← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وقال ابن قتيبة في كتاب " طبقات الشعراء " (١) : قال أبو ضرار الغنوي (٢) : رأيت مية وإذا معها بنون لها، فقلت: صفها لي، قال: مسنونة الوجه طويلة الخد شماء الأنف، عليها وسم جمال، قلت: أكانت تنشدك شيئا مما قال فيها ذو الرمة قال: نعم. ومكثت مية زمانا تسمع شعر ذي الرمة ولاتراه، فجعلت لله تعالى عليها أن تنحر بدنة يوم تراه، فلما رأته رأت رجلا دميما أسود، وكانت من أهل الجمال، فقالت: واسوأتاه، وابؤساه! فقال ذو الرمة (٣) : على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب العار لو كان باديا ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيا فواضيعة الشعر الذي لج فانقضى ... بمي ولم أملك ضلال فؤاديا [ويروى أن ذا الرمة لم ير مية قط إلا في برقع، فأحب أن ينظر إلى وجهها فقال: جزى الله البراقع من ثياب ... عن الفتيان شرا ما بقينا يوارين الملاح فلا نراها ... ويخفين القباح فيزدهينا فنزعت البرقع عن وجهها، وكانت باهرة الحسن، فلما رآها مسفرة قال: على وجه مية مسحة من ملاحة ... البيت المقدم، فنزعت ثيابها وقامت عريانة، فقال: ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... البيت المذكور، فقالت له: أتحب أن تذوق طعمه قال: إي والله، فقالت

стр. 1542

له: تذوق الموت قبل أن تذوقه، والله أعلم] (١) . ومن شعره السائر فيها (٢) : إذا هبت الأرواح من نحو جانب ... به أهل مي هاج قلبي هبوبها هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس حيث كان (٣) حبيبها وكان (٤) ذو الرمة يشبب (٥) بخرقاء أيضا، وهي من بني البكاء بن عامر بن صعصعة وسبب تشبيبه بها أنه مر في سفر ببعض البوادي، فإذا خرقاء خاجة من خباء، فنظر إليها فوقعت في قلبه، فخرق إداوته ودنا منها يستطعم كلامها، فقال: إني رجل على ظهر سفر، وقد تخرقت إداوتي، فأصلحيها لي، فقالت: والله ما احسن العمل وإني لخرقاء، والخرقاء التي لا تعمل شغلا لكرامتها على أهلها، فشبب بها ذو الرمة وسماها خرقاء، وإياها عنى بقوله وهو في غاية المبالغة (٦) : وما شنتا خرقاء واهيتا الكلى ... سقى بها ساق ولم يتبللا بأضيع من عينيك للدمع كلما ... تذكرت ربعا أو توهمت منزلا وقال المفضل الضبي (٧) : كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حججت، فقال لي يوما: هل لك أن أريك خرقاء صاحبة ذي الرمة فقلت له: إنن فعلت فقد بررتني، فتوجهنا جميعا نريدها، فعدل بي عن الطريق بقدر ميل، ثم أتينا

стр. 1543

أبيات شعر، فاستفتح بيتا ففتح له، وخرجت علينا امرأة طويلة حسانة بها قوة، والحسانة أشد حسنا من الحسناء، فسلمت وجلست وتحدثنا ساعة، ثم قالت لي: هل حججت قط: قلت: غير مرة، قالت: فما منعك من زيارتي، أما علمت أني منسك (١) من مناسك الحج قلت: وكيف ذلك قالت: أما سمعت قول ذي الرمة (٢) : تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام وكان ذو الرمة كثير المديح لبلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁، وفيه يقول مخاطبا ناقته صيدح، وهذا الاسم علم عليها: إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر وقد أخذ هذا المعنى من قول الشماخ في عرابة الأوسي ﵁، وهو أيضا يخاطب ناقته من جملة أبيات: إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين وجاء بعدهما أبو نواس (٣) فكشف عن هذا المعنى وأوضحه بقوله في الأمين محمد بن هارون الرشيد: وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام حتى قال بعض العلماء، ولا أستحضر الآن من هو القائل، لما وقف على بين أبي نواس: هذا المعنى والله الذي كانت العرب تحوم حوله فتخطئه ولا تصيبه فقال الشماخ كذا، وقال ذو الرمة كذا، وأنشد بيتيهما المذكورين، وما أبانه إلا أبو نواس بهذا البيت، وهو في نهاية الحسن. والأصل في هذا المعنى (٤)

стр. 1544

قول الأنصارية المأسورة بمكة، وكانت قد نجت على ناقة لرسول الله ﷺ ، فلما وصلت إليه قالت: يا رسول الله، إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها، فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم لبئس ما جزيتها. وتفسير هذا المعنى: إني لست أحتاج أن أرحل إلى غيرك، فقد كفيتني وأغنيتني، إلا أن الشماخ وعد ناقته بالذبح، وذا الرمة دعا عليها أيضا بالذبح، وأبو نواس حرم الركوب على ظهرها وأراحها من الكد في الأسفار، فهو أتم في المقصود، لكونه أحسن إليها في قبالة إحسانها إليه، حيث أوصلته إلى الممدوح. وكان لذي الرمة إخوة: هشام وأوفى (١) ومسعود، فمات أوفى ثم مات ذو الرمة بعدة، فقال مسعود يرثيهما - هكذا قال ابن قتيبة، وقال في الحماسة في المراثي خلاف هذا، والله أعلم بالصواب - والأبيات التي قالها مسعود: تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملآن مترع ولم ينسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع وهي من جملة أبيات، وهذا مسعود هو الذي أشار إليه أبو تمام بقوله: إن كان مسعود سقى أطلالهم ... سبل الشؤون فلست من مسعود قال أبو القاسم الآمدي صاحب كتاب الموازنة بين الطائيين في الكلام على هذا البيت: هذا مسعود أخو ذي الرمة، وكان يلوم أخاه ذا الرمة على بكائه الطلول، حتى قال فيه ذو الرمة (٢) : عشية مسعود يقول وقد جرى ... على لحيي من واكف الدمع قاطر أفي الدار تبكي إذ بكيت صبابة ... وأنت امرؤ قد حلمتك العشائر

стр. 1545

فكأن أبا تمام يقول: إن كان مسعود قد رجع عن ذلك المذهب وصار يبكي على الطلول فلست منه، وهذا أبلغ في التبري منه مما إذا كان هذا شأنه، فصار كقول القائل: إن كان حاتم قد بخل أو السموأل قد غدر فلست منهما، وهذا أبلغ من قوله: إن كان البخيل قد بخل والغادر قد غدر فلست منهما، وهذا حاصل ما قاله الآمدي، وإن كان بغير هذه العبارة (١) . وأخبار ذي الرمة كثيرة، والاختصار أولى. وكانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة، رحمه الله تعالى، ولما حضرته الوفاة قال: أنا ابن نصف الهرم، أنا ابن أربعين سنة، وأنشد (٢) : يا قابض الروح عن نفسي إذا احتضرت ... وغافر الذنب زحزحني عن النار وغافر الذنب زحزحني عن النار ... وإنما قيل له ذو الرمة بقوله في الوتد (٣) : أشعث باقي رمة التقليد ... والرمة - بضم الراء - الحبل البالي، وبكسرها العظم البالي. وقال أبو عمرو بن العلاء: ختم الشعر بذي الرمة والرجز برؤبة بن العجاج (٤) ، فقيل له: إن رؤبة حي، فقال: نعم، ولكن ذهب شعره كما ذهب مطعمه وملبسه ومنكحه، فقيل له: فهؤلاء الآخرون فقال: مرقعون مهدمون، إنما هم كل على غيرهم (٥) .

стр. 1546

[وقال أبو عمرو، قال جرير: لو خرس ذو الرمة بعد قوله قصيدته التي أولها: ما بال عينيك منها الماء ينسكب ... كان أشعر الناس، وقال أبو عمرو: سمعت ذا الرمة يقول: إذا نزل بنا نازل قلنا له: الحليب أحب إليك أم المخيض فإن قال المخيض، قلنا: عبد من أنت: وإن قال الحليب، قلنا: ابن من أنت وقال أبو عمرو: شعر ذي الرمة نقط عروس يضمحل عن قليل، وأبعار ظباء لها شم في أول رائحة، ثم يعود إلى البعر. وبالجملة فقد كان من مشاهير الشعراء في عصره، وذوي التقدم في النظم في دهره، رحمه الله تعالى. وذكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب - اعتلال القلوب - عن محمد ابن سلمة الضبي قال: حججت، فلما صدرت من الحج تيممت منهلا من المناهل، وإذا بيت بناحية من الطريق، فأنخت بفنائه، فقلت: أنزل فقالت ربة البيت: نعم، فقلت: وادخل قالت: أجل، فدخلت فإذا بجارية أحسن من الشمس، فجلست أحدثها وكأن الدر ينثر من فيها، فبينا أنا كذلك إذ خرجت عجوز مؤتزرة بعباءة مشتملة باخرى، فقالت: يا عبد الله، ما جلوسك هاهنا عند هذا الغزال النجدي الذي لا تأمن حباله، ولا ترجو نواله فقالت لها الجارية: أي جدة دعيه يتعلل كما قال ذو الرمة (١) : فإن لا يكن إلا تعلل ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها قال: فأقمت يومي وانصرفت، وفي قلبي كجمر الغضا من حبها] (٢) .

стр. 1547

فراغ

стр. 1548

حرف الفاء

стр. 1549

فراغ

стр. 1550

٥٢٤ - (١) فاتك المجنون أبو شجاع فاتك الكبير المعروف بالمجنون، كان روميا، أخذ صغيرا هو وأخ له وأخت لهما من بلد الروم من موضع قرب حصن يعرف بذي الكلاع، فتعلم الخط بفلسطين، وهو ممن أخذه الإخشيد من سيده بالرملة كرها بلا ثمن، فأعتقه صاحبه، وكان معهم حرا في عدة المماليك، وكان كريم النفس بعيد الهمة شجاعا كثير الإقدام، ولذلك قيل له المجنون، وكان رفيق الأستاذ كافور في خدمة الإخشيد، فلما مات مخدومهما وتقرر كافور في تربية (٢) ابن الإخشيد - كما سيأتي في ترجمة كافور إن شاء الله تعالى - أنف فاتك من الإقامة بمصر كيلا يكون كافور أعلى رتبة منه، ويحتاج أن يركب في خدمته، وكانت الفيوم وأعمالها إقطاعا له، فانتقل إليها واتخذها سكنا له، وهي بلاد وبيئة كثيرة الوخم، فلم يصح له بها جسم، وكان كافور يخافه ويكرمه فزعا منه وفي نفسه منه ما فيها، فاستحكمت العلة في جسم فاتك وأحوجته إلى دخول مصر للمعالجة، فدخلها وبها أبو الطيب المتنبي ضيفا للأستاذ كافور، وكان يسمع بكرم فاتك وكثرة سخائه (٣) ، غير أنه لا يقدر على قصد خدمته خوفا من كافور، وفاتك يسأل عنه ويراسله بالسلام، ثم التقيا في الصحراء مصادفة من غير ميعاد، وجرى بينهما مفاوضات، فلما رجع فاتك إلى داره حمل لأبي الطيب في ساعته هدية قيمتها ألف دينار، ثم أتبعها بهدايا بعدها، فاستأذن المتنبي الأستاذ كافورا في مدحه فأذن له، فمدحه في التاسع من جمادى الآخرة سنة

стр. 1551

ثمان وأربعين وثلثمائة بقصيدته المشهورة التي أولها، وهي من غر القصائد (١) : لاخيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال وما أحسن قوله فيها: كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال ثم توفي فاتك المذكور ليلة الأحد عشاء، لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمسين وثلثمائة بمصر، فرثاه المتنبي، وكان قد خرج من مصر، بقصيدته التي أولها (٢) : الحزن يقلق والتجمل يردع ... والدمع بينهما عصي طيع وما أرق قوله فيها: إني لأجبن من فراق أحبتي ... وتحس نفسي بالحمام فأشجع ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلم بي عتب الصديق فأجزع تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يتوقع ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا فيدركها الفناء فتتبع وهي من المراثي الفائقة. ثم عمل بعد خروجه من بغداد يذكر مسيرة من مصر ويرثي فاتكا المذكور، وأنشأها يوم الثلاثاء لتسع خلون من شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، وأولها (٣) : حتام نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه على خف ولا قدم

стр. 1552

ومنها في ذكر فاتك: لا فاتك آخر في مصر نقصده ... ولا له خلف في الناس كلهم من لا تشابهه الأحياء في شيم ... أمسى تشابهه الأموات في الرمم عدمته وكأني سرت أطلبه ... فما تزيدني الدنيا على العدم وله فيه شيء آخر (١) ، رحمه الله تعالى. ٥٢٥ - (٢) صاحب قلائد العقيان أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان بن عبد الله القيسي الإشبيلي صاحب كتاب قلائد العقيان، له عدة تصانيف منها الكتاب المذكور وقد جمع فيه من شعراء المغرب طائفة كثيرة، وتكلم على ترجمة كل واحد منهم (٣) بأحسن عبارة وألطف إشارة، وله أيضا كتاب - مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملمح أهل الأندلس - وهو ثلاث نسخ كبرى وصغرى ووسطى، وهو كتاب كثير الفائدة، لكنه قليل الوجود في هذه البلاد، وكلامه في هذه الكتب يدل على فضله وغزارة مادته، وكان كثير الأسفار سريع التنقلات. وتوفي قتيلا سنة خمس وثلاثين وخمسمائة بمدينة مراكش في الفندق (٤) .

стр. 1553

وقال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه الذي سماه " المطرب من أشعار أهل المغرب " (١) : " إني لقيت جماعة من أصحابه وحدثوني عنه بتصانيفه وعجائبه، وكان مخلوع (٢) العذار في دنياه، لكن كلامه في تواليفه كالسحر الحلال والماء الزلال، قتل ذبحا في مسكنه بفندق (٣) من حضرة مراكش صدر سنة تسع وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وإن الذي أشار بقتله أمير المسلمين أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين " هذا كله لفظه، والله أعلم بالصواب. وأمير المسلمين المذكور هو أخو أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذي ألف له أبو نصر المذكور " قلائد العقيان " وقد ذكره في خطبة الكتاب. ٥٢٦ - (٤) الشهاب فتيان الشاغوري الشهاب فتيان بن علي بن فتيان بن ثمال (٥) ، الأسدي الحريمي (٦) المعروف بالشاغوري المعلم، كان فاضلا وشاعرا ماهرا، خدم الملوك ومدحهم وعلم أولادهم، وله ديوان شعر (٧) فيه مقاطيع حسان، وأقام مدة بالزبداني وله فيها أشعار لطيفة، فمن ذلك قوله في جنة الزبداني، وهي أرض فيحاء جميلة المنظر تتراكم عليها الثلوج في زمن الشتاء وتنبت أنواع الأزهار في زمن الربيع، ولقد

стр. 1554

أحسن فيها كل الإحسان، وهي (١) : قد أجمد الخمر كانون بكل قدح ... وأخمد الجمر في الكانون حين قدح ياجنة الزبداني أنت مسفرة ... بحسن وجه إذا وجه الزمان كلح فالثلج قطن عليك السحب تندفه ... والجو يحلجه والقوس قوس قزح وله وقد دخل إلى حمام ماؤها شديد الحرارة، وكان قد شاخ [وكبر] (٢) : أرى ماء حمامكم كالحميم ... نكابد منه عناء وبوسا وعهدي بكم تسمطون الجداء ... فما بالكم تسمطون التيوسا [ثم وجدت في كتاب الخريدة في ترجمة سعد بن إبراهيم الشيباني الاسعردي الملقب بالمجد الكاتب خمسة أبيات، قال العماد الأصبهاني صاحب " الخريدة ": أنشدنيها سعد المذكور في ذم حمام، ولم يقل إنها له، والبيت الخامس منها: وقد كان في العرف سمط الجداء ... فلم صرتم تسمطون التيوسا وقال العماد: وهو إلى سادس شهر ربيع الآخر سنة سبع وثمانين وخمسمائة مقيم بالعسكر المنصور على عكا. قلت: فقد استعمله فتيان الشاعر تضمينا، فنبهت عليه كيلا يظن أنه لفتيان] . وكان قد تعلق بخدمة الأمير بدر الدين مودود بن المبارك شحنة دمشق، وهو أخر عز الدين فروخ (٣) شاه ابن أخي السلطان صلاح الدين لأمه، وكان يعلم أولاده الخط، فكتب إليه شرف الدين بن عنين: يامن تلقب ظلما بالشهاب وإن ... نافى بظلمته في أفقها الشهبا لا يغررنك من مودود دولته ... وإن تمسكت من أسبابها سببا

стр. 1555

فلست تنبح فيها غير واحدة ... حتى تلف على خيشومك الذنبا وهذا البيت الأخير من أبيات الحماسة وقد استعمله تضمينا، وكانت بينهما مكاتبات ومداعبات يطول شرحها. [ومولده بعد سنة ثلاثين وخمسمائة ببانياس. ومن شعره: علام تحركي والحظ ساكن ... وما نهنهت في طلب ولكن أرى نذلا تقدمه المساوي ... على حر تؤخره المحاسن وله ديوان آخر صغير جميع ما فيه دوبيت رأيته بدمشق ونقلت منه: الورد بوجنتيك زاه زاهر ... والسحر بمقلتيك واف وافر والعاشق في هواك ساه ساهر ... يوجر ويخاف فهو شاك شاكر] (١) وتوفي فتيان المذكور سحر الثاني والعشرين من المحرم سنة خمس عشرة وستماءة، ودفن بمقابر باب الصغير، رحمه الله تعالى. والشاغوري: بفتح الشين المعجمة وبعد الألف غين معجمة مضمومة ثم واو ساكنة بعدها راء، هذه النسبة إلى الشاغور، وهي عمارة بظاهر دمشق من جملة ضواحيها (٢) . والزبداني: بفتح الزاي والباء الموحدة والدال المهملة وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها، وهي قرية بين دمشق وبعلبك كثيرة الأشجار والمياه، رأيتها مرارا، وهي في غاية الحسن والطيبة (٣) .

стр. 1556

٥٢٧ - (١) الفضل بن يحيى البرمكي أبو العباس الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك (٢) البرمكي، كان من أكثرهم كرما مع كرم البرامكة وسعة جودهم، وكان أكرم من أخيه جعفر المقدم ذكره (٣) ، وكان جعفر أبلغ في الرسائل والكتابة منه، وكان هارون الرشيد قد ولاه الوزارة قبل جعفر، وأراد أن ينقلها إلى جعفر فقال لأبيهما يحيى: يا أبت - وكان يدعوه يا أبت - إني أريد أن أجعل الخاتم الذي لأخي الفضل لجعفر، وكان يدعوه الفضل يا أخي، فإنهما متقاربان في المولد، وكانت أم الفضل قد أرضعت الرشيد، واسمها زبيدة من مولدات المدينة، والخيزران أم الرشيد أرضعت الفضل، فكانا أخوين من الرضاع، وفي ذلك قال مروان بن أبي حفصة يمدح الفضل: كفى لك فضلا أن أفضل حرة ... غذتك بثدي والخليفة واحد لقد زنت يحيى في المشاهد كلها ... كما زان يحيى خالدا في المشاهد قال الرشيد ليحيى (٤) : وقد احتشمت من الكتاب إليه في ذلك فاكفنيه، فكتب والده إليه: قد أمر أمير المؤمنين بتحويل الخاتم من يمينك إلى شمالك فكتب إليه الفضل قد سمعت مقالة (٥) أمير المؤمنين في أخي وأطعت، وما

стр. 1557

انتقلت عني نعمة صارت إليه، ولا غربت عني رتبة طلعت عليه فقال جعفر: لله أخي ما أنفس نفسه، وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منة العقل فيه، وأوسع في البلاغة ذرعه. وكان الرشيد قد جعل ولده محمدا في حجر الفضل بن يحيى، والمأمون في حجر جعفر، فاختص كل واحد منهما بمن في حجره، ثم إن (١) الرشيد قلد الفضل بعمل خراسان، فتوجه إليها وأقام بها مدة، فوصل كتاب صاحب البريد بخراسان إلى الرشيد ويحيى جالس بين يديه ومضمون الكتاب أن الفضل بن يحيى متشاغل بالصيد وإدمان اللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به إلى يحيى، وقال له: يا أبت، اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه بما يردعه عن هذا، فكتب يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين مما أنت عليه من التشاغل (٢) بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزين بك، فإنه من عاد إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه أهل دهره إلا به، والسلام وكتب في أسفله هذه الأبيات: انصب نهارا في طلاب العلا ... واصبر على فقد لقاء الحبيب حتى إذ الليل أتى مقبلا ... واستترت فيه وجوه العيوب فكابد اليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب كم من فتى تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمر عجيب غطى عليه الليل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب ولذة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كل عدو رقيب والرشيد ينظر إلى ما يكتب (٣) ، فلما فرغ قال: أبلغت يا أبت، فلما ورد

стр. 1558

الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهارا إلى أن انصرف من عمله (١) . ومن مناقبه أنه لما تولى (٢) خراسان دخل إلى بلخ وهو وطنهم، وبها النوبهار وهو بيت النار التي كانت المجوس تعبدها، وكان جدهم برمك خادم ذلك البيت - حسبما هو مشروح في ترجمة جعفر - فأراد الفضل هدم ذلك البيت، فلم يقدر عليه لإحكام بنائه، فهدم منه ناحية وبنى فيها مسجدا. وذكر الجهشياري في - أخبار الوزراء (٣) - أن الرشيد ولى جعفر بن يحيى الغرب كله من الأنبار إلى أفريقية في سنة ست وسبعين ومائة، وقلد الضل الشرق كله من شروان (٤) إلى أقصى بلاد الترك، فأقام جعفر بمصر (٥) واستخلف على عمله، وشخص الفضل إلى عمله في سنة ثمان وسبعين، فلما وصل إلى خراسان أزال سيرة الجور، وبنى المساجد والحياض والربط وأحرق دفاتر البقايا (٦) وزاد الجند، ووصل الزوار والقواد والكتاب في سنة تسع بعشرة آلاف درهم، واستخلف على عمله، وشخص في آخر هذه السنة إلى العراق، فتلقاه الرشيد وجمع له الناس وأكرمه غاية الإكرام، وأمر الشعراء بمدحه والخطباء بذكر فضله، فكثر المادحون له، ومدحه إسحاق بن إبراهيم الموصلي بأبيات منها: لو كان بيني وبين الفضل معرفة ... فضل بن يحيى لأعداني على الزمن هو الفتى الماجد الميمون طائره ... والمشتري الحمد بالغالي من الثمن وكان أبو الهول الحميري (٧) قد هجا الفضل، ثم أتاه راغبا إليه، فقال له:

стр. 1559

ويلك! بأي وجه تلقاني فقال: بالوجه الذي ألقى به الله وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك، فضحك ووصله (١) . ومن كلامه: ماسرور الموعود بالفائدة كسروري بالإنجاز. وقيل له: ما أحسن كرمك لولا تيه فيك، فقال: تعلمت الكرم والتيه من عمارة بن حمزة (٢) . فقيل له: وكيف ذلك فقال: كان أبي عاملا على بعض كور بلاد فارس، فانكسرت عليه جملة مستكثرة، فحمل إلى بغداد، وطولب بالمال، فدفع جميع ما يملكه، وبقيت عليه ثلاثة آلاف ألف درهم لا يعرف لها وجها، والطلب عليه حثيث، فبقي حائرا في أمره، وكانت بينه وبين عمارة بن حمزة منافرة ومواحشة، لكنه علم أنه ما يقدر على مساعدته إلا هو، فقال لي يوما وأنا صبي: امض إلى عمارة وسلم عليه عني وعرفه الضرورة التي قد صرنا إليها واطلب منه هذا المبلغ على سبيل القرض إلى أن يسهل الله تعالى باليسرة، فقلت له: أنت تعلم ما بينكما، وكيف أمضي إلى عدوك بهذه الرسالة وأنا أعلم أنه لو قدر على إتلافك لأتلفك فقال: لا بد أن تمضي إليه لعل الله يسخره ويوقع في قلبه الرحمة، قال الفضل: فلم يمكني معاودته (٣) ، وخرجت وأنا أقدم رجلا وأؤخر (٤) أخرى، حتى أتيت داره واستأذنت في الدخول عليه، فأذن لي، فلما دخلت وجدته في صدر إيوانه متكئا على مفارش وثيرة، وقد غلف سعر رأسه ولحيته بالمسك، ووجهه إلى الحائط وكان من شدة تيهه لا يقعد إلا كذلك، قال الفضل: فوقفت (٥) أسفل الإيوان، وسلمت عليه فلم يرد السلام، فسلمت عليه عن أبي وقصصت عليه

стр. 1560

القصة، فسكت (١) ساعة ثم قال: حتى ننظر، فخرجت من عنده نادما على نقل خطاي إليه، موقنا بالحرمان عاتبا على أبي كونه كلفني إذلال نفسي بما لا فائدة فيه، وعزمت على أن لا أعود إليه غيظا منه، فغبت عنه ساعة ثم جئته وقد سكن ما عندي، فلما وصلت إلى الباب وجدت أبغالا محملة، فقلت: ما هذه فقيل: إن عمارة قد سير المال (٢) ، فدخلت على أبي ولم أخبره بشيء مما جرى لي معه كيلا أكدر عليه إحسانه، فمكثنا قليلا، وعاد أبي إلى الولاية وحصلت له أموال كثيرة، فدفع إلي ذلك المبلغ وقال: تحمله إليه، فجئت به ودخلت عليه، فوجدته على الهيئة الأولى، فسلمت عليه فلم يرد، فسلمت عليه عن أبي وشكرت إحسانه وعرفته بوصول المال، فقال لي بحرد: ويحك أقسطارا كنت لأبيك اخرج عني لا بارك الله فيك، وهو لك، فخرجت ورددت المال إلى أبي وعجبنا من حاله، فقال لي: يا بني، والله ما تسمح نفسي لك بذلك، ولكن خذ ألف ألف درهم واترك لأبيك ألفي ألف درهم، فتعلمت منه الكرم والتيه. [وحكى الجهشياري في " أخبار الوزراء " (٣) هذه الحكاية، لكن بين الحكايتين اختلاف قليل، وذكر أن جملة المال ألف ألف درهم، وكان ذلك في أيام المهدي، وكان يحيى قد ضمن فارس فانكسر عليه المال، وقال المهدي لمن يطالبه بالمال: إن أدى لك المال قبل المغرب من يومنا هذا وإلا فأتني برأسه، وكلن المهدي مغضبا عليه] (٤) . والقسطار: الصيرفي (٥) . وعمارة المذكور من أولاد عكرمة مولى ابن عباس، وقد تقدم ذكره، وكان

стр. 1561

كاتب أبي جعفر المنصور ومولاه، وكان تائها معجبا، كريما بليغا فصيحا، أعور. وكان المنصور وولده المهدي يقدمانه، ويحتملان أخلاقه لفضله وبلاغته ووجوب حقه، وولي لهما الأعمال الكبار، وله رسائل مجموعة من جملتها رسالة الخميس (١) التي تقرأ لبني العباس. ويحكى أن الفضل دخل عليه حاجبه يوما فقال له (٢) : إن بالباب رجلا زعم (٣) أن له سببا يمت به إليك، فقال: أدخله فإذا هو شاب حسن الوجه رث الهيئة، فسلم، فأوما إليه بالجلوس فجلس، فقال له بعد ساعة: ما حاجتك قال، أعلمتك بها رثاثة ملبسي (٤) ، قال: نعم، فما الذي تمت به إلي قال: ولادة تقرب من ولادتك، وجوار يدنو من جوارك، واسم مشتق من اسمك، قال الفضل: أما الجوار فيمكن، وقد يوافق الاسم الاسم، ولكن من أعلمك بالولادة قال: أخبرتني أمي أنها لما ولدتني قيل لها: قد ولد هذه الليلة ليحيى بن خالد غلام وسمي الفضل، فسمتني أمي فضيلا إكبارا لاسمك أن تلحقني به، وصغرته لقصور قدري عن قدرك، فتبسم الفضل وقال له: كم أتى عليك من السنين قال: خمس وثلاثون سنة، قال: صدقت، هذا المقدار الذي أعد، قال: فما فعلت (٥) أمك قال: ماتت، قال: فما منعك من اللحاق بنا متقدما قال: لم أرض نفسي للقائك، لأنها كانت في عامية معها حداثة تقعدني عن لقاء الملوك، وعلق هذا بقلبي منذ أعوام، فشغلت نفسي بما يصلح للقائك حتى رضيت نفسي (٦) ، قال: فما تصلح له قال: الكبير من الأمر والصغير، قال: يا غلام، أعطه لكل عام مضى من سنه ألف درهم، وأعطه

стр. 1562

عشرة آلاف درهم يجمل بها نفسه إلى وقت استعماله (١) . وأعطاه مركوبا سريا. ثم إن الرشيد لما قتل جعفرا - على ما تقدم في ترجمته - قبض على أبيه يحيى وأخيه الفضل المذكور، وكان عنده، ثم توجه الرشيد إلى الرقة وهما معه وجميع البرامكة في التوكيل غير يحيى، فلما وصلوا إليها وجه الرشيد إلى يحيى أن أقم بالرقة أو حيث شئت، فوجه إليه (٢) : إني أحب أن أكون مع ولدي، فوجه إليه: أترضى بالحبس فذكر أنه يرضى به، فحبس معهم، ووسع عليهم، ثم كانوا حينا يوسع عليهم وحينا يضيق عليهم حسبما ينقل إليه عنهم، واستصفى أموال البرامكة (٣) . ويقال: إن الرشيد سير (٤) مسرورا الخادم إلى السجن، فجاءه فقال للمتوكل بهما: أخرج إلي الفضل، فأخرجه، فقال له: إن أمير المؤمنين يقول لك: إني قد أمرتك أن تصدقني عن أموالكم (٥) ، فزعمت أنك قد فعلت (٦) ، وقد صح عندي أنك بقيت لك أموالا كثيرة (٧) ، وقد أمرني إن لم تطلعني على المال أن أضربك مائتي سوط، وأرى لك أن لا تؤثر مالك على نفسك، فرفع الفضل رأسه (٨) وقال: والله ما كذبت فيما أخبرت به، ولو خيرت بين الخروج من ملك الدنيا (٩) وأن أضرب سوطا واحدا لاخترت الخروج، وأمير المؤمنين يعلم ذلك، وأنت تعلم أنا كنا نصون أعراضنا بأموالنا، فكيف صرنا نصون أموالنا بأنفسنا فإن كنت قد أمرت بشيء فامض له، فأخرج مسرورا أسواطا كانت معه في منديل، وضربه مائتي سوط، وتولى ضربه الخدم

стр. 1563

فضربوه أشد الضرب، وهم لا يحسنون (١) الضرب، فكادوا أن يتلفوه، وتركوه. وكان هناك رجل بصير بالعلاج فطلبوه لمعالجته، فلما رآه قال: يكون قد ضربوه خمسين سوطا، فقيل: بل مائتي سوط، فقال: ما هذا إلا أثر خمسين سوطا لا غير، ولكن يحتاج أن ينام على ظهره على بارية وأدوس صدره، فجزع الفضل من ذلك ثم أجاب إليه، فألقاه على ظهره وداسه، ثم أخذ بيده وجذبه عن البارية، فتعلق بها من لحم ظهره شيء كثير، ثم أقبل يعالجه، إلى أن نظر يوما إلى ظهره، فخر المعالج ساجدا لله تعالى، فقيل له: ما بالك فقال: قد برئ وقد نبت في ظهره لحم حي، ثم قال: ألست قلت هذا ضرب خمسين سوما، أما والله لو ضرب ألف سوط ما كان أثرها بأشد من هذا الأثر، وإنما قلت ذلك حتى تقوى نفسه (٢) فيعينني على علاجه (٣) . ثم إن الفضل اقترض من بعض أصحابه عشرة آلاف درهم (٤) وسيرها له (٥) ، فردها عليه، فاعتقد أنع قد استقلها، فقترض عليها عشرة آلاف أخرى وسيرها فأبى أن يقبلها وقال: ما كنت لآخذ على معالجة فتى من الكرام كراء، والله لو كانت عشرين ألف دينار ما قبلتها، فلما بلغ ذلك الفضل قال: والله إن الذي فعله هذا أبلغ من الذي فعلناه في جميع أيامنا من المكارم، وكان قد بلغه ان ذلك المعالج كان في شدة وضائقة. وكان الفضل ينشد وهو في السجن هذه الأبيات، وأظنها لأبي العتاهية، ثم وجدتها لصالح بن عبد القدوس من جملة أبيات قالها وهو محبوس، وقيل إنها لعلي بن الخليل، وكان هو وصالح المذكور يتهمان بالزندقة، فحبسهما الخليفة المهدي بن المنصور، فقال هذه الأبيات (٦) :

стр. 1564

إلى الله فيما نالنا نرفع الشكوى ... ففي يده كشف المضرة والبلوى خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلا نحن في الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا (١) وقد مدح البرامكة جميع شعراء عصرهم، فمن ذلك قول مروان بن أبي حفصة، وقيل إنها لأبي الحجناء في الفضل المذكور: عند الملوك منافع ومضرة ... وأرى البرامك لا تضر وتنفع إن كان شر كان غيرهم له ... والخير منسوب إليهم أجمع وإذا جهلت من امرئ أعراقه ... وقديمه فانظر إلى ما يصنع إن العروق إذا استسر بها الندى ... أشب (٢) النبات بها وطاب المزرع وغضب الرشيد على العتابي فشفع له الفضل فرضي عنه، فقال: ما زلت في غمرات الموت مطرحا ... يضيق عني وسيع الرأي والحيل فلم تزل دائما تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي اجلي ومدحه أبو نواس بقصائد، قال في بعضها: سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك لعل الفضل يجمع بيننا فقيل له: قد أسأت المقال في المخاطبة بهذا القول، فقال: أردت جمع تفضل لا جمع توصل، وتبعه المتنبي بقوله: عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي صيرتني في الهوى مثلا وعمل فيه بعض الشعراء بيتا واحدا وهو: ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... ترك الناس كلهم شعراء

стр. 1565

فاستحسنوا منه ذلك وعابوا عليه كونه مفردا، فقال [أبو] العذافير ورد ابن سعد العمى (١) : علم المفحمين أن ينظموا الأش ... عار منا والباخلين السخاء فاستحسنوا منه ذلك. وكان الفضل كثير البر بأبيه، وكان أبوه يتأذى من استعمال الماء البارد في زمن الشتاء. فيحكى أنهما لما كانا في السجن لم يقدرا على تسخين الماء، فكان الفضل ياخذ الإبريق النحاس وفيه الماء فيلصقه إلى بطنه زمانا عساه تنكسر برودته بحرارة بطنه حتى يستعمله أبوه بعد ذلك. واخباره كثيرة. وكانت ولادته لسبع بقين من ذي الحجة سنة سبع (٢) وأربعين ومائة [وذكر الطبري في تاريخه في أول خلافة هارون الرشيد أن مولد الفضل بن يحيى سنة ثمان وأربعين، والله أعلم] (٣) . وتوفي بالسجن سنة ثلاث وتسعين ومائة في المحرم غداذ جمعة بالرقة، وقيل إنه توفي في شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين ومائة، رحمه الله تعالى. ولما بلغ الرشيد موته قال: أمري قريب من أمره، وكذا كان، فإنه توفي بطوس سنة ثلاث وتسعين ومائة ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة، وقيل النصف منه، وقيل ليلة الخميس النصف من جمادى الأولى، وقال ابن اللبان الفرضي: في شهر ربيع الآخر، مع اتفاقهم على السنة وقد تقدم أنه كان قرينه في الولادة أيضا [وترتب في الخلافة ولده المين محمد والمأمون صاحب خراسان] .

стр. 1566

٥٢٨ - (١) الفضل بن الربيع أبو العباس الفضل بن الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة، واسمه كيسان، مولى عثمان بن عفان، ﵁، وقد تقدم ذكر أبيه في حرف الراء وشيء من أخباره مع المنصور أبي جعفر، فلما آل الأمر إلى الرشيد واستوزر البرامكة، كان الفضل بن الربيع يروم التشبه بهم ومعارضتهم، ولم يكن له من القدرة ما يدرك به اللحاق بهم (٢) ، فكان في نفسه منهم إحن وشحناء، قال عبيد الله بن سليمان بن وهب: إذا أراد الله تعالى هلاك قوم وزوال نعمتهم جعل لذلك أسبابا، فمن أسباب زوال أمر البرامكة تقصيرهم بالفضل بن الربيع وسعي الفضل بهم وتمكنه من المجالسة مع الرشيد (٣) فأوغر قلبه عليهم ومالأه على ذلك كاتبهم إسماعيل بن صبيح (٤) حتى كان ما كان. ويحكى أن الفضل المذكور دخل يوما على يحيى بن خالد البرمكي، وقد جلس لقضاء حوائج الناس، وبين يديه ولده جعفر يوقع في القصص، فعرض الفضل عليه عشر رقاع للناس، فتعلل يحيى في كل رقعة بعلة ةلم يوقع في شيء منها

стр. 1567

ألبتة، فجمع الفضل الرقاع وقال: ارجعن خائبات خاسئات (١) ، ثم خرج وهو يقول: عسى وعسى (٢) يثني الزمان عنانه ... بتصريف حال والزمان عثور فتقضى لبانات وتشفى حسائف ... وتحدث من بعد الأمور أمور فسمعه يحيى وهو ينشد ذلك، فقال له: عزمت عليك يا أبا العباس إلا رجعت، فرجع فوقع له في جميع الرقاع. ثم ما كان إلا القليل حتى نكبوا على يده وتولى بعدهم وزارة الرشيد، وفي ذلك يقول أبو نواس وقيل أبو حزرة (٣) : ما رعى الدهر آل برمك لما ... أن رمى ملكهم بأمر فظيع إن دهرا لم يرع عهدا ليحيى ... غير راع ذمام آل الربيع وتنازع يوما جعفر بن يحيى والفضل بن الربيع بحضرة الرشيد، فقال جعفر للفضل: يا لقيط، إشارة إلى ما كان يقال عن أبيه الربيع: إنه لا يعرف نسبه وأبوه، حسبما ذكرناه في ترجمته، فقال الفضل: اشهد يا أمير المؤمنين، فقال جعفر للرشيد: تراه عند من يقيمك هذا الجاهل شاهدا يا أمير المؤمنين، وأنت حاكم الحكام. ومات الرشيد والفضل مستمر على وزارته [وكان في صحبة الرشيد، فقرر الأمور للأمين محمد بن الرشيد، ولم يعرج على المأمون وهو بخراسان، ولا التفت إليه، فعزم المأمون على إرسال طائفة من عسكره لأن يعترضوه في طريقه لما انفصل عن موضع وفاة الرشيد، وهو طوس حسبما ذكرته في ترجمة الفضل ابن يحيى البرنمي، فأشار عليه وزيره الفضل بن سهل أن لا يعترض له، وخاف عاقبته.

стр. 1568

ثم إن الفضل بن الربيع خاف من المأمون إن انتهت الخلافة إليه، فزين للأمين أن يخلع المأمون من ولاية العهد، ويجعل ولي عهده موسى بن الأمين، وحصلت الوحشة بين الأخوين إلى أن سير المأمون جيشا من خراسان مقدمه طاهر بن الحسين المقدم ذكره بإشارة وزيره الفضل بن سهل، وأخرج الأمين من بغداد جيشا بإشارة وزيره الفضل بن الربيع المذكور، مقدمه علي بن عيسى ابن ماهان، فالتقيا، وقتل علي بن عيسى، وذلك في سنة أربع (١) وتسعين ومائة. ثم اضطربت أحوال الأمين وقويت شوكة المأمون، ولما رأى الفضل ابن الربيع الأمور مختلة استتر في رجب سنة ست وتسعين ومائة، ثم ظهر لما ادعى إبراهيم بن المهدي الخلافة ببغداد، كما ذكرته في ترجمته، واتصل به ابن الربيع، فلما اختل حال إبراهيم استتر ابن الربيع ثانيا، وشرح ذلك يطول. وخلاصته أن طاهر بن الحسين سأل المأمون الرضا عنه، فأدخله عليه، وقيل غير ذلك، إلا أنه لم يزل بطالا إلى أن مات، ولم يكن له في دولة المأمون حظ، والله أعلم] (٢) . وكتب (٣) إليه أبو نواس يعزيه في الرشيد، ويهنئه بولاية ولده الأمين (٤) : تعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان أو هو كائن حوادث أيام تدور صروفها ... لهن مساو مرة ومحاسن وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا الموت غابن وفيه أيضا قال أبو نواس من جملة أبيات: وليس لله (٥) بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد

стр. 1569

قال أبو بكر الصولي: ولقد أخذ أحمد بن يوسف الكاتب هذا المعنى وزاد عليه، وكتبه إلى بعض إخوانه، وقد ماتت له ببغاء، وله أخ كثير التخلف يسمى عبد الحميد: أنت تبقى ونحن طرا فداكا ... أحسن الله ذو الجلال عزاكا فلقد جل خطب دهر أتاكا ... بمقادير أتلفت ببغاكا عجبا للمنون كيف أتتها ... وتخطت عبد الحميد أخاكا كان عبد الحميد أصلح للمو ... ت من الببغا وأولى بذاكا شملتنا المصيبتان جميعا ... فقدنا هذه ورؤية ذاكا وقد تقدم في ترجمة ابن الرومي ذكر المقطوعين المقولين في الوزير أبي القاسم عبيد الله وولديه الحي والميت (١) ، وذلك المعنى مأخوذ من هذه الأبيات وأبو نواس هو الذي فتح لهم الباب، ومنه أخذ الباقون، وإن كان بينهم مغايرة ما لكن المادة واحدة. وكانت وفاة الفضل بن الربيع في ذي القعدة، سنة ثمان ومائتين وسنة ثمان وستون سنة، وقيل في شهر ربيع الآخر، رحمه الله تعالى، وفيه يقول أبو نواس أبياته الدالية التي فيها والخير عادة (٢) .

стр. 1570

٥٢٩ - (١) الفضل بن سهل أبو العباس الفضل بن سهل السرخسي أخو الحسن بن سهل - وقد تقدم ذكره في حرف الحاء -؛ أسلم على يد المأمون في سنة تسعين ومائة، وقيل إن أباه سهلا أسلم على يد المهدي، والله أعلم، فوزر للمأمون واستولى عليه حتى ضايقه في جارية أراد شراءها. ولما عزم جعفر البرمكي على استخدام الفضل للمأمون، وصفه يحيى بحضرة الرشيد، فقال له الرشيد: أوصله إلي، فلما وصل إليه أدركته حيرة فسكت، فنظر الرشيد إلى يحيى نظر منكر لاختياره، فقال ابن سهل: يا أمير المؤمنين، إن من أعدل الشواهد على فراهة المملوك أن يملك قلبه هيبة سيده، فقال الرشيد: لئن كنت سكت لتصوغ هذا الكلام فلقد أحسنت، وإن كان بديهة إنه لأحسن وأحسن، ثم لم يسأله بعد ذلك عن شيء إلا أجابه بما يصدق وصف يحيى له. وكان فيه فضائل، وكان يلقب بذي الرياستين لأنه تقلد الوزارة والسيف. وكان يتشيع، وكن من اخبر الناس بعلم النجامة، وأكثرهم إصابة في أحكامه. حكى أبو الحسين علي بن أحمد السلامي في تاريخ ولاة خراسان: أن طاهر بن الحسين، المقدم ذكره، لما عزم المأمون على إرساله إلى محاربة أخيه محمد بن الأمين نظر الفضل بن سهل في مسألته، فوجد الدليل في وسط السماء، وكان ذا يمينين، فأخبر المأمون بأن طاهرا يظفر بالأمين ويلقب بذي اليمينين،

стр. 1571

فتعجب المأمون من إصابة الفضل، ولقب طاهرا بذلك، وولع (١) بالنظر في علم النجوم. وقال السلامي أيضا: ومما أصاب الفضل بن سهل فيه من أحكام النجوم (٢) أنه اختار لطاهر بن الحسين حين سمي للخروج إلى الأمين وقتا، فعقد فيه لواءه وسلمه إليه، ثم قال له: قد عقدت لك لواء لا يحل خمسا وستين سنة، فكان بين خروج طاهر بن الحسين إلى وجه علي بن عيسى بن هامان، مقدم جيش الأمين، وقبض يعقوب بن الليث الصفار على محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر ابن الحسين بنيسابور خمس وستون سنة. وكان قبض يعقوب بن الليث على محمد المذكور يوم الأحد لليلتين خلتا من شوال سنة تسع وخمسين ومائتين. ومن إصاباته (٣) أيضا ما حكم به على نفسه، وذلك أن المأمون طالب والدة الفضل بما خلفه، فحملت إليه سلة مختومة مقفلة، ففتح قفلها، فإذا صندوق صغير مختوم، وإذا فيه درج، وفي الدرج رقعة من حرير مكتوب فيها بخطه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قضى الفضل بن سهل على نفسه، قضى أنه يعيش ثمانيا وأربعين سنة، ثم يقتل ما بين ماء ونار فعاش هذه المدة، ثم قتله غالب (٤) خال المأمون في حمام بسرخس - كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وله غير ذلك إصابات كثيرة. ويحكى أنه قال يوما لثمامة بن الأشرس: ما أدري ما أصنع بطلاب الحاجات فقد كثروا علي وأضجروني، فقال له: زل عن موضعك، وعلي أن لا يلقاك أحد منهم، فقال: صدقت، وانتصب لقضاء أشغالهم. وكان من مرض بخراسان وأشفى على التلف، فلما أصاب العافية جلس للناس، فدخلوا عليه وهنوه بالسلامة، وتصرفوا في الكلام، فلما فرغوا من كلامهم أقبل على الناس وقال (٥) : إن في العلل لنعما لا ينبغي للعقلاء أن

стр. 1572

يجهلوها: تمحيص الذنوب، والتعرض لثواب الصبر، والإيقاظ من الفغلة، والإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء التوبة، والحض على الصدقة. زقد مدحه جماعة من اعيان الشعراء (١) ، وفيه يقول إبراهيم بن العباس الصولي، وقد سبق ذكره (٢) : لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل فنائلها للغنى ... وسطوتها للأجل وباطنها للندى ... وظاهرها للقبل ومن ها هنا أخذ ابن الرومي قوله في الوزير القاسم بن عبيد الله من جملة أبيات: أصبحت بين خصاصة وتجمل ... والحر بينهما يموت هزيلا فامدد إلي يدا تعود بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا وفيه يقول أبو محمد عبد الله بن محمد، وقيل ابن أيوب التميمي (٣) : لعمرك ما الأشراف في كل بلدة ... وإن عظموا للفضل إلا صنائع ترى عظماء الناس للفضل خشعا ... إذا ما بدا، والفضل لله خاشع تواضع لما زاده الله رفعة ... وكل جليل عنده متواضع وقال فيه مسلم بن الوليد الأنصاري المعروف بصريع الغواني من جملة قصيدة (٤) : أقمت خلافة وأزلت أخرى ... جليل ما أقمت وما أزلتا [وحكى الجهشياري (٥) أن الفضل بن سهل أصيب بابن له يقال له العباس، فجزع

стр. 1573

عليه جزعا شديدا، فدخل عليه إبراهيم بن موسى بن جعفر العلوي وأنشده: خير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس فقال: صدقت، ووصله وتعزى له] . ولما ثقل أمره على المأمون دس عليه خاله غالبا [المسعودي الأسود] ، فدخل عليه الحمام بسرخس، ومعه جماعة، وقتلوه مغافصة، وذلك يوم الخميس (١) ثاني شعبان سنة اثنتين ومائتين، وقيل ثلاث ومائتين، وعمره ثمان وأربعون سنة، وقيل إحدى وأربعون سنة وخمسة أشهر، والله أعلم. [وذكر الطبري في تاريخه أنه كان عمره ستين سنة، وقيل سنة اثنتين ومائتين يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان. قلت: وهو الصحيح. ورثاه مسلم بن الوليد ودعبل وإبراهيم بن العباس، رحمه الله تعالى. ومات والده سهل في سنة اثنتين أيضا، بعد قتل ابنه بقليل. وعاشت أمه وأم أخيه الحسن حتى أدركت عرس بوران على المأمون] (٢) . ولما قتل مضى المأمون إلى والدته ليعزيها، فقال لها: لا تأسي عليه لا تحزني لفقده، فإن الله قد أخلف عليك مني ولدا يقوم مقامه، فمهما كنت تنبسطين إليه فيه فلا تنقبضي عني منه، فبكت ثم قالت: يا أمير المؤمنين، وكيف لا أحزن على ولد أكسبني ولدا مثلك. والسرخسي: بفتح السين المهملة والراء وسكون الخاء المعجمة وبعدها سين مهملة، هذه النسبة إلى سرخس، وهي مدينة بخراسان.

стр. 1574

٥٣٠ - (١) الفضل بن مروان أبو العباس الفضل بن مروان بن ماسرخس (٢) وزير المعتصم، وهو الذي أخذ له البيعة ببغداد وكان المعتصم يومئذ ببلاد الروم، فإنه توجه إليها صحبة أخيه المأمون، فاتفق موت المأمون هناك، وتولى المعتصم بعده، واعتد له المعتصم بها يدا عنده [وفوض إليه الوزارة يوم دخوله بغداد، وهو يوم السبت مستهل شهر رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين، وخلع عليه، ورد أموره كلها إليه، فغلب عليه بطول خدمته، وتربيته إياه] (٣) واستقل بالأمور، وكذلك كان في أواخر ولاية المأمون، فإنه غلب عليه كثيرا. وكان نصراني الأصل قليل المعرفة بالعلم حسن المعرفة بخدمة الخلفاء، وله ديوان رسائل وكتاب " المشاهدات والأخبار " التي شاهدها، ومن كلامه: مثل الكتاب كالدولاب (٤) إذا تعطل انكسر. وكان قد جلس يوما لقضاء أشغال الناس ورفعت إليه قصص العامة، فرأى في جملتها رقعة مكتوبا فيها: تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادتهم الأقياد والحبس والقتل وإنك قد أصبحت في الناس ظالما ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل أراد الفضول الثلاثة الذين تقدم ذكرهم، وهم: الفضل بن يحيى البرمكي،

стр. 1575

والفضل بن الربيع، والفضل بن سهل. وذكر المرزباني في " معجم الشعراء " (١) هذه الأبيات للهيثم بن فراس السامي، من بني سامة ابن لؤي، وكذا ذكرها الزمخشري في كتاب " ربيع الأبرار " (٢) . ومثل هذه القضية ما جرى لأسد بن زريق (٣) الكاتب، فإنه جاء إلى باب أبي عبد الله الكوفي لما قلد مكان أبي جعفر بن شيرزاد (٤) ، وانتقل إلى داره، وجلس في دسته، فمنعه البواب من الدخول إليه، فرجع إلى داره وكتب إليه: إنا رأينا حجابا منك قد عرضا ... فلا يكن ذلنا فيه لك الغرضا اسمع مقالي ولا تغضب علي فما ... أبغي بذلك لا مالا ولا عرضا الشكر يبقى ويفنى ما سواه، وكم ... سواك قد نال ملكا فانقضى ومضى في هذه الدار في هذا الرواق على ... هذا السرير رأيت العز وانقرضا فلما وقف أبو عبد الله على هذه الأبيات استدعاه واعتذر إليه وقضى حاجته. وقد سبق نظير هذا في ترجمة عبد الملك بن عمير، وما جرى له مع عبد الملك ابن مروان الأموي لما حضر بين يديه رأس مصعب بن الزبير، فلينظر هناك. ثم إن المعتصم تغير على الفضل بن مروان، وقبض عليه في رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين، ولما قبض عليه قال: عصى الله في طاعتي فسلطني عليه، ثم خدم بعد ذلك جماعة من الخلفاء، ثم توفي في شهر ربيع الآخر سنة خمسين ومائتين، وعمره ثمانون سنة، رحمه الله تعالى. وقال في كتاب " الفهرست " (٥) : عاش ثلاثا وتسعين سنة، والله أعلم بالصواب. [وقال الطبري: كانت نكبته في صفر من السنة المذكورة. وقال الصولي:

стр. 1576

أخذ المعتصم من داره لما نكبه ألف ألف دينار، وأخذ أثاثا وآنية بألف ألف دينار، وحبسه خمسة أشهر، ثم أطلقه وألزمه بيته، واستوزر أحمد بن عمار. ومن كلامه: لا تتعرض لعدوك وهو مقبل، فإن إقباله يعينه عليك، ولا تتعرض له وهو مدبر، فإن إدباره يكفيك أمره] (١) . ٥٣١ - (٢) الفضيل بن عياض أبو علي الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي الطالقاني الأصل، الفنديني (٣) ، الزاهد المشهور أحد رجال الطريقة، كان في أول أمره شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينا هو يرتقي الجدران إليها سمع تالياً يتلو: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) ، فقال: يارب قد آن، فرجع، وآواه الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا، فتاب الفضيل (٤) وآمنهم. وكان من كبار السادات، حدث سفيان بن عيينة قال: دعانا هارون الرشيد فدخلنا عليه، ودخل الفضيل آخرنا مقنعا رأسه بردائه، فقال لي:

стр. 1577

يا سفيان، وأيهم أمير المؤمنين فقلت: هذا، وأومأت إلى الرشيد، فقال له: يا حسن الوجه، أنت الذي أمر هذه الأمة في يدك وعنقك لقد تقلدت أمرا عظيما، فبكى الرشيد، ثم أتي كل رجل منا ببدرة، فكل قبلها إلا الفضيل، فقال الرشيد: يا أبا علي إن لم تستحل أخذها فأعطها ذا دين أو أشبع بها جائعا أو اكس بها عاريا (١) فاستعفاه منها، فلما خرجنا قلت: يا أبا علي، أخطأت، ألا أخذتها وصرفتها في أبواب البر فأخذ بلحيتي ثم قال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد والمنظور إليه وتغلط مثل هذا الغلط (٢) لو طابت لأولئك لطابت لي. ويحكى أن الرشيد قال له يوما (٣) : ما أزهدك! فقال الفضيل: أنت أزهد مني، قال: وكيف ذلك قال: لأني أزهد في الدنيا، وأنت تزهد في الآخرة، والدنيا فانية والآخرة باقية. وذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في آخر باب الطعام أن الفضيل قال يوما لأصحابه: ما تقولون في رجل في كمه ثمر يقعد على رأس الكنيف فيطرحه فيه ثمرة ثمرة قالوا: هو مجنون، قال: فالذي يطرحه في بطنه حتى يحشوه فهو أجن منه، فإن هذا الكنيف يملأ من هذا الكنيف. ومن كلام الفضيل: إذا أحب الله عبدا أكثر غمه، وإذا أبغض عبدا وسع عليه دنياه. وقال: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي على أن لا أحاسب عليها لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه. وقال: ترك العمل لأجل الناس هو الرياء، والعمل لأجل الناس هو الشرك (٤) . وقال: إني لأعصى الله تعالى فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي. وقال: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام، لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد. وقال: لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه ويحسن خلقه معهم خير له من قيام ليله وصيام نهاره.

стр. 1578

وقال أبو علي الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا ولا متبسما إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله أحب أمرا فأحببت ذلك الأمر، وكان ولده المذكور شابا سريا من كبار الصالحين. وهو معدود في جملة من قتلهم محبة الباري ، وهم مذكورون (١) في جزء سمعناه قديما ولا أذكر الآن من مؤلفه. وكان عبد الله بن المبارك ﵁ يقول: إذا مات الفضيل ارتفع الحزن من الدنيا. ومناقب الفضيل كثيرة. ومولده بأبيورد، وقيل بسمرقند، ونشأ بأبيورد وقدم الكوفة وسمع الحديث بها، ثم انتقل إلى مكة شرفها الله تعالى وجاور بها إلى أن مات في المحرم سنة سبع وثمانين ومائة، ﵁. والطالقاني: نسبة إلى طالقان خراسان، وقد تقدم الكلام عليها في ترجمة الصاحب بن عباد في حرف الهمزة. [والفنديني: بضم الفاء وسكون النون وكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفي آخرها نون، هذه النسبة إلى فندين، وهي من قرى مرو] (٢) . وأبيورد: بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الواو وسكون الراء وبعدها دال مهملة، بليدة بخراسان. وسمرقند: بفتح السين المهملة والميم وسكون الراء وفتح القاف وسكون النون وبعدها دال مهملة، أعظم مدينة بما وراء النهر، قال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (٣) في ترجمة شمر بن أفريقش أحد ملوك اليمن: إنه خرج في جيش عظيم ودخل أرض العراق، ثم توجه يريد الصين فأخذ على فارس وسجستان وخراسان وافتتح المدائن والقلاع، وقتل وسبى، ودخل مدينة الصغد فهدمها

стр. 1579

فسميت شمركند أي: شمر أخربها، لأن كند بالعجمي معناه بالعربي أخرب (١) ، ثم عربها الناس فقالوا: سمرقند، ثم أعيدت عمارتها، فبقي عليها ذلك الاسم (٢) . ٥٣٢ - (٣) عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو، الملقب عضد الدولة بن ركن الدولة أبي علي الحسن ابن بويه الديلمي - وقد تقدم تمام نسبه في ترجمة عمه معز الدولة أحمد في حرف الهمزة، فليطلب (٤) هناك -، [ولما مرض عمه عماد الدولة بفارس أتاه أخره ركن الدولة واتفقا على تسليم فارس إلى أبي شجاع فناخسرو بن ركن الدولة، ولم يكن قبل ذلك يلقب بعضد الدولة، فتسلمها بعد عمه، ثم تقلب بذلك] (٥) .

стр. 1580

وقد تقدم أيضاً ذكر والده وعمه الأكبر عماد الدولة أبي الحسن علي وابن عمه عز الدولة بختيار بن معز الدولة، وهؤلاء كلهم - مع عظم شأنهم وجلالة أقدارهم - لم يبلغ أحد منهم ما بلغه عضد الدولة من سعة المملكة والاستيلاء على الملوك وممالكهم، فإنه جمع بين مملكة المذكورين كلهم، وقد ذكرت في ترجمة كل واحد منهم ما كان له من المماليك، وضم إلى ذلك الموصل وبلاد الجزيرة وغير ذلك، ودانت له البلاد والعباد (١) ودخل في طاعته كل صعب القياد، وهو أول من خوطب بالملك في الإسلام، وأول من خطب بله على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وكان من جملة ألقابه تاج الملة ولما صنف له أبو إسحاق الصابي كتاب التاجي في أخبار بني بويه أضافه إلى هذا اللقب، وقد تقدم خبر هذا الكتاب في ترجمته. وكان فاضلا محبا للفضلاء مشاركا في عدة فنون، وصنف له الشيخ أبو علي الفارسي كتاب الإيضاح والتكملة في النحو - وقد سبق ذكره في ترجمته - وقصده فحول الشعراء في عصره، ومدحوه بأحسن المدائح، فمنهم أبو الطيب المتنبي، ورد عليه وهو بشيراز في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وثلثمائة، وفيه يقول من جملة قصيدته المشهورة الهائية (٢) : وقد رأيت الملوك قاطبة ... وسرت حتى رأيت مولاها ومن مناياهم براحته ... يأمرها فيهم وينهاها أبا شجاع بفارس عضد ال ... دولة فناخسرو شهنشاها أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها وهذه القصيدة أول شيء أنشده، ثم أنشده في هذا الشهر قصيدته النونية التي ذكر فيها شعب بوان، ومنها قوله (٣) : يقول بشعب بوان حصاني ... أعن هذا يسار إلى الطعان
следующие страницы →