى الموصل، فلما انتهوا إلى سنجار تخيل ألب أرسلان منهم الغدر فتركهم وهرب، فلحقه بعض

стр. 1533

العسكر وردوه، فلما وصلوا إلى الموصل وصلهم سيف الدين غازي المذكور، وكان مقيما بشهرزور لأنها كانت إقطاعه من جهة السلطان مسعود السلجوقي - الآتي ذكره إن شاء الله بعض القلاع، وملك الموصل وما كان لأبيه من ديار ربيعة، وترتبت أحواله، وأخذ أخوه نور الدين محمود - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - حلب وما والاها من بلاد الشام، ولم تكن دمشق يومئذ لهم. وكان غازي المذكور منطويا على خير وصلاح يحب العلم وأهله، وبنى بالموصل المدرسة المعروفة بالعتيقة، ولم تطل مدته في المملكة (١) حتى توفي أربعين سنة، ودفن في مدرسته المذكورة، رحمه الله تعالى، وتولى بعده أخوه قطب الدين مودود - وسيأتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى. ٥٢١ - (٢) الغازي ابن مودود سيف غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر، صاحب المزصل، وهو ابن أخي المذكور قبله؛ تقلد المملكة بعد وفاة أبيه مودود، وهو والد سنجر شاه صاحب جزيرة ابني عمر، ولما توفي والده - في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته - بلغ الخبر الدين وهو بتل باشر، فسار من

стр. 1534

ليلته طالبا بلاد الموصل إلى الرقة في المحرم سنة ست وستين وخمسمائة وملكها، وسار منها إلى نصبين فملكها في بقية الشهر، وأخذ سنجار في شهر ربيع الآخر منها، ثم قصد الموصل وقصد أن لايقاتلها، فعبر بعسكره من مخاضة بلد - وهي سيف الدين المذكور وعرفه صحة قصده، فصالحه ودخل الموصل في ثالث عشر جمادى الأولى، وأقر صاحبها فيها وزوجه ابنته وأعطى أخاه عماد الدين زنكي - المذكور في ترجمة جده عماد الدين زنكي (١) - سنجار، وخرج من الموصل وعاد إلى الشام ودخل حلب في شعبان من السنة المذكورة، فلما مات نور الدين وملك صلاح الدين دمشق ونزل على حلب يحاصرها سير سيف الدين المذكور جيشا مقدمه أخوه عز الدين مسعود - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - والتقوا عند قرون حماة، وسيأتي تفصيل ذلك هناك، فلما انكسر عز الدين مسعود تجهز سيف الدين بنفسه وخرج إلى لقائه وتصافا على تل السلطان، وهي قرية بين حلب حماة، وذلك في بكرة الخميس عاشر شوال سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، قال العماد الأصبهاني في " البرق الشامي " زابن شداد في " سيرة صلاح الدين " (٢) : إنه انكسرت ميسرة صلاح الدين بمظفر الدين ابن زين الدين، فإنه كان في ميمنة سيف الدين ثم حمل صلاح الدين بنفسه، فانهزم جيش سيف الدين وعاد إلى حلب، ثم رحل إلى الموصل، ومظفر الدين المذكور هو صاحب إربل - وترجمته في حرف الكاف - وأقام غازي في المملكة عشر سنين وشهورا، وأصابه مرض مزمن (٣) وتوفي يوم الأحد ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وتولى بعده أخوه عز الدين مسعود - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكان مرضه السل، وطال به، وعاش مقدار ثلاثين سنة (٤) .

стр. 1535

٥٢٢ - (١) الملك الظاهر صاحب حلب أبو الفتح وأبو منصور غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، الملقب الملك (٢) الظاهر غياث الدين صاحب حلب، كان ملكا مهيبا حازما متيقظا كثير الاطلاع على أحوال رعيته وأخبار الملوك، عالي الهمة حسن التدبير والسياسة باسط العدل محبا للعلماء مجيزا للشعراء، أعطاه والده مملكة حلب في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بعد أن كانت لعمه الملك العادل، فنزل عنها وتعوض غيرها، كما قد شهر. ويحكى عن سرعة إدراكه أشياء حسنة: منها أنه جلس يوما لعرض العسكر، وديوان الجيش بين يديه، فكان كلما حضر واحد من الأجناد سأله الديوان عن اسمه لينزلوه (٣) ، حتى حضر واحد فسألوه (٤) فقبل الأرض، فلم يفطن أحد من أرباب الديوان لما أراد، فاودوا سؤاله، فقال الملك الظاهر: اسمه غازي، وكان كذلك، وتأدب الجندي أن يذكر اسمه لما كان موافقا لاسم السلطان، وعرف هو مقصوده، وله من هذا الجنس شيء كثير لا حاجة إلى التطويل فيه. وكانت ولادته بالقاهرة في منتصف رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة، وهي السنة الثانية من استقلال أبيه بمملكة الديار المصرية. وتوفي بقلعة حلب، ليلة

стр. 1536

الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن بالقلعة، ثم بنى الطواشي شهاب الدين طغريل الخادم اتابك ولده الملك العزيز مدرسة تحت القلعة وعمر فيها تربة ونقله إليها، رحمه الله تعالى. والعجب أنه دخل حلب مالكا لها في الشهر بعينه واليوم من سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. ورثاه شاعره الشرف راجح بن إسماعيل بن أبي القاسم الأسدي الحلي (١) ، وكنيته أبو الوفاء، بهذه القصيدة، ومدح ولديه السلطان الملك العزيز محمدا وأخاه الملك الصالح صاحب عين تاب، وما أقصر فيها، وهي: سل الخطب إن أصغى إلى من يخاطبه ... بمن علقت أنيابه ومخالبه نشدتك عاتبع على نائباته ... وإن كان نائي السمع عمن يعاتبه لي الله كم أرمي بطرفي ضلالة ... إلى أفق مجد قد تهاوت كواكبه فما لي أرى الشهباء قد حال صبحها ... علي دجى لا تستنير غياهبه أحقا حمى الغازي الغياث بن يوسف ... أبيح وعادت خائبات مواكبه نعم كورت شمس المدائح وانطوت ... سماء العلا والنجح ضاقت مذاهبه فمن مخبري عن ذلك الطود هل وهت ... قواعده أم لان للخطب جانبه أجل ضعضعت بعد الثبات وزعزعت ... بريح المنايا العاصفات مناكبه وغيض ذاك البحر من بعد ما طمت ... وطمت لغيبان (٢) البلاد غواربه فشلت يمين الخطب أي مهند ... برغم العلا سلت وفلت مضاربه لئن حبس الغيث الغياثي قطره ... فقد سحبت في كل قطر سحائبه فأنى يلذ العيش بعد ابن يوسف ... أبو أمل أكدت عليه مطالبه فلا أدركت نيل المنى طالباته ... ولا بركت في أرض يمن (٣) ركائبه

стр. 1537

ولا انتجعت إلا معبس حقبة ... من الجدب لا تثني عليه حقائبه مضى من أقام الناس في ظل عدله ... وآمن من خطب تدب (١) عقاربه فكم من حمى صعب أباحت سيوفه ... ومن مستباح قد حمته كتائبه أرى اليوم دست الملك أصبح خاليا ... أما فيكم من مخبر أين صاحبه فمن سائلي عن سائل الدمع لم جرى ... لعل فؤادي بالوجيب يجاوبه فكم من ندوب في قلوب نضيجة (٢) ... بنار كروب أججتها نوادبه أيسلم لم تحطم صدور رماحه ... بذب ولم تثلم بضرب قواضبه ولا اصطدمت عند الحتوف (٣) كماته ... ولا ازدحمت بين الصفوف جنائبه ولا سيم أخذ الثار يوم كريهة ... تشق مثار النقع فيها سلاهبه فيا ملبسي ثوبا من الحزن مسبلا ... أيحسن بي أن التسلي سالبه خدمتك، روض المجد تضفو ظلاله (٤) ... علي، وحوض الجود تصفو مشاربه وقد كنت تدنيني وترفع مجلسي ... لمفروض مدح ما تعداك واجبه فما بال إذني قد تمادى ولم يكن ... إذا جئت يثنيني عن الباب حاجبه أرى الشمس أخفت يوم فقدك نورها ... فلا كان يوم كاسف الوجه شاحبه فكيف نبا سيف اعتزامك أو كبا ... جواد من الحزم الذي أنت راكبه فمن لليتامى يا غياث يغيثهم ... إذا الغيث (٥) لم ينقع صدى العام ساكبه ومن لملوك كنت ظلا عليهم ... ظليلا إذا ما الدهر نابت نوائبه أيا تاركي ألقى العدو مسالما ... متى ساءني بالجد قمت ألاعبه سقت قبرك الغر الغوادي وجاده ... من الغيث سارية الملث وساربه

стр. 1538

فإن يك نور من شهابك قد خبا ... فيا طالما جلى دجى الليل ثاقبه فقد لاح بالملك العزيز محمد ... صباح هدى كنا زمانا نراقبه فتى لم يفته من أبيه وجده ... إباء وجد غالبا من يغالبه ومن كان في المسعى أبوه دليله ... تدانى له الشأو الذي هو طاله وبالصالح استعلى صلاح رعية ... لها منه رعي ليس يقلع راتبه فحسب الورى من أحمد ومحمد ... مليكان من عاداهما ذل جانبه فما أحرزا علياء غازي بن يوسف ... وما ضيعا المجد الذي هو كاسبه فأفق الورى لولاهما كان أظلمت ... مشارقه من بعده ومغاربه سيحمي على رغم الليالي حماهما ... عوالي قنا تردى الأسود ثعالبه فكم من ملم جل موقع خطبه ... فساءت مباديه وسرت عواقبه فيا قمري سعد أطلا على الدجى ... فولى وما ألوى على الأرض (١) هاربه أيمكث في الشهباء عبد أبيكما ... ومادحه أم تستقل نجائبه فإن شئتما بعد الغياث أغثتما ... مصاب سهام فوقتها مصائبه كأن لم أقف أجلو التهاني أمامه ... وتضحك في وجه الأماني مواهبه (٢) فهنيتما ما نلتما وبقيتما ... لإعلاء ملك ساميات مراتبه وهذه القصيدة مع جودتها فيها مواضع مأخوذة من مرثية الفقيه عمارة اليمني للصالح بن رزيك، وبعضها مذكور في ترجمة الصالح، وكأنه قد نسج على منوالها، فإنها على وزنها وإن كان حرف الروي مختلفا، فقد استعمل هاء الوصل كما استعمله عمارة، والظاهر أنه كان قد وقف عليها فقصد مضاهاتها (٣) . (١٤٥) وقام بالأمر ومملكة حلب من بعده: ولده الملك العزيز غياث الدين أبو المظفر محمد ابن الملك الظاهر، ومولده يوم الخميس خامس ذي الحجة

стр. 1539

سنة عشر وستمائة بقلعة حلب، وتوفي يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة، وكنت بحلب في ذلك الوقت، وذفن بالقلعة. (١٤٦) وترتب مكانه ولده الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف ابن الملك العزيز، واتسعت مملكته، فإنه ملك عدة بلاد من الجزيرة الفراتية لما كسر الخوارزمية، وكان مقدم جيشه الملك المنصور صاحب حمص، وذلك في أواخر سنة إحدى وأربعين أو أوائل سنة اثنتين وأربعين، ثم ملك دمشق والبلاد الشامية يوم الأحد سابع عشر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وستمائة، ومولده بقلعة حلب في تاسع عشر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة، وقصده التتر وملكوا الشام، فخرج من دمشق في صفر سنة ثمان وخمسين، وقتل في الثالث والعشرين من شوال سنة ثمان وخمسين بالقرب من المراغة من أعمال أذربيجان على ما نقل الناقل، والله أعلم، وقصته مشهورة. (١٤٧) وتوفي عمه الملك الصالح صلاح الدين أحمد ابن الملك الظاهر صاحب عين تاب في شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة، وكانت ولادته في صفر سنة ستمائة بحلب، ومات بعين تاب، رحمهم الله تعالى أجمعين. وإنما قدموا العزيز وهو الأصغر على أخيه الصالح لأن أمه صفية خاتون بنت الملك العادل بن أيوب، فقدموه في الملك لأجل جده وأخواله اولاد العادل، وأما الصالح فإن أمه جارية. (١٤٨) وتوفي الشرف الحلي المذكور في ليلة السابع والعشرين من شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة بدمشق، رحمه الله تعالى، ودفن بظاهرها في جوار مسجد النارنج شرقي مصلى العيد، ومولده في منتصف شهر ربيع الآخر سنة سبعين وخمسمائة بالحلة، وهو من مشاهير شعراء عصره.

стр. 1540

٥٢٣ - (١) ذو الرمة أبو الحارث غيلان بن عقبة بن بهيش (٢) بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ساعدة بن كعب بن عوف بن ربيعة بن ملكان بن عدي بن عبد مناة ابن أد بن طانجة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، الشاعر المشهور المعروف بذي الرمة، أحد فحولة الشعراء، ويقال إنه كان ينشد شعره في سوق الإبل، فجاء الفرزدق فوقف عليه، فقال له ذو الرمة: كيف ترى ما تسمع يا أبا فراس فقال: ما أحسن ما تقول! قال: فما لي لا أذكر مع الفحول قال: قصر بك عن غايتهم بكاؤك في الدمن، وصفتك للأبعار والعطن. وهو أحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته مية ابنة مقاتل بن طلبة (٣) بن قيس بن عاصم المنقري، وقيس بن عاصم هو الذي قدم على رسول الله ﷺ في وفد بني تميم فأكرمه، وقال له: أنت سيد أهل الوبر، وقال أبو عبيد البكري (٤) : هي مية بنت عاصم بن طلبة بن قيس بن عاصم، والله أعلم بالصواب. وكان ذو الرمة كثير التشبيب بها في شعره، وإياهما عنى أبوتمام الطائي بقوله في قصيدته البائية: ما ربع مية معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب

стр. 1541

وقال ابن قتيبة في كتاب " طبقات الشعراء " (١) : قال أبو ضرار الغنوي (٢) : رأيت مية وإذا معها بنون لها، فقلت: صفها لي، قال: مسنونة الوجه طويلة الخد شماء الأنف، عليها وسم جمال، قلت: أكانت تنشدك شيئا مما قال فيها ذو الرمة قال: نعم. ومكثت مية زمانا تسمع شعر ذي الرمة ولاتراه، فجعلت لله تعالى عليها أن تنحر بدنة يوم تراه، فلما رأته رأت رجلا دميما أسود، وكانت من أهل الجمال، فقالت: واسوأتاه، وابؤساه! فقال ذو الرمة (٣) : على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب العار لو كان باديا ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيا فواضيعة الشعر الذي لج فانقضى ... بمي ولم أملك ضلال فؤاديا [ويروى أن ذا الرمة لم ير مية قط إلا في برقع، فأحب أن ينظر إلى وجهها فقال: جزى الله البراقع من ثياب ... عن الفتيان شرا ما بقينا يوارين الملاح فلا نراها ... ويخفين القباح فيزدهينا فنزعت البرقع عن وجهها، وكانت باهرة الحسن، فلما رآها مسفرة قال: على وجه مية مسحة من ملاحة ... البيت المقدم، فنزعت ثيابها وقامت عريانة، فقال: ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... البيت المذكور، فقالت له: أتحب أن تذوق طعمه قال: إي والله، فقالت

стр. 1542

له: تذوق الموت قبل أن تذوقه، والله أعلم] (١) . ومن شعره السائر فيها (٢) : إذا هبت الأرواح من نحو جانب ... به أهل مي هاج قلبي هبوبها هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس حيث كان (٣) حبيبها وكان (٤) ذو الرمة يشبب (٥) بخرقاء أيضا، وهي من بني البكاء بن عامر بن صعصعة وسبب تشبيبه بها أنه مر في سفر ببعض البوادي، فإذا خرقاء خاجة من خباء، فنظر إليها فوقعت في قلبه، فخرق إداوته ودنا منها يستطعم كلامها، فقال: إني رجل على ظهر سفر، وقد تخرقت إداوتي، فأصلحيها لي، فقالت: والله ما احسن العمل وإني لخرقاء، والخرقاء التي لا تعمل شغلا لكرامتها على أهلها، فشبب بها ذو الرمة وسماها خرقاء، وإياها عنى بقوله وهو في غاية المبالغة (٦) : وما شنتا خرقاء واهيتا الكلى ... سقى بها ساق ولم يتبللا بأضيع من عينيك للدمع كلما ... تذكرت ربعا أو توهمت منزلا وقال المفضل الضبي (٧) : كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حججت، فقال لي يوما: هل لك أن أريك خرقاء صاحبة ذي الرمة فقلت له: إنن فعلت فقد بررتني، فتوجهنا جميعا نريدها، فعدل بي عن الطريق بقدر ميل، ثم أتينا

стр. 1543

أبيات شعر، فاستفتح بيتا ففتح له، وخرجت علينا امرأة طويلة حسانة بها قوة، والحسانة أشد حسنا من الحسناء، فسلمت وجلست وتحدثنا ساعة، ثم قالت لي: هل حججت قط: قلت: غير مرة، قالت: فما منعك من زيارتي، أما علمت أني منسك (١) من مناسك الحج قلت: وكيف ذلك قالت: أما سمعت قول ذي الرمة (٢) : تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام وكان ذو الرمة كثير المديح لبلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁، وفيه يقول مخاطبا ناقته صيدح، وهذا الاسم علم عليها: إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر وقد أخذ هذا المعنى من قول الشماخ في عرابة الأوسي ﵁، وهو أيضا يخاطب ناقته من جملة أبيات: إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين وجاء بعدهما أبو نواس (٣) فكشف عن هذا المعنى وأوضحه بقوله في الأمين محمد بن هارون الرشيد: وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام حتى قال بعض العلماء، ولا أستحضر الآن من هو القائل، لما وقف على بين أبي نواس: هذا المعنى والله الذي كانت العرب تحوم حوله فتخطئه ولا تصيبه فقال الشماخ كذا، وقال ذو الرمة كذا، وأنشد بيتيهما المذكورين، وما أبانه إلا أبو نواس بهذا البيت، وهو في نهاية الحسن. والأصل في هذا المعنى (٤)

стр. 1544

قول الأنصارية المأسورة بمكة، وكانت قد نجت على ناقة لرسول الله ﷺ ، فلما وصلت إليه قالت: يا رسول الله، إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها، فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم لبئس ما جزيتها. وتفسير هذا المعنى: إني لست أحتاج أن أرحل إلى غيرك، فقد كفيتني وأغنيتني، إلا أن الشماخ وعد ناقته بالذبح، وذا الرمة دعا عليها أيضا بالذبح، وأبو نواس حرم الركوب على ظهرها وأراحها من الكد في الأسفار، فهو أتم في المقصود، لكونه أحسن إليها في قبالة إحسانها إليه، حيث أوصلته إلى الممدوح. وكان لذي الرمة إخوة: هشام وأوفى (١) ومسعود، فمات أوفى ثم مات ذو الرمة بعدة، فقال مسعود يرثيهما - هكذا قال ابن قتيبة، وقال في الحماسة في المراثي خلاف هذا، والله أعلم بالصواب - والأبيات التي قالها مسعود: تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملآن مترع ولم ينسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع وهي من جملة أبيات، وهذا مسعود هو الذي أشار إليه أبو تمام بقوله: إن كان مسعود سقى أطلالهم ... سبل الشؤون فلست من مسعود قال أبو القاسم الآمدي صاحب كتاب الموازنة بين الطائيين في الكلام على هذا البيت: هذا مسعود أخو ذي الرمة، وكان يلوم أخاه ذا الرمة على بكائه الطلول، حتى قال فيه ذو الرمة (٢) : عشية مسعود يقول وقد جرى ... على لحيي من واكف الدمع قاطر أفي الدار تبكي إذ بكيت صبابة ... وأنت امرؤ قد حلمتك العشائر

стр. 1545

فكأن أبا تمام يقول: إن كان مسعود قد رجع عن ذلك المذهب وصار يبكي على الطلول فلست منه، وهذا أبلغ في التبري منه مما إذا كان هذا شأنه، فصار كقول القائل: إن كان حاتم قد بخل أو السموأل قد غدر فلست منهما، وهذا أبلغ من قوله: إن كان البخيل قد بخل والغادر قد غدر فلست منهما، وهذا حاصل ما قاله الآمدي، وإن كان بغير هذه العبارة (١) . وأخبار ذي الرمة كثيرة، والاختصار أولى. وكانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة، رحمه الله تعالى، ولما حضرته الوفاة قال: أنا ابن نصف الهرم، أنا ابن أربعين سنة، وأنشد (٢) : يا قابض الروح عن نفسي إذا احتضرت ... وغافر الذنب زحزحني عن النار وغافر الذنب زحزحني عن النار ... وإنما قيل له ذو الرمة بقوله في الوتد (٣) : أشعث باقي رمة التقليد ... والرمة - بضم الراء - الحبل البالي، وبكسرها العظم البالي. وقال أبو عمرو بن العلاء: ختم الشعر بذي الرمة والرجز برؤبة بن العجاج (٤) ، فقيل له: إن رؤبة حي، فقال: نعم، ولكن ذهب شعره كما ذهب مطعمه وملبسه ومنكحه، فقيل له: فهؤلاء الآخرون فقال: مرقعون مهدمون، إنما هم كل على غيرهم (٥) .
следующие страницы →