← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فيه الالتباس، فلهذا نبهت عليه. وقد تقدم الكلام على جرجان فلا حاجة إلى إعادته. (١) ٥٤٠ مجاهد الدين قايماز الزيني أبو منصور قايماز بن عبد الله الزيني، الملقب مجاهد الدين الخادم، كان عتيق زين الدين أبي سعيد علي بن بكتكين (٢) والد الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، وهو من أهل سجستان (٣) ، أخذ منها صغيرا، وكان أبيض اللون، وكانت مخايل النجابة لائحة عليه، فقدمه معتقه وجعله أتابك أولاده، وفوض إليه أمور إربل في خامس شهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسمائة، فأحسن السيرة وعدل في الرعية، وكان كثير الخير والصلاح، بنى بإربل مدرسة وخانقاه وأكثر وقفهما، ثم انتقل إلى الموصل في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وسكن قلعتها وتولى أمور تدبيرها (٤) وراسل الملوك وراسلوه، وكان يبلغ منهم بكتبه ما لا يبلغ سواه، وفوض إليه الأتابك سيف الدين غازي بن مودود - المقدم ذكره - صاحب الموصل الحكم في سائر بلاده لما رآه من حسن مقاصده، واعتمد عليه في جميع أحواله، وكان نائبه وهو السلطان في الحقيقة، وكان يحمل إليه أكثر أموال إربل، وأثر بالموصل آثارا جميلة، منها أنه بنى بظاهرها جامعا كبيرا ومدرسة وخانقاه، والجميع متجاورة، ووقف أملاكا كثيرة على خبز

стр. 1612

الصدقات، وأنشأ مكتبا للأيتام، وأجرى لهم جميع ما يحتاجون إليه، ومد على شط الموصل جسرا غير الجسر الأصلي، ووجد الناس به رفقا كثيرا لعدم كفايتهم بالجسر الأصلي، وله شيء كثير من وجوه البر، ومدحه جماعة من الشعراء منهم حيص بيص وسبط ابن التعاويذي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - بقصيدته التي أولها (١) : عليل الشوق فيك متى يصح ... وسكران بحبك كيف يصحو وبين القلب والسلوان حرب ... وبين الجفن والعبرات صلح وهي من قصائده المختارة، وسيرها إليه من بغداد فأجازه جائزة سنية، وسير له (٢) معها بغلة، فوصلت إليه وقد هزلت من تعب الطريق، فكتب إليه (٣) : مجاهد الدين دمت ذخرا ... لكل ذي فاقة وكنزا بعثت لي بغلة ولكن ... قد مسخت في الطريق عنزا ومدحه بهاء الدين أبو المعالي أسعد بن يحيى السنجاري - المقدم ذكره - بقصيدته المشهورة التي يتغنى بها، ومن جملتها: يا قلب تبا لك من صاحب ... كان البلا منك ومن ناظري لله أيامي على رامة ... وطيب أوقاتي على حاجر تكاد بالسرعة في مرها ... أولها يعثر بالآخر (٤) [وعمل له أبو المعالي أسعد بن علي الحظيري - المقدم ذكره - كتاب " الإعجاز في حل الأحاجي والألغاز برسم الأمير مجاهد الدين قايماز " وحمله إليه لما كان بإربل، وأقام عنده مدة، فاشتاق إلى أهله بالحظيرة فقال:

стр. 1613

ألا من لصب قليل العزاء ... غريب يحن إلى المنزل ينادي بإربل أحبابه ... وأنى الحظيرة من إربل] وكان يحب الأدب والشعر، أنشدني بعض أصحابنا قال: كثيرا ما كان ينشد أبياتا من جملتها: إذا أدمت قوارصكم فؤادي ... صبرت على أذاكم وانطويت وجئت إليكم طلق المحيا ... كأني ما سمعت وما رأيت [وهذان البيتان من جملة أبيات لأسامة بن منقذ (١) - المقدم ذكره] وقد تقدم في ترجمة العلم أبي علي الحسن بن سعيد الشاتاني ذكر بيتين عملهما فيه لما قبض عليه (٢) وبالجملة فآثاره مشهورة. وكان مجد الدين أبو السعادات المبارك بن الأثير الجزري صاحب جامع الأصول كاتبا بين يديه ومنشئا عنه إلى الملوك، وكان قد مات الأتابك سيف الدين وتولى أخوه عز الدين مسعود، فسعى أهل الفساد إليه في حقه، وكثير ذلك منهم فقبض عليه في سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ثم ظهر له فساد رأيه في ذلك، فأطلقه وأعاده إلى ما كان عليه. واستمر على ذلك إلى أن توفي في منتصف شهر ربيع الأول، وقيل في سادسه، وقال ابن المستوفي في تاريخ إربل: في صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة بقلعة الموصل. وكان شروعه في عمارة جامعه بالموصل في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 1614

(١) ٥٤١ قتادة السدوسي أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن عزيز بن عمرو بن (٢) ربيعة بن عمرو بن الحارث ابن سدوس، السدوسي البصري الأكمه، كان تابعيا وعالما كبيرا، قال أبو عبيدة: ما (٣) كنا نفقد في كل يوم راكبا من ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة فيسأله عن خبر أو نسب أو شعر، وكان قتادة أجمع الناس. وقال معمر: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله تعالى: (وما كنا له مقرنين) ، فلم يجبني، فقلت: إني سمعت قتادة يقول: مطيقين، فسكت، فقلت له: ما تقول يا أبا عمرو فقال: حسبك قتادة، فلولا كلامه في القدر - وقد قال ﷺ إذا ذكر القدر فأمسكوا - لما عدلت به أحدا من أهل دهره. وقال أبو عمرو: كان قتادة من أنسب الناس، كان قد أدرك دغفلا، وكان يدور البصرة أعلاها وأسفلها بغير قائد، فدخل مسجد البصرة، فإذا بعمرو بن عبيد ونفر معه قد اعتزلوا من حلقة الحسن البصري وحلقوا وارتفعت أصواتهم، فأمهم وهو يظن أنها حلقة الحسن، فلما صار معهم عرف أنها ليست هي، فقال: إنما هؤلاء المعتزلة، ثم قام عنهم، فمذ يومئذ سموا المعتزلة. وكانت ولادته سنة ستين للهجرة. وتوفي سنة سبع عشرة ومائة بواسط،

стр. 1615

وقيل ثماني عشرة، ﵁ (١) . والسدوسي: بقتح السين المهملة وضم الدال المهملة وسكون الواو وبعدها سين ثانية، هذه النسبة إلى سدوس بن شيبان، وهي قبيلة كبيرة كثيرة العلماء وغيرهم. (١٥٤) ودغفل: بفتح الدال المهملة وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء ثم لام، هو ابن حنظلة السدوسي النسابة، أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئا، وقدم على معاوية، وكان أنسب العرب، وقتلته الأزارقة [وقيل إنه غرق بدجيل في وقعة دولاب، وهو الأصح] (٢) . (٣) ٥٤٢ قتيبة بن مسلم أبو حفص قتيبة بن أبي صالح مسلم بن عمرو بن الحصن بن ربيعة بن خالد بن أسيد الخير بن قضاعي بن هلال بن سلامة بن ثعلبة بن وائل بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، الباهلي أمير خراسان زمن عبد الملك بن مروان من جهة الحجاج بن يوسف الثقفي لأنه كان أمير العراقين، وكل من كان يليهما كانت خراسان مضافة إليه، وأقام بها ثلاث عشرة سنة، وكان من قبلها على الري [وتولى خراسان بعد يزيد

стр. 1616

ابن المهلب بن أبي صفرة وفي ترجمة يزيد شرح ذلك] (١) وهو الذي افتتح خوارزم وسمرقند وبخارى، وقد كانوا كفروا. وكان شهما مقداما نجيبا، وكان أبوه مسلم كبير القدر عند يزيد بن معاوية، وهو صاحب الحرون (٢) ، وكان الحرون من الفحول المشاهير يضرب به المثل. ثم فتح قتيبة فرغانة في سنة خمس وتسعين في أواخر أيام الوليد بن عبد الملك [وقال أهل التاريخ: بلغ قتيبة بن مسلم في غزو الترك والتوغل في بلاد ما وراء النهر وافتتاح القلاع واستباحة البلاد وأخذ الأموال وقتل الفتاك ما لم يبلغه المهلب بن أبي صفرة ولا غيره، حتى إنه فتح بلاد خوارزم وسمرقند في عام واحد، ولما فتح هاتين المدينتين الجليلتين عادت السغد وحملت الاتاوة. ودعا قتيبة لما تمت له هذه الأحوال نهار بن توسعة شاعر المهلب بن أبي صفرة وبنيه، وقال له: أين قولك في المهلب لما مات: ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب أفغزو هذا يا نهار قال: لا بل هذا حشر. ثم قال نهار وأنا القائل: ولا كان مذ كنا ولا كان قبلنا ... ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم أعم لأهل الترك قتلا بسيفه ... وأكثر فينا مقسما بعد مقسم ثم إنه لما بلغ الحجاج ما فعل قتيبة من الفتوحات والقتل والسبي قال: بعثت قتيبة فتى غزاء فما زدته باعا إلا زادني ذراعا] (٣) . فلما مات الوليد في سنة ست وتسعين وتولى الأمر أخوه سليمان بن عبد الملك وكان يكره قتيبة لأمر يطول شرحه، فخاف منه قتيبة وخلع بيعة سليمان وخرج عليه وأظهر الخلاف، فلم يوافقه على ذلك أكثر الناس، وكان قتيبة قد عزل وكيع بن حسان بن [قيس بن يوسف بن كلب بن عوف بن مالك بن

стр. 1617

غدانة واسم غدانة أشرس] وكنيه وكيع أبو المطرف الغداني (١) عن رياسة بني تميم، فحقد وكيع عليه وسعى في تأليب الجند سرا وتقاعد عن قتيبة متمارضا، ثم خرج عليه وهو بفرغانة فقتله مع أحد عشر من أهله، وذلك في ذي الحجة سنة ست وتسعين للهجرة، وقيل سنة سبع وتسعين. ومولده سنة تسع وأربعين، وتولى خراسان تسع سنين وسبعة أشهر، هكذا قال السلامي في تاريخ ولاة خراسان وهو خلاف ما قيل أولا [وقال الطبري: تولى خراسان سنة ست وثمانين] وفي قتله يقول جرير: ندمتم على قتل الأغر ابن مسلم ... وأنتم إذا لاقيتم الله أندم لقد كنتم من غزوة في غنيمة ... وأنتم لمن لاقيتم اليوم مغنم على أنه أفضى إلى حور جنة ... وتطبق بالبلوى عليكم جهنم وقتل أبوه مسلم بن عمرو (٢) مع مصعب بن الزبير في سنة اثنتين وسبعين للهجرة. (١٥٥) وقتيبة المذكور جد [أبي عمرو] سعيد بن سلم (٣) بن قتيبة بن مسلم، وكان سعيد المذكور سيدا كبيرا ممدحا، وفيه يقول عبد الصمد بن المعذل يرثيه (٤) : كم يتيم نعشته بعد يتم ... وفقير أغنيته بعد عدم كلما عضت النوائب نادى ... رضي الله عن سعيد بن سلم وتولى سعيد أرمينية والموصل والسند وطبرستان وسجستان والجزيرة، وتوفي سنة سبع عشرة ومائتين، ومن أخباره أنه قال (٥) : لما كنت واليا بأرمينية

стр. 1618

أتاني أبو دهمان الغلابي (١) فقعد على بابي أياما فلما وصل إلي جلس قدامي بين السماطين، وقال: والله إني لأعرف أقواما لو علموا أن سف التراب يقيم أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي، أما والله إني لبعيد الوثبة، بطيء العطفة، إنه والله (٢) ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفك عني، ولأن أكون مقلا مقربا أحب إلي من أن أكون مكثرا مبعدا، والله ما نسأل عملا لا نضبطه، ولا مالا إلا ونحن أكثر منه، إن هذا الأمر الذي صار في يديك قد كان في يد غيرك فأمسكوا والله حديثا إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فتحبب إلى عباد الله بحسن البشر ولين (٣) الحجاب، فإن حب عباد الله موصول بحب الله (٤) ، وهم شهداء الله على خلقه، ورقباء على من اعوج عن سبيله، والسلام. ولما مات ولده عمرو بن سعيد المذكور رثاه أبو عمرو أشجع بن عمرو السلمي الرقي نزيل البصرة الشاعر المشهور بقوله: مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مفرب إلا له فيه مادح وما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس حتى غيبته الصفائح وأصبح في لحد من الأرض ضيق ... وكانت به حيا تضيق الصحاصح سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك مني ما تجن الجوانح فما أنا من رزء وإن جل جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح كأن لم يمت حي سواك ولم يقم ... على أحد إلا عليك النوائح لئن حسنت فيك المرائي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح وهذه المرثية من محاسن المراثي، وهي في كتاب " الحماسة " (٥) والبيت الأخير

стр. 1619

منها مثل قول مطيع بن إياس في يحيى بن زياد من جملة أبيات: يا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم ومن كان أمس للمدح وهذه الأبيات في " الحماسة " (١) في باب المراثي. وأخباره كثيرة. وقد تقدم الكلام على الباهلي في ترجمة الأصمعي، وأن هذه النسبة إلى أي شيء هي، وكانت العرب تستنكف من الانتساب إلى هذه القبيلة حتى قال الشاعر: وما ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهله وقال الآخر: ولو قيل للكلب يا باهلي ... عوى الكلب من لؤم هذا النسب وقيل لأبي عبيدة: يقال إن الأصمعي دعي في نسبه إلى باهلة، فقال: هذا ما يمكن، فقيل: ولم فقال: لأن الناس إذا كانوا من باهلة تبرأوا منها، فكيف يجيء من ليس منها وينتسب إليها ورأيت في بعض المجاميع أن الأشعث ابن قيس الكندي قال لرسول الله ﷺ : أتتكافأ دماؤنا فقال: نعم، ولو قتلت رجلا من باهلة لقتلتك به. وقال قتيبة بن مسلم المذكور لهبيرة بن مسروح: أي رجل أنت لو كان أخوالك من غير سلول فلو بادلت بهم، فقال: أصلح الله الأمير، بادل بهم من شئت من العرب وجنبني باهلة. ويحكى أن أعرابيا لقي شخصا في الطريق فسأله: ممن أنت فقال: من باهلة، فرثى له الأعرابي، فقال ذلك الشخص: وأزيدك أني لست من صميمهم، ولكن من مواليهم، فأقبل الأعرابي عليه يقبل يديه ورجليه، فقال له: ولم ذاك فقال: لأن الله ﵎ ما ابتلاك بهذه الرزية في الدنيا إلا ويعوضك الجنة في الآخرة. وقيل لبعضهم: أيسرك أن تدخل الجنة وأنت

стр. 1620

باهلي فقال: نعم، بشرط ألا يعلم أهل الجنة أني باهلي، والأخبار في ذلك كثيرة، ﵏ أجمعين. وسئل حسين بن بكر الكلابي النسابة عن السبب في اتضاع باهلة وغني عند العرب، فقال: لقد كان بينهما غناء وشرف، ولم يضعهما إلا إشراف أخويهما فزارة وذبيان عليهما بالمآثر، فدنؤا (١) بالإضافة إليهما [ذكر ذلك الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب " أدب الخواص "] وقد تقدم الكلام على قتيبة في ترجمة عبد الله بن مسلم بن قتيبة (٢) . ٥٤٣ - (٣) بهاء الدين قراقوش أبو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي، الملقب بهاء الدين، كان خادم صلاح الدين، وقيل خادم أسد الدين شيركوه عم السلطان صلاح الدين، فأعتقه - وقد تقدم ذكره في ترجمة الفقيه عيسى الهكاري (٤) . ولما استقل صلاح الدين بالديار المصرية جعله زمام القصر، ثم ناب عنه مدة بالديار المصرية، وفوض أمورها إليه واعتمد في تدبير أحوالها عليه، وكان رجلا مسعودا وصاحب همة عالية، وهو الذي بنى السور المحيط بالقاهرة ومصر وما بينهما وبنى قلعة الجبل، وبنى القناطر التي بالجيزة على طريق الأهرام، وهي آثار دالة على علو الهمة، وعمر بالمقس رباطا، وعلى باب الفتوح بظاهر القاهرة خان سبيل.

стр. 1621

وله وقف كثير لا يعرف مصرفه، وكان حسن المقاصد جميل النية. ولما أخذ صلاح الدين مدينة عكا من الفرنج سلمها إليه، ثم لما عادوا واستولوا عليها حصل أسيرا في أيديهم، ويقال إنه افتك نفسه بعشرة آلاف دينار وذكر شيخنا القاضي بهاء الدين بن شداد في سيرة صلاح الدين (١) أنه انفك من الأسر في يوم الثلاثاء حادي عشر شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، ومثل في الخدمة الشريفة السلطانية، ففرح به فرحا شديدا، وكان له حقوق كثيرة على السلطان وعلى الإسلام والمسلمين، واستأذن في المسير إلى دمشق ليحصل مال القطيعة، فأذن له في ذلك، وكان - على ما ذكر - ثلاثين ألفا (٢) والناس ينسبون إليه أحكاما عجيبة في ولايته، حتى إن الأسعد بن مماتي - المقدم ذكره (٣) - له جزء لطيف سماه الفاشوش في أحكام قراقوش وفيه أشياء (٤) يبعد وقوع مثلها منه، والظاهر أنها موضوعة، فإن صلاح الدين كان معتمدا في أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فوضها إليه. وكانت وفاته في مستهل رجب سنة سبع وتسعين وخمسمائة بالقاهرة، ودفن في تربته المعروفة به بسفح المقطم (٥) بقرب البئر والحوض اللذين أنشأهما على شفير الخندق، رحمه الله تعالى. وقراقوش: بفتح القاف والراء وبعد الألف قاف ثانية ثم واو وبعدها شين معجمة، وهو لفظ تركي تفسيره بالعربي العقاب، الطائر المعروف، وبه سمي الإنسان، والله أعلم (٦) .

стр. 1622

(١) ٥٤٤ قطري بن الفجاءة أبو نعامة قطري بن الفجاءة، واسمه جعونة، بن مازن بن يزيد بن زياد ابن خنثر بن كابية (٢) بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مر، المازني الخارجي، خرج زمن مصعب بن الزبير لما ولي العراق نيابة عن أخيه عبد الله بن الزبير وكانت ولاية مصعب في سنة ست وستين للهجرة فبقي قطري عشرين سنة يقاتل ويسلم عليه بالخلافة، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي يسير إليه جيشا بعد جيش وهو يستظهر عليهم. وحكي عنه أنه خرج في بعض حروبه وهو على فارس أعجف وبيده عمود خشب، فدعا إلى المبارزة، فبرز إليه رجل، فحسر له قطري عن وجهه، فلما رآه الرجل ولى عنه، فقال له قطري: إلى أين فقال: لا يستحيي الإنسان أن يفر منك. وقد ذكر أبو العباس المبرد في كتاب الكامل (٣) من أخبارهم ومحارباتهم قطعة كبيرة. ولم يزل الحال بينهم كذلك حتى توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي، فظر عليه وقتله في سنة ثمان وسبعين للهجرة، وكان المباشر لقتله سودة بن أبجر (٤)

стр. 1623

الدارمي، وقيل إن قتله كان بطبرستان في سنة تسع وسبعين، وقيل عثر به فرسه فاندقت فخذه فمات، فأخذ رأسه فجيء به إلى الحجاج. قلت (١) : هكذا قال أهل التاريخ والله أعلم أنه أقام عشرين سنة يقاتل ويسلم عليه بالخلافة، وتاريخ خروجه وقتله بخلاف ذلك فتأمله. ولا عقب لقطري، وإنما قيل لأبيه الفجاءة لأنه كان باليمن، فقدم على أهله فجاءة، فسمي به وبقي عليه، وقطري هو الذي عناه الحريري في المقامة السادسة بقوله (٢) : فقلدوه في هذا الأمر الزعامة، تقليد الخوارج أبا نعامة وكان رجلا شجاعا مقداما كثير الحروب والوقائع، قوي النفس لا يهاب الموت، وفي ذلك يقول مخاطبا لنفسه (٣) : أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لا تراعي فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع ولا ثوب الحياة (٤) بثوب عز ... فيطوى عن أخي الخنع اليراع سبيل الموت غاية كل حي ... وداعية لأهل الأرض داعي ومن لا يغتبط يسأم ويهرم ... وتسلمه المنون إلى انقطاع وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عد من سقط المتاع وهذه الأبيات مذكورة في الحماسة في الباب الأول، وهي تشجع أجبن خلق الله، وما أعرف في هذا الباب مثلها، وما صدرت إلا عن نفس أبية وشهامة عربية. وهو معدود في جملة خطباء العرب المشهورين بالبلاغة والفصاحة.

стр. 1624

روي أن الحجاج قال لأخيه: لأقتلنك، فقال: لم ذلك قال: لخروج أخيك، قال: فإن معي كتاب أمير المؤمنين أن لا تأخذني بذنب أخي، قال: هاته، قال: فمعي ما هو أوكد منه، قال: ما هو قال: كتاب الله ، حيث يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، فعجب منه وخلى سبيله. وفي قطري قال حصين بن حفصة السعدي من أبيات (١) : وأنت الذي لا نستطيع فراقه ... حياتك لا نفع وموتك ضائر وقد ضبطت أسماء أجداده ضبطا يغني عن التقييد، ففيه تطويل، فمن كتبه فليعتمد على هذا الضبط ففيه كفاية، وكذلك الألفاظ التي في الأبيات مضبوطة (٢) . وقد قيل: إن قولهم قطري ليس باسم له، ولكنه نسبة إلى موضع بين البحرين وعمان، وهو اسم بلد كان منه أبو نعامة المذكور، فنسب إليه، وقيل إنه هو قصبة عمان، والقصبة هي كرسي الكورة.

стр. 1625

فراغ

стр. 1626

حرف الكاف

стр. 1627

فراغ

стр. 1628

(١) ٥٤٥ كافور الإخشيدي أبو المسك كافور بن عبد الله الإخشيدي - وقد سبق شيء من خبره في ترجمة فاتك -، وكان كافور (٢) عبدا لبعض أهل مصر، ثم اشتراه أبو بكر محمد ابن طغج الإخشيد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في سنة اثنتي عشرة وثلثمائة بمصر من محمود بن وهب بن عباس وترقى عنده إلى أن جعله أتابك ولديه. وقال محمد وكيل الأستاذ كافور: خدمت الأستاذ (٣) والجراية التي يطلقها ثلاث عشرة جراية في كل يوم، ومات وقد بلغت علي يدي ثلاثة عشر ألفا في كل يوم. ولما توفي الإخشيد في التاريخ المذكور في ترجمته تولى مملكة مصر والشام ولده الأكبر وهو أبو القاسم أنوجور، ومعناه بالعربي محمود، بعقد الراضي له، وقام كافور بتدبير دولته أحسن قيام إلى أن توفي أنوجور يوم السبت لثمان [وقيل لسبع] (٤) خلون من ذي العقدة سنة تسع وأربعين وثلثمائة، وحمل إلى القدس ودفن عند أبيه. وكانت ولادته بدمشق يوم الخميس لتسع خلون من ذي الحجة سنة تسع عشرة وثلثمائة، رحمه الله تعالى. وتولى بعدة أخوه أبو الحسن علي، وملك الروم في أيامه حلب والمصيصة وطرسوس وذلك الصقع أجمع، فاستمر كافور على نيابته وحسن إيالته، إلى أن توفي علي المذكور في سنة خمس وخمسين وثلثمائة، وقيل بل توفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة أربع وخمسين،

стр. 1629

وكانت ولادته يوم الثلاثاء لأربع بقين من صفر سنة ست وعشرين وثلثمائة بمصر، رحمه الله تعالى. ثم استقل كافور بالمملكة من هذا التاريخ وأشير عليه بإقامة الدعوة لولد أبي الحسن علي بن الإخشيد، فاحتج بصغر سنة، وركب بالمطارد، وأظهر خلعا جاءته من العراق وكتابا بتكنيته، وركب بالخلع [يوم الثلاثاء لعشر خلون من صفر سنة خمس وخمسين وثلثمائة] (١) وكان وزيره أبا الفضل جعفر بن الفرات - المقدم ذكره (٢) -. وكان كافور يرغب في أهل الخير ويعظمهم، وكان أسود اللون شديد السواد بصاصا، واشتراه الإخشيد بثمانية عشر دينارا على ما نقل، وقد سبق في ترجمة الشريف ابن طباطبا شيء من خبره معه. وكان أبو الطيب المتنبي قد فارق سيف الدولة بن حمدان - المقدم ذكره (٣) - مغاضبا له، وقصد مصر وامتدح كافورا بأحسن المدائح، فمن ذلك قوله في أول قصيدة أنشأها له في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثلثمائة، وقد وصف فيها الخيل ثم قال (٤) : قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضا خلفها ومآقيا ولقد أحسن في هذا غاية الإحسان. وأنشده أيضا في شوال سنة سبع وأربعين قصيدته البائية التي يقول فيها (٥) : وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ تملي علي فأكتب إذا ترك الإنسان أهلا وراءه ... ويمم كافورا فما يتغرب ومن جملتها: يضاحك في ذا العيد كل حبيبه ... حذائي وأبكي من أحب وأندب

стр. 1630

أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب فإن لم يكن إلا أبو المسك أو هم ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذب وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب [وحكي عن المتنبي أنه قال: كنت إذا دخلت على كافور أنشده يضحك إلي ويبش في وجهي، إلى أن أنشدته (١) : ولما صار ود الناس خبا ... جزيت على ابتسام بابتسام وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام قال: فما ضحك بعدها في وجهي إلى أن تفرقنا، فعجبت من فطنته وذكائه] (٢) . وآخر شيء أنشده في شوال سنة تسع وأربعين ولم يلقه بعدها قصيدته البائية وشابها بطرف من العتب، ومنها (٣) : أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب أقل سلامي حب ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغي عليه ثواب وما شئت إلا أن أدل عواذلي ... على أن رأيي في هواك صواب وأعلم قوما خالفوني فشرقوا ... وغربت أنى قد ظفرت وخابوا جرى الخلف إلا فيك أنك واحد ... وأنك ليث والملوك ذئاب وأنك إن قويست صحف قارئ ... ذئابا ولم يخطئ فقال ذباب وإن مديح الناس حق وباطل ... ومدحك حق ليس فيه كذاب إذا نلت منك الود فالمال هين ... وكل الذي فوق التراب تراب

стр. 1631

وما كنت لولا أنت إلا مهاجرا ... له كل يوم بلدة وصحاب ولكنك الدنيا إلي حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب وأقام المتنبي بعد إنشاده هذه القصيدة بمصر سنة لا يلقى كافورا غضبا عليه لكنه يركب في خدمته خوفا منه ولا يجتمع به، واستعد للرحيل في الباطن، وجهز جميع ما يحتاج إليه، وقال في يوم عرفة سنة خمسين وثلثمائة قبل مفارقته مصر بيوم واحد قصيدته الدالية التي هجا كافورا فيها، وفي آخر هذه القصيدة: من علم الأسود المخصي مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه الصيد [أم أذنه في يد النحاس دامية ... أم قدره وهو بالفلسين مردود] (١) وذاك أن الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود وله فيه أهاج كثيرة تضمنها ديوانه، ثم فارقه بعد ذلك، ورحل إلى عضد الدولة بن بويه بشيراز - حسبما تضمنه ترجمته (٢) . ورأيت في بعض المجاميع قال بعضهم: حضرت مجلس كافور الإخشيدي، فدخل رجل ودعا له وقال في دعائه: أدام الله أيام مولانا، بكسر الميم من أيام، فتحدث جماعة من الحاضرين في ذلك وعابوه عليه، فقام رجل من أوساط الناس وأنشد مرتجلا وهو أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن حشيش النجيرمي اللغوي الاخباري كاتب كافور (٣) ، والذي دعا لكافور ولحن هو أبو الفضل ابن عياش (٤) : لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... أو غض من دهش بالريق أو بهر فتلك هيبته حالت جلالتها ... بين الأديب وبين القول بالحصر

стр. 1632

فإن يكن خفض الأيام من غلط ... في موضع النصب لا عن قلة النظر فقد تفاءلت في هذا لسيدنا ... والفأل مأثورة عن سيد البشر بأن أيامه خفض بلا نصب ... وأن أوقاته صفر بلا كدر وأخبار كافور كثيرة. [ولما كثرت الزلازل بمصر في أيام كافور أنشده محمد بن عاصم قصيدة يقول فيها: ما زلزلت مصر من سوء يراد بها ... لكنها رقصت من عدله فرحا فأمر له بألف دينار، وقيل إن عطاءه ذلك حث المتنبي على المسير إلى مصر. ودخل على كافور غلام فقال: ما اسمك قال: كافور، فقال: نعم ما كل من اسمه محمد نبي. وله مع الشيخ عبد الله بن جابار الصوفي الزاهد شيخ البقاعي، رحمهما الله تعالى، وكان من كبار المشايخ، قصة عجيبة هي من غرر مناقبه، ذكر المسبحي في تاريخه قال: حدثني أبو الدابة كاتب أبي بكر القمي عن أبي الحسن البغدادي قال: وردت إلى مصر مع والدي وأنا صبي دون البلوغ في أيام كافور، وكان أبو بكر المحلي يتولى نفقات مصالحه وخواص خدمه، وقد نتجت بينه وبين أبي مودة، وكان يزوره ويصله، قال: فجاءه ذات يوم فتذاكرا أخبار كافور وطريقته وما هو عليه من الخشوع، فقال أبو بكر لأبي وأنا أسمع: هذا الأستاذ كافور له في كل عيد أضحى عادة، وهي أن يسلم إلي بغلا محملا ذهبا وورقا وجريدة تتضمن أسماء قوم من حد القرافة إلى المنامة وما بينهما، ويمضي معي صاحب الشرطة ونقيب يعرف المنازل، وأطوف من بعد العشاء الآخرة إلى آخر الليل حتى أسلم ذلك إلى من جعل له وتتضمن اسمه الجريدة، وأطوف منزل كل إنسان ما بين رجل وامرأة وأقول: الأستاذ أبو المسك كافور يهنيك بعيدك ويقول لك: اصرف هذا في منفعتك، فادفع إليه ما جعل له، فلما كان في هذا العيد جريت على العادة ورأيته زادني في الجريدة الشيخ أبو عبد الله ابن جابار مائة دينار فأنفقت المال في أربابه ولم يبق إلا الصرة، فجعلتها في كمي

стр. 1633

وسرت مع النقيب حتى أتينا منزله بظاهر القرافة، فطرقت الباب فنزل إلينا شيخ عليه أثر السهر فسلمت عليه فلم يرد علي وقال: ما حاجتك قلت: الأستاذ أبو المسك كافور يخص الشيخ بالسلام، فقال: والي بلدنا قلت: نعم، قال: حفظه الله، الله يعلم أنني أدعو له في الخلوات وأدبار الصلوات وللمسلمين بما الله سامعه ومجيبه، قلت: وقد أنفذ معي هذه الصرة وهو يسألك قبولها لتصرفها في مؤونة هذا العيد المبارك فقال: نحن رعيته ونحن نحبه في الله تعالى وما نفسد هذا بعلة، فراجعته القول فتبين لي الضجر في وجهه والقلق والتلهف واستحييت من الله تعالى أن أقطعه عما هو عليه فتركته وانصرفت، قال: فجئت فوجدت الأمير قد تهيأ للركوب وهو ينتظرني فلما رآني قال: هيه يا أبا بكر، فقلت له: أرجو أن يستجيب الله تعالى فيك كل دعوة صالحة دعيت لك في هذه الليلة وفي هذا اليوم الشريف، فقال: الحمد لله الذي جعلني سببا لإيصال الراحة إلى عياله، ثم أخبرته بامتناع ابن جابار فقال: نعم هو بذلك جدير، لم يجر بيننا وبينه معاملة قبل هذا اليوم، ثم قال لي: عد إليه واركب دابة من دواب النوبة فلست أشك فيما لقيت دابتك في هذه الليلة من التعب، ثم امض إليه واطرق بابه فإذا نزل إليك فإنه سيقول: ألم تكن عندنا فلا ترد عليه جوابا ثم استفتح واقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى. تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى. الرحمن على العرش استوى، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى) . يا ابن جابار، يقول لك كافور: ومن كافور العبد الأسود ومن مولاه ومن الخلق أبقي لأحد مع الله تعالى ملكة أو شركة تلاشى الناس كلهم، ها هنا تدري من معطيك وعلى من رددت أنت ما سألت، هو أرسل إليك يا ابن جابار، ما تفرق بين السبب والمسبب! قال: فركبت وسرت فطرقت منزله فنزل إلى وقال لي مثل لفظ كافور، فأضربت عن الجواب وقرأت طه ثم قلت له ما قال كافور، فبكى ابن جابار وقال: أين ما حملت فأخرجت له الصرة فأخذها وقال: علمنا الأستاذ كيف التصوف، قل له: أحسن الله جزاءك، قال: فعدت إليه فأخبرته فسر بذلك ثم سجد لله تعالى شكرا وقال:

стр. 1634

الحمد لله الذي جعلني سببا لإيصال الراحة إلى عبادة، ثم ركب حينئذ] (١) . ولم يزل مستقلا بالأمر بعد أمور يطول شرحها إلى أن توفي يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وثلثمائة بمصر، وقيل إنه توفي يوم الأربعاء، وقيل توفي سنة خمس وخمسين وثلثمائة، وقيل سنة سبع وخمسين [وهو قول القضاعي في كتاب الخطط، والله أعلم، وكذا قال الفرغاني في تاريخه أيضا، رحمه الله تعالى] (٢) والأول أصح، ودفن بالقرافة الصغرى، وقبته مشهورة هناك (٣) ، ولم تطل مدته في الاستقلال على ما ظهر من تاريخ موت علي بن الإخشيد إلى هذا التاريخ. وكانت بلاد الشام في مملكته أيضا مع مصر (٤) وكان يدعى له على المنابر بمكة والحجاز جميعه والديار المصرية وبلاد الشام من دمشق وحلب وأنطاكية وطرسوس والمصيصة وغير ذلك، وكان تقدير عمره خمسا وستين سنة على ما حكاه القرغاني في تاريخه، والله أعلم. [وكانت أيامه سديدة جميلة، ووقع الخلف فيمن ينصب للأمر بعده، إلى أن تقرر الأمر وتراضت الجماعة بولد أبي الحسن علي بن الإخشيد، وكانت ولاية كافور سنتين وثلاثة أشهر إلا سبعة أيام، وخطب لأبي الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين، وبقية خبرهم مذكورة في ترجمة جده محمد الإخشيد] (٥) .

стр. 1635

٥٤٦ - (١) كثير عزة أبو صخر كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة الأسود بن عامر بن عويمر الخزاعي، أحد عشاق العرب المشهورين به وقال ابن الكلبي في جمهرة النسب: هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عويمر بن مخلد بن سعيد بن سبيع بن خثعمة (٢) بن سعد بن مليح بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وبقية

стр. 1636

النسب معروفة، وربيعة بن حارثة هو لحي، وابنه عمرو بن لحي هو الذي رآه النبي ﷺ يجر قصبه (١) في النار، وهو أول من سيب السوائب وبحر البحيرة وغير دين إبراهيم ﵇، ودعا العرب إلى عبادة الأصنام، وهذا لحي وأخوه أفصى ابنا حارثة هما خزاعة، ومنهما تفرقت، وإنما قيل لهم خزاعة لأنهم انقطعوا عن الأزد لما تفرقت الأزد من اليمن أيام سيل العرم وأقاموا بمكة، وسار الآخرون إلى المدينة والشام وعمان. وقال ابن الكلبي أيضا قبل هذا بقليل: والأشيم وهو أبو جمعة بن خالد بن عبيد بن مبشر بن رباح، وهو جد كثير بن عبد الرحمن صاحب عزة أبو أمه إليه ينسب] (٢) . وهو صاحب عزة بنت جميل بن حفص بن إياس بن عبد العزى بن حاجب (٣) ابن غفار بن مليل بن ضمرة [بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وقال السمعاني: جميل ابن وقاص بن حفص بن إياس، والله أعلم] (٤) . وله معها حكايات ونوادر وأمور مشهورة، وأكثر شعره فيها. وكان يدخل على عبد الملك بن مروان وينشده، وكان رافضيا شديد التعصب لآل أبي طالب، حكى ابن قتيبة في " طبقات الشعراء " (٥) أن كثيرا دخل يوما على عبد الملك فقال له عبد الملك: بحق علي بن أبي طالب هل رأيت أحدا أعشق منك قال: يا أمير المؤمنين، لو نشدتني بحقك أخبرتك، قال: نشدتك بحقي إلا ما أخبرتني، قال: نعم، بينا أنا أسير في بعض الفلوات إذا أنا برجل قد نصب حبالة، فقلت له: ما أجلسك ها هنا قال: أهلكني وأهلي الجوع، فنصبت حبالتي هذه لأصيد لهم شيئا ولنفسي ما يكفينا ويعصمنا يومنا هذا،

стр. 1637

قلت: أرأيت إن أقمت معك فأصبت صيدا تجعل لي منه جزءا قال: نعم، فبينا نحن كذلك إذ وقعت ظبية في الحبالة، فخرجنا نبتدر، فبدرني إليها فحلها وأطلقها، فقلت له: ما حملك على هذا قال: دخلتني لها رقة لشبهها بليلى، وأنشأ يقول: أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني ... لك اليوم من وحشية لصديق أقول وقد أطلقتها من وثاقها ... فأنت لليلى ما حييت طليق ولما عزم عبد الملك على الخروج إلى محاربة مصعب بن الزبير ناشدته زوجته (١) عاتكة بنت يزيد بن معاوية أن لا يخرج بنفسه، وأن يستنيب غيره في حربه ولم تزل تلح عليه في المسألة وهو يمتنع من الإجابة، فلما يئست أخذت في البكاء حتى بكى من كان حولها من جواريها وحشمها، فقال عبد الملك: قاتل الله ابن أبي جمعة - يعني كثيرا - كأنه رأى موقفنا هذا حين قال: إذا ما أراد الغزو لم يثن عزمه ... حصان عليها نظم در يزينها نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما شجاها قطينها ثم عزم عليها أن تقصر فأقصرت وخرج لقصده. ويقال إن عزة دخلت على أم البنين ابنة العزيز، وهي أخت عمر ابن عبد العزيز وزوجة الوليد بن عبد الملك: فقالت لها: أرأيت قول كثير: قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها ما كان ذلك الدين قالت: وعدته قبلة فحرجت منها، فقالت أم البنين: أنجزيها وعلي إثمها. [ثم ندمت أم البنين فاستغفرت الله تعالى وأعتقت عن هذه الكلمة أربعين رقبة] (٢) .

стр. 1638

وكان لكثير غلام عطار بالمدينة، وربما باع نساء العرب بالنسيئة، فأعطى عزة وهو لا يعرفها شيئا من العطر، فمطلته أياما، وحضرت إلى حانوته في نسوة فطالبها: فقالت له: حبا وكرامة، ما أقرب الوفاء وأسرعه، فأنشد متمثلا: قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها فقالت النسوة: اتدري من غريمتك قال: لا والله، فقلن: هي والله عزة فقال: أشهدكن الله أنها في حل مما لي قبلها، ثم مضى إلى سيده فأخبره بذلك، فقال كثير: وأنا أشهد الله أنك حر لوجهه، ووهبه جميع ما في حانوت العطر، فكان ذلك من عجائب الاتفاق. ولكثير في مطالها (١) بالوعد شعر كثير، فمن ذلك قوله: أقول لها عزيز مطلت ديني ... وشر الغانيات ذوو المطال فقالت ويح غيرك كيف أقضي ... غريما ما ذهبت له بمال (٢) وله: وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير تغير جسمي والخليقة كالذي ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر ولما قتل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وجماعة من أهل بيته بعقر بابل - وسيأتي خبر ذلك في ترجمته إن شاء الله تعالى - وكانوا يكثرون الإحسان إلى كثير، فلما بلغه ذلك قال: ما أجل الخطب! ضحى بنو حرب (٣) بالدين يوم الطف وضحى بنو مروان بالكرم يوم العقر، وأسبلت عيناه بالدموع.

стр. 1639

وحدث (١) أبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب " الأغاني " (٢) أن كثيرا خرج من عند عبد الملك بن مروان وعليه مطرف، فاعترضته عجوز في الطريق اقتبست نارا في روثة، فتأفف كثير في وجهها، فقالت: من أنت قال: كثير عزة، فقالت: ألست القائل: فما روضة زهراء طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها بأطيب من أردان عزة موهنا ... إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها فقال لها كثير: نعم، فقالت: لو وضع المندل الرطب على هذه الروثة لطيب رائحتها، هلا قلت كما قال امرؤ القيس: ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب فناولها المطرف وقال: استري علي هذا. [وسمعت بعض مشايخ الأدب في زمن اشتغالي بالأدب يقول: إن النصف الثاني من البيت الثاني من تتمة أوصاف الروضة أيضا، فكأنه قال: إن هذه الروضة الطيبة الثرى التي يمج الندى جثجاثها وعرارها إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها ما هي بأطيب من أردان عزة وعلى هذا لا يبقى عليه اعتراض، لكنه يبعد أن يكون هذا مقصوده] (٣) . وكان كثير (٤) ينسب إلى الحمق، ويروى أنه دخل يوما على يزيد بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، ما يعني الشماخ بقوله: إذا الأرطى توسد أبرديه ... خدود جوازئ بالرمل عين (٥)

стр. 1640

فقال يزيد: وما يضرني أن لا أعرف ما عنى هذا الأعرابي الجلف واسحمقه وأمر بإخراجه. ودخل (١) كثير على عبد العزيز بن مروان والد عمر يعوده في مرضه، وأهله يتمنون أن يضحك، وكان يومئذ أمير مصر، فلما وقف عليه قال: لولا أن سرورك لا يتم بأن تسلم وأسقم لدعوت الله ربي أن يصرف ما بك إلى، ولكني أسأل الله تعالى لك العافية ولي في كنفك النعمة، فضحك عبد العزيز، وأنشد كثير: ونعود سيدنا وسيد غيرنا ... ليت التشكي كان بالعواد لو كان يقبل فدية لفديته ... بالمصطفى من طارفي وتلادي ومما يستجاد من شعر كثير قصيدته التائية التي يقول من جملتها (٢) : وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تسليت من وجد بها وتسلت لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت [وقال أبو علي القالي (٣) : أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن عرفة المعروف بنفطويه لكثير: ألا تلك عزة قد أقبلت ... تقلب للهجر طرفا غضيضا تقول مرضت فما عدتني ... وكيف يعود مريض مريضا ومن شعره أيضا:

стр. 1641

رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعا وسجودا] (١) [وبلغ كثيرا أن عزة مريضة وانها تشتاقه فخرج يريدها، فلما صار ببعض الطريق لقيه أعرابي من نهد فقال: يا أبا صخر، أين تريد قال: أريد عزة، قال: فهل رأيت في وجهك شيئا قال: لا، إلا اني رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ينتف ريشه، قال: توافي مصر وقد ماتت عزة، فانتهره كثير ثم مضى وعاد كثير إلى مصر فوافاها والناس منصرفون من جنازة عزة فقال: رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتف أعلى ريشه ويطايره فقلت ولو أني أشاء زجرته ... بنفسي للنهدي هل أنت زاجره فقال غراب لاغتراب وفرقة ... وبان فبين من حبيب تعاشره فما أعيف النهدي لا در دره ... وازجره للطير لا عز ناصره] (٢) وكان كثير بمصر وعزة بالمدينة، فاشتاق إليها فسافر نحوها، فلقيها في الطريق وهي متوجهة إلى مصر، وجرى بينهما كلام يطول شرحه، ثم إنها انفصلت عنه وقدمت إلى مصر، وعاد كثير إلى مصر فوافاها والناس ينصرفون من جنازتها فأتى قبرها وأناخ راحلته عنده، ومكث ساعة، ثم رحل وهو ينشد أبياتا منها: أقول ونضوي واقف عند قبرها ... عليك سلام الله والعين تسفح وقد كنت أبكي من فراقك حية ... فأنت لعمري اليوم أنأى وأنزح (٣)

стр. 1642

وأخبارهما كثيرة (١) . وتوفي كثير عزة في سنة خمس ومائة، رحمه الله تعالى، وروى محمد بن سعد عن الواقدي عن خالد بن القاسم البياضي قال: مات عكرمة مولى ابن عباس وكثير عزة في يوم واحد في سنة خمس ومائة، فرأيتهما جميعا صلي عليهما في موضع واحد بعد الظهر، فقال الناس: مات أفقه الناس وأشعر الناس، وكان موتهما بالمدينة (٢) ، وقد تقدم ذكر عكرمة والخلاف في تاريخ موته، فلينظر هناك في ترجمته (٣) . وقد تقدم الكلام على الخزاعي. وكثير: تصغير كثير وإنما صغر لأنه كان حقيرا شديد القصر. وكان إذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول: طأطئ رأسك لئلا يؤذيك السقف، يمازحه بذلك، وكان يلقب زب الذباب لقصره، وقال بعضهم: رأيت كثيرا يطوف بالبيت، فمن أخبرني أن طوله كان أكثر من ثلاثة أشبار فقد كذب (٤) . ٥٤٧ - (٥) مظفر الدين صاحب إربل أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن علي بن بكتكين (٦) بن محمد (٧) ، الملقب الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل.

стр. 1643

(١٥٦) كان والده زين الدين علي المعروف بكجك صاحب إربل، ورزق أولادا كثيرة، وكان قصيرا، ولهذا قيل له كجك وهو لفظ أعجمي معناه بالعربي صغير: أي صغير القدر، وأصله من التركمان، وملك إربل وبلادا كثيرة في تلك النواحي، وفرقها على أولاد أتابك قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل ولم يبق له سوى إربل، والشرح يطول، وعمر طويلا، يقال إنه جاوز مائة سنة وعمي في آخر عمره، وانقطع بإربل إلى أن توفي بها ليلة الأحد حادي عشر ذي القعدة سنة ثلاث وستين وخمسمائة [وقال ابن شداد في " سيرة صلاح الدين " (١) : مات في ذي الحجة من السنة] (٢) ودفن في تربته المعروفة به المجاورة للجامع العتيق داخل البلد رحمه الله تعالى، وكان موصوفا بالقوة المفرطة والشهامة، وله بالموصل أوقاف كثيرة مشهورة من مدارس وغيرها. [قال شيخنا الحافظ عز الدين أبو الحسن علي المعروف بابن الأثير الجزري في تاريخه الصغير الذي عمله لبني أتابك ملوك الموصل (٣) : إن زين الدين المذكور سار عن الموصل إلى إربل سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وسلم جميع ما كان بيده من البلاد والقلاع إلى أتابك قطب الدين، فمن ذلك سنجار وحران وقلعة عقر الحميدية وقلاع الهكارية جميعها وتكريت وشهرزور وغير ذلك، وما ترك لنفسه سوى إربل، وكان قد حج هو وأسد الدين شيركوه بن شاذي في سنة خمس وخمسين وخمسمائة] (٤) . ولما توفي ولي موضعه ولده مظفر الدين المذكور وعمره أربع عشرة سنة، وكان أتابكه مجاهد الدين قايماز - المذكور في حرف القاف - فأقام مدة، ثم تعصب مجاهد الدين عليه، وكتب محضرا أنه ليس أهلا لذلك، وشاور الديوان العزيز في أمره واعتقله، وأقام أخاه زين الدين أبا مظفر يوسف مكانه، وكان أصغر منه، ثم أخرج مظفر الدين من البلاد، فتوجه إلى بغداد فلم يحصل له بها

стр. 1644

مقصوده، فانتقل إلى الموصل ومالكها يومئذ سيف الدين غازي بن مودود - المقدم ذكره في حرف الغين -، فاتصل بخدمته، وأقطعه مدينة حران، فانتقل إليها وأقام بها مدة، ثم اتصل بخدمة السلطان صلاح الدين، وحظي عنده، وتمكن منه، وزاده في الاقطاع [الرها في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وأخذ صلاح الدين الرها من ابن الزغفراني وأعطاها مظفر الدين مع حران، وأخذ الرقة من ابن حسان وأعطاها ابن الزعفراني، والشرح في ذلك يطول، ثم أعطاه] (١) سميساط، وزوجه أخته الست ربيعة خاتون بنت أيوب، وكانت قبله زوجة سعد الدين مسعود بن معين الدين صاحب قصر معين الدين الذي بالغور، وتوفي سعد الدين المذكور سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وشهد مظفر الدين مع صلاح الدين مواقف كثيرة وأبان فيها عن نجدة وقوة نفس وعزيمة، وثبت في مواضع لم يثبت فيها غيره على ما تضمنته تواريخ العماد الأصبهاني وبهاء الدين بن شداد وغيرهما، وشهرة ذلك تغني عن الإطالة فيه، ولو لم يكن له إلا وقعة حطين لكفته، فانه وقف هو وتقي الدين صاحب حماة - المقدم ذكره - وانكسر العسكر بأسره، ثم لما سمعوا بوقوفهما تراجعوا حتى كانت النصرة للمسلمين، وفتح الله سبحانه عليهم. ثم لما كان السلطان صلاح الدين منازلا عكا (٢) بعد استيلاء الفرنج عليها وردت عليه ملوك الشرق تنجده وتخدمه، وكان في جملتهم زين الدين يوسف أخو مظفر الدين، وهو يومئذ صاحب إربل، فأقام قليلا ثم مرض، وتوفي في الثامن والعشرين (٣) من شهر رمضان سنة ست وثمانين وخمسمائة بالناصرة - وهي قرية بالقرب من عكا يقال إن المسيح ﵊ ولد بها على الاختلاف الذي في ذلك - فلما توفي التمس مظفر الدين من السلطان أن ينزل عن حران والرها وسميساط، ويعوضه إربل، فأجابه إلى ذلك وضم إليه شهرزور، فتوجه إليها ودخل إربل في ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة، هذه خلاصة أمره.

стр. 1645

وأما سيرته الذاتية فلقد كان له في فعل الخيرات (١) غرائب لم يسمع أن أحدا فعل في ذلك ما فعله، لم يكن في الدنيا شيء أحب إليه من الصدقة، كان له كل يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرقها على المحاويج في عدة مواضع من البلد يجتمع في كل موضع خلق كثير يفرق عليهم في أول النهار، وكان إذا نزل من الركوب يكون قد اجتمع عند الدار خلق كثير فيدخلهم إليه ويدفع لكل واحد كسوة على قدر الفصل من الشتاء والصيف (٢) أو غير ذلك، ومع الكسوة شيء من الذهب من الدينار والاثنين والثلاثة وأقل وأكثر، وكان قد بنى أربع خانقاهات للزمنى والعميان وملأها من هذين الصنفين، وقرر لهم ما يحتاجون إليه كل يوم، وكان يأتيهم بنفسه في كل عصرية اثنين وخميس ويدخل عليهم، ويدخل إلى كل واحد في بيته، ويسأله عن حاله ويتفقده بشيء من النفقة، وينتقل إلى الآخر، وهكذا حتى يدور على جميعهم، وهو يباسطهم ويمزح معهم ويجبر قلوبهم، وبنى دارا للنساء الأرامل، ودارا للصغار الأيتام (٣) ، ودارا للملاقيط رتب (٤) بهم جماعة من المراضع، وكل مولود يلتقط يحمل إليهن فيرضعنه، وأجرى على أهل كل دار ما يحتاجون إليه في كل يوم، وكان يدخل إليها في كل وقت ويتفقد أحوالهم ويعطيهم النفقات زيادة على المقرر لهم، وكان يدخل إلى البيمارستان ويقف على مريض مريض ويسأله عن مبيته وكيفية حاله وما يشتهيه وكان له دار مضيف يدخل إليها كل قادم على البلد من فقيه أو فقير أو غيرهما، وعلى الجملة فما كان يمنع منها كل من قصد الدخول إليها، ولهم الراتب الدار في الغداء والعشاء، وإذا عزم الإنسان على السفر أعطوه نفقة على ما يليق بمثله، وبنى مدرسة رتب فيها فقهاء الفريقين من الشافعية والحنفية، وكان كل وقت يأتيها بنفسه، ويعمل السماط بها ويبيت بها ويعمل السماع، فإذا طاب وخلع شيئا من ثيابه، سير للجماعة بكرة شيئا من الأنعام، ولم يكن له

стр. 1646

لذة سوى السماع، فإنه كان لا يتعاطى المنكر، ولا يمكن من إدخاله إلى البلد، وبنى للصوفية خانقاهين (١) فيهما خلق كثير من المقيمين والواردين، ويجتمع في أيام المواسم فيهما من الخلق ما يعجب الإنسان من كثرتهم، ولهما أوقاف كثيرة تقوم بجميع ما يحتاج إليه ذلك الخلق، ولا بد عند سفر كل واحد من نفقة يأخذها، وكان ينزل بنفسه إليهم ويعمل عندهم السماعات في كثير من الأوقات. وكان يسير في كل سنة دفعتين جماعة من امنائه إلى بلاد الساحل ومعهم جملة مستكثرة من الناس يفتك بها أسرى المسلمين من أيدي الكفار، فإذا وصلوا إليه أعطى كل واحد شيئا، وإن لم يصلوا فالأمناء يعطونهم بوصية منه في ذلك. وكان يقيم في كل سنة سبيلا للحاج، ويسير معه جميع ما تدعو حاجة المسافر إليه في الطريق، ويسير صحبته أمينا معه خمسة أو ستة آلاف دينار ينفقها بالحرمين على المحاويج وأرباب الرواتب، وله بمكة حرسها الله تعالى، آثار جميلة وبعضها باق إلى الآن، وهو أول من أجرى الماء إلى جبل عرفات ليلة الوقوف: وغرم عليه جملة كثيرة، وعمر بالجبل مصانع للماء، فإن الحجاج كانوا يتضررون من عدم الماء، وبنى له تربة أيضا هناك. وأما احتفاله بمولد النبي ﷺ ، فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به، لكن نذكر طرفا منه: وهو أن أهل البلاد كانوا قد سمعوا بحسن اعتقاده (٢) فيه، فكان في كل سنة يصل إليه من البلاد القريبة من إربل - مثل بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين وبلاد العجم وتلك النواحي - خلق كثير من الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء، ولا يزالون يتواصلون من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول، ويتقدم مظفر الدين بنصب قباب من الخشب كل قبة أربع أو خمس طبقات، ويعمل مقدار عشرين قبة وأكثر، منها قبة له (٣) ، والباقي للأمراء وأعيان دولته لكل واحد قبة، فإذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المستجملة، وقعد في كل قبة جوق من المغاني وجوق

стр. 1647

من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي، ولم يتركوا طبقة من تلك الطباق في كل قبة (١) حتى رتبوا فيها جوقا، وتبطل معايش الناس في تلك المدة، وما يبقى لهم شغل إلا التفرج والدوران عليهم، وكانت القباب منصوبة من باب القلعة إلى باب الخانقاه المجاورة للميدان، فكان مظفر الدين ينزل كل يوم بعد صلاة العصر ويقف على قبة قبة إلى آخرها، ويسمع غناءهم، ويتفرج على خيالاتهم وما يفعلونه في القباب، ويبيت في الخانقاه ويعمل السماع ويركب عقيب صلاة الصبح يتصيد، ثم يرجع إلى القلعة قبل الظهر، هكذا يعمل كل يوم إلى ليلة المولد، وكان يعمله سنة في ثامن الشهر، وسنة في الثاني عشر (٢) ، لأجل الاختلاف الذي فيه، فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئا كثيرا زائدا عن الوصف وزفها بجميع ما عنده من الطبول والمغاني والملاهي حتى يأتي بها إلى الميدان، ثم يشرعون في نحرها، وينصبون القدور ويطبخون الألوان، المختلفة فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة ثم ينزل وبين يديه من الشموع المشتعلة شيئ كثير، وفي جملتها شمعتان أو أربع - أشك في ذلك - من الشموع الموكبية التي تحمل كل واحدة منها على بغل، ومن ورائها رجل يسندها وهي مربوطة على ظهر البغل حتى ينتهي إلى الخانقاه، فإذا كان صبيحة يوم المولد أنزل الخلع من القلعة إلى الخانقاه على أيدي الصوفية، على يد كل شخص منهم بقجة، وهو متتابعون كل واحد وراء الآخر، فينزل من ذلك شيء كثير لا أتحقق (٣) عدده، ثم ينزل إلى الخانقاه وتجتمع الأعيان والرؤساء وطائفة كبيرة من بياض الناس، وينصب كرسي للوعاظ (٤) ، وقد نصب لمظفر الدين برج خشب له شبابيك إلى الموضع الذي فيه الناس والكرسي، وشبابيك أخر للبرج أيضا إلى الميدان، وهو ميدان كبير في غاية الاتساع، ويجتمع فيه الجند (٥) ويعرضهم ذلك النهار، وهو تارة ينظر

стр. 1648

إلى عرض الجند وتارة إلى الناس والوعاظ، ولا يزال كذلك حتى يفرغ الجند من عرضهم، فعند ذلك يقدم السماط في الميدان للصعاليك، ويكون سماطا عاما فيه من الطعام والخبز شيء كثير لا يحد ولا يوصف، ويمد سماطا ثانيا (١) في الخانقاه للناس المجتمعين عند الكرسي، وفي مدة العرض ووعظ الوعاظ يطلب واحدا واحدا (٢) من الأعيان والرؤساء والوافدين لأجل هذا الموسم ممن قدمنا ذكره من الفقهاء والوعاظ والقراء والشعراء، ويخلع على كل واحد ثم يعود إلى مكانه، فإذا تكامل ذلك كله، حضروا السماط وحملوا منه لمن يقع التعيين على الحمل إلى داره، ولا يزالون على ذلك إلى العصر أو بعدها، ثم يبيت تلك الليلة هناك، ويعمل السماعات إلى بكرة، هكذا يعمل في كل سنة، وقد لخصت صورة الحال فإن الاستقصاء يطول، فإذا فرغوا من هذا الموسم تجهز كل إنسان للعود إلى بلده، فيدفع لكل شخص شيئا من النفقة (٣) ، وقد ذكرت في ترجمة الحافظ أبي الخطاب ابن دحية في حرف العين وصوله إلى إربل وعمله لكتاب التنوير في مولد السراج المنير لما رأى من اهتمام مظفر الدين به، وأنه أعطاه ألف دينار غير ما غرم عليه مدة إقامته من الإقامات الوافرة. وكان ﵀ متى أكل شيئا استطابه لا يختص به، بل إذا أكل من زبدية لقمة طيبة قال لبعض الجنادرة (٤) : احمل هذا إلى الشيخ فلان أو فلانة ممن هم عنده مشهورون بالصلاح، وكذلك يعمل في الفاكهة والحلوى وغير ذلك من المطاعم. وكان كريم الأخلاق كثير التواضع حسن العقيدة سالم البطانة شديد الميل إلى أهل السنة والجماعة لا ينفق عنده من أرباب العلوم سوى الفقهاء والمحدثين ومن عداهما لا يعطيه شيئا إلا تكلفا، وكذلك الشعراء لا يقول بهم ولا يعطيهم إلا إذا قصدوه فما كان يضيع قصدهم ولا يخيب أمل من يطلب بره، وكان

стр. 1649

يميل إلى علم التاريخ، وعلى خاطره منه شيء يذاكر به، ولم يزل، رحمه الله تعالى، مؤيدا (١) في مواقفه ومصافاته مع كثرتها، لم ينقل أنه انكسر في مصاف قط (٢) ، ولو استقصيت في تعداد محاسنه لطال الكتاب، وفي شهرة معروفه غنية (٣) عن الإطالة وليعذر الواقف على هذه الترجمة ففيها تطويل، ولم يكن سببه إلا ما له علينا من الحقوق التي لا نقدر على القيام بشكر بعضها، ولو عملنا مهما عملناه، وشكر المنعم واجب، فجزاه الله عنا أحسن الجزاء، فكم له علينا من الأيادي، ولأسلافه على أسلافنا من الإنعام، والإنسان صنيعة الإحسان، ومع الاعتراف بجميله فلم أذكر عنه شيئا على سبيل المبالغة، بل كل ما ذكرته عن مشاهدة وعيان، وربما حذفت بعضه طلبا للإيجاز. وكانت ولادته بقلعة الموصل ليلة الثلاثاء السابعة والعشرين من المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وتوفي وقت الظهر ليلة الجمعة رابع عشر شهر رمضان سنة ثلاثين وستمائة بداره في البلد التي كانت لمملوكه شهاب الدين قراطايا، فلما قبض عليه في سنة أربع عشرة وستمائة أخذها وصار يسكنها بعض الأوقات، فمات بها، ثم نقل إلى قلعة إربل ودفن بها، ثم حمل بوصية منه إلى مكة، شرفها الله تعالى، وكان قد أعد له بها قبة تحت الجبل في ذيله يدفن فيها، وقد سبق ذكرها، فلما توجه الركب إلى الحجاز سنة إحدى وثلاثين سيروه في الصحبة، فاتفق أن رجع الحاج تلك السنة من لينة، ولو يصلوا إلى مكة، فردوه ودفنوه بالكوفة بالقرب من المشهد، رحمه الله تعالى وعوضه خيرا وتقبل مباره وأحسن منقلبه. (١٥٧) وأما زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب فإنها توفيت في شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وغالب ظني أنها جاوزت ثمانين سنة، ودفنت في

стр. 1650

مدرستها الموقوفة على الحنابلة بسفح قاسيون، وكانت وفاتها بدمشق، وأدركت من محارمها من الملوك من إخوتها وأولادهم أكثر من خمسين رجلا غير محارمها من غير الملوك ولولا خوف الإطالة لذكرتهم مفصلا، فإن إربل كانت لزوجها المذكور، والموصل لأولاد بنتها، وخلاط وتلك الناحية لابن أخيها (١) الملك الأوحد نجم الدين أيوب ابن الملك العادل، وبلاد الجزيرة الفراتية للأشرف ابن أخيها، وبلاد الشام لأولاد إخوتها، والديار المصرية والحجازية واليمن لإخوتها وأولادهم، ومن تأمل ذلك عرف الجميع. وكوكبوري: بضم (٢) الكافين بينهما واو ساكنة ثم باء موحدة مضمومة ثم واو ساكنة وبعدها راء، وهو اسم تركي معناه بالعربي ذئب أزرق. وبكتكين: بضم الباء الموحدة وسكون الكاف وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون وهو اسم تركي أيضا. ولينة: بكسر اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون وبعدها هاء ساكنة، منزلة في طريق الحجاز من جهة العراق، وكان الركب في تلك السنة قد رجع منها لعدم الماء وقاسوا مشقة عظيمة.
следующие страницы →