← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

كفى الإسلام رزأ فقدُ شخص ... عليه بأعين الثقلين يبكى (١) ولولا خوف الإطالة لذكرت كثيرا من وقائعه وأخباره وما جراياته وتفاصيل أحواله وما مدح به، ولقد كان، ﵀، من محاسن وقته، ولم يكن في آخر الوقت في ذلك البلد مثله في فضائله ورياسته (٢) . وقد سبق الكلام على اللخمي فلا حاجة إلى إعادته. (٣) ٥٥٥ الوجيه ابن الدهان أبو بكر المبارك بن أبي طالب المبارك بن أبي الأزهر سعيد، الملقب الوجيه، المعروف بابن الدهان، النحوي الضرير الواسطي، ولد ببلده ونشأ به، وحفظ القرآن هناك وقرأ القراءات، واشتغل بالعلم وسمع بها من أبي سعيد نصر بن محمد بن سالم الأديب وأبي الفرج العلاء بن علي المعروف بابن السوادي الشاعر - وقد تقدم ذكره (٤) - وغيرهما، ثم قدم بغداد واستوطنها، وكان يسكن بالظفرية (٥) ، وجالس أبا محمد ابن الخشاب النحوي وصحب أبا البركات ابن الأنباري - المقدم ذكرهما (٦) - ولازم أبا البركات، وجل ما أخذ عنه، وسمع الحديث من أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي، وتفقه على مذهب أبي حنيفة بعد أن كان حنبليا، ثم شغر منصب تدريس النحو بالمدرسة النظامية، وشرط

стр. 1682

الواقف أن (١) لا يفوض إلا إلى شافعي المذهب، فانتقل الوجيه المذكور إلى مذهب الشافعي وتولاه، وفي ذلك يقول المؤيد أبو البركات بن زيد التكريتي (٢) : ومن مبلغ عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي إليه الرسائل تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لما أعوزتك المآكل وما اخترت قول الشافعي تدنيا ... ولكنما تهوى الذي منه حاصل وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل وللوجيه المذكور تصنيف في النحو، وأقرأ القرآن الكريم كثيرا، وكان كثير الهذر، وفيه شره نفس وتوسع في القول، وكان كثير الدعاوى، وله شعر فمنه (٣) : لست استقبح اقتضاءك بالوع ... د (٤) وإن كنت سيد الكرماء فإله السماء قد ضمن الرز ... ق عليه ويقتضي بالدعاء وكانت ولادته سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بواسط. وتوفي ليلة الأحد السادس والعشرين من شعبان سنة اثنتي عشرة وستمائة ببغداد، ودفن من الغد بالوردية (٥) ، رحمه الله تعالى (٦) .

стр. 1683

(١) ٥٥٦ القاضي مجلي صاحب الذخائر أبو المعالي مجلي بن جميع بن نجا، القرشي المخزومي الأرسوفي الأصل، المصري الدار والوفاة، الفقيه الشافعي، كان من أعيان الفقهاء المشار إليهم في وقته، وصنف في الفقه كتاب الذخائر وهو كتاب مبسوط جمع (٢) من المذهب شيئا كثيرا، وفيه نقل غريب ربما لا يوجد في غيره، وهو من الكتب المعتبرة المرغوب فيها، وتولى أبو المعالي المذكور القضاء بمصر في سنة سبع وأربعين وخمسمائة بتفويض من العادل أبي الحسن علي بن السلار - المقدر ذكره في حرف العين (٣) - فإنه كان صاحب الأمر في ذلك الزمان، ثم صرف (٤) عن القضاء في أوائل سنة تسع وأربعين وخمسمائة، قيل في العشر الأخير من شعبان من السنة (٥) . وتوفي في ذي القعدة سنة خمسين وخمسمائة، ودفن بالقرافة الصغرى، رحمه الله تعالى. والأرسوفي: بضم الهمزة وسكون الراء وضم السين المهملة وسكون الواو وبعدها فاء، هذه النسبة إلى أرسوف، وهي بليدة بالشام على ساحل البحر، كان بها جماعة من العلماء والمرابطين، وهي اليوم بيد الفرنج، خذلهم الله تعالى (٦) .

стр. 1684

(١٦١) قلت: ثم انترعها السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبرس الصالحي النجمي من أيديهم في ثاني عشرين رجب من شهور سنة ثلاث وستين وستمائة بعد أن ملك قيسارية وخربها وعفى آثارها مع كثير من البلاد الساحلية التي تجاورها مثل يافا وغيرها، فامتلكها وبقي بها بعد ذلك (١) . والملك الظاهر المذكور هو أحد مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل ابن الملك العادل ابن أيوب - وسيأتي ذكر والده في محله - وتولى المملكة بعد قتل الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبد الله المعزي في سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان قتل المظفر وهو عائد من كسرة التتر المخذولين، وهي الكسرة المشهورة على عين جالوت بالقرب من بيسان، وقتل بمنزلة القصير من الرمل، وتولى الظاهر بعده باتفاق الأمراء عليه وتوجه لليلته ووصل القلعة في اليوم الثاني لمسيره ودخلها، وكنت يومئذ بالقاهرة. وكان ملكا عالي الهمة شديد البأس، لم نر في هذا الزمان ملكا مثله في عزمه وهمته وسعادته، وفتح من حصون الفرنج والإسماعيلية ما أعيا من تقدمه من ملوك الإسلام (٢) وذلك في مدة مملكته. وكسر التتر دفعات آخرها في أواخر سنة خمس (٣) وسبعين وستمائة بحدود بلاد الروم، ودخل الروم ووصل إلى قيسارية

стр. 1685

وجلس على سرير الملك بها ثم عاد إلى دمشق وأقام بها إلى أوائل سنة ست وسبعين وستمائة، فتوفي بها في يوم الخميس السابع والعشرين من المحرم من سنة ست المذكورة بقصر الميدان، ونقل ليومه إلى القلعة وكتم موته، وقام مملوكه وعتيقه الأمير بدر الدين بيلبك المعروف بالخازندار بتدبير الأمور والعساكر وتوجه بهم إلى مصر ودخلها في شهر صفر من السنة ووطد قواعد السلطنة لولده السعيد ناصر الدين محمد بركة قان، واستمرت المملكة. ثم توفي بدر الدين الخازندار في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. وفي أثناء هذه السنة أظهر موت الملك الظاهر ودفن بالتربة المجاورة للمدرسة التي أنشأها ولده الملك السعيد المذكور بدمشق المحروسة شمالي الجامع قبالة المدرسة العادلية الكبيرة. (١٦٢) وأقام ولده الملك السعيد في المملكة إلى سنة ثمان وسبعين وستمائة. وفي هذه السنة وصل إلى دمشق وزار قبر والده المذكور وأقام بدمشق مدة يسيرة. وجرت أسباب أوجبت تغير قلوب الأمراء، وانفصل أكثر العساكر عنه (١) وفارقوه وتوجهوا طالبين الديار المصرية وتبعهم هو فيمن بقي من عسكره وفيمن عنده من مماليك أبيه وعسكر الشام ومعه من الأمراء الكبار شمس الدين سنقور الأشقر العلائي والأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير وغيرهما، ثم جرت أمور يطول شرحها، خلاصتها انه شق جموعهم بنفسه ودخل قلعة مصر في العشر الأواخر من ربيع الأول من السنة، ثم حاصروه بها وأنزلوه منها وأعطوه قلعة الكرك، وهي قلعة حصينة بين الشام ومصر على فم البرية الحجازية، فأقام بها إلى أن توفي في يوم الجمعة حادي عشر ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة ودفن بالرك مدة ثم نقل إلى دمشق المحروسة في شهر جمادى من سنة ثمانين وستمائة ودفن على والده في التربة المجاورة للمدرسة المذكورة التي أنشأها. وهذه المدرسة على الفريقين أصحاب الإمام الشافعي وأبي حنيفة ﵄، وافتتح بذكر الدرس فيها يوم الأربعاء سابع عشر صفر سنة سبع

стр. 1686

وسبعين وستمائة، وكنت حاضره يومئذ (١) ، وحضر نائب المملكة بدمشق يومذاك، وهو الأمير عز الدين ايدمر بن عبد الله الظاهري، وهي من مشاهير المدارس

стр. 1687

وكبارها يومئذ بدمشق المحروسة، حماها الله تعالى وسائر بلاد المسلمين. (١٦٣) [ولما نزل الملك السعيد من قلعة الجبل انتهى رأي أكابر الأمراء على أن يقيموا اخاه سيف الدسن سلامش، وكان صغيرا، تقدير عمره دون عشر سنين، وأن يلقبوه بالملك العادل فوضعوه مكانه في السلطنة، وأن يكون اتابك العساكر ومتولي التدبير الأمير سيف الدين قلاون الصالحي المعروف بالألفي الكبير، فجرى الأمر على ذلك، واستمر هذا الحال كذلك إلى أواخر شهر رجب من السنة، فاستقل الأمير سيف الدين قلاون المذكور بالسلطنة وركب بأبهتها في حادي عشرين رجب المذكور، ولقب بالملك المنصور، وخلفه الأمراء والناس، ودخل أهل جميع المماليك في طاعته، ولم يبق إلا الملك السعيد بالكرك. ثم ان الأمراء أرسلوا إلى الملك السعيد بالكرك أخوه سلامش المذكور وعامة أهل بيت الملك الظاهر، فانقطعت مملكتهم من الديار المصرية وغيرها، ولم يبق لهم الا قلعة الكرك وما هو مضاف اليها، والله متولي الأمور، وبمشيئته يجري كل مقدور] (١) . [وكان سبب وفاة الملك السعيد أنه خرج إلى الصيد فتقنطر به الفرس، فحمل إلى قلعة الكرك فبقي يويمات قلائل مريضا، ثم توفي في التاريخ المذكور] (٢) .

стр. 1688

(١) ٥٥٧ أبو على التنوخي القاضي أبو علي المحسن بن أبي القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم داود بن إبراهيم ابن تميم التنوخي - وقد سبق ذكر ابيه في حرف العين وإيراد شيء من أخباره وشعره (٢) - وذكرهما الثعالبي في باب واحد وقدم ذكر الأب، ثم قال في حق أبي علي المذكور: هلال ذلك القمر، وغصن هاتيك الشجر، والشاهد العدل بمجد أبيه وفضله، والفرع المسند لأصله، والنائب عنه في حياته، والقائم مقامه بعد وفاته. وفيه يقول أبو عبد الله بن الحجاج الشاعر: إذا ذكر القضاة وهم شيوخ ... تخيرت الشباب على الشيوخ ومن لم يرض ام أصفعه إلا ... بحضرة سيدي القاضي التنوخي وله كتاب " الفرج بعد الشدة " وذكر في أوائل هذا الكتاب أنه كان على العيار في دار الضرب بسوق الأهواز في سنة ست وأربعين وثلثمائة، وذكر بعد ذلك بقليل أنه كان على القضاء بجزيرة ابني عمر (٣) ، وله ديوان شعر أكبر من ديوان أبيه، وكتاب " نشوار (٤) المحاضرة " وله كتاب " المستجاد من فعلات الأجواد ". وسمع بالبصرة من أبي العباس الأثرم وأبي بكر الصولي والحسين بن محمد بن

стр. 1689

يحيى بن عثمان النسوي (١) وطبقتهم، ونزل ببغداد وأقام بها، وحدث إلى حين وفاته وكان سماعه صحيحا، وكان أديبا شاعرا أخباريا، وكان أول سماعه الحديث في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة، وأول ما تقلد القضاء من قبل أبي السائب عتبة بن عبيد الله بالقصر وبابل وما والاهما في سنة تسع وأربعين، ثم ولاه الإمام المطيع لله القضاء بعسكر مكرم وإيدج ورامهرمز، وتقلد بعد ذلك أعمالا كثيرة في نواح مختلفة. ومن شعره في بعض المشايخ وقد خرج يستسقي وكان في السماء سحاب، فلما دعا أصحت السماء، فقال أبو علي التنوخي: خرجنا لنستسقي بيمن دعائه ... وقد كاد هدب الغيم أن يلحف (٢) الأرضا فلما ابتدا يدعو تكشفت السما ... فما تم إلا والغمام قد انفضا ولبعضهم في المعنى وهو أبو الحسين سليمان بن محمد بن الطراوة النحوي الأندلسي المالقي (٣) في هذا المعنى: خرجوا ليستسقوا وقد نجمت ... غريبة قمن بها السح حتى إذا اصطفوا لدعوتهم ... وبدا لأعينهم بها رشح كشف السحاب إجابة لهم ... فكأنهم خرجوا ليستصحوا ومن المنسوب إليه أعني القاضي التنوخي (٤) : قل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التقي المترهب نور الخمار خدك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يتلهب

стр. 1690

وجمعت بين المذهبين فلم يكن ... للحسن عن ذهبيهما من مذهب وإذا أتت عين لتسرق نظرة ... قال الشعاع لها اذهبي لا تذهب وما ألطف قوله اذهبي لا تذهب. وقد أذكرتني هذه الأبيات في الخمار المذهب حكاية وقفت عليها منذ زمان بالموصل، وهي أن بعض التجار قدم مدينة رسول الله ﷺ ، ومعه حمل من الخمر السود، فلم يجد لها طالبا، فكسدت عليه وضاق صدره، فقيل له: ما ينفقها لك إلا مسكين الدارمي، وهو من مجيدي الشعراء الموصوفين بالظرف والخلاعة، فقصده فوجده قد تزهد وانقطع في المسجد، فأتاه وقص عليه القصة، فقال: وكيف أعمل وأنا قد تركت الشعر وعكفت على هذه الحال فقال له التاجر: أنا رجل غريب، وليس لي بضاعة سوى هذا الحمل، وتضرع إليه، فخرج من المسجد وأعاد لباسه الأول وعمل هذين البيتين وشهرهما وهما: قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا أردت بناسكٍ متعبد قد كان شمر للصلاة ثيابه ... حتى قعدت له بباب المسجد (١) فشاع بين الناس أن مسكينا الدارمي قد رجع إلى ما كان عليه، وأحب واحدة ذات خمار أسود، فلم يبق بالمدينة ظريفة إلا وطلبت خمارا أسود، فباع التاجر الحمل الذي كان معه بأضعاف ثمنه، لكثرة رغباتهم فيه، فلما فرغ منه عاد مسكين إلى تعبده وانقطاعه. وكتب القاضي أبو علي التنوخي المذكور إلى بعض الرؤساء في شهر رمضان: نلت في ذا الصيام ما تشتهيه ... وكفاك الإله ما تتقيه أنت في الناس مثل شهرك في الأش ... هر، بل مثل ليلة القدر فيه

стр. 1691

وله أشياء فائقة. وكانت ولادته ليلة الأحد لأربع بقين من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وثلثمائة بالبصرة. وكانت وفاته ليلة الاثنين، لخمس بقين من المحرم سنة أربع وثمانين وثلثمائة ببغداد، رحمه الله تعالى. (١٦٤) وأما ولده أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي فكان أديبا فاضلا له شعر لم أقف منه على شيء، وكان يصحب أبا العلاء المعري وأخذ عنه كثيرا، وكان يروي الشعر الكثير، وهم أهل بيت كلهم فضلاء أدباء ظرفاء، وكانت ولادة الولد المذكور في منتصف شعبان سنة خمس وستين وثلثمائة بالبصرة، وتوفي في يوم الأحد مستهل المحرم سنة سبع وأربعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى، وكانت بينه وبين الخطيب أبي زكريا التبريزي مؤانسة واتحاد بطريق أبي العلاء المعري وذكره الخطيب في " تاريخ بغداد " (١) وعدد شيوخه الذين روى عنهم، ثم قال: وكتبت عنه، وذكر مولده ووفاته كما هو ها هنا، لكنه قال: إن وفاته كانت ليلة الاثنين ثاني المحرم، ودفن يوم الاثنين في داره بدرب التل، وإنه صلى على جنازته، وإن أول سماعه كان في شعبان سنة سبعين، وكان قد قبلت شهادته عند الحكام في حداثته، ولم يزل على ذلك مقبولا إلى آخر عمره، وكان متحفظا في الشهادة محتاطا صدوقا في الحديث، وتقلد قضاء نواح عدة، منها المدائن وأعمالها ودورنجان (٢) والبردان وقرميسين وغير ذلك. وقد سيق الكلام على التنوخي. والمحسن: بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المهملة المشددة، وبعدها نون. وإليه كتب أبو العلاء المعري قصيدته التي أولها: هات الحديث عن الزوراء أو هيتا (٣) ...

стр. 1692

٥٥٨ - (١) الإمام الشافعي الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، القرشي المطلبي الشافعي، يجتمع مع رسول الله ﷺ في عبد مناف المذكور، وباقي النسب إلى عدنان معروف، لقي جده شافع رسول الله ﷺ وهو مترعرع، وكان أبوه السائب صاحب راية بني هاشم يوم بدر، فأسر وفدى نفسه ثم أسلم، فقيل له: لم لم تسلم قبل أن تفدي نفسك فقال: ما كنت أحرم المؤمنين مطمعا لهم في. وكان الشافعي كثير المناقب جم المفاخر منقطع القرين، اجتمعت فيه من العلوم بكتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، وكلام الصحابة ﵃ وآثارهم، واختلاف أقاويل العلماء وغير ذلك من معرفة كلام العرب واللغة والعربية والشعر حتى إن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن قرأ عليه أشعار الهذليين ما لم يجتمع في غيره، حتى قال أحمد بن حنبل ﵁: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلا قط أكمل من الشافعي، وقال عبد الله بن أحمد

стр. 1693

ابن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له، فقال: يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، هل لهذين من خلف أو عنهما من عوض وقال أحمد: ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له، وقال يحيى بن معين: كان أحمد بن حنبل ينهانا عن الشافعي، ثم استقبلته يوما والشافعي راكب بغلة وهو يمشي خلفه، فقلت: يا أبا عبد الله، تنهانا عنه وتمشي خلفه فقال: اسكت، لو لزمت البغلة انتفعت. وحكى الخطيب في تاريخ بغداد عن ابن عبد الحكم قال: لما حملت أم الشافعي به رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع (١) في كل بلد منه شظية، فتأول أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها (٢) عالم يخص علمه أهل مصر ثم يتفرق في سائر البلدان. وقال الشافعي: قدمت على مالك بن أنس وقد حفظت الموطأ فقال لي: أحضر من يقرأ لك، فقلت: أنا قارئ، فقرأت عليه الموطأ حفظا، فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام. وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا الغلام. وقال الحميدي: سمعت زنجي (٣) بن خالد - يعني مسلما - يقول للشافعي: أفت يا أبا عبد الله فقد والله آن (٤) لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة (٥) . وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي: رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي في المسجد الحرام، فقلت: يا أبا عبد الله، هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يحدث، فقال: إن هذا يفوت وذاك لا يفوت. وقال أبو حسان الزيادي: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحدا من أهل العلم تعظيمه للشافعي، ولقد جاءه يوما فلقيه وقد ركب

стр. 1694

محمد بن الحسن (١) ، فرجع محمد إلى منزله وخلا به يومه إلى الليل، ولم يأذن لأحد عليه. والشافعي أول من تكلم في أصول الفقه وهو الذي استنبطه، وقال أبو ثور: من زعم انه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب، كان منقطع القرين في حياته، فلما مضى لسبيله لم يعتض منه. وقال أحمد بن حنبل: ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته منة. وكان الزعفراني يقول: كان أصحاب الحديث رقودا حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقظوا. ومن دعائه: اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير، وهو مشهور بين العلماء بالإجابة، وأنه مجرب (٢) . وفضائله أكثر من أن تعدد. وموله سنة خمسين ومائة، وقد قيل إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة (٣) ، وكانت ولادته بمدينة غزة، وقيل بعسقلان، وقيل باليمن، والأول أصح، وحمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين فنشأ بها وقرأ القرآن الكريم، وحديث رحلته إلى مالك بن أنس مشهور فلا حاجة إلى التطويل فيه، وقدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة فأقام بها سنتين، ثم خرج إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مصر، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومائة، وقيل سنة إحدى ومائتين. ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى، وقبره يزار بها بالقرب من المقطم، ﵁. قال الربيع بن سليمان المرادي: رأيت هلال شعبان وأنا راجع من جنازته، وقال: رأيته في المنام بعد وفاته فقلت: يا أبا عبد الله، ما صنع الله بك فقال: أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر علي اللؤلؤ الرطب. وذكر الشيخ

стр. 1695

أبو إسحاق الشيرازي في كتاب طبقات الفقهاء ما مثاله: وحكى الزعفراني عن أبي عثمان ابن الشافعي قال: مات أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة (١) . وقد اتفق العلماء قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول (٢) واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورعه ونزاهة عرضه وعفة نفسه وحسن سيرته وعلو قدره وسخائه. وللإمام الشافعي أشعار كثيرة فمن ذلك ما نقلته من خط الحافظ أبي طاهر السلفي رحمه الله تعالى: إن الذي رزق اليسار ولم يصب ... حمدا ولا أجرا لغير موفق الجد يدني كل أمر شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق وإذا سمعت بأن مجدودا حوى ... عودا فأثمر في يديه فصدق وإذا سمعت بأن محروما اتى ... ماء ليشربه فغاض فحقق (٣) لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم (٤) أقطار السماء تعلقي لكن من رزق الحجا حرم الغنى ... ضدان مفترقان أي تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمد ومن المنسوب إليه أيضا (٥) : ماذا يخبر ضيف بيتك أهله ... إن سيل كيف معاده ومعاجه

стр. 1696

أيقول جاوزت الفرات ولم أنل ... ريا لديه وقد طغت أمواجه ورقيت في درج العلا فتضايقت ... عما أريد شعابه وفجاجه ولتخبرن خصاصتي بتملقي ... والماء يخبر عن قذاه زجاجه عندي يواقيت القريض ودره ... وعلي إكليل الكلام وتاجه تربي على روض الربا أزهاره ... ويرف في نادي الندى ديباجه والشاعر المنطيق أسود سالخ ... والشعر منه لعابه ومجاجه وعداوة الشعراء داء معضل ... ولقد يهون على الكريم علاجه ومن المنسوب إليه أيضا: رام نفعا فضر من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقا ومن المنسوب إلى الشافعي: كلما أدبني الده ... ر أراني نقص عقلي وإذا ما ازددت علما ... زادني علما بجهلي وهو القائل: ولولا الشعر بالعلماء يزري ... لكنت اليوم أشعر من لبيد وقال الشافعي ﵁: تزوجت امرأة من قريش بمكة، وكنت أمازحها فأقول: ومن البلية أن تح ... ب فلا يحبك من تحبه فتقول هي: ويصد عنك بوجهه ... وتلج أنت فلا تغبه (١) وأخبرني أحد المشايخ الأفاضل أنه عمل في مناقب الشافعي ثلاثة عشر تصنيفا.

стр. 1697

ولما مات رثاه خلق كثير، وهذه المرثية منسوبة إلى أبي بكر محمد بن دريد صاحب المقصورة، وقد ذكرها الخطيب في " تاريخ بغداد " وأولها: [بملتفتيه للمشيب طوالع ... زواجر عن ورد التصابي روادع تصرفه طوع العنان وربما ... دعاه الصبا فاقتاده وهو طائع ومن لم يزعه لبه وحياؤه ... فليس له من شيب فوديه وازع هل النافر المدعو للحظ راجع ... أم النصح مقبول أم الوعظ نافع أم الهمك المغموم بالجمع عالم ... بأن الذي يوعي من المال ضائع وأن قصاراه على فرط ضنه ... فراق الذي أضحى له وهو جامع ويخمل ذكر المرء ذي المال بعده ... ولكن جمع العلم للمرء رافع (١) ألم تر آثار ابن إدريس بعده ... دلائلها في المشكلات لوامع معالم يفنى الدهر وهي خوالد ... وتنخفض الأعلام وهي فوارع مناهج فيها للهدى متصرف ... موارد فيها للرشاد شرائع ظواهرها حكم ومستبطناتها (٢) ... لما حكم التفريق فيه جوامع لرأي ابن إدريس ابن عم محمد ... ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع إذا المفظعات المشكلات تشابهت ... سما منه نور في دجاهن لامع أبى الله إلا رفعه وعلوه ... وليس لما يعليه ذو العرش واضع توخى الهدى واستنقذته يد التقى ... من الزيغ إن الزيغ للمرء صارع ولاذ بآثار الرسول فحكمه ... لحكم رسول الله في الناس تابع وعول في أحكامه وقضائه ... على ما قضى في الوحي والحق ناصع بطيء عن الرأي المخوف التباسه ... إليه إذا لم يخش لبسا مسارع وأنشا له منشيه من خير معدن ... خلائق هن الباهرات البوارع] (٣)

стр. 1698

تسربل بالتقوى وليدا وناشئا ... وخص بلب الكهل مذ هو يافع وهذب حتى لم تشر بفضيلة ... إذا التمست إلا إليه الأصابع فمن يك علم الشافعي إمامه ... فمرتعه في ساحة العلم واسع سلام على قبر تضمن جسمه ... وجادت عليه المدجنات الهوامع لقد غيبت أثراؤه جسم ماجد ... جليل إذا التفت عليه المجامع لئن فجعتنا الحادثات بشخصه ... لهن لما حكمن فيه فواجع فأحكامه فينا بدور زواهر ... وآثاره فينا نجوم طوالع وقد يقول القائل: إن ابن دريد لم يدرك الشافعي، فكيف رثاه لكنه يجوز أن يكون رثاه بعد ذلك، فما فيه بعد، فقد رأينا مثل هذا في حق غيره، مثل الحسين، رضي الله تعالى عنه، وغيره. ٥٥٩ - (١) محمد بن الحنفية أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب، ﵁، المعروف بابن الحنفية، أمه الحنفية خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة ابن الدول بن حنيفة بن لجيم، ويقال بل كانت من سبي اليمامة، وصارت إلى علي ﵁، وقيل بل كانت سندية سوداء، وكانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم، وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق، ولم يصالحهم على أنفسهم. وذكر البغوي في كتاب " شرح السنة " في باب قتال مانعي الزكاة أن طائفة

стр. 1699

ارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وعادوا إلى ما كانوا عليه من الجاهلية، واتفقت الصحابة على قتالهم وقتلهم، ورأى أبو بكر ﵁ سبي ذراريهم ونسائهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد علي ﵁ جارية من سبي بني حنيفة فولدت له محمد بن علي الذي يدعى محمد بن الحنفية، ثم لم ينقرض عصر الصحابة حتى أجمعوا (١) على أن المرتد لا يسبى (٢) . وأما كنيته بأبي القاسم فيقال إنها رخصة من رسول الله، ﷺ ، وإنه قال لعلي ﵁: سيولد لك بعدي غلام وقد نحلته اسمي وكنيتي ولا تحل لأحد من أمتي بعده. وممن يسمى محمدا ويكنى أبا القاسم: محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن حاطب بن أبي بلتعة، ومحمد بن الأشعث بن قيس. وكان محمد المذكور كثير العلم والورع، وقد ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في " طبقات الفقهاء " (٣) . وكان شديد القوة، وله في ذلك أخبار عجيبة، منها ما حكاه المبرد في كتاب الكامل (٤) أن أباه عليا، ﵁، استطال درعا كانت له، فقال: لينقص منها كذا وكذا حلقة، فقبض محمد إحدى يديه على ذيلها والأخرى (٥) على ضلها، ثم جذبها فقطع من الموضع الذي حدده أبوه. وكان عبد الله بن الزبير إذا حدث بهذا الحديث غضب واعتراه إفكل، وهو الرعدة، لأنه كان يحسده على قوته، وكان ابن الزبير أيضا شديد القوى. ومن قوته أيضا ما حكاه المبرد (٦) في كتابه أن ملك الروم في أيام معاوية وجه إليه: إن الملوك قبلك كانت تراسل الملوك منا، ويجهد بعضهم أن

стр. 1700

يغرب على بعض، أفتأذن في ذلك فأذن له، فوجه إليه برجلين أحدها طويل جسيم، والآخر أيد، فقال معاوية لعمرو بن العاص: أما الطويل فقد أصبنا كفؤه، وهو قيس بن سعد بن عبادة رصي الله عنه، وأما الآخر الأيد فقد احتجنا إلى رأيك فيه، فقال عمرو: ها هنا رجلان كلاهما إليك بغيض: محمد بن الحنفية وعبد الله بن الزبير، فقال معاوية: من (١) هو أقرب إلينا على كل حال، فلما دخل الرجلان وجه إلى قيس بن سعد بن عبادة يعلمه، فدخل قيس، فلما مثل بين يدي معاوية نزع سراويله، فرمى بها إلى العلج فلبسها فبلغت ثندوته (٢) ، فأطرق مغلوبا، فقيل إن قيسا لاموه في ذلك، وقيل له: لم تبذلت هذا التبذل بحضرة معاوية هلا وجهت إليه غيرها فقال: أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادي نمته ثمود وإني من القوم اليمانين سيد ... وما الناس إلا سيد ومسود وبذ جميع الخلق أصلي ومنصبي ... وجسم به أعلو الرجال مديد ثم وجه معاوية إلى محمد بن الحنفية فحضر، فخبر بما دعي له، فقال: قولوا له إن شاء فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء فليكن القائم وأنا القاعد، فاختار الرومي الجلوس فأقامه محمد، وعجز الرومي عن إقعاده، ثم اختار أن يكون محمد هو القاعد، فجذبه محمد فأقعده، وعجز الرومي عن إقامته، فانصرفا مغلوبين. وكانت راية أبيه يوم صفين (٣) بيده، ويحكى أنه توقف أول يوم في حملها لكونه قتال المسلمين، ولم يكن قبل ذلك شهد مثاله (٤) ، فقال له علي ﵁: هل عندك شك في جيش مقدمه أبوك فحملها. وقيل لمحمد: كيف كان

стр. 1701

أبوك يقحمك المهالك ويولجك المضايق دون أخويك الحسن والحسين فقال: لأنهما كانا عينيه، وكنت يديه، فكان يقي عينيه بيديه. ومن كلامه: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له فرجا. ولما دعا ابن الزبير إلى نفسه وبايعه أهل الحجاز بالخلافة دعا عبد الله بن العباس ومحمد بن الحنفية ﵄ إلى البيعة، فأبيا ذلك وقالا: لا نبايعك حتى تجتمع لك البلاد، ويتفق الناس، فأساء جوارهم وحصرهم وآذاهم، وقال لهم (١) : لئن لم (٢) تبايعا أحرقتكما بالنار، والشرح في ذلك يطول. وكانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي ﵀ في أول المحرم سنة إحدى وثمانين للهجرة، وقيل سنة ثلاث وثمانين، وقيل سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين بالمدينة، وصلى عليه أبان بن عثمان بن عفان، وكان والي المدينة يومئذ، ودفن بالبقيع، وقيل إنه خرج إلى الطائف هاربا من ابن الزبير فمات هناك، وقيل إنه مات ببلاد أيلة. والفرقة الكيسانية تعتقد إمامته وأنه مقيم بجبل رضوى، وإلى هذا أشار كثير عزة بقوله من جملة أبيات، وكان كيساني الاعتقاد (٣) : وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء تغيب لا يرى فيهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي يدعو الناس إلى إمامة محمد بن الحنفية، ويزعم أنه المهدي، وقال الجوهري في كتاب " الصحاح " (٤) : كيسان لقب

стр. 1702

المختار المذكور، وقال غيره: كيسان مولى علي ﵁. والكيسانية يزعمون أنه مقيم برضوى في شعب منه ولم يمت، دخل إليه ومعه أربعون من أصحابه، ولم يوقف لهم على خبر وهم أحياء يرزقون، ويقولون إنه مقيم في هذا الجبل بين أسد ونمر، وعنده عينان نضاختان تجريان عسلا وماء، وإنه يرجعه إلى الدنيا فيملؤها عدلا (١) . وكان محمد يخضب بالحناء والكتم وكان يختم في اليسار، وله أخبار مشهورة، ﵁، وانتقلت إمامته إلى ولده أبي هاشم عبد الله ومنه إلى محمد بن علي والد السفاح والمنصور، كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى (٢) . ورضوى: بفتح الراء وبعدها ضاد معجمة وبعد الواو ألف، قال ابن جرير الطبري في تاريخه الكبير في سنة أربع وأربعين ومائة: رضوى جبل جهينة، وهو في عمل ينبع، وقال غيره: بينهما مسيرة يوم واحد، وهو من المدينة على سبع مراحل ميامنة طريق المدينة ومياسرة طريق البر لمن كان مصعدا إلى مكة وهو على ليلتين من البحر، والله أعلم. ومن رضوى تحمل حجارة المسن إلى سائر الأمصار، قاله ابن حوقل في كتابه " المسالك والممالك " (٣) . وذكر أبو اليقظان (٤) في كتاب " النسب " أن ابن الحنفية له ابن اسمه الهيثم (٥) وكان مؤخذا عن مسجد رسول الله، ﷺ ، لا يقدر أن يدخله، والأخيذ في اللغة: الأسير، والأخذه - بضم الهمرة - رقية كالسحر، فكانه كان مسحورا.

стр. 1703

(١) ٥٦٠ محمد الباقر أبو جعفر محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، الملقب الباقر، أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد جعفر الصادق - وقد تقدم ذكره (٢) . كان الباقر عالما سيدا كبيرا، وإنما قيل له الباقر لأنه تبقر في العلم، أي توسع، والتبقر: التوسع، وفيه يقول الشاعر: يا باقر العلم لأهل التقى ... وخير من لبى على الأجبل ومولده يوم الثلاثاء ثالت صفر سنة سبع وخمسين للهجرة، وكان عمره يوم قتل جده الحسين، ﵁، ثلاث سنين، وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵁. وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة ومائة، وقيل في الثالث والعشرين من صفر سنة أربع عشرة، وقيل سبع عشرة، وقيل ثمان عشرة بالحميمة. ونقل إلى المدينة ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه أبوه وعم أبيه الحسن بن علي ﵃، في القبة التي فيها قبر العباس ﵁. وقد تقدم الكلام على الحميمة في ترجمة علي بن عبد الله بن العباس.

стр. 1704

(١) ٥٦١ محمد الجواد أبو جعفر محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر المذكور قبله، المعروف بالجواد، أحد الأئمة الاثني عشر أيضا. قدم إلى بغداد وافدا على المعتصر، ومعه امرأته أن الفضل ابنة المأمون، فتوفي بها، وحملت امرأته إلى قصر عمها المعتصم فجعلت مع الحرم. وكان يروي مسندا عن آبائه إلى علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال لي وهو يوصيني: يا علي، ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، يا علي، عليك بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطى بالنهار، يا علي اغد بسم الله فإن الله بارك لأمتي في بكورها. وكان يقول: من استفاد أخا في الله فقد استفاد بيتا في الجنة. وقال جعفر بن محمد بن مزيد (٢) : كنت ببغداد فقال لي محمد بن منده بن مهريزد: هل لك أن ادخلك على محمد بن علي الرضا فقلت: نعم، قال: فأدخلني عليه، فسلمنا وجلسنا، فقال له: حديث رسول الله ﷺ أن فاطمة ﵂ أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، قال: ذلك خاص بالحسن والحسين ﵄. وله حكايات وأخبار كثيرة. وكانت ولادته يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان، وقيل منتصفه، سنة خمس وتسعين مائة. وتوفي يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي الحجة سنة عشرين مائتين، وقيل تسع عشرة ومائتين ببغداد، ودفن عند جده موسى بن جعفر، ﵃ أجمعين، في مقابر قريش، وصلى عليه الواثق بن المعتصم.

стр. 1705

(١) ٥٦٢ أبو القاسم المنتظر أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الامامية، المعروف بالحجة، وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم والمهدي، وهو صاحب السرداب عندهم، وأقاويلهم فيه كثيرة، وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسر من رأى. كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولما توفي أبوه - وقد سبق ذكره (٢) - كان عمره خمس سنين، واسم أمه خمط، وقيل نرجس، والشيعة يقولون: إنه دخل السرداب في دار أبيه وأمه تنظر إليه، فلم يعد يخرج إليها، وذلك في سنة خمس وستين ومائتين، وعمره يومئذ تسع سنين. وذكر ابن الأزرق في " تاريخ ميافارقين " أن الحجة المذكور ولد تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقيل في ثامن شعبان سنة ست وخمسين، وهو الأصح، وأنه لما دخل السرداب كان عمره أربع سنين، وقيل خمس سنين، وقيل إنه دخل السرداب سنة خمس وسبعين ومائتين وعمره سبع عشرة سنة، والله أعلم أي ذلك كان، رحمه الله تعالى.

стр. 1706

(١) ٥٦٣ الزهري أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة الزهري أحد الفقهاء والمحدثين، والأعلام التابعين بالمدينة، رأى عشرة من الصحابة رضوان الله عليهم، وروى عنه جماعة من الأئمة: منهم مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري. وروي عن عمرو بن دينار أنه قال: أي شيء عند الزهري أنا لقيت ابن عمر ولم يلقه، وأنا لقيت ابن عباس ولم يلقه، فقدم الزهري مكة فقال عمرو: احملوني إليه، وكان قد أقعد، فحمل إليه، فلم يأت إلى أصحابه إلا بعد ليل، فقالوا له: كيف رأيت فقال: والله ما رأيت مثل هذا الفتى القرشي قط. وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من قال: ابن شهاب. وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة. وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون احدا أعلم بالسنة الماضية منه. وحضر الزهري يوما مجلس هشام بن عبد الملك وعنده أبو والزناد عبد الله بن ذكوان فقال له هشام: أي شهر كان يخرج الطاء فيه لأهل المدينة فقال الزهري: لا أدري، فسأل أبا الزناد عنه فقال: في المحرم، فقال هشام للزهري: يا أبا بكر، هذا علم استفدته اليوم، فقال: مجلس أمير المؤمنين أهل أن يستفاد منه العلم. وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله، فيشتغل بها عن

стр. 1707

كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوما: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر. وكان أبو جده عبد الله بن شهاب شهد مع المشركين بدرا، وكان أحد النفر الذين تعاقدوا يوم أحد لئن رأوا رسول الله ﷺ ليقتلنه أو ليقتلن دونه، وروي أنه قيل للزهري: هل شهد جدك بدرا قال: نعم، ولكن من ذلك الجانب، يعني أنه كان في صف المشركين. وكان أبوه أسلم مع مصعب بن الزبير، ولم يزل الزهري مع عبد الملك ثم مع هشام بن عبد الملك، وكان يزيد بن عبد الملك قد استقضاه. وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، وقيل ثلاث وعشرين، وقيل خمس وعشرين ومائة (١) ، وهو ابن اثنتين - وقيل ثلاث - وسبعين سنة، وقيل مولده سنة إحدى وخمسين للهجرة، والله أعلم، ودفن في ضيعته أدامي بفتح الهمزة والدال المهملة وبعد الألف ميم مفتوحة وياء مفتوحة أيضا وقيل: أدمي، مثل الأول لكنها بغير ألف، وهي خلف شغب وبدا، وهما واديان وقيل قريتان بين الحجاز والشام في موضع هو آخر عمل الحجاز وأول عمل فلسطين. وذكر في كتاب التمهيد أنه مات في بيته بنعف، وهي قرية عند القرى المذكورة، وماتت بها أيضا أم حزرة زوجة جرير، فقال من أبيات: نعم القرين وكنت علق مضنة ... وارى بنعف بلية الأحجار وقبره على الطريق ليدعو له كل من يمر عليه، ﵁. والزهري: بضم الزاي وسكون الهاء وبعدها راء، هذه النسبة إلى زهرة ابن كلاب بن مرة، وهي قبيلة كبيرة من قريش، ومنها آمنة أم رسول الله ﷺ ، وخلق كثير من الصحابة وغيرهم، ﵃ (٢) . وشغب: بفتح الشين المعجمة وسكون الغين المعجمة وبعدها ياء موحدة.

стр. 1708

وبدا: بفتح الباء الموحدة والدال المهملة وبعدها ألف، وفيهما يقول كثير عزة (١) : وأنت التي حببت شغبا إلى بدا ... إلي وأوطاني بلاد سواهما إذا ذرفت عيناي أعتل بالقذى ... وعزة لو يدري الطبيب قذاهما وحلت بهذا حلة ثم أصبحت ... بهذا، فطاب الواديان كلاهما وهذا الشعر يدل على أنهما واديان، لا قريتان والله أعلم. ٥٦٤ - (٢) محمد بن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار - ويقال داود بن بلال بن أحيحة ابن الجلاح الانصاري الكوفي - وقد سبق ذكر أبيه في حرف العين (٣) ، كان محمد المذكور من أصحاب الرأي، وتولى القضاء بالكوفة وأقام حاكما ثلاثا وثلاثين سنة، ولي لبني أمية ثم لبني العباس وكان فقيها مفننا، وقال: لا أعقل من شأن أبي شيئا غير أني أعرف أنه كانت له امرأتان، وكان له حبان أخضران، فينبذ (٤) عند هذه يوما وعند هذه يوما. وتفقه محمد بالشعبي، وأخذ عنه سفيان الثوري، وقال الثوري: فقهاؤنا ابن أبي ليلى وابن شبرمة. وقال محمد المذكور:

стр. 1709

دخلت على عطاء فجعل يسألني، فأنكر بعض من عنده وكلمه في ذلك فقال: هو أعلم مني. وكانت بينه وبين أبي حنيفة ﵁ وحشة يسيرة، وكان يجلس للحكم في مسجد الكوفة، فيحكى انه انصرف يوما من مجلسه، فسمع امرأة تقول لرجل: يا ابن الزانيين، فأمر بها فأخذت ورجع إلى مجلسه، وأمر بها فضربت حدين وهي قائمة. فبلغ ذلك أبا حنيفة فقال: أخطأ القاضي في هذه الواقعة في ستة أشياء: في رجوعه إلى مجلسه بعد قيامه منه، ولا ينبغي له أن يرجع بعد أن قام منه، وفي ضربه الحد في المسجد، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إقامة الحدود في المساجد، وفي ضربه المرأة قائمة، وإنما تضرب النساء قاعدات كاسيات (١) ، وفي ضربه إياها حدين، وإنما يجب على القاذف إذا قذف جماعة بكلمة واحدة حد واحد، ولو وجب أيضا حدان لا يوالي بينهما، بل يضرب أولا ثم يترك حتى يبرأ من ألم الأمل (٢) ، وفي إقامة الحد عليها بغير طالب (٣) . فبلغ ذلك محمد بن أبي ليلى، فسير إلى والي الكوفة وقال: ها هنا شاب يقال له أبو حنيفة يعارضني في أحكامي ويفتي بخلاف حكمي ويشنع (٤) علي بالخطأ، فأريد أن تزجره عن ذلك، فبعث إليه الوالي ومنعه عن الفتيا، فيقال إنه كان يوما في بيته وعنده زوجته وابنه حماد وابنته، فقالت له ابنته: إني صائمة وقد خرج من بين أسناني دم وبصقته حتى عاد الريق أبيض لا يظهر عليه أثر الدم، فهل أفطر إذا بلعت الآن الريق فقال لها: سلي أخاك حمادا فإن الأمير منعني من الفتيا. وهذه الحكاية معدودة في مناقب أبي حنيفة وحسن تمسكه بامتثال إشارة رب الأمر، فإن إجابته طاعة، حتى إنه أطاعه في السر، ولم يرد على ابنته جوابا، وهذا غاية ما يكون من امتثال الأمر.

стр. 1710

وكانت ولادة محمد المذكور سنة أربع وسبعين للهجرة، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة بالكوفة، وهو باق على القضاء، فجعل أبو جعفر المنصور ابن أخيه مكانه، ﵁. ٥٦٥ - (١) محمد بن سيرين أبو بكر محمد بن سيرين البصري، كان أبوه عبدا لأنس بن مالك، ﵁، كاتبه على أربعين ألف درهم، وقيل عشرين ألفا، وأدى المكاتبة. وكان من سبي ميسان، ويقال من سبي عين التمر. وكان أبوه سيرين من أهل جرجرايا، وكنيته أبو عمرة (٢) ، وكان يعمل قدور النحاس، فجاء إلى عين التمر يعمل بها، فسباه خالد بن الوليد ﵁ في أربعين غلاما مختتنين (٣) ، فأنكرهم، فقالوا: إنا كنا أهل مملكة، ففرقهم في الناس. وكانت أمه صفية مولاة أبي بكر الصدين، ﵁، طيبها ثلاث من أزواج رسول الله ﷺ ودعون لها، وحضر إملاكها ثمانية عشر بدريا فيهم أبي ابن كعب يدعو وهم يؤمنون. وروى محمد المذكور عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعمران بن حصين وأنس بن مالك، ﵃، وروى عنه قتادة بن دعامة وخالد الحذاء وأيوب السختياني وغيرهم من الأئمة،

стр. 1711

وهو أحد الفقهاء من أهل البصرة، والمذكور بالورع في وقته. وقدم المدائن على عبيدة السلماني وقال: صليت معه، فلما قضى صلاته دعا بغداء، فأتي بخبز ولبن وسمن فأكل وأكلنا معه، ثم جلسنا حتى حضرت العصر، ثم قام عبيدة فأذن وأقام، ثم صلى بنا العصر ولم يتوضأ لا هو ولا احد ممن أكل معنا فيما بين الصلاتين. وكان محمد المذكور صاحب الحسن البصري ثم تهاجرا في آخر الأمر، فلما مات الحسن لم يشهد ابن سيرين جنازته. وكان الشعبي يقول: عليكم بذلك الرجل الأصم، يعني ابن سيرين، لأنه كان في أذنيه صمم. وكانت له اليد الطولى في تعبير الرؤيا. وكانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وتوفي تاسع شوال يوم الجمعة سنة عشر ومائة بالبصرة، بعد الحسن البصري بمائة يوم، ﵄، وكان بزازا، وحبس بدين كان عليه، وولد له ثلاثون ولدا من امرأة واحدة عربية (١) ولم يبق منهم غير عبد الله، ولما مات كان عليه ثلاثون ألف درهم دينا فقضاه ولده عبد الله، فما مات عبد الله حتى قوم ماله بثلثمائة ألف درهم. وكان محمد المذكور كاتب أنس بن مالك بفارس. وكان الأصمعي يقول: الحسن البصري سيد سمح وإذا حدث الأصم بشيء - يعني ابن سيرين - فاشدد يديك، وقتادة حاطب ليل. قال ابن عوف: لما مات أنس بن مالك أوصى أن يصلي عليه ابن سيرين ويغسله، قال: وكان ابن سيرين محبوسا، فأتوا الأمير - وهو رجل من بني أسد - فأذن له، فخرج فغسله وكفنه وصلى عليه في قصر أنس بالطف، ثم رجع فدخل كما هو إلى السجن، ولم يذهب إلى أهله. قلت: وذكر عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة أن الذي غسل أنس بن مالك هو قطن بن مدرك الكلابي والي البصرة، وكذلك قال أبو اليقظان (٢) .

стр. 1712

وميسان: بفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة وبعد الألف نون، وهي بليدة بأيفل أرض البصرة. وعين التمر: قد سبق الكلام عليها. (١) ٥٦٦ ابن أبي ذئب أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه هشام، بن شعبة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (٢) ، القرشي العامري المدني، أحد الأئمة المشاهير، وهو صاحب الإمام مالك ﵁ وكانت بينهما ألف أكيدة ومودة صحيحة. ولما قدم مالك على أبي جعفر المنصور سأله: من بقي بالمدينة من المشيخة فقال: يا أمير المؤمنين، ابن أبي ذئب وابن أبي سلمة وابن أبي سبرة. وكان أبوه قد أتى قيصر فسعي به، فحبسه حتى مات في حبسه. وتوفي أبو الحارث المذكور في سنة تسع وخمسين، وقيل ثمان وخمسين ومائة بالكوفة، ﵁، ومولده في المحرم سنة إحدى وثمانين للهجرة، وقيل سنة ثمانين، وهي سنة سيل الجحاف. والحسل: ولد الضب، وجعه حسول. ولؤي: من همزه قال هو تصغير لأي، وهو الثور، ومن لم يهمزه قال هو تصغير لوى الرمل، والفهر: الحجر، والله أعلم.

стр. 1713

(١) ٥٦٧ محمد بن الحسن الحنفي أبو عبد الله محمد بن فرقد، الشيباني بالولاء الفقيه الحنفي، أصله من قرية على باب دمشق في وسط الغوطة اسمها حرستا، وقدم أبوه من الشام إلى العراق، وأقام بواسط فولد له بها محمد المذكور، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، ولقي جماعة من أعلام الأئمة، وحضر مجلس أبي حنيفة سنتين، ثم تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة. وصنف الكتب الكثيرة النادرة، منها الجامع الكبير والجمع الصغير وغيرهما. وله في مصنفاته المسائل المشكلة خصوصا المتعلقة بالعربية. ونشر علم أبي حنيفة، وكان من أفصح الناس، وكان إذا تكلم خيل لسامعه أن القرآن نزل بلغته. ولما دخل الإمام الشافعي ﵁ بغداد كان بها، وجرى بينهما مجالس ومسائل بحضرة هارون الرشيد. وقال الشافعي: ما رأيت أحدا يسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت الكراهة في وجهه، إلا محمد بن الحسن، وقال أيضا: حملت من علم محمد بن الحسن وقر بعير. وقال الربيع بن سليمان المرادي: كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن وقد طلب منه كتبا له لينسخها، فتأخرت عنه: قل لمن (٢) لم تر ع ... ين من رآه مثله ومن كأن من رآ ... هـ قد رأى من قبله العلم ينهى أهله ... أن يمنعوه أهله لعله يبذله ... لأهله لعله

стр. 1714

فأنفذ إليه الكتب من وقته. ورأيت هذه الأبيات في ديوان منصور بن إسماعيل الفقيه المصري - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وقد كتبها إلى أبي بكر بن قاسم. والذي ذكرناه أولا حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء (١) . وروي عن الشافعي أنه قال: ما رأيت سمينا ذكيا إلا محمد ابن الحسن. وكان الرشيد قد ولاه قضاء الرقة ثم عزله عنها، وقدم بغداد. وحكى محمد بن الحسن قال: أتوا (٢) أبا حنيفة في امرأة ماتت وفي جوفها وله يتحرك، فأمرهم فشقوا جوفها واستخرجوا الولد (٣) وكان غلاما، فعاش حتى طلب العلم وكان يتردد إلى مجلس محمد بن الحسن، وسمي ابن أبي حنيفة. ولم يزل محمد بن الحسن ملازما للرشيد حتى خرج إلى الري خرجته الأولى، فخرج معه، ومات برنبويه قرية من قرى الري في سنة تسع (٤) وثمانين ومائة. ومولده سنة خمس وثلاثين، وقيل إحدى وثلاثين، وقيل اثنتين وثلاثين ومائة. وقال السمعاني: مات محمد بن الحسن والكسائي في يوم واحد بالري، رحمها الله تعالى، وقيل إن الرشيد كان يقول: دفنت الفقه والعربية بالري. ومحمد بن الحسن المذكور ابن خالة الفراء صاحب النحو واللغة. وقد تقدم الكلام على الشيباني. وحرستا: بفتح الحاء المهملة والراء وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها ألف مقصورة. ورنبويه (٥) : بفتح الراء وسكون النون وفتح الباء الموحدة والواو وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها هاء ساكنة.

стр. 1715

(١) ٥٦٨ محمد بن علي العباسي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، وهو والد السفاح والمنصور الخليفتين - وقد تقدم ذكر والده في حرف العين (٢) -، قال ابن قتيبة (٣) : كان محمد المذكور من أجمل الناس وأعظمهم قدرا، وكان بينه وبين أبيه في العمر أربع عشرة سنة، وكان علي يخضب بالسواد ومحمد يخضب بالحمرة، فيظن من لا يعرفهما أن محمدا هو علي. [قال يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج بن يوسف الثقفي، سمعت الحجاج يقول: بينا نحن عند عبد الملك بن مروان بدومة الجندل في منتزه له ومعه قائف يحادثه ويسائله، إذ أقبل علي بن عبد الله بن العباس ومحمد ابنه، فلما رآه عبد الملك مقبلا حرك شفتيه وهمس بهما وانتقع لونه وقطع حديثه، قال الحجاج: فوثبت نحو علي لأرده، فأشار إلي عبد الملك أن كف عنه، وجاء علي فسلم فأقعده إلى جانبه، وجعل يمس ثوبه، وأشار إلى محمد أن اقعد، وكلمه وساءله، وكان علي حلو المحادثة، وحضر الطعام فأتي بالطست، فغسل يده وقال: أدن الطست من أبي محمد، فقال: أنا صائم، ثم وثب، فأتبعه عبد الملك بصره حتى كاد يخفي عن عينبه، ثم التفت إلى القائف فقال: أتعرف هذا فقال: لا، ولكن أعرف من أمره واحدة، قال: وما هي قال: إن كان الفتى الذي معه ابنه فإنه يخرج من عقبه فراعنه يملكون الأرض ولا يناويهم مناو إلا قتلوه، قال: فاربد لون عبد الملك، ثم قال: زعم راهب

стр. 1716

إيليا - ورأى عندي - انه يخرج من صلبه ثلاثة عشر ملكا، وصفهم بصفاتهم] . وكان سبب انتقال الأمر إليه أن محمد بن الحنيفية - وقد سبق ذكره - كانت الشيعة تعتقد إمامته بعد أخيه الحسين، ﵁، فلما توفي محمد بن الحنيفية انتقل الأمر إلى ولده أبي هاشم - وقد سبق ذكره أيضا في ترجمة أبيه (١) - وكان عظيم القدر، وكانت الشيعة تتوالاه، فحضرته الوفاة بالشام في سنة ثمان وتسعين للهجرة ولا عقب له، فأوصى إلى محمد بن علي المذكور وقاله له: انت صاحب هذا الأمر، وهو في ولدك، ودفع إليه كتبه وصرف الشيعة نحوه. ولما حرض محمدا المذكور الوفاة بالشام أوصى إلى ولده إبراهيم المعروف بالإمام، فلما ظهر أبو مسلم الخراساني بخراسان دعا الناس إلى مبايعة إبراهيم بن محمد المذكور، فلذلك قيل له الإمام. وكان نصر بن سيار نائب مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية يومئذ بخراسان، فكتب إلى مروان يعلمه بظهور أبي مسلم يدعو لبني العباس. فكتب مروان إلى نائبه بدمشق بأن يحضر إبراهيم من الحميمة موثقا، فأحضره وحمله إليه وحبسه مروان بن محمد آخر ملوك بني امية بمدينةة حران، فتحقق أن مروان يقتله، فأوصى (٢) إلى أخيه السفاح، وهو أول من ولي الخلافة من اولاد العباس، هذه خلاصة الأمر، والشرح فيه تطويل (٣) وبقي إبراهيم في الحبس شهرين، ومات وقيل قتل. وكانت ولادة محمد المذكور سنة ستين للهجرة، هكذا وجدته منقولا، وهو يخالف ما تقدم من أن بينه وبين أبيه في العمر أربع عشرة سنة، فقد تقدم في تاريخ أبيه أنه ولد في حياة علي بن أبي طالب ﵁، أو في ليلة قتل علي، على الاختلاف فيه، وكان قتل علي في رمضان سنة أربعين، فكيف يمكن أن يكون بينهما أربع عشرة سنة بل أقل ما يمكن أن يكون بينهما عشرون سنة. [وذكر ابن حمدون في كتاب التذكرة أن محمدا المذكور مولده في سنة اثنتين وستين للهجرة] ، وتوفي محمد المذكور في سنة ست وعشرين،

стр. 1717

وقيل اثنتين وعشرين ومائة، وفيها ولد المهدي بن أبي جعفر المنصور، وهو والد هارون الرشيد، وقيل سنة خمس وعشرين ومائة بالشراة، [وقال الطبري في تاريخه: توفي محمد بن علي مستهل ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة] رحمه الله تعالى. وقد تقدم الكلام على الشراة في ترجمة أبيه (١) علي بن عبد الله. وقال الطبري في تاريخه (٢) : في سنة ثمان وتسعين للهجرة قدم أبو هاشم عبد الله ابن محمد بن الحنفية على سليمان بن عبد الملك بن مروان فأكرمه، وسار أبو هاشم يريد فلسطين، فأنقذ سليمان من قعد له على الطريق بلبن مسموم، فشرب منه أبو هاشم فأحس بالموت، فعدل إلى الحميمة واجتمع بمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس وأعلمه ان الخلافة في ولده عبد الله بن الحارثية - قلت: وهو السفاح - وسلم إليه كتب الدعاة وأوقفه على ما يعمل بالحميمة، هكذا قال الطبري، ولم يذكر إبراهيم الإمام، وجميع المؤرخين اتفقوا على إبراهيم، إلا أنه ما تم له الأمر، والله أعلم. ٥٦٩ - (٣) البخاري أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف يزذبه [وقال ابن ماكولا: هو يزدزبه] الجعفي بالولاء، البخاري الحافظ

стр. 1718

الإمام في علم الحديث، صاحب الجامع الصحيح والتاريخ، رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد، واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية، وحكى أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس والخطيب في تاريخ بغداد (١) أن البخاري لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقبلوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد إسناد آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه واحد من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال للبخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء (٢) ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم ضد ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين كذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.

стр. 1719

وكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكبش النطاح، ونقل عنه محمد بن يوسف الفربري أنه قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. وعنه أنه قال: صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله . وقال القربري: سمع صحيح البخاري تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري. وروى عنه أبو عيسى الترمذي. وكانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة، لثلاث عشرة، وقيل لاثنتي عشرة ليلة خلت منن شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وقال أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد: إن ولادته كانت لاثنتي عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور. وتوفي ليلة السبت بعد (١) صلاة العشاء، وكانت ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر، سنة ست وخمسين ومائتين بخرتنك، رحمه الله تعالى. وذكر ابن يونس في تاريخ الغرباء أنه قدم مصر وتوفي بها، وهو غلط، والصواب ما ذكرناه ها هنا رحمه الله تعالى. وكان خالد بن أحمد بن خالد الذهلي (٢) أمير خراسان قد اخرجه من بخارى إلى خرتنك، ثم حج خالد المذكور فوصل إلى بغداد فحبسه الموفق بن المتوكل أخو المعتمد الخليفة، فمات في حبسه. وكان شيخا نحيف الجسم، لا بالطويل ولا بالقصير. [وقد اختلف في اسم جده، فقيل إنه يزذبه - بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وكسر الذال المعجمة وبعدها باء موحدة ثم هاء ساكنة، وقال أبو نصر بن ماكولا في كتاب الإكمال (٣) : هو يزدزبه - بدال وزاي وباء معجمة بواحدة - والله أعلم، وقال غيره: هذا الجد مجوسيا مات على دينه، وأول من أسلم منهم المغيرة، ووجدته في موضع آخر عوض يزذبه الأحنف ولعل يزذبه كان أحنف الرجل، والله أعلم] .

стр. 1720

والبخاري: بضم الباء الموحدة وفتح الخاء المعجمة وبعد الأللف راء، هذه النسبة إلى بخارا، وهي من أعظم مدن ما وراء النهر، بينها وبين سمرقند مسافة ثمانية أيام. وخزنتك: بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وفتح التاء المثناة من فوقها وسكون النون وبعدها كاف، وهي قرية من قرى سمرقند. وقد سبق الكلام على الجعفي (١) ، ونسبة البخاري إلى سعيد بن جعفر والي خراسان، وكان له عليهم الولاء فنسبوا إليه. (٢) ٥٧٠ ابن جرير الطبري أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد، الطبري، وقيل يزيد بن كثير ابن غالب، صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير، كان إماما في فنون كثيرة منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، وله مصنفات مليحة في فنون عديدة تدل على سعة علمه وغزارة فضله، وكان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحدا، وكان أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني المعروف بابن طرارا على مذهبه - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى -. وكان ثقة في نقله، وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها، وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء (٣) في جملة المجتهدين، ورأيت في بعض
следующие страницы →