← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

أخذ المعتصم من داره لما نكبه ألف ألف دينار، وأخذ أثاثا وآنية بألف ألف دينار، وحبسه خمسة أشهر، ثم أطلقه وألزمه بيته، واستوزر أحمد بن عمار. ومن كلامه: لا تتعرض لعدوك وهو مقبل، فإن إقباله يعينه عليك، ولا تتعرض له وهو مدبر، فإن إدباره يكفيك أمره] (١) . ٥٣١ - (٢) الفضيل بن عياض أبو علي الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي الطالقاني الأصل، الفنديني (٣) ، الزاهد المشهور أحد رجال الطريقة، كان في أول أمره شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينا هو يرتقي الجدران إليها سمع تالياً يتلو: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) ، فقال: يارب قد آن، فرجع، وآواه الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا، فتاب الفضيل (٤) وآمنهم. وكان من كبار السادات، حدث سفيان بن عيينة قال: دعانا هارون الرشيد فدخلنا عليه، ودخل الفضيل آخرنا مقنعا رأسه بردائه، فقال لي:

стр. 1577

يا سفيان، وأيهم أمير المؤمنين فقلت: هذا، وأومأت إلى الرشيد، فقال له: يا حسن الوجه، أنت الذي أمر هذه الأمة في يدك وعنقك لقد تقلدت أمرا عظيما، فبكى الرشيد، ثم أتي كل رجل منا ببدرة، فكل قبلها إلا الفضيل، فقال الرشيد: يا أبا علي إن لم تستحل أخذها فأعطها ذا دين أو أشبع بها جائعا أو اكس بها عاريا (١) فاستعفاه منها، فلما خرجنا قلت: يا أبا علي، أخطأت، ألا أخذتها وصرفتها في أبواب البر فأخذ بلحيتي ثم قال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد والمنظور إليه وتغلط مثل هذا الغلط (٢) لو طابت لأولئك لطابت لي. ويحكى أن الرشيد قال له يوما (٣) : ما أزهدك! فقال الفضيل: أنت أزهد مني، قال: وكيف ذلك قال: لأني أزهد في الدنيا، وأنت تزهد في الآخرة، والدنيا فانية والآخرة باقية. وذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في آخر باب الطعام أن الفضيل قال يوما لأصحابه: ما تقولون في رجل في كمه ثمر يقعد على رأس الكنيف فيطرحه فيه ثمرة ثمرة قالوا: هو مجنون، قال: فالذي يطرحه في بطنه حتى يحشوه فهو أجن منه، فإن هذا الكنيف يملأ من هذا الكنيف. ومن كلام الفضيل: إذا أحب الله عبدا أكثر غمه، وإذا أبغض عبدا وسع عليه دنياه. وقال: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي على أن لا أحاسب عليها لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه. وقال: ترك العمل لأجل الناس هو الرياء، والعمل لأجل الناس هو الشرك (٤) . وقال: إني لأعصى الله تعالى فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي. وقال: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام، لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد. وقال: لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه ويحسن خلقه معهم خير له من قيام ليله وصيام نهاره.

стр. 1578

وقال أبو علي الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا ولا متبسما إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله أحب أمرا فأحببت ذلك الأمر، وكان ولده المذكور شابا سريا من كبار الصالحين. وهو معدود في جملة من قتلهم محبة الباري ، وهم مذكورون (١) في جزء سمعناه قديما ولا أذكر الآن من مؤلفه. وكان عبد الله بن المبارك ﵁ يقول: إذا مات الفضيل ارتفع الحزن من الدنيا. ومناقب الفضيل كثيرة. ومولده بأبيورد، وقيل بسمرقند، ونشأ بأبيورد وقدم الكوفة وسمع الحديث بها، ثم انتقل إلى مكة شرفها الله تعالى وجاور بها إلى أن مات في المحرم سنة سبع وثمانين ومائة، ﵁. والطالقاني: نسبة إلى طالقان خراسان، وقد تقدم الكلام عليها في ترجمة الصاحب بن عباد في حرف الهمزة. [والفنديني: بضم الفاء وسكون النون وكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفي آخرها نون، هذه النسبة إلى فندين، وهي من قرى مرو] (٢) . وأبيورد: بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الواو وسكون الراء وبعدها دال مهملة، بليدة بخراسان. وسمرقند: بفتح السين المهملة والميم وسكون الراء وفتح القاف وسكون النون وبعدها دال مهملة، أعظم مدينة بما وراء النهر، قال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (٣) في ترجمة شمر بن أفريقش أحد ملوك اليمن: إنه خرج في جيش عظيم ودخل أرض العراق، ثم توجه يريد الصين فأخذ على فارس وسجستان وخراسان وافتتح المدائن والقلاع، وقتل وسبى، ودخل مدينة الصغد فهدمها

стр. 1579

فسميت شمركند أي: شمر أخربها، لأن كند بالعجمي معناه بالعربي أخرب (١) ، ثم عربها الناس فقالوا: سمرقند، ثم أعيدت عمارتها، فبقي عليها ذلك الاسم (٢) . ٥٣٢ - (٣) عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو، الملقب عضد الدولة بن ركن الدولة أبي علي الحسن ابن بويه الديلمي - وقد تقدم تمام نسبه في ترجمة عمه معز الدولة أحمد في حرف الهمزة، فليطلب (٤) هناك -، [ولما مرض عمه عماد الدولة بفارس أتاه أخره ركن الدولة واتفقا على تسليم فارس إلى أبي شجاع فناخسرو بن ركن الدولة، ولم يكن قبل ذلك يلقب بعضد الدولة، فتسلمها بعد عمه، ثم تقلب بذلك] (٥) .

стр. 1580

وقد تقدم أيضاً ذكر والده وعمه الأكبر عماد الدولة أبي الحسن علي وابن عمه عز الدولة بختيار بن معز الدولة، وهؤلاء كلهم - مع عظم شأنهم وجلالة أقدارهم - لم يبلغ أحد منهم ما بلغه عضد الدولة من سعة المملكة والاستيلاء على الملوك وممالكهم، فإنه جمع بين مملكة المذكورين كلهم، وقد ذكرت في ترجمة كل واحد منهم ما كان له من المماليك، وضم إلى ذلك الموصل وبلاد الجزيرة وغير ذلك، ودانت له البلاد والعباد (١) ودخل في طاعته كل صعب القياد، وهو أول من خوطب بالملك في الإسلام، وأول من خطب بله على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وكان من جملة ألقابه تاج الملة ولما صنف له أبو إسحاق الصابي كتاب التاجي في أخبار بني بويه أضافه إلى هذا اللقب، وقد تقدم خبر هذا الكتاب في ترجمته. وكان فاضلا محبا للفضلاء مشاركا في عدة فنون، وصنف له الشيخ أبو علي الفارسي كتاب الإيضاح والتكملة في النحو - وقد سبق ذكره في ترجمته - وقصده فحول الشعراء في عصره، ومدحوه بأحسن المدائح، فمنهم أبو الطيب المتنبي، ورد عليه وهو بشيراز في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وثلثمائة، وفيه يقول من جملة قصيدته المشهورة الهائية (٢) : وقد رأيت الملوك قاطبة ... وسرت حتى رأيت مولاها ومن مناياهم براحته ... يأمرها فيهم وينهاها أبا شجاع بفارس عضد ال ... دولة فناخسرو شهنشاها أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها وهذه القصيدة أول شيء أنشده، ثم أنشده في هذا الشهر قصيدته النونية التي ذكر فيها شعب بوان، ومنها قوله (٣) : يقول بشعب بوان حصاني ... أعن هذا يسار إلى الطعان

стр. 1581

أبوكم آدم سن المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنان فقلت: إذا رأيت أبا شجاع ... سلوت عن العباد وذا المكان فإن الناس والدنيا طريق ... إلى من ماله في الناس ثاني ومدحه بعد ذلك بعدة قصائد، ثم أنشده قصيدته الكافية يودعه فيها ويعده بالعود إلى حضرته، وذلك صدر شعبان من السنة المذكورة، وهي آخر شعر المتنبي فإنه قتل في عوده من عنده كما سبق في ترجمته، ومن جملة هذه القصيدة (١) : أروح وقد ختمت على فؤادي ... بحبك أن يحل به سواكا وقد حملتني شكرا طويلا ... ثقيلا لا أطيق به حراكا أحاذر أن يشق على المطايا ... فلاتمشي بنا إلا سواكا (٢) لعل الله يجعله رحيلا ... يعين على الإقامة في ذراكا فلو أني استطعت خفضت طرفي ... فلم أبصر به حتى أراكا وكيف الصبر عنك وقد كفاني ... نداك المستفيض وما كفاكا وما أحسن قوله فيها: ومن أعتاض عنك إذا افترقنا ... وكل الناس زور ما خلاكا وما انا غير سهم في هواء ... يعود ولم يجد فيه امتساكا وقصده أيضا أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكان عين شعراء العراق، وأنشده قصيدته البديعة التي منها: إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشباه (٣) كما اجتمع النسر

стр. 1582

وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر وعلى الحقيقة هذا الشعر هو السحر الحلال كما يقال، وقد أخذ هذا المعنى القاضي أبو بكر أحمد الأرجاني - المقدم ذكره - وعمل: يا سائلي عنه لما جئت أمدحه ... هذا هو الرجل العاري من العار كم من شنوف لطاف من محاسنه ... علقن منه على آذان سمار لقيته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار ولكن أين الثريا من الثرى وهذا المعنى موجود في الشطر الأخير من بيت المتنبي وهو (١) : هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وانت الخلائق ولكنه ما استوفاه، فإنه ما تعرض إلى ذكر اليوم الذي جعله السلامي هو الدهر، فليس (٢) له طلاوة بيت السلامي. رجعنا إلى ذكر عضد الدولة: كتب إليه أبو منصور أفتكين (٣) التركي متولي دمشق كتابا مضمونه أنه الشام قد صفا وصار في يدي، وزال عنه حكم صاحب مصر، وإن قويتني بالأموال والعدد حاربت القوم في مستقرهم، فكتب عضد الدولة جوابه هذه الكلمات، وهي متشابهة في الخط لا تقرأ إلا بعد الشكل والنقط والضبط، وهي غرك عزك فصار قصار ذلك ذلك، فاخش فاحش فعلك فعلك بهذا تهدا (٤)

стр. 1583

ولقد أبدع فيها كل الإبداع. (١٤٩) وكان أفتكين المذكور مولى معز الدولة بن بويه فتغلب على دمشق وخرج على العزيز العبيدي صاحب مصر، وقصده (١) بنفسه والتقى جيشاهما، وجرت مقتلة عظيمة بينهما (٢) وانكسر أفتكين وهرب، وقطع عليه الطريق دغفل بن الجراح البدوي وحمله إلى العزيز وفي عنقه حبل، فأطلقه وأحسن إليه، وأقام يسيرا، ومات سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، يوم الثلاثاء لسبع خلون من رجب. وكانت لعضد الدولة أشعار، فمن ذلك ما أورده له أبو منصور الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر " (٣) وقال: اخترت من قصيدته التي فيها البيت الذي لم يفلح بعده أبياتا، وهي: ليس شرب الراح إلا في المطر ... وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى ... ناعمات في تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر فيحكى عنه أنه لما احتضر لم يكن لسانه ينطق إلا بتلاوة: (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه) ، ويقال إنه ما عاش بعد هذه الأبيات إلا قليلا، وتوفي بعلة الصرع في يوم الاثنين ثامن شوال سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة ببغداد، ودفن بدار الملك بها، ثم نقل إلى الكوفة ودفن بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وعمره سبع وأربعون سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة أيام، رحمه الله تعالى. والبيمارستان العضدي ببغداد منسوب إليه، وهو في الجاني الغربي، وغرم عليه مالا عظيما، وليس في الدنيا مثل ترتيبه، وفرغ من بنائه سنة ثمان وستين

стр. 1584

وثلثمائة، وأعد له من الآلات ما يقصر الشرح عن وصفه. وهو الذي أظهر قبر علي بن أبي طالب ﵁ بالكوفة (١) ، وبنى عليه المشهد الذي هناك، وغرم عليه شيئا كثيرا، وأوصى بدفنه فيه، وللناس في هذا القبر اختلاف كثير، حتى قيل إنه قبر المغيرة بن شعبة الثقفي، فإن عليا ﵁ لا يعرف قبره، وأصح ما قيل فيه: إنه مدفون بقصر الإمارة بالكوفة، والله أعلم. وفناخسرو: بفتح الفاء وتشديد النون وبعد الألف خاء معجمة مضمومة وسين ساكنة وبعدها راء مضمومة ثم واو. وشعب بوان: بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة، ثم باء ثانية مفتوحة بعدها واو مشددة وبعد الألف نون، وهو موضع عند شيراز كثير الأشجار والمياه [وهو منسوب إلى بوان بن إيران بن الأسود ابن سام بن نوح ﵇] (٢) قال أبو بكر الخوارزمي: مستنزهات الدنيا أربعة مواضع: غوطة دمشق ونهر الابلة وشعب بوان وصغد سمرقند، وأحسنها غوطة دمشق، والله أعلم.

стр. 1585

فراغ

стр. 1586

حرف القاف

стр. 1587

فراغ

стр. 1588

٥٣٣ - (١) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أبو محمد القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁، ونسبه معروف فلا حاجة إلى رفعه، كان من سادات التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وقد تقدم ذكر ستة منهم، وكان من أفضل أهل زمانه، روى عن جماعة من الصحابة، ﵃، وروى عنه جماعة من كبار التابعين. قال يحيى بن سعيد: ما أدركنا أحدا نفضله على القاسم بن محمد. وقال مالك: كان القاسم من فقهاء هذه الأمة. وقال محمد بن إسحاق: جاء رجل إلى القاسم بن محمد فقال: أنت أعلم أم سالم، فقال: ذاك مبارك سالم، قال ابن إسحاق: كره أن يقول هو أعلم مني فيكذب، أو يقول أنا أعلم منه فيزكي نفسه، وكان القاسم أعلمهما، وكان القاسم بن محمد يقول في سجوده: اللهم اغفر لأبي ذنبه في عثمان. وقد تقدم في ترجمة (٢) زين العابدين علي بن الحسين ﵄ أنهما كانا ابني خالة، وأن القاسم بن محمد والدته ابنة يزدجرد آخر ملوك الفرس، وكذلك زين العابدين وسالم بن عبد الله بن عمر، والقصة مستوفاة من هناك. وتوفي سنة إحدى أو اثنتين ومائة، وقيل سنة ثمان، وقيل اثنتي عشرة ومائة بقديد، فقال: كفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها قميصي وإزاري

стр. 1589

وردائي، فقال ابنه: يا أبت ألا نزيد ثوبين (١) ، فقال: هكذا كفن أبو بكر في ثلاثة أثواب، والحي أحوج إلى الجديد من الميت، وكان عمره سبعين سنة أو اثنتين وسبعين سنة، ﵁. وقديد: بضم القاف وفتح الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، وهو منزل بين مكة والمدينة. ٥٣٤ - (٢) أبو عبيد القاسم بن سلام أبو عبيد القاسم بن سلام، بتشديد اللام، كان أبوه عبدا روميا لرجل من أهل هراة، واشتغل أبو عبيد بالحديث والأدب والفقه، وكان ذا دين وسيرة جميلة ومذهب حسن وفضل بارع. وقال القاضي أحمد بن كامل: كان أبو عبيد فاضلا في دينه وعلمه، ربانيا متفننا (٣) في أصناف علوم الإسلام من القراءات والفقه والعربية والأخبار، حسن الرواية صحيح النقل، ولا أعلم احدا من الناس طعن عليه في شيء من أمر دينه (٤) .

стр. 1590

قال إبراهيم الحربي: كان أبو عبيد كأنه جبل نفخ فيه الروح يحسن كل شيء. وولي القضاء بمدينة طرسوس ثماني عشرة سنة، وروى عن أبي زيد الأنصاري والأصمعي وأبي عبيدة وابن الأعرابي والكسائي والفراء وجماعة كثيرة غيرهم، وروى الناس من كتبه المصنفة بضعة وعشرين كتابا في القرآن الكريم والحديث وغريبه والفقه وله الغريب المصنف والأمثال ومعاني الشعر وغير ذلك من الكتب النافعة. ويقال إنه أول من صنف في غريب الحدي. وانقطع إلى عبد الله بن طاهر مدة، ولما وضع كتاب الغريب عرضه على عبد الله بن طاهر، فاستحسنه وقال: إن عقلا بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب حقيق ألا يحوج (١) إلى طلب المعاش، وأجري عليه عشرة آلاف درهم في كل شهر. وقال محمد بن وهب المسعري: سمعت أبا عبيد يقول: كنت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأصعها في موضعها من الكتاب، فأبيت ساهرا فرحا مني بتلك الفائدة، وأحدكم يجيئني فيقيم أربعة خمسة أشهر فيقول: قد أقمت كثيرا. وقال الهلال بن العلاء الرقي: من الله تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بالشافعي تفقه في حديث رسول الله ﷺ ، وبأحمد بن حنبل ثبت في محنة ولولا ذاك لكفر الناس، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ ، وبأبي عبيد القاسم بن سلام فسر غريب الحديث ولولا ذاك لاقتحم الناس الخطأ. وقال أبي بكر ابن الأنباري: كان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثا فيصلي ثلثه وينام ثلثه ويضع الكتب ثلثه. وقال إسحاق بن راهويه: أبو عبيد أوسعنا علما وأكثرنا أدبا وأجمعنا جمعا، إنا نحتاج إلى أبي عبيد وأبو عبيد لا يحتاج إلينا. وقال ثعلب: لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجبا. وكان يخضب بالحناء، أحمر الرأس واللحية، وكان له وقار وهيبة. وقدم بغداد فسمع الناس منه كتبه. ثم حج وتوفي بمكة، وقيل بالمدينة بعد الفراغ

стр. 1591

من الحج، سنة اثنتين او ثلاث وعشرين ومائتين، وقال البخاري: سنة أربع وعشرين، وزاد غيره: في المحرم، وقال الخطيب في تاريخ بغداد: بلغني أنه عاش سبعا وستين سنة، وذكر الحافظ ابن الجوزي أن مولده سنة خمسين ومائة. وقال أبو بكر الزبيدي في كتاب التقريظ (١) : إن مولده سنة أربع وخمسين ومائة. وذكر أن أبا عبيد لما قضى حجه وعزم على الانصراف واكترى إلى العراق، رأى في الليلة التي عزم على الخروج (٢) في صبيحتها النبي ﷺ في منامه وهو جالس وعلى رأسه قوم يحجبونه وناس يدخلون فيسلمون عليه ويصافحونه، قال: فكلما دنوت لأدخل منعت، فقلت لهم: لم لا تخلون بيني وبين رسول الله ﷺ قالوا: لا والله لا تدخل إليه ولا تسلم عليه وأنت خارج غدا إلى العراق، فقت لهم: إني لا أخرج إذا، فأخذوا عهدي، ثم خلوا بيني وبين رسول الله ﷺ ، فدخلت وسلمت عليه وصافحني، فأصبحت ففسخت الكراء وسكنت بمكة، ولم يزل بها إلى الوفاة (٣) ، ودفن في دور (٤) جعفر، وقيل إنه رأى المنام بالمدينة ومات بها بعد رحيل الناس عنها بثلاثة أيام، رحمه الله تعالى، ومولده بهراة (٥) . وطرسوس: بفتح الطاء المهملة والراء وضم السين المهملة وسكون الواو وبعدها سين ثانية، وهي مدينة بساحل الشام عند السيس والمصيصة بناها المهدي ابن المنصور أبي جعفر في سنة ثمان وستين ومائة، على ما حكاه ابن الجزار في تاريخه. ومن تصانيفه أيضا " المقصور والممدود " و " القراءات " و " المذكر

стр. 1592

والمؤنث وكتاب النسب وكتاب الأحداث وأدب القاضي وعدد آي القرآن والأيمان والنذور والحيض وكتاب الأموال وغير ذلك، رحمه الله تعالى. ٥٣٥ - (١) الحريري صاحب المقامات أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري الحرامي صاحب المقامات، كان أحد أئمة عصره، ورزق الحظوة التامة في عمل المقامات، واشتملت علي شيء كثير من كلام العرب: من لغاتها وأمثالها ورموز أسرار كلامها، ومن عرفها حق معرفتها استدل بها على فضل هذا الرجل وكثرة اطلاعه وغزارة مادته، وكان سبب وضعه لها (٢) ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله قال: كان أبي جالسا في مسجده ببني حرام فدخل شيخ ذو طمرين عليه أهبة السفر رث الحال فصيح الكلام حسن العبارة، فسألته الجماعة: من أين الشيخ فقال: من سروج، فاستخبروه عن كنيته فقال: أبو زيد، فعمل (٣) أبي المقامة المعروفة بالحرامية، وهي الثامنة والأربعون، وعزاها إلى أبي زيد

стр. 1593

المذكور، واشتهرت فبلغ خبرها الوزير (١) شرف الدين أبا نصر (٢) أنوشروان ابن خالد بن محمد القاشاني وزير الإمام المسترشد بالله، فلما وقف عليها أعجبته، وأشار على والدي أن يضم إليها غيرها، فأتمها خمسين مقامة (٣) ، وإلى الوزير المذكور أشار الحريري في خطبة المقامات بقوله: فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها البديع، وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع هكذا وجدته في عدة تواريخ، ثم رأيت في بعض شهور سنة ست وخمسين (٤) وستمائة بالقاهرة المحروسة نسخة مقامات وجميعها بخط مصنفها الحريري، وقد كتب بخطه أيضا على ظهرها: إنه صنفها للوزير جلال الدين عميد الدولة أبي علي الحسن بن أبي العز علي بن صدقة وزير المسترشد أيضا، ولا شك أن هذا أصح من الرواية الأولى لكونه بخط المصنف، وتوفي الوزير المذكور في رجب سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، فهذا كان مستنده في نسبتها إلى أبي زيد السروجي. وذكر القاضي الأكرم جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني القفطي وزير حلب في كتابه الذي سماه إنباه الرواة على أنباه النحاه (٥) أن أبا زيد المذكور اسمه المطهر بن سلار، وكان بصرياً (٦) نحويا لغويا، صحب الحريري المذكور، واشتغل عليه بالبصرة وتخرج به، وروى عنه القاضي أبو الفتح محمد بن أحمد بن المندائي الواسطي ملحة الأعراب للحريري، وذكر أنه سمعها منه عن الحريري وقال: قدم علينا واسط في سنة ثمان

стр. 1594

وثلاثين وخمسمائة، فسمعتها (١) منه، وتوجه منها مصعدا إلى بغداد فوصلها وأقام بها مدة يسيرة وتوفي بها، رحمه الله تعالى [وكذا ذكره السمعاني في الذيل والعماد في الخريدة وقال: لقبه فخر الدين، وتولى صدرية المشان، ومات بها بعد سنة أربعين وخمسمائة] (٢) . وأما تسمية الراوي لها بالحارث بن همام فإنما عنى به نفسه، هكذا وقفت عليه في بعض شروح المقامات، وهو مأخوذ من قوله ﷺ كلكم حارث وكلكم همام فالحارث الكاسب، والهمام الكثير الاهتمام، وما من شخص إلا وهو حارث وهمام، لأن كل واحد كاسب ومهتم بأموره. وقد اعتنى بشرحها خلق كثير: فمنهم من طول، ومنهم من اختصر (٣) . ورأيت في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل المقامات كان قد عملها أربعين مقامة، وحملها من البصرة إلى بغداد وادعاها، فلم يصدقه في ذلك جماعة من أدباء بغداد، وقالوا: إنها ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات بالبصرة ووقعت أوراقه إليه فادعاها، فاستدعاه الوزير إلى الديوان وسأله عن صناعته، فقال: أنا رجل منشيء، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها، فانفرد في ناحية من الديوان، وأخذ الدواة والورقة ومكث زمانا كثيرا فلم يفتح الله سبحانه عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان، وكان في جملة من أنكر دعواه في عملها أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر - المقدم ذكره - فلما لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها الوزير أنشد ابن أفلح، وقيل إن هذين البيتين لأبي محمد ابن أحمد المعروف بابن جكينا الحريمي البغدادي الشاعر المشهور (٤) : شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنونه من الهوس أنطقه الله بالمشان كما ... رماه وسط الديوان بالخرس

стр. 1595

وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس، وكان مولعا بنتف لحيته عن الفكرة، وكان يسكن في مشان البصرة، فلما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات أخر وسيرهن، واعتذر من عيه وحصره في الديوان (١) بما لحقه من المهابة. وللحريري تواليف حسان منها درة الغواص في أوهام (٢) الخواص ومنها ملحة الاعراب المنظومة في النحو، وله أيضا شرحها، وله ديوان رسائل وشعر كثير غير شعره الذي في المقامات، فمن ذلك قوله وهو معنى حسن: قال العواذل ما هذا الغرام به ... أما ترى الشعر في خديه قد نبتا فقلت والله لو أن المفند لي ... تأمل الرشد في عينيه ما ثبتا ومن أقام بأرض وهي مجدبة ... فكيف يرحل عنها والربيع أتى وذكر له العماد الكاتب في الخريدة: كم ظباء بحاجر ... فتنت بالمحاجر ونفوس نفائس ... خدرت بالمخادر وتثن لخاطر ... هاج وجدا لخاطري وعذار لأجله ... عاذلي عاد عاذري وشجون تضافرت ... عند كشف الضفائر وله قصائد استعمل فيها التجنيس كثيرا. ويحكى أنه كان دميما قبيح المنظر، فجاءه سخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئا، فلما رآه استزرى شكله (٣) ، ففهم الحريري ذلك منه، فلما التمس منه أن يملي عليه قال له: اكتب: ما أنت أول سار نحره قمر ... ورائد أعجبته (٤) خضرة الدمن

стр. 1596

فاختر لنفسك غيري إنني رجل ... مثل (١) المعيدي فاسمع بي ولا ترني فخجل الرجل منه وانصرف (٢) . وكانت ولادة الحريري في سنة ست وأربعين وأربعمائة، وتوفي سنة ست عشرة، وقيل خمس عشرة وخمسمائة بالبصرة، في سكة بني حرام [وخلف ولدين، وقال أبو منصور الجواليقي: أجازني المقامات نجم الدين عبد الله وقاضي قضاة البصرة ضياء الإسلام عبيد الله عن أبيهما منشئها] (٣) . نسبته بالحراني إلى هذه السكة، رحمه الله تعالى، وهي بفتح الحاء المهملة والراء وبعدها ألف بعده ميم، وبنو حرام: قبيلة من العرب سكنوا في هذه السكة فنسبت إليهم. والحريري: نسبة إلى الحرير وعمله أو بيعه. والمشان: بفتح الميم والشين المعجمة وبعد الألف نون، بليدة فوق البصرة كثيرة النخل موصوفة بشدة الوخم، وكان أصل الحريري منها، ويقال إنه كان له بها ثمانية عشر ألف نخلة، وإنه كان من ذوي اليسار. (١٥٠) والوزير أنوشروان المذكور (٤) كان نبيلا فاضلا جليل القدر، له تاريخ لطيف سماه صدور زمان الفتور وفتور زمان الصدور ونقل منه العماد الأصبهاني في كتاب نصرة الفترة وعصرة الفطرة الذي ذكر فيه اخبار الدولة السلجوقية نقلا كثيرا، وتوفي الوزير المذكور سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، رحمة الله تعالى. (١٥١) وأما ابن المندائي المذكور فهو أبو الفتح محمد بن أبي العباس أحمد بن بختيار بن علي بن محمد بن إبراهيم بن جعفر الواسطي، المعروف بابن المندائي، وقد أخذ عنه جماعة من الأعيان كالحافظ أبي بكر الحازمي (٥) وغيره، وكانت

стр. 1597

ولادته في شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسمائة بواسط، وتوفي بها في الثامن من شعبان سنة خمس وستمائة، رحمه الله تعالى. والمندائي: بفتح الميم وسكون النون وفتح الدال المهملة ومد الهمزة. والمعيدي: بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة مكسورة وياء مشددة، وقد جاء في المثل تسمع (١) بالمعيدي لا أن تراه وجاء أيضا تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وقال المفضل الضبي (٢) : أول من تكلم به المنذر بن ماء السماء، قاله لشقة بن ضمرة التميمي الدارمي، وكان قد سمع بذكره، فلما رآه اقتحمته عينه، فقال له هذا المثل وسار عنه، فقال له شقة: أبيت اللعن! إن الرجال ليسوا بجزر يراد منها الأجسام، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فأعجب المنذر ما رأى من عقله وبيانه. وهذا المثل يضرب لمن له صيت وذكر ولا منظر له، والمعيدي منسوب إلى معد ابن عدنان، وقد نسبوه بعد أن صغروه وخففوا منه الدال. ٥٣٦ - القاسم بن الشهرزوري أبو أحمد القاسم بن المظفر بن علي بن القاسم الشهرزوري، والد قاضي الخافقين أبي بكر محمد والمرتضى أبي محمد عبد الله وأبي منصور المظفر، وهو جد بيت الشهرزوري قضاة الشام والموصل والجزيرة، وكلهم إليه ينتسبون، كان حاكما بمدينة إربل مدة ومدينة سنجار مدة، وكان من أولاده وحفدته علماء نجباء كرماء نالوا المراتب العلية وتقدموا عند الملوك وتحكموا وقضوا ونفقت أسواقهم، خصوصا حفيده القاضي كمال الدين محمد ومحيي الدين بن كمال الدين - وسيأتي

стр. 1598

ذكرهما إن شاء الله تعالى - وإلى الآن من نسله جماعة من الأعيان والقضاة بالموصل. وقدم بغداد غير مرة، وذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في كتاب الذيل ثم ذكره في كتاب الأنساب في موضعين: أحدهما في نسبة الإربلي (١) ، وقال: كان منها - يعني إربل - جماعة من العلماء، منهم أبو أحمد القاسم المذكور، وقال: إنه شيباني، والثاني في نسبة الشهرزوري (٢) ، ذكره وذكر ولده قاضي الخافقين المذكور، وأثنى عليه، وذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل (٣) وأورد له شعرا، فمن ذلك قوله: همتي دونها السها والزبانى ... قد علت جهدها فما تتدانى فأنا متعب معنى إلى أن ... تتفانى الأيام أو نتفانى ورأيت في كتاب " الذيل " للسمعاني هذين البيتين منسوبين إلى ولده أبي بكر محمد المعروف بقاضي الخافقين (٤) ، والله أعلم لمن هما منهما. وتوفي القاسم المذكور سنة تسع وثمانين وأربعمائة بالموصل، ودفن في التربة المعروفة به الآن المجاورة لمسجد جده أبي الحسن بن فرغان، رحمه الله تعالى. وأما ولده المرتضى عبد الله فهو والد القاضي كمال الدين - وقد تقدم ذكره في العبادلة (٥) ، وأوردت قصيدته اللامية المعروفة بالموصلية. (١٥٢) وأما قاضي الخافقين (٦) فقد قال السمعاني: إنه اشتغل بالعلم على أبي إسحاق الشيرازي، وولي القضاء بعدة بلاد، ورحل إلى العراق وخراسان والجبال وسمع الحديث الكثير، وسمع منه السمعاني، وكانت ولادة قاضي الخافقين بإربل سنة ثلاث، أو أربع وخمسين وأربعمائة، وتوفي في جمادى

стр. 1599

الآخرة سنة ثمان وثلاثين وخسمائة ببغداد، ودفن في باب أبرز، رحمه الله تعالى، وإنما قيل له قاضي الخافقين لكثرة البلاد التي ولي فيها (١) . (١٥٣) وأما المظفر (٢) فإن السمعاني ذكره أيضا في الذيل فقال: ولد بإربل، ونشأ بالموصل، وورد بغداد وتفقه بها على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ورجع إلى الموصل، ثم ولي قضاء سنجار على كبر سنه وسكنها، وكان قد أضر. ثم قال: سألته عن مولده فقال: ولدت في جمادى الآخرة - أو رجب - سنة سبع وخمسين وأربعمائة بإربل، ولم يذكر وفاته. والشهرزوري: بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء وضم الراء والزاي وسكون الواو وبعدها راء، هذه النسبة إلى شهرزور، وهي بلدة كبيرة معدودة من أعمال إربل، بناها زور بن الضحاك، وهي لفظة عجمية معناها بالعربي بلدة زور، ومات بها الإسكندر ذو القرنين عند عوده من بلاد المشرق، وحكى لي بعض أهلها وقد سألته عن قبره فقال: هنك قبر يعرف بقبر إسكندر، ولا يعرف أهلها من هو، وهي مدينة قديمة، وحكى الخطيب في تاريخ بغداد أن الإسكندر جعل المدائن دار إقامته، أعني مدائن كسرى، ولم يزل بها إلى أن توفي هناك، وحمل تابوته إلى الإسكندرية لأن أمه كانت مقيمة هناك، ودفن عندها، والله أعلم.

стр. 1600

(١) ٥٣٧ الشيخ الشاطبي أبو محمد القاسم بن فيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد، الرعيني الشاطبي الضرير المقرئ صاحب القصيدة التي سماها حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات، وعدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا، ولقد أبدع فيها كل الإبداع، وهي عمدة قراء هذا الزمان في نقلهم، فقل من يشتغل بالقراءات إلا ويقدم حفظها ومعرفتها، وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات خفية لطيفة، وما أظنة سبق إلى أسلوبها، وقد روي عنه أنه كان يقول: لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه الله بها، لأني نظمتها لله تعالى مخلصا في ذلك. ونظم قصيدة دالية في خمسمائة بيت من حفظها أحاط علما بكتاب التمهيد لابن عبد البر. وكان عالما بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيرا، وبحديث رسول الله ﷺ مبرزا فيه، وكان إذا قرئ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ تصحح النسخ من حفظه، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحدا في علم النحو واللغة، عارفا بعلم الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصا فيما يقول ويفعل. [وقرأ القرآن الكريم بالروايات على أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن أبي العاص النفزي المقري وأبي الحسن علي بن محمد بن هذيل الأندلسي، وسمع الحديث من أبي عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحيم الخزرجي وأبي الحسن ابن هذيل والحافظ أبي الحسن ابن النعمة وغيرهم] (٢) وانتفع

стр. 1601

به خلق كثير، وأدركت من أصحابه جمعا كثيرا بالديار المصرية. وكان يجتنب فضول الكلام ولا ينطق إلا على طهارة في هيئة حسنة وتخشع واستكانة، وكان يعتل العلة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوه، وإذا سئل عن حاله قال: العافية، لا يزيد على ذلك. أنشدني بعض أصحابه قال: كان الشيخ كثيرا ما ينشد هذا اللغز، وهو في نعش الموتى فقلت له: فهل هو له فقال: لا أعلم، ثم إني وجدته بعد ذلك في ديوان الخطيب أبي زكريا يحيى بن سلامة الحصكفي - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وهو: أتعرف شيئا في السماء يطير ... إذا سار صاح الناس حيث يسير فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا ... وكل أمير يعتليه أسير يحض على التقوى ويكره قربه ... وتنفر منه النفس وهو نذير ولم يستزر عن رغبة في زيارة ... ولكن على رغم المزور يزور وكانت ولادته في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وخطب ببلدة على فتاء سنى، ودخل مصر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وكان يقول عند دخوله إليها: إنه يحفظ وقر بعير من العلوم، بحيث لو نزل عليه ورقة أخرى لما احتملها، وكان نزيل القاضي الفاضل، ورتبه بمدرسته بالقاهرة متصدرا لإقراء القرآن الكريم وقراءاته والنحو واللغة. وتوفي يوم الأحد بعد صلاة العصر، الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة. ودفن يوم الاثنين في تربة القاضي الفاضل بالقرافة الصغرى، وزرت قبره مرارا، رحمه الله تعالى، وصلى عليه الخطيب أبو إسحاق العراقي - المقدم ذكره - خطيب جامع مصر. وفيره: بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وتشديد الراء وضمها، وهو بلغة اللطيني من أعاجم الأندلس ومعناه بالعربي: الحديد. والرعيني: بضم الراء وفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، هذه النسبة إلى ذي رعين، وهو أحد أقيال اليمن، نسب إليه خلق كثير.

стр. 1602

والشاطبي: بفتح الشين المعجمة وبعد الألف طاء مكسورة مهملة وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى شاطبة (١) ، وهي مدينة كبيرة ذات قلعة حصينة بشرق الأندلس، خرج منها جماعة من العلماء، استولى عليها الفرنج في العشر الأخير من شهر رمضان، سنة خمس وأربعين وستمائة. وقيل إن اسم الشيخ المذكور أبو القاسم، وكنيته اسمه، لكن وجدت في إجازات أشياخه له أبو محمد القاسم كما ذكرته ها هنا. (٢) ٥٣٨ أبو دلف العجلي أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ (٣) بن معاوية ابن خزاعي بن عبد العزى بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، العجلي، أحد قواد المأمون ثم المعتصم من بعده - وقد تقدم ذكره في ترجمة علي بن جبلة العكوك، وبعض مديح العكوك فيه، وتقدم أيضا في ترجمة أبي مسلم الخراساني أنه كان تربية جده المذكور، وتقدم ذكر حفيده الأمير أبي نصر علي بن ماكولا، صاحب كتاب الإكمال (٤) -.

стр. 1603

وكان أبو دلف المذكور كريما سريا جوادا ممدحا شجاعا مقدما ذا وقائع مشهورة وصنائع مأثورة، أخذ عنه الأدباء والفضلاء، وله صنعة في الغناء، وله من الكتب كتاب البزاة والصيد وكتاب السلاح وكتاب النزه (١) وكتاب سياسة الملوك وغير ذلك. ولقد مدحه أبو تمام الطائي بأحسن المدائح، وكذلك بكر بن النطاح، وفيه يقول: يا طالبا للكيمياء وعلمه ... مدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم لو لم يكن في الأرض إلا درهم ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم ويحكى أنه اعطاه على هذين البيتين عشرة ألاف درهم، فأغفله قليلا ثم دخل عليه وقد اشترى بتلك الدراهم قرية في (٢) نهر الأبلة، فأنشده: بك ابتعت في نهر الأبلة قرية ... عليها قصير بالرخام مشيد إلى جنبها أخت لها يعرضونها ... وعندك مال للهبات عتيد فقال له: كم ثمن الأخت (٣) فقال: عشرة آلاف درهم، فدفعها له ثم قال له: تعلم أن نهر الأبلة عظيم وفيه قرى كثيرة، وكل أخت إلى جانبها (٤) أخرى، وإن فتحت هذا الباب اتسع علي الخرق، فاقنع بهذه ونصطلح عليها، فدعا له وانصرف. وقد ألم أبو بكر محمد بن هاشم، أحد الخالديين، بمعنى قول بكر بن النطاح المذكور في البيتين الأولين، فقال: وتيقن الشعراء أن رجاءهم ... في مأمن بك من وقوع الياس ما صح علم الكيمياء لغيرهم ... فيمن عرفنا من جميع الناس

стр. 1604

تعطيهم الأموال في بدر إذا ... حملوا الكلام إليك في قرطاس وكان أبو دلف قد لحق أكرادا قطعوا الطريق في عمله (١) ، فطعن فارسا فنفذت الطعنة إلى أن وصلت إلى فارس آخر وراءه رديفه، فنفذ فيه السنان فقتلهما، وفي ذلك يقول بكر بن النطاح المذكور: قالوا وينظم فارسين بطعنة ... يوم الهياج ولا تراه كليلا لا تعجبوا فلو أن طول قناته ... ميل إذا نظم الفوارس ميلا وكان أبو عبد الله أحمد بن أبي فنن (٢) صالح مولى بني هاشم، أسود مشوه الخلق، وكان فقيرا، فقالت له امرأته: يا هذا، إن الأدب أراه قد سقط نجمه وطاش سهمه، فاعمد إلى سيفك ورمحك وقوسك، وادخل مع الناس في غزواتهم، عسى الله أن ينفلك من الغنيمة شيئا، فأنشد: ما لي وما لك قد كلفتني شططا ... حمل السلاح وقول الدارعين قف أمن رجال المنايا خلتني رجلا ... أمسي وأصبح مشتاقا إلى التلف تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها بارز الكتف ظننت أن نزال القرن من خلقي (٣) ... أو أن قلبي في جنبي أبي دلف فبلغ خبره أبا دلف، فوجه إليه ألف دينار. وكان أبو دلف لكثرة عطائه قد ركبته الديون، واشتهر ذلك عنه، فدخل عليه بعضهم وأنشده: أيا رب المنائح والعطايا ... ويا طلق المحيا واليدين لقد خبرت أن عليك دينا ... فزد في رقم دينك واقض ديني (٤)

стр. 1605

فوصله وقضى دينه. ودخل عليه بعض الشعراء فأنشده: الله أجرى من الأرزاق أكثرها ... على يديك تعلم يا أبا دلف ما خط " لا " كاتباه في صحيفته ... كما تخطط لا في سائر الصحف بارى الرياح فأعطى وهي جارية ... حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف ومدائحه كثيرة. وله أيضا أشعار حسنة، ولولا خوف التطويل لذكرت بعضها. وكان أبوه قد شرع في عمارة مدينة الكرج وأتمها هو، وكان بها أهله وعشيرته وأولاده، وكان قد مدحه وهو بها بعض الشعراء، فلم يحصل له منه ما في نفسه، فانفصل عنه وهو يقول - وهذا الشاعر هو منصور بن باذان، وقيل هو بكر بن النطاح والله أعلم -: دعيني أجوب الأرض في فلواتها ... فما الكرج الدنيا ولا الناس قاسم وهذا مثل قول بعضهم، ولا أدري أيهما أخذ من الآخر: فإن رجعتم (١) إلى الإحسان فهو لكم ... عبد كما كان، مطواع (٢) ومذعان وإن أبيتم فأرض الله واسعة ... لا الناس أنتم ولا الدنيا خراسان ثم وجدت هذين البيتين قد ذكرهما السمعاني في كتاب الذيل، في ترجمة أبي الحسن علي بن محمد بن علي البلخي، فقال: أنشدني القاضي علي بن محمد البلخي بدورق متمثلا للأمير أبي الحسن علي بن المنتجب، ولعله سمع منه، وأنشد البيتين (٣) . وروي أن الأمير علي بن عيسى بن ماهان صنع مأدبة لما قدم أبو دلف من

стр. 1606

الكرج ودعاه إليها، وكان قد احتفل بها غاية الاحتفال، فجاء بعض الشعراء ليدخل دار علي بن عيسى فمنعه البواب، فتعرض الشاعر لأبي دلف وقد قصد دار علي بن عيسى، وبيده جزازة فناوله إياها، فإذا فيها مكتوب: قل له إن لقيته ... متأن بلا وهج جئت في ألف فارس ... لغداء من الكرج ما على الناس بعدها ... في الدنيات من حرج فرجع أبو دلف، وحلف أنه لا يدخل الدار ولا يأكل شيئا من الطعام، ورأيت في بعض المجاميع أن هذا الشاعر هو عباد بن الحريش (١) ، وكانت المأدبة ببغداد. ورأيت في بعض المجاميع أيضا أن أبا دلف لما مرض مرض موته حجب الناس عن الدخول عليه لثقل مرضه، فاتفق أنه أفاق في بعض الأيام، فقال لحاجبه: من بالباب من المحاويج فقال: عشرة من الأشراف، وقد وصلوا من خراسان، ولهم بالباب عدة أيام لم يجدوا طريقا، فقعد على فراشه واستدعاهم، فلما دخلوا رحب بهم وسألهم عن بلادهم وأحوالهم وسبب قدومهم، فقالوا: ضاقت بنا الأحوال، وسمعنا بكرمك فقصدناك، فأمر خازنه بإحضار بعض الصناديق، وأخرج منه عشرين كيسا في كل كيس ألف دينار، ودفع لكل واحد منهم كيسين، ثم أعطى كل واحد مؤونة طريقه، وقال لهم: لا تمسوا الأكياس حتى تصلوا بها سالمة إلى أهلكم، واصرفوا هذا في مصالح الطريق. ثم قال: ليكتب لي كل واحد منكم خطه: أنه فلان بن فلان حتى ينتهي إلى علي ابن أبي طالب ﵁، ويذكر جدته فاطمة بنت رسول الله ﷺ ثم ليكتب: يا رسول الله إني وجدت إضاقة وسوء حال في بلدي وقصدت أبا دلف العجلي، فأعطاني ألفي دينار كرامة لك، وطلبا لمرضاتك، ورجاء لشفاعتك، فكتب كل واحد منهم ذلك، وتسلم الأوراق. وأوصى من

стр. 1607

يتولى تجهيزه إذا مات أن يضع تلك الأوراق في كفنه، حتى يلقى بها رسول الله ﷺ ويعرضها عليه. ومع هذا فقد حكي أنه قال يوما: من لم يكن مغاليا في التشيع فهو ولد زنا، فقال له ولده: إني لست على مذهبك، فقال له أبوه: لما وطئت أمك وعلقت بك ما كنت بعد قد استبرأتها، فهذا من ذاك، والله أعلم. ومع هذا فقد حكى جماعة من أرباب (١) التواريخ أن دلف بن أبي دلف قال: رأيت في المنام آتيا أتاني فقال لي: أجب الأمير، قمت معه، فأدخلني دارا وحشة وعرة سوداء الحيطان مقلعة السقوف والأبواب وأصعدني على درج منها، ثم أدخلني غرفة في حيطانها أثر النيران وفي أرضها أثر الرماد، وإذا بأبي وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه، فقال لي كالمستفهم: دلف قلت: دلف: فأنشأ يقول: أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم ... ما لقينا في البرزخ الخناق قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا ... فارحموا وحشتي وما قد ألاقي ثم قال: فهمت قلت: نعم، ثم أنشد (٢) : فلو كنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شي ثم قال: أفهمت قلت: نعم، وانتبهت. وكانت وفاته سنة ست وعشرين، وقيل خمس وعشرين ومائتين (٣) ببغداد، رحمه الله تعالى. ودلف: بضم الدال المهملة وفتح اللام وبعدها فاء، وهو اسم علم لا ينصرف، لاجتماع العلمية والعدل، فإنه معدول عن دالف.

стр. 1608

والعجلي: قد تقدم الكلام عليه. والأبلة: بضم الهمزة والباء الموحدة واللام المشددة المفتوحة وبعدها هاء ساكنة، وهي بلدة قديمة على أربعة فراسخ من البصرة، وهي اليوم من البصرة، وهي من جنان الدنيا، وإحدى المستنزهات الأربع، وقد سبق ذكرها في ترجمة عضد الدولة بن بويه مع شعب بوان وغيره. والكرج: بفتح الكاف والراء وبعدها جيم، وهي مدينة بالجبل (١) ، بين (٢) أصبهان وهمذان. والجبل: إقليم كبير بين بلاد العراق وخراسان، والعامة تسميه عراق العجم، وفيه مدن كبار منها: همذان وأصبهان والري وزنجان، وغير ذلك. ٥٣٩ - (٣) شمس المعالي قابوس الأمير شمس المعالي أبو الحسن قابوس بن أبي طاهر وشمكير بن زيار بن وردانشاه الجيلي، أمير جرجان وبلاد الجيل وطبرستان. قال الثعالبي في اليتيمة (٤) : أنا أختم هذا الجزء بذكر خاتم الملوك، وغرة الزمان، وينبوع العدل والإحسان، ومن جمع الله سبحانه له إلى عزة العلم بسطة القلم، وإلى فصل الحكمة فصل الحكم. ثم قال: ومن مشهور ما ينسب إليه من الشعر قوله:

стр. 1609

قل للذي بصروف الدهر عيرنا ... هل حارب الدهر إلا من له خط أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر فإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا ... ومسنا من تمادي بؤسه ضرر ففي السماء نجوم ما لها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر وينسب إليه أيضا: خطرات ذكرك تستثير مودتي ... فأحس منها في الفؤاد دبيبا لا عضو لي إلا وفيه صبابة ... فكأن أعضائي خلقن قلوبا وذكر له جملة من النثر أيضا. وكان خطه في نهاية الحسن. وكان الصاحب بن عباد إذا رأى خطه قال: هذا خط قابوس، أم جناح طاووس، وينشد قول المتنبي (١) : في خطه من كل قلب شهوة ... حتى كأن مداده الأهواء ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء وكان الأمير المذكور صاحب جرجان وتلك البلاد، وكانت من قبله لأبيه. وكانت وفاة أبيه في المحرم سنة سبع وثلاثين وثلثمائة بجرجان، ثم انتقلت مملكة جرجان عنهم إلى غيرهم، وشرح ذلك يطول. وملكها قابوس المذكور في شعبان سنة ثمان وثمانين وثلثمائة، وكانت المملكة قد انتقلت إلى أبيه من أخيه مرداويج بن زيار بن وردانشاه الجيلي، وكان ملكا جليل القدر بعيد الهمة. وكان عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه - المقدم ذكره (٢) - من أحد أتباعه ومقدمي أمرائه، وبسببه ترقى إلى درجة الملك، وشرح حديثه يطول، وهو أول من ملك من بني بويه، وهو أكبر الإخوة - وقد سبق ذكر ذلك كله. وكان قابوس من محاسن الدنيا وبهجتها، غير أنه كان، على ما خص به من

стр. 1610

المناقب والرأي البصير بالعواقب مر السياسة، لا يساغ كأسه، ولا يؤمن بحال سطوته وبأسه، يقابل زلة القدم، بإراقة الدم، لا يذكر العفو عند الغضب، فما زال على هذا الخلق حتى استوحشت النفوس منه، وانقلبت القلوب عنه، فأجمع أعيان عسكره على خلعه ونزع الأيدي عن طاعته، فوافق هذا التدبير منهم غيبته عن جرجان إلى المعسكر (١) ببعض القلاع، فلم يشعر بهذا التدبير لذلك ولم يحس بهم إلا وقد قصدوه وأرادوا قبضه، ونهبوا أمواله وخيله، فحامى عنه من كان في صحبته من خواصه، فرجعوا إلى جرجان وملكوها، وبعثوا إلى ولده أبي منصور منوجهر، وهو بطبرستان، يستحثونه على الوصول إيهم لعقد البيعة له، فأسرع في الحضور، فلما وصل إليهم أجمعوا على طاعته إن خلع أباه، فلم يسعه في تلك الحال إلا المداراة والإجابة خوفا على خروج الملك عن بيتهم. ولما رأى الأمير قابوس صورة الحال توجه إلى ناحية بسطام بمن معه من الواص لينتظر ما يستقر عليه الأمر، فلما سمع الخارجون عليه انحيازه إلى تلك الجهة حملوا ولده منوجهر على قصده وإزعاجه من مكانه، فسار معهم مضطرا، فلما وصل إلى أبيه اجتمع به وتباكيا وتشاكيا، وعرض الولد نفسه أن يكون حجابا بينه وبين أعاديه، ولو ذهبت نفسه فيه، ورأى الوالد أن ذلك لا يجدي، وأنه أحق بالملك من بعده، وسلم خاتم المملكة إليه، واستوصاه خيرا بنفسه ما دام في قيد الحياة، واتفقا على أن يكون في بعض القلاع إلى أن يأتيه أجله، فانتقل إلى تلك القلعة. وشرع الولد في الإحسان إلى الجيش، وهو لا يطمئنون خشية قيام الوالد، ولو يزالوا حتى قتل، وذلك في سنة ثلاث وأربعمائة، ودفن بظاهر جرجان، رحمه الله تعالى، وقيل إنه لما حبس في القلعة منع من الغطاء والدثار، وكان البرد شديدا فمات من ذلك. والجيلي: بكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام، هذه النسبة إلى جيل، وهو اسم رجل كان أخا ديلم، وقد نسب إلى كل واحد منهما. وهذه النسبة غير نسبة الجيلي إلى الإقليم وراء طبرستان، فليعلم ذلك، فقد يقع

стр. 1611

فيه الالتباس، فلهذا نبهت عليه. وقد تقدم الكلام على جرجان فلا حاجة إلى إعادته. (١) ٥٤٠ مجاهد الدين قايماز الزيني أبو منصور قايماز بن عبد الله الزيني، الملقب مجاهد الدين الخادم، كان عتيق زين الدين أبي سعيد علي بن بكتكين (٢) والد الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، وهو من أهل سجستان (٣) ، أخذ منها صغيرا، وكان أبيض اللون، وكانت مخايل النجابة لائحة عليه، فقدمه معتقه وجعله أتابك أولاده، وفوض إليه أمور إربل في خامس شهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسمائة، فأحسن السيرة وعدل في الرعية، وكان كثير الخير والصلاح، بنى بإربل مدرسة وخانقاه وأكثر وقفهما، ثم انتقل إلى الموصل في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وسكن قلعتها وتولى أمور تدبيرها (٤) وراسل الملوك وراسلوه، وكان يبلغ منهم بكتبه ما لا يبلغ سواه، وفوض إليه الأتابك سيف الدين غازي بن مودود - المقدم ذكره - صاحب الموصل الحكم في سائر بلاده لما رآه من حسن مقاصده، واعتمد عليه في جميع أحواله، وكان نائبه وهو السلطان في الحقيقة، وكان يحمل إليه أكثر أموال إربل، وأثر بالموصل آثارا جميلة، منها أنه بنى بظاهرها جامعا كبيرا ومدرسة وخانقاه، والجميع متجاورة، ووقف أملاكا كثيرة على خبز

стр. 1612

الصدقات، وأنشأ مكتبا للأيتام، وأجرى لهم جميع ما يحتاجون إليه، ومد على شط الموصل جسرا غير الجسر الأصلي، ووجد الناس به رفقا كثيرا لعدم كفايتهم بالجسر الأصلي، وله شيء كثير من وجوه البر، ومدحه جماعة من الشعراء منهم حيص بيص وسبط ابن التعاويذي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - بقصيدته التي أولها (١) : عليل الشوق فيك متى يصح ... وسكران بحبك كيف يصحو وبين القلب والسلوان حرب ... وبين الجفن والعبرات صلح وهي من قصائده المختارة، وسيرها إليه من بغداد فأجازه جائزة سنية، وسير له (٢) معها بغلة، فوصلت إليه وقد هزلت من تعب الطريق، فكتب إليه (٣) : مجاهد الدين دمت ذخرا ... لكل ذي فاقة وكنزا بعثت لي بغلة ولكن ... قد مسخت في الطريق عنزا ومدحه بهاء الدين أبو المعالي أسعد بن يحيى السنجاري - المقدم ذكره - بقصيدته المشهورة التي يتغنى بها، ومن جملتها: يا قلب تبا لك من صاحب ... كان البلا منك ومن ناظري لله أيامي على رامة ... وطيب أوقاتي على حاجر تكاد بالسرعة في مرها ... أولها يعثر بالآخر (٤) [وعمل له أبو المعالي أسعد بن علي الحظيري - المقدم ذكره - كتاب " الإعجاز في حل الأحاجي والألغاز برسم الأمير مجاهد الدين قايماز " وحمله إليه لما كان بإربل، وأقام عنده مدة، فاشتاق إلى أهله بالحظيرة فقال:

стр. 1613

ألا من لصب قليل العزاء ... غريب يحن إلى المنزل ينادي بإربل أحبابه ... وأنى الحظيرة من إربل] وكان يحب الأدب والشعر، أنشدني بعض أصحابنا قال: كثيرا ما كان ينشد أبياتا من جملتها: إذا أدمت قوارصكم فؤادي ... صبرت على أذاكم وانطويت وجئت إليكم طلق المحيا ... كأني ما سمعت وما رأيت [وهذان البيتان من جملة أبيات لأسامة بن منقذ (١) - المقدم ذكره] وقد تقدم في ترجمة العلم أبي علي الحسن بن سعيد الشاتاني ذكر بيتين عملهما فيه لما قبض عليه (٢) وبالجملة فآثاره مشهورة. وكان مجد الدين أبو السعادات المبارك بن الأثير الجزري صاحب جامع الأصول كاتبا بين يديه ومنشئا عنه إلى الملوك، وكان قد مات الأتابك سيف الدين وتولى أخوه عز الدين مسعود، فسعى أهل الفساد إليه في حقه، وكثير ذلك منهم فقبض عليه في سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ثم ظهر له فساد رأيه في ذلك، فأطلقه وأعاده إلى ما كان عليه. واستمر على ذلك إلى أن توفي في منتصف شهر ربيع الأول، وقيل في سادسه، وقال ابن المستوفي في تاريخ إربل: في صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة بقلعة الموصل. وكان شروعه في عمارة جامعه بالموصل في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 1614

(١) ٥٤١ قتادة السدوسي أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن عزيز بن عمرو بن (٢) ربيعة بن عمرو بن الحارث ابن سدوس، السدوسي البصري الأكمه، كان تابعيا وعالما كبيرا، قال أبو عبيدة: ما (٣) كنا نفقد في كل يوم راكبا من ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة فيسأله عن خبر أو نسب أو شعر، وكان قتادة أجمع الناس. وقال معمر: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله تعالى: (وما كنا له مقرنين) ، فلم يجبني، فقلت: إني سمعت قتادة يقول: مطيقين، فسكت، فقلت له: ما تقول يا أبا عمرو فقال: حسبك قتادة، فلولا كلامه في القدر - وقد قال ﷺ إذا ذكر القدر فأمسكوا - لما عدلت به أحدا من أهل دهره. وقال أبو عمرو: كان قتادة من أنسب الناس، كان قد أدرك دغفلا، وكان يدور البصرة أعلاها وأسفلها بغير قائد، فدخل مسجد البصرة، فإذا بعمرو بن عبيد ونفر معه قد اعتزلوا من حلقة الحسن البصري وحلقوا وارتفعت أصواتهم، فأمهم وهو يظن أنها حلقة الحسن، فلما صار معهم عرف أنها ليست هي، فقال: إنما هؤلاء المعتزلة، ثم قام عنهم، فمذ يومئذ سموا المعتزلة. وكانت ولادته سنة ستين للهجرة. وتوفي سنة سبع عشرة ومائة بواسط،

стр. 1615

وقيل ثماني عشرة، ﵁ (١) . والسدوسي: بقتح السين المهملة وضم الدال المهملة وسكون الواو وبعدها سين ثانية، هذه النسبة إلى سدوس بن شيبان، وهي قبيلة كبيرة كثيرة العلماء وغيرهم. (١٥٤) ودغفل: بفتح الدال المهملة وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء ثم لام، هو ابن حنظلة السدوسي النسابة، أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئا، وقدم على معاوية، وكان أنسب العرب، وقتلته الأزارقة [وقيل إنه غرق بدجيل في وقعة دولاب، وهو الأصح] (٢) . (٣) ٥٤٢ قتيبة بن مسلم أبو حفص قتيبة بن أبي صالح مسلم بن عمرو بن الحصن بن ربيعة بن خالد بن أسيد الخير بن قضاعي بن هلال بن سلامة بن ثعلبة بن وائل بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، الباهلي أمير خراسان زمن عبد الملك بن مروان من جهة الحجاج بن يوسف الثقفي لأنه كان أمير العراقين، وكل من كان يليهما كانت خراسان مضافة إليه، وأقام بها ثلاث عشرة سنة، وكان من قبلها على الري [وتولى خراسان بعد يزيد
следующие страницы →