لذة سوى السماع، فإنه كان لا يتعاطى المنكر، ولا يمكن من إدخاله إلى البلد، وبنى للصوفية خانقاهين (١) فيهما خلق كثير من المقيمين والواردين، ويجتمع في أيام المواسم فيهما من الخلق ما يعجب الإنسان من كثرتهم، ولهما أوقاف كثيرة تقوم بجميع ما يحتاج إليه ذلك الخلق، ولا بد عند سفر كل واحد من نفقة يأخذها، وكان ينزل بنفسه إليهم ويعمل عندهم السماعات في كثير من الأوقات. وكان يسير في كل سنة دفعتين جماعة من امنائه إلى بلاد الساحل ومعهم جملة مستكثرة من الناس يفتك بها أسرى المسلمين من أيدي الكفار، فإذا وصلوا إليه أعطى كل واحد شيئا، وإن لم يصلوا فالأمناء يعطونهم بوصية منه في ذلك. وكان يقيم في كل سنة سبيلا للحاج، ويسير معه جميع ما تدعو حاجة المسافر إليه في الطريق، ويسير صحبته أمينا معه خمسة أو ستة آلاف دينار ينفقها بالحرمين على المحاويج وأرباب الرواتب، وله بمكة حرسها الله تعالى، آثار جميلة وبعضها باق إلى الآن، وهو أول من أجرى الماء إلى جبل عرفات ليلة الوقوف: وغرم عليه جملة كثيرة، وعمر بالجبل مصانع للماء، فإن الحجاج كانوا يتضررون من عدم الماء، وبنى له تربة أيضا هناك.
وأما احتفاله بمولد النبي ﷺ ، فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به، لكن نذكر طرفا منه: وهو أن أهل البلاد كانوا قد سمعوا بحسن اعتقاده (٢) فيه، فكان في كل سنة يصل إليه من البلاد القريبة من إربل - مثل بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين وبلاد العجم وتلك النواحي - خلق كثير من الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء، ولا يزالون يتواصلون من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول، ويتقدم مظفر الدين بنصب قباب من الخشب كل قبة أربع أو خمس طبقات، ويعمل مقدار عشرين قبة وأكثر، منها قبة له (٣) ، والباقي للأمراء وأعيان دولته لكل واحد قبة، فإذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المستجملة، وقعد في كل قبة جوق من المغاني وجوق
стр. 1647
من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي، ولم يتركوا طبقة من تلك الطباق في كل قبة (١) حتى رتبوا فيها جوقا، وتبطل معايش الناس في تلك المدة، وما يبقى لهم شغل إلا التفرج والدوران عليهم، وكانت القباب منصوبة من باب القلعة إلى باب الخانقاه المجاورة للميدان، فكان مظفر الدين ينزل كل يوم بعد صلاة العصر ويقف على قبة قبة إلى آخرها، ويسمع غناءهم، ويتفرج على خيالاتهم وما يفعلونه في القباب، ويبيت في الخانقاه ويعمل السماع ويركب عقيب صلاة الصبح يتصيد، ثم يرجع إلى القلعة قبل الظهر، هكذا يعمل كل يوم إلى ليلة المولد، وكان يعمله سنة في ثامن الشهر، وسنة في الثاني عشر (٢) ، لأجل الاختلاف الذي فيه، فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئا كثيرا زائدا عن الوصف وزفها بجميع ما عنده من الطبول والمغاني والملاهي حتى يأتي بها إلى الميدان، ثم يشرعون في نحرها، وينصبون القدور ويطبخون الألوان، المختلفة فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة ثم ينزل وبين يديه من الشموع المشتعلة شيئ كثير، وفي جملتها شمعتان أو أربع - أشك في ذلك - من الشموع الموكبية التي تحمل كل واحدة منها على بغل، ومن ورائها رجل يسندها وهي مربوطة على ظهر البغل حتى ينتهي إلى الخانقاه، فإذا كان صبيحة يوم المولد أنزل الخلع من القلعة إلى الخانقاه على أيدي الصوفية، على يد كل شخص منهم بقجة، وهو متتابعون كل واحد وراء الآخر، فينزل من ذلك شيء كثير لا أتحقق (٣) عدده، ثم ينزل إلى الخانقاه وتجتمع الأعيان والرؤساء وطائفة كبيرة من بياض الناس، وينصب كرسي للوعاظ (٤) ، وقد نصب لمظفر الدين برج خشب له شبابيك إلى الموضع الذي فيه الناس والكرسي، وشبابيك أخر للبرج أيضا إلى الميدان، وهو ميدان كبير في غاية الاتساع، ويجتمع فيه الجند (٥) ويعرضهم ذلك النهار، وهو تارة ينظر
стр. 1648
إلى عرض الجند وتارة إلى الناس والوعاظ، ولا يزال كذلك حتى يفرغ الجند من عرضهم، فعند ذلك يقدم السماط في الميدان للصعاليك، ويكون سماطا عاما فيه من الطعام والخبز شيء كثير لا يحد ولا يوصف، ويمد سماطا ثانيا (١) في الخانقاه للناس المجتمعين عند الكرسي، وفي مدة العرض ووعظ الوعاظ يطلب واحدا واحدا (٢) من الأعيان والرؤساء والوافدين لأجل هذا الموسم ممن قدمنا ذكره من الفقهاء والوعاظ والقراء والشعراء، ويخلع على كل واحد ثم يعود إلى مكانه، فإذا تكامل ذلك كله، حضروا السماط وحملوا منه لمن يقع التعيين على الحمل إلى داره، ولا يزالون على ذلك إلى العصر أو بعدها، ثم يبيت تلك الليلة هناك، ويعمل السماعات إلى بكرة، هكذا يعمل في كل سنة، وقد لخصت صورة الحال فإن الاستقصاء يطول، فإذا فرغوا من هذا الموسم تجهز كل إنسان للعود إلى بلده، فيدفع لكل شخص شيئا من النفقة (٣) ، وقد ذكرت في ترجمة الحافظ أبي الخطاب ابن دحية في حرف العين وصوله إلى إربل وعمله لكتاب التنوير في مولد السراج المنير لما رأى من اهتمام مظفر الدين به، وأنه أعطاه ألف دينار غير ما غرم عليه مدة إقامته من الإقامات الوافرة.
وكان ﵀ متى أكل شيئا استطابه لا يختص به، بل إذا أكل من زبدية لقمة طيبة قال لبعض الجنادرة (٤) : احمل هذا إلى الشيخ فلان أو فلانة ممن هم عنده مشهورون بالصلاح، وكذلك يعمل في الفاكهة والحلوى وغير ذلك من المطاعم.
وكان كريم الأخلاق كثير التواضع حسن العقيدة سالم البطانة شديد الميل إلى أهل السنة والجماعة لا ينفق عنده من أرباب العلوم سوى الفقهاء والمحدثين ومن عداهما لا يعطيه شيئا إلا تكلفا، وكذلك الشعراء لا يقول بهم ولا يعطيهم إلا إذا قصدوه فما كان يضيع قصدهم ولا يخيب أمل من يطلب بره، وكان
стр. 1649
يميل إلى علم التاريخ، وعلى خاطره منه شيء يذاكر به، ولم يزل، رحمه الله تعالى، مؤيدا (١) في مواقفه ومصافاته مع كثرتها، لم ينقل أنه انكسر في مصاف قط (٢) ، ولو استقصيت في تعداد محاسنه لطال الكتاب، وفي شهرة معروفه غنية (٣) عن الإطالة وليعذر الواقف على هذه الترجمة ففيها تطويل، ولم يكن سببه إلا ما له علينا من الحقوق التي لا نقدر على القيام بشكر بعضها، ولو عملنا مهما عملناه، وشكر المنعم واجب، فجزاه الله عنا أحسن الجزاء، فكم له علينا من الأيادي، ولأسلافه على أسلافنا من الإنعام، والإنسان صنيعة الإحسان، ومع الاعتراف بجميله فلم أذكر عنه شيئا على سبيل المبالغة، بل كل ما ذكرته عن مشاهدة وعيان، وربما حذفت بعضه طلبا للإيجاز.
وكانت ولادته بقلعة الموصل ليلة الثلاثاء السابعة والعشرين من المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وتوفي وقت الظهر ليلة الجمعة رابع عشر شهر رمضان سنة ثلاثين وستمائة بداره في البلد التي كانت لمملوكه شهاب الدين قراطايا، فلما قبض عليه في سنة أربع عشرة وستمائة أخذها وصار يسكنها بعض الأوقات، فمات بها، ثم نقل إلى قلعة إربل ودفن بها، ثم حمل بوصية منه إلى مكة، شرفها الله تعالى، وكان قد أعد له بها قبة تحت الجبل في ذيله يدفن فيها، وقد سبق ذكرها، فلما توجه الركب إلى الحجاز سنة إحدى وثلاثين سيروه في الصحبة، فاتفق أن رجع الحاج تلك السنة من لينة، ولو يصلوا إلى مكة، فردوه ودفنوه بالكوفة بالقرب من المشهد، رحمه الله تعالى وعوضه خيرا وتقبل مباره وأحسن منقلبه.
(١٥٧) وأما زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب فإنها توفيت في شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وغالب ظني أنها جاوزت ثمانين سنة، ودفنت في
стр. 1650
مدرستها الموقوفة على الحنابلة بسفح قاسيون، وكانت وفاتها بدمشق، وأدركت من محارمها من الملوك من إخوتها وأولادهم أكثر من خمسين رجلا غير محارمها من غير الملوك ولولا خوف الإطالة لذكرتهم مفصلا، فإن إربل كانت لزوجها المذكور، والموصل لأولاد بنتها، وخلاط وتلك الناحية لابن أخيها (١) الملك الأوحد نجم الدين أيوب ابن الملك العادل، وبلاد الجزيرة الفراتية للأشرف ابن أخيها، وبلاد الشام لأولاد إخوتها، والديار المصرية والحجازية واليمن لإخوتها وأولادهم، ومن تأمل ذلك عرف الجميع.
وكوكبوري: بضم (٢) الكافين بينهما واو ساكنة ثم باء موحدة مضمومة ثم واو ساكنة وبعدها راء، وهو اسم تركي معناه بالعربي ذئب أزرق.
وبكتكين: بضم الباء الموحدة وسكون الكاف وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون وهو اسم تركي أيضا.
ولينة: بكسر اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون وبعدها هاء ساكنة، منزلة في طريق الحجاز من جهة العراق، وكان الركب في تلك السنة قد رجع منها لعدم الماء وقاسوا مشقة عظيمة.
стр. 1651
٥٤٨ - (١)
العتابي
كلثوم بن عمرو العتابي الشاعر المشهور، كان شاعرا خطيبا بليغا مجيدا، وهو من أهل قنسرين وقدم بغداد ومدح هارون الرشيد وغيره من الخلفاء، وله رسائل مستحسنة، وكان يتجنب غشيان السلطان قناعة وصيانة وتنزها وتعززا، وكان يلبس الصوف ويظهر الزهد، مترسل بليغ مطبوع متصرف في فنون من الشعر مقدم في الخطابة والرواية حسن العارضة والبديهة، من شعراء الدولة العباسية، وكان يقول بالاعتزال، فاتصل بالرشيد وكثر عليه من أمره فأمر فيه بأمر غليظ فهرب إلى اليمن وكان مقيما بها، فاحتال يحيى بن خالد إلى أن حمل للرشيد من خطبه ورسائله فاستحسن الرشيد ذلك وسأل عن الكلام لمن هو فقال يحيى: هو للعتابي، ولو حضر حتى يسمع منه الأمين والمأمون هذا الكلام ويصنع لهما خطبا لكان في ذلك صلاح، فأمر بإحضاره، فأخذ له يحيى الأمان واتصل الخبر بالعتابي فقال:
ما زلت في غمرات الموت منطرحا ... قد غاب عني وجوه الأمر من حيلي
стр. 1652
فلم تزل دائبا تسعى لتنقذني ... حتى استللت حياتي من يدي أجلي وكان العتابي منقطعا إلى البرامكة، ومنصور النمري روايته وتلميذه.
قال أبو دعامة الشاعر: كتب طوق بن مالك إلى العتابي يستزيره ويدعوه إلى أن يصل القرابة بينه وبينه، فرد عليه: إن قريبك من قرب منك خيره وابن عمك من عمك نفعه وإن عشيرك من أحسن عشرتك وإن أحب الناس إليك أجراهم بالمنفعة عليك، ولذلك أقول:
ولقد بلوت الناس ثم سبرتهم ... وخبرت ما وصلوا من السباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... وإذا المودة أكبر الأنساب قيل للعتابي: انك تلقى العامة ببشر وتقريب فقال: رفع ضغينة بأيسر مؤنة واكتساب إخوان بأهون مبذول.
ولما قدم العتابي مدينة السلام على المأمون أذن له فدخل وعنده إسحاق الموصلي، وكان العتابي شيخا جليلا نبيلا، فسلم فرد عليه وأدناه وقربه حتى قرب منه فقبل يده، ثم أمره بالجلوس فجلس، ثم أقبل عليه يسأله عن حاله وهو يجيبه بلسان طلق، فاستطرف المأمون ذلك منه فأقبل عليه بالمداعبة بالمزح، فظن الشيخ أنه استخف به فقال: يا أمير المؤمنين، الإيناس قبل الإبساس، فاشتبه على المأمون قوله فنظر إلى إسحاق مبتسما فأومأ إليه بعينه وغمزه على معناه حتى فهمه ثم قال: يا غلام، ألف دينار، فأتي بذلك فوضعه بين يدي العتابي وأخذوا في الحديث، ثم غمز المأمون إسحاق بن إبراهيم عليه، فجعل العتابي لا يأخذ في شيء إلا عارضه فيه إسحاق بن إبراهيم، فبقي العتابي متعجبا ثم قال: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في مسألة هذا الشيخ عن اسمه قال: نعم سله، فقال إسحاق: يا شيخ، من أنت وما اسمك قال: أنا من الناس واسمي كل بصل، فتبسم العتابي ثم قال: أما النسب فمعروف وأما الاسم فمنكر، فقال له إسحاق: ما أقل انصافك! أتنكر أن يكون اسمي كل بصل واسمك كل ثوم وما كلثوم من الأسماء أو ليس البصل أطيب من الثوم فقال له العتابي لله درك ما أحجك، أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن
стр. 1653
أصله بما وصلتني به فقال له المأمون: بل ذلك موفر عليك ونأمر له بمثله، فقال له إسحاق: أما إذا أقررت بهذه فتوهمني تجدني، فقال له: ما أظنك إلا إسحاق الموصلي الذي تناهى إلينا خبره، فقال: أنا حيث ظننت، فأقبل عليه بالتحية والسلام، فقال المأمون وقد طال الحديث بينهما: أما إذا اتفقتما على المودة فانصرفا، فانصرف العتابي إلى منزل إسحاق فأقام عنده.
كتب المأمون في إشخاص العتابي فلما دخل عليه قال له: يا كلثوم بلغني وفاتك فساءني ثم يلغني وفادتك فسرتني، فقال له العتابي: يا أمير المؤمنين، لو قسمت هاتان الكلمتان على أهل الأرض لوسعتهم فضلا وإنعاما وقد خصصتني منهما بما لا يتسع له أمنية ولا ينبسط لسواه أمل، لأنه لا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك، قال: سلني، قال: يدك بالعطاء أطلق من لساني بالمسألة، فوصله صلة سنية وبلغ به من التقديم والإكرام أعلى محل.
قال الأصمعي: كتب كلثوم بن عمرو العتابي إلى رجل:
ان الكريم ليخفى عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
بث النوال ولا يمنعك قلته ... فكل ما سد فقرا فهو محمود قال: فشاطره ماله حتى بعث إليه بنصف خاتمه وفرد نعله.
قال مالك بن طوق للعتابي: يا أبا عمرو، رأيتك كلمت فلانا فأقللت كلامك، قال: نعم كانت معي حيرة الداخل وفكرة صاحب الحاجة وذل المسألة وخوف الرد مع [شدة الطمع] .
وقيل للعتابي: قد فلح () ابن مسلم الخلق، قال: لعله أكل من شعره. ومثل ذلك اجتمع قوم من الشعراء على فالوذجة حارة فقال أحدهم يخاطب شخصا منهم: كأنها مكانك من النار، قال له: أصلحها ببيب من شعرك.
قيل: كان مروان بن السمط يرمى في شعره بالبرد، وكانت له بغلة بالبصرة لا يفارق ركوبها فقال الجماز يهجوه ...
стр. 1654
حرف اللام
стр. 1655
فراغ
стр. 1656
٥٤٩ - (١)
الليث بن سعد
أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن إمام أهل مصر في الفقه والحديث، كان مولى قيس بن رفاعة، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي وأصله من أصبهان، وكان ثقة سريا سخيا، قال الليث: كتبت من علم محمد ابن شهاب الزهري علما كثيرا، وطلبت ركوب البريد إليه إلى الرصافة، فخفت أن لا يكون ذلك لله تعالى فتركته.
وقال الشافعي ﵁: الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به. وكان ابن وهب تقرأ عليه مسائل الليث، فمرت به مسألة فقال رجل من الغرباء: أحسن والله الليث، كأنه كان يسمع مالكا يجيب فيجيب هو، فقال ابن وهب للرجل: بل كان مالك يسمع الليث يجيب فيجيب هو، والله الذي لا إله إلا هو ما رأينا أحدا قط أفقه من الليث.
وكان من الكرماء الأجواد، ويقال إن دخله كان هو كل سنة خمسة آلاف دينار (٢) ، وكان يفرقها في الصلات وغيرها. وقال منصور بن عمار: أتيت الليث فأعطاني ألف دينار وقال: صن بهذه الحكمة التي آتاك الله تعالى. ورأيت في بعض المجاميع أن الليث كان حنفي المذهب، وأنه ولي القضاء بمصر، وأن الإمام مالكا أهدى إليه صينية فيها تمر، فأعادها مملوءة ذهبا، وكان يتخذ لأصحابه الفالوذج، ويعمل فيه الدنانير ليحصل لكل من أكل كثيرا أكثر من صاحبه.
стр. 1657
وكان قد حج سنة ثلاث عشرة ومائة وهو ابن عشرين سنة، وسمع من نافع مولى ابن عمر، ﵄.
وكان الليث يقول، قال لي بعض أهلي: ولدت سنة اثنتين وتسعين للهجرة والذي أوقن سنة أربع وتسعين في شعبان. وتوفي يوم الخميس - وقيل الجمعة - منتصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة ومائة ودفن يوم الجمعة بمصر في القرافة الصغرى، وقبره أحد المزارات، ﵁. وقال السمعاني: ولد في شعبان سنة أربع وعشرين ومائة، والأول أصح. وقال غيره: ولد سنة ثلاث وتسعين، والله أعلم بالصواب.
وقال بعض أصحابه: لما دفنا الليث بن سعد سمعنا صوتا وهو يقول:
ذهب الليث فلا ليث لكم ... ومضى العلم قريبا وقبر قال فالتفتنا فلم نر أحدا.
ويقال: إنه من أهل قلقشندة، وهي بفتح القاف وسكون اللام وفتح القاف الثانية والشين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة وبعدها هاء ساكنة، وهي قرية من الوجه البحري من القاهرة، بينها وبين القاهرة مقدار ثلاثة فراسخ.
والفهمي: بفتح الفاء وسكون الهاء وبعدها ميم، هذه النسبة إلى فهم وهو بطن من قيس عيلان خرج منها جماعة كثيرة (١) .
стр. 1658
٥٤٩ - (١)
الليث بن سعد
أبو الحارث الليث ... سريا سخيا.
ولد بقلقشندة سنة أربع وتسعين، وسمع علماء المصريين والحجازيين وروى عن عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة وابن شهاب الزهري ونافع مولى ابن عمر وغيرهم، وحدث عنه هشيم بن بشير وعبد الله بن المبارك وعبد الوهاب بن وهب وعبد الله بن عبد الحكم ويحيى بن بكير وغيرهم. وقدم بغداد وحدث بها. قال الليث: كتبت من علم ابن شهاب الزهري علما كثيرا وطلبت ركوب البريد إليه إلى الرصافة فخفت أن لا يكون ذلك لله تعالى فتركته.
قال الخطيب صاحب " تاريخ بغداد " (٢) : خرج الليث إلى العراق سنة إحدى وستين ومائة وخرج في شوال وشهد الأضحى ببغداد.
وقال الشافعي ... أفقه من الليث.
قال أبو الحسن الخادم: كنت غلاما لزبيدة وأتي يوما بالليث ين سعد، فكنت واقفا على رأس زبيدة خلف الستارة فسأله هارون الرشيد فقال: حلفت أن لي جنتين فاستحلفه الليث ثلاثا انك تخاف الله فحلف له، فقال له الليث: قال الله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ، قال: فأقطعه قطائع كثيرة بمصر.
قال الليث بن سعد: قال لي أبو جعفر: تلي لي مصر قلت: لا يا أمير المؤمنين إني أضعف عن ذلك، إني رجل من الموالي، فقال: ما بك ضعف
стр. 1659
معي، ولكن ضعفت نيتك في العمل عن ذلك لي.
وحج الليث سنة ثلاث عشرة فسمع من ابن شهاب وغيره بمكة في هذه السنة.
وقال الليث: حججت سنة ثلاث عشرة وأنا ابن عشرين سنة.
وقال يحيى بن بكير: ما رأيت أحدا أكمل من الليث بن سعد، كان فقيه البدن عربي اللسان يحسن القرآن والنحو ويحفظ الشعر والحديث حسن المذاكرة - وما زال يذكر خصالا جميلة ويعقد بيده حتى عقد عشرة - لم أر مثله.
قال سعيد بن أبي أيوب: لو أن مالكا والليث اجتمعا لكان مالك عند الليث أبكم ولباع الليث مالكا في من يزيد.
وقال ابن وهب: كل ما كان في كتب مالك وأخبرني من أثق به (١) من أهل العلم فهو الليث بن سعد، وقال ابن وهب: لولا مالك والليث بن سعد لضل الناس.
وقال عثمان بن صالح: كان أهل مصر ينتقصون عثمان حتى نشأ فيهم الليث ابن سعد فحدثهم بفضائل عثمان فكفوا عن ذلك، وكان أهل حمص ينتقصون عليا حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش فحدثهم بفضائله فكفوا عن ذلك.
وقال ابن وهب: كان الليث بن سعد يصل مالك بن أنس بمائه دينار في كل سنة، فكتب إليه مالك: إن علي دينا، فبعث إليه بخمسمائة دينار، وكتب إليه مالك: إني أريد أن أدخل ابنتي على زوجها فأحب أن تبعث إلي شيئا من عصفر، فبعث إليه ثلاثين حملا من عصفر فصبغ لابنته وباع منه بخمسمائة دينار وبقي عنده فضلة.
وقال قتيبة بن سعيد: كان الليث يستغل عشرين ألف دينار في كل سنة.
وقال: ما وجبت علي زكاة قط.
وقال محمد بن رمح: كان دخل الليث بن سعد في كل سنة ثمانين ألف دينار وما أوجب الله عليه زكاة درهم قط.
قال منصور بن عمار: أتيت الليث بن سعد فأعطاني ألف دينار وجارية
стр. 1660
تسوى ثلاثمائة دينار وقال صن بهذه الحكمة.
وجاءت امرأة إلى الليث فقالت: يا أبا الليث فقالت: يا أبا الحارث، إن ابنا لي عليل واشتهى عسلا، فقال: يا غلام، اعطها مرطا من عسل، والمرط عشرون ومائة رطل، وقال غيره: سألت المرأة منا من عسل فأمر لها بزق فقال له كاتبه: إنما سألت منا فقال: إنها سألتني على قدرها فأعطيناها على قدر السعة.
وقال الحارث بن مسكين: اشترى قوم من الليث بن سعد ثمرة فاستغلوها فاستقالوه فأقالهم ثم دعا بخريطة فيها أكياس فأمر لهم بخمسمائة دينار (١) ، فقال له الحارث ابنه في ذلك فقال: اللهم غفرا، إنهم كانوا أملوا فيه أملا فأحببت أن أعوضهم من أملهم بهذا.
وقال شعيب بن الليث: خرجت مع أبي حاجا فقدم المدينة فبعث إليه مالك بن أنس بطبق رطب فجعل على الطبق ألف دينار ورده إليه.
قال أشهب بن عبد العزيز: كان لليث بن سعد كل يوم أربعة مجالس يجلس فيها، أما أولها فيجلس ليأتيه السلطان في نوائبه وحوائجه، وكان الليث يغشاه السلطان فإن أنكر من القاضي أمرا أو من السلطان كتب إلى أمير المؤمنين فيأتيه العزل، ويجلس لأصحاب الحديث، وكان يقول: نجحوا أصحاب الحوانيت فإن قلوبهم معلقة بأسواقهم، ويجلس للمسائل يغشاه الناس فيسألونه، ويجلس لحوائج الناس لا يسأله أحد من الناس فيرده، كبرت حاجته أو صغرت، قال: وكان يطعم الناس في الشتاء الهرائس بعسل النحل وسمن البقر، وفي الصيف سويق اللوز بالسكر.
قال أبو رجاء قتيبة: قفلنا مع الليث بن سعد من الإسكندرية وكان معه ثلاث سفائن: سفينة فيها مطبخه، وسفينة فيها عياله، وسفينة فيها أضيافه.
وقال ابن بكير: سمعت الليث بن سعد كثيرا ما يقول: أنا أكبر من ابن لهيعة، والحمد لله الذي متعنا بعقلنا. وكان الليث أكبر من ابن لهيعة ولكن إذا نظرت إليهما تقول ذا ابن وذا أب، يعني ابن لهيعة الأب.
стр. 1661
وقيل لليث بن سعد: ما صلاح بلدك يا أبا الحارث قال: جرى نيلها وعدل واليها ومن رأس العين يأتي الكدر.
وقال أبو محمد ابن أبي القاسم: قلت لليث: أمتع الله بك يا أبا الحارث، إنا نسمع منك الحديث ليس في كتبك، قال: أو كل ما في صدري في كتبي لو كتبت ما في صدري ما وسعه هذا المركب.
ورأيت في بعض المجاميع ... وقبره أحد المزارات ﵁.
قال محمد بن عبد الرحمن: كنت جالست الليث بن سعد وشهدت جنازته وأنا مع أبي، فما رأيت جنازة أعظم منها ولا أكثر من أهلها، ورأيت كلهم عليهم الحزن والناس يعزي بعضهم بعضا ويبكون، فقلت لأبي: يا أب، كل واحد من الناس صاحب الجنازة، فقال لي: يا بني كان عالما سعيدا كريما حسن الفعل كثير الأفضال، يا بني لا ترى مثله أبدا.
ويقال إنه من أهل قلقشندة ... جماعة كثيرة.
стр. 1662
حرف الميم
стр. 1663
فراغ
стр. 1664
٥٥٠ - (١)
الإمام مالك
الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس [بن مالك] (٢) بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غميان - بغين معجمة وياء تحتها نقطتان - ويقال عثمان - بعين مهملة وثاء مثلثة - ابن جثيل - بجيم وثاء مثلثة وياء ساكنة تحتها نقطتان - وقال ابن سعد: هو خثيل بخاء معجمة، ابن عمرو بن ذي أصبح (٣) الأصبحي المدني إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأعلام. أخذ القراءة عرضا عن نافع بن أبي نعيم، وسمع الزهري ونافعا مولى ابن عمر، ﵄، وروى عنه الأوزاعي ويحيى بن سعيد، وأخذ العلم عن ربيعة الرأي - وقد تقدم ذكره (٤) - ثم أفتى معه عند السلطان. وقال مالك: قل رجل كنت أتعلم منه ومات (٥) حتى يجيئني ويستفتيني. وقال ابن وهب: سمعت مناديا ينادي بالمدينة: ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذئب.
وكان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة ثم حدث، فقيل له في ذلك فقال: أحب أن
стр. 1665
أعظم حديث رسول الله ﷺ ، ولا أحدث به إلا متمكنا على طهارة، وكان يكره أن يحدث على الطريق أو قائما أو مستعجلا ويقول: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ . وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله ﷺ مدفونة.
وقال الشافعي، قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم يعني أبا حنيفة ومالكا، ﵄، قال: قلت: على الإنصاف قال: نعم، قال: قلت: ناشدتك (١) الله من أعلم بالقرآن صاحبنا أم صاحبكم قال: اللهم صاحبكم، قال: قلت: ناشدتك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﷺ المتقدمين صاحبنا أم صاحبكم قال: اللهم صاحبكم، قال الشافعي: فلم يبق (٢) إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء، فعلى أي شيء يقيس (٣)
وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز، ويعود المرضى ويقضي الحقوق ويجلس في المسجد (٤) ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز فكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة ولا يأتي أحدا يعزيه ولا يقضي له حقا، واحتمل الناس له ذلك حتى مات عليه، وكان ربما قيل له في ذلك فيقول: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره (٥) .
стр. 1666
وسعي به إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس ﵄ وهو ابن عم أبي جعفر المنصور، وقالوا له: إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، فغضب جعفر ودعا به وجرده وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه وارتكب منه أمرا عظيما، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة وكأنما كانت السياط حليا حلي (١) به. وذكر ابن الجوزي في شذور العقود في سنة سبع وأربعين ومائة: وفيها ضرب مالك بن أنس سبعين سوطا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان (٢) ، والله أعلم.
وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين للهجرة، وحمل به ثلاث سنين. وتوفي في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، ﵁، فعاش أربعا وثمانين سنة، وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة [والله أعلم بالصواب] (٣) وقال ابن الفرات في تاريخه المرتب على السنين: توفي مالك بن أنس الأصبحي لعشر مضين من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، وقيل إنه توفي سنة ثمان وسبعين ومائة، وقيل إن مولده سنة تسعين للهجرة، وقال السمعاني في كتاب الأنساب في ترجمة الأصبحي (٤) : إنه ولد في سنة ثلاث أو أربع وتسعين، والله أعلم بالصواب.
وحكى الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس قال: " حدث (٥) القعنبي قال (٦) : دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ثم جلست فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يبكيك قال فقال لي: يا ابن قعنب، وما لي لا أبكي ومن أحق بالبكاء مني والله لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت فيها برأيي بسوط سوط، وقد كانت لي
стр. 1667
السعة فيما قد سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي، أو كما قال.
وكانت وفاته بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ودفن بالبقيع [جوار إبراهيم ولد النبي ﷺ ] (١) وكان شديد البياض إلى الشقرة، طويلا عظيم الهامة أصلع، يلبس الثياب العدنية الجياد (٢) ، ويكره حلق الشارب ويعيبه ويراه من المثلة، ولا يغير شيبه.
ورثاه أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج - وقد سبق ذكره (٣) - بقوله:
سقى جدثا ضم البقيع لمالك ... من المزن مرعاد السحائب مبراق
إمام موطاه الذي طبقت به ... أقاليم في الدنيا فساح وآفاق
أقام به شرع النبي محمد ... له حذر من أن يضام وإشفاق
له سند عال صحيح وهيبة ... فللكل منه حين يرويه إطراق
وأصحاب صدق كلهم علم فسل ... بهم إنهم إن أنت ساءلت حذاق
ولو لم يكن إلا ابن إدريس وحده ... كفاه ألا إن السعادة أرزاق والأصبحي: بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وبعدها حاء مهملة، هذه النسبة الى ذي أصبح، واسمه الحارث بن عوف بن مالك بن زيد بن شداد بن زرعة، وهو من يعرب بن قحطان، وهي قبيلة كبيرة باليمن، واليها تنسب السياط الأصبحية (٤) . وقال هشام بن الكلبي في جهرة النسب ذو أصبح هو الحارث بن مالك بن زيد بن غوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جثم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن همسيع بن حمير بن سبأبن يشجب بن يعرب بن قحطان، واسمه يقطن، بن عابر بن شالخ
стр. 1668
ابن ارفخشذ بن سام بن نوح ﵇، والذي ذكرناه أولا ذكره الحازمي في كتاب " العجالة " (١) والله أعلم بالصواب.
٥٥١ - (٢)
مالك بن دينار
أبو يحيى مالك بن دينار البصري، وهو من موالي بني سامة بن لؤي القرشي، كان عالما زاهدا كثير الورع قنوعا لا يأكل إلا من كسبه، وكان يكتب المصاحف بالأجرة، وروي عنه أنه قال: قرأت في التوراة أن الذي يعمل بيده طوبى لمحياه ومماته. وكان يوما في مجلس وقد قص فيه قاص، فبكى القوم، ثم ما كان بأوشك من أن أتوا برؤوس فجعلوا يأكلون منها، فقيل لمالك: كل، فقال: إنما يأكل الرؤوس من بكى، وأنا لم أبك، فلم يأكل.
وله مناقب عديدة وآثار شهيرة: فمن ذلك ما حكاه أبو القاسم خلف بن بشكوال الأندلسي - المقدم ذكره (٣) - في كتابه الذي سماه كتاب المستغيثين (٤) بالله تعالى، فإنه قال: بينما مالك بن دينار يوما جالس إذ جاءه رجل فقال: يا أبا يحيى، ادع الله لامرأة حبلى (٥) منذ أربع سنين وقد أصبحت في كرب شديد، فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أننا انبياء، ثم قرأ ثم دعا فقال: اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاما فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، ثم رفع مالك يده ورفع الناس أيديهم، وجاء رسول إلى عند الرجل (٦) وقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل
стр. 1669
فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد، على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت أسنانه، ما قطعت سراره (١) .
وكان من كبار السادات. وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة بالبصرة، قبل الطاعون بيسير، رحمه الله تعالى.
وقد أذكرني مالك بن دينار أبياتا أنشدنيها (٢) لنفسه صاحبنا جمال الدين محمود ابن عبد عملها في بعض الملوك، وقد حارب ملكا آخر فانتصر الملك الذي عمل فيه الأبيات على عدوه، وغنم أمواله وخزائنه وأسر رجاله وأبطاله، فلما صار الجميع في قبضته فرق الأموال على الناس (٣) واعتقل الأجناد، فمدحه ابن عبد المذكور بقصيدة أجاد فيها كل الإجادة، ووصف هذه الواقعة، واستعمل لفظة مالك بن دينار وحصل له فيها التورية العجيبة، والموضع المقصود منها قوله:
أعتقت من أموالهم ما استعبدوا ... وملكت رقهم وهم أحرار
حتى غدا من كان منهم مالكا ... متمنيا لو أنه دينار وهذا في نهايةالحسن، فلهذا ذكرتهما (٤) .
стр. 1670
٥٥٢ - (١)
مجد الدين ابن الأثير الجزري
أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجزري، الملقب مجد الدين.
قال أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل في حقه: أشهر العلماء ذكرا، وأكبر النبلاء قدرا، وأحد الأفاضل المشار إليهم، وفرد الأماثل المعتمد في الأمور عليهم، أخذ النحو عن شيخه أبي محمد سعيد بن المبارك الدهان - وقد سبق ذكره (٢) - وسمع الحديث متأخرا، ولم تتقدم روايته.
وله المصنفات البديعة والرسائل الوسيعهة، منها: جامع الأصول في أحاديث الرسول جمع فيه بين الصحاح الستة، وهو على وضع كتاب رزين، إلا أن فيه زيادات كثيرة عليه، ومنها كتاب النهاية في غريب الحديث في خمس مجلدات، وكتاب الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف في تفسير القرآن الكريم، أخذه من تفسير الثعلبي والزمخشري، وله كتاب المصطفى والمختار في الأدعية والأذكار وله كتاب لطيف في صنعة الكتابة، وكتاب البديع في شرح الفصول في النحو لابن الدهان وله ديوان رسائل، وكتاب الشافي (٣) في شرح مسند الإمام الشافعي وغير ذلك من التصانيف (٤) .
وكانت ولادته بجزيرة ابني عمر في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة ونشأ بها، ثم انتقل إلى الموصل [في سنة خمس وستين وخمسمائة ثم عاد إلى الجزيرة ثم عاد إلى الموصل وتنقل في الولايات بها] (٥) واتصل بخدمة الأمير مجاهد
стр. 1671
الدين قايماز بن عبد الله الخادم الزيني - المقدم ذكره في حرف القاف (١) - وكان نائب المملكة، فكتب بين يديه منشئا إلى أن قبض عليه - كما سبق ذكره - فاتصل بخدمة عز الدين مسعود بن مودود صاحب الموصل وتولى ديوان رسائله وكتب له إلى أن توفي، ثم اتصل بولده نور الدين أرسلان شاه - وقد سبق ذكره (٢) - فحظي عنده وتوفرت حرمته لديه وكتب له مدة.
ثم عرض له مرض كف يديه ورجليه فمنعه من الكتابة مطلقا، وأقام في داره يغشاه الأكابر والعلماء، وأنشأ رباطا بقرية من قرى الموصل تسمى قصر حرب ووقف أملاكه عليه وعلى داره التي كان يسكنها بالموصل (٣) ، وبلغني أنه صنف هذه الكتب كلها في مدة العطلة، فإنه تفرغ لها، وكان عنده جماعة يعينونه عليها في الاختيار (٤) والكتابة.
وله شعر يسير، من ذلك ما أنشده للأتابك صاحب الموصل وقد زلت به بغلته:
إن زلت البغلة منتحته ... فإن في زلتها عذرا
حملها من علمه شاهقا ... ومن ندى راحته بحرا وهذا معنى مطروق وقد جاء في الشعر كثيرا.
وحكى أخوه عز الدين أبو الحسن علي أنه لما أقعد جاءهم رجل مغربي، والتزم أنه يداويه ويبرئه مما هو فيه، وأنه لا يأخذ أجرا إلا بعد برئه، فملنا (٥) إلى قوله، وأخذ في معالجته بدهن صنعه، فظهرت ثمرة صنعته ولانت رجلاه وصار يتمكن من مدهما، وأشرف على كمال البرء فقال لي: اعط هذا المغربي شيئا يرضيه واصرفه فقلت له: لماذا وقد ظهر نجح معاناته (٦) فقال: الأمر
стр. 1672
كما تقول، ولكني في راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء القوم والالتزام بأخطارهم (١) : وقد سكنت روحي إلى الانقطاع والدعة، وقد كنت بالأمس وأنا معافى أذل نفسي بالسعي إليهم، وها أنا اليوم قاعد في منزلي، فإذا طرأت لهم أمور ضرورية جاءوني بأنفسهم لأخذ رأيي، وبين هذا وذاك كثير، ولم يكن سبب هذا إلا هذا المرض، فما أرى زواله ولا معالجته، ولم يبق (٢) من العمر إلا القليل، فدعني أعيش (٣) باقيه حرا سليما من الذل وقد أخذت منه بأوفر حظ، قال عز الدين: فقبلت قوله وصرفت الرجل بإحسان.
وكانت وفاة مجد الدين المذكور بالموصل، يوم الخميس (٤) سلخ ذي الحجة سنة ست وستمائة، ودفن برباطه بدرب دراج داخل البلد (٥) ، رحمه الله تعالى. وقد سبق ذكر أخيه عز الدين علي (٦) ، وسيأتي ذكر أخيه ضياء الدين نصر الله، إن شاء الله تعالى (٧) .
وجزيرة ابني عمر: مدينة فوق الموصل على دجلتها، سميت جزيرة لأن دجلة محيطة بها، قال الواقدي: بناها رجل من أهل برقعيد يقال له عبد العزيز بن عمر.
стр. 1673
(١) ٥٥٣
المبارك بن منقذ
أبو الميمون المبارك بن كامل بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني، الملقب سيف الدولة مجد الدين، كان من أمراء الدولة الصلاحية، وشاد الديوان بالديار المصرية، وهو من بيت كبير - وقد سبق ذكر جده سديد الدولة علي، وابن عمه أسامة بن مرشد (٢) .
ولما سير السلطان صلاح الدين أخاه شمس الدولة توران شاه - المقدم ذكره (٣) - إلى بلاد اليمن وتملكها رتب ابن منقذ المذكور نائبا عنه في زبيد، ولما رجع شمس الدولة إلى الشام فارق ابن منقذ اليمن واستناب أخاه حطان باذن شمس الدولة، ووصل إلى دمشق، ثم رجع شمس الدولة إلى مصر وابن منقذ معه، وقيل لصلاح الدين عنه: إنه قتل جماعة من أهل اليمن وأخذ أموالهم، فلما مات شمس الدولة حبسه صلاح الدين، وأخذ منه ثمانين ألف دينار وعروضا بعشرين ألف دينار، وذلك في سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ثم توجه سيف الإسلام طغتكين - المقدم ذكره - إلى اليمن فتحصن حطان في بعض القلاع، فاستنزله بالمهادنة والخداع، وقبض عليه واستصفى أمواله، وسجنه في بعض القلاع، وكان آخر العهد به، ويقال إنه قتله، وقيل إنه أخذ منه سبعين غلاف زردية مملوءة ذهبا، والله أعلم (٤) .
ولم يزل سيف الدولة المذكور مقدما في الدولة كبير القدر نبيه الذكر رئيسا عالي الهمة، وكانت فيه فضيلة وكان يحب أربابها، ومدحه جماعة من مشاهير
стр. 1674
الشعراء، ومن جملة مداحه القاضي الوجيه رضي الدين أبو الحسن علي بن أبي الحسن يحيى بن الحسن بن أحمد المعروف بابن الذروي (١) مدحه بقصيدته الذالية التي سارت مسير المثل، وأولها:
لك الخير عرج بي على ربعهم فذي ... ربوع يفوح المسك من عرفها الشذي
وذا، يا كليم الشوق، واد مقدس ... لدى الحب فاخلع ليس يمشيه محتذي ومن جملتها (٢) :
وبي ظبي إنس كمل الله حسنه ... وقال لأفواه الخلائق عوذي
جلا تحت ياقوت اللمى ثغر جوهر ... رطيب وأبدى شاربا من زمرذ
ولي عذل أبدي التشاغل عنهم ... إذا أخذوا في عذلهم كل مأخذ
يقولون من هذا الذي مت في الهوى ... به كمدا يا رب لا عرفوا (٣) الذي
ورب أديب لم يجد في ارتحاله ... جوادا إذا ما قال هات يقل خذ
أقول له إذا قام يرحل مصعبا ... يكلفه طول السفار وقد حذي (٤)
مبارك وفد العيس باب مبارك ... وهل منقذ القصاد إلا ابن منقذ ومن مديحها وفيه صناعة بديعة:
وألين عند السلم من بطن حية ... وأخشن يوم الروع من ظهر (٥) قنفذ وهي قصيدة نفيسة اقتصرت منها على هذه الأبيات حذرا من التطويل.
ولأبي الميمون المذكور شعر، فمن ذلك قوله في البراغيث:
стр. 1675
ومعشر يستحل الناس قتلهم ... كما استحلوا دم الحجاج في الحرم
إذا سفكت دما منها فما سفكت ... يداي من دمها المسفوك غير دمي
أصطاد هذا فيبقى ذا فيلسعني ... فينقضي الليل في صيدي ولسعهم (١)(١٥٨) هكذا رواها (٢) عنه عز الدين أبو القاسم عبد الله بن أبي علي الحسين ابن أبي محمد عبد الله بن الحسين بن رواحة بن إبراهيم بن عبد الله بن رواحة بن عبيد بن محمد بن عبد الله بن رواحة الأنصاري الحموي. ومولد ابن رواحة بساحل صقلية سنة ستين وخمسمائة، ومات سنة ست وأربعين وستمائة في جباب التركمان، المنزلة التي بين حلب وحماة، وهو راكب على الجمل، فكانت ولادته في مركب، ومات على جمل (٣) .
وكانت ولادة سيف الدولة المذكور بقلعة شيزر سنة ست وعشرين وخمسمائة. وتوفي بالقاهرة ثامن شهر رمضان يوم الثلاثاء سنة تسع وثمانين وخمسمائة رحمه الله تعالى.
والذروى: بفتح الذال المعجمة والراء وبعدها واو، هذه النسبة إلى ذروى وهي قرية بصعيد مصر.
стр. 1676
(١) ٥٥٤
شرف الدين ابن المستوفي
أبو البركات المبارك بن أبي الفتح أحمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب اللخمي، الملقب شرف الدين، المعروف بابن المستوفي الإربلي، كان رئيسا جليل القدر كثير التواضع واسع الكرم، لم يصل إلى إربل أحد من الفضلاء إلا وبادر إلى زيارته وحمل إليه ما يليق بحاله، ويقرب إلى قلبه بكل طريق، وخصوصا أرباب الأدب فقد كانت سوقهم لديه نافقة. وكان جم الفضائل عارفا بعدة فنون، منها الحديث وعلومه وأسماء رجاله وجميع ما يتعلق به، كان إماما فيه. وكان ماهرا في فنون الأدب من النحو واللغة والعروض والقوافي وعلم البيان وأشعار العرب وأخبارها وأيامها ووقائعها وأمثالها. وكان بارعا في علم الديوان وحسابه وضبط قوانينه على الأوضاع المعتبرة عندهم.
وجمع لإربل تاريخا في أربع مجلدات، وقد احلت عليه في هذا الكتاب في مواضع عديدة، وله كتاب النظام في شرح شعر المتنبي وأبي تمام في عشر (١) مجلدات، وكتاب إثبات المحصل في نسبة أبيات المفصل في مجلدين تكلم فيه على الأبيات التي استشهد بها الزمخشري في المفصل وله كتاب سر الصنعة وله كتاب سماه أبا قماش جمع فيه أدبا كثيرا ونوادر وغيرها.
وسمعت منه كثيرا، وسمعت بقراءته على المشايخ الواردين على إربل شيئا كثيرا فإنه كان يعتمد القراءة بنفسه، وله ديوان شعر أجاد فيه، فمن شعره بيتان فضل فيهما البياض على السمرة، وهما:
لا تخدعنك سمرة غرارة (٣) ... ما الحسن إلا للبياض وجنسه
стр. 1677
فالرمح يقتل بعضه من غيره ... والسيف يقتل كله من نفسه وقد أخذ هذا المعنى من قول أبي الندى حسان بن نمير الكلبي المعروف بالعرقلة الدمشقي الشاعر المشهور، وهو (١) :
إن كنت بالأسمر الزيتي مفتتنا ... فسل عن الأبيض الفضي بلبالي
إن كان في الرمح شبر قاتل أبدا ... ففي المهند شبر غير قتال ولما نظم شرف الدين بيتيه هذين قال بعض الأدباء: لو قال إن بعض الرمح الذي يقتل به هو من جنس السيف كان أتم في المعنى، فعمل بعض المتأدبين - ولا أعلم هل هو شرف الدين نفسه أم غيره - بيتين نبه فيهما على هذه الزيادة، وهما:
البيض أقتل مضربا ... وبمهجتي منها الحسان
والسمر إن قتلت فمن ... بيض يصاغ لها السنان (٢) ومن أشعاره التي يتغنى بها قوله (٣) :
يا ليلة حتى الصباح سهرتها ... قابلت فيها بدرها بأخيه
سمح الزمان بها فكانت ليلة ... عذب العتاب بها لمجتذبيه
أحييتها وأمتها عن حاسد ... ما همه إلا الحديث يشتهيه
ومعانقي حلو الشمائل أهيف ... جمعت ملاحة كل شيء فيه
يختال معتدلا فإن عبث (٤) الصبا ... بقوامه معترضا يثنيه
نشوان تهجم بي عليه صبابتي (٥) ... ويردني ورعي فأستحييه
стр. 1678
علقت يدي بعذاره وبخده ... هذا أقبله وذا أجنيه
لو لم تخالط زفرتي أنفاسه ... كانت تنم بنا إلى واشيه
حسد الصباح الليل لما ضمنا ... غيظا ففرق بيننا داعيه وله:
رعى الله ليلات تقضت بقربكم ... قصارا وحياها الحيا وسقاها
فما قلت إيه بعدها لمسامر ... من الناس إلا قال قلبي آها وهذان بيتان يوجدان في أثناء قصيدة لصاحبنا الحسام الحاجري - المقدم ذكره في حرف العين (١) - لكن رأيت أكثر أصحابنا يقولون: إنهما لشرف الدين المذكور، والله أعلم.
وكان قد خرج من مسجد بجواره ليلا ليجيء إلى داره فوثب عليه شخص وضربه بسكين قاصدا فؤاده، فالتقى الضربة بعضده فجرحته جراحة متسعة فأحضر في الحال المزين وخاطها ومرخها وقمطها باللفائف، فكتب إلى الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل يطالعه بما تم عليه في هذه الأبيات، وغالب ظني أن ذلك كان في سنة ثماني عشرة وستمائة، وأذكر القضية (٢) وأنا يومئذ صغير، والأبيات:
يا أيها الملك الذي سطواته ... من فعلها يتعجب المريخ
آيات جودك محكم تنزيلها ... لا ناسخ فيها ولا منسوخ
أشكو إليك وما بليت بمثلها ... شنعاء ذكر حديثها تاريخ
هي ليلة فيها ولدت وشاهدي ... فيما ادعيت القمط والتمريخ وهذا معنى بديع جدا. وكان يقول: علمت في نومي بيتين وهما:
وبتنا جميعا وبات الغيور ... يعض يديه علينا حنق
стр. 1679
نود غراما لو أنا نباع ... سواد الدجى بسواد الحدق وكان قد وصل إلى إربل بعض الشعراء وهو الشرف عبد الرحمن بن أبي الحسن بن عيسى بن علي بن يعرب البوازيجي الشاعر في سنة ثمان وعشرين وستمائة وشرف الدين يومئذ وزير، فسير له مثلوما على يد شخص كان في خدمته يقال له الكمال بن الشعار الموصلي صاحب التاريخ (١) - والمثلوم: عبارة عن دينار تقطع منه قطعة صغيرة وقد جرت عادتهم في العراق وتلك البلاد أن يفعلوا مثل هذا، لأنهم يتعاملون بالقطع الصغار، ويسمونها القراضة، ويتعاملون أيضا بالمثلوم، وهو كثير الوجود بأيديهم في معاملاتهم - فجاء الكمال إلى ذلك الشعر وقال له: الصاحب يقول لك: أنفق الساعة هذا حتى يجهز لك شيئا يصلح لك، فتوهم ذلك الشاعر أن يكون الكمال قد قرض القطعة (٢) من الدينار، وأن شرف الدين ما سيره (٣) إلا كاملا، وقصد استعلام الحال من جهة شرف الدين، فكتب إليه:
يا أيها المولى الوزير ومن به ... في الجود حقا تضرب الأمثال
أرسلت بدر التم عند كماله ... حسنا فوافى العبد وهو هلال
ما غاله النقصان إلا أنه ... بلغ الكمال، كذلك الآجال فأعجب شرف الدين بهذا (٤) المعنى وحسن الاتفاق، وأجاز الشاعر وأحسن إليه.
وكنت خرجت من إربل في سنة ست وعشرين وستمائة وشرف الدين مستوفي الديوان، والاستيفاء في تلك البلاد منزلة عليه، وهو تلو الوزارة، ثم بعد ذلك تولى الوزارة في سنة تسع وعشرين وستمائة، وشكرت سيرته فيها، ولم
стр. 1680
يزل عليها إلى أن مات مظفر الدين في التاريخ المذكور في ترجمته في حرف الكاف (١) رحمه الله تعالى، وأخذ الإمام المستنصر إربل في منتصف شوال من السنة المذكورة فبطل شرف الدين وقعد في بيته، والناس يلازمون خدمته على ما بلغني، ومكث كذلك إلى أن أخذ التتر مدينة إربل في سابع عشرين شوال سنة (٢) أربع وثلاثين وستمائة، وجرى عليها وعلى أهلها ما قد اشتهر، فكان شرف الدين في جملة من اعتصم بالقلعة وسلم منهم، ولما انتزح التتر عن القلعة انتقل إلى الموصل وأقام بها في حرمة وافرة، وله راتب يصل إليه، وكان عنده من الكتب النفيسة شيء كثير. ولم يزل على ذلك حتى توفي بالموصل يوم الأحد لخمس خلون من المحرم سنة سبع وثلاثين وستمائة، ودفن بالمقبرة السابلة خارج باب الجصاصة. ومولده في النسف من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة بقلعة إربل. وهو من بيت كبير كان فيه جماعة (٣) من الرؤساء الأدباء. وتولى الاستيفاء بإربل والده وعمه صفي الدين أبو الحسن علي بن المبارك.
(١٥٩) وكان عمه المذكور فاضلا وهو الذي نقل نصيحة الملوك تصنيف حجة الإسلام أبي حامد الغزالي من اللغة الفارسية إلى العربية، فإن الغزالي لم يضعها إلا بالفارسية، وقد ذكر ذلك شرف الدين في تاريخه، وكنت أسمع ذلك أيضا عنه أيام كنت في تلك البلاد، ووكان ذلك مشهورا بين الناس.
(١٦٠) ولما مات شرف الدين رثاه صاحبنا الشمس أبو العز يوسف بن النفيس الإربلي المعروف بشيطان الشام، ومولد شيطان الشام سنة (٤) ست وثمانين وخمسمائة بإربل، وتوفي بالموصل سادس عشر شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستمائة، ودفن بمقبرة باب الجصاصة، وفيه يقول:
أبا البركات لو درت المنايا ... بأنك فرد عصرك لم تصبكا
стр. 1681
كفى الإسلام رزأ فقدُ شخص ... عليه بأعين الثقلين يبكى (١) ولولا خوف الإطالة لذكرت كثيرا من وقائعه وأخباره وما جراياته وتفاصيل أحواله وما مدح به، ولقد كان، ﵀، من محاسن وقته، ولم يكن في آخر الوقت في ذلك البلد مثله في فضائله ورياسته (٢) .
وقد سبق الكلام على اللخمي فلا حاجة إلى إعادته.
(٣) ٥٥٥
الوجيه ابن الدهان
أبو بكر المبارك بن أبي طالب المبارك بن أبي الأزهر سعيد، الملقب الوجيه، المعروف بابن الدهان، النحوي الضرير الواسطي، ولد ببلده ونشأ به، وحفظ القرآن هناك وقرأ القراءات، واشتغل بالعلم وسمع بها من أبي سعيد نصر بن محمد بن سالم الأديب وأبي الفرج العلاء بن علي المعروف بابن السوادي الشاعر - وقد تقدم ذكره (٤) - وغيرهما، ثم قدم بغداد واستوطنها، وكان يسكن بالظفرية (٥) ، وجالس أبا محمد ابن الخشاب النحوي وصحب أبا البركات ابن الأنباري - المقدم ذكرهما (٦) - ولازم أبا البركات، وجل ما أخذ عنه، وسمع الحديث من أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي، وتفقه على مذهب أبي حنيفة بعد أن كان حنبليا، ثم شغر منصب تدريس النحو بالمدرسة النظامية، وشرط
стр. 1682
الواقف أن (١) لا يفوض إلا إلى شافعي المذهب، فانتقل الوجيه المذكور إلى مذهب الشافعي وتولاه، وفي ذلك يقول المؤيد أبو البركات بن زيد التكريتي (٢) :
ومن مبلغ عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي إليه الرسائل
تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لما أعوزتك المآكل
وما اخترت قول الشافعي تدنيا ... ولكنما تهوى الذي منه حاصل
وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل وللوجيه المذكور تصنيف في النحو، وأقرأ القرآن الكريم كثيرا، وكان كثير الهذر، وفيه شره نفس وتوسع في القول، وكان كثير الدعاوى، وله شعر فمنه (٣) :
لست استقبح اقتضاءك بالوع ... د (٤) وإن كنت سيد الكرماء
فإله السماء قد ضمن الرز ... ق عليه ويقتضي بالدعاء وكانت ولادته سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بواسط. وتوفي ليلة الأحد السادس والعشرين من شعبان سنة اثنتي عشرة وستمائة ببغداد، ودفن من الغد بالوردية (٥) ، رحمه الله تعالى (٦) .
стр. 1683
(١) ٥٥٦
القاضي مجلي صاحب الذخائر
أبو المعالي مجلي بن جميع بن نجا، القرشي المخزومي الأرسوفي الأصل، المصري الدار والوفاة، الفقيه الشافعي، كان من أعيان الفقهاء المشار إليهم في وقته، وصنف في الفقه كتاب الذخائر وهو كتاب مبسوط جمع (٢) من المذهب شيئا كثيرا، وفيه نقل غريب ربما لا يوجد في غيره، وهو من الكتب المعتبرة المرغوب فيها، وتولى أبو المعالي المذكور القضاء بمصر في سنة سبع وأربعين وخمسمائة بتفويض من العادل أبي الحسن علي بن السلار - المقدر ذكره في حرف العين (٣) - فإنه كان صاحب الأمر في ذلك الزمان، ثم صرف (٤) عن القضاء في أوائل سنة تسع وأربعين وخمسمائة، قيل في العشر الأخير من شعبان من السنة (٥) . وتوفي في ذي القعدة سنة خمسين وخمسمائة، ودفن بالقرافة الصغرى، رحمه الله تعالى.
والأرسوفي: بضم الهمزة وسكون الراء وضم السين المهملة وسكون الواو وبعدها فاء، هذه النسبة إلى أرسوف، وهي بليدة بالشام على ساحل البحر، كان بها جماعة من العلماء والمرابطين، وهي اليوم بيد الفرنج، خذلهم الله تعالى (٦) .
стр. 1684
(١٦١) قلت: ثم انترعها السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبرس الصالحي النجمي من أيديهم في ثاني عشرين رجب من شهور سنة ثلاث وستين وستمائة بعد أن ملك قيسارية وخربها وعفى آثارها مع كثير من البلاد الساحلية التي تجاورها مثل يافا وغيرها، فامتلكها وبقي بها بعد ذلك (١) .
والملك الظاهر المذكور هو أحد مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل ابن الملك العادل ابن أيوب - وسيأتي ذكر والده في محله - وتولى المملكة بعد قتل الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبد الله المعزي في سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان قتل المظفر وهو عائد من كسرة التتر المخذولين، وهي الكسرة المشهورة على عين جالوت بالقرب من بيسان، وقتل بمنزلة القصير من الرمل، وتولى الظاهر بعده باتفاق الأمراء عليه وتوجه لليلته ووصل القلعة في اليوم الثاني لمسيره ودخلها، وكنت يومئذ بالقاهرة.
وكان ملكا عالي الهمة شديد البأس، لم نر في هذا الزمان ملكا مثله في عزمه وهمته وسعادته، وفتح من حصون الفرنج والإسماعيلية ما أعيا من تقدمه من ملوك الإسلام (٢) وذلك في مدة مملكته. وكسر التتر دفعات آخرها في أواخر سنة خمس (٣) وسبعين وستمائة بحدود بلاد الروم، ودخل الروم ووصل إلى قيسارية
стр. 1685
وجلس على سرير الملك بها ثم عاد إلى دمشق وأقام بها إلى أوائل سنة ست وسبعين وستمائة، فتوفي بها في يوم الخميس السابع والعشرين من المحرم من سنة ست المذكورة بقصر الميدان، ونقل ليومه إلى القلعة وكتم موته، وقام مملوكه وعتيقه الأمير بدر الدين بيلبك المعروف بالخازندار بتدبير الأمور والعساكر وتوجه بهم إلى مصر ودخلها في شهر صفر من السنة ووطد قواعد السلطنة لولده السعيد ناصر الدين محمد بركة قان، واستمرت المملكة.
ثم توفي بدر الدين الخازندار في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. وفي أثناء هذه السنة أظهر موت الملك الظاهر ودفن بالتربة المجاورة للمدرسة التي أنشأها ولده الملك السعيد المذكور بدمشق المحروسة شمالي الجامع قبالة المدرسة العادلية الكبيرة.
(١٦٢) وأقام ولده الملك السعيد في المملكة إلى سنة ثمان وسبعين وستمائة. وفي هذه السنة وصل إلى دمشق وزار قبر والده المذكور وأقام بدمشق مدة يسيرة. وجرت أسباب أوجبت تغير قلوب الأمراء، وانفصل أكثر العساكر عنه (١) وفارقوه وتوجهوا طالبين الديار المصرية وتبعهم هو فيمن بقي من عسكره وفيمن عنده من مماليك أبيه وعسكر الشام ومعه من الأمراء الكبار شمس الدين سنقور الأشقر العلائي والأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير وغيرهما، ثم جرت أمور يطول شرحها، خلاصتها انه شق جموعهم بنفسه ودخل قلعة مصر في العشر الأواخر من ربيع الأول من السنة، ثم حاصروه بها وأنزلوه منها وأعطوه قلعة الكرك، وهي قلعة حصينة بين الشام ومصر على فم البرية الحجازية، فأقام بها إلى أن توفي في يوم الجمعة حادي عشر ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة ودفن بالرك مدة ثم نقل إلى دمشق المحروسة في شهر جمادى من سنة ثمانين وستمائة ودفن على والده في التربة المجاورة للمدرسة المذكورة التي أنشأها. وهذه المدرسة على الفريقين أصحاب الإمام الشافعي وأبي حنيفة ﵄، وافتتح بذكر الدرس فيها يوم الأربعاء سابع عشر صفر سنة سبع